انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/أحوال الحضارة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 109–119
 

أحوال الحضارة

بعض الكلمات أدل من طوال المجلدات.

هذا القبيل تلك الكلمات التى تنتقل من لغة قوم إلى لغة قوم آخرين فتدل على ما انتقل معها من أحوال المعيشة وألوان الحضارة، وتبسط لنا في قليل من المفردات ذلك الفارق البعيد في شؤون الأمة بين ما كانت عليه قبل اقتباس تلك الكلمات المعدودات وبعد اقتباسها وتداولها في أحاديثها اليومية.

وفى لغات الأوربيين كلمات لها مثل هذه الدلالة على أثر المعيشة العربية في المعيشة الأوربية، بالمعاشرة أو الاتباع في الحكم أو تبادل التجارة منها الكلمات الدالة على القطن (Cotton) أو على الحرير الموصلى Mualin أو الحرير الغزى gause أو الحرير الدمشقى Damas أو الجلد القرطبي Cordevan أو الجلد المراكشي morocco أو الجبة jupe أو المسك mus أو العطر attard أو الزعفران saffron أو الشراب syrup أو الجرة المقعد الطويل sofia أو الأرز rice أو البرتقال من بمعنى النارنج Orange أو الليمون Lemon أو السكر Sugar أو القهوة coffee jar أو الصفة أو القنوة Condy إلى أشباه هذه المفردات.

وقد شاعت هذه المفردات فى الانجليزية والفرنسية وبعض اللغات ١١٠

الأوربية الأخرى . أما الذى دخل الاسبانية والبرتغالية من الكلمات الدالة على أحوال المعيشة فقد يحصى بالمئات ولا يقتصر على العشرات ، ومنها القباء gaban والبناء albanil والمخزن almaeen و القطران alquitran والسطيحة azoten والطريحة al Tariha الفندق fonda والطاحون tahone والحجر الكريم أو الجوهر alhaja و البراءة albaran والكراء alqailer والقبة alooba والساقية assaquiya و بعض المكاييل كالفنيقة وهى الغرارة tunega والثماني celenines والقطيفة aleatifa والربعة arrobs والجيب algibeira والخياط afaiate والرطل arratel وألفاظ كثيرة من أسماء الحاجيات المتداولة أو الأعلام على المواقع والبلاد . وليس كل الشأن فى انتقال هذه المفردات إلى الإسبانية أو البرتغالية أنها صفحات زيدت على معجم اللغتين ، وإنما الشأن الصحيح فيها أنها دليل على صبغة المعيشة العربية التى اصطبغت بها تلك البلاد وكل بلد غيرها اقتبس مثل هذا الاقتباس أو بعض هذا الاقتباس ، وأنها مقياس الفارق بين أحوال الأمم الأوربية قبل اتصالها بالحضارة العربية وبعد شيوع هذا الاتصال . ولم تكن الجزيرة الأندلسية هى المجاز الوحيد بين القادة الأوربية والحضارة العربية ، لأن القوافل التي تنقل البضائع من آسيا الغربية إلى ولأن أوربة الشرقية لم تنقطع كل الانقطاع فى عصر من العصور ، الأوربيين قد عرفوا الشيء الكثير عن الشرق في إبان الحروب الصليبية . ١١١

ولكن الجزيرة الأندلسية هى القطر الوحيد الذي يقال فيه على التحقيق إنه لم يعرف له عصراً ذهبياً في تاريخه كله غير العصر الذهبي الذي رآه في أيام الدوله العربية الزاهرة ، ولا استثناء فى ذلك لعهد فيليب الثاني وما كان فيه من مظاهر الأبهة والرخاء ، لأنه كان رخاء مستعاراً من الخيرات التي تدفقت على إسبانيا من مستعمراتها الأمريكية بعد كشف العالم الجديد ، ولم يكن رخاء محمولا على حضارة تزدهر فيها المعارف الإنسانية وتتفتق فيها عقول الأمه عن فتح مبتكر ينسب إلى أهل البلاد ففى عصر الأندلس الذهبي كانت المدن الأندلسية أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها ، وكان في قرطبة وحدها دكان نسخ واحد يستخدم مائة وسبعين جارية فى نقل المؤلفات لطلاب الكتب النادرة ، وكان في قصر الخليفة أربعمائة ألف كتاب ، وكان سادات أورية يفاخرون بما يقتنونه من منسوجاتها أو مصوغاتها المعدنية أو آنية الفخار التي لا يعرف لها نظير في بلد آخر، وكان عدد سكانها نحو ألف ألف يسكنون نحو مائتين وخمسين ألف بيت ، ولم تكن مدينة في أروبة تأوى إليها أكثر من ثلاثين ألفاً أو خمسين ألفاً على أكبر تقدير و إلى قرطبة وزميلاتها غرناطة وأشبيلية وطليطلة ومرسية ومالقة كانت تتجه وفود المواهل الأور ببين فى طلب الأدوية أو التحف أو أدوات الترف والزينة وفرق الموسيقى والغناء ، وأجمل بعض هذا المؤرخ الانجليزى استانلى لاین پول فقال : ( إن حكم عبد الرحمن الثالث الذي قارب خمسين سنة ١١٢

