انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الاجتماع والسياسة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 131–139
 

الاجتماع والسياسة

شاع التعليم الحديث في الشرق كما شاعت فيه القدوة المعيشية بكثير من مظاهر الحضارة الأوربية ، وكان لشيوعهما معاً فعلٌ سريع في بعض آداب الاجتماع ومقوماته، تقابلت فيه المحاسن والمساوىء، على حكم العادة المألوفة في كل تغير سريع. وقلما يقع التغير فى العرف الاجتماعى دون أن تبدو آثاره ومصاحباته في الأسرة وفى العادات العامة ، وفى العلاقة بين الطبقات.

وقد كانت لذلك التغير السريع آثاره في هذه المناحي الثلاثة ولا سيما الأسرة . فان التعليم وتحرير المرأة وتطور لوازم المعيشة قد اتحدت كلها على تقليل الرغبة في تعدد الزوجات . لأن الرجل المتعلم يطلب الزوجة للمشاركة فى الفهم والشعور ويضن بينته وأخته في الوقت نفسه أن تتعرضا لمتاعب الضر والمنازعة بينها و بين الزوجات الأخريات ، والمرأة المتحررة تنشد الزوج الذى يشاطرها الحب والمودة ويعاملها معاملة الشريكة في حياته البيتية وحياته النفسية ، وتكاليف المعيشة وتعليم الأبناء عب لا يقوى عليه الزوج الذي يضطلع بهذه التكاليف فى أكثر من أسرة واحدة .

وأصبح اقتناء الجواري محرماً بحكم القانون بعد انفاق الدول على تحريم الرق فبطلت الذرائع إلي تعديد الزوجات بالتسرى والاسترقاق، وكان ضرباً من الوجاهة ترضاه بعض الأسر الغنية على هذا الاعتبار.

وشوهدت فى الأسر المصرية عناية بالحفلات البيتية لمناسبات لم تكن شائعة بين الشرقيين قبل الحضارة الأوربية، وهى ذكريات الزواج وذكريات ميلاد الآباء والأمهات والأبناء ، وغيرها من المناسبات العامة التي يحتفل بها الغربيون كرأس السنة الشمسية و بعض مواسم الفصول . وأبيح في هذه المناسبات مالم يكن مباحاً قبل ذاك في مجتمعات الأسر كالمقامرة والشراب. وقد كسبت الأسرة الشرقية من ناحية وخسرت من ناحية أخرى بهذا الازدواج العجيب في آداب المعيشة . فان الأمم الشرقية اقتبست من الغرب كثيراً من عادات الفراغ والنزهة « خارج البيت » ولم تكن كلها مما يوافق حياة الأسرة وواجبات التربية التي تناط بالأمهات والآباء داخل البيوت، وساء فهم الحرية النسائية فى بعض البيئات فسبق إلى الأوهام أن الحرية تحرر من جملة القيود ومنها قيود الوفاء للأزواج والأبناء . فتداعى بنيان الأسر التي فشت فيها هذه البدعة الغربية ، وامتحن المجتمع الشرق بمحنة خطيرة يحاول اليوم أن ينجو منها ولا يزال في محاولاته حتى يتاح له الاستقرار على ملتقى مريح بين دواعي الحاضر ودواعى الماضي، ودواعى الحرية الفردية ومطالب المجتمع والأسرة.

أما العلاقة بين الطبقات فلم تتغير تغيراً كبيراً في الأمم الشرقية بعد الاحتكاك بالحضارة الأوربية . لأن أوربة منعت قيام الصناعات الكبرى في بلاد الشرق واحتكرت أسواقها لمصنوعاتها ، فوقف الزراع وأصحاب الأرض فى موقفهم القديم ، وركدت الصناعة فلم تجتمع عصبة من العمال في صعيد واحد للمطالبة بحقوقها كما تفعل جماعات العمال في العواصم الصناعية الكبرى، وحالت أوربة دون تجدد الطبقات بحائل آخر لم تقصده ولكنه فعل فعله في جميع الأقطار الشرقية على تنوع مرافقها الاقتصادية . وذاك أنها أرسلت إلى الشرق أموالها ومصارفها وشركاتها لتستغل أغنياءه وفقراءه على السواء ، فأصبحت الطبقات الاجتماعية كلها في حكم الطبقة العاملة أمام هذا الاستغلال، وتأجل تقسيم الطبقات من جراء هذا الاتفاق بينها في مواجهة رؤوس الأموال الأجنبية.

