كتاب شرح قصيدة ابن القيم 2

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

فصل في تنزيه أهل الحديث والشريعة عن الألقاب القبيحة الشنيعة ... فرموهم بغيا بما الرامي به ... أولى ليدفع عنه فعل الجاني ... يرمي البريء بما جناه مباهتا ... ولذاك عند الغر يشتبهان ... سموهم حشوية ونوابتا ... ومجسمين وعابدي أوثان ... وكذاك أعداء الرسول وصحبه ... وهم الروافض أخبث الحيوان ... نصبوا العداوة للصحابة ثم سموا بالنواصب شيعة الرحمن ... وكذا المعطل شبه الرحمن بالمعدوم فاجتمت له الوصفان ... وكذاك شبه قوله بكلامنا ... حتى نفاه وذان تشبيهان ... وكذاك شبه وصفه بصفاتنا ... حتى نفاها عنه بالبهتان ... وأتى إلى وصف الرسول لربه ... سماه تشبيها فيا اخوان ... بالله من اولى بهذا الاسم من ... هذا الخبيث المخبث الشيطان ... إن كان تشبيها ثبوت صفاته ... سبحانه فبأكمل ذي شان ... ... لكن نفي صفاته تشبيهه ... بالجامدات وكل ذي نقصان ... بل بالذي هو غير شيء وهو معدوم وإن يفرض ففي الأذهان ... فمن المشبه بالحقيقة أنتم ... ام مثبت الاوصاف للرحمن

أي إن المعطلة رموا أهل الحديث بألقاب قبيحة شنيعة ولقبوهم بما هم أولى به أعني النفاة فسموهم حشوية ونوابت ومجسمة وعباد اوثان وقد تقدم معنى ذلك وكذاك الروافض أعداء الرسول وصحبه نصبوا العداوة للصحابة رضي الله عنهم ثم سموا أهل السنة نواصب وكذلك المعطلة شبهوا الله تعالى بالمعدوم ولم يفهموا من صفات من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله إلا التشبيه فنفوا من صفات الله تعالى بالمعدوم فجمعوا الوصفين شبهوا أولا عطلوا ثانيا وسموا أهل الحديث ايضا مشبهة وهم قد شبهوا الله تعالى وتقدس بالجامدات وكل ذي نقص بل شبهوه بالمعدوم فيقول الناظم فمن الذي أولى بهذا الاسم يعني التشبيه أنتم ام المثبتة وحاشا المثبتة فهم أولى بالله ورسوله وقولهم هو الحق الذي دل عليها النقل الصريح فصل في نكتة بديعة تبين ميراث الملقبين من المشركين والموحدين والملقبين الأولى بفتح القاف والثانية بكسرها ... هذا وثم لطيفة عجب سأبديها لكم يا معشر الاخوان ... فاسمع فذاك معطل ومشبه ... واعقل فذاك حقيقة الانسان ... لا بد أن يرث الرسول وضده في الناس طائفتان مختلفتان

فالوارثون له على منهاجه ... والوارثون لضده فئتان ... إحداهما حرب له ولحزبه ... ما عندهم في ذاك من كتمان ... فرموه من ألقابهم بعظائم ... هم أهلها لا خيرة الرحمن ... ... فأتى الألى ورثوهم فرموا بها ... وراثه بالبغي والعدوان ... هذا يحقق إرث كل منهما ... فاسمع وعه يامن له أذنان ... والآخرون أولو النفاق فأضمروا ... شيئا وقالوا غيره بلسان ... وكذا المعطل مضمر تعطيله ... قد أظهر التنزيه للرحمن ... هذي مواريث العباد تقسمت ... بين الطوائف قسمة المنان ... أي من المعلوم انه لا بد ان يرث الرسول صلى الله عليه وسلم وضده طائفتان إحداهما حرب له أي محارب له ولدينه والثانية ورثته وأتباع سنته قوله فرموه من ألقابهم بعظائم الخ أي إن أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين في وقته رموه بعظائم كقولهم ساحر ومجنون كذاب ومفتر مذمم وكذا ورثة أعدائه رموا به وراثة بغيا وعدوانا وهذا يحقق إرث كل منهما قوله فاسمع وعه فعل أمر من الوعي وأتى بهاء السكت لاستجلاب النطق بالساكن أي إن المنافقين أضمروا النفاق وأظهروا غيره وكذا المعطل أظهر التنزيه وأضمر غيره والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وثم لطيفة أخرى بها ... سلوان من قد سب بالبهتان ... تجد المعطل لاعنا لمجسم ... ومشبه لله بالإنسان

والله يصرف ذاك عن اهل الهدى ... كمحمد ومذمم اسمان ... هم يشتمون مذمما ومحمد ... عن شتمهم في معزل وصيان ... صان الإله محمدا عن شتمهم ... في اللفظ والمعنى هما صنوان ... كصيانة الأتباع عن شتم المعطل للمشبه هكذا الإرثان ... والسب مرجعه عليهم إذ هم ... أهل لكل مذمة وهوان ... وكذا المعطل يلعن اسم مشبه ... واسم الموحد في حمى الرحمن ... هذي حسان عرائس زفت لكم ... ولدى المعطل هن غير حسان ... والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان ... ويرده المحروم من خذلانه ... لاتشقنا اللهم بالحرمان ... يا فرقة نفت الاله وقوله ... وعلوه بالمجد والكفران ... موتوا بغيظكم فربي عالم ... بسرائر منكم وخبث جنان ... فالله ناصر دينه وكتابه ... ورسوله بالعلم والسلطان ... والحق ركن لا يقوم لهده ... أحد ولو جمعت له الثقلان ... توبوا إلى الرحمن من تعطيلكم ... فالرب يقبل توبة الندمان ... من تاب منكم فالجنان مصيره ... أو مات جهميا ففي النيران ... مضمون هذه اللطيفة التي ابداها الناظم رحمه الله تعالى ان المعطلة دائما يلعنون المجسمة والمشبهة والله يصرف ذلك عن اهل الهدى والسنة المتبعين

لما أثبت الله ورسوله من صفات الله تعالى بغير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل وكذلك كانت حال قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمونه اسم مذمم يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم يسمونه مذمما وهو صلى الله عليه وسلم في معزل عن سبهم وصيانة من الله تعالى ففي هذا تسلية للسلف فأتباعهم لأن السب يرجع إلى المعطلة لأنهم أهل كل مذمة وهوان وكذا المعطل يلعن اسم مشبه واسم الموحد في حمى الرحمن تبارك وتعالى قال ابن اسحاق في سيرته وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ثم يسبونه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا تعجبون لما يصرف الله عني من قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد فصل في بيان اقتضاء التجهم والجبر والارجاء للخروج عن جميع ديانات الانبياء ... واسمع وعه سرا عجيبا كان مكتوما من الأقوام منذ زمان ... فأذعته بعد اللتيا والتي ... نصحا وخوف معرة الكتمان ... جيم وجيم ثم جيم معهما ... مقرونة مع احرف بوزان ... فيها لدى الأقوام طلسم متى ... تحلله تحلل ذروة العرفان ... فإذا رأيت النور فيه تقارن الجيمات بالتثليث شر قران

دلت على ان النحوس جميعها ... سهم الذي قد فاز بالخذلان ... جبروا رجاء ثم جيم ... تجهم فتأمل المجموع في الميزان ... قوله بعد اللتيا والتي هما من اسماء الدواهي واللتيا أصغر من التي وهي في الاصل تصغيرها ثم هما من الاسماء الموصولة وحذفت صلتها وذلك في عظم الأمر وشدته كأنه قال كفيته التي عظمت شدتها وتناهت بليتها وكأنه يريد باللتيا صغار المغارم أي غرمها في ماله وبالتي عظامها كالدم يعقله عن القاتل ونحوه قوله جيم وجيم الخ أي تلك الحبيمات مقرونة مع احرف أي جبرو وإرجاء وتجهم قوله طلسم هو واحد الطلاسم وهي اسماء مخصوصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب في اجسام مخصوصة كالمعارف وغيرها مع قوة نفس صالحة لهذا العمل فتحدث عندها احكام مخصوصة كما زعم أربابه قوله فإذا رأيت الثور فيه تقارن الجيمات بالتثليث هذا شيء عند المنجمين يسمى بالتثليت والتربيع ويسمونه النصبة أي إذا تقارنت الجيمات الثلاث في برج الثور وهو احد البروج الاثني عشر المذكورة في قوله ... حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى الليث سنبل الميزان ... ورمت عقرب بالقوس جديا ... فملا الدلو بركة الحيتان ... يقول الناظم إذا حصل هذا القرآن في البرج المذكور فاحكم لمن حصل له هذا الطالع بخلاصه من ربقه الايمان ثم شرع الناظم في بيان كيفية الخروج عن جميع ديانات الأنبياء لمن حصلت له هذه الجيمات فقال

فاحكم بطالعها لمن حصلت له ... بخلاصه من ربقة الإيمان ... فاحمل على الاقدار ذنبك كله ... حمل الجذوع على قوى الجدران ... وافتح لنفسك باب عذرك إذ ترى الأفعال فعل الخالق الديان ... فالجبر يشهدك الذنوب جميعها ... مثل ارتعاش الشيخ ذي الرجفان ... ... لا فاعل أبدا ولا هو قادر ... كالميت أدرج داخل الأكفان ... والأمر والنهي اللذان توجها ... فهما كأمر العبد بالطيران ... وكأمره الأعمى بنقط مصاحف ... أو شكلها حذرا من الالحان ... وهذه جيم الجبر لأن عند الجبرية ان العباد مجبورون على افعالهم وأنها مثل ارتعاش المرتعش أو كالميت يدرج في الأكفان وكأمر الأعمى بنقط المصاحف أو شكلها قوله ... واذا ارتفعت دريجة أخرى رأيت الكل طاعات بلا عصيان ... إن قيل قد خالفت أمر الشرع قل ... لكن أطعت إرادة الرحمن ... ... ومطيع أمر الله مثل مطيع ما يقضي به وكلاهما عبدان ... ... عبد الأوامر مثل عبد مشيئة عند المحقق ليس يفترقان ... ... فانظر إلى ما قادت الجيم التي ... للجبر من كفر ومن بهتان ... أي إذا ارتفع الجبري درجة أخرى رأى الكل طاعات وفي هذه الحال يقول قائلهم ... أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات

ويقول إن خالفت الشرع فقد أطعت القدر والإرادة ومطيع الأمر مثل مطيع القضاء وعبد الأمر مثل عبد المشيئة ونحو ذلك قوله عند المحقق أي بزعمهم فهذا ما قادته جيم الجبر من الكفر والبهتان قوله ... وكذلك الارجاء حين تقر بالمعبود تصبح كامل الايمان ... فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق وجد في العصيان ... واقتل إذا ما اسطعت كل موحد ... وتمسحن بالقس والصلبان ... واشتم جميع المرسلين ومن أتوا ... من عنده جهرا بلا كتمان ... وإذا رأيت حجارة فاسجد لها ... بل خر للأصنام والأوثان ... وأقر أن الله جل جلاله ... هو وحده البادي لذي الأكوان ... وأقر أن رسوله حقا أتى ... من عنده بالوحي والقرآن ... ... فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا ... وزر عليك وليس بالكفران ... ... هذا هو الإرجاء عند غلاتهم ... من كل جهمي أخي الشيطان ... فأضف الى الجيمين جيم تجهم وانف الصفات والق بالأرسان ... قل ليس فوق العرش رب عالم ... بسرائر منا ولا إعلان ... بل ليس فوق العرش ذو سمع ولا ... بصر ولا عدل ولا إحسان ... بل ليس فوق العرش معبود سوى العدم الذي لا شيء في الأعيان

بل ليس فوق العرش من متكلم ... بأوامر وزواجر وقران ... كلا ولا كلم إليه صاعد ... أبدا ولا عمل لذي شكران ... إني وحظ العرش منه كحظ ما ... تحت الثرى عند الحضيض الداني ... بل نسبة الرحمن عند فريقهم ... للعرش نسبته الى البنيان ... فعليهما استولى جميعا قدرة ... وكلاهما من ذاته خلوان ... هذا الذي أعطته جيم تجهم ... حشوا بلا كيل ولا ميزان ... تالله ما استجمعن عند معطل ... جيماتها ولديه من إيمان ... شرع الناظم في بيان ما تقضيه جيم الإرجاء وهو ان عندهم إذا أقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق وأن رسوله حق أتى من عند الله فهذا هو الإيمان عندهم وإن فعل ما فعل فهو ذنب ووزر وليس بكفر قوله فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق واقتل إن استطعت الموحدين واشتم جميع المرسلين واسجد للأصنام ولا يضرك ذلك إذا أقررت بأن الله الخالق وان رسوله صلى الله عليه وسلم حق فهذا هو الإرجاء عند غلاة الجهمية قوله فأضف الى الجيمين جيم تجهم وهذه الجيم تقتضي نفي الصفات وان الله سبحانه ليس فوق العرش بل ليس فوق العرش معبود سوى العدم وليس فوق العرش رب متكلم ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من عنده شيء بل نسبة الرحمن عندهم للعرش والحضيض التحتاني سواء وهو سبحانه

قد استولى عليهما بالقدرة فهذا الذي أعطته جيم التجهم ثم أقسم الناظم أن من اجتمعت له هذه الجيمات الثلاث فقد خلص من ربقة الإيمان ثم قال ... والجهم أصلها جميعا فاغتدت ... مقسومة في الناس بالميزان ... والوارثون له على التحقيق هم ... أصحابها لا شيعة الإيمان ... لكن تقسمت الطوائف قوله ... ذو السهم والسهمين والسهمان ... لكن نجا أهل الحديث المحض أتباع الرسول وتابعوا القرآن ... عرفوا الذي قد قال مع علم بما ... قال الرسول فهم أولو العرفان ... وسواهم في الجهل والدعوى مع الكبر العظيم وكثرة الهذيان ... مدوا يدا نحو العلى بتكلف ... وتخلف وتكبر وتوان ... أترى ينالوها وهذا شأنهم ... حاشا العلى من ذا الزبون الفاني ... قوله والجهم أصلها بفتح الهمزة وتشديد الصاد أي أسسها ولكن تقاسمها الناس فبعضهم أخذ سهما وبعضهم سهمين وبعضهم أخذ السهام الثلاثة نعوذ بالله من ذلك والسهمان بضم السين جمع سهم ولم ينج من هذه الجيمات إلا أهل الحديث المحض الذين تبعوا القرآن والرسول وعضوا على سنته بالنواجذ والحمد لله على الإسلام والسنة

فصل في جواب الرب تبارك وتعالى يوم القيامة إذا سئل المعطل والمثبت عن قول كل واحد منهما ... وسل المعطل ما تقول إذا أتى ... فئتان عند الله تختصمان ... إحداهما حكمت على معبودها ... بعقولها وبفكرة الأذهان ... سمته معقولا وقالت إنه ... أولى من المنصوص بالبرهان ... والنص قطعا لا يفيد فنحن أولنا وفوضنا لنا قولان ... قالت وقلنا فيك لست بداخل ... فينا ولست بخارج الأكوان ... والعرش أخليناه منك فلست فو ... ق العرش لست بقابل لمكان ... وكذاك لست بقائل القرآن بل ... قد قاله بشر عظيم الشان ... ونسبته حقا إليك بنسبة التشريف تعظيما لذي القرآن ... وكذاك قلنا لست تنزل في الدجى ... إن النزول صفات ذي الجثمان ... وكذاك قلت ألست ذا وجه ولا ... سمع ولا بصر فكيف يدان ... ... وكذاك قلنا لا ترى في هذه الدنيا ولا يوم المعاد الثاني ... ... وكذلك قلنا ما لفعلك حكمة ... من أجلها خصصته بزمان

ما ثم غير مشيئة قد رجحت ... مثلا على مثل بلا رجحان ... لكن منا من يقول بحكمة ... ليست بوصف قام بالرحمن ... هذا وقلنا ما اقتضته عقولنا ... وعقول أشياخ ذوي عرفان ... قالوا لنا لا تأخذوا بظواهر الوحيين تنسلخوا من الإيمان ... بل فكروا بعقولكم إن شئتم ... أو فاقبلوا آراء عقل فلان ... فلأجل هذا لم نحكم لفظ آ ... ثار ولا خبر ولا قرآن ... إذ كل تلك أدلة لفظية ... معزولة عن مقتضى البرهان ... فصل ... والآخرون أتوا بما قد قاله ... من غير تحريف ولا كتمان ... قالوا تلقينا عقيدتنا عن الوحيين بالأخبار والقرآن ... فالحكم ما حكما به لا رأي أهل الاختلاف وظن ذي الحسبان ... آراؤهم أحداث هذا الدين نا ... قضة لأصل طهارة الإيمان ... آراؤهم ريح المقاعد أين تلك الريح من روح ومن ريحان ... قالوا وأنت رقيبنا وشهيدنا ... من فوق عرشك يا عظيم الشان ... إنا أبينا أن ندين ببدعة ... وضلالة أو إفك ذي بهتان

لكن بما قلته أو قاله ... من قد أتانا عنك بالفرقان ... وكذاك فارقناهم حين احتياج الناس للأنصار والأعوان ... كيلا نصير مصيرهم في يومنا ... هذا ونطمع منك بالغفران ... فمن الذي منا أحق بأمنه ... فاختر لنفسك يا أخا العرفان ... لا بد أن نلقاه نحن وأنتم ... في موقف العرض العظيم الشان ... وهناك يسألنا جميعا ربنا ... ولديه قطعا نحن مختصمان ... فنقول قلت كذا وقال نبينا ... أيضا كذا فإمامنا الوحيان ... فافعل بنا ما انت أهل بعد ذا ... نحن العبيد وأنت ذو الإحسان ... أفتقدرون على جواب مثل ذا ... أم تعدلون إلى جواب ثان ... ما فيه قال الله قال رسوله بل فيه قلنا مثل قول فلان ... ... وهو الذي أدت إليه عقولنا لما وزنا الوحي بالميزان ... إن كان ذلكم الجواب مخلصا ... فامضوا عليه يا ذوي العرفان ... تالله ما بعد البيان لمنصف إلا العناد ومركب الخذلان ... حصل كلام الناظم في هذين الفصلين أنه يحكي جواب المعطل والمثبت عن قول كل واحد منهما إذا سألهما الرب تعالى يوم القيامة ومعنى ما ذكره ان المعطل يقول لربه إذا سأله يوم القيامة يا رب إني حكمت عليك بالعقل والفكرة وهذا اولي من المنصوص وقلت إنك لست بداخل العالم ولا خارجه وإنك لست فوق العرش وإنك لست بقائل القرآن بل هو

عبارة أو حكاية عبر بها رسولك البشري وهو محمد صلى الله عليه وسلم عن المعنى النفسي وإن نسبته إليك نسبة شريفة كما يقال بيت الله وكذاك قلنا لست تنزل في الدجى لأن النزول من صفات الاجسام وكذا قلنا لا وجه لك ولا سمع ولا بصر ولا يدان وكذا قلنا إنك لا ترى في الآخرة وكذا قلنا ما لفعلك حكمة وليس ثم غير مشيئة قد رجحت مثلا على مثل ومع ذلك فمنا من يقول الحكمة ليست تقوم بالرحمن سبحانه لأن ذلك يستلزم قيام الحوادث به تعالى وقلنا ما اقتضته عقولنا وعقول أشياخنا وهم قد قالوا لا تأخذوا بظواهر الوحيين بل فكروا بعقولكم أو فاقبلوا رأي فلان وفلان قالوا فلأجل هذا لم نحكم لفظ آثار ولا قرآن لأنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين وأما الآخرون وهم المثبتة فإنهم أتوا بما قد قاله الله ورسوله من غير تحريف ولا كتمان وقالوا تلقينا عقيدتنا عن الوحيين والحكم عندنا ما حكما به لا رأي أهل الاختلاف والظنون الفاسدة قالوا لا بد أن نلقاه نحن وأنتم في موقف العرض وهناك يسألنا جميعا ربنا فنقول قلت كذا وقال نبينا كذا فافعل بنا ما انت أهل له فنحن عبيدك وأنت ذو الإحسان أفتقدرون أيها المعطلة على مثل هذا الجواب أم تجيبون بجواب ليس فيه قال الله قال رسوله بل تقولون قولنا مثل قول فلان وهذا هو الذي أدت إليه عقولنا فإن كان هذا الجواب مخلصا لكم فامضوا عليه والله الموفق

