انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الفلسفة والدين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 84–108
 

الفلسفة والدين

من الآراء التي شاعت بين الأوربيين في القرن التاسع عشر أن الأمم الشرقية تطلب العلم للمنفعة ولا تطلبه للمعرفة والمتعة العقلية، كما كان يطلبه الإغريق في الزمن القديم

وآية ذلك عند أصحاب هذا الرأى أن المصريين والبابليين والفرس والهنود كانت لهم علوم يتدارسونها ولكنها كانت كلها من قبيل الصناعات التي تنفعهم في البناء والزراعة وعلاج الإنسان والحيوان، وأن الإغريق وحدهم هم الذين عرفوا العلم والفلسفة كلفاً بالبحث والنظر المجرد لغير منفعة مقصودة من منافع المعاش

وهذا الرأى يروج بين الأوربيين بغير تمحيص ولا مناقشة، لأنه يعجبهم ويرضى غرورهم ومصلحتهم فى وقت واحد : يرضى غرورهم لأنه يميزهم على الأم الشرقية بأشرف المزايا الإنسانية، ويرضى مصلحتهم لأنه يسوغ لهم استعمار الشرق واستغلاله فى عصر الاستعمار والاستغلال

ولكن الطريف فى الفكرة أنها هى نفسها ليست من الأفكار الفلسفية أو العلمية التي تخلو من المنفعة والتسليم بغير سبب معقول. فإن العقل المطبوع على الفلسفة والبحث المجرد لا يقبل أن يتركب العقل الإغريقي طبعاً واصلاً على غير التركيب الذي استقر في السلالات البشرية الأخرى، ولا يستريح إلى هذا الحكم المعنف بغير علة يرد إليها هذا الاختلاف العجيب في أصل التركيب.

والواقع أنه لا اختلاف هناك في أصل الطبيعة بين العقل البشرى في الإغريق والعقل البشرى فى السلالات الشرقية التي ذكروها، وإنما يقع الاختلاف لأسباب موضعية تجوز على الإغريق كما تجوز على المصريين والبابليين والعرب والفرس والهنود.

وإنما امتاز الإغريق بالبحوث الفلسفية في زمن من الأزمان لسبب واضح : هو أن هذه البحوث كانت مباحة عندهم حيث كانت تمتنع على غيرهم من أبناء الدول الشرقية العريقة، وهى لم تكن مباحة لهم لمزية أصلية في طبيعة التركيب كما وهم القائلون بذلك الرأى المتعجل العسوف، ولكنها أبيحت لهم لأن بلادهم نشأت وتطورت دون أن ينشأ فيها ملك قوى وكمانة قوية، ولو قامت عندهم الدولة القوية والكهانة القوية كما قامت في مصر وبابل لكان شأنهم فى أسرار الدين والمسائل الإلهية كشأن البابليين والمصريين.

فالبلاد التي تجرى فيها الأنهار الكبيرة تنشأ فيها الملك الراسخة وتنشأ مع المالك كهانات قوية السلطان تستأثر بالبحث في أصول الأشياء وحقائق مع التكوين وتتولى شؤون العلم والتعليم كأنها حق لها مقصور عليها لا يجوز الافتيات عليه، وإلا كان المفتئت كالمعتدى على نظام الدولة ومحراب العبادة، ٨٦

