وفيات الأعيان/أبو عبيدة معمر بن المثنى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

أبو عبيدة معمر بن المثنى

أبو عبيدة معمر بن المثنى، التميمي بالولاء، تيم قريش، البصري النحوي العلامة؛ قال الجاحظ في حقه: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه. وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: كان الغريب أغلب عليه وأخبار العرب وأيامها، وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده حتى يكسره، وكان يخطئ إذا قرأ القرآن الكريم نظراً، وكان يبغض العرب، وألف في مثالبها كتباً، وكان يرى رأي الخوارج.

وقال غيره: إن هارون الرشيد أقدمه من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقرأ عليه بها أشياء من كتبه، وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره، وروى عنه علي بن المغيرة الأثرم وأبو عبد القاسم بن سلام - المقدم ذكره - وأبو عثمان المازني وأبو حاتم السجستاني وعمر بن شبة النميري، وغيرهم، وقد تقدم ذكر هؤلاء جميعهم.

وقال أبو عبيدة: أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تجبره، فأذن لي، فدخلت عليه وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عاليةلايرتقى عليها إلابكرسي وهو جالس على الفرش،فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إلي واستد ناني حتى جلست معه على فرشه، ثم سألني وبسطني وتلطف بي وقال: أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية، فقال لي: قد عرفت أكثر هذه وأريد من ملح الشعر، فأنشدته، فطرب وضحك وزاد نشاطاً، ثم دخل رجل في زي الكتاب وله هيئة حسنة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، فقال: هذاأبو عبيدة علامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا الرجل وقرظه لفعله هذا، ثم التفت إلي وقال لي: كنت إليك مشتاقاً، وقد سئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ قلت: هات، فقال: قال الله تعالى "طلعها كأنه رءوس الشياطين" الصافات: - 65 -، وإنما يقع الوعد والايعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف، قال: فقلت: إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة رزق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وأزمعت منذ ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن لمثل هذا وأشباهه، ولما يحتاج إليه من علمه، ولما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز وسألت عن الرجل فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه.

وقال أبو عثمان المازني، سمعت أبا عبيدة يقول: أدخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتاباً حسناً في صفة الخيل أحب أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما تصنع بالكتب؟ يحضر فرس ونضع أيدينا على عضو عضو منه ونسميه ونذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام، فرس، فأحضر فرس فقام الاصمعي فجعل يضع يده على عضو عضو منه ويقول: هذا كذا، قال فيه الشاعر كذا، حتى انقضى قوله، فقال لي الرشيد: ما تقول فيما قال؟ فقلت: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه مني تعلمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به.

وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب المجاز، فقال: يتكلم في كتاب الله تعالى برأيه؛ فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقته، فنزل عن حماره وسلم عليه، وجلس عنده وحادثه ثم قال له: أبا سعيد، ما تقول في الخبز، أي شيء هو؟ فقال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال أبو عبيدة: فقد فسرت كتاب الله تعالى برأيك، فإن الله تعالى قال: وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً يوسف:- 26-،فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسره برأيي، فقال أبو عبيدة: والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا، وقام فركب حماره وانصرف.

وزعم الباهلي صاحب كتاب المعاني أن طلبة العلم كانوا إذا أتو مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الأصمعي كان حسن الانشاد والزخرفة لردئ الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبح، وإن الفائدة عنده مع ذلك قليلة، وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة، ولم يكن أبو عبيدة يفسر الشعر.

وقال المبرد: كان أبو زيد الانصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعده يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم، وكان علي بن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة ويصحح روايته، وقال: كان لا يحكي عن العرب إلا الشيء الصحيح. وحمل أو عبيدة والأصمعي إلى هارون الرشيد للمجالسة، فاختار الأصمعي لأنه كان أصلح للمنادمة.

وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه ويشنأ الأصمعي ويهجره، فقيل له: ما تقول في الأصمعي؟ فقال:بلبل في قفص، قيل له: فما تقول في خلف الأحمر؟ فقال: جمع علوم الناس وفهمها، قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ فقال: ذاك أديم طوي على علم.

وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي يخاطب الفضل بن الربيع، يمدح أبا عبيدة ويذم الأصمعي:

عليك أبي عبيدة فاصطنعه فإن العلم عند أبي عبـيده وقـدمـه وآثـر عـلـي ودع عنه القريد بن القريده

وكان أبو عبيدة إذا أنشد بيتاً لا يقيم وزنه، وإذا تحدث أو قرأ لحن عتماداً منه لذلك، ويقول: النحو محدود.