أدخل على أحوال أسبانيا تجديداً لا يلم الخيال - على أجمع ما يكون - بحقيقة فحواه » .. ولا نعرف شهادة لهذا العصر الذهبي أعظم ولا أصدق من ذلك الحنين الذي يذكره به غلاة الوطنيين الأسبان وكبار كتابهم حين يلتفتون إلى ماضى بلادهم ويتمنون لها حاضراً كماضيها في أيام الدولة العربية ، فلم تنجب أسبانيا في عصرها الحديث وطنياً غيوراً ولا كاتباً مبرزاً أشهر من بلاسكوا ابانيز الذي توفى منذ بضع سنوات، ولكنك لا تقرأ العربي ولا شرقي كلاماً في الإشادة الحماسية بمجد العرب الأندلسيين كالذى تقرأه لهذا الكاتب النابه في أهم مصنفاته وهى ( ظلال الكنيسة ) حيث يقول : «... لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الأفريقية ، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء . فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب.... وكانت غزوة تمدين ولم تكن غزوة فتح وتدويخ . ولم يزل ميل المهاجرين يتدفق من جانب المضيق وتستقر معه تلك الثقافة الغنية الموحدة الأركان . نابضة بالحياة ، بعيدة الشوط ، ولدت منتصرة و بث فيها النبي حمية قدسية واجتمع إليها أفضل ما في وحى بنى إسرائيل وعلم بيزنطية وتراث الهند وذخائر فارس والصين. وهكذا تسرب الشرق إلى أوربة على نهج غير نهج دارا وزر كسيس من قبل أثينا التى قاومته خوفاً على حريتها . وإنما اختار له فى هذه المرة نهجاً مقابلاً لأتينا من الناحية الغربية وهو الجزيرة. ١١٣

الأندلسية حيث سلطان الملوك ( اللاهوتيين » والقساوسة المجاهدين .فتلقته مفتوحة الذراعين . وفى خلال سنتين اثنتين استولى الغزاة على ملك قضى مستردوه سبعة قرون كاملة في استرداده ، ولم يكن في الواقع فتحاً فرض على الناس برهبة السلاح بل حضارة جديدة بسطت شعابها على جميع مرافق الحياة، ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمناً عن فضيلة حرية الضمير وهى الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب . فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى و بيع اليهود. ولم يخش المسجد معابد الأديان التي سبقته فعرف لها حقها واستقر إلى جانبها غير حاسد لها ولا راغب في السيادة عليها ، ونمت على هذا ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر أجمل الحضارات وأغناها في القرون الوسطى ، وفى الزمن الذي كانت فيه أم الشمال فريسة للفتن الدينية والمعارك الهمجية يعيشون عيشة القبائل المستوحشة في بلادهم المتخلفة كان سكان أسبانيا يزدادون فيزيدون على ثلاثين مليوناً تنسجم بينهم جميع المناصر البشرية والعقائد الدينية ، وخفق قلب الحياة الاجتماعية بأقوى نبضاته التي عرفها تاريخ الجماعات البشرية ، فلا نرى لها قريناً نقابله به غير ما نجده في الولايات المتحدة الأمريكية من تنوع الأجناس واتصال الحركة والنشاط. فعاشت في الجزيرة الأندلسية طوائف من النصارى والمسلمين وأهل الجزيرة والشام وأهل مصر والمغرب ويهود أسبانيا والشرق فكان منهم ذلك المزيج الذى تميز منه المستعربون والمدجنون والمولدون ، (٨) ١١٤

وعاشت بفضل هذا التفاعل الحى بين العناصر والعروق جميع الآراء والعادات والكشوف العلمية والمعارف والفنون والصناعات والمخترعات الحديثة والأنظمة القديمة، وانبثقت من تجاوب هذه القوى مواهب الإبداع والتجديد ، ووصل من الشرق الحرير والقطن والقهوة والورق والليمون والبرتقال والرمان والسكر مع هؤلاء الوافدين ، كما وصلت السجاجيد والمنسوجات والبارود والمعادن المنقوشة ، وأخذنا عنهم الحساب العشرى والجبر والكيمياء والطب وعلم الفلك والشعر المقفى . ونجا الفلاسفة الإغريق من الضياع في غمرة النسيان حيث تبعوا العربي في فتوحه وغزواته . فتربع أرسطو في جامعة قرطبة التى ذاعت شهرتها في الآفاق ، وظهرت بين العرب الأندلسيين فكرة الفروسية التي تبناها فيما بعد رجال الشمال كأنها ميزة مقصورة على الأمم المسيحية . وبينما كانت شعوب الفرنجة والسكسون والجرمان يعيشون في الأكواخ ، ويعتلى ملوكهم وأشرافهم تقم الصخور في القلاع المظلمة ، ومن حولهم رجال هم عالة عليهم يلبسون الزرد ويأكلون طعام الإنسان الأول قبل التاريخ - كان العرب الأندلسيون يشيدون قصورهم القوراء ويرودون الحمامات كما كان سراة رومة يرودونها من قبل للمساجلة في مسائل العلم والأدب وتناشد الأشعار وتناقل الأخبار . وكلما آنس راهب من نفسه رغبة في العلم اختلف إلى الجامعات العربية أو المجامع الإسرائيلية في أسبانيا، ووقر في أخلاد الملوك والأمراء أنهم ١١٥

مبرأون من أمراضهم لا محالة إذا أسعدهم الحظ بطبيب أسبانى مهما يكلفهم ذلك . ثم انفصل العنصر الوطنى عن الغزاة وتجمعت القوميات المسيحية الصغيرة فاشتبك العرب والأسبان في حروب سجال لا تنتهى إلى الإبادة والاستئصال بعد الانتصار ، وأضمر كل منهم لصاحبه احتراماً عميقاً فهو يعاهده على فترة طويلة من فترات السلم كأنما يحاولون بذلك تأجيل تلك اللحظة التي يحم فيها الفراق الأخير ، ويعاونه خلال ذلك فى بعض ا الأعمال التي تفتقر إلى اشتراك الجهود ولقد عمت الحرية في ذلك المهد أقاليم أسبانيا المسيحية نفسها قبل أوربة الشمالية بزمن طويل ، واستقلت بتنظيم أمورها المالية ، وجعلت الملك أو الأمير بمقام رتبته العسكرية ، وأصبحت المقاطعات كالجمهوريات الصغيرة التي يتولاها حكامها المنتخبون . وكان المتطوعون في المدن قدوة مثلى للجيوش الديمقراطية ، وكانت الكنيسة المسيحية وهى على اتصال بالشعب تعيش بسلام في جوار الأديان المختلفة ، ونجمت في الأمة طبقة وسطى فعالة فأبدعت الصناعات المتعددة وأنشأت على السواحل أعظم قوة بحرية في زمانها ، وراجت المنتجات الإسبانية في جميع المرافئ الأوربية، وقامت في البلاد مدن تضارع في تعداد سكانها الحواضر الحديثة ، واختصت بعض القرى بتعامل النسيج ، وزرعت الأرض في شبه الجزيرة بأسرها . وقد ارتقى العرش ملوك الكتلكة فى الوقت الذي بلغت فيه القوى ١١٦

الوطنية أوجها ، وإنما يرجع طول ملكهم إلى موارد القرون الوسطى الفياضة بالابداع المخزونة في ودائع المصور السابقة . إلا أنه كان ملكا مشؤوماً بغيض العواقب . لأنه حاد بالسياسة الأسبانية عن سواء السبيل فدفع باسبانيا إلى التعصب الممقوت ونفخ فينا نزعة التوسع في الاستعمار . كانت أسبانيا يومئذ تتبوأ المكانة التي تتبوأها انجلترة في عهدنا الحاضر، ولو أنها اتبعت سياسة التسامح الدينى والتعاون بين الشعوب وواصلت عمل العرب الصناعى والزراعى بدلا من مغامرات الحرب ومطامع الاستعمار لكان لنا اليوم غير شأننا الذى وصلنا إليه . و إن الطابع الإسباني الأبرز في عصر النهضة الأوربية من الطابع الإيطالي الذى اتسمت به إيطاليا بما انبعث فيها من آداب الأمم القديمة وفنون الإغريق ، فإن النهضة لم تقتصر على الميادين الأدبية والفنية ، بل أخرجت إلى العالم حضارة جديدة بتقاليدها وصناعاتها وجيوشها وعلومها . وهذا كله من ثمرات أسبانيا العربية والإسرائيلية والمسيحية . فالقائد العالم القرطبي الكبير ( جون سالقو) الحديثة ، وتفوق ( بدرونو قارو ) فى الهندسة واستخدمت الجيوش الإسبانية الأسلحة النارية لأول مرة فى التاريخ فكان استخدامها هو الذي خلق فرق المشاة وجعل من الحرب قوة ديمقراطية لأنه قدم الشعب على جماعة الفرسان رسم الذين كانوا سجناء تلك الشكة العسكرية الارستقراطية . خطط الحرب ١١٧

إلى أن يقول : أسرعت دونا ايزابيلا بذلك التعصب النسائي الذي امتلأت به فأنشأت محاكم التفتيش ، وانطفأ من ثم مصباح العلم في المسجد والبيعة وخلفته في الدير المسيحى ذبالة العبادة . لأن الساعة ساعة صلاة . وقد ولت ساعة العالم وانزوت الفكرة الإسبانية فى غياهب الظلمات حيث ترتعد برداً في عزلتها المضنية وتخبو شيئاً فشيئاً إلى أن تموت. وإن بقيت منها بقية فهى تلك التي تنصرف إلى الشعر والمسرح والجدل الديني، مذ كان العلم يقضى بصاحبه إلى نار الحريق ...» هذه الشهادة الإسبانية الصحيحة - شهادة أبانيز - للدولة العربية . . في الجزيرة الأندلسية هي خلاصة التاريخ المتفق عليه ، وليست تحية إعجاب وكفى من رجل منصف متوثب الخيال . ولم يمار في هذه الخلاصة التاريخية أحد من المؤرخين المعول عليهم سواء كانوا من العرب أو الأوربيين أو الأسبان ، إلا أفراداً قلائل زعموا أن الحضارة العربية فى الأندلس قامت على أيدى أبنائها الأصلاء دون الغرباء الوافدين عليها ، وهو زعم عجيب يوحى أول ما يوحيه إلى الذهن أن يسأل : ولم لا تزدهر العبقرية الإسبانية إلا في ظل الحكومة العربية فلا تؤتى ثمراتها قبل وفود العرب ولا بعد ذهابهم وذهاب آثارهم في العلم والصناعة والعمران ؟ وجواب هذا السؤال ينفي كل زعم يلهج به أمثال أولئك المنكرين ١١٨

المتعصبين، وبخاصة حين يرسلون زعمهم إرسالا لا يؤيده اسم واحد من أسماء أبناء البلاد الأصلاء الذين ساهموا مع العرب في أعمال الحكم والتعمير ، أو كانت مساهمتهم دليلا على مشاركة عامة مقسمة النطاق . وأول ما يستخلص من قيام الحضارة الأندلسية على هذا الوصف المتفق عليه أن آثارها في أوربا كانت أعم وأعمق مما تسجله الكتب المطولة أو الكلمات المقتبسة ، لأننانرى بأعيننا في عصرنا الحاضر كيف يكون أثر القدوة . بالسماع فضلا عن القدوة بالمعاشرة الطويلة بين الشعوب ، وهذه الثورة الفرنسية قد تخللت أوربا وآسيا وأفريقية بمبادئها وحوافزها ولما يتجاوز المطلعون على حقيقتها احاداً معدودين فى كل بلد من بلدان تلك القارات ، فاذا كانت القارة الأوربية لا تغير نظرتها إلى الحياة بعد معاشرة تلك الحضارة الأندلسية على استفاضتها وطول أمدها فالتهمة هنا نتجه إلى العنصر الأوربي ولا نتجه إلى العنصر العربي أو الإسلامي بحال . وقد أصاب أبا نيز حين قال إن عصر النبضة مدين للحضارة الأندلسية قبل الحضارة الإيطالية التي أعقبتها . لأن عصر النهضة لم يكن عصر تجديد للفنون الإغريقية القديمة ولا مزيد على ذلك من عنده ، ولكنه كان عصر تجديد في الحياة العملية والمرافق الصناعية والتجارية وفهم مستحدث للعقيدة وللعالم والعلاقات بين الحاكمين والمحكومين ، أو كان عصر معيشة جديدة تناولت بالتبديل والتعديل طبقات الشعوب من العلية إلى السواد، وأولى ١١٩

أن يأتي ذلك من القدوة الشعبية فى جميع الشئون العملية بعد اتصال المعاشرة - بين حضارة العرب وأبناء أوربة الغربية عدة قرون . وفى وسع الأرقام والألفاظ أن تحصى لنا آثار العرب في بعض العلوم أو بعض الصناعات ، ولكن آثار العرب في الحضارة العامة لا تستقصيها الأرقام ولا الألفاظ ولا هى موقوفة على استقصاء أرقام وألفاظ . لأن زعم الزاعم أنها قد مضت بغير أثر كبير يناقض العقل البشرى كما يناقض المشاهد والمحسوس ، وإسناد هذا الأثر إلى غيرها بلا مشاركة منها على الأقل تعسف لا يؤخذ به فى سياق التاريخ. وقد جاءت النهضة بعد عهد الحضارة الأندلسية ، وجاء الإصلاح الديني بعد النهضة ، وجاءت الحرية السياسية بعد الاصلاح، ولم ينكر أحد من الأوربيين أثر واحدة من هذه الحركات في الأخرى. فليس في وسع المنكرين المتعصبين منهم أن يقطعوا الصلة بين الحركة الأولى وما تلاها ، مع هذا التلازم في الزمان والأسباب .