فصل في تحميل أهل الإثبات للمعطلين شهادة تؤدى عند رب العالمين ... يا أيها الباغي على أتباعه ... بالظلم والبهتان والعدوان ... قد حملوك شهادة فاشهد بها ... إن كنت مقبولا لدى الرحمن ... واشهد عليهم إن سألت بأنهم ... قالوا إله العرش والأكوان ... فوق السماوات العلى حقا على العرش استوى سبحان ذي السلطان ... والأمر ينزل منه ثم يسير في الأقطار سبحان العظيم الشان ... ... وإليه يصعد ما يشاء بأمره ... من طيبات القول والشكران ... وإليه قد صعد الرسول وقبله ... عيسى بن مريم كاسر الصلبان ... وكذلك الأملاك تصعد دائما ... من ههنا حقا إلى الديان ... وكذاك روح العبد بعد مماتها ترقى اليه وهو ذو إيمان ... واشهد عليهم أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآن ... سمع الأمين كلامه منه وأدا ه إلى المبعوث بالفرقان ... ... هو قول رب العالمين حقيقة ... لفظا ومعنى ليس يفترقان ... واشهد عليهم أنه سبحانه ... قد كلم المولود من عمران

سمع ابن عمران الرسول كلامه ... منه إليه مسمع الآذان ... واشهد عليهم أنهم قالوا بان الله ناجاه بلا كتمان ... واشهد عليهم أنهم قالوا بأن الله نادى قبله الأبوان ... واشهد عليهم أنهم قالوا بأن الله يسمع صوته الثقلان ... والله قال بنفسه لرسوله ... إني أنا الله العظيم الشان ... والله قال بنفسه لرسوله ... إذهب الى فرعون ذي الطغيان ... والله قال بنفسه حم مع طه ومع يس قول بيان ... واشهد عليهم انهم وصفوا الإله بكل ما قد جاء في القرآن ... وبكل ما قال الرسول حقيقة من غير تحريف ولا عدوان ... واشهد عليهم ان قول نبيهم ... وكلام رب العرش ذا التبيان ... نص يفيد لديهم علم اليقين إفادة المعلوم بالبرهان ... واشهد عليهم انهم قد قابلوا التعطيل والتمثيل بالنكران ... إن المعطل والممثل ما هما ... متيقنين عبادة الرحمن ... ذا عابد المعدوم لا سبحانه ... أبدا وهذا عابد الأوثان ... ... واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأسماء والأوصاف للديان ... وكذلك الأحكام أحكام الصفا ... ت وهذه الأركان للإيمان

قالوا عليم وهو ذو علم ويعلم غاية الإسرار والإعلان ... وكذا بصير وهو ذو بصر ويبصر كل مرئي وذي الأكوان ... وكذا سميع وهو ذو سمع ويسمع كل مسموع من الأكوان ... متكلم وله كلام وصفه ... ويكلم المخصوص بالرضوان ... وهو القوي بقوة هي وصفه ... وعليك يقدر يا أخا السلطان ... وهو المريد له الارادة هكذا ... أبدا يريد صنائع الاحسان ... حاصل كلام الناظم في هذه الأبيات ان المثبتة قد حملوا المعطلة شهادة تؤدي عند ربهم سبحانه باثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل وذلك كعلو الله تعالى على خلقه ونزول الأوامر منه سبحانه وصعود الكلم الطيب اليه ومعراج الرسول اليه ورفع عيسى بن مريم عليه السلام الى الله وكذا صعود الملائكة اليه دائما وكذا روح المصدق بعد الممات تصعد اليه وأنه سبحانه متكلم بالوحي والقرآن وان الامين جبريل سمع كلامه وأداه الى الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه قول رب العالمين حقيقة لفظه ومعناه واشهد عليهم أيها المعطل انه سبحانه كلم المولود من عمران وهو موسى عليه السلام وان الله ناداه وناجاه وكذا اشهد عليهم أنهم قالوا بأن الله نادى قبله الأبوين آدم وحواء واشهد عليهم انهم قالوا بأن الله ينادي خلقه يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب واشهد عليهم أنهم قالوا إن الله سبحانه قال بنفسه حم و طه و يس وانهم وصفوه سبحانه

بكل ما قد جاء في القرآن وبكل ما قال الرسول من غير تحريف ولا عدوان واشهد عليهم أن كلام الله ورسوله عندهم نص يفيد علم اليقين واشهد عليهم انهم أنكروا التعطيل والتمثيل وان المعطل والممثل غير متيقنين عبادة الرحمن تعالى لأن المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما تعالى الله وتقدس واشهد عليهم أيها المعطل أنهم قد أثبتوا أسماء الرب تعالى وصفاته المقدسة وكذا أثبتوا أحكام الصفات وأنه سبحانه عليم يعلم ويعلم السر وأخفى وكذا أثبتوا انه سبحانه يصير وذو بصر ويبصر كل شيء وكذا أثبتوا أنه سبحانه سميع وذو سمع ويسمع كل مسموع وانه سبحانه متكلم وله كلام و يكلم من شاء سبحانه وكذا اثبتوا له سبحانه القوة بقوة هي وصفه وهو على كل شيء قدير واثبتوا انه تعالى مريد وله الارادة ويريد سبحانه قال الناظم رحمه الله تعالى ... والوصف معنى قائم بالذات وال أسماء إعلام له بوزان ... أسماؤه دلت على أوصافه ... مشتقة منها اشتقاق معان ... وصفاته دلت على أسمائه ... والفعل مرتبط به الأمران ... والحكم نسبتها إلى متعلقا ... ت تقتضي آثارها ببيان ... ولربما يعني به الاخبار عن ... آثارها يعني به أمران ... والفعل إعطاء الارادة حكمها ... مع قدرة الفعال والإمكان ... فاذا انتفت أوصافه سبحانه ... فجميع هذا بين البطلان

أي أن صفاته سبحانه معان قائمة بذاته والأسماء أعلام والأسماء تدل على الصفات وهي مشتقة منها وصفاته دلت على اسمائه وتوضيح ذلك انه لما اتصف سبحانه بالعلم اشتق له منه اسم العليم ولما اتصف سبحانه بالرحمة اشتق له منها اسم الرحمن وهكذا قوله والحكم نسبتها الى متعلقات تقتضي آثارها ببيان يعني أن أحكام الصفات تنسب الى متعلقات تقتضي آثارها وذلك أن نقول هو سبحانه عليم ويعلم كل شيء بصير ويبصر كل شيء سميع ويسمع كل شيء كما تقدم في الأبيات قوله فإذا انتفت أوصافه سبحانه الخ أي اذا انتفت صفاته سبحانه فجميع هذا باطل بغير شك وأهل الاثبات يثبتون جميع ذلك خلافا للمعطلة القائلين بأنه سبحانه عليم بلا علم قدير بلا قدرة بصير بلا بصر ونحو ذلك قال الناظم رحمه الله تعالى ... واشهد عليهم أنهم قالوا بهذا كله جهرا بلا كتمان ... واشهد عليهم أنهم برآء من ... تأويل كل محرف شيطان ... واشهد عليهم أنهم يتأولو ... ن حقيقة التأويل في القرآن ... هم في الحقيقة أهل تأويل الذي ... يعني به لا قائل الهذيان ... واشهد عليهم أن تأويلاتهم ... صرف عن المرجوح للرجحان ... أي واشهد عليهم أيها المعطل انهم يتأولون ولكن لا بالمعنى المصطلح عليه عند كثير من المتأخرين الذين تكلموا في الفقه وأصوله وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح الى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به فهذا القسم

من التأويل باطل عند المثبتة والتأويل الذي يثبتونه هو بمعنى التفسير وهذا معنى قول الناظم هم في الحقيقة اهل تأويل الذي يعني به الخ وذلك كما يقول ابن جرير وأمثاله من المفسرين ومجاهد إمام المفسرين وعلى تفسيره يعتمد الشافعي والبخاري وغيرهما فاذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد معرفة تفسيره قال الناظم رحمه الله تعالى ... واشهد عليهم أنهم حملوا النصو ... ص على الحقيقة لا المجاز الثاني ... ... الا اذا ما اضطرهم لمجازها المضطر من حس ومن برهان ... فهناك عصمتها اباحته بغير تجانف للاثم والعدوان ... حاصل ما نتكلم به في هذه الأبيات أن نذكر كلام العلماء في المجاز وثبوته أو نفيه ثم نتكلم على معنى الأبيات الثلاثة بما يسره الله تعالى فنقول قال الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب التحرير في اصول الفقهاء الاربعة وغيرهم المجاز واقع وخالف الأستاذ والشيخ وغيرهما وردوه إلى المتواطيء وعلى الأول ليس المجاز بأغلب في الأصح وهو في القرآن عند أحمد وأكثر أصحابه والأكثر وعنه لا اختاره ابن حامد والتميمي والخرزي وغيرهم وقيل ولا في الحديث أيضا انتهى كلامه ومعنى كلامه أن الأئمة الأربعة وغيرهم ذهبوا الى وقوع المجاز وخالف في ذلك الاستاذ يعني الشيخ أبا اسحق الاسفراييني الشافعي والشيخ يعني به

شيخ الاسلام رحمهما الله تعالى وكلامه رحمه الله معروف في كتاب الايمان وهو انه اختار نفي المجاز في الكتاب والسنة ولغة العرب والناظم رحمه الله في هذا الموضع اختار في المسألة تفصيلا وهو ان النصوص تحمل على الحقيقة إلا عند الاضطرار الى المجاز فتصرف اليه وقد قال في كلام له المجاز والتأويل لا يدخل في النصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له وكون اللفظ نصا يعرف بشيئين أحدهما عدم احتماله لغير معناه وضعا والثاني ما اطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده فانه نص في معناه لا يقبل تأويلا ولا مجازا وان قدر تطرق ذلك الى بعض أفراده وصار بمنزله خبر التواتر لا يتطرق احتمال الكذب اليه وان تطرق الى واحد بمفرده وهذه قاعدة نافعة تدل على خطأ كثير من التأويلات للسمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها وتأويلها والحالة هذه غلط فان التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذا مخالفا لغيره من السمعيات فيحتاج الى تأويله ليوافقها واما اذا اطردت كلها على وتيرة واحدة فقد صارت بمنزلة النص واقوى وتأويلها ممتنع انتهى كلامه وهذا الذي ذكره قد ذكره غيره من العلماء وهو انهم قالوا إن الأدلة إذا تكاثرت ودلت على معنى ثم ورد دليل واحد يخالف تلك الأدلة وجب الأخذ بتلك الأدلة وتأويل ذلك الدليل الواحد حتى يوافقها قد رأيت شيخ الاسلام أثبت المجاز في بعض كلامه قال في الفتيا الدمشقية واعلم ان من لم يحكم دلالات اللفظ ويعلم ان ظهور المعنى من اللفظ تارة يكون بالوضع اللغوي أو العرفي او الشرعي إما في الألفظ المفردة وإما في المركبة وتارة بما اقترن باللفظ المفرد من

التركيب الذي يتغير به دلالته في نفسه وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التي تجعلها مجازا وتارة بما يدل عليه حال المتكلم والمخاطب والمتكلم فيه وسياق الكلام الذي يعين احد محتملات اللفظ او يبين ان المراد به هو مجازه إلى غير ذلك من الأسباب التي تعطي اللفظ صفة الظهور وإلا فقد يتخبط في هذه المواضع نعم اذا لم يقترن باللفظ قط شئ من القرائن المتصلة تبين مراد المتكلم بل علم مراده بدليل آخر لفظي منفصل فهنا أريد به خلاف الظاهر كالعموم المخصوص بدليل منفصل الى ان قال إن الألفاظ نوعان احدهما ما معناه مفرد كلفظ الاسد والحمار والبحر والكلب فهذا اذا قيل أسد الله واسد رسوله أو قيل للبليد حمار او قيل للعالم او السخي او الجواد امن الخيل بحرا وقيل للاسد كلب فهذا مجاز ثم اقترنت به قرينة تبين المراد كقول النبي صلى الله عليه وسلم لفرس ابي طلحة ان وجدناه لبحرا وقوله إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله على المشركين وقوله لعثمان ان الله مقمصك قميصا

وقول ابن عباس الحجر الاسود يمين الله في الارض فمن استلمه وصافحه فكأنما بايع ربه أو كما قال ونحو ذلك فهنا اللفظ فيه تجوز إلى آخر كلامه فهذا ظاهر في اثبات المجاز والله اعلم وأما الناظم رحمه الله تعالى فقد رأيت في كلامه في النظم وفي كلامه الذي نقلناه عنه ولكنه قد بالغ في كتاب الصواعق المرسلة في أبطال المجاز واستدل لذلك بنحو خمسين وجها ورد على ابن جني كلامه في المجاز من أوجه كثيرة والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... واشهد عليهم أنهم لا يكفرو ... نكم بما قلتم من الكفران ... اذ انتم أهل الجهالة عندهم ... لستم أولي كفر ولا إيمان ... لا تعرفون حقيقة الكفران بل ... لا تعرفون حقيقة الإيمان ... الا اذا عاندتم ورددتم ... قول الرسول لاجل قول فلان ... ... فهناك انتم أكفر الثقلين من ... انس وجن ساكني النيران ... يأتي الكلام في مسألة التكفير ان شاء الله تعالى في الفصل الذي اوله ومن العجائب أنكم كفرتم اهل الحديث وشيعة القرآن قال الناظم رحمه الله تعالى ... واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا ال أقدار واردة من الرحمن ... واشهد عليهم أن حجة ربهم ... قامت عليهم وهو ذو غفران

واشهد عليهم أنهم هم فاعلو ... ن حقيقة الطاعات والعصيان ... والجبر عندهم محال هكذا ... نفي القضاء فبئست الرأيان ... واشهد عليهم ان ايمان الورى ... قول وفعل ثم عقد جنان ... ويزيد بالطاعات قطعا هكذا ... بالضد يمسي وهو ذو نقصان ... والله ما ايمان عاصينا كايمان الامين منزل القرآن ... كلا ولا ايمان مؤمننا كايمان الرسول معلم الايمان ... واشهد عليهم انهم لم يخلدوا ... اهل الكبائر في حميم آن ... بل يخرجون باذنه بشفاعة ... وبدونها لمساكن بجنان ... واشهد عليهم ان ربهم يرى ... يوم المعاد كما يرى القمران ... واشهد عليهم ان أصحاب الرسول خيار خلق الله من انسان ... حاشا النبيين الكرام فانهم ... خير البرية خيرة الرحمن ... وخيارهم خلفاؤه من بعده ... وخيارهم حقا هما العمران ... والسابقون الأولون أحق بالتقديم ممن بعدهم ببيان ... كل بحسب السبق أفضل رتبة ... من لاحق والفضل للمنان ... قد تكلمنا على أكثر مضمون هذه الأبيات في غضون هذا الشرح واما مسألة خلق افعال العباد ومسألة الايمان وأنه قول وعمل ونية و

يزيد وينقص فينبسط الكلام عليها بعض البسط لانها من الاصول الكبار لأهل السنة والجماعة فنقول قوله واشهد عليهم أنهم فاعلون حقيقة الطاعات الخ أي ان اهل الإثبات اهل السنة والجماعة يؤمنون بالقدر خيره وشره والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأنه تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق القلم فقال اكتب فقال ما أكتب فقال اكتب ماهو كائن الى يوم القيامة فما أصاب الانسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه كما قال سبحانه ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم المجادلة وقال تعالى ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها الحديد وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ فإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح بعث إليه ملك فيأمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقة وأجله وعمله وشقي أو سعيد وأما الدرجة الثانية

فهو مشيئة الله تعالى النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله تعالى لا يكون في ملكه ما لا يريده سبحانه وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء الا الله سبحانه خالقه ولا خالق غيره ولا رب سواه وقد امر العباد بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي وللعباد قدرة على أعمالهم وإرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاؤون إلا ان يشاء الله رب العالمين التكوير وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجونه عن افعال الله وحكمها ومصالحها قوله والجبر عندهم المحال الخ اعلم ان ائمة السلف رحمه الله عليهم أنكروا الجبر قال الخلال في كتاب السنة الرد على القدرية

وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي ثم روي عن عمر وابن عثمان عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من ان يجبر او يعضل ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما احب وقال الاوزاعي ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة فأهاب ان أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من اهل الجماعة والتصديق قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من احسن الأجوبة أما الزبيدي محمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال امر الله اعظم وقدرته اعظم من ان يجبر او يعضل فنفى الجبر وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه كما يقول الفقهاء في باب النكاح هل تجبر المرأة على النكاح او لا تجبر وإذا عضلها الولي ماذا تصنع فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها منعها بما ترضاه وتختاره فقال الله اعظم من ان يجبر أو يعضل لأن 2 الله سبحانه قادر على ان يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما يتركه كما هو الواقع فلا يكون العبد مجبورا على ما يحبه ويرضاه ويريده وهي أفعاله الاختيارية ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه او لا يريده وهي تروكه الاختيارية واما الاوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عنى به هذا المعنى حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة فيفضي الى اطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل وذلك لا يسوغ

فان قيل إنه يراد به معنى صحيح قال الخلال انا ابو بكر المروذي قال سمعت بعض المشيخة يقول سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول أنكر سفيان الثوري الجبر وقال الله جبل العباد وقال المروذي أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس يعني قوله الذي في صحيح مسلم إن فيك لخلتين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما او خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق افعال العباد بقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا المعارج فأخبر أنه خلق على هذه الصفة واحتج غيره بقول الخليل رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ابراهيم وقوله ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك البقرة وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر والأوزاعي منع إطلاقه إذ هذا اللفظ قد يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن احمد في كتاب السنة فقال ثنا محمد بن بكار ثنا ابو معشر ثنا بن محمد بن كعب قال إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أورد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المشتبه زال المحذور وكان احسن من نفيه وإن كان ظاهرا في المعنى الفاسد خشية ان يظن أنه ينفى المعنين جميعا وهكذا يقال في نفي الطاقة عن المأمور فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور

وهكذا كان يقول الامام احمد وغيره من ائمة السنة قال الخلال أنبا الميموني قال سمعت ابا عبد الله يعني احمد بن حنبل يناظر خالد بن خراش يعني في القدر فذكروا رجلا فقال عبد الله إنما كره من هذا ان تقول أجبر الله وقال أنبأ المروذي قلت لأبي عبد الله رجل يقول إن الله أجبر العباد فقال هكذا لا نقول وأنكر هذا وقال يضل من يشاء ويهدي من يشاء قال أنبأ المروذي قال كتب الى عبد الوهاب في امر حسن بن خلف العكبري وقال إنه تنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدري قال إن الله لم يجبر العباد على المعاصي فرد عليه احمد بن رجاء فقال إن الله جبر العباد على ما أراد اراد بذلك إثبات القدر فوضع احمد بن علي كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة فقال ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا على ابن رجاء حين قال جبر العباد وعلى القدري حين قال يجبر وانكر على أحمد ابن علي وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب وقال لي يجب على ابن رجاء ان يستغفر ربه لما قال جبر العباد فقلت لأبي عبد الله فما الجواب في هذه المسألة قال يضل من يشاء ويهدي من يشاء قال المروذي في هذه المسألة إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال لم يجبر وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبدالله كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها وقال يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذا لم يكن له فيها إمام تقدم قال المروذي فما كان بأسرع من ان قدم احمد بن علي عن عكبر ومعه مشيخة وكتاب من اهل عكبر فأدخلت أحمد بن علي على ابي عبد الله فقال

يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب ادفعه الى أبي بكر حتى يقطعه وانا أقوم على منبر عبكر وأستغفر الله تعالى فقال أبو عبد الله لي ينبغي أن يقبلوا منه فرجعوا له وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع انتهى كلام شيخ الاسلام قوله وأشهد عليهم أن ايمان الورى قول وفعل الخ هذه المسألة من مسائل الأصول الكبار ومذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالجنان وعمل بالأركان وقول باللسان وأنه يزيد وينقص وذهب جهم والصالحي والأشعري في المشهور من قوليه إلى أن الإيمان هو تصديق القلب وذهبت المرجئة إلى أن الإيمان هو قول اللسان وتصديق القلب وذهبت الكرامية إلى إن الإيمان هو تصديق اللسان فقط قال الامام الشافعي رحمه الله في الام وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون إن الإيمان قول وعمل ونية لا تجزيء واحدة من الثلاثة الا بالأخرى وقال احمد بن حنبل رحمه الله ولهذا كان القول إن الإيمان قول وعمل عند اهل السنة ومن شعائر السنة وروى أبو عمر الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال أملى علينا اسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لا شك أن ذلك كما وصفنا وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة وأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين هلم جرا على ذلك وكذلك بعد التابعين من اهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه

وكذلك في عهد الاوزاعي بالشام وسفيان الثوري بالعراق ومالك بن انس بالحجاز ومعمر باليمن على ما فسرنا وبينا أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص وقال اسحاق من ترك الصلاة متعمدا حتى ذهب وقتها الظهر الى المغرب والمغرب الى نصف الليل فانه كافر بالله العظيم يستاب ثلاثة أيام فإن لم يرجع وقال تركها كفرا ضربت عنقه يعني تركها وقال ذلك وأما اذا صلى الله عليه وسلم وقال ذلك فهذه مسألة اجتهاد قال واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم إلا من باين الجماعة واتبع الاهواء المختلفة فأولئك لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة قوله ويزيد بالطاعات قطعا الخ أي أن اهل السنة والحديث على ان الايمان يتفاضل وجمهورهم يقول يزيد وينقص ومنهم من يقول يزيد ولا ينقص كما روي عن مالك في احدى الروايتين ومنهم من يقول يتفاضل كعبد الله بن المبارك وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف منهم فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة عن حماد بن سلمة عن ابي جعفر عن جده عمير بن حبيب وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الايمان يزيد وينقص قيل له وما زيادته ونقصانه قال إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته واذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه وروى اسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن ابي الدرداء قال الايمان يزيد وينقص وقال احمد بن حنبل ثنا يزيد ثنا جرير بن عثمان قال سمعت أشياخنا أو بعض اشياخنا ان ابا الدرداء قال من فقه العبد ان يتعاهد إيمانه وما ينقص منه ومن فقه العبد ان يعلم أيزداد

إيمانه ام ينقص وإن من فقه الرجل ان يعلم نزعات الشيطان أنى تأتيه وروى اسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن ابي هريرة قال الايمان يزيد وينقص وقال احمد بن حنبل ثنا يزيد بن هارون ثنا محمد بن طلحة عن زبيد عن ذر قالا كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله تعالى وقال أبو عبيد في الغريب في حديث علي إن الإيمان يبدو لمظة في القلب كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة وروي ذلك عن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن هند الحملي عن علي قال الأصمعي اللحظة مثل النكتة او نحوها وقال احمد بن حنبل ثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله ابن عكيم قال سمعت ابن مسعود يقول في دعائه اللهم زدنا إيمانا وايقانا وفقها وروى سفيان الثوري عن جامع بن شداد عن سواد بن هلال قال كان معاذ بن جبل يقول للرجل اجلس بنا نؤمن ساعة نذكر الله تعالى وروى ابو اليمان ثنا صفوان عن شريح بن عبيد ان عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من اصحابه يقول قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر وهذه الزيادة قد ذكرها الصحابة واثبتوها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله وصح عن عمار بن ياسر أنه قال ثلاث من كن فيه فقد استكمل الايمان الانصاف من نفسه والانفاق من الاقتار وبذل السلام للعالم ذكره البخاري عنه في صحيحه وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما تعلمنا الإيمان تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا والآثار في هذا كثيرة رواها المصنفون في هذا الباب عن

الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة وقال الحافظ ابو عمر بن عبد البر في التمهيد أجمع أهل الفقه والحديث على ان الايمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والايمان عندهم يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية الطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن ابي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا الى ان الطاعات لا تسمى إيمانا قالوا إنما الايمان التصديق والاقرار ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به إلى أن قال وأما 6 سائر الفقهاء من اهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن انس والليث بن سعد وسفيان الثوري والاوزاعي والشافعي واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وابو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي والطبري ومن سلك سبيلهم فقالوا الايمان قول وعمل قول باللسان وهو الإقرار واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الاخلاص بالنية الصادقة قالوا وكل ما يطاع الله تعالى به من فريضة ونافلة فهو من الايمان والايمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي واهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من اجل ذنوبهم وإنما صاروا ناقصي الأيمان بارتكابهم الكبائر الا ترى قوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث يريد مستكمل الايمان ولم يرد به نفي جميع الايمان عن فاعل ذلك بدليل الاجماع على توريث الزاني والسارق والشارب للخمر إذا صلوا الى القبلة وانتحلوا دعوة الاسلام من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال واحتجوا على ذلك ثم قال وأكثر أصحاب مالك قالوا إن الإيمان والاسلام شيء واحد قال

وأما قول المعتزلة فالايمان عندهم جماع الطاعات ومن قصر عن شيء منها فهو فاسق لا مؤمن ولا كافر وهؤلاء هم المحققون بالاعتزال اصحاب المنزلة بين المنزلتين الى ان قال وعلى ان الايمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية جماعة أهل الاثر والفقهاء من اهل الفتيا في في الامصار وروى ابن القاسم عن مالك ان الايمان يزيد وتوقف في نقصانه وروى عنه عبد الرزاق ومعن بن عيسى وابن نافع انه يزيد وينقص وعلى هذا مذهب الجماعة من اهل الحديث والحمد لله ثم ذكر حجج المرجئة ثم حجج اهل السنة ورد على الخوارج التكفير بالحدود المذكورة للعصاة في الزنا والسرقة ونحو ذلك وبالموراثة وبحديث عبادة بن الصامت من اصاب ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وقال الايمان مراتب بعضها فوق بعض فليس ناقص الايمان ككامل الايمان قال الله تعالى انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم الى قوله 6 أولئك هم المؤمنون حقا الأنفال وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن من أمنه الناس من المسلم سلم الناس من لسانه ويده أي حقا ومن هذا قوله أكمل المؤمنين إيمانا ومعلوم ان هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص وقوله

أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله وقوله لاايمان لمن لا امانة له يدل على ان بعض الايمان أوثق وأكمل من بعض وذكر الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من أحب لله وأبغض لله الحديث وكذلك ذكر لأبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الايمان قول وعمل ونية واصابة السنة ومن حجج الجهمية على أن الأعمال ليست من الأيمان أنهم قالوا ان القران نفى الايمان عن غير هؤلاء كقوله تعالى انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم الأنفال الايات ولم يقل ان هذه الأعمال من الإيمان قالوا فنحن نقول من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه والجواب عن هذا من وجوه أحدها أنهم سلموا أن هذه الأعمال لازمة لايمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب ايمان وهذا هو المطلوب وبعد هذا فكونها لازمة أو جزء نزاع لفظي والثاني أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله الايمان بضع وسبعون شعبة أو ست وسبعون شعبة

الثالث أنكم أن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل ايمان كان قولكم قول الخوارج وانتم في طرف والخوارج في طرف فكيف توافقونهم في هذه الأمور ومن هذه الأمور إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج والجهاد والإجابة الى حكم الله ورسوله وغير ذلك مما لا تكفرون تارك وان كفرتموه كان قولكم قول الخوارج الرابع ان قول القائل إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم أن لا يكون في قلب الانسان شيء من التصديق بأن الرب حق قول يعلم فساده بالاضطرار الخامس أن هذا إذا ثبت في سائر الواجبات فيرتفع النزاع المعنوي ومن حججهم العقلية أيضا أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله ولهذا لما صنف الفخر الرازي مناقب الإمام الشافعي ذكر قوله في الايمان وقول الشافعي قول الصحابة والتابعين وقد ذكر الشافعي أنه احماع الصحابة والتابعين فاستشكل الرازي قول الشافعي جدا لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الايمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله لكن هو لم يذكر الا ظاهر شبهتهم قال شيخ الاسلام رحمه الله والجواب عما ذكره هو سهل فانه يسلم له ان الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الاجزاء والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون إن الذنب يقدح في كمال الايمان ولهذا نفى الشارع الايمان عن هؤلاء فلذلك المجموع الذي هو الايمان لم يبق مجموعا مع

الذنوب لكن يقولون بقي بعضه إما أصله وأكثره وأما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص اعظم من نفرتها من لفظ الزيادة لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متعددا متبعضا عند من يقول بذلك وهم الخوارج والمعتزلة وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد فيثبتون واحدا لا حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية صفاته عند من أثبتها منهم ومن العجب ان الاصل الذي اوقعهم في هذا الاعتقاد اعتقادهم أنه لا يجتمع في الانسان بعض الايمان وبعض الكفر او ما هو ايمان وما هو كفر واعتقدوا ان هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك ابو الحسن وغيره فلأجل اعتقادهم هذا الاجماع وقعوا فيما هو مخالف للاجماع الحقيقي اجماع السلف الذي ذكر غير واحد من الائمة بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال بقول جهم في الايمان انتهى المقصود من كلامه وقد بسط رحمه الله الكلام في الايمان وكلام الناس فيه وما لهم وعليهم في كتاب الايمان الكبير فمن اراد ذلك فليراجعه والله اعلم قوله العمران يعني ابا بكر وعمر رضي الله عنهما وهذا من باب التغليب كما قالوا سيرة العمرين

فصل في عهود المثبين مع رب العالمين ... يا ناصر الاسلام والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان ... يا من هو الحق المبين وقوله ... ولقاؤه ورسوله ببيان ... اشرح لدينك صدر كل موحد ... شرحا ينال به ذرى الايمان ... واجعله مؤتما بوحيك لا بما ... قد قاله ذو الافك والبهتان ... وانصر به حزب الهدى واكتب به ... حزب الضلال وشيعة الشيطان ... وانعش به من قصده إحياؤه ... واعصمه من كيد امرئ فتان ... واضرب بحقك عنق اهل الزيغ والتبديل والتكذيب والطغيان ... فوحق نعمتك التي أوليتني ... وجعلت قلبي واعي القرآن ... وكتبت في قلبي متابعة الهدى ... فقرأت فيه أسطر الايمان ... ونشلتني من حب أصحاب الهوى ... بحبائل من محكم الفرقان ... وجعلت شربي المنهل العذب الذي ... هو رأس ماء الوارد الظمآن ... وعصمتني من شرب سفل الماء تحت نجاسة الآراء والأذهان

وحفظتني مما ابتليت به الألى ... حكموا عليك بشرعة البهتان ... نبذوا كتابك من وراء ظهورهم ... وتمسكوا بزخارف الهذيان ... وأريتني البدع المضلة كيف يلقيها مزخرفة الى الانسان ... شيطانه فيظل ينقشها له ... نقش المشبه صورة بدهان ... فيظنها المغرور حقا وهي في التحقيق مثل الآل في القيعان ... لأجاهدن عداك ما أبقيتني ... ولأجعلن قتالهم ديداني ... ولأفضحن على روس الملا ... ولأفرين أديمهم بلسان ... ولأكشفن سرائرا خفيت على ... ضعفاء خلقك منهم ببيان ... ولأتبعنهم الى حيث انتهوا ... حتى يقال أبعد عبادان ... عبادان بفتح العين وتشديد الباء الموحدة وفيه المثل المعروف ليس وراء عبادان قرية في القاموس عبادان جزيرة احاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس انتهى ... ولأرجمنهم بأعلام الهدى ... رجم المريد بثاقب الشهبان ... ولأقعدن لهم مراصد كيدهم ... ولأحصرنهم بكل مكان ... ... ولأجعلن لحومهم ودماءهم في يوم نصرك أعظم القربان ... ولأحملن عليهم بعساكر ليس تفر إذا التقى الزحفان ... بعساكر الوجهين والفطرات والمعقول والمنقول بالاحسان

حتى يبين لمن له عقل من الأولى بحكم العقل والبرهان ... ولأنصحن الله ثم رسوله ... وكتابه وشرائع الايمان ... إن شاء ربي ذا يكون بحوله ... أو لم يشأ فالأمر للرحمن ... قوله نقش المشبه صورة بدهان المشبه المصور أي كما ينقش المصور الصور المنقوشة في الحيطان بالدهانات من احمر وأخضر وأصفر ونحو ذلك قال في القاموس النقش تلوين الشئ بلونين او ألوان كالتنقيش انتهى قوله الآل هو السراب قوله القيعان قال في القاموس القاع أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام جمع قيع وقيعة وقيعان بكسرهن وأقواع وأقوع انتهى قوله ولأفرين قال في القاموس فراه يفريه شقه فاسدا او صالحا كفراه وأفراء انتهى يقال فلان يفري الفرى أي يعمل العمل البالغ قوله المريد مرد كنصر وكرم مرودا ومرادة فهو مارد ومريد ومتمرد قاموس

فصل في شهادة أهل الاثبات على اهل التعطيل انه ليس في السماء إله يعبد ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله ... أنا تحملنا الشهادة بالذي ... قلتم نؤديها لدى الرحمن ... ما عندكم في الأرض قرآن كلا ... م الله حقا يا أولي العدوان ... كلا ولا فوق السماوات العلى ... رب يطاع بواجب الشكران ... كلا ولا في القبر أيضا عندكم ... من مرسل والله عند لسان ... هاتيك عورات ثلاث قد بدت ... منكم فغطوها بلا روغان ... فالروح عندكم من الاعراض قا ... ئمة بجسم الحي كالألوان ... وكذا صفات الحي قائمة به ... مشروطة بحياة ذي الجثمان ... فاذا انتفت تلك الحياة فينتفي ... مشروطها بالعقل والبرهان ... ورسالة المبعوث مشروط بها ... كصفاته بالعلم والايمان ... فاذا انتفت تلك الحياة فكل مشروط بها عدم لدى الاذهان ... أقول رأيت في كتاب القول المفيد في مدح النظر وذم التقليد لبعض الشافعية ونقلته من خط مصنفه قال قال ابن حزم في كتاب الملل والنحل عن الشيخ ابي الحسن الاشعري انه يعتقد إذا حاضت الجارية او بلغ الغلام ونبت شعر عانته ولم يعرف الله بالدليل والبرهان فكل منهما كافر حلال الدم

هذا قوله عنه في هذا الكتاب وهذا القول في غاية البشاعة وما رأيت هذا في كلام أبي الحسن الأشعري وقد يكون ابو محمد اطلع على مالم اطلع انا عليه فانه لا يشك احد في فضيلته وكثرة علمه وانما كان فيه حط على العلماء خصوصا الأشعري فانه ذكر عنه انه كان يعتقد ان الروح عرض وان الانسان إذا مات لم يبق له وجود وسفه ابن حزم هذا الرأي وقال انه يلزم منه خطأ كثير وإن سائر الأكابر من الخلق من الانبياء والأولياء إذا قال احد صلى الله عليهم او رحمهم الله كان الكلام فاسدا لا طائل فيه لأنهم ليسوا موجودين فيكون كل الخلق مجمعين على الباطل وهذا الكلام مخالف للكتاب والسنة واستشهد على تزييف هذا القول بآيات من الكتاب العزيز وأحاديث صحيحة من السنة وأما آيات الكتاب فقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله آل عمران ولا شك ان ابدانهم موتى مشاهدة بالحس فالكلام عن أرواحهم قال تعالى عن آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر ولا شك ان اجسادهم غرقى موات وأكل أكثرهم السمك وفنوا فهو عن أرواحهم ومتى قال قائل إن الموات الجماد او الفاني يدرك او يحس كان هذا الكلام سفسطة ويؤيد ذلك ما ورد في السنة الشريفة من قوله صلى الله عليه وسلم لما وقف على قليب بدر وفيه جثث المشركين يا أبا جهل بن هشام يا عتبة وربيعة ابني شيبة يا فلان يا فلان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم حقا قالوا يا رسول الله أتخاطب الجمادات قال إنهم لأسمع منكم ولكن

لا يستطيعون الكلام وليس ذلك إلا لأرواحهم وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش يقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله ومن غير حله فالمهنأة لغيري والتبعة علي فأحذروا ما حل بي فهذا قول الروح والجسد ميت فوق النعش فلو كانت الروح عرضا لعدمت عند عدم الجسم فان العرض يبطل ببطلان الحامل له وهو الجسم فمتى كان يرفرف ويتكلم بذلك الكلام والجسم ميت قال صاحب القول المفيد اقول ومما يشد كلام ابن حزم انه صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء ليلة الاسراء فلا يخلو إما ان يكون صلى بأرواحهم او بادانهم لا جائز ان يكون بأبدانهم فإن الأبدان موتى مدفونين بالأرض فبقي ان يكون بأرواحهم وان كان يقول إن الله احياهم على طريق المعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين فنقول إما ان يكون استمروا احياء او عادوا ماتوا لا يحوز القول بموتهم لقوله تعالى عن اهل السعادة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى الدخان فكيف يمكن ان يموت من وصل بهم اهل السعادة الى مرتبة السعادة مرتين وغيرهم مرة واحدة هذا فاسد ولا يصح استمرارهم احياء لقوله صلى الله عليه وسلم انا اول من تنشق عنه الارض وقوله عليه السلام انا اول الناس بعثا يوم القيامة فما بقي الا ان يكون صلى بارواحهم والاشعري

لا يقول بالأرواح على ما ذكره عنه ابن حزم وأنها عرض والعرض يفنى عنه فساد الأجسام فان العرض وجوده بوجود الجسم فاذا فسد الحامل فسد المحمول انتهى كلامه قال الناظم رحمه الله تعالى في كتاب الجيوش الاسلامية وهذا القول في النبوة بناء على أصل الجهمية وأفراخهم ان الروح عرض من أعراض البدن كالحياة وصفات الحي مشروطة بها فاذا زالت بالموت تبعها صفاته فزالت بزوالها ونجا متأخروهم من هذا الالزام وفروا الى القول بحياة الأنبياء عليهم السلام في قبورهم فجعلوا لهم معادا يختص بهم قبل المعاد الأكبر إذ لم يمكنهم التصريح بأنهم لم يذوقوا الموت وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة واستيفاء الحجج لهم وبيان ما في ذلك في كتاب الكافية الشافعية انتهى ونقل الحافظ ابو الفرج عبد الرحمن بن رجب في طبقات الحنابلة ترجمة الشيخ ابي الفرج ابن الجوزي أنه قال يوما على المنبر اهل البدع تقول ما في السماء احد ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبي ثلاث عورات لكم ونقل الحافظ ابن رجب في ترجمة الامام شيخ الاسلام عبد الله ابن محمد الانصاري الحنبلي عن محمد بن طاهر قال سمعت احمد بن اميرجه القلانسي خادم الأنصاري يقول حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير الطوسي وكان أصحابه كلفوه الخروج اليه وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ فلما دخل عليه اكرمه وأجله وكان في العسكر أئمة من الفريقين في ذلك اليوم وقد علموا انه يحضر فاتفقوا جميعا على ان يسألوه عن مسألة

بين يدي الوزير فان اجاب بما يجيب به ب هراة سقط من عين الوزير وإن لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من أصحاب الشافعي يعرف بالعلوي الدبوسي فقال يأذن الشيخ الامام ان أسأل مسألة فقال سل فقال لم تلعن فلانا فسكت وأطرق الوزير لما علم من جوابه فلما كان بعد ساعة قال له الوزير أجبه فقال لا أعرف فلانا وانما العن من لم يعتقد أن الله تعالى في السماء وان القرآن في المصحف وان النبي اليوم نبي ثم قام وانصرف فلم يمكن احدا ان يتكلم بكلمة من هيبته وصلابته وصولته فقال الوزير للسائل ومن معه هذا أردتم كنا نسمع انه يذكر هذا ب هراة فاجتهدتم ثم حتى سمعناه بآذاننا وما عسى ان افعل به ثم بعث خلفه وصلة فلم يقبلها وخرج من فور الى هراة قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في الكلام في حياة الانبياء في قبورهم ... ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان ... قال الرسول بقبره حي كما ... قد كان فوق الارض والرجمان ... من فوقه أطباق ذاك التراب و اللبنات قد عرضت على الجدران ... لو كان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان ... ما كان تحت الأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن

أتراه تحت الارض حيا ثم لا ... يفتيهم بشرائع الايمان ... ويريح امته من الآراء والخلف العظيم وسائر البهتان ... ام كان حيا عاجزا عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفان ... وعن الحراك فما الحياة اللات قد ... أثبتموها أوضحوا ببيان ... لما ذكر الناظم قول القائلين بأن الروح عرض والعرض لا يقوم بنفسه بل لا يقوم إلا بغيره كالألوان أي كما ان الالوان التي هي الأعراض كالحمرة والصفرة والخضرة ونحوها لا تقوم الا بجسم فاذا كانت الروح عرضا لا تقوم بغيرها وفارقت الجسم بطلت صفات الجسم والرسالة صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فيلزمهم ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما مات انتفت صفة الرسالة فلما رأوا شناعة هذا اللازم فروا إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره حكياته على وجه الأرض وهذا معنى قول الناظم ولأجل هذا رام ناصر قولكم ترقيعه الخ فاحتج الناظم عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان حيا في الضريح كحياته قبل الموات فأي حاجة إلى دفنه بل يكون فوق الارض وهذه سنة الله في الأحياء وكيف يكون حيا تحت الارض كحياته على وجهها ثم لا يفتي أصحابه بالشرائع ولا يريح امته من الآراء والاختلافات العظيمة التي حدثت بعده فان كان عاجزا عن النطق والجواب والحركة فما الحياة التي اثبتموها قوله الرجمان هو جمع رجم بالتحريك وهو القبر قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان ... إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدهم شهود عيان

هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكون ... فأجابهم بجواب حي ناطق ... وأتوا إذا بالحق والبرهان ... هلا أجابهم جوابا شافيا ... إن كان حيا ناطقا بلسان ... هذا وما شدت ركائبه عن الحجرات للقاصي من البلدان ... مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان ... أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان ... أي اذا كان حيا في قبره كحياته على وجه الارض فلم لم يشك اصحابه إليه باس الفاجر الفتان يشير إلى وقعة الحرة لما قاتلهم مسلم بن عقبة المري وقتل من اهل المدينة من شاء الله واستباح المدينة المنورة ثلاثة أيام وذلك بأمر الفاجر الفتان يزيد بن معاوية قوله إذا كان ذاك دأبهم ونبيهم حي يشاهدهم الخ أي ان هذا دأبهم في حياته صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا يشكون اليه كما كانوا يشكون اليه إذا نزل بهم القحط وغير ذلك قوله هل جاءكم أثر بأن صحابه الخ أي هل جاءكم أثر بأن اصحابه استفتوه بعد موته صلى الله عليه وسلم فأجابهم بجواب حي ناطق وهو عندهم صلى الله عليه وسلم هذا مع شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على إرشادهم كما نعته الله تعالى بقوله لقد جاءكم رسول من أنفسكم الآية التوبة فهل يجوز ان يقال بأنه يشاهد اختلافهم ويكتم التبيان حاشاه من ذلك قال الناظم رحمه الله تعالى ... إن قلتم سبق البيان صدقتم ... قد كان بالتكرار ذا إحسان ... هذا وكم من أمر اشكل بعده ... أعني على علماء كل زمان ... او ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان

بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربى الفتان ... قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذ لم يسله وهو في الأكفان ... أتراهم يأتون حول ضريحه ... لسؤال امهم اعز حصان ... ونبيهم حي يشاهدهم ويسمعهم ولا يأتي لهم ببيان ... أفكان يعجز ان يجيب بقوله ... إن كان حيا داخل البنيان ... يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعوث بالقرآن والرحمن ... والله لا قدر الرسول عرفتم ... كلا ولا للنفس والانسان ... من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان ... ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن ... أفجاء أن الله باعثه لنا في القبر قبل قيامة الأبدان ... أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان ... إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حيا قط بالبرهان ... أفهل يموت الرسل أم يبقوا أذا ... مات الورى ام هل لكم قولان ... فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيؤوا بالدليل فنحن ذو أذهان ... او لم يقل من قبلكم للرافعي الأصوات حول القبر بالنكران ... لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوان ... قد كان يمكنهم يقولوا إنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسان

لكنهم بالله أعلم منكم ... ورسوله وحقائق الايمان ... ولقد أتوا يوما الى العباس يستسقون من قحط وجدب زمان ... هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوان ... فنبيهم حي ويستسقون غير نبيهم حاشا أولي الإيمان ... يقول الناظم إن قلتم سبق البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا صدقتم لكن يحسن تكرار البيان لا سيما لما وقعت تلك الحوادث المهمة والبدع المدلهمة فيرشدهم صلى الله عليه وسلم الى الصواب ويريحهم من تلك الفتن الشديدة الالتهاب صلى الله عليه وسلم وكم أشكل بعده من الأمور وفي الصحيحين عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال ثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن الجد والكلالة وأبواب من الربا فعلى هذا قد قصر الفاروق رضي الله عندكم فلسان حالكم يقول قصرت يا عمر هلا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو عندك حي فهو يجيبك قوله أتراهم يأتون حول ضريحه لسؤال أمهم الخ أتراهم بضم التاء أي أتظنهم يأتون الى امهم عائشة رضي الله عنها يسألونها ونبيهم حي يشاهدهم ويسمعهم ثم لا يسألونه ولا يبين لهم ما أشكل عليهم هذا محال من اعظم المحالات ولهذا قال يا قومنا استحيوا من العقلاء فانكم لم تعرفوا قدر الرسول ولا قدر النفس ومن كان مبلغ علمه فالصمت أستر له والكتمان أولى به قوله ولقد أبان الله أن رسوله الخ أي أن الله سبحانه قال في القرآن إنك ميت وإنهم ميتون الزمر فاذا صح وثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات فهل جاء عنه ان الله باعثه في القبر قبل القيامة فاذا قلتم

بذلك فهل يكون للرسل ثلاث موتات ولغيرهم موتتين وذلك انه عند النفخ في الصور لا يبقى على وجه الأرض أحد إلا مات فاذا كانت الرسل أحياء عند النفخ في الصور فهل يموتون أم يبقون إذا مات الناس فتكلموا بالعلم لا بالدعوى قوله أعز حصان بفتح الحاء أي عفيفة ومنه احصنت فرجها وأحصنت المراة أي تزوجت وتأتي بمعنى العفة والحرية والاسلام قوله أو لم يقل من قلبكم للرافعي الأصوات حول القبر بالنكران الى آخر الأبيات قوله من قبلكم بفتح القاف يشير إلى ما وراء القاضي عياض في الشفاء من رواية محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فان الله تعالى أدب قوما فقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية الحجرات ومدح قوما فقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله الآية الحجرات وان حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها ابو جعفر الى آخر الحكاية تنبيه إنما ذكر الناظم هذه الحكاية في معرض الاحتجاج والالزام وإلا فمحمد بن حميد ضعيف وقد أطال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي في الصارم المنكي الكلام على هذه الحكاية وبيان حال محمد بن حميد الى ان قال فانظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء انتهى

قوله ولقد أتوا يوما الى العباس يستسقون الخ يشير الى ما رواه البخاري عن انس ان عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا اذا أجدبنا توسلنا بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون أفتراهم يعتقدون حياة نبيهم صلى الله عليه وسلم كحياته على وجه الأرض ويستسقون بغيره حاشاهم من ذلك فصل فيما احتجوا على حياة الرسل في القبور ... فان احتججتم بالشهيد بأنه ... حي كما قد جاء في القرآن ... والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان ... فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهان ... وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان ... ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان ... أفليس في هذا دليل أنه ... حي لمن كانت له أذنان ... أو لم ير المختار موسى قائما ... في قبره لصلاة ذي القربان ... ... أفميت يأتي الصلاة وأن ذا ... عين المحال وواضح البطلان ... أو لم يقل إني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسان

أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان ... هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان ... وبأن أعمال العباد عليه تعرض دائما في جمعة يومان ... يوم الخميس ويوم الأثنين الذي قد خص بالفضل العظيم الشان ... ... معنى هذه الأبيات أن القائلين بحياة الرسل في القبور احتجوا بأشياء منها الشهداء فانهم أحياء بنص القرآن كما قال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران والرسل أكمل من الشهداء بغير شك فهم احق بالحياة من الشهداء واحتجوا أيضا بأن عقد نكاحه صلى الله عليه وسلم لم ينفسخ من أزواجه وأنهن في عصمته ولهذا لم يحل نكاحهن لغيره واحتجوا أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى ليلة المعراج يصلي في قبره وبأنه صلى الله عليه وسلم يرد السلام على المسلمين عليه كما في قوله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى ارد عليه السلام واحتجوا أيضا بالحديث الذي جاء بأنهم أحياء في قبورهم واحتجوا أيضا

بأن اعمال العباد تعرض عليه في يوم الخميس ويوم الاثنين ثم شرع الناظم في الجواب عن حججهم فقال فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة ... فيقال أصل دليلكم في ذاك حجتنا عليكم وهي ذات بيان ... إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان ... هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن ... ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان

هذا وان الارض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان ... لكنه مع ذاك حي فارح ... مستبشر بكرامة الرحمن ... فالرسل اولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان ... وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان ... ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضا وقد وجدوه رأي عيان ... فانظر إلى قلب الدليل عليهم ... حرفا بحرف ظاهر التبيان ... معنى كلام الناظم رحمه الله تعالى أن دليل القائلين بحياة الأنبياء في قبورهم هو حجتنا عليهم ولهذا قال فيقال أصل دليلكم في ذاك هو حجتنا عليكم وهو ان الشهيد ثبتت حياته بالنص وهو قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء آل عمران قوله مع النهي المؤكد اننا ندعوه ميتا يعني قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا بل أحياء ولكن لا تشعرون البقرة فمع ثبوت حياة الشهيد بالنص لا بالقياس فنساؤه حل لنا من بعده بالنكاح وماله مقسوم بالميراث مع هذه الحياة ومع النهي المؤكد عن ان ندعوه ميتا والارض والسباع والديدان تأكل لحمه ولكنه مع ذلك حي فارح مستبشر بكرامة الله كما في قوله تعالى فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم آل عمران فالرسل أولى بالحياة مع موت جسومهم وهي طرية في التراب وقد حرم الله على الارض ان تأكل اجساد الأنبياء كما في قوله صلى الله عليه وسلم أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلتها فان صلاتكم معروضة علي قالوا

كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت فقال إن الله حرم على الارض ان تأكل أجساد الأنبياء قوله ولبعض أتباع الرسول يكون ذا أي أن بعض أتباع الرسول يكون كذلك أي ان الأرض لا تأكل لحمه وقد شوهد ذلك رأي عيان أي رؤي ذلك بعين المشاهدة فانظر كيف قلبنا الدليل عليهم حرفا بحرف وهذا ظاهر بحمد الله قال الناظم رحمه الله تعالى ... لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان ... خيرن بين رسوله وسواه فاخترن الرسول لصحة الإيمان ... شكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران ... قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الإحسان ... وكذاك أيضا قصرهن عليه معلوم بلا شك ولا حسبان ... زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخرى يقينا واضح البرهان ... فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثان ... لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحداد وملزم الأوطان ... يشير الناظم الى الجواب عن قولهم إن نساؤه صلى الله عليه وسلم لم ينفسخ نكاحهن وإنهن حرمن على غيره ووجه ذلك أن الله سبحانه خيرهن بين رسوله

وبين من سواه فاخترن الرسول صلى الله عليه وسلم لصحة إيمانهن فشكر الله لهن ذلك وقصر رسوله عليهن بقوله لا يحل لك النساء من بعد الأحزاب رحمة منه بهن وشكرا لهن وكذلك أيضا قصرهن عليه وهن زوجاته في الدنيا والآخرة ولذلك حرمن من على من سواه بعده ولكن مع ذلك لما توفي صلى الله وعليه وسلم أتين بعدة شرعية والله أعلم قوله ... هذا ورؤيته الكليم مصليا ... في قبره أثر عظيم الشان ... في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قاله البرهان ... ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان ... والدارقطني الإمام أعله ... برواية معلومة التبيان ... أنس يقول رأى الكليم مصليا ... في قبره فاعجب لذا الفرقان ... فرواه موقوفا عليه وليس بالمرفوع واشوقا إلى العرفان ... بين السياق إلى السياق تفاوت لا تطرحنه فما هما سيان ... لكن تقلد مسلما وسواه ممن صح هذا عنده ببيان ... فرواته الاثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمان ... لكن هذا ليس مختصا به ... والله ذو فضل وذو إحسان ... فروى ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرا صحيحا عنده ذا شان

فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان ... فتمثل الشمس التي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذي القربان ... عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعان ... حتى اصلي العصر قبل فواتها ... قالا ستفعل ذاك بعد الآن ... هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان ... قوله هذا ورؤيته الكليم مصليا الخ أي وأما احتجاجهم برؤيته صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام يصلي في قبره ففيه نظر وذلك ان الامام الدارقطني اعله بأنه روي موقوفا على أنس ولذلك أعرض عنه البخاري فلم يروه في صحيحه وأما مسلم فرواه موقوفا وتفرد به عن البخاري وعلى تقدير رفعه فليس مختصا بموسى عليه السلام فقد روى ابن حبان وغيره عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الميت اذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه قال فان كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والاحسان عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فتقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والاحسان ما قبلي مدخل فيقول له اجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقول له هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد به عليه فيقول دعوني حتى اصلي فيقولون إنك ستصلي أخبرنا عما نسألك عنه الحديث وقد رواه الامام أحمد في المسند

وقوله هذا مع الموت المحقق الخ أي ان هذا المذكور في هذا الحديث محقق الموت وقد طلب الصلاة وهي في القبر والصلاة في القبر ليست مختصة بموسى عليه السلام وقوله لا الذي حكيت به القولان أي ان صلاة موسى عليه السلام في قبره ليلة المعراج قد روي فيها الحديث وتقدم ان الدارقطني اعله بأنه روي موقوفا على أنس ولهذا لم يروه البخاري في صحيحه وأما مسلم فرواه مرفوعا فهذا معنى قول الناظم لا الذي حكيت به القولان قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وثابت البناني قد دعى الرحمن دعوة صادق الايقان ... أن لا يزال مصليا في قبره ... إن كان أعطى ذاك من إنسان ... أي ان ثابت البناني رحمه الله قد دعى الله أن يرزقه الصلاة في قبره كما قال ابن سعد في الطبقات وابن ابي شيبة في المصنف والامام احمد في الزهد معا أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني قال اللهم إن كنت أعطيت احدا الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري وروى أبو نعيم عن يوسف بن عطية قال سمعت ثابتا يقول لحميد الطويل هل بلغك أن أحدا يصلي في قبره إلا الأنبياء قال لا قال ثابت اللهم إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لثابت ان يصلي في قبره وروى ايضا عن جبير قال أنا والله الذي لا إله إلا هو أدخلت ثابتا البناني لحده ومعي حميد الطويل فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنة فاذا أنا به يصلي في قبره وكان يقول في دعائه اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها فما كان الله ليرد دعاءه

قال الناظم رحمه الله تعالى ... لكن رؤيته لموسى ليلة المعراج فوق جميع ذي الأكوان ... يرويه اصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبه بلا نكران ... ولذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان ... وأجيب عنه بأنه أسري به ... ليراه ثم مشاهدا بعيان ... فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ أمكن الوقتان ... أي أن رؤيته موسى عليه السلام ليلة المعراج في السماء يرويه أصحاب الصحاح جميعهم وهو مقطوع بصحته ولذلك ظن معارضا لصلاته في قبره ولكن أجيب عنه كما قال الناظم بأنه أسري به صلى الله عليه وسلم ليراه هناك ورآه أيضا في الضريح وهذا ليس بتناقض لأن ذلك ممكن أي أن رؤيته في السماء وفي القبر ممكنة والله اعلم وقد قال الناظم في كتاب الروح وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ليلة الاسراء ورآه في السماء السادسة أو السابعة فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر واشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من يسلم عليه وهي في الرفيق الاعلى ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان وهذا جمع حسن والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا ورد نبينا لسلام من ... يأتي بتسليم مع الاحسان ... ما ذاك مختصا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن

من زار قبر أخ له فأتى بتسليم عليه وهو ذو ايمان ... رد الإله عليه حقا روحه ... حتى يرد عليه رد بيان ... يشير الى ما رواه أبو داود باسناد حسن عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ارد عليه السلام ويجاب عنه بأن ذلك ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو عمر ابن عبد البر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه الا عرفه ورد عليه السلام تنبيه اعلم ان القائلين بحياة الانبياء في القبور أشكل عليهم قوله صلى الله عليه وسلم إلا رد الله علي روحي وأجابوا عنه بجوابين أحدهما ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي ان المعنى إلا وقد رد الله علي روحي يعني ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده صلى الله عليه وسلم الجواب الثاني انه يحتمل ان يكون ردا معنويا وان تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الالهية والملأ الأعلى عن هذا العالم فاذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه وترد عليه والجواب ان في كل واحد من الجوابين نظر اما الاول وهو الذي ذكره البيهقي في الجزء الذي جمعه في حياة الأنبياء عليهم السلام بعد وفاتهم فمضمونه رد روحه صلى الله عليه وسلم بعد موته الى جسده واستمرارها فيه قبل سلام من يسلم عليه وليس هذا المعنى مذكورا في الحديث ولا هو ظاهره بل هو مخالف لظاهره فإن قوله الا رد الله علي روحي بعد قوله

ما من احد يسلم علي يقتضي رد الروح بعد السلام ولا يقتضي استمرارها في الجسد وليعلم ان رد الروح في البدن وعودها الى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه ولا يستلزم حياة اخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة بل إعادة الروح الى الجسد في البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت وقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه وفي بيان الميت وحاله ان روحه تعاد الى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه وان هذه الاعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الميت بل هي نوع حياة برزخية والحياة جنس تحتها انواع وكذلك الموت فإثبات بعض انواع الموت لا ينافي الحياة كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استيقظ من النوم قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور وتعلق الروح بالبدن واتصالها به يتنوع أنواعا أحدها تعلقها به في هذا العالم يقظة ومناما الثاني تعلقها به في البرزخ والأموات متفاوتون في ذلك فالذي للرسل والانبياء أكمل مما للشهداء ولهذا لا تبلى أجسادهم والذي للشهداء أكمل مما لغيرهم من المؤمنين الذين ليسوا بشهداء والثالث تعلقها به يوم البعث والنشور في اليوم الآخر ورد الروح الى البدن في البرزخ لا يستلزم الحياة المعهودة ومن زعم استلزمه لها لزمه ارتكاب أمور باطلة مخالفة

للحس والشرع والعقل وهذا المعنى المذكور في حديث ابي هريرة من رده صلى الله عليه وسلم السلام على من يسلم عليه قد ورد نحوه في الرجل يمر بقبر أخيه كما تقدم والله اعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران ... فانظر الى الاسناد تعرف حاله ... ان كنت اذا علم بهذا الشان ... اما حديث حياة الانبياء في قبورهم وهو ما رواه أبو يعلى والبيهقي عن أنس رضي الله عنه انه صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء احياء في قبورهم يصلون وقد أجاب الناظم عنه بأنه غير صحيح ولكن على تقدير صحته فلا شك أنه لا يراد بهذه الحياة الحقيقة ولو أريدت لاقتضت جميع لوازمها من اعمال وتكليف وعبادة ونطق وغير ذلك وحيث انتفت حقيقة هذه الحياة الدنيوية بانتفاء لوازمها وبحصول الإنتقال من هذه الحياة الدنيوية الحقيقية الى تلك الحياة البرزخية وهذا معنى قول الناظم ... هذا ونحن نقول هم أحياء لكن عندنا كحياة ذي الابدان ... والترب تحتهم وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن ايمان ... مثل الذي قد قلتموه معاذنا ... بالله من إفك ومن بهتان ... بل عند ربهم تعالى مثلما ... قد قال في الشهداء في القرآن ... لكن حياتهم أجل وحالهم أعلى وأكمل عند ذي الاحسان

قوله لكن عندنا كحياة ذي الأبدان هذا موصوف صفة أي مثل الذي قد قلتموه لا نقول بذلك معاذ الله أي لا نقول كما قلتم إن حياتهم عندنا كحياتهم على وجه الأرض نعوذ بالله من إفك ومن بهتان بل هم أحياء عند الله كما قال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران لكن حياة أجل وأعلى من حياة الشهداء والله اعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا واما عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكان ... وأتى به اثر فان صح الحديث به فحق ليس ذا نكران ... ... لكن هذا ليس مختصا به ... أيضا بآثار روين حسان ... فعلى أبي الانسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوان ... إن كان سعيا صالحا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان ... أو كان سعيا سيئا حزنوا ... وقالوا رب راجعه إلى الإحسان ... ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسان ... يا رب إني عائذ من خزية أخزي بها عند القريب الداني ... ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة المحبو بالغفران والرضوان ... لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلان ... يريد ما رواه ابن حبان وغيره من حديث أوس رضي الله عنه مرفوعا أفضل ايامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه

الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت فقال E ان الله حرم على الارض ان تأكل أجساد الأنبياء وقد أجاب عنه الناظم بأن هذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما روى أحمد وابن مندة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الاموات فان كان خيرا استبشروا وان كان غير ذلك قالوا اللهم ألهمهم ان يعملوا بطاعتك وروى الحكيم الترمذي وابن ابي الدنيا في كتاب المنامات والبيهقي في شعب الايمان عن النعمان بن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتقوا الله في اخوانكم من اهل القبور فان اعمالكم تعرض عليهم وروى ابن ابي الدنيا والاصبهاني في الترغيب عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فانها تعرض على أوليائكم من اهل القبور قوله ولذا استعاذ من الصحابة من روى الخ روى ابن المبارك والاصبهاني عن ابي الدرداء قال إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساؤون ويقول اللهم إني اعوذ بك أن أعمل عملا تخزي به عبد الله ابن رواحة ولكن يجاب عن ذلك أيضا بأنه مع ذلك لا يجوز ان يطلب منهم شيء ولا يسألون شيئا بعد وفاتهم سواء كان بلفظ استغاثة أو

