أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/آداب الحياة والسلوك
آداب الحياة والسلوك
وقد كانت المدرسة الكبرى المعنية بآداب الحياة والسلوك – بين مدارس الفلسفة التى اشتهرت باسم «الفلسفة الاغريقية) – هي مدرسة شرقية في أصول أساتذتها، وأصول مبادئها، وأصول تفكيرها التي انفردت بها بين أصول التفكير الغالبة على عقول حكماء الاغريق الأصلاء.
ونعنى بتلك المدرسة الشرقية مدرسة الرواقيين.
فقد كان رأس هذه المدرسة زينون» من أصل «كنعاني » أو فينيقي كما كان الاغريق يسمون بعض الكنعانيين، وكان مولده على الشاطيء الشرقي من جزيرة قبرس في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد.
وكان من أقطاب هذه المدرسة من ولد فى صيداء ومن ولد على ضفاف نهر العاص أو نهر الدجلة.
وكان لها شأن جليل فى الثقافة الاغريقية ثم في الثقافة الرومانية ثم في المدرسة الافلاطونية التى نشأت بالاسكندرية، ويقى لها هذا الشأن في تفكير الأوربيين وآداب سلوكهم إلى عصور النهضة والاصلاح الديني وما لازمه من ضروب الإصلاح الأدبية. فكانت الفلسفة الرواقية هدى لطلاب الاصلاح في طلب الكمال وطلب السعادة وطلب الحكمة العملية في الحياة.
١٥
وحسبك شاهداً على الآداب مكان هذه المدرسة من السيطرة على
الأوربية في دولة الرومان أن سنيكا وشيشرون وابيكتيتس ومارك اورليوس
كانوا من أتباع الرواقيين ، وإنها المدرسة التي طاولت كل مدرسة أخرى
في أمد البقاء واتساع النطاق ، فلم تضارعها في طول بقائها واتساع نطاقها
مدرسة فلسفية نشأت على عهد الإغريق والرومان ، وان النمط الرواقي في
الحياة كان ولم يزل بين الغربيين قدوة الرجل الكامل - أو طالب الكمال -
إلى عهد ديكارت الفرنسي وامرسون الأمريكي ، ومن تتلمذ عليهما إلى
هذا الجيل .
وقد كان طابع الذهن السامى - ونكاد نقول طابع الجزيرة العربية -
ملحوظاً على كل ما علمته المدرسة الرواقية في باب الغيبيات أو باب العلم
الطبيعي أو باب الأخلاق
فكانت تدين بالتوحيد ونسبة الفعل كله إلى الله والانفعال كله إلى المادة
وقد تميل أحياناً إلى وحدة الوجود فيا طرقته من بحوث ما وراء الطبيعة :
وكانت ترى فى باب العلم الطبيعى أن الشيء الموجود هو الذي يفعل
أو ينفعل ، ولا وجود لغير ذلك من الفروض المثالية أو الفروض الخيالية
فكل ما في الكون مرجعه إلى الحس والتجربة وقدرة الفعل والانفعال .
ولعلهم كانوا فى هذا الباب رواداً سابقين للمدرسة التجريبية التي ظهرت
بعدهم بألفى سنة . ويعزو (سترابو » الجغرافي الكبير إلى موخوس
الصيداوى أنه أول من قال بالجوهر الفرد قبل حرب طروادة . ويستند في هذا
الخبر إلى رواية بوسيدنيوس الفيلسوف الرواقى المعروف، وهو سبق له معناه
في عصر الكلام على الجوهر الفرد والقنبلة الذرية.
أما في الأخلاق فلا قيمة عندهم للبحث الفلسفى إن لم يكن له نفع في طلب الحياة الفاضلة ونشدان السعادة والتطلع إلى الكمال، ومساك الأخلاق المثلى عندهم ضبط النفس وتربية الإرادة واجتناب المطامع والشهوات.
وليس من العسير تعليل هذه النزعة الرواقية أو هذه الفلسفة العربية القديمة، لأنها تنبعث من مصادر ثلاثة كل منها خليق أن يتجه بها هذا الاتجاه : وهى سلطان القبيلة، وسلطان الدين، وسلطان الدولة والنظام
فالقبيلة تفرض على أبنائها حياة الصبر والشظف والمحافظة على التراث القديم، وتجعل كل فرد من أبنائها مسئولاً عن القبيلة بأسرها، فعليه من أجل ذلك حساب عسير في كل صلة بينه و بين سائر الأفراد من تلك القبيلة أو من أبناء القبائل الأخرى، وغاية ما يحذره الرجل في ظل هذا السلطان أن « يخلع، فيصبح كما يسمونه خليعاً لا حساب عليه.
ثم يأتى سلطان الدين والكهانة بعد انتظام القبيلة في دور الحضارة والعرف الموروث، ولن نفترق الكهانة القديمة عن المراسم والآداب التي تلتزم في آداب المعيشة وآداب السلوك، ويتعرض الخارج عليها لخطر جسيم يضارع خطر (الخلع) أو يزيد عليه، لأنه يخلعه من حظيرة قومه وحظيرة الله على السواء.
ويتمشى مع سلطان الدين سلطان النظام والقانون في الدولة المهيبة قائماً على ركنين من وشائج العصبية وفرائض العبادة، أو قائماً على الحاسة الموروثة في عنصر النسب وعلى العقيدة المستقرة فى الضمير.
فإذا اتفقت هذه المصادر الثلاثة على إنشاء مدرسة من مدارس الحكمة فلن يكون عجيباً أن تنشأ هذه المدرسة على مثال الرواقيين، فإن نشأتها بين السلالات العربية مفهومة قريبة التعليل، وإنما المستغرب الذي يخفى تعليله للوهلة الأولى أنها انتشرت فى البيئة الإغريقية والبيئة الرومانية أو البيئة الأوربية على الإجمال، فلولا ما أصاب العالم الأوربي من القلق النفساني بعد فتوح الإسكندر وقبل الدعوة المسيحية لتعذر فهم ذلك الانتشار.