انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/إجمال

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 172–175
 

إجمال


غنىٌ عن القول أن البلاد الشرقية تلقت دروساً كثيرة في العلوم والصناعات التى تسمى أحياناً بعلوم أوربة وصناعاتها ، إما في مدارس أوربة نفسها وإما في المدارس الشرقية التي أنشئت على غرارها.

وهذه حقيقة واقعة غنية عن الإفاضة في شرحها لأنها مفهومة بطبيعتها ، ولأن المهم عندنا في تسجيل آثار الحضارة الأوربية في الشرق هو الآثار النفسية التي كان لها مساس بروح الشرق وضمائر أبنائه ، ولسنا ممن يرون أن العلوم والصناعات المنقولة كان لها فى ذاتها مثل ذلك الأثر . إلا من طريق الخطأ فى فهمها واستخلاص مراميها ، لأنها تدخل في حيز المنقولات العقلية والمنقولات الآلية التي لا تستتبع بعدها انقلاباً خطيراً في عالم الروح وسرائر الوجدان.

وعلى سبيل التفسير لهذا الرأى نرجع إلى القول بكروية الأرض ودورانها . فهذا القول لم يكن بالجديد على الثقافة الشرقية ، ولكن الأدلة الحسية لم تكن مثبتة له فى تصور الدهماء وأشباه الدهماء من أصحاب المعلومات القاصرة ، فاستطاع الجهلاء أن ينكروه وأن يلصقوا إنكاره بما فهموه من ظواهر النصوص الدينية . فلما جاء القول بكروية الأرض ودورانها عن طريق الغرب وجاءت الكشوف الجغرافية بما يثبت هذا القول القديم أخطأ الجهلاء فهم الدين ، وفهم العلم الحديث ، زمناً سرى فيه الشك إلى ضمائر المتعلمين ، ولم يسع هؤلاء المتعلمين إنكار كروية الأرض أو إنكار دورانها، وظل هذا الشك سارياً إلى أن قرت الحقيقة العلمية في نصابها وعجز الجهلاء عن مقاومتها بالنصوص الدينية ، فزال العارض الذي أصاب الضمائر من خطأ الفهم وخطأ التأويل.

وهذا الذى عنيناه بقولنا إن العلوم والصناعات لم يكن لها مساس جوهرى بالحياة الروحية فى البلاد الشرقية ، لأنها قد استطاعت أن تستقر في حيز المعارف العقلية أو المعارف الآلية دون أن تقلق بواطن الضمير

والأولى عندنا أن يقال إن الحياة الروحية في البلاد الشرقية قد تأثرت من طريق ظواهر المعيشة ومن طريق المذاهب الفكرية ، ولم تتأثر مباشرة من طريق العلم أو الصناعة

فظواهر المعيشة التي حملها الأوربيون معهم إلى بلاد الشرق العربي قد نشرت معها جواً من الإباحة الفعلية والاستخفاف بالقيود الأخلاقية الموروثة ... فقل الحرج من سماع الآراء الطارئة وتوجيه النقد إلى الشعائر المرعية ، وكان أثر هذا كله فى الحياة الروحية أعمى جداً من كل أثر سرى إلى الضمائر من معارف العلم والصناعة

أما المذاهب الفكرية التى لامست عالم الروح في الشرق فهى من قبيل مذهب النشوء والارتقاء ومذهب نيتشه ومذهب التفسير المادى للتاريخ وفلسفة المقارنة بين تواريخ الأديان، وهى — على أقوى ما نلحظه من آثارها — لم تتجاوز أثر الفلسفة القديمة ولا مذاهب الشيع المعتزلة التي شغلت عقول المشارقة فى أواسط الدولة العباسية وما بعدها ، وقد كانت آثارها هذه فرديةً لا تتعدى المئات من المفتونين بها إلى ضمائر الجماعة بأسرها ، وكان جملة المفتونين بها ممن يتلقفونها ويتخطفون عناوينها ولا يحيطون بأسرارها ومضامينها ، وكانوا في الزمن القديم كما كانوا في الزمن الحديث على غرار الآخذين بمذهب النشوء والارتقاء ممن خيل إليهم أن هذا المذهب قد حل مشكلة الوجود ... وهو في جوهره على التحقيق لم يزد على أن جعل « خلق الإنسان والحيوان » مسألة ملايين من السنين بدلا من مسألة ألوف ومئات ؛ ولم يلمس قط سر الخلق الأبدى الذى لا يزال بابا مفتوحاً للتفكير والاعتقاد ، بعد كل ما قيل في مذهب النشوء والارتقاء.

فالمذاهب الفكرية التى أشرنا اليها لمست روح الشرق في نطاق الأفراد المعدودين، ولمسته فى هؤلاء الأفراد لمساً عاجلا قريباً لا يستأصل جذور اليقين ، إلا ما كان من هذه الجذور قريب الاستئصال

والمهم فيما بقى بعد هذا من آثار الحضارة الأوربية على بلادنا وشعوبنا هو الذي عرضنا له فى الفصول السابقة، ويتلخص في انتباه الشرقيين إلى فهم الدين وفهم الوطنية وفهم العلاقة بين الفرد و بين الله والعلاقة بين الفرد والدولة فهماً يتحدى أساطير الجمود ومخلفات الجهالة فى عصور الضعف والاضمحلال.

وننتهى بالبحث كله إلى عبرتين خالدتين : أولاهما أن الأمم الشرقية والغربية جميعها دائنة ومدينة فى تراث الحضارة الإنسانية ، وأنه ما من أمة لها تاريخ مجيد إلا وقد أعطت كما أخذت من ذلك التراث

وثانية العبرتين أن الأم تستفيد في باب الحضارة على الرغم منها وعلى الرغم ممن يفيدها . فالمستعمرون الغربيون لم يقصدوا تعليم الشرقيين حرية الأوطان ولكنهم تعلموها وهم ناقمون، والشرقيون قد شحذوا السلاح الذى ضربتهم به يد الاستعمار؛ وأصيبوا به قبل أن يعرفوا كيف يصيب.

« وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم » .

« ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » .

« وتلك الأيام نداولها بين الناس » .