توجه أو استشفاع أو غير ذلك فجميع ذلك من وظائف الألوهية فلا يليق جعله لمن يتصف بالعبودية ولا ملازمة بين مسألة الحياة وبين مسألة الاستغاثة ومما يقطع به ان أحدا في زمانه صلى الله عليه وسلم أو ممن بعده في القرون الثلاثة المشهود لأهلها بالنجاة والصدق وهم أعلم منا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرغائب ما استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على ازالتها إلا سبحانه بل كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه ولقد جرت عليهم أمور مهمة وشدائد مدلهمة في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته فهل سمعت عن احد منهم أنه استغاث بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أو قالوا إنا مستغيثون بك يا رسول الله أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف وهو سيد القبور حين ضاقت منهم الصدور كلا لا يمكن لهم ذلك بل الأمر بعكس ما هنالك فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم فقال تعالى من قائل إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الأنفال مبينا سبحانه ان هذه الاستغاثة هي اخص الدعاء وأجل أحوال الالتجاء ففي استغاثة المضطرين بغيره تعالى عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته الخاصة به قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشان ... والحق فيه ليس تحمله عقو ل بني الزمان لغلظة الأذهان ... ولجهلهم بالروح مع أحكامها وصفاتها للالف بالأبدان ... فارض الذي رضي الاله لهم به أتريد تنقض حكمة الديان

هل في عقولهم بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنان ... وترد في أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمان ... وكذاك إن زرت القبور مسلما ... ردت لهم أرواحهم للآن ... فهم يردون السلام عليك لكن لست تسمعه بذي الأذنان ... هذا وأجواف الطيور الخضر مسكنها لدى الجنات والرضوان ... من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكران ... للروح شأن غير ذي الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شان ... وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الازمان ... ... هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالانكار والعدوان ... فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان ... قال الناظم في كتاب الروح له ما نصه واما السلام على اهل القبور وخطابهم فلا يدل على ان أرواحهم ليست في الجنة وانها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم E الذي روحه في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى يسلم عليه عند قبره ويرد سلام المسلم عليه وقد وافق ابو عمر رحمه الله تعالى على ان ارواح الشهداء في الجنة ويسلم عليهم عند قبورهم كما يسلم على غيرهم كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسلم عليهم وكما كان الصحابة يسلمون على شهداء احد وقد ثبت ان ارواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت كما تقدم ولا يضيق عطنك عن كون الروح

في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها وتدنو حتى ترد عليه السلام وللروح شأن آخر غير شأن البدن وهذا جبريل صلوات الله وسلامه عليه رآه النبي صلى الله عليه وسلم له ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب وكان يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم يضع ركبته ويديه على فخذيه وما اظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الاعلى فوق السماوات حيث هو مستقره وقد دنا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو اضيق ان يتسع للايمان بالتنزل الإلهي الى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق سمواته على عرشه لا يكون فوقه شيء البتة بل هو العالي على كل شيء وعلوه من لوازم ذاته وكذلك دنوه عشية عرفة من اهل الموقف وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره وكذلك مجيئه الى الارض حين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يراد منها وكذلك مجيئه إليها قبل يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى احد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح ربك يطوف في الارض وقد خلت عنه البلاد هذا وهو فوق سمواته على عرشه قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وقولي إنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان ... هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال اهل الافك والبهتان ... لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان ... ... والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعي العرفان

عطلتم الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن ... قوله هذا وقولي إنها مخلوقة الخ هذه المسألة ذكرها الناظم في كتاب الروح وحاصل كلامه انه قال أجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على ان روح الانسان محدثة مخلوفة مصنوعة مربوبة وهذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما يعم بالإضطرار من دينهم أن العالم حادث وان معاد الأبدان واقع وأن الله تعالى وحده الخالق وكل ما سواه له وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون المفضلة وهم على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنةن فزعم انها قديمة غير مخلوقة واحتج لذلك انها من امر الله وامر الله غير مخلوق وبأن الله أضافها اليه كما أضاف اليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده وتوقف آخرون فقالوا لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة وقد سئل عن ذلك حافظ اصبهان أبو عبد الله بن منده فقال اما بعد فان سائلا سأل عن الروح التي جعلها الله سبحانه قوام أنفس الخلق وأبدانهم وذكر ان اقواما تكلموا في الروح وزعموا انها غير مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس وأنها من ذات الله قال وأنا أذكر أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأقاويل الصحابة والتابعين وأهل العلم وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وان كلامهم يوافق قول جهم بن صفوان وأصحابه فذكر ان الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس فقال بعضهم الارواح كلها مخلوقة قال وهذا مذهب اهل الجماعة والأثر واحتجت بقول النبي صلى الله عليه وسلم الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف رواه الامام أحمد ومسلم

وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورواه البخاري من حديث سلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عنسبة رضي الله عنهم والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة وقال بعضهم الأرواح من أمر الله اخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق واحتجت بقول الله تعالى قل الروح من امر ربي الاسراء وقال بعضهم الأرواح نور من نور الله تعالى وحياة من حياته واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق خلقه من ظلمة ثم القى عليهم من نوره وتمام الحديث فمن أصابه من ذلك النور يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل رواه الامام احمد والحاكم والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وقال محمد بن نصر المروزي في كتابه تأول صنف من الزنادقة وصنف من الروافض في روح ابن آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى وما تأوله قوم من ان الروح انفصل من ذات الله تعالى وتقدست أسماؤه فصار في المؤمن فعبد صنف من النصارى عيسى ومريم جميعا لان عيسى عندهم روح من الله فصار في مريم فهو غير مخلوق عندهم وقال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض إن روح آدم عليه السلام مثل ذلك أنه غير مخلوق وتأولوا قوله ونفخت فيه من روحي الحجر وقوله ثم سواه ونفخ فيه من روحه السجدة فزعموا أن روح ابن آدم ليس بمخلوق كما تأول من قال إن النور من الرب غير مخلوق قالوا ثم صار بعد آدم في الوصي بعده ثم هو في كل نبي ووصي الى ان صار في علي بن ابي طالب رضي الله عنه ثم في ابنية الحسن والحسين رضي الله عنهما ثم في كل وصي وإمام فيه يعلم الامام كل شيء لا يحتاج ان يتعلم من احد

وقال ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة الله خلقها وأنشأها وكونها وأخبر عنها ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف اليه سائر خلقه قال تعالى وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الجاثية قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة وقد حكى إجماع العلماء على انها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين مثل محمد بن نصر المروزي الامام المشهور الذي هو من اعلم اهل زمانه بالاجماع والاختلاف وكذلك أبو محمد ابن قتيبة قال الناظم في كتاب الروح قد تكلم في هذه المسألة طوائف من اكابر العلماء والمشايخ وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتابا كبيرا وقبله الامام محمد بن نصر المروزي وغيره والشيخ ابو سعيد الخرار وأبو يعقوب النهرجوري والقاضي أبو يعلى وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى بن مريم عليه السلام فكيف بروح غيره كما ذكره الامام احمد رضي الله عنه فيما كتبه في محبسه في الرد على الزنادقة والجهمية انتهى قوله هذا وقولي إنها ليست كما قد قال اهل الافك والبهتان الخ قال الناظم في كتاب الروح في المسألة التاسعة عشرة لما سئل عن حقيقة الروح وهل هي النفس او غيرها وذكر مذاهب الناس في ذلك قال وقالت طائفة ليس النفس جسما ولا عرضا وليست في مكان

ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض ولا هي في العالم ولا خارج العالم ولا مجانبة ولا مباينة وهذا قول المشائين وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس وزعموا ان تعلقها بالبدن لا بالحلول فيه ولا بالمجاورة ولا بالمساكنة ولا بالاتصال ولا بالمقابلة وانما هو التدبير فقط واختار هذا المذهب البوشنجي ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد والغزالي وهو قول ابن سينا وأتباعه وهو ارادأ المذاهب وأبطلها وابعدها من الصواب ثم ذكر على ابطال هذا المذهب نحو مائة وستة عشر دليلا ثم اجاب عن أدلة المنازعين بما ليس هذا موضع ذكره والله اعلم قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في كسر المنجنيق الذي نصبه اهل التعطيل على معاقل الاسلام وحصونه جيلا بعد جيل ... لا يفزعنك قراقع وفراقع وجعاجع عريت عن البرهان ... ما عندهم شيء يهو لك غير ذا ... ك المنجنيق مقطع الاركان ... وهو الذي يدعونه التركيب منصوبا على الاثبات منذ زمان ... أرأيت هذا المنجنيق فانهم ... نصبوه تحت معاقل الايمان ... بلغت حجارته الحصون فهدت الشرفات واستولت على الجدران

لله كم حصن عليه استولت الكفار من ذا المنجنيق الجاني ... والله ما نصبوه حتى عبروا ... قصدا على الحصن العظيم الشان ... ومن البلية ان قوما بين اهل الحصن واطوهم على العدوان ... ورموا به معهم وكان مصاب اهل الحصن منهم فوق ذي الكفران ... فتركبت من كفرهم ووفاق من ... في الحصن أنواع من الطغيان ... وجرت على الاسلام اعظم محنة ... من ذين تقديرا من الرحمن ... والله لولا أن تدارك دينه الرحمن كان كسائر الاديان ... لكن أقام له الاله بفضله ... يزكا من الانصار والاعوان ... فرموا على ذا المنجنيق صواعقا ... وحجارة هدته للأركان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في الجواب عن شبهتهم العظمى التي بها يصولون وعمدتهم الكبرى التي بها يهولون وهي حجة التركيب قوله لا يفزعنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التأكيد الخفيفة قوله المنجنيق آلة ترمي بها الحجارة كالمنجنوق معربة جمع منجنيقات ومجانق ومجانيق وقد جنقوا يجنقون وجنقوا تجنيقا قوله معاقل الاسلام جمع معقل وهو الحصن والملجأ أي حصون الاسلام ... فاسألهم ماذا الذي يعنون بالتركيب فالتركيب ست معان ... إحدى معانيه هو التركيب من ... متباين كتركب الحيوان ... من هذه الأعضا كذا أعضاؤه قد ركبت من أربع الأركان

أفلازم ذا للصفات لربنا ... وعلوه من فوق كل مكان ... ولعل جاهلكم يقول مباهتا ... ذا لازم الاثبات بالبرهان ... فالبهت عندكم رخيص سعره ... حثوا بلا كيل ولا ميزان ... هذا هو المعنى الاول من معاني التركيب فان الناظم ذكر ان للتركيب ست معان وهذا التركيب كما قال الناظم كتركب الحيوان من هذه الأعضاء وكذلك تركب الأعضاء من الاركان الاربعة وهي الماء والهواء والتراب والنار والرب تعالى موصوف بصفاته العلى ولا يلزم هذا التركيب وقوله أفلازم ذا الصفات لربنا وهذا استفهام انكار أي ليس بلازم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وثانيها فتركيب الجوا ... ر وذاك بين اثنين يفترقان ... كالجسر والباب الذي تركيبه ... بجواره لمحله من بان ... والاول المدعو تركيب امتزا ... ج واختلاط وهو ذو تبيان ... أفلازم ذا من ثبوت صفاته ... أيضا تعالى الله ذو السلطان ... هذا هو المعنى الثاني من معاني التركيب وهو تركيب الجوار كتركيب الباب على الجسر والأول يسمى تركيب امتزاج قال الناظم رحمه الله تعالى ... والثالث التركيب من متماثل ... يدعى الجواهر فردة الأركان

هذا هو المعنى الثالث من معاني التركيب وهو التركيب من الجواهر المنفردة وإثبات ذلك هو قول بعض المتكلمين وإنكار ذلك هو قول ابن كلاب واتباعه وهو قول الهاشمية والنجارية والضرارية وبعض الكرامية وستأتي الإشارة لى بطلانه من كلام الناظم ... قال الناظم رحمه الله تعالى ... والرابع الجسم المركب من هيو ... لاه وصورته لذي اليونان ... فالجسم فهو مركب من ذين عند الفيلسوف وذاك ذو بطلان ... ومن الجواهر عند ارباب الكلا ... م وذاك ايضا واضح البطلان ... هذا هو المعنى الرابع من معاني التركيب وهو التركيب من الهيولي والصورة عند الفلاسفة قال الناظم رحمه الله تعالى ... فالمثبتون الجوهر الفرد الذي ... زعموه أصل الدين والايمان ... قالوا بأن الجسم منه مركب ولهم خلاف وهو ذو ألوان ... هل يمكن التركيب من جزئين أو ... من أربع أو ستة وثمان ... أو ست عشرة قد حكاه الأشعري لذي مقالات على التبيان ... ... أفلازم ذا من ثبوت صفاته ... وعلوه سبحان ذي السبحان ... والحق أن الجسم ليس مركبا ... من ذا ولا هذا هما عدمان ... ... والجوهر الفرد الذي قد أثبتو ... ه ليس ذا أبدا وذا إمكان ... لو كان ذلك ثابتا لزم المحا ... ل لواضح البطلان والبهتان

من أوجه شتى ويعسر نظمها ... جدا ولأجل صعوبة الاوزان ... أتكون خردلة تساوي الطود في الأجزاء في شيء من الأذهان ... ... إذ كان كل منهما أجزاؤه ... لا تنتهي بالعد والحسبان ... وإذا وضعت الجوهرين وثالثا ... في الوسط وهو الحاجز الوسطان ... فلأجله افترقا فلا يتلاقيا ... حتى يزول اذا فيلتقيان ... ما مسه إحداهما منه هو الممسوس للثاني بلا فرقان ... هذا محال أو تقولوا غيره ... فهو انقسام واضح التبيان ... شرع الناظم رحمة الله تعالى في إبطال القول بالجوهر الفرد مع ان القائلين به من المتكلمين يزعمون أن إثباته هو أصل الدين والإيمان قال أبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى وغيره اتفق المسلمون على ان الاجسام تتناهى في تجزئتها وانقسامها حتى تصير أفرادا ومع هذا فقد شك هو فيه وكذلك شك فيه أبو الحسن البصري وأبو عبد الله الرازي قال شيخ الاسلام ومعلوم ان هذا القول لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا أحد من ائمة العلم المشهورين بين المسلمين وأول من قال ذلك في الاسلام طائفة من الجهمية والمعتزلة وهذا من الكلام الذي ذمه السلف وعابوه ولكن حاكي هذا الاجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام ولم يجد الا من يقول بذلك اعتقد هذا إجماع المسلمين والقول بالجوهر الفرد باطل والقول بالهيولي والصورة باطل انتهى كلامه قوله هل يمكن التركيب من جزئين الخ أي ان القائلين بالجوهر

الفرد اختلفوا هل يمكن تركيب الجسم من جزئين أو أربعة او ستة أو ثمانية أو ستة عشر على خلاف بينهم حكاه الأشعري في المقالات وفي العقل والنقل لشيخ الاسلام من يثبت الجوهر الفرد ويقول بتماثل الاجسام وأن ما يحدثه الله تعالى من الحوادث انما هو تحويل الجواهر التي هي أجسام من صفة إلى صفة مع بقاء أعيانها وينكرون الاستحالة وجمهور العقلاء وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم متفقون على بطلان قولهم وان الله تعالى يحدث الأعيان ويبدعها وان كان يحيل الجسم الاول الى جرم آخر فلا يقولون إن جرم النطفة باق في بدن الانسان ولا جرم النواة باق في النخلة انتهى كلامه وقول الناظم أتكون خردلة تساوي الطود الخ أي أتكون الخردلة التي في غاية الصغر والحقارة تساوي الجبل العظيم بجامع أن أجزاء كل منهما لا تنتهي بالحد والحسبان هذا في غاية الاحالة ثم ذكر الناظم دليلا آخر على بطلان هذا المذهب فقال واذا وضعت الجوهرين وثالثا الخ أي اذا فرضنا جزءا بين جزئين فاما ان يكون الوسط حاجبا للطرفين عن التماس او لا فعلى الأول يكون للوسط طرفان بأحدهما يماس احد الجزئين وبالآخر يماس الآخر فلا محالة يكون بين جهتيه امتداد قابل للقسمة ولو وهما وكذا يكون للجزئين الطرفين جهتان باحداهما يماس كل من ذينك الجزئين الوسط وبالآخر يكون فارغا من لقائه فيكونان منقسمين وعلى الثاني فأما ان يكون الوسط متداخلا في احد الطرفين وفي كليهما فلا يحصل منهما حجم فلا يتألف منهما جسم أو لا يكون بين تلك الأجزاء ترتيب فلا يتصور منهما تركيب وللقائلين بإبطال الجوهر الفرد أذلة أخرى على بطلانه تركناها اختصارا والله اعلم

قال الناظم رحمه الله تعالى ... والخامس التركيب من ذات مع ال أوصاف هذا باصطلاح ثان ... سموه تركيبا وذلك وضعهم ... ما ذاك في عرف ولا قرآن ... لسنا نقر بلفظة موضوعة ... بالاصطلاح لشيعة اليونان ... أو من تلقى عنهم من فرقة ... جهمية ليست بذي عرفان ... من وصفه سبحانه بصفاته العليا ويترك مقتضى القرآن ... والعقل والفطرات أيضا كلها ... قبل الفساد ومقتضى البرهان ... سموه ما شئتم فليس الشأن في ال أسماء بالالقاب ذات الشان ... هل من دليل يقتضي إبطال ذا التركيب من عقل ومن فرقان ... والله لو نشرت شيوخكم لما ... قدروا عليه لو أتى الثقلان ... هذا هو القسم الخامس من اقسام التركيب عندهم وهو التركيب من ذات وصفات وهذا على اصطلاح اليونان ومن وافقهم من الجهمية وهو من أظهر الأمور بطلانا وسيأتي إبطاله في كلام الناظم وقول الناظم لسنا نقر بلفظة موضوعة الخ كذا في جميع ما رأينا من النسخ نقر بالقاف من الإقرار وصواب اللفظة نفر بالفاء أي ليس نفر بسبب هذا الاصطلاح الذي اصطلحتموه من وصفه سبحانه بصفاته العليا والجار والمجرور وهو قوله من وصفه متعلق ب نفر والله اعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... والسادس التركيب من ماهية ... ووجودها ما ها هنا شيئان

الا اذا اختلف اعتبارهما فذا ... في الذهن و الثاني ففي الأعيان ... فهناك يعقل كون ذا غير لذا ... فعلى اعتبارهما هما غيران ... أما اذا اتحد اعتبارا كان نفس وجودها هو ذاتها لا ثان ... من قال شيئا غير ذا كان الذي ... قد قاله ضرب من الفعلان ... هذا وكم خبط هنا قد زال بالتفصيل وهو الاصل في العرفات ... هذا هو القسم السادس من أقسام التركيب وهو التركيب من الوجود والماهية وحاصل كلام الناظم هنا ان الوجود والماهية اذا اختلف اعتبارهما فأخذ أحدهما ذهنيا والآخر خارجيا فالوجود غير الماهية وإن أخذا ذهنين فالوجود هو الماهية وكذا إن أخذا خارجيين فالوجود هو الماهية قوله من الفعلان هو بضم الفاء وإسكان العين يعني كلمة في وزن الفعلان كالبهتان والبطلان ونحوهما وهذا كما في قول المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة ابن حمدان واسمها خولة ... كأن فعلة لم تملأ مواكبها ديار بكر ولم تخلع ولم تهب ... وذلك أن المتنبي لم يصرح باسمها استعظاما لكونها ملكه بل كنى عن اسمها بفعلة فلفظ فعلة حكمها حكم موزونها ممتنع من الصرف للعلمية والتأنيث فكذا فعلة ممتنع قال ابن جني كنى بفعلة عن اسمها واسمها خولة قال الناظم رحمه الله تعالى ... وابن الخطيب وحزبه من بعده ... لم يهتدوا لمواقع الفرقان ... بل خبطوا نقلا وبحثا أوجبا ... شكا لكل ملدد حيران

هل ذات رب العالمين وجوده ... أم غيره فهما إذا شيئان ... فيكون تركيبا محالا ذاك إن ... قلنا به فيصير ذا إمكان ... واذا نفينا ذاك صار وجوده كالمطلق الموجود في الأذهان ... وحكوا أقاويلا ثلاثا ذينك ال أعلى وبين وجود ذي الإمكان ... وسطوا عليها كلها بالنقص وال ... إبطال والتشكيك للانسان ... قوله ابن الخطيب يعني الفخر الرازي وهو محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن ابن علي العلامة سلطان المتكلمين صاحب التصانيف أبو عبد الله القرشي البكري التميمي الطبرستاني الأصل ثم الرازي ابن خطيبها المفسر امام وقته في العلوم العقلية وأحد الأئمة في العلوم الشرعية قال الحافظ رحمه الله تعالى الفخر ابن الخطيب صاحب التصانيف رأس في الذكاء والعقليات ولكنه عري من الآثار وله تشكيكات على مسائل من اصول الدين تورث حيرة وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان مثل ما ذكرنا عن الذهبي في شأنه وزاد أنه كان يقول مع تبحره في الأصول من التزم دين العجائز فهو الفائز وكان يعاب ايراد الشبه الشديدة ويقصر في حلها حتى قال بعض المغاربة يورد الشبهة نقدا ويحلها نسيئة وقد ذكره ابن دحية فمدح وذم وذكره ابو شامة فحكى عنه أشياء رديئة وذكر النجم الطوفي في الاكسير في علم التفسير ما ملخصه ما رأيت في التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبي ومن تفسير الامام فخر الدين إلا أنه كثير العيوب فحدثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين السرمساجي المغربي أنه صنف كتاب المأخذ في مجلدين بين فيهما مافي تفسير الفخر من الزيف والبهرج