ومتى طال الأمد بهذه الكهانات جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر تمكن سلطانها وتشعبت دعاواها وتلبست معلوماتها بلباس الأسرار والطلاسم وابتعدت شيئاً فشيئاً من نطاق البحث الحر إلى نطاق المحفوظات والمأثورات ولو نشأ لليونان دولة كهذه الدول وكمانات كهذه الكهانات لما اجترأوا على التعرض لمسائل الخلق والخالق وطبائع الكون ومكونه بين سواد الناس وجمهرة النظارة ويسمعهم من شاء منهم بلا رقيب ولا حسيب اذ حدث للأوربيين ما حدث فى الشرق حين قامت في بلادهم الكهانات القوية وبسطت سلطانها على التعليم ومعارض البحث في حقائق الدين وأسرار الطبيعة وقوانين الوجود . فبطلت الفلسفة والدراسات العلمية في القرون الوسطى وحيل بين الناس وبينها إلا بإذن من رجال الدين في حدود النصوص المقررة كما كانوا يفهمونها ويبيحون فهمها ، واستطاعت الكهانة الأوربية أن تفعل ذلك وهى حديثة العهد لم تبلغ من العراقة مبلغ الكهانة المصرية أو البابلية ، إذ كانت تمد أعوامها بالعشرات أو المئات القليلة وقد غبرت على الكهانات القديمة ألوف من الأعوام بعد ألوف على أن الاغريق لم يتحركوا للبحث في الأسرار الإلهية والعلوم الطبيعية إلا بهداية من أمم الكهانات التي سبقتهم إلى التدين وعبادة الخالق العظيم، يوم كانوا يجهلون قدرة الخلق ولا يعرفون أنها صفة لإله العالم بأسره، كما عرفها الموحدون أو المعددون فى ظل الإله الواحد العظيم كان في أرض الإغريق ، وفى جزيرة كريت ، أناس من السلالة الإغريقية التى تشملهم على اختلاف القبائل واللهجات ، وكانت لهم حضارة يظهر من لقايا الحفر فى مواضعها أنها ازدهرت قبل ميلاد المسيح بسبعة عشر قرناً على أقل تقدير، فلم تكن لهم فلسفة ولا نبغ ينهم حكماء متفلسفون في طوال تلك القرون ، وإنما نبغ فلاسفتهم على الشواطىء الأسيوية أو الجزر القريبة منها بعد احتكاكهم بالأمم الشرقية ذوات الحضارة العريقة ، ولو لم يكن لعقائد الشرقيين وعلومهم فضل فى تنبيه أذهان الاغريق إلى أصل الوجود وتقديرات الفكر الإنسانى الأول لعلل الأشياء لما كان هناك معنى الظهور الفلاسفة الأولين على مقربة من تلك الحضارات ، وليس بصحيح أن الإغريق قصدوا الفلسفة النظرية ابتداء منذ أخذوا في البحث عن حقائق الأشياء. فإن فيثاغوراس كان يمزج الدين بالحكمة و يشرف على تنظيم الجماعات السرية التى تطمح إلى ولاية الحكومة ، وكان اكسينوفان Xenphanes يبشر بدين التوحيد وينحى على تعديد الأرباب ، وقد كان فيثاغوراس يؤمن كما يؤمن الهنود بتقمص الأرواح وثنائية الخير والشر والنور والظلام ودورات الحياة والأزمان، ويرى أنه لا نجاة للمرء من دولاب الطبيعة الذي تقيده به تلك الدورات إلا بالرياضة والتقشف وخلوص النفس للمعرفة والحكمة ، وكان نباتياً يحرم أكل اللحوم على طريقة البراهمة ، وقد حذا حذوه في معظم آرائه إمبيد وقليس ودخل جزء من فلسفته الروحية في مذهب أفلاطون وليس أدل على الصبغة الشرقية في الفلسفة الإغريقية الأولى من غلبة ٨٨

الفلك والرياضيات على رواد هذه الفلسفة الاسيويين ، ومن غلبة الصبغة الدينية على فيثاغوراس واكسينوفان والمريدين لهذين الحكيمين ، ومن عدد السبعة الذى أطلق على الحكماء السبعة السابقين ومنهم تاليس وصولون . فان المعارف الفلكية تقدمت فى بابل ومصر قبل أن يتناولها الإغريق بألوف السنين، والجماعات الدينية السرية انتقلت من بلاد الكهانات القديمة إلى آسيا الصغرى وما يليها ، وليس هذا كله مما يفهم منه أن السليقة الإغريقية هى التى ابتكرت البحوث الفلسفية أو كانت هذه السليقة ملازمة لها في جميع العصور . على أن المصادر الشرقية - ومنها التوراة وأقوال المصريين والبابليين - ظاهرة في أقدم المذاهب الإغريقية وهو مذهب طاليس الذي لا يخلو مذهب فلسفى بعده من بعض آرائه . فهو كما قال الشهرستاني يرى « أن للعالم مبدعاً لا تدرك صفته العقول من جهة جوهريته وإنما يدرك من جهة آثاره ، وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته إلا من نحو أفاعيله وابداعه وتكوينه الأشياء فلسنا ندرك له اسماً من نحو ذاته بل من نحو ذاتنا » ... إلى أن يقول . ( ونقل عنه أن المبتدع الأول هو الماء ... والماء قابل لكل صورة ومنه أبدع الجواهر كلها من السماء والأرض وما بينها ، وهو علة كل مبدع وكل مركب فى العنصر الجسمانى . فذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض ومن انحلاله تكون الهواء ومن صفوة الماء تكونت النار ومن الدخان ٨٩

والأبخرة تكونت السماء ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب ...» قال الشهرستاني : « وفي التوراة فى السفر الأول مبدأ الخلق هو جوهر خلقه الله تعالى ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ثم ثار من الماء بخار مثل الدخان تخلق منه السموات وظهر على وجه الماء زبد مثل زيد البحر فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال . وكان تاليس الملطى انما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية . . . »

أما حب العلم للعلم فشأن الإغريق فيه كشأن جميع الأمم والسلالات ، وحسبك أنهم سموا علم الهندسة علم « قياس الأرض » بعد تقدمه وظهور تطبيقات له غير مساحة الأرض وتقسيم المزارع والمروج . ولعل هذا مما يشير إلى الأصل الذى اقتبسوا منه معارفهم الهندسية ، لأن المصريين كانوا يحتاجون إلى إعادة مسح الأرض بعد الفيضان ، ولم تكن باليونان حاجة إلى المساحة والتقسيم كل عام وإنما جاء الفارق الظاهر فى أسلوب الاشتغال بالعلوم من ضعف الكيانات فى الأوطان الإغريقية وقوتها في الأوطان الشرقية ، فلما ابتدأ الإغريق بحوثهم مضوا فيها طلقاء من قيود الدولة والدين ، وتيسر لهم ما تعذر على غيرهم لهذا الفارق المرضى لا لفارق فى تركيب العقول وعناصر التفكير وليس أصعب من إثبات السلالة الإغريقية الخالصة لجميع الفلاسفة الموزعين بين آسيا الصغرى وأرض يونان وجزر الأرخبيل وصقلية والإسكندرية وتراقية، وهى تشتمل على شتى الأجناس غير الإغريق ومن الواضح أن فيض البحوث الفلسفية عند الإغريق لم يكن ذلك الفيض الدافق العرم الذى يحطم القيود ويقتحم السدود . لأن سداً من أضعف السدود التي ابتليت بها الأمم الشرقية في تاريخها الطويل قد غيض ما فاض من قرائح اليونان فى بضعه أجيال معدودات . فانقضى عصر الفلسفة اليونانية أمام صدمة مقدونية وأخرى رومانية ، وعاش الإغريق بعد ذلك فى بلادهم دون أن يظهر منهم فيلسوف واحد إلى هذه الأيام ) جرم تفعل الحواجز والقيود التي استلزمتها طبيعة تكوين الدولة في الأم الشرقية مثل ما فعلته فى اليونان خلال عصور الجمود والاقفار ، ولا حاجة بنا إلى تفسير آخر غير هذا التفسير نغوص فيه على أصول التركيب التى لا تقبل التعليل بعلة من علل الفلسفة أو على الدراسة العلمية . فانما هي عوارض من أثر البيئة والتاريخ أصابت الساميين بأسبابها المعروفة كما أصابت الفرس والهنود أيضاً وهم غير ساميين ، ثم أصابت الإغريق والأوربيين أيضاً دهوراً طوالا تحت سلطان الدول والكهانات ، فكانوا أضيق بالبحث العلمى صدراً من شعوب الشرق جمعاء ، وحسبنا من ذاك محاكم التفتيش وعقوبات الاحراق والحرمان . ولم تكن للعرب فى الجاهلية دولة قوية كالدول التي قامت بين النهرين أو على ضفاف النيل ، ولكنهم عاشوا عيشة البدو الرحل في طلب الكلا ٩١

والماء أو عيشة البدو الرحل فى تجارة القوافل بين الصيف والشتاء ، واحوجتهم مطالب المعاش إلى الغزو والدفاع بغير هوادة ولا انقطاع . وما من أمة سامية أو غير سامية تقضى أيامها في أمثال هذه الشواغل ثم ينع لها المقام لدرس الفلسفة وتحصيل المعارف النظرية التي يعين عليها الأمان والاستقرار ... ومن ضروب التجنى التى لا تحمد من العلماء أن يقال أن العقل العربي لن يستطيع التفلسف بحال من الأحوال ، لان الفارابي وابن سينا مثلا كانا من سلالة فارسية على أشهر الأقوال ولم يكونا من سلالة عربية أو سامية، كانما كانت للفرس قبل ذلك فلسفة فارسية أو كان لهم عذر كعذر العرب في هجر البحوث الفلسفية طوال العهود التى مرت بهم في الحضارة والعمران . وإنما الرأى السليم الذي يقبله المنطق والعلم على السواء أن موانع الفلسفة واحدة حيث كانت الأمة من مواقع الأرض وكيفما كانت السلالة من عناصر الأجناس والأقوام . فالإغريق في موضع العرب لا يتفلسفون ، والعرب فى موضع الإغريق لا يحجمون عن الفلسفة ودراسة العلوم . على أن يعقوب الكندى عربي أصيل لم يعرف له نسب دخيل ، وفلاسفة الأندلس كانوا من العرب ولم يكونوا من الفرس أو من الأوربيين أو كانت عروبتهم كالإغريقية التى ينتمى إليها سكان ترافية وجزر الأرخبيل وكريت وصقلية وآسيا الصغرى وجالياتهم بصور وصيداً ووادى النيل . ٩٢

ولعل هؤلاء الفلاسفة الأندلسيين هم أحق الفلاسفة المسلمين بالتنويه بهم في معرض الكلام على توجه الأوربيين إلى البحوث الفلسفية والدراسات المنطقية . فإن فلاسفة الشرق كالفارابي وابن سينا وغيرهما لم يذاعوا بين الطلاب الأوربيين عامة إلا من هذا الطريق ، وكان الفضل المباشر في تعريف الأوربيين بهم لأمثال ابن باجة وابن طفيل وابن رشد و ابن زهر ، وغيرهم ممن زاولوا الفلسفة والطب أو زاولوا الطلب على انفراد . أما قبل ذلك فقد كان العلم بهم مقصوراً على الخاصة والمتفرغين للاستبحار في العلوم والأوربيون قد بدأوا بالإطلاع على فلسفة ابن سينا قبل أن يسمعوا بأسماء الفلاسفة الأندلسيين ، لأن رايموند أسقف طليطة أمر بترجمة بعض مؤلفاته إلى اللاتينية قبل منتصف القرن الثانى عشر للميلاد : ولم يكن هذا أول عهد المتفقهين من أبناء أوربة الغربية بالاطلاع على الثقافة العربية في حلقات الدرس بالجامعات الأندلسية . فمن تلاميذ هذه الثقافة قبل نهاية القرن العاشر رجل اشتهر بها وعده أبناء عصره من السحرة وأصحاب الخوارق لفرط ما أدهشهم من سعة علمه ووفرة محصوله ، وهو الكاهن جربارت الذى عرف باسم سلفستر الثانى حين ارتقي إلى عرش البابوية سنة تسعمائة و تسع وتسعين وجاء الفلاسفة الأندلسيون ففتحوا الباب على مصراعيه ، وكان فقهاء المسيحية يبغضون أكبرهم وأشهرهم - أبا الوليد بن رشد - لاتهامهم إياه بالنزعة المادية وانكار خلود النفوس الفردية ، لكنهم كانوا يستريحون إلى ٩٣

