أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الحركات الدينية
١٥٢
الحركات الدينية
تعلم الشرقيون من أوربة ليقاوموها بسلاحها
ويقال هذا عن الشرق الأقصى كما يقال عن الشرق الأدنى، مع اختلاف العقائد والبيئات والأحوال الاجتماعية. فأن اليابانيين لم يتحركوا لمحاكاة أوربة فى حضارتها وعلومها وصناعاتها إلا بعد أن اصطدموا بها وعجزوا عن مقاومتها.
وكان الفضل الأكبر لأوربة على الشرق كله هو الفضل الذى جاء على الرغم منها، وهو تنبيه أذهان الشرقيين إلى حقائق الحياة وتفتيح أنظارهم على الأسباب الصحيحة التي تقترن بها نهضات الشعوب.
وكان الشرقيون قبل ذلك يعلمون أنهم متأخرون متخلفون، ولكنهم يفهمون العلل التي أخرتهم وقضت عليهم بالتخلف في سباق الأم كما يفهم الجاهل علة مرضه وعجزه. فيرجع إلى الشعوذة ولا يرجع إلى الطب الصحيح ويسأل الدجالين والممخرقين ولا يسأل الأطباء والعارفين
وقد جهلوا دينهم كما جهلوا دنياهم. لأنهم خلطوا بين عاداتهم وعقائدهم
وبين خرافات الجمود وحقائق العبادات. فإذا قيل لهم أنهم تأخروا لمخالفة
دينهم ونسيان وصاياه وآدابه عادوا إلى الخرافة الفاشية ولم يعودوا إلى الدين المهجور.
فلما قهرتهم أوربة مرة بعد مرة فى عدوانها عليهم ومقاومتهم لعدوانها فهموا مضطرين أسباب هذه الغلبة ورجعوا بعد حين إلى علومها وصناعاتها ونظم السياسة والحكم فيها. فرجعوا إلى الأسباب الطبيعية وفهموا علل الوقائع الماثلة أمامهم على وجهها المعقول. فكان ذلك أول تدريب للذهن على حسن التعليل وفهم طبائع الأشياء.
وكادت الأراء أن تتفق على منهج واحد للاصلاح: وهو اقتباس العلم الحديث ومجاراة العصر في المعيشة والتفكير.
وأقبل المسيحيون من أبناء الشرق على المدارس العصرية يتعلمون ما تلقيه عليهم من دروس التعليم الحديث غير متحرجين من موضوعاتها ولا من نيات التعليم فيها، وأحجم المسلمون عن المدارس التي فتحت في بلادهم لأنها كانت فى أيدى المبشرين وأعوان التبشير، ولكنهم لم يحجموا عن إرسال أبنائهم إلى أوربة نفسها حيث تنفصل المدارس عن الهيئات الدينية. فجمعت حكومة مصر فى عهد محمد على الكبير مئات من نخبة الطلبة لإرسالهم إلى العواصم الأوربية وتعليمهم الطب والهندسة والآداب والفنون العسكرية على أساتذتها، أو لتزويدهم فى مصر بما يستطاع تدريسه بها من تلك العلوم على أساتذة من الأوربيين.
ولم ينقض جيل أو جيلان بعد احتكاك أوربة بالشرق حتى اتفقت كلمة
١٥٤
المسلمين على نظرة جديدة إلى الدين. وأجمعوا في أنحاء الأرض على أن البدع والخرافات التى شقى بها أسلافهم وشقوا بها في زمانهم ليست من الدين الاسلامى فى شى. ولكنهم سلكوا في علاج الداء مسلكين مفترقين على حسب نصيبهم من العلوم العصرية: فجنحت الأمم التي أخذت بنصيبها منها إلى التوفيق بين الدين والعلم الحديث، وجنحت الأمم الأخرى إلى نبذ جميع المستحدثات والرجوع بالدين إلى بساطته الأولى كما فهموها، ونشأت هنا وهناك حركات دينية شتى بعضها على هدى وبعضها على ضلال، ولكنها كلها كانت من قبيل الحركات الطبيعية التي تتصل بطبائع الأمم وبواعث البيئة في حاضرها وماضيها، ولم تكن محض اختراع منقطع عن الدنيا محصور في النزعات الأخروية التى يفرغ لها من خرجوا بنسكهم وعبادتهم من معترك الحياة.
ولهذا أخذت هذه الحركات من طبائع الأمم التي ظهرت فيها سواء منها ما اهتدى أو ضل عن السواء.
فظهر في الهند « غلام أحمد القادياني » فزعم أنه هو عيسى بن مريم
وأنه هو المهدى وهو الإمام المنتظر فى مذهب الشيعيين، ليوفق بين الإسلام والمسيحية وبين الشيعيين والسنيين، وادعى فيما ادعى أنه تلبس بروح مريم العذراء ثم تلبس بروح المسيح على النحو الذي يمثل به البراهمة صورة برهما وهو يجمع بين الذكورة والأنوثة في جسد واحد. وصدق نفسه وصدقه أناس من مريديه حين خيل إليه انه روح الله حلت في جثمان إنسان انقاذ المسلمين والمسيحيين والبراهمة بدينه الجديد.