وكان ينقم عليه كثيرا ويقول يورد شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق ثم يورد مذهب أهل السنة والحق على غاية من الوهن قال الطوفي ولعمري إن هذا دأبه في كتبه الكلامية حتى اتهمه بعض الناس ولكنه خلاف ظاهر حاله لأنه لو كان اختار قولا او مذهبا ما كان عنده من يخاف منه حتى يستتر عنه ولعل سببه أنه كان يستفرغ قواه في تقرير دليل الخصم فاذا انتهى الى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شيء من القوى ولا شك أن القوى النفسانية تابعة للقوى البدنية وقد صرح في مقدمة نهاية العقول أنه يقرر مذهب خصمه تقريرا لو أراد خصمه أن يقرره لم يقدر على الزيادة على ذلك وذكر ابن خليل السكوني في كتاب الرد على الكشاف انا الامام الرازي ابن الخطيب قال في كتبه في الأصول إن مذهب الجبر هو المذهب هو المذهب الصحيح وقال في التفسير قوله تعالى واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه الأنفال كلاما يدل على أن مذهب الجبر هو الحق حيث قال وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة ان الامر كذلك أي العبد مجبور نعوذ بالله من أمثال ذلك وقال بصحة بقاء الأعراض وبنفي صفات الله الحقيقية وزعم أنها مجرد نسب وإضافات كقول الفلاسفة وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع ونقل عن تلميذه التاج الأرموي أنه نظر في كلامه فهجره الى مصر وهموا به فاستتر ونقل عنه انه قال عندي كذا وكذا مائة شبهة على القول بحدوث العالم ومنه ما قاله شيخه ابن الخطيب في آخر الأربعين والمتكلم يستدل على القدم بوجوب تأخر الفعل والفيلسوف يدل على قدسه باستحالة تعطل الفاعل عن أفعاله ثم أسند عن ابن الطباخ ان الفخر كان شيعيا يقدم محبة اهل البيت كمحبة الشيعة حتى قال في بعض تصانيفه وكان علي

شجاعا بخلاف غيره وعاب عليه تسميته لتفسيره مفاتيح الغيب ولمختصره في المنطق الآيات البينات وتقريره لتلاميذه في وصفه بأنه الامام المجتبى أستاذ الدنيا أفضل العالم فخر بني آدم حجة الله على الخلق صدر صدور العرب والعجم هذا آخر كلامه وقد مات الفخر سنة ست وستمائة بمدينة هراة واوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده انتهى عبارة اللسان ومما قال فيه إن له كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم سحر صريح فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى قلت ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة وقيل سنة ثلاث واشتغل أولا على والده ضياء الدين عمر وهو من تلامذة البغوي على الكمال السمناني والمجد الجيلي صاحب محمد بن يحيى وأتقن علوما كثيرة وبرز فيها وساد وقصده الطلبة من سائر البلاد وصنف في فنون كثيرة وكان له مجلس كبير في الوعظ يحضره الخاص والعام ويلحق فيه حال ووجد وجرت بينه وبين جماعة من الكرامية مخاصمات وفتن وأوذي بسببهم وكان ينال منهم في مجلسه وينالون منه وكان إذا ركب مشى حوله نحو ثلاثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم وقيل كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في الكلام وندم على دخوله في الكلام وروي عنه انه قال لقد أختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا ورايت اصح الطرق طريقة القرآن أقرأ في التنزيه والله الغني وأنتم الفقراء محمد وقوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى و قل هو الله أحد واقرأ في الاثبات الرحمن على العرش استوى طه يخافون ربهم من فوقهم النحل اليه يصعد الكلم الطيب فاطر واقرأ في أن الكل من عند الله قل كل من عند الله النساء ثم قال

وأقول من صميم القلب ومن داخل الروح إني مقر بأن كل ما هو الأفضل الأعظم الأجل فهو لك وكل ما هو عيب او نقص فأنت منزه عنه وكانت وفاته ب هراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة قال أبو شامة وبلغني أنه خلف من الذهب ثمانين ألف دينار سوى الدواب والعقار وغير ذلك ومن تصانيفه التفسير الكبير لم يتمه في اثني عشر مجلدا كبارا أسماه مفاتيح الغيب وكتاب المحصول والمنتخب وكتاب الاربعين ونهاية العقول والتبيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان المباحث العمادية في المطالب المعادية تأسيس التقديس في تأويل الصفات إرشاد النظار إلى لطائف الاسرار المعالم في أصول الدين المعالم في أصول الفقه شرح اسماء الله الحسنى شرح الاشارات الملخص في الفلسفة ويقال إنه شرح نصف الوجيز للغرالي وشرح سقط الزند للمعري وله طريقة في الخلاف وشرح كليات القانون وصنف في مناقب الشافعي رضي الله عنه الى غير ذلك ورزق السعادة في مصنفاته حتى انتشرت في الآفاق وأقبل الناس على الاشتغال بها وذلك أن الفخر الرازي وأتباعه حكوا للناس في وجود الرب تعالى إلى ثلاثة أقوال أحدها ان الوجود مقول بالاشتراك اللفظي فقط والثاني أن وجود الواجب زائد على ماهيته والثالث أنه وجود مطلق ليس له حقيقة غير الوجود المشروط بسلب كل ماهية ثبوتية قال شيخ الاسلام فيقال لهم الأقوال الثلاثة باطلة والقول الحق ليس واحدا من الثلاثة وانما أصل الغلط هو توهمهم انا اذا قلنا ان الوجود ينقسم الى واجب وممكن لزم أن يكون في الخارج وجود هو نفسه في الواجب وهو نفسه في الممكن وهذا غلط فليس في الخارج بين الموجودين

شيء هو نفسه فيهما ولكن لفظ الوجود ومعناه الذي في الذهن والخط الذي يدل على اللفظ يتناول الموجودين ويعمهما يشتركان فيه فشمول معنى الوجود الذي في الذهن لهما كشمول لفظ الوجود والخط الذي يكتب به هذا اللفظ لهما فهما مشتركان في هذا فأما نفس ما يوجد في الخارج فانما يشتبهان فيه من بعض الوجوه فاما ان تكون نفس هذا وصفته فيها شيء من ذات هذا وصفته فهذا مما يعلم فساده كل من تصوره ومن توقف فيه فلعدم تصوره له وحينئذ فالقول في اسم الوجود كالقول في اسم الذات والعين والماهية والنفس والحقيقة وكما ان الحقيقة تنقسم الى حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة وكذلك لفظ الماهية ولفظ الذات ونحو ذلك فكذلك لفظ الوجود فاذا قلنا إن الحقيقة أو الماهية تنقسم الى واجبة وممكنة لم يلزم أن تكون ماهية الواجب فيها شيء من ماهية الممكن فكذلك اذا قيل الوجود ينقسم الى واجب وممكن لم يلزم أن يكون ماهية الواجب فيها شئ من ماهية الممكن فكذلك اذا قيل الوجود ينقسم الى واجب وممكن لم يلزم أن يكون الوجود الواجب فيه شيء من وجود غيره بل ليس فيه وجود مطلق ولا ماهية مطلقة بل ماهيته هي حقيقته وهي وجوده واذا كان المخلوق المعين وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج ليس فيه من الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابته في نفس الأمر ولو قدر أن الوجود المشترك بين الواجب والممكن موجود فيهما في الخارج وأن الجوانية المشتركة هي بعينها في الناطق والأعجم كأن يميز أحدهما عن الآخر بوجود خاص كما يتميز الانسان بحيوانية تخصه وكما ان السواد والبياض اذا اشتركا في مسمى اللون تميز أحدهما بلونه الخاص عن الآخر وهؤلاء

لضالون يجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا فيجعلون هذه الصفة هي هذه الصفة ويجعلون الصفة هي الموصوف فيجعلون الاثنين واحدا كما قالوا إن العلم هو القدرة وهو الإرادة والعلم هو العالم ويجعلون الواحد اثنين كما يجعلون الشيء المعين الذي هو هذا الانسان هو عدة جواهر انسان وحيوان وناطق وحساس ومتحرك بالارادة ويجعلون كلا من هذه الجواهر غير الآخر ومعلوم انه جوهر واحد له صفات متعددة وكما يفرقون بين المادة والصورة ويجعلونهما جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما وانما المعقول هو قيام الصفات بالموصوفات والأعراض بالجواهر كالصورة الصناعية مثل صورة الخاتم والدرهم والسرير والثوب فانه عرض قائم بجوهر هو الفضة والخشب والغزل وكذلك الاتصال والانفصال قائمان بمحل هو الجسم وهكذا يجعلون الصورة الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات للمادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق لا النفس الناطقة اذا فارقت البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الاعيان المشخصة فيرجع الامر الى النفس وما يقوم بها ويجعلون الموجود في الخارج في الذهن كما يجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق فهذه الأمور من أصول ضلالهم حيث جعلوا ما في الخارج في الذهن ولزم من ذلك أن يجعلوا الثابت منتفيا والمنتفي ثابتا فهذه الأمور من أجناس ضلالهم وهذا كله مبسوط في غيرهذا الموضع انتهى كلامه قال الناظم رحمه الله تعالى ... حتى اتى من ارض امدا خرا ... ثور كبير بل حقير الشان

قال الصواب الوقف في ذا كله ... والشك فيه ظاهر التبيان ... هذا قصارى بحثه وعلومه ... إن شك في الله العظيم الشان ... الآمدي هو أبو الحسن علي بن علي بن محمد بن سالم الثعلبي سيف الدين ولد بآمد سنة 551 قرأ على مشايخ بلده القراآت وحفظ كتابا على مذهب احمد بن حنبل وبقي على ذلك مدة فكان في أول اشتغاله حنبلي المذهب انتقل الى مذهب الشافعي ثم رحل الى العراق وأقام في الطلب مدة ببغداد وحصل علم الجدل والخلاف والمناظرة ثم انتقل الى الشام واشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم وصنف في أصول الدين والمنطق والحكمة والخلاف وكل تصانيفه مفيدة وكان قد أخذ علوم الاوائل من نصارى الكرخ ويهودها فاتهم لذلك في عقيدته ففر الى مصر خوفا من الفقهاء سنة 593 وناظر بها وحاضر واظهر تصانيف في علوم الأوائل تعصبوا عليه فخرج من القاهرة مستخفيا ثم استوطن حماة أو دمشق وتولى بها التدريس ومات فيها سنة 631 ومن مصنفاته الماهر في علوم الأوائل والأواخر خمس مجلدات وكتب أبكار الأفكار في أصول الدين أربع مجلدات وكتاب دقائق الحقائق في الفلسفة وقد دفن في سفح قاسيون وكانت ولادته سنة 551 والآمدي نسبة الى آمد وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم قوله آخرا هو بكسر الخاء أي آخر الأمر أي أن الآمدي قوتف في هذه المسألة ولم اطلع انا على كلامه في هذه المسألة والله أعلم

قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في أحكام هذه التراكيب الستة ... فالأولان حقيقة التركيب لا ... تعدوهما في اللفظ والأذهان ... وكذلك الأعيان أيضا إنما التركيب فيها ذانك النوعان ... أي الأولان اللذان هما تركيب الامتزاج والاختلاط وتركيب الجواد أي التركيب حقيقة في هذين النوعين ... قال الناظم رحمه الله تعالى ... والأوسطان هما اللذان تنازع العقلاء في تركيب ذي الجثمان ... ... ولهم أقاويل ثلاث قد حكيناها وبينا أتم بيان ... ولهم أقاويل ثلاث قد حكيناها وبيناها أتم بيان أي التركيب من الجواهر المنفردة ومن المادة والصورة ... والآخران هما اللذان عليهما ... دارت رحى الحرب التي تريان ... أنتم جعلتم وصفه سبحانه ... بعلوه من فوق ذي الأكوان ... وصفاته العليا التي ثبتت له ... بالنقل والمعقول ذي البرهان ... من جملة التركيب ثم نفيتم ... مضمونها من غير ما برهان

فجعلتم المرقاة للتعطيل هذا الاصطلاح وذا من العدوان ... لكن إذا قيل اصطلاح حادث ... لا حجر في هذا على إنسان ... فنقول نفيكم بهذا الاصطلاح صفاته هو أبطل البطلان ... وكذاك نفيكم به لعلوه ... فوق السماء وفوق كل مكان ... وكذاك نفيكم به لكلامه ... بالوحي كالتوراة والقرآن ... وكذك نفيكم لرؤيتنا له ... يوم المعاد كما يرى القمران ... ... وكذاك نفيكم لسائر ما أتى ... في النقل من وصف بغير معان ... كالوجه واليد والاصابع والذي ... أبدا يسوؤكم بلا كتمان ... وبودكم لو لم يقله ربنا ... ورسوله المبعوث بالبرهان ... وبودكم والله لما قاله ... أن ليس يدخل مسمع الانسان ... قام الدليل على استناد الكون أجمعه الى خلاقه الرحمن ... ما قام قط على انتفاء صفاته ... وعلوه من فوق ذي الأكوان ... هو واحد في وصفه وعلوه ... ماللورى رب سواه ثان ... فلأي معنى يجحدون علوه ... وصفاته بالفشر والهذيان ... هذا وما المحذور الا إن يقا ... ل مع الإله لنا إله ثان ... أو أن يعطل عن صفات كماله ... هذان محذوران محظوران ... أما إذا ما قيل رب واحد ... أوصافه أربت على الحسبان

وهو القديم فلم يزل بصفاته ... متوحدا بل دائم الإحسان ... أي لا محذور في إثبات صفات الكمال لله سبحانه وإنه واحد لم يزل بصفاته إلها واحدا وانما المحذور أن يجعل مع الله إله آخر وتعطل صفات كماله فهذان كما قال الناظم محذوران محظوران قال الناظم رحمه الله تعالى ... فبأي برهان نفيتم ذا وقلتم ليس هذا قط في الامكان ... ... فلئن زعمتم انه نقص فذا ... بهت فما في ذاك من نقصان ... النقص في أمرين سلب كماله ... أو شركه بالواحد الرحمن ... أتكون أوصاف الكمال نقيصة ... في أي عقل ذاك أم قرآن ... إن الكمال بكثرة الأوصاف لا ... في سلبها ذا واضح البرهان ... ما النقص غير السلب حسب وكل نقص أصله سلب هذا واضح التبيان ... فالجهل سلب العلم وهو نقيصة ... والظلم سلب العدل والاحسان ... متنقص الرحمن سالب وصفه ... حقا تعالى الله عن نقصان ... وكذا الثناء عليه ذكر صفاته ... والحمد والتمجيد كل اوان ... ولذاك أعلم خلقه أدراهم ... بصفاته من جاء بالقرآن ... وله صفات ليس يحصيها سوا ... ه من ملائكة ولا انسان ... ولذاك يثني في القيامة ساجدا ... لما يراه المصطفى بعيان

بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيا ليحصيه مدى الازمان ... وثناؤه بصفاته لا بالسلو ... ب كما يقول العادم العرفان ... حاصل هذه الأبيات أنكم أيها المعطلة لماذا نقيتم الصفات فان زعمتم انها نقص فهذا كذب وبهت وانما النقص في امرين إما سلب الكمال أون إثبات شريك لله تعالى وأما أوصاف الكمال فحاشا أن تكون نقصا والكمال بكثرة الأوصاف لا في سلبها اذ السلب المحض لا كمال فيه الا إذا تضمن تنزيها عن نقص كما في سلب النوم والسنة واللغوب والطعم عنه تعالى وتقدس قال الناظم رحمه الله تعالى ... والعقل دل على انتهاء الكون أجمعه الى رب عظيم الشان ... وثبوت أوصاف الكمال لذاته ... لا يقتضي إبطال ذا البرهان ... والكون يشهد أن خالقه تعا ... لى ذو الكمال ودائم السلطان ... وكذاك يشهد أنه سبحانه فوق الوجود وفوق كل مكان ... وكذاك يشهد أنه سبحانه المعبود لا شيء من الاكوان ... وكذاك يشهد أنه سبحانه ... ذو حكمة في غاية الاتقان ... وكذاك يشهد أنه ذو قدرة ... حي عليم دائم الاحسان ... وكذاك يشهد أنه الفعال حقا كل يوم ربنا في شان ... وكذاك يشهد أنه المختار في ... أفعاله حقا بلا نكران

وكذاك يشهد أنه الحي الذي ... ما للممات عليه من سلطان ... وكذاك يشهد انه القيوم قا ... م بنفسه ومقيم ذي الأكوان ... وكذاك يشهد أنه و رحمة ... وإرادة ومحبة وحنان ... وكذاك يشهد أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآن ... وكذاك يشهد أنه سبحانه الخلاق باعث هذه الأبدان ... لا تجعلوه شاهدا بالزور والتعطيل تلك شهادة البطلان ... واذا تأملت الوجود رأيته ... إن لم تكن من زمرة العميان ... بشهادة الاثبات حقا قائم ... لله لا بشهادة النكران ... وكذاك رسل الله شاهدة به ... أيضا فسل عنهم عليم زمان ... وكذاك كتب الله شاهدة به ... أيضا فهذا محكم القرآن ... وكذلك الفطر التي ما غيرت ... عن أصل خلقتها بأمر ثان ... وكذا العقول المستنيرات التي ... فيها مصابيح الهدى الرباني ... أترون أنا تاركو ذا كله ... لشهادة الجهمي واليونان ... هذي الشهود فان طلبتم شاهدا ... من غيرها سيقوم بعد زمان ... إذ ينجلي هذا الغبار فيظهر الحق المبين مشاهدا بعيان ... هذه الابيات واضحة بحمد الله

قال الناظم رحمه الله تعالى ... فاذا نفيتم ذا وقلتم إنه ... ملزوم تركيب فمن يلحاني ... إن قلت لا عقل ولا سمع لكم ... وصرخت فيما بينكم بأذان ... هل يجعل الملزوم عين اللازم المنفي هذا بين البطلان ... فالشيء ليس لنفسه ينفي لدى ... عقل سليم يا ذوو العرفان ... قلتم نفينا وصفه وعلوه ... من خشية التركيب والامكان ... لو كان موصوفا لكان مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان ... أو كان فوق العرش كان مركبا ... فالفوق والتركيب متفقان ... ... فنفيتم التركيب بالتركيب مع ... تغيير إحدى اللفظتين بثان ... بل صورة البرهان أصبح شكلها ... شكلا عقيما ليس ذا برهان ... فاذا جعلتم لفظة التركيب بالمعنى الصحيح امارة البطلان ... جئنا الى المعنى فخلصناه منها واطرحناها اطراح مهان ... هي لفظة مقبوحة بدعية ... مذمومة منا بكل لسان ... واللفظ بالتوحيد نجعله مكا ... ن اللفظ بالتركيب في التبيان ... واللفظ بالتوحيد اولى بالصفا ... ت وبالعلو لمن له أذنان

هذا هو التوحيد عند الرسل لا ... أصحاب جهم شيعة الكفران ... أي ان الفلاسفة والجهمية يقولون إن اثبات الصفات يلزم منه التركيب قال الناظم فاذا نفيتم الصفات وقلتم إنه ملزوم التركيب فكيف تجعلون الملزوم الذي هو أثبات الصفات عين اللازم الذي هو إثبات الصفات فصار المعنى إثبات الصفات يستلزم إثبات الصفات فيجب نفسه فهم على هذا نفوا التركيب بالتركيب فاذا نفوا التركيب بكونه تركيبا ففيه إبطال الشيء بنفسه وهو محال فان الشيء لا ينفيه عينه قال الناظم بل صورة البرهان أصبح شكلها ... شكلا عقيما ليس ذا برهان ... وحاصل ما ابطلوا به إثبات الصفات بأن المعنى لو كان موصوفا لكان موصوفا فتأمل قوله فاذا جعلتم لفظة التركيب الخ أي إذا جعلتم لفظة التركيب إمارة البطلان خلصنا المعنى الصحيح منها واطرحنا تلك اللفظة وهي لفظة التركيب لأنها لفظة مقبوحة بدعية مذمومة وأبدلنا وكأنها التوحيد لأنه أولى بالصفات وبالعلو وهذا هو التوحيد عند الرسل وأتباعهم لا أصحاب جهنم شيعة الكفران والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في أقسام التوحيد والفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد النفاة المعطلين ... فاسمع إذا أنواعه هي خمسة قد حصلت أقسامها ببيان