وفيما عدا نشوء الحركة التعاونية فى المدن والقرى على نطاق ضيق محدود لم تتغير علاقات الاقتصاد بين الطبقات تغيراً يناسب الخطوات السياسية التي خطاها الشرقيون سعياً إلى التحرير والاعتراف بالمركز القانوني في المعاملات الدولية ، وأهم ما يذكر في باب تجديد الطبقات أن انتشار التعليم وازدحام المدن قد ضاعفا قوة الطبقة الوسطى فارتفع لها صوت مسموع فى توجيه السياسة الوطنية، ولم تزل الطبقة الفقيرة عالة على الطبقة الوسطى فى المطالبة بحقوقها والإفضاء بشكايتها ، ولكنها تستقل بالرأى شيئاً فشيئاً خلال هذه السنوات ، ولا سما سنوات الحرب العالمية وما تخللها وأعقبها من دعوات الإنصاف والتقريب بين الطبقات.

وإذا استطرد القول إلى الاقتصاد الاجتماعي — أو الاقتصاد الذي له علاقة بروح المجتمع وأخلاقه — فمن المستحدثات التي لا تهمل في هذا الصدد أن الشرق الإسلامي ترخص فى إنشاء المصارف المالية وقبل التعامل بالفائدة الطفيفة التى لا يعتبرها من الربا الفاحش المحرم بنصوص القرآن.

على أننا ننظر إلى جهود الأم الشرقية من جميع الاعتبارات فيجوز لنا أن نقول إن الوعى السياسى فيها قد سبق الوعى الاجتماعى شوطاً أو شوطين.... و إن المصلحة القومية تدفع بها إلى الموازنة بين مساعيها في ميدان السياسة وميدان الاجتماع، بعد أن استنفدت قوتها الكبرى على إثر يقظتها الأولى في تحقيق غاياتها الوطنية وآمالها في الحكومة النيابية .

وقد أجملنا الكلام فى غير هذا الفصل على الوطنية والحكومة النيابية... ونضيف إليه فى باب التجديد السياسى أن اصطدام الغرب بالشرق كانت له آثار أخرى في أعمال الحكومات غير هذه الآثار فى أعمال الشعوب . فعمدت كل حكومة تملك بعض التصرف في شئونها إلى تبديل نظامها العسكرى وإنشاء المحاكم الحديثة التي سميت بالمحاكم الأهلية أو المحاكم المدنية . ولم يكن لها مناص — قبل إلغاء الامتيازات الأجنبية — من اقتباس القضاء الأوربي ومبادىء القوانين الأوربية على الإجمال .

***

ومن الآثار التي لا تغفل في صدد الكلام على التفاعل بين الحضارتين الأوربية والعربية أن سياسة أوربة قوبلت في الشرق العربي بقوة جديدة في عالم السياسة تعرف اليوم بالجامعة العربية ، وهي قوة لا تقتصر على أعمال الساسة وولاة الأمور لأنها في واقع الأمر مستمدة من يقظة الشعوب وإحياء التراث العربي منذ مائتي سنة ، فى كل مكان يحتاج أهله إلى معرفة اللغة العربية .

ومن المألوف على ألسنة المتعجلين إذا رأوا موافقة بين خطة أوربية وحركة شرقية أن ينسبوا هذه الحركة إلى تدبير الأوربيين ويحسبوها من المناورات المصطنعة التى لا ترجع إلى سبب غير ذلك التدبير . وكذلك فعلوا في حكمهم على الجامعة العربية حين لاح لهم أن السياسة الأوربية تماشيها ولا تعمل على إحباطها.

وفى هذا ولا شك انحراف عن الفهم الصحيح.