ابن ماجة وابن طفيل لأنهما يؤمنان بالأشراق والمعرفة التي تستلهم بالتأمل والرياضة . وقد ظهرت توجيهات هذين الفيلسوفين المعتدلين في أراء القديس توما الاكوينى والبرت الكبير ، ولم تخف مع ذلك توجيهات ابن سينا نفسه فما كتبه البرت الكبير عن ( المعرفة ) على الخصوص . بل بقيت لابن رشد أيضاً توجيهاته القوية فى مدارس الفلسفة الأوربية قرونا عدة بعد تحريم كتبه واشهار هذا الحرمان فى العالم المسيحي كله ، ولم يزل عزيز المكانة على المفكرين والمتفلسفين إلى عهد النهضة الفلسفية الحديثة بعد موته بعدة قرون. ومن طريف ما يروى فى ذلك أن الفيلسوف الألماني فردريك او برفيج Friedrich Uoberweg تصدى لتبرئته من تهمة الكفر التي رماه بها بعض المتشددين من فقهاء المسلمين . فقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، وقيل على سبعين وقيل على سبعمائة . فإذا وقف العامة عند حرفه الظاهر فلن تخلو الأحرف التي يفهمها الخاصة من موافقة بينها وبين معانى الحكمة الخفية وأسرار الفلسفة العويصة ! ويظن - والظن من الأوربيين قبل الشرقيين - أن الفيلسوف الصوفي محيى الدين بن عربي كان له أثر كبير في عقول النساك والمتصوفة من فقهاء المسيحية الذين ظهروا بعده. فإنه نشأ في مدينة مرسية قبل ختام القرن الثاني عشر للميلاد وانتقل من دراسة علوم الكلام ومذاهب الفلسفة إلى الرياضة الصوفية والإيمان بوحدة الوجود ، وقد حببه إلى المسيحيين أنه وحد بين الأديان كما وحد بين حقائق الوجود ، فقال : ٩٤

عقد الخلائق في الاله عقائداً وهو القائل : . جميع ما اعتقدوه وأنا اعتقدت جميع لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن دينى إلى دينه دان فأصبح قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان وديراً لرهبان ويتا لاوثان وكعبة طائف أدين بدين الحب أني توجهت والواح توراة ومصحف قرآن ركائبه فالحب ديني وإيماني ويرى الأستاذ آسين بلاسيوس الأسباني Asin Palacios أن نزعات دانتي الصوفية وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محيى الدين بغير تصرف كثير ومن المعلوم أن أول الفلاسفة الصوفيين من الغربيين وهو جوهان أكبارت الألمانى قد نشأ فى القرن التالى لعصر ابن العربي ودرس في جامعة باريس وهى الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في الحكمة والعلوم ، وأكهارت يقول كما يقول ابن العربي أن الله هو الوجود الحق ولا موجود سواه ، وأن الحقيقة الإلهية تتجلى في جميع الأشياء ولا سيما روح الإنسان التي مصيرها إلى الاتصال بالله من طريق الرياضة والمعرفة والتسبيح ، وأن صلة الروح بالله الزم من صلة المادة بالصورة والأجزاء بالكل

والأعضاء بالأجسام ومن هذه الفلسفة قبسات واضحة فى مذهب « سبينوزا » الذي نشأ في هولندة وأصله من يهود البرتغال الذين أكرهوا على التدين بالمسيحية . فقد كان كلامه عن الذات والصفات وتجلى الخالق فى مخلوقاته وتلقى الخلق نور ٩٥

المعرفة الصحيحة بالبصيرة والإلهام نسخة من فلسفة المتصوفة المسلمين قليل من التحوير مع و إذا جاز أن يكون أكهارت وسبينوزا قد استقيا بعض هذه المعتقدات والآراء من الأفلوطينية الإسكندرية مباشرة - فليس مما يجوز فيه الشك أن الفيلسوف المتصوف الأسبانى - رايموند لول - قد اقتبس من ابن عربي خاصة فى كتابه أسماء الله الحسنى ، لأنه كان يحسن العربية وعاش بعد ابن عربي بقرن واحد وجعل اسماء الله مئة وهى لم تعرف بهذا العدد في الديانة المسيحية قبل ذاك