توحيد أتباع ابن سينا وهو منسوب لآرسطو من اليونان ... ما للاله لديهم ماهية ... غير الوجود المطلق الواجدان ... مسلوب أوصاف الكمال جميعها ... لكن وجود حسب ليس بفان ... ما أن له ذات سوى نفس الوجو ... د المطلق المسلوب كل معان ... فلذاك لاسمع ولابصر ولا ... علم ولاقول من الرحمن ... ولذاك قالوا ليس ثم مشيئته ... وإرادة لوجود ذي الأكوان ... ... بل تلك لازمة له بالذات لم ... تنفك عنه قط في الأزمان ... ما اختار شيئا قط يفعله ولا هذا له أبدا بذي إمكان ... وبنوا على هذا استحالة خرق ذا الأفلاك يوم قيامة الأبدان ... ولذاك قالوا ليس يعلم قط شيئا ما من الموجود في الأعيان ... لا يعلم الأفلاك كم أعدادها ... وكذا النجوم وذانك القمران ... بل ليس يسمع صوت كل مصوت ... كلا وليس يراه رأي عيان ... بل ليس يعلم حالة الانسان تفصيلا من الطاعات والعصيان ... كلا ولا علم له بتساقط الأوراق أو بمنابت الأغصان ... علما على التفصيل هذا عندهم ... عين المحال ولازم الامكان ... بل نفس آدم عندهم عين المحا ... ل ولم يكن في سالف الأزمان

ما زال نوع الناس موجودا ولا ... ينفى كذاك الدهر والملوان ... هذا هو التوحيد عند فريقهم ... مثل ابن سينا والنصير الثاني ... قالوا وألجأنا الى ذا خشية التركيب والتجسيم ذي البطلان ... ولذاك قلنا ماله سمع ولا ... بصر ولا علم فكيف يدان ... وكذاك قلنا ليس فوق العرش إلا المستحيل وليس ذا إمكان ... جسم على جسم كلا الجسمين محدود يكون كلاهما صنوان ... فبذاك حقا صرحوا في كتبهم ... وهم الفحول أئمة الكفران ... ليسوا مخانيث الوجود فلا إلى الكفران ينحازوا ولا الإيمان ... والشرك عندهم ثبوت الذات والأوصاف إذ يبقى هناك اثنان ... غير الوجود فصار ثم ثلاثة ... فلذا نفينا اثنين بالبرهان ... نفي الوجود فلا يضاف اليه شيء ... غيره فيصير ذا إمكان ... قال الناظم في الصواعق في بيان توحيد الفلاسفة هو إنكار ماهية الرب الزائد على وجوده وإنكار صفات كماله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا ارادة ولا كلام ولا وجه ولا يدين وليس فيه معنيان يتميز احدهما عن الآخر البتة قالوا لانه لو كان كذلك لكان مركبا وكان جسما مؤلفا ولم يكن واحدا من كل وجه فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يحس ولا يرى

ولا يتميز منه جانب عن جانب بل الجوهر الفرد يمكن وجوده وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده وقالوا لو كان له صفة او كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدا وكان مركبا مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت وهو صفات الرب بأقبح الأسماء وهو التركيب والتأليف فتولد من بين هذه التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته بل وجحد ماهيته وذاته وتكذيب رسله ونشأ من نشأ على اصطلاحهم مع إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه فجعلوه أصلا لدينه فلما رأى ما جاءت به الرسل بعارضه قال إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل انتهى كلامه قوله بل نفس آدم عندهم عين المحال أي أن نوع الانسان لم يزل ولا يزال فلا بداية له ولا نهاية فلم يوجد آدم فضلا عن أن يكون النوع الانساني نسلا له قوله والشرك عندهم ثبوت الذات والأوصاف الخ أي أنهم يقولون إذا أثبتنا ذاتا وصفات ووجودا لزم التركيب فلهذا نفينا اثنين بالبرهان فيبقى الوجود فقط فوجود الرب عندهم وجود مطلق كما تقدم ذلك في كلام الناظم والله أعلم

فصل في النوع الثاني من أنواع التوحيد لأهل الالحاد ... هذا وثانيها فتوحيد ابن سبعين وشيعته أولي البهتان ... كل اتحادي خبيث عنده ... معبوده موطوؤه الحقان ... توحيدهم إن الإله هو الوجو ... د المطلق المثبوت في الأعيان ... هو عينها لا غير ها ما هاهنا ... رب وعبد كيف يفترقان ... لكن وهم العبد ثم خياله في ذي المظاهر ظاهر دائما يلجان ... فلذاك حكمهما عليه نافذ ... فابن الطبيعة ظاهر النقصان ... فاذا تجرد علمه عن حسه ... وخياله بل ثم تجريدان ... تجريده عن عقله أيضا فان العقل لا يدنيه من ذا الشان ... بل يخرق الحجب الكثيفة كلها ... وهما وحسا ثم عقل وان ... فالوهم منه وحسه وخياله ... والعلم والمعقول في الاذهان ... حجب على ذا الشان فاخرقها والا ... كنت محجوبا عن العرفان ... هداوأكثفها حجاب الحس والمعقول ذانك صاحب الفرقان ... فهناك صرت موحدا حقا ترى ... هذا الوجود حقيقة الديان

والشرك عندهم فتنويع الوجو ... د وقولنا إن الوجود اثنان ... واحتج يوما بالكتاب عليهم ... شخص فقالوا الشرك في القرآن ... لكنما التوحيد عند القائلين بالاتحاد فهم اولو العرفان ... رب وعبد كيف ذاك وانما ال ... موجود فرد ماله من ثان ... هذا هو النوع الثاني من انواع التوحيد للملحدين وهو توحيد الوجودية القائلين بوحدة الوجود لعنهم الله تعالى وقد بينا مذاهبهم عند ذكر ركبهم في اول هذا النظم ونشير الى ذلك هنا بعض الاشارة فالتوحيد عندهم كما قال الناظم إن الاله هو الوجود المطلق الثبوت في الأعيان وإنه عينها لا غيرها وإنه ليس ثم عبد ورب بل الرب هو العبد والعبد هو الرب كما قال صاحب الفتوحات المكية في أولها ... الرب حق والعبد حق ... ياليت شعري من المكلف ... إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف ... قالوا ولكن الوهم والخيال يلجآن دائما في المظاهر فاذا تجرد الانسان عن العلم والعقل والحس والوهم والخيال حصل له هذا العرفان وأكثفها حجاب الحس والمعقول فاذا خرق هذه الحجب صار موحدا حقا يرى هذا الوجود حقيقة الديان تعالى الله عن إفك الزائغين والملحدين علوا كبيرا قوله واحتج يوما بالكتاب عليهم الخ الذي قال هذا الكلام هو

العفيف التلمساني لعنه الله تعالى فقد ذكر شيخ الاسلام والذهبي وغيرهما عنه أنه لما قرأ الفصوص قيل له القرآن يخالف فصوصكم فقال القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا فقيل له فما بال نكاح البنت والأخت والأم حرام فقال هو عندنا حلال ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه والشرك عند هؤلاء هو تنويع الوجود وأن قال الوجود اثنان فصل في النوع الثالث من أنواع التوحيد لأهل الالحاد ... هذا وثالثها هو التوحيد عند الجهم تعطيل بلا إيمان ... نفي الصفات مع العلو كذاك نفي كلامه بالوحي والقرآن ... فالعرش ليس عليه شيء بتة ... لكنه خلو من الرحمن ... ما فوقه رب يطاع ولا عليه للورى من خالق رحمن ... بل حظ عرش الرب عند فريقهم ... منه كحظ الأسفل التحتاني ... فهو المعطل عن نعوت كماله ... وعن الكلام وعن جميع معان ... وانظر الى ما قد حكينا عنه في ... مبدأ القصيد حكاية التبيان

هذا هو التوحيد عند فريقهم ... تلو الفحول مقدمي البهتان ... والشرك عندهم فاثبات الصفا ... ت لربنا ونهاية الكفران ... إن كان شركا ذا وكل الرسل قد ... جاؤوا به يا خيبة الانسان ... هذا وثالثها هو التوحيد عند الجهم تعطيل بلا إيمان وقد تقدم شرح مذهبهم وأتباعه في الصفات والعلو والقرآن مما أغنى عن إعادته في اول هذا النظم فصل في النوع الرابع من أنواعه ... هذا ورابعها فتوحيد لدى ... جبريهم هو غاية العرفان ... العبد ميت ماله فعل ولكن ما ترى هو فعل ذي السلطان ... والله فاعل فعلنا من طاعة ... ومن الفسوق وسائر العصيان ... هي فعل رب العالمين حقيقة ... ليست بفعل قط للإنسان ... ... فالعبد ميت وهو مجبور على ... أفعاله كالميت في الأكفان ... وهو الملوم على فعال إلهه ... فيه وداخل جاحم النيران ... يا ويحة المسكين مظلوم يرى ... في صورة العبد الظلوم الجاني ... لكن نقول بأنه هو ظالم ... في نفسه أدبا مع الرحمن

هذا هو التوحيد عند فريقهم ... من كل جبري خبيث جنان ... والكل عند غلاتهم طاعاتنا ... ما ثم في التحقيق من عصيان ... والشرك عندهم اعتقادك فاعلا ... غير الإله المالك الديان ... فانظر الى التوحيد عند القوم ما ... فيه من الإشراك والكفران ... ما عندهم والله شيء غيره ... هاتيك كتبهم بكل مكان ... أترى أبا جهل وشيعته رؤوه ... من خالق ثان لذي الأكوان ... أم كلهم جمعا أقروا أنه ... هو وحده الخلاق للانسان ... فاذا ادعيتم أن هذا غاية التوحيد صار الشرك ذا بطلان ... فالناس كلهم أقروا أنه ... هو وحده الخلاق ليس اثنان ... إلا المجوس فانهم قالوا بأن الشرك خالقه إله ثان ... وقد تقدم الكلام في ذلك أول هذا الشرح بما أغنى عن الاعادة فصل في توحيد الانبياء والمرسلين ومخالفته لتوحيد الملاحدة والمعطلين ... فاسمع إذا توحيد رسل الله ثم اجعله داخل كفة الميزان ... مع هذه الأنواع وانظر أيها ... اولى لدى الميزان بالرجحان

توحيدهم نوعان قولي وفعلي كلا نوعيه ذو برهان ... فالأول القولي ذو نوعين أيضا في كتاب الله موجودان ... إحداهما سلب وذا نوعان أيضا في كتاب الله مذكوران ... سلب النقائص والعيوب جميعها ... عنه هما نوعان معقولان ... سلب لمتصل ومنفصل هما ... نوعان معروفان أما الثاني ... شرع الناظم رحمه الله في بيان توحيد الأنبياء والمرسلين وذكر أنه نوعان قولي وفعلي ثم ذكر أن القولي نوعان أيضا في القرآن أحدهما سلب وهو نوعان أيضا سلب النقائص والعيوب وهو نوعان أيضا أحدهما سلب النقائص والعيوب المتصلة والثاني سلب النقائص والعيوب المنفصلة وأشار بقوله أما الثاني الى سلب النقائص والعيوب المنفصلة فقال ... سلب الشريك مع الظهير مع الشفيع بدون إذن المالك الديان ... وهذا كما في قوله تعالى قل ادعوا الذي زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في والأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له سبأ قال الناظم رحمه الله تعالى ... وكذاك سلب الزوج والولد الذي ... نسبوا اليه عابدو الصلبان ... وكذاك نفي الكف أيضا والولي ... لنا سوى الرحمن ذي الغفران ... أي ومن العيوب المنفصلة سلب الزوج عنه تعالى والولد اما نفي الزوج والولد ففي قوله تعالى بديع السماوات والأرض انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة الأنعام ونفي الولد كما في قوله تعالى

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله الآية التوبة وقال تعالى ولم يكن له كفوا أحد الاخلاص واما نفي الولي ففي قوله تعالى أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي الشورى ثم أشار الناظم الى سلب النقائص والعيوب المتصلة بقوله ... والأول التنزيه للرحمن عن ... وصف العيوب وكل ذي نقصان ... كالموت والإعياء والتعب الذي ... ينفي اقتدار الخالق المنان ... والنوم والسنة التي هي أصله ... وعزوب شيء عنه في الأكوان ... وكذلك العبث الذي تنفيه حكمته وحمد الله ذي الاتقان ... وكذاك ترك الخلق إهمالا سدى ... لا يبعثون الى معاد ثان ... كلا ولا أمر ولا نهي عليهم من إله قادر ديان ... وكذاك ظلم عباده وهو الغني ... فما له والظلم للانسان ... وكذاك غفلته تعالى وهو علام الغيوب فظاهر البطلان ... وكذلك النسيان جل إلهنا ... لا يعتريه قط من نسيان ... وكذاك حاجته الى طعم ورز ... ق وهو رزاق بلا حسبان ... وذلك ظاهر في كتاب الله تعالى أما سلب الموت ففي قوله تعالى وتوكل على الحي الذي لا يموت الفرقان الآية وأما الإعياء والتعب ففي قوله ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاطر وهو التعب والاعياء وأما النوم والسنة ففي قوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم البقرة والعبث كما في قوله

تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون المؤمنون واما ترك الخلق هملا ففي قوله تعالى أيحسب الانسان أن يترك سدى القيامة وأما نفي الظلم ففي قوله تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا يونس الآية وفي قوله تعالى ان الله لا يظلم مثقال ذرة النساء وأما نفي النسيان والغفلة ففي قوله تعالى وما كان ربك نسيا مريم وأما نفي الطعم ففي قوله تعالى قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا يطعم الأنعام وفي قوله تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون إن الله هو الرازق ذو القوة المتين الذاريات ثم أشار الناظم إلى النوع الثاني من نوعي السلب فقال ... هذا وثاني نوعي السلب الذي ... هو أول الأنواع في الاوزان ... أي في قوله في اول الفصل إحداهما سلب وذا نوعان فذكر الأول وهو سلب النقائص والعيوب ثم ذكر الثاني بقوله هذا وثاني نوعي السلب الخ ... تنزيه اوصاف الكمال له عن التشبيه والتمثيل والنكران ... لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... ان المشبه عابد الأوثان ... كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطل عابد البهتان ... من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني ... أو عطل الرحمن من أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا إيمان ... هذا هو الثاني من نوعي السلب وهو تنزيه صفات الرب تعالى التي

وصف بها نفسه او وصفه بها رسوله عن التشبيه والتمثيل وعن التحريف والتعطيل بل ثبتت إثباتا بلا تشبيه وينزه تنزيها بلا تعطيل كما قال نعيم ابن حماد الخزاعي من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه رسوله به تشبيها قوله فهو النسيب الخ قال في القاموس النسب والنسبة بالكسر القرابة والمناسبة المشاكلة انتهى والمراد هنا المشاكلة قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في النوع الثاني من النوع الأول وهو الثبوت أي من نوعي التوحيد القولي الذي ذكره أول الفصل ... هذا ومن توحيدهم إثبات أو ... صاف الكمال لربنا الرحمن ... كعلوه سبحانه فوق السماوات العلى بل فوق كل مكان ... فهو العلي بذاته سبحانه ... إذ يستحيل خلاف ذا ببيان ... وهو الذي حقا على العرش استوى ... قد قام بالتدبير للأكوان ... حي مريد قادر متكلم ... ذو رحمة وإرادة وحنان ... هو اول هو آخر هو ظاهر ... هو باطن هي أربع بوزان

ما قبله شيء كذا ما بعده ... شيء تعالى ذو السلطان ... ما فوقه شيء كذا ما دونه ... شيء وذا تفسير ذي البرهان ... فانظر الى تفسيره بتدبر ... وتبصر وتعقل لمعان ... وانظر إلى ما فيه من أنواع معرفة لخالقنا العظيم الشان ... وهو العلي فكل أنواع العلو له فثابتة له بلا نكران ... تقدم الكلام على معاني هذه الأبيات قال الناظم رحمه الله تعالى ... وهو العظيم بكل معنى يوجب التعظيم لا يحصيه من إنسان ... وهو الجليل فكل أوصاف الجلا ... ل له محققة بلا بطلان ... وهو الجميل على الحقيقة كيف لا ... وجمال سائر هذه الأكوان ... من بعض آثار الجميل فربها ... أولى وأجدر عند ذي العرفان ... ... فجماله بالذات والأوصاف والأفعال والأسماء بالبرهان ... ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الفصول كثيرا من اسماء الرب سبحانه وقد أفرد العلماء للكلام على معانيها مصنفات معروفة ككتاب الكلام على أسماء الله الحسنى للناظم والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للشيخ أبي عبد الله القرطبي والإمام ابي حامد الغزالي وشرح الأسماء الحسني للحليمي وشرح اسماء الله الحسنى لأبي حكيم ابن برجان وشرح اسماء الله الحسنى للحافظ ابي بكر البيهقي وغيرهم

لا شيء يشبه ذاته وصفاته ... سبحانه عن إفك ذي البهتان ... وهو المجيد صفاته أوصاف تعظيم فشأن الوصف أعظم شان ... وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان ... ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان ... والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى بعيدها والداني ... وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصخر والصوان ... ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى كذاك تقلب الأجفان ... وهو العليم أحاط علما بالذي في الكون من سر ومن اعلان ... وبكل شيء علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان ... وكذاك يعلم ما يكون غدا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن ... وكذاك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذاك الامر ذا إمكان ... فصل ... وهو الحميد فكل حمد واقع ... أو كان مفروضا مدى الأزمان ... ملأ الوجود جمعيه ونظيره ... من غير ما عدا ولا حسبان ... هو أهله سبحانه وبحمده ... كل المحامد وصف ذي الاحسان

قال الناظم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد تنبيهات الاول ما يجري صفة او خبرا على الرب تبارك وتعالى أقسام احدها ما يرجع الى نفس الذات كقولك ذات ووجود وشيء الثاني ما يرجع الى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع والبصير الثالث ما يرجع إلى افعاله نحو الخالق والرازق الرابع ما يرجع الى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتا اذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس السلام الخامس ما دل على جملة اوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معان نحو المجيد العظيم الصمد فان المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فانه موضوع للسعة والكثرة والزيادة ومنه قولهم في كل شجرة نار واستمجد المرخ والعفار وامجد الناقة علفا ومنه رب العرش المجيد لسعة العرش وعظمته والعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال وكذلك الصمد السادس صفة تحصل من اقتراب احد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني العفو القدير الحميد المجيد ونحو ذلك فان الغني من صفات الكمال والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما وكذلك نظائرها وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى الا ان تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لسلامته من كل نقص وبراءته من كل ما يضاد كماله وكذلك الاخبار عنه بالسلوب إنما هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم البقرة فانه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله وما مسنا من لغوب فاطر متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في

الأرض ولا في السماء يونس متضمن لكمال علمه ونظائر ذلك الثاني يجب ان يعلم ما يدخل في باب الاخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فان هذا يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى الثالث اسماؤه الحسنى اعلام واوصاف فالوصف فيها لا ينافي العلمية وهذا بخلاف أوصاف العباد ثم إن الاسم من أسمائه له دلالات دلالة على الذات والصفة بالمطابقة ودلالة على احداهما بالتضمن ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم ولأسمائه الحسنى اعتباران احدهما من حيث الذات والثاني من حيث الصفات فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة انتهى كلامه وهو كلام نفيس جدا آثرت نقله لنفاسته قال الناظم رحمه الله تعالى فصل ... وهو المكلم عبده موسى بتكليم الخطاب وقبله الأبوان ... كلماته جلت عن الاحصاء والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان ... لو أن أشجار البلاد جميعها ال اقلام تكتبها بكل بنان ... والبحر تلقى فيه سبعة أبحر ... لكتابة الكلمات كل زمان ... نفدت ولم تنفد بها كلماته ... ليس الكلام من الاله بفان

وهو القدير وليس يعجزه اذا ... ما رام شيئا قط ذو سلطان ... وهو القوي له القوى جمعا تعالى رب ذي الأكوان والأزمان ... وهو الغني بذاته فغناه ذا ... تي له كالجود والاحسان ... وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان ... وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان ... وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان ... وهي التي كملت له سبحانه ... من كل وجه عادم النقصان ... قد شرح الناظم رحمه الله جميع هذه الأبيات في نفس النظم بما هو واضح قال الناظم رحمه الله تعالى ... وهو الحكيم وذاك من اوصافه نوعان أيضا ما هما عدمان ... حكم واحكام فكل منهما ... نوعان أيضا ثابتا البرهان ... والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وما هما سيان ... بل ذاك يوجد دون هذا مفردا ... والعكس أيضا ثم يجتمعان ... لن يخلو المربوب من إحداهما ... أو منهما بل ليس ينتفيان ... لكنما الشرعي محبوب له ... أبدا ولن يخلو من الأكوان ... هو أمره الديني جاءت رسله ... بقيامه في سائر الأزمان ... لكنما الكوني فهو قضاؤه ... في خلقه بالعدل والإحسان