فإن السياسة الأوربية كائنا ما كان بأسها واقتدارها على التدبير والتمويه لا تمالى. شبحاً في الخيال ، ولا تخلق شيئاً من لا شيء ، ولا تصطنع حركة من الحركات التي تساهم فيها الملايين تقوم كلها على محض اصطناع

ومن شأن الدعاة السياسيين أن يستفيدوا من الدعوات في إبانها وفى مكانها ولكنهم لا يسبقونها ولا يخلقونها . بل لا يفهمونها قبل وقوعها ولا يتسلفون النظر إليها . فلم يكن أكثر من المؤتمرات الدولية التي انعقدت فى القرن الثامن عشر والذى يليه ، ولكنها لم تعرض مرة من المرات للمناداة بحقوق الشعوب أو مبادىء تقرير المصير . ولم يحجموا عن ذلك عجزاً عن الخداع أو كراهة منهم للمناورات ، ولكنهم أحجموا عنه لأن هذه الدعوات لم تكن لها حقيقة ماثلة في حركات الشعوب.
فلما وجدت هذه الحقيقة المائلة كثرت المناداة بها في خطب الساسة وبرامج الوزارات ومباحث المؤتمرات ، وكان من نتائجها فعلا أن عدد الشعوب المستقلة يزداد عاماً بعد عام .

واليقظة العربية حقيقة ماثلة وحركة طبيعية لا شك فيها، قامت في نشأتها الحديثة على الرغم من السياسة الأوربية ولم تقم باختيارها وتدبيرها، وعادت إلى التجمع والوحدة بين الحربين العالميتين، لأنها لا بد أن تعود بعد قومتها الأولى. فمنذ أوائل القرن التاسع عشر سئل ابراهيم باشا وهو يناضل الدولة العثمانية : إلى أين تنتهى فتوحاته ؟ فقال : حيث لا يوجد من يتكلم العربية . يريد بذلك أنه ينشى دولة عربية محضاً ولا يريد أن يتجاوزها إلى بلاد أخرى .

وحوالى هذا الوقت كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى نجد يعلن الثورة على الحكومة العثمانية ويجمع القبائل في جزيرة العرب لتوحيد كلمتها والاتجاه بها إلى وجهة الاستقلال عن السيطرة الخارجية .

ولم تكن جزيرة العرب يومئذ تعترف بشيء من السلطان الأجنبي غير السيادة الإسمية والرقابة البعيدة التى لا تتعرض لشئونها الداخلية . فكان أمراء نجد والكويت والحجاز واليمن يأخذون وقلما يعطون في علاقتهم بالدولة العثمانية ، وكانوا على استقلالهم الذى تعودوه منذ القدم في حواضر الصحراء وبواديها ، ولا سيما البوادى التى تحجم عنها جنود الدولة ولا تنفذ إليها بغير إذن من أبنائها ، ولولا قرب العراق من مراكز الحدود التي تحميها الدولة بجيوشها لسكان شأنها فى جملته كشأن الجزيرة العربية.

وكانت أفريقية الشمالية تعتمد على نفسها في مدافعة الفرنسيين عن استقلالها وحوزة أمرائها وشعوبها

أما في سورية ولبنان، فقد رحبت جمهرة الشعب بحركات الوحدة مع الأمم العربية الأخرى وكانت على اتصال دائم بوادى النيل والجزيرة، وكانت علاقة أمرائها سراً وجهراً بمحمد على الكبير مثار القلق الدائم للحكام العثمانيين.

وفى كل هذا كانت السياسة الأوربية تقف من حركات العرب موقف المقاومة والتثبيط ، لأنها عملت على بقاء الأم العربية في حوزة الدولة العثمانية ، محرومة جهد المستطاع من حقوق السيادة والاستقلال .

ولم تفلح هذه المقاومة إلا ربما استجدت تلك الأمم نشاطها وتحفزت مرة أخرى للوثوب إلى غايتها .

فقامت في مصر حركة المطالبة بمصر المصريين ، وقامت في السودان حركة الثورة على «الترك» كما كانوا يسمون الأجانب أجمعين ، وقامت العرب دعوة واحدة إلى الاستقلال ولكنها كانت تمتحن من في بلاد آونة إلى أخرى بمحنة المنافسة بين زعماء العشائر وأمراء الأقاليم ، ودخل السوريون واللبنانيون والعراقيون فى حزب تركيا الفتاة لأنه الحزب الذي كان يمنيهم بالحكومة «اللامركزية» أى حكومة العرب فى بلادهم ، كما يشاءون و بمن يشاءون .

وفى هذا الدور أيضاً من أدوار القضية العربية كانت السياسة الأوربية تخذل العرب أو تمنعهم أن يبلغوا من الاستقلال غاية ما يقدرون عليه.