وقد تراخى الزمن بين فلاسفة الدول الإسلامية والفلاسفة العصريين وقل من فلاسفة هذا العصر من اطلع على كتب فلاسفة الأندلس وفلاسفة الشرق الإسلامي كما يطلع على الفلسفة اليونانية القديمة في كتبها الأصيلة ، ولكن الآراء الفلسفية التى قال بها أمثال الفارابي والكندى وابن سينا والغزالي وابن رشد و ابن طفيل لا تعد غريبة كل الغرابة عن مذاهب العصر الحديث، لأنها لم تخل من آراء تكلم فيها أساطين الفلسفة الإسلامية وعرضوا لها إما بالإسهاب أو بالإيجاز فالقائلون قديماً بالعقل الهيولاني والعقل الفعال يذهبون إلى قول قريب جداً من قول كانت عن ظاهرة الأشياء Phenomen وحقيقة الأشياء في ذواتها Noumena وهى الحقائق التي يستحيل النفاذ إليها بالعقل والتفكير وإنما يدلنا عليها « العقل العملي» الذي هو مناط الأخلاق والفرائض ٩٦

والتفكير ، وإنما بحقيقتنا فى ذاتها ندرك تلك المجهولات من طريق الالهام الأدبى وهو شي قريب من الهام المتصوفين . ودافيد هيوم يقول إن حصول الأشياء في ترتيب معين مرة أو ألف مرة لا يستلزم أن يكون السابق منها علة للمسبوق وسبباً لوجوده ، وهذا بتفصيله ما قد سبق إليه الغزالى حين قال في تهافت الفلاسفة أن «الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا ، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولا اثبات أحدهما متضمن لاثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفى الآخر فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الرى والشرب ، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار ، والنور وطلوع الشمس ، والموت وحز الرقبة ، والشفاء وشرب الدواء ، واسهال البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات فى الطب والنجوم والصناعات والحرف ، و إن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوى لا لكونه ضرورياً فى نفسه غير قابل للفوت، بل لتقدير، وفي المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون حز الرقبة وإدامة الحياة مع حز الرقبة ، . وهلم جرا إلى جميع المقترنات » ثم فصل القول في هذا على ثلاث مقامات من أدق ما كتب المفكرون فى حقائق التعليل. واتخاذ المصلحة قياساً للحقيقة مذهب عرض له ابن رشد قبل وليام حين تكلم في ختام تهافت التهافت » عن الشرائع وحقيقتها جيمز - حين ٩٧

ولزومها و أن الجميع متفقون على أن مبادىء العمل يجب أن تؤخذ تقليداً إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل إلا بوجود الفضائل الحاصلة من الأعمال الخلقية والعملية ... وأن الحكماء يرون في الشرائع هذا الرأى أعنى أن يتقلد من الأنبياء والواضعين مبادىء العمل والسنن المشروعة في ملة ملة . والممدوح عندهم من هذه المبادىء الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها، مثل كون الصلوات عندنا . فإنه لا يشك في أن الصلوات تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى و إن الصلاة الموضوعة في هذه الشريعة يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر الشرائع ، وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وإذ كارها وسائر ما شرط فيها من الطهارة ومن التروك أعنى ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها . وكذلك الأمر فيما قيل في المعاد منها هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها » وسينوزا يقول بوحدة المادة والروح وهذه هي الفلسفة التي شرحها قبله ابن جبيرول الأندلسى فى كتابه ينبوع الحياة وأقام الدليل عليها بوحدة العلة والمعلول فى الطبيعة أو فى بعض أجزائها ، وإلا انتفى تأثير العقل في الجسد أو تأثير الروح في المادة . ومن المشابهات غير البعيدة أن الأقدمين يقولون بتلازم الزمان والمكان وأينشتين يقول بأن الزمان هو البعد الرابع من أبعاد المكان . ومنها ما يصح أن يسمى الطور الأول المذهب التطور ، وقد عبر عنه (V) ٩٨

الفارابي حيث قال في آراء أهل المدينة الفاضلة مفسراً لأقوال المعلم الأول أن ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولا أخسها ثم الأفضل فالأفضل إلى أن تنتهى إلى أفضلها الذى لا أفضل منه . فأخسها المادة الأولى المشتركة والأفضل منها الاسطقسات ثم المعدنية ثم النبات ثم الحيوان غير الناطق وليس بعد الحيوان الناطق أفضل . منه ) وقد توسع اللاحقون في القول بالتدرج نصاً والإشارة إلى بعض المشابهة بين القرد والإنسان فقال ابن خلدون : « أنظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج : آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له ، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لها إلا قوة اللمس فقط . ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده ، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى فى تدريجه التكويني إلى الإنسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والادراك ولم ينته إليه الفكر والروية بالفعل ، وكان ذلك أول أفق الإنسان من بعده. وهذا غاية شهودنا » . والمشهور عن ديكارت أنه إمام الفلسفة الأوربية الحديثة، وهو مسبوق إلى ثلاث من أهم قضاياه الفلسفيه فيما كتبه الغزالي وابن سينا على الخصوص . فإن الغزالي يقول بأن الشك أول مراتب اليقين والشك هو مقدمة الفلسفة ٩٩

الكارتية إلى البراهين اليقينية . وأول هذه البراهين اليقينية عند ديكارت هو قضيته التى يثبت بها الوجود فيقول : ( أنا أفكر فأنا موجود » وهى بعينها قضية الإنسان المعلق بالفضاء كما عبر عنه ابن سينا حين تصدى لإثبات و الأنية » أى وجود النفس بمعزل عن الموجودات الخارجية . فقال إننا لو علقنا إنساناً فى الفضاء لا يتصل عضو منه بعضو ولا تقع حاس له على موجود لشعر بأنيته ، أو شعر بذاته . وتأتى بعد ذلك مسألة الموجودات وحاجتها بعد وجودها إلى النعمة الإلهية لدوام قوة الوجود فيها فهى لا تكسب الايجاد مرة واحدة بل تكسبه على التجدد بنعمة فياصة من الله جل وعلا ، وهذا هو مذهب ابن سينا وديكارت بلا اختلاف

و يخطىء من يرى أن كل ما تركه فلاسفة المسلمين قد نقلوه قبل ذلك بحرفه عن فلاسفة اليونان. فقد وجد من الفلاسفة الإسلاميين من تصرف واستقل برأيه كما وجد منهم من وقف عند النقل والتفسير . وأكثرهم قد تلقوا مذاهب الأولين على أنها عمل قابل للتعديل والتفنين وليس على أنها قضية مسلمة لا يأتيها الباطل بحال . فالغزالي مثلا كان على علم وثيق بأصول المنطق وكان من أقدر المفكرين السابقين واللاحقين على مناقشة البراهين اليونانية بمثلها أو بما يفوقها قوة ووضوحاً فى بعض القضايا المقلية . وابن سينا لا يرضى عن مذاهب المشائين كل الرضى فيتخذ له منطقاً مقابلا لمنطقهم يسميه «منطق المشرقيين » ويقول فى مقدمته : « ... ولا نبالى من مفارقة تظهر منها لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين ألفاً عن غفلة وقلة فهم ، ولما سمع منا فى كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم ...» وقد أخذ البيرونى على أرسطو في أسئلة لابن سينا أنه يعتقد بآراء الأقدمين وأنه جعل أقاويل القرون الماضية والأحقاب السالفة في الفلك ووجودهم إياه على ما وجده عليه حجة قوية ) وقال عن أرسطو أنه يرى أن الشكل البيضى والعدسي محتاجان في الحركة المستديرة إلى فراغ وموضع خال وأن السكرة لا تحتاج إلى ذلك وليس الأمر كما ذكر فاستصوب ابن سينا انتقاده وذكر له أعذار المفسرين ومنها ما رواه عن تامسطيوس فى تفسيره لكتاب السماء إذ يوصى بأن يحمل قول الفيلسوف على أحسن الوجوه وأشباه هذه المناقضات كثيرة فى كتب الفلاسفة والمتصوفة وعلماء الكلام ، فليس فى أقوال الفلاسفة الكبار ما يسوغ رميهم بالنقل والتقيد بالمنقول ، ولا نستثنى منهم ابن رشد - وهو أشدهم إكباراً لأرسطو . لأنه كان يتناول بعض ما ينقل عنه ببعض التهذيب . - وهنا مجال لكلمة نقال ويتلاقى فيها النقيضان على خطأ واحد فإن الذين يثبتون أخذ الإسلاميين عن اليونان هم كالذين ينكرون ذلك إذا اعتقدوا فيه غضاضة على الآخذين. كائناً ما كان مقدار ما أخذوه . إذ لا يطلب من أمة أن تبتدع ثقافة جديدة تنقطع عن جميع الثقافات الأولى ، ولا يعاب عليها أنها تحج إلى المعرفة حيثما وصلت إليها ، وإنما يعاب عليها أن تنطفىء شعلة الثقافة الإنسانية في يديها وأن تنقطع عندها السلسلة التي اتصلت من مبدأ التاريخ الإنسانى إلى أن بلغتها ، وأجمل ما يذكر بالثناء للفلاسفة الإسلاميين فى هذا المقام أنهم نسبوا كل مقال إلى صاحبه ولم يسكتوا عن الإشادة بفضله كلما عرفوه وحققوه ، خلافاً لما جرى عليه الإغريق فيما أخذوه من علوم الحضارات الأولى، وأن الفلسفة لم تكن في العالم الإسلامى من عمل الحكماء دون غيرهم . بل كانت عملا مشاعاً بين كثير من المتعلمين وأشباه المتعلمين ، ومن أجل هذا دعت الحاجة إلى المناظرات فى مجالس الخاصة وكتابة الرسائل في المساجلات والردود ، مما لم يسبق له نظير بين اليونان ومعاصريهم في الزمن القديم . هذه الفلسفة - أو الفلسفة الصوفية على الخصوص - هي الطريق التي ظهر منها ما ظهر من آثار التفكير الجديد في العالم المسيحي وفي العقائد الأوربية على الإجمال . وربما دلت على مصدر هذه الآثار نظرة واحدة في أرقام السنين التي ازدهر فيها اللاهوت المسيحى ونجحت فيها دعوة الإصلاح الديني واشتدت فيها الحملة على الرهبانية وأعقبها ذلك الترخص المطرد في قيود النسك وقيود الزواج ، فلم يحدث شيء من ذلك كله قبل احتكاك أوربة بالحضارة العربية تارة فى الأندلس وتارة فى أثناء الحروب الصليبية، ولبثت المشكلات العقلية والدينية وما يرتبط بها من المشكلات الاجتماعية - كامنة في البلاد الأوربية لا تسع لها فسحة للظهور والتماس العلاج والتعديل فلما توالى الاحتكاك بين المجتمع العربي والمجتمع الأوربي ، وتوالى معه الاحتكاك بين العقول والعقائد، توالى كذلك ظهور الفهم الجديد والنزعة الجديدة إلى التفسير والإصلاح على نمط غير النمط الأوروبي العتيق ، وجاء الباحثون الأوربيون بما يوافق الفلسفة العربية أحياناً ويخالفها أحياناً أخرى ، ولكن المخالفة لا تنفى مصدر التنبيه ولا تدحض الباعث على التفكير الجديد . فالقديس توما الأكوينى أكبر فلاسفة اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى ولد فى سنة ١٢٢٥ وتوفى فى سنة ١٢٧٤ وألف كتبه بعد أن شاعت بين الرهبان والقسوس دروس الفلاسفة الأندلسيين وفلاسفة المشرق من المسلمين، ولم يكن فى كل ما كتب في الله والروح ووسائل الوصول إلى الحقيقة رأى واحد لم يتناوله قبله ابن سينا والغزالي وابن رشد على الخصوص ، وكل ما استجد من خلافاته فهو تلك الخلافات التي يقضى بها الفارق بين أصول المسيحية وأصول الإسلام ، وقد سمى المسلمون الغزالي حجة الإسلام وسمى دانتى القديس توماس قبساً من نور السماء ، لأنهما قاما بعمل واحد في مناقشة أرسطو وأفلاطون وتغليب العقيدة الإلهية على مواضع الشك من الفلسفة المادية ، ولكن المقابلة بين آراء الحكيمين خليقة ١٠٣

أن تبدى لنا للوهلة الأولى أيهما صاحب السبق في الزمن والاستقلال ، وعلى الرغم من ردود القديس توما شاعت مذاهب العرب بين الرهبان ولا سيما الفرنسيسكان وتحدى عشاق هذه المذاهب قرار الحرم الصريح الذي أصدره مجمع باريس اللاهوتى سنة ١٢٦٩ في حق كل من يردد كلام ابن رشد على الخصوص فى النفس والإنسان الأول والقدم والحدوث. واتصلت الدراسات الفلسفية والصوفية بين رجال الكنيسة فكان من آثارها تلك الحملة القوية على نظام الرهبانية ، وتعززت هذه الحملة في البيئات الدينية بحملة أخرى فى البيئات الأدبية قام بها أديب إيطالي يدين للثقافة العربية بمؤلفه الكبير الذى نسج فيه على منوال ألف ليلة وليلة وهو الديكامرون ، وعرض فيه الرهبنة للغمز والتشهير . فلم ينته القرن الخامس عشر حتى كانت مسألة الرهبانية قد وصلت إلى المفترق الحاسم بين مذهبين . فأصدر مجمع و ترتت ١٥٤٥ ) ، قراره بتحريم الزواج على رجال الدين من جميع الرتب والدرجات ، وتزوج لوثر » إمام المذهب الإنجيلى براهبة كاثوليكية قبل ذلك على سبيل التحدى والاحتجاج، وكان لوثر من أكثر الناس اطلاعاً على فلسفة القرون الوسطى ، لأنه كان أستاذاً للفلسفة في جامعة ويتم برج ، ولم يكن غريباً عن مناقشات علماء اللاهوت وعلماء الكلام ولقد ترجم لوثر التوراة إلى اللغة الجرمانية بعد أن حجرت اللاتينية على لغة الدين والعلم مئات السنين ، ولم يحطم قيودها المرهقة إلا ذلك الإقبال ١٠٤

المطرد على دراسة العربية بين من كانوا قبل ذلك منقطعين لدراسة اللاتينية مترفعين على الكتابة بلغاتهم الوطنية ، وأفرط الناشئون في الإعراض عن اللاتينية حتى شكا من إفراطهم هذا بعض الجامدين ونعى على قومه ذلك التحول الخطير كما جاء في كتاب دوزي عن أسبانيا الإسلامية وقد أشار الأستاذ نيكولسون فى كتاب « تراث الإسلام ، إلى المشابهات بين أقوال الصوفية المسلمين وأقوال الصوفية الأوربيين من الأقدمين مثل اكبارت الألمانى والمحدثين مثل ادوارد کار بنتر الإنجليزي ، وتوسع فى مقاله القيم فى متابعة العلاقة بين صوفية المسيحية وصوفية الإسلام ... وليس العجب أن تثبت هذه العلاقة التي يستلزمها المنطق والتاريخ ، ولكن العجب أن ينفيها من يعلم أن العرب أقاموا في الأندلس عدة قرون وأن دروسهم حضرها رجال الدين والدنيا هناك وأن كتبهم قرأها الباحثون فى الأديرة والجامعات ، وأن النهضة الأوربية لم تظهر لها علامة واحدة قبل هذا الاحتكاك بينهم وبين الأوربيين . . . وللمبالغة هنا طرفان متقابلان يتساويان فى الضلال عن الحق ومجافاة الإنصاف، وهما أن يقال إن الصوفية التي تلقاها الأوربيون عن العرب هي صوفية أجنبية لا فضل للعرب فيها ولا تشتمل فى أطوائها على مزية من ١٠٠

مزايا الروح العربية ، وأن يقال من الجهة الأخرى إنها عربية محض لا مشاركة فيها للشعوب الأخرى . فهذا وذاك باطلان على السواء .. لأن أشواق الروح الإنسانية قسط مشترك بين بني آدم لا تنفرد به أمة من الأم ولا تخلو منه أمة من الأمم ، ولم تستوعبها عقيدة واحدة كل الاستيعاب دون سائر العقائد الدينية . والصوفية العربية مازجت صوفية الهند القديمة وصوفية الأفلوطنيين بالأسكندرية ، ولكنها أضافت إليها كما أخذت منها ، ولا حاجة بنا إلى تعقب التواريخ والأسانيد لتقرير هذه الحقيقة البينة ، فإن عناصر الصوفية الإسلامية مبثوثة في آيات القرآن الكريم محيطة بالأصول التي تفرعت عليها صوفية البوذية والأفلوطينية، والمسلم يقرأ في كتابه أن « ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فيقرأ خلاصة العلم الذي يعلمه دارس اللاهوت في كتب القديس توما حيث يقول إن الله مباين للحوادث وأنه يعلم بالتنزيه والأبعاد عن مشابهتها أو يعلم « بما ليس هو » ولا يعلم بما هو عليه فى ذاته أو صفاته ، أيا كان المصدر الأول الذي استقى منه القديس توما أصول هذه العقيدة . ويقرأ المسلم في كتابه « ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين » فيعلم ما يعلمه تلاميذ المتصوفة البوذيين حين يؤمنون بأن ملابسة العالم تكدر سعادة الروح وأن الفرار منه أو الفرار إلى الله هو باب النجاة . ١٠٦

ويقرأ المسلم في كتابه أن الله « هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم » و «كل شيء هالك إلا وجهه » فلا يزيده المتصوفة شيئاً حين يقولون له إن الله أزلى أبدى قديم بغير زمان ولا مكان ، بالكليات والجزئيات .

ويقرأ المسلم في كتابه أن الله نور السموات والأرض » « ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فقتم وجه الله » ... « ونحن أقرب إليه من حبل هو الوريد » فلا يزيد المتصوفة إلا التفسير حين يقولون إن الوجود الحقيقى . وجود الله وأنه أقرب إلى الإنسان من نفسه لأنه قائم في كل مكان يصل له كل كائن « وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) والله يخلق ويأمر فهو فعال مريد وليست إرادته مانعة من الخلق كما يرى الفلاسفة إذ يقولون إن الإرادة القديمة لا ينشأ منها اختيار حديث أو مخلوق حادث « ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين » . ومما يعلمه المسلم من كتابه أن عقل الإنسان لا يدرك من الله إلا ما يلهمه إياه لأنه تعالى : « يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء . من علمه إلا بما شاء » ومنه يعلم الخ الخلاف ما بين عالم الظاهر وعالم الباطن أو عالم الحقيقة وعالم الشريعة لأنه يقرأ مثلا واضحاً لهذا الخلاف فيما كان بين الخضر وموسى عليهما السلام من خلاف . « ... فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت ١٠٧

رشداً . قال إنك لن تستطيع معى صبرا . وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ، قال ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعمى لك أمرا . قال فإن اتبعتني فلا تسألنى عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا . قال : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا ، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا . فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقنات نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا . قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا . قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا . فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لا تخذت عليه أجرا . قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا . أما السفينة فكانت المساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراء هم ملك يأخذ كل سفينة غصباً . وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً . فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما . وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يباما أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى . ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا » . وهذه آيات بينات يقرأها جميع المسلمين في كتابهم الذي لا يختص به ١٠٨

فريق منهم دون فريق ، وبينهم ولا شك أناس مطبوعون على التصوف واستخراج الأسرار الخفية والمعانى الروحانية من طوايا الكلمات . فإذا عمد جميع هؤلاء إلى تفسير تلك الآيات وما في معانيها فليس أيسر عليهم من الوصول إلى لباب التصوف الذي شغلت به خواطر الحكماء في الأجيال و بين جميع الأجناس ، وعندهم من هذا القسط وحده ما يجعلهم أصلاء في الفلسفة الربانية ويجعل لهم فيها شيئاً ينقلونه إلى الأمم ، غير ما استعاروه من حكماء الهند أو حكماء الاسكندرية