هو كله حق وعدل ذو رضى ... والشأن في المقضي كل الشان ... فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط المقضي حين يكون بالعصيان ... فالله يرضى بالقضاء ويسخط المقضي ما الأمران متحدان ... فقضاؤه صفة به قامت وما المقضي الا صنعه الإنسان ... والكون محبوب ومبغوض له ... وكلاهما بمشيئة الرحمن ... هذا البيان يزيل لبسا طالما ... هلكت عليه الناس كل زمان ... ويحل ما قد عقدوا بأصولهم ... وبحوثهم فافهمه فهم بيان ... من وافق الكوني وافق سخطه ... أفلم يوافق طاعة الديان ... فلذاك لا يعدوه ذم أو فوا ... ت الحمد مع أجر ومع رضوان ... وموافق الديني لا يعدوه أجر بل له عند الصواب اثنان ... حاصل ما ذكره الناظم في هذه الأبيات أن الحكيم من أوصافه سبحانه وان ذاك نوعان احدهما حكم والثاني احكام ثم ذكر ان الحكم شرعي وكوني وأنهما لا يتلازمان وهذا لا يتمشى على أصول من يجعل محبة الرب ورضاه ومشيئته واحدة فان من قال كل ما شاءه الله تعالى وقضاة فقد أحبه ورضيه لا يحسن منه ولا عنده هذا التفصيل كما لا يخفى وأيضا هذا إنما يصح عند من جعل القضاء غير المقضي والفعل غير المفعول وهو مذهب السلف وأما من لم يفرق بينهما فكيف يصح هذا عنده قال الناظم في شرح منازل السائرين إنما نشأ الاشكال من جعلهم

المشيئة نفس المحبة ثم زادوه بجعلهم الفعل نفس المفعول والقضاء عين المقضي فنشأ من ذلك إلزامهم بكونه تعالى راضيا محبا لذلك والتزم رضاهم به والذي يكشف هذه الغمة وينجي من هذه الورطة التفريق بين ما فرق الله بينه وهو المشيئة والمحبة فليسا واحدا ولا هما متلازمان بل قد يشاء ما لا يحبه ويحب ما لا يشاء كونه فالأول كمشيئته وجود إبليس وجنوده ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه والثاني كمحبة إيمان الكفار وطاعات الفجار وعدل الظالمين وتوبة الفاسقين ولو شاء ذلك لوجد كله فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا تقرر هذا الأصل ان الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي وان الله جل شأنه لم يأمر عباده بالرضى بكل ما خلقه وشاءه وقد زالت الشبهات وانحلت الاشكالات إذا عرف هذا فالرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الاسلام وقاعدة الايمان فيجب على العبد ان يكون راضيا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء فأقسم الله تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله ويرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه ويسلموا لحكمه وهذا حقيقة الرضى بحكمه فالتحكيم في مقام الاسلام وانتفاء الحرج في مقام الايمان والتسليم في مقام الاحسان ومتى خالطت القلب بشاشة الايمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين وحيي بروح الوحي وتمهدت طبيعته وانقلبت النفس الامارة مطمئنة راضية وادعة وتلقى الاسلام بصدر منشرح فقد رضي كل الرضى بهذا القضاء المحبوب لله ورسوله انتهى

وقد أحببت ان اذكر هنا الأبيات التي أظهرها بعض الزنادقة على لسان بعض أهل الذمة وبعض جواب شيخ الاسلام عنها وقد ذكرها الحافظ محمد ابن عبد الهادي في مناقب الشيخ وذكرها ابن السبكي في طبقاته قال ابن السبكي في ترجمة الشيخ علاء الدين الباجي ولما ظهر السؤال الذي أظهره بعض المعتزلة وكتم اسمه وجعله على لسان بعض أهل الذمة وهو ... أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة ... إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي ... دعاني وسد الباب عني فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قضيتي ... قضا بضلالي ثم قال ارض بالقضا ... فما أنا راض بالذي فيه شقوتي ... فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ... فربي لا يرضى بشؤم شكيتي ... وهل لي رضى ما ليس يرضاه سيدي ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي ... إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ... فهل أنا عاص في اتباع المشيئة ... وهل لي اختيار أن أخالف حكمه ... فبالله فاشفوا بالبراهين علتي ... قال أجاب الشيخ علاء الدين الباجي الشافعي فقال ... أيا عالما أبدى دلائل حيرة ... يروم اهتداء من أهيل فضيلة ... لقد سرني أن كنت للحق طالبا ... عسى نفحة للحق من سحب رحمة ... فبالحق نيل الحق فالجأ ببابه ... كأهل النهى واترك حبائل حيلة ... قضى الله قدما بالضلالة والهدى بقدرة فعال بأحكم حكمة

إذا العقل بل تحسينه بعض خلقه ... وليس على الخلاق حكم الخليقة ... وأفعالنا من خلقه كذواتنا ... وما فيهما خلق لنا بالحقيقة ... ولكنه أجرى على الخلق خلقه ... دليل على تلك الأمور القديمة ... عرفنا به أهل السعادة والشقا ... كما شاءه فينا بمحض المشيئة ... لباس أثواب جعلن أمارة ... على حالتي حب وسخط لرؤية ... تصاريفه فينا تصاريف مالك ... سما عن سؤال الكيف والسببية ... أمات وأحيى ثم صار معافيا ... وقبح تحسين العقول الضعيفة ... فكن راضيا نفس القضاء ولا تكن ... بمقضي كفر راضيا ذا خطيئة ... وتكليفنا بالأمر والنهي قاطع ... بأعذارنا في يوم بعث البربة ... فعبر بسد أو بفتح وعد عن ... ضلالة تشكيك بأوضح حجة ... وقد بان وجه الامر والنهي واضحا ... ولا شك فيه بل ولا وهم شبهة ... قلت هذا الجواب مبني على انكار التحسين والتقبيح العقليين كما هو مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من اصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم وأجاب شيخ الاسلام رحمه الله تعالى فقال ... سؤالك يا هذا سؤال معاند ... تخاصم رب العرش باري البرية ... وهذا سؤال خاصم الملأ العلى ... قديما به إبليس أصل البلية

وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الاله بعلة ... فان جميع الكون أوجب فعله ... مشيئة رب العرش باري الخليقة ... وذات إله الخلق واجبة بما ... لها من صفات واجبات قديمة ... فقولك لم قد شاء مثل سؤال من ... يقول فلم قد كان في الأزلية ... وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ... وتحريمه قد جاء في كل شرعة ... وفي الكون تخصيص كثير يدل من ... له نوع عقل أنه بارادة ... وإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رمية حيرة ... ... ولا ريب في تعليق كل مسبب بما قبله من علة موجبية ... بل الشأن في الأسباب أسباب ما ترى ... وإصدارها عن حكم محض المشيئة ... وقولك لم شاء الاله هو الذي ... ازل عقول الخلق في قعر حفرة ... فان المجوس القائلين بخالق ... لنفع ورب مبدع للمضرة ... سؤالهم عن علة الشر أوقعت ... رؤوسهم في شبهة المثنوية ... وإن ملاحيد الفلاسفة الألى ... يقولون بالفعل القديم بعلة ... بغواعله للكون بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذا كم فضلوا بضلة ... وإن مباديء الشر في كل أمة ... ذوي ملة ميمونة نبوية ... بخوضهم في ذاكم صار شركهم ... وجاء دروس البينات لفترة ... ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ... من العذر مردود لدى كل فطرة

وهبك كففت اللوم عن كل كافر ... وكل غوي خارج عن محجة ... فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ... من الناس في نفس ومال وحرمة ... فلا تغضبن يوما على سافك دما ... ولا سارق مالا لصاحب فاقة ... ولا شاتم عرضا مصونا وان علا ... ولا ناكح فرجا على وجه غية ... ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ... ولا مفسد في الأرض من كل وجهة ... ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ... ولا قاذف للمحصنات بريبة ... ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ... ولا حاكم للعالمين برشوة ... وكف لسان اللوم عن كل مفسد ... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة ... وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ... على ربهم من كل جاء بفرية ... وهل في عقول الناس أو في طباعهم ... قيول لقول النذل ما وجه حيلتي ... كآكل سم أوجب الموت أكله ... وكل بتقدير لرب البرية ... فكفرك يا هذا كسم أكلته ... وتعذيب نار مثل جرعة غصة ... ألست ترى في هذه الدار من جنى ... يعاقب إما بالقضا أو بشرعة ... ولا عذر للجاني بتقدير خالق ... كذلك في الأخرى بلا مثنوية ... فان كنت ترجو أن تجاب بما عسى ... ينجيك من نار الاله العظيمة ... فدونك رب العرش فاقصده ضارعا ... مريدا لان يهديك نحو الحقيقة ... وذلل قياد النفس للحق واسمعن ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة

وما بان حق فلا تتركنه ... ولا تعص من يدعو لأقوم ريعة ... وأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة ... كسقم وفقر ثم ذل وغربة ... وما كان من سوء بدون جريمة ... وأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا ترتضي مسخوطة لمشيئة ... وقد قال قوم من أولي العلم لا رضى ... بفعل المعاصي والذنوب الكريهة ... وقال فريق نرتضي بقضائه ولا نرتضي المقتضي لأقبح خلة ... وقال فريق نرتضي باضافة اليه وما فينا فنلقي بسخطه ... فنرضى من الوجه الذي هو خلقه ونسخط من وجه اكتساب بحيلة ... وأطال رحمه الله تعالى وهو جواب في غاية النفاسة والوفاء بالمقصود تركنا نقل جميعه اختصارا قول الناظم هذا البيان يزيل لبسا طالما هلكت عليه الناس الخ أي إن هذا الذي ذكره في هذه المسألة يزيل جميع الاشكالات فيها قوله أي من وافق الحكم القدري الكوني وافق سخطة الله إذ لم يوافق الحكم الديني الشرعي فلا يعدوه أجر إن خطأ أو أجران إن أصاب والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى فصل والحكمة العليا على نوعين أيضا حصلا بقواطع البرهان

إحداهما في خلقه سبحانه ... نوعان أيضا ليس يفترقان ... أحكام هذا الخلق إذ إيجادة ... في غاية الإحكام والاتقان ... وصدوره من أجل غايات له ... وله عليها حمد كل لسان ... والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ... أيضا وفيها ذلك الوصفان ... غاياتها اللاتي حمدن وكونها ... أيضا وفيها الإتقان والإحسان ... قال شيخ الاسلام رحمه الله لأهل السنة في تعليل افعال الله تعالى وأحكامه قولان والأكثرون على التعليل والحكمة وهل هي منفصلة عن الرب لا تقوم به أو قائمة مع ثبوت الحكم المنفصل لهم فيه أيضا قولان وهل يتسلسل الحكم أو لا يتسلسل أو يتسلسل في المستقبل دون الماضي فيه اقوال قال احتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل المائدة وقوله كي لا يكون دولة الحشر وقوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم البقرة ونظائرها لأنه تعالى حكيم شرع الأحكام لحكمة ومصلحة لقوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء والاجماع واقع على اشتمال الأفعال على الحكم والمصالح جوازا عند اهل السنة ووجوبا عند المعتزلة فيفعل ما يريد بحكمته والنافون للحكمة والعلة احتجوا أنه يلزم من قدم العلة قدم المعلول وهو محال ومن حدوثها افتقارها الى علة أخرى وأنه يلزم التسلسل وقد أجلب الناظم وأطنب في كتابه شرح منازل السائرين ومفتاح السعادة وغيرهما فمما احتج به في مفتاح دار السعادة قوله

تعالى ام حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فدل على ان هذا الحكم بشيء قبيح يتنزه الله عنه فأنكره من جهة قبحه في نفسه لا من جهة كونه انه لا يكون ومن هذا إنكاره سبحانه على من جوز أن يترك عباده سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن هذا الحساب باطل والله يتعالى عنه لمنافاته لحكمته فقال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى القيامة فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين ومثله قوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم المؤمنون فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه متعال عنه فلا يليق به لقبحه ومنافاته الحكمة ثم إنه رحمه الله بسط القول في ذلك بسطا كثيرا لا يحتمله هذا الموضع والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى فصل ... وهو الحيي فليس يفضح عبده ... عند التجاهر منه بالعصيان ... لكنه يلقي عليه ستره ... فهو الستير وصاحب الغفران ... وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان ... وهو العفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غار الأرض بالسكان

وهو الصبور على أذى أعدائه ... شتموه بل نسبوه للبهتان ... قالوا له ولد وليس يعيدنا ... شتما وتكذيبا من الإنسان ... هذا وذاك بسمعه وبعلمه ... لو شاء عاجلهم بكل هوان ... لكن يعافيهم ويرزقهم وهم ... يؤذونه بالشرك والكفران ... فصل ... وهو الرقيب على الخواطر واللوا ... حظ كيف بالأفعال بالاركان ... وهو الحفيظ عليهم وهو الكفيل بحفظهم من كل أمر عان ... وهو اللطيف بعبده ولعبده ... واللطف في أوصافه نوعان ... إدراك أسرار الأمور بخبرة ... واللفظ عند مواقع الاحسان ... فيريك عزته ويبدي لفظه ... والعبد في الغفلات عن ذا الشان ... قوله وهو اللطيف الخ فسر الناظم اللطف في أوصافه سبحانه بنوعين من اللطف أحدهما إدراك اسرار الأمور بخبرة والثاني اللطف عند مواقع الاحسان وهذا معنى قول من فسر اللطف بأنه هو الذي يوصل اليك أربك في رفق وقيل هو الذي لطف عن ان يدرك بالكيفية

فصل ... وهو الرفيق يحب اهل الرفق بل ... يعطيهم بالرفق فوق أمان ... وهو القريب وقربه المختص بالداعي وعابده على الايمان ... وهو المجيب يقول من يدعو أجبه أنا المجيب لكل من ناداني ... وهو المجيب لدعوة المضطر اذ ... يدعوه في سر وفي اعلان ... وهو الجواد فجوده عم الوجود جميعه بالفضل والاحسان ... وهو الجواد فلا يخيب سائلا ... ولو أنه من امة الكفران ... وهو المغيث لكل مخلوقاته ... وكذا يجيب اغاثة اللهفان ... قوله وهو القريب وقربه المختص بالداعي وعابده على الايمان يعني ان القرب المذكور في قوله تعالى واذا سألك عبادي عني فاني قريب البقرة إن هذا القرب مختص بالداعي فهو سبحانه قريب ممن دعاه كما في الصحيحين عن ابي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فانكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب الى احدكم من عنق راحلته وكذلك قول صالح عليه السلام وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه إن ربي قريب مجيب فقوله قريب مجيب مقرون بالتوبة والاستغفار أراد قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين اليه كما انه رحيم ودود وقد قرن القريب

بالمجيب ومعلوم أنه لا يقال إنه مجيب لكل موجود وانما الاجابة لمن سأله ودعاه فصل ... وهو الودود يحبهم ويحبه ... أحبابه والفضل للمنان ... ... وهو الذي جعل المحبة في قلو ... بهم وجازاهم بحب ثان ... هذا هو الاحسان حقا لامعا ... وضه ولا لتوقع الشكران ... لكن يحب شكورهم وهو شكورهم ... لا لاحتياج منه للشكران ... وهو الشكور فلن يضيع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان ... ما للعباد عليه حق واجب ... هو اوجب الاجر العظيم الشان ... كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالاخلاص والاحسان ... ان عذبوا فبعدله او نعموا فبفضله والحمد للمنان ... قوله وهو الودود قال تعالى وهو الغفور الودود والبروج أي بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهمم بها بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه قال مجاهد الواد لأوليائه فهو فعول بمعنى فاعل وقال ابن زيد معنى الودود الرحيم وقيل الودود بمعنى المورود أي يوده عباده الصالحون ويحبونه كذا قال الأزهري قال ويجوز أن يكون فعولا بمعنى فاعل أي يكون محبا لهم قال وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إن احب عباده المطيعين فهو فضل منه وإن احبه عباده

العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه قال ابن عباس الودود الحبيب قوله يحب شكورهم الخ الاول بفتح الشين اسم فاعل من شكر يشكر شكرا فهو شكور والثاني بضم الشين مصدر فصل ... وهو الغفور فلو أتى بقرابها من غير شرك بل من العصيان ... لأتاه بالغفران ملء قرابها ... سبحانه هو واسع الغفران ... وكذلك التواب من أوصافه ... والتوب في أوصافه نوعان ... إذن بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان ... يشير الى الحديث الذي رواه الترمذي وحسنة عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة فصل ... وهو الاله السيد الصمد ... الذي صمدت اليه الخلق بالاذعان

الكامل الاوصاف من كل الوجو ... ه كماله مافيه من نقصان ... قال شيخ الاسلام في مسألة حسن إرادة الله تعالى روينا من طريق غير واحد كعثمان بن سعيد الدارمي وابي جعفر الطبري والبيهقي وغيرهم في تفسير علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى الصمد قال السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته والعالم الذي قد كمل في علمه والحليم الذي قد كمل في حلمه وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله تعالى هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفاء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار ... وكذلك القهار من اوصافه ... فالخلق مقهورون بالسلطان ... لو لم يكن حيا عزيزا قادرا ... ما كان من قهر ولا سلطان ... وكذلك الجبار من أوصافه ... والجبر في أوصافه قسمان ... جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة فالجبر منه دان ... والثاني جبر القهر بالعز الذي ... لا ينبغي لسواه من انسان ... ... وله مسمى ثالث وهو العلو فليس يدنو منه من انسان ... ... من قولهم جبارة للنخلة العليا التي فاتت لكل بنان ... قوله والجبر في أوصافه قسمان ذكر للجبر معنين في أوصاف الرب سبحانه أحدهما جبر الضعيف وكل قلب قد غدا الخ ومنه

الحديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من اجلي والثاني جبر القهر بالعز الذي لا ينبغي لسواه سبحانه قوله وله مسمى ثالث وهو العلو والمعنى أنه لا يدنو منه انسان ومنه قولهم جبارة للنخلة العليا المرتفعة والله اعلم فصل ... وهو الحسيب كفاية وحماية ... والحسب كافي العبد كل أوان ... وهو الرشيد فقوله وفعاله ... رشد وربك مرشد الحيران ... وكلاهما حق فهذا وصفه ... والفعل للارشاد ذاك الثاني ... والعدل من اوصافه في فعله ... ومقاله والحكم بالميزان ... فعلى الصراط المستقيم إلهنا ... قولا وفعلا ذاك في القرآن ... تقدم الكلام على قوله تعالى ان ربي على صراط مستقيم في أوائل هذا النظم فصل ... هذا ومن أوصافه القدوس ذو التنزيه بالتعظيم للرحمن ... ... وهو السلام على الحقيقة سالم ... من كل تمثيل ومن نقصان

والبر في أوصافه سبحانه ... هو كثرة الخيرات والاحسان ... صدرت عن البر الذي هو وصفه ... فالبر حينئذ له نوعان ... وصف وفعل فهو بر محسن مولى الجميل ودائم الإحسان ... وكذلك الوهاب من أسمائه ... فانظر مواهبه مدى الازمان ... اهل السماوات العلى والارض عن ... تلك المواهب ليس ينفكان ... وكذلك الفتاح من اسمائه ... والفتح في اوصافه امران ... فتح بحكم وهو شرع إلهنا ... والفتح بالاقدار فتح ثان ... والرب فتاح بذين كليهما ... عدلا واحسانا من الرحمن ... وكذلك الرزاق من اسمائه والرزق من افعاله نوعان ... رزق على يد عبده ورسوله ... نوعان أيضا ذان معروفان ... رزق القلوب العلم والايمان والرزق المعد لهذه الابدان ... هذا هو الرزق الحلال وربنا ... رزاقه والفضل للمنان ... والثاني سوق القوت للأعضاء في ... تلك المجاري سوقه بوزان ... هذا يكون من الحلال كما يكون من الحرام كلاهما رزقان ... ... والله رازقه بهذا الاعتبا ... ر وليس بالاطلاق دون بيان ... ذكر الناظم رحمه الله في هذه الأبيات أن الرزق نوعان رزق القلوب العلم والايمان على يد عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم والنوع الثاني

الرزق المعد للأبدان والله تعالى هو رازقه لكنه يساق الى الاعضاء ويكون من الحلال والحرام والله رازقه بهذا الاعتبار وهذه المسألة قد اختلف فيها فقيل إن الحرام رزق وكل يستوفي رزقه حلالا كان أو حراما لحصول التغذي بها جميعا غير ان العبد يستحق الذم والعقاب على أكل الحرام خلافا للمعتزلة فانهم قالوا الحرام ليس برزق وفسروه تارة بمملوك يأكله المالك وتارة بما لا يمنع عن الانتفاع به وذلك لا يكون الا حلالا فيلزمهم على التفسير الأول أن ما يأكله الدواب ليس برزق مع ظاهر قوله تعالى وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها هود فيكون مصادما للقرآن لأنه يقتضي أن تكون كل دابة مرزوقة ولا ينفعهم زعمهم ان تسمية ما يأكله الدواب رزقا مبني على تشبيهه بما هو مملوك الانسان فيأكله فيكون لفظ الرزق مجازا عما تأكله الدواب فلا يلزم أن تكون كل دابة مرزوقة حقيقة لأنا نقول هذا التأويل مخالف لظاهر القرآن وهو خلاف المتعارف في اللغة فلا يصح ارتكابