انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الحكومة البرلمانية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 140–145

​

الحكومة البرلمانية

حرم القرآن الكريم الحكم المطلق وأنكر سلطان « الجبارين » في الأرض وفرض الشورى على النبي وخلفائه فقال : « وشاورهم في الأمر » . «وأمرهم شورى بينهم » وقرر المساواة في العدل بين جميع الناس وإن قضى ينهم بتفاوت الدرجات .

ويقرأ المسلم القرآن فيحس إحساساً « شوريا » ويتعلم فريضة الشورى بالإيحاء والتلقين فضلا عما فيه من الأمر الصريح بالمشاورة وسؤال أهل الذكر واجتناب الطغيان فى السلطان والاستبداد بالحكومة ، لأنه يرى أن أول عمل من أعمال الخليقة الإنسانية كان حقيقاً أن يسمى بلغة العصر الحاضر عملا « دستورياً » من جانب الخالق جل جلاله ، يقوم على الإقناع ولا يقوم على الإكراه والاخضاع .

«وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجمل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون . وعلم آدم الأسماء كلها تم عرضهم على الملائكة فقال أنتونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال يا آدم أنبتهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ​ألم أقل لكم اني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ...»

فلم يكن الاستخلاف في الأرض بالاخضاع بل بالاقناع ، ولم يصبح الخليفة الموعود أهلا لهذه الأمانة الا يعلم ويعلمه ويجهله سائر الخلائق ممن فضله عليهم الخالق بهذا الاستخلاف ووحى هذه المعانى المستفادة بالإيحاء والاستكناه يلقن المؤمن بالقرآن « حس » الشورى والنفرة من الاستبداد ، لأن الإيحاء والاستكناه أقرب إلى التلقين من الأمر الصريح

فالأمر « بالحكم الدستورى » قديم في الحياة العربية ، أصيل في الدولة الإسلامية ، ولكنه المبدأ الذى سبق الأطوار الشعبية بعدة قرون، فلم تتهيأ له الجماعات الأنسانية الا بعد الدعوة المحمدية بألف سنة أو تزيد . لأن الأمر بالشورى ينقذ نفاذه حين يوجد معه صاحب الحق الذى يطالب به من ينساه ويرد إليه من يحيد عنه . وليس صاحب الحق هنا غير « الشعب » الذي يتعلم ذلك الحق ثم يشعر بالحاجة إليه ثم يملك الوسيلة التي تخرجه من حيز « المبدأ » الواجب إلى حيز « العمل » النافذ . ولم يكن تمام هذه الاطوار ميسوراً قبل أجيال تعقبها أجيال وأهوال تتلوها أهوال . ويومئذ تصبح الشورى نظاماً » يأتمر به الحاكمون والمحسكومون ، ويوشك أن يجرى في الأمم مجرى الحوادث الطبيعية التي تتقرر بالضرورة الغالبة قبل أن تتقرر بالاختيار والاستحسان ​

فلما بلغت هذه الأطوار تمامها كانت الحكومة الشورية أو الحكومة الدستورية نظاماً أوربياً يتلقاه الشرقيون عن الأوربيين ، ولا يتلقونه مذهباً غريباً يحتاج إلى إقناع ولا عقيدة جديدة تحتاج إلى تبشير

***

نعم إن القارة الأوربية عرفت النظام البرلماني على صورة من صوره الأولى قبل الميلاد بعدة قرون، قنشأ مجلس الشيوخ في رومة ونشأت المجالس التي تماثله في أثينا وإسبرطة وبعض الأقاليم الاغريقية ، ثم نشأت بعدها مجالس أخرى أدنى إلى نظام المجالس التمثيلية الحديثة وأقرب إلى الحكم الديمقراطي الذي تشترك فيه جميع الطبقات

ولكنه كان هنا « نظاماً » من النظم الخاصة ولم يكن الأمر فيه أمر المبدأ العقلى والحقوق الانسانية، فلم يعمل اللاتين والأغريق بهذه النظم تقريراً لحق الانسان فى الحرية أو تعميما « لمبدأ عقلى » يجوز تطبيقه ، أو يجب تطبيقه في جميع المدن وبين جميع الشعوب . ولكنهم عملوا به لأنه حيلة صالحة لسياسة أمة بعينها على أقدار من فيها من رؤساء العشائر ومن يتنافسون على الحكم والسيادة ، ولما تطور الحكم الشعبي في أثينا على عهد كليستين الديمقراطى حتى أصبح حق النيابة حقاً عاماً لمن بلغ الثلاثين في الدوائر الانتخابية المختلفة لم يكن هذا « التطور » عقيدة إنسانية قابلة للتعميم ولا تسليما بالمبدأ الذى يقوم على الحرية وتقضى به الأصول الأخلاقية ،

ولكنه كان تدبيراً موضعياً يناهض به تدبير الطغاة الذين كانوا ينافسون ​

١٤٣

ذلك الزعيم الديمقراطى بقوة القبيلة أو قوة العصبية، ولعله قد خطر له الاستنجاد بجماهير السواد لإشراكها فى الحكم كما خطر له الاستنجاد بالفرس لانتزاع الحكومة من طغاة القبائل والعصبيات.

فالحضارة العربية قد سبقت الغرب بمبدأ الحكومة الشورية في مجال العقيدة والأخلاق.

والغرب قد سبق الحضارة العربية بحكومة الشورى في مجال النظم الواقعية التي تتمخض عنها حوادث التاريخ.

ولا نظن أن الحكم الدستورى كان ينتقل إلى بلاد الشرقين الأدنى والأوسط بهذه السهولة لو لم يكن له أساس" قائم من عقائد الناس واعتراف الحاكمين والمحكومين بمبادئه وأصوله، فإن الأمم الغربية قد ضيعت جهودها الأولى فى إكراه الحكام المطلقين على النزول لها عن دعوى الولاية «بالحق الإلهى» ودعوى السيادة عليها بتفويض السماء. فكان عليها أن تجتاز نصف الطريق - بل نصفه الأوعر الأطول - في تقرير المبدأ الذي سلمه العرب حكاماً ومحكومين قبل نشأة الحياة النيابية الحديثة بألف سنة، وهو مبدأ الشورى والمبايعة الحرة والرجوع بالحكومة إلى مصلحة الرعية واتفاق الكلمة بين ذوى الرأى فيها.

والحاكم المطلق - فى الشرق أو فى الغرب - يأبى أن يشارك في أمره ولا يذعن للحكم الشورى باختياره، ولكن الفرق عظيم بين حاكم يستطيع أن ينكر أساس الحكومة النيانية وحاكم لا يستطيع إنكاره ولا ​

١٤٤

يجسر على الجهر بذلك الإنكار مخافة اتهامه بالخروج على أحكام الدين وعصيان رب العالمين. بل الفرق عظيم بين حاكم ينكر الحكم النيابي وهو يعتصم بالحق الالهى وتفويض السماء وحاكم يخاف من إنكاره لأنه يخالف الحق الألهي كما يخالف تفويض السماء بذلك الإنكار.

لذلك كانت معارضة السلاطين والأمراء الشرقيين في الحكومة الدستورية معارضة تقوم على الاعذار الموقوتة ولم تكن معارضة قائمة على الأسس والأصول، وكان معظم هذه الاعذار مما يرجع إلى السياسة الأوربية والعلاقات الأجنبية التي كانت تعوق النظام النيابي في بلاد المشرق وتمهد العذر للسلاطين والأمراء في المعارضة أو التسويف.

فكان سلطان الدوله العثمانية يؤمن بواجب الشورى ويسمى الرتبة الكبرى عنده رتبة «المشير» لأنه يخشى أن يصارح رعيته بأنه يستأثر بالرأى ويتولى شئونها على سنة الاستبداد، ولكنه كان يمانع في تعميم الحكم النيابي بين رعاياه لأن فريقاً من هؤلاء الرعايا يخالفونه في الجنس والدين واللغة ويمالثون الدول الأوربية عليه ولا يخلصون في خدمة الدولة إذا تسنموا مناصبها العليا واطلعوا على موضع الأسرار من سياستها الخارجية أو سياستها الداخلية.

وكانت المناظرة بين روسيا وبريطانيا العظمى في البلاد الإيرانية تحول

دون استقرار الأمر وانتظام السعى فى توطيد الحكومة النيابية، لأنهما ​

١٤٥

تبلغان من بطانة الحكم المطلق مالا تبلغانه من حكومة نيابية تخضع لرقابة الشعب وتكشف له عن تصرفاتها فى مسائل الشركات والامتيازات.

وقد نزل المحتلون الإنجليز بمصر في أواخر القرن التاسع عشر وفيها حكومة نيابية تطورت بها التجارب المتوالية من عهد محمد على الكبير، فعطلوها لأنهم لا يستطيعون أن يجمعوا بين إشرافهم على الإدارة المصرية وإشراف المجلس النيابى عليها، ثم اقترن طلب الدستور بطلب الاستقلال فأصبحت الحكومة النيابية مرادفة للحكومة الوطنية في برامج الأحزاب المصرية، وأصبح الحكم الأجنبي هو الحائل الأكبر دون قيام الحكم النيابي الذي ينشده أحرار المصريين.

وعلى هذا تعتبر الحياة النيابية كما رسمنها الأوضاع الحديثة نمرة أوربية انتقلت إلى الشرق من حضارة الغرب في العصر الحديث. ولكن الشرقيين عرفوها فاقتبسوها ولم يعرفهم بها الغربيون فيفرضوها عليهم فرض المعلمين دروسهم على التلميذ الذى يكره ما يفرضونه عليه. لأن مطامع الغرب كثيراً ما عرقلت خطوات الشرق كما رأينا فى حركاته الدستورية، والفضل في تهيؤ الشرق لقبول هذه الثمرة الأوربية راجع إلى عقيدة الحرية والشورى التي بنتها حضارة العرب بعد ظهور الإسلام، ولم تكن غريبة عن الحياة العربية الأولى قبل ظهور الإسلام.

(١٠)