ولم يزل يصنف حتى مات؛ وتصانيفه تقارب مائتي تصنيف: فمنها كتاب "مجاز القرآن الكريم" وكتاب غريب القرآن وكتاب معاني القرآن وكتاب غريب الحديث وكتاب الديباج وكتاب التاج وكتاب الحدود وكتاب خراسان وكتاب خوارج البحرين واليمامة وكتاب الموالي وكتاب البله وكتاب الضيفان وكتاب مرج راهط وكتاب المنافرات وكتاب القبائل وكتاب خبر البراض وكتاب القرائن وكتاب الببازي وكتاب الحمام وكتاب الحيات وكتاب العقارب وكتاب النواكح وكتاب النواشز وكتاب حضر الخيل وكتاب الأعيان وكتاب بيان بالهلة وكتاب أيادي الأزد وكتاب الخيل وكتاب الإبل وكتاب الإنسان وكتاب الزرع وكتاب الرحل وكتاب الدلو وكتاب البكرة وكتاب السرج وكتاب اللجام وكتاب الفرس وكتاب السيف وكتاب الشوارد وكتاب الاحتلام وكتاب مقاتل الفرسان وكتاب مقاتل الأشراف وكتاب الشعر والشعراء وكتاب فعل وأفعل وكتاب المثالب وكتاب خلق الإنسان وكتاب الفرق وكتاب الخف وكتاب مكة والحرم وكتاب الجمل وصفين وكتاب بيوتات العرب وكتاب اللغات وكتاب الغازات وكتاب المعاتبات وكتاب الملاومات وكتاب الأضداد وكتاب مآثر العرب وكتاب مآثر غطفان وكتاب أدعية العرب وكتاب مقتل عثمان رضي الله عنه وكتاب أسماء الخيل وكتاب العققة وكتاب قضاة البصرة وكتاب فتوح الأهواز وكتاب فتوح أرمينية وكتاب لصوص العرب وكتاب أخبار الحجاج وكتاب قصة الكعبة وكتاب الحمس من قريش وكتاب فضائل الفرس وكتاب ما تلحن فيه العامة وكتاب السواد وفتحه وكتاب من شكر العمال وحمد وكتاب الجمع والتثنية" وكتاب المجلة الأولى والثانية، وكتاب البيضة وكتاب الأوس والخزرج وكتاب محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين وكتاب الأيام الصغير، خمسة وسبعون يوماً، وكتاب الأيام الكبير، ألف ومائتا يوم، وكتاب أيام بني مازن وأخبارهم وغير ذلك من الكتب النافعة، ولولا خوف الإطالة لذكرت جميعها. ولما جمع كتاب المثالب، قال له رجل مطعون النسب: بلغني أنك عبت العرب جميعها، فقال: وما يضرك؟ أنت من ذلك برئ، يعني أنه ليس منهم.

وقال أبو عبيدة: لما قدمت على الفضل بن الربيع قال لي: من أشعر الناس؟ فقلت: الراعي، قال: وكيف فضلته على غيره؟ فقلت: لأنه ورد على سعيد ابن عبد الرحمن الأموي فوصله في يومه الذي لقيه فيه وصرفه، فقال يصف حاله معه:

وأنضاء تحن إلى سـعـيد



طروقاً ثم عجلن ابتكـارا

حمدن مناخه وأصبن منـه



عطاء لم يكن عدة ضمارا


فقال الفضل: ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة، ثم غدا إلى هارون الرشيد فأخرج لي صلة، وأمر لي بشيء من ماله وصرفني. وكان أبو عبيدة من موالي بني عبيد الله بن معمر التيمي، وقال له بعض الأجلاء: تقع في الناس فمن أبوك؟ فقال: أخبرني أبي عن أبيه أنه كان يهودياً من أهل باجروان، فمضى الرجل وتركه.


وكان أبو عبيدة جباهاً، لم يكن بالبصرة أحد إلا وهو يداجيه ويتقيه على عرضه؛ وخرج إلى بلاد فارس قاصداً موسى بن عبد الرحمن الهلالي، فلما قدم عليه قال لغلمانه: احترزوا من أبي عبيدة، فإن كلامه كله دق، ثم حضر الطعام فصب بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال له موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشر ثياب، فقال أبو عبيدة: لا عليك، فإن مرقكم لا يؤذي، أي ما فيه دهن، ففطن لها موسى وسكت.


وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد قال: انظروا لا يكون فيه ذاك، يعني أبا عبيدة، خوفاً من لسانه، فلما مات لم يحضر جنازته أحد، لأنه لم يكن يسلم من لسانه شريف ولا غيره.


وكلن وسخاً ألثغ مدخول النسب مدخول الدين يميل إلى مذهب الخوارج، قال أبو حاتم السجستاني: كان أبو عبيدة يكرمني على أنني من خوارج سجستان. وقال الثوري: دخلت المسجد على أبي عبيدة، وهو ينكت الأرض جالساً وحده فقال لي: من القائل:

أقول لها وقد جشأت وجاشت



مكانك تحمدي أو تستريحي


فقلت له: قطري بن الفجاءة، فقال: فض الله فاك! هلا قلت: هو لأمير المؤمنين أبي نعامة، ثم قال لي: اجلس، واكتم على ما سمعت مني، قال: فما ذكرته حتى مات.


