أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الصحافة
الصحافة
نشر الدعوة السياسية عمل من الأعمال التي حذقتها الأمة العربية في
إبان دولتها الأولى وهى دولة بني أمية . فبلغ الدعاة العباسيون بالدعوة مبلغ
الفن الحكم الذى يحاط بجلائله ودفائقه ومبادئه ومراميه، ووضعوا فيه القواعد
لاختيار أشخاص الدعاة وعلاقة بعضهم ببعض في درجات الرئاسة أو
درجات الزمالة ، ورتبوا فيه مراكز الدعاية وموضوعاتها وما يذاع منها وما
يضن به على غير الخاصة والصفوة المختارة .
وجاء الفاطميون فتسموا هذا الفن من جميع نواحيه ، وقسموا الدعوة إلى دعوة ثقافية ودعوة دينية أو سياسية، وتذرعوا بالفلسفة لإقناع بعض العقول و بالتصوف لإقناع بعض المقول الأخرى ، وجعلوا لهم حلقات حول الدعوة لا تطلع على سر من أسرارها ولا تفضى إلى غرض من أغراضها ، ولكنها تشايعهم بمودتها فتكون لهم على خصومهم ، ساعة الفتنة التي يدبرون مواعدها ومقدماتها.
ولا بد من التفرقة بين هذا الفن الذي سبقت به الأمة العربية سائر الأمم و بين «المؤامرات» التي كانت تدبر فى الخفاء لإقامة دولة وإسقاط أخرى فإسقاط الدول بالمؤامرات الخفية تدبير قديم عرفه الطامحون إلى الملك منذ فجر التاريخ الإنسانى ، وقامت به الدول فى كل أرض و بين كل قبيل ، ولكنها كانت «مؤامرات » للاستطلاع والتأليب وتحين الفرص وتجنيد القوى العسكرية والمالية للعمل المفاجىء في الوقت الملائم الذي يرجى فيه النجاح ، ولم تكن دعوة إقناع أو حملة توجيه منظم للفكر والشعور ، فان تاريخ الدول لم يعرف دولة قامت على مثل هذه الدعوة قبل الدولة العباسية والدولة الفاطمية ، ولم تكن فى ذلك خارقة ولا داعية للعجب ... لأن العباسيين والفاطميين كانوا يعتمدون فى مطالبتهم بالخلافة على الحجة الدينية والفتاوى الشرعية، فلا بد لهم من كسب الشعور وكسب العقول، ومن التوسل إلى ذلك بالدعوة المقنعة، مع ا الاستعداد للأمر بعدة الأسلحة والجيوش .
فالدعوة السياسية — أو فن النشر — قد كانت معروفة قبل ظهور هذا الفن في أحدث صوره العصرية وأروجها وأقواها، وهى الصحافة الدورية
ولكن الصحافة مع هذا « توليد » عصرى لم يكن من المستطاع أن يوجد قبل أوانه الذى وجد فيه، وإن كثرت الحاجة قديماً إلى الدعوة والدعاة
فليس من المستطاع أن توجد الصحافة قبل عصر المطبعة السريعة التي تطبع الألوف من النسخ فى كل يوم ، وقبل عصر الأنباء البرقية التي تجعل الاهتمام بقراءة الصحيفة منتشراً في نطاق واسع بين جمهور كبير يتشوق إلى مطالعة تلك الأنباء، وقبل وسائل المواصلات التي تتكفل بتداولها فى أوانها وقبل اختراع الصور الشمسية التي تثبت الوقائع وتمثلها وتعرض للقراء فنونا من الملامح والأشكال للنسلية أو للتوضيح.
وإذا توافرت هذه الأدوات جميعها فلا بد معها من الأداة الكبرى التي هي أكبر وألزم لرواج الصحافة من كل أداة ، ونريد بها أداة الجمهور الذى يعرف القراءة ويدخل فى حساب الصحفيين والساسة والكتاب.
فقبل وجود هذا الجمهور لا توجد الصحافة بحال ولا تدوم إذا وجدت بمحض الاتفاق. وقد أصبحت الصحافة مخترعا لازما يوم أصبح الجمهور قواما للدولة أو أصبح كما يسمونه في العصر الحديث « رأيا عاما » وأصبح « الرأى العام » مصدر السلطات والقوانين.
وانتقلت الصحافة من أوربة إلى الشرق العربي بعد أن تمهدت لها جمع هذه المقدمات.