ثم نشبت حرب الأمم قبل ثلاثين سنة ، فتحركت الجامعة العربية من جديد، تارة على هدى وتارة على ضلال، فتسابقت دول أوربة إلى كسب الأنصار من أمم العرب التى استقلت أو التي طمحت إلى الاستقلال ، وانتهت الحرب والأمم العربية جمعاء متفقة على المطالبة بالحرية والمناداة باسم العروبة في جامعة تتوافر لأعضائها حقوق الاستقلال .

وعلى ما كان من موقف أوربة فى المقاومة والتثبيط كانت لها فلتات هنا وفلتات هناك تبدر منها حيناً بعد حين ، في سبيل التشجيع والإغراء .

فكان الإنجليز مثلا يشجعون المناداة بمصر للمصريين لأنها تفصل مصر عن الدولة العثمانية، ولكنهم يثبطونها من جهة أخرى لأنها ثورة صريحة على الاحتلال البريطانى ، وما عسى أن يتطور إليه من بسط الحماية البريطانية في صورة من صورها الكثيرة .

وكان الفرنسيون ينشئون المدارس في البلاد السورية كما ينشئون فيها المطابع والمجامع لنشر كتب العرب وثقافة العرب و إحياء التراث العربي القديم . سعياً إلى الفصل بين العرب والدولة العثمانية لا سعياً إلى استقلالهم من جميع الطامعين، وكانوا يجتنبون ذلك فى أفريقية الشمالية حيث يتفردون بالحكم ولا يستريحون إلى عواقب هذه اليقظة أو هذه الجامعة الثقافية الدينية .

وكان الألمان يقابلون هذا بالتقرب إلى «الجامعة الإسلامية » لأنها تشمل التقرب من الترك والعرب على السواء . ولكنهم كانوا يطمحون من وراء هذه الجامعة إلى بلاد العرب في طريقهم إلى الهند والأقطار الأسيوية ويدفعون السلطان عبد الحميد إلى مد خطوط المواصلات في أنحاء سورية والجزيرة تحقيقاً لأحلامهم ، التى تتلخص في صيحتهم من «برلين إلى بغداد » ... ثم إلى الهند من هذه الطريق .

فالسياسة الأوربية قد وجدت حركة فأئمة فاستفادت منها تارة بالمقاومة وتارة بالتشجيع. أما أنها تخلقها خلقاً فذلك مخالف للواقع ، مخالف لفحوى التاريخ وهي تدخل اليوم فى طور جديد بفضل كيانها القديم لا بفضل السياسة المصطنعة أو التدبير الخارجى من جانب الإنجليز أو جانب الامريكيين.

وقد تكون لبريطانيا العظمى مصلحة فى مصادقتها ورغبة في معاملتها ، ولكنها تجد هذه المصلحة فى التفاهم بينها وبين الإغريق أو الايطاليين ، فلا يقول قائل إنها خلقت القومية الإغريقية أو خلقت القومية الإيطالية ، أو أنها قادرة على تجاهل القوميتين وإحباط ما ترميان إليه إذا تحولت السياسة من خطة إلى خطة فى المستقبل القريب أو المستقبل البعيد

فالجامعة العربية حركة طبيعية من قديم الزمن وهى طبيعية في هذا الزمن على التخصيص ، لأن العصر الحاضر ينادى باحترام حقوق الأوطان وينادي بالتعاون فى الجوار، وينادى بالتعاون الشامل في المسائل العالمية الكبرى . وأبناء العربية يحبون الاستقلال لأوطانهم ويتجاورون فيحتاجون إلى التعاون فيما بينهم على المرافق المشتركة وهى أكثر من أن تنحصر فى مرافق الماضى أو مرافق الحاضر أو مرافق المستقبل على انفراد ، وكلهم يودون أن يعانوا وأن يمينوا فى المسائل العالمية الكبرى التي تمسهم مباشرة أو تمسهم بنتائجها التي تعم البشر أجمعين

وللجامعة العربية مستقبل سياسى رهين بأحوال العالم وتقلباته وانتظام العلاقات بين شعو به وحكوماته ، ولكن اليقظة العربية حقيقة لا ترتهن بالسياسة وحدها . لأنها مستمدة من طبيعة الأشياء لا من برامج الدولة والرؤساء