قلت أنا: وهذه الحكاية فيها نظر، لأن البيت من جملة أبيات لعمرو ابن الإطنابة الخزرجي الأنصاري، والإطنابة أمه، وسام أبيه زيد مناة، لا يكاد يخالف فيه أحد من أهل الأدب، فإنها أبيات مشهورة للشاعر المذكور.


وذكر المبرد في كتاب الكامل أن معاوية بن أبي سفيان الأموي قال: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإن فيه مآثر أسلافكم، ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار فما ردني، إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري:

أبت لي عفتـي وأبـى بـلائي



وأخذي الحمد بالثمن الـربـيح

وإجشامي على المكروه نفسـي



وضربي هامة البطل المشـيح

وقولي كلما جشأت وجـاشـت



مكانك تحمدي أو تستـريحـي

لأدفع عن مآثر صـالـحـات



وأحمي بعد عن عرض صريح


رجعنا إلى حديث أبي عبيدة: وكان لا يقبل شهادته أحد من الحكام أنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان؛ قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة يوماً المسجد، فإذا على الاسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب على نحو من سبعة أذرع:

صلى الإله على لوط وشيعته



أبا عبيدة قل باللـه أمـينـا


فقال لي: يا أصمعي، امح هذا، فركبت على ظهره ومحوته بعد أن أثقلته إلى أن قال: أثقلتني وقطعت ظهري، فقلت له: قد بقيت الطاء، فقال: هي شر حروف هذا البيت؛ وقيل إنه لما ركب ظهره وأثقله قال له: عجل، فقال: قد بقي لوط، فقال: من هذا نفر. وكان الذي كتب البيت أبو نواس الحسن بن هانئ المقدم ذكره.


وقيل إنه وجدت رقاع في مجلس أبي عبيدة هذا البيت فيها، وبعده:

فأنت عندي بلا شك بقـيتـهـم



منذ احتملت وقد جاوزت سبعينا

وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الأسماء والكنى والأقاب: سأل رجل أباعبيدة عن اسم رجل، فما عرفه، فقال كيسان: أنا أعرف الناس به، هو: خداش، أو خراش أو رياش أو شيء آخر، فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته! فقال: إي والله، وهو قرشي أيضاً، قال: فما يدريك؟ قال: أما ترى كيف احتوشته الشينات من كل جانب؟ وأخبار أبي عبيدة كثيرة؛ وكانت ولادته في رجب سنة عشر ومائة، في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري، رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره، وقيل في سنة إحدى عشرة ومائة، وقيل أربع عشرة، وقيل ثمان، وقيل تسع، والأول أصح؛ والذي يدل عليه أن الأمير جعفربن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه سأله عن مولده فقال: قد سبقني إلى الجواب عن مثل هذا عمر بن أبي ربيعة المخزومي وقد قيل له: متى ولدت؟ فقال: في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأي خير رفع وأي شر وضع؟ وإني ولدت في الليلة التي مات فيها الحسن البصري وجوابي جواب عمر بن أبي ربعة. وقد تقدم في ترجمة ابن أبي ربيعة هذا الجواب منسوباً إلى الحسن البصري رضي الله عنه، فلينظر هناك؛ وتوفي سنة تسع ومائتين بالبصرة وقيل سنة إحدى عشرة، وقيل سنة عشر، وقيل ثلاث عشرة ومائتين رحمه الله تعالى. وكان سبب موته أن محمد بن القاسم بن سهل النوشجاني أطعمه موزاً فمات منه، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزاً، فقال له: ما هذا يا أبا جعفر؟ قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به؟ لقد استحليت قتل العلماء!.

وأبو عبيدة: بضم العين المهملة وإثبات الهاء في آخره، بخلاف القاسم بن سلام المقدم ذكره فإنه أبو عبيدة، بغير هاء. ومعمر: بفتح الميمين بينهما عين مهملة وفي آخره الراء.

والمثنى: بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وتشديد النون المفتوحة وفي آخره ياء مثناة من تحتها.

وباجروان التي والده منها: بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها واو مفتوحة وبعد الألف نون، وهو اسم لقرية من بلاد البليخ من أعمال الرقة، واسم المدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها - فيما قيل - عين الحياة التي وجدها الخضر عليه السلام، وغالب ظني أن أبا عبيدة من هذه المدينة. وقيل إن باجروان اسم للقرية التي استطعم أهلها موسى والخضر عليهما السلام.

والنوشجاني: بضم النون وسكون الواو والشين المعجمة وفتح الجيم وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى نوشجان، وهي بلدة من بلاد فارس، والله تعالى أعلم بالصواب.