انتقلت إليه بخيرها وشرها ، فاستفاد من خيرها كثيرا وابتلى من شرها بكثير، ولا يزال يبتلى بها ويستفيد.
فمن خيرها ولا شك أنها كانت وسيلة فعالة سريعة الفعل في نشر المعرفة العامة وبث الدعوات القومية واستنهاض العزائم لمكافحة السيطرة الأجنبية وترقية اللغة ودوام التقريب بين لغة العلم والأدب ولغة البيت والسوق.
ومن شرها ولا ريب انها شغلت الناس بسفساف الأمور وطلبت الرواج والانتشار بإثارة الفضول وتزويد القراء بما يرضيهم دون ماينفعهم من الآراء والأنباء ، وأنها سلمت زمام الجماهير لمن يستطيع أن يشترى أقلامها أو يسخرها ، وأن الاقبال عليها يصرف القراء عما هو أفضل منها وأولى بالانصراف إليه من أنواع المطالعة والتحصيل المفيد.
ومهما يكن من مآخذ الصحافة عندنا وعند غيرنا فهى مآخذ لا تخلقها الصحافة ولا ترجع اللائمة فيها على الصحافة وحدها. لأنها بضاعة لا تنفق مالم تطلب ويكثر الإقبال عليها، وإن كانت الصحافة تزيد الإقبال بالترغيب والترديد.
وبنية الأمة التي تروج فيها الصحافة هي المسئولة عن شرورها وهى المطالبة بخلق الترياق الذي يدرأ سمومها ويحتفظ بغذائها الصالح السليم.
والذى تبين من تجارب الأمم الغربية أنها أخذت تقسم الصحف عندها إلى قسمين تتسع الفجوة بينهما عاما بعد عام. وهما قسم التسلية وقسم المراجعة والدراسة . ومن المشاهد المتواتر في أوربة وأمريكا أن صحف التسلية تطبع الملايين فى اليوم الواحد ولكنها لا تؤخذ مأخذ الجد والتوقير ولا يحفل الناس ماذا تقول وماذا تبدى من الآراء، وأن صحف المراجعة والدراسة محدودة القراء أو محدودة النطاق في الأقاليم ولكنها مرجع معول عليه في تكوين الأفكار وتلقى المعلومات.
إلا أن الصحيفة المسلية قد تقنع قراءها بالتأثير «الآلى» ولا تهتم بالتأثير «الأدبي» إذا ضمنت الرواج.
ومعنى ذلك أن الخبر الذى يتلقاه ثلاثة ملايين من القراء وتتوخى الصحيفة وقته المناسب وصيغته الشائقة وهدفه المقصود لن يخلو من أثر يصيب المصالح العامة ويشيع القلق في النفوس ويصبغ السياسة الحسنة بما يشوهها كما يصبغ السياسة الشائهة بما يزخرفها ويحببها إلى الأنظار، ولا مبالاة في هذه الحالة بمكانة الصحيفة وكتابها في قلوب القراء، لأن الأثر «الآلى» يسلك سبيله إلى ملايين القراء بمعزل عن الأثر الأدبى الذى يستقبلونه بالحذر أو الإعراض إذا صيغ لهم في قالب النصيحة والتوجيه.
ولا نعلم اليوم كيف يحل الغرب والشرق مشكلة الصحافة في الجيل القادم ، ولكننا نستطيع أن نعلم ماذا يكون إذا سارت الأمور على استقامة وصلاح ، وماذا يكون إذا سارت على نقيض الاستقامة والصلاح.
فاذا بقى التأثير الآلى مقرونا بالزواج والقوة فهو خطر وبيل المواقب قديربى على جميع ما ابتلاه الناس من أخطار الدعاية في أطوار التاريخ
وإذا خيف من الشر أن يبلغ مداه فقد تعتصم منه الإنسانية بالترياق الوحيد الذي يجدى عليها فى هذه الحالة، وهو إسقاط « الدعاية الآلية » من كل حساب ، والفصل بين صحافة التسلية وصحافة الرأى بفاصل منيع لا يأذن الجانب الخطر أن يطغى على جانب الأمان. وقد يكون في ذلك باب للخير الشامل يوفض منه بنو الإنسان إلى عالم جديد . لأنهم يعرضون عن «الآلية» بعد استنفادها والانتهاء بها إلى غايتها القصوى، ولا يقيمون وزنا لغير رسالة الروح إلى الروح وتوجيه الفكر للفكر ، وعقيدة الإنسان في إمامة الإنسان.