أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين/غزو الشام - وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان - الظروف الملائمة لفتح الشام - استعداد هرقل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين/غزو الشام - وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان - الظروف الملائمة لفتح الشام - استعداد هرقل
المؤلف: محمد رشيد رضا


[141]
غزو الشام
سنة 12 - 13 هـ - 633 - 634 م

بعد أن عاد أبو بكر من الحج وجه الجنود إلى الشام تحت قيادة خالد بن سعيد بن العاص . وكان أول لواء [142]عقده إلى الشام . وهو من الذين أسلموا قديماً وهاجر إلى الحبشة ، إلا أن أبا بكر عزله قبل أن يسير، وكان سبب عزله أنه تأخر عن بيعة أبي بكر شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان فقال يا أبا الحسن « یا بني عبد مناف ، أغلبتم عليها ؟ » فقال علي : « أمغالبة ترى أم خلافة » ؟


فأما أبو بكر فلم يحقدها عليه ، وأما عمر فاضطغنها عليه ، فلا ولاه أبو بكر لم يزل به عمر حتى عزله عن الإمارة وجعله رداء للمسلمين بتيماء[1] ( جنوب شرقي تبوك ) وأمره أن لا يفارقها إلا بأمره وأن يدعو من حوله من العرب إلا من ارتد وأن لا يقاتل إلا من قاتله ، فاجتمع إليه جموع كثيرة من الروم ، وعلى ذلك أمره أبو بكر بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه ، فتقدم شمالاً نحو البحر الميت فسار إليه بطريق الروم[2] ويدعى

  1. تيماء: بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حج الشام ودمشق . والأبلق الفرد : حصن السموءل بن عاديا مشرف عليه فلذلك كان يقال لها تيماء اليهود . قال بعض العرب يذكر تيماء:
    إلى الله أشكولا إلى الناس أنني أنني بتيماء تيماء اليهود غريب
    وإني بتهباب الرياح موكل طروب إذا هبت علي جنوب
    وإن هب علوى الرياح وجدتني كأني لعلوي الرياح نسيب
  2. البطريق : لقب عسكري رومي عال يعادل اليوم جنرال .
[143]

« باهان » ولما وجد أنه تقدم كثيرة كتب إلى أبي بكر يستمده .

وكان قد قدم إلى أبي بكر بالمدينة جيوش المسلمين من اليمن بعد أن هزموا المرتدين ، وكانوا على استعداد للحرب في جهات أخرى ، فأرسل أبو بكر عكرمة بن أبي جهل والوليد بن عقبة لإمداد خالد في الشمال .

أسرع خالد بن سعيد في أوائل فصل الربيع للغزو ناسيا ما أمره به أبو بكر من عدم الزحف ، فوقع في شرك باهان جهة دمشق ، وكان قد وصل إلى مرج الصفر ، شرقي بحيرة طبرية فأطبق عليه العدو من الخلف، ومنعه من التقهقر، وقتل ابنه سعيد في المعركة وفر خالد بفلول جيشه إلى المدينة وبقي عكرمة ردءا للجيش بدل خالد ، فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوه وأقام من الشام على قرب .

ثم أمر أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمر و في أمثاله من أهل مكة وشيعه ماشيا وأوصاه وغيره من الأمراء . [144]== وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان == كان مما قاله أبو بكر ليزيد :

« إني وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك ، وإن أسأت عزلتك ، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك ، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليأ له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله ، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها ، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه ، وإذا وعظتهم فأوجز ، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا ، وأصلح نفسك يصلح لك الناس ، وصل الصلوات لأوقاتها بإنمسام ركوعها وسجودها والتخشع فيها ، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل أبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ، ولا ترينهم فيروا خيلك ويعلموا علمك وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك [145]با

فيختلط أمرك ، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتي من قبل نفسك ، واسمر بالليل في أصحابسك تأتك الأخبار وتنكشف عنك الأستار ، وأكثر حرسك و بددهم في عسكرك ، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك ، فمن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرها لقربها من النهار ، ولا تخف عن عقوبة المستحق ، ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذلها مدفعة ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسدهم ولا تتجسس عليهم فتفضحهم ، ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم . ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء ، وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس . واجتنب الغلول ( الخيانة في المغنم ) فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له »[1].

وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة [146]الأمر ، فإنه ذكر فيها واجبات القائد نحو جنده ، ونحو عدوه ، ومنع من تعرض القائد للمتدينين الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع احترامأ لدينهم

