انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/العقائد السماوية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 9–13
 

العقائد السماوية

والأديان الكتابية هى أول ما يخطر على البال حين يجرى الكلام على العقائد السماويه التى تلقاها الأوربيون من تراث الجزيرة العربية، أو من تراث الأمم السامية.

لأن الأديان الكتابية الثلاثة – وهى الموسويه والمسيحية والإسلام – ظهرت وانتشرت بين سلالات الجزيرة العربية، على اختلاف موعدهم من الهجرة منها إلى الأقطار التي تليها.

ولكننا لا نعنى هذه الأديان حين نتكلم في هذا الفصل عن العقائد السماوية، لأنها من وقائع العيان التي لا تزال قائمة في وقتنا الحاضر بغير حاجة إلى استقراء التواريخ ومضاهاة الأخبار والروايات.

وإنما عنينا بالعقائد السماوية كل ما عرفه الأوربيون الأقدمون عن السماء وأفلاكها ومداراتها، وسلطانها المزعوم على الأرضين، وطوالعها النافذة في جميع الأحياء، سواء ما انطوى منها تحت عنوان « علم الفلك » أو ما انطوى تحت عنوان الكهانة والتنجيم.

فيما لا خلاف عليه أن العرب نشأوا في بلاد أصحى سماء وأسطح فضاء من البلاد الأوربية، وأنهم سبقوا أبناء البلاد الغائمة والآفاق المحجبة إلى رصد النجوم ومراقبة المطالع والمغارب في القبة الزرقاء، لأنهم على سهولة الرصد ١٠ عندهم كانوا في حاجة دائمة إلى توسم المطر وترقب الأنواء والخبرة بمواقيت الإدلاج والأسراء ، في رحلاتهم الطويله بالصحراء . ووافق علمهم هذا علم المدائن والأمصار التي قامت بين النهرين، إذ من الأشهر والأيام كما شاع في بلاد الكلدانيين والساميين المحقق أن و قد كان عليه طابع اللغة العربية القديمة ، وأن النسىء في حساب الأشهر والأسبوع في حساب الأيام كانا من المخلفات السامية في تلك البلاد ، وظلت بقاياه بين العرب فى الصحراء إلى ما بعد الإسلام . وكائناً ما كان الرأى فى الاقتباس من الحضارات السمرية بين النهرين فليس ( الأسبوع » من عمل السمريين ولم يظهر بينهم قبل ظهور البابليين . وعن هذه الأقوام العربية الأولى تلقى الأوربيون عقائدهم عن الأسبوع وأرباب الأيام وسلطانها على الأحياء أو على الأحداث والزروع والضروع . ولا تزال أسماء الأيام الإفرنجية تحمل طابع العقائد « السماوية » كما كان يعتقدها أسلاف العرب المعرقون فى القدم ، وتتداولها لغات الغربيين إلى هذه الساعة التي نحن فيها جاء في الجزء الأول من إخوان الصفاء عن أوائل ساعات الأيام : إعلم أن أن الليل والنهار وساعاتهما مقسومة بين الكواكب السيارة ، فأول ساعة من يوم الأحد للشمس ، وأول ساعة من يوم الإثنين للقمر ، وأول ساعة من يوم الثلاثاء للمريخ ، وأول ساعة من يوم الأربعاء المطارد ، ١١ وأول ساعة من يوم الخميس المشترى ، وأول ساعة من يوم الجمعة للزهرة ، وأول ساعة من يوم السبت لزحل ... » ونضرب صفحاً يغنينا فما نحن فيه .. عن تقسيم الليالى والساعات لأن تقسيم أوائل الأيام فيوم الأحد يعرف في الإنجليزية باسم سندای » Sunday أو يوم الشمس . و يوم الإثنين يعرف فيها باسم « منداى » Monday أو يوم القمر . و يوم الثلاثاء يعرف فيها باسم ثيوزداي Tuesday أو يوم «نيوز » إله الحرب عند أمم الشمال الأولى ، وتوضحه التسمية الفرنسية لهذا اليوم . لأن يوم الثلاثاء يعرف فيها باسم Mardi أو يوم مارس وهو المريخ . و يوم الأربعاء يعرف في الإنجليزيه باسم ودنزدای Wednesday أي يوم ودين » إله المعارف والفنون عند قدماء التيوتون ، وتوضحه التسمية الفرنسية أيضاً لأن يوم الأربعاء يعرف فيها باسم Moreredi أو يوم عطارد وهو بالفرنسية Mercure وبالإنجليزية mercury و يوم الخميس يعرف في الإنجليزية باسم نورزداي Thursday أو يوم «ثور» إله الرعد عند قدماء التيوتون ، وتوضحه التسمية الفرنسية لأن يوم الخميس فيها يعرف باسم jondi أى يوم المشترى أو الإله جو بيتر jovis dies ويرجع هذا الإسم إلى اسم « ياهو » jehova الذي يشير به أبناء الأم ١٣ السامية إلى الله ، ولا يزال كثير من العرب حتى اليوم يستغيثون بالله فينادون « يا هو ! » . ويوم الجمعة يعرف في الإنجليزية باسم « فرايداى » Friday أو يوم الربة فريج Pris زوجة عطارد ومقابلة الزهرة في صفاتها ، وتوضحه التسمية الفرنسية ، لأن يوم الجمعة فيها يعرف باسم يوم الزهرة Vendredi . أو يوم فينوس . ويوم السبت يعرف في الإنجليزية باسم ساترداي Saturday أو يوم زحل Saturn فى تلك اللغة إلى اليوم .

وينيين من معانى أيام الأسبوع عندهم أن عقائد التنجيم التي أخذوها عن السلالات العربية قد تغلغلت فى شعوبهم الأوربية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، وهي العقائد التي ، ترتبط بالمعيشة اليومية وطوالع الأوقات وسلطان الأفلاك العليا على الأحياء وحوادث الأيام . فهى على هذا أكبر شأنا وأشد إيغالا في الحياة من تسمية مقتبسة من تقويم منقول . وقد اصطبغت حياتهم العاطفية بما تلقوه من أسماء تلك الأرباب وخصائصها فشملت الشعور بالقداسة والشعور بالغضب والشعور بالحب والغرام والجمال . قاسم الإله الأكبر jove أو jehova مأخوذ كما قدمنا من اسم « ياهو » الذي يجرى على ألسنتنا إلى أيامنا الحاضرة.

وإله الغضب والحرب عندهم مأخوذ بلفظه ومعناه عن الساميين الأقدمين لأن Mura هي تصحيف ظاهر لكلمة المريخ.

وربة الحب أو العذراء الفاتنة » فينس » هي تصحيف كلمة (بنت » السامية، وكانت تكتب عندهم بالباء ثم صحفت إلى الفاء كما يقع ذلك في كثير من الأسماء، وهكذا فعلوا بأسماء الزهرة الأخرى فصحفوا عشتار إلى «استار» أى النجمة، وهى عشتار فى اللغة العربية اليمانية القديمة، ثم عرفها المساميون في شمال الجزيرة العربية باسم عشتار وعشتروت. وكذلك أخذوا ادونيس Adonis إله الفتوة والجمال من « ادوناى » بمعنى السيد أو الرب عند الكنعانيين.

فهم قد مزجوا معيشتهم اليومية وحياتهم العاطفية بعقائد السماء التي تلقوها عن السلالة العربية، ولم يقصروا النقل على علم الفلك ولا أزياج النجوم، فانهم – كما سيلى فى بعض فصول هذا الكتاب – قد ظلوا ينقلون عن العرب فى هذا العلم إلى ما بعد الإسلام بزمن طويل، وقد بقيت في لغاتهم عشرات الأسماء العربية للكواكب والمصطلحات الفلكية، بتحريف قليل أو بغير تحريف.

---