ومن اليسير جداً أن يلمس المرء فى هذه الحركة بقيه من بقايا البيئة الهندية التي نشأت فيها عقيدة تقمص الأرواح وتجدد الروح في جثمان بعد جثمان. تارة جثمان ذكر وتارة جثمان أنثى، ومرة رسم حيوان ومرة رسم إنسان.
وظهر في إيران ميرزاً على محمد الشيرازى وزعم أنه الإمام المنتظر ثم انتحل عقيدة الاسماعيلية وبث فيها عقيدة وحدة الوجود، ثم وثب من ذلك إلى القول ببطلان الشريعة الظاهرة والأخذ بالحقيقة الباطنة التي تبيح أصحاب الحلول - حلول الإله فى الإنسان - أن يتصرفوا في الأحكام والقواعد الدينية تصرف الوحى الجديد، لأنهم يستوحون مشيئة الله فيما يقولون ويعملون. ثم جهر بالغاء بعض الشعائر المقدسة التي اتفق عليها المسلمون بنصوص القرآن.
ومن اليسير جداً أن نلمس فى هذه الحركة نزعة البيئة التي نشأت فيها طلائع الباطنية والاسماعيلية، بل نزعة البيئة التي نشأ فيها الإيمان بحلول أورمزد فى جسد « مترا » رسوله الأمين فى حربه الأبدية لإله الشر أهرمان.
وظهرت فى الجزيرة العربية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تنكر الترف في الكساء والبناء، وتبطل معانى الرموز والاشارات والتوسل بشيء من الأشياء يقع عليه الحس، من جماد أو ذى حياة.
ومن اليسير جداً أن تلمس فطرة الصحراء في هذا الصرامة الخلقية وهذا
الفصل الحاسم بين عالم الحس وعالم الغيب، خلافا لتلك الأقاليم الهندية
١٥٦
والفارسية التي امتزج فيها الحس بالتخيل واتصل فيها عالم الأرض وعالم السماء.
وظهرت فى السودان دعوة المهدية لتحريم الترف والتبلغ بالطعام اليسير والاكتفاء بالمرقعات التى يلبسها الدراويش، وتحريك الشعب لجهاد«الترك» وإخراجهم من البلاد، وهم عند أصحاب هذه الدعوة كل جنس غير الجنس العربي، ولا سيما الأجناس البيضاء.
ومن اليسير جداً أن نلمس فى هذه الدعوة ثورة السوداني على مستغليه بالوسيلة التى فى وسعه أن يثير بها اخوانه للجهاد، ومحاولته أن يعالج الفساد بالعلاج الذى يجدى فى معيشة السودان البدائية التي كانت يومذاك خلوا من عقد الحياة العصرية ومشكلات المجتمع الحديث.
وظهرت في مصر دعوة الاصلاح التي وجدت أمامها الأكبر في الشيخ محمد عبده رحمه الله، فكانت تعليما جديداً في مدرسة قديمة، أو كانت تفسيراً للقوانين الالهية لا يخرج بها عن نصوصها ولكنه يحفظها في تلك النصوص، ويقتبس منها المعنى الذى يوافق معارف العصر الحديث.
ومن اليسير جداً أن نلمس في هذه الدعوة روح مصر التي عرفت نظام الحكم منذ ألوف السنين، وتعودت أن تدين بنصوص الأمر والنهي من ملك بعد ملك وأسرة بعد أسرة، فليس فيما تعمله أو تدين به إلا ما هو نص محفوظ أو مستمد من تفسير النص المحفوظ، بالمعنى الذى لا يخرج عليه ...أو هى روح مصر التي عرفتها منذ قام فيها بالنبوءة فرعونها أخناتون ... وهى الأمة الوحيدة التي تلقت نبوتها من عرش وصولجان.
وليست الحركات الجامحة بين هذه الحركات هي الأثر الباقي أو الأثر الشامل الذى أحاط بالعالم الاسلامى فى حركة الاضطراب التي جاشت بين أرجائه من جراء الصدام بينه وبين الحضارة الأوربية، ولكنها هي المجاجات التي دلت على قوة الرجة واختلاف مهاب الرياح. أما الأثر الباقي أو الأثر الشامل فهو خلوص الأذهان من أوشاب الخرافات والأباطيل التي كانت تعوقها عن فهم الحقائق وإدراك العلل والأسباب والاستواء على التفكير الصحيح، والايمان بالدين ايماناً لا يمنع التقدم ولا يعرقل جهود المصلحين، وتمكين المسلم من أن يرضى عقله ويرضى ضميره ويزيل نهج الفوارق ما استطاع بين رضى العقل ورضى الضمير.
وقد صمد الإسلام للرجة الأولى وانتظمت المصالحة بينه وبين الحضارة العلمية، فلم تعد المشكلة اليوم مشكلة بينه و بين العلم الحديث أو التفكير المستقيم، وإنما المشكلة اليوم أن يؤدى رسالته ورسالة الأديان عامة في مكافحة اللوثة المادية التي تلفى مطامح الروح وتود لو جعلت الإنسان حيواناً بغير دين غير دين المعدات والاجسام.