وقد انقسم الجيش إلى ثلاثة أقسام كل قسم مؤلف ۵۰۰۰ مقاتل، وأمر على اثنين منهما شرحبيل بن حسنة الذي كان قد من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر ، وعلى الثالث عمرو بن العاص ، وعين لكل جيش وجهته في الشام فوجة عمرة إلى أيلة على رأس خلیج العقبة[2]. ومن ثم لغزو جنوب الشام أو فلسطين ، ووجه یزید وشرحبيل إلى تبوك ، ثم غزوا أوساط الشام . وحمل معاوية بن أبي سفيان لواء أخيه يزيد وانضم خالد بن سعید متطوعة إلى جيش شرحبيل وكان تعيين الأمراء الثلاثة في شهر صفر سنة 13 ه - نیسان إبريل سنة 634 م ثم لما وصلت الجيوش الأخرى إلى المدينة أرسلهم أبو بكر الإمداد جيوش الشسام وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح . وعلى ذلك كان عدد الجيوش التي أرسلت أربعة ، وكان أبو عبيدة أميرة عليهم جميعا ، هه وبلغ عدد [147]J الجيش الزاحف ۲۶۰۰۰ بما في ذلك جيش عكرمة ، وخرج نحو الف من الصحابة في جيش الشام ، ومن بينهم ۱۰۰ ممن شهدوا موقعة بدر بخلاف جیش العراق فإن المهاجرين لم يقاتلوا فيه . سار أبو عبيدة على باب من البلقاء[3] فقاتله أهله ثم صالحوه فكان أول صلح في الشام .

الظروف الملائمة لفتح الشام[عدل]

كان إمبراطور الروم يبعث إلى القبائل العربية في جنوبي فلسطين إعانة مالية سنوية ، غير أنه اضطر بسبب ما أنفقه على الجيش في محاربة الفرس إلى قطع الإعانة مراعية في ذلك الاقتصاد في النفقات وعلى ذلك اعتبيزت هذه القبائل أنفسها أحرارة غير مقيدين محالفتهم الروم فانضموا إلى المسلمين ، ثم إن أهل الشام أيضأ أرهقتهم زيادة الضرائب فضلا عما كانوا لاقونه من الاضطهادات الدينية ، ولذلك لم يحركوا [148]ساكنة ، وقد كانوا يفضلون حكم العرب لحسن معاملتهم وعدهم في أحكامهم ، كل هذه كانت ظروف ملائمة للمسلمين المهاجمين

استعداد هرقل

وصل أمراء المسلمين إلى الشام فأخذ عمرو طریق المعرقة[4] ونزل بالعربة وهي واد بين البحر الميت وخليج العقبة ، ونزل أبو عبيدة الجابية[5]، ونزل يزيد البلقاء ، ونزل شرحبيل الأردن وقيل بصری . فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، وكان بالقدس فقال : أرى أن تصالحوا المسلمين فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقوا لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم ، فتفرقوا عنه وعصره فجمعهم وسار إلى حمص فنزلها وأعد الجنود والعساكر ، وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين بطائفة من جنوده لكثرة عسكره لتضعف كل فرقة [149]من المسلمين عمن بإزائها، فأرسل إلى عمرو أخاه تذارق[6] لأبيه وأمه فخرج نحوهم في ۹۰,۰۰۰ وبعث من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقية ثنية جلق بأعلى فلسطين . وبعث جرجة بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان فعسكر بإزائه. وبعث الراقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة , وبعث الفيتار بن نسطوس في 60,000 نحو أبي عبيدة فهابهم المسلمون ، وكاتبوا عمرة أن ما الرأي ؟ فأجابهم : أن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا يغلب من قلة ، فإن تفرقنا لا تقوم كل فرقة من استقبلها لكثرة عدونا ، وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو . وقال « إن مثلكم لا يؤتي من قلة إنما يؤتى العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين ، وليصل كل رجل منكم بأصحابه » وكان جميع فرق المسلمين ,۲۱ سوى عكرمة في ۹۰۰۰، وبلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم . واجتمع المسلمون باليرموك كا أمرهم أبو بكر ، واجتمع الروم هناك أيضأ وعليهم الدارق وعلى [150]4 المقدمة جوجة وعلى مجنبتيه الراقص وياهان ، ولم يكن قد وصل بعد إليهم ، وعلى الحرب الفيفار ، فنزلوا الواقوصة وهي على ضفة اليرموك وصار الوادي خندقة لهم ، وإنما أراد باهان وأصحابه أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين ، وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذي اجتمعوا به فنزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم وليس للروم طريق إلا عليهم . فقال عمرو : « أيها الناس أبشروا حصرت والله الروم ، وقل ما جاء محصور بخير، وأقاموا صفرا وشهري ربيع لا يقدرون منهم على شيء من الوادي والخندق ، ولا يخرج عليهم الروم إلا ردهم المسلمون . وكان قتال المسلمين لهم على تساند کل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد حتى قدم خالد بن الوليد من العراق ؛ وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم .

هامش

  1. راجع , الكامل ، لابن الأثير الجزء الثاني عنده ذكي فتوح الشام.
  2. ايلة : مدينة لليهود الذين حرم الله عليهم مصيد فمسخوا قردة وخنازير.
  3. البلقاء : منطقة في شرفي نهر الأردن قاعدتها السلط و بجودة حنطتها يضربه المثل.
  4. المعرفة هي الطريق التي كانت قريش تسلكها إذا أرادت الشام.
  5. الجابية أصلها في اللغة الحوض الذي يجب فيه الماء للإبل وهي قرية من أعمال دمشق . ثم من عمل الجيدور من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شال حوران.
  6. تذارق وهو تیودر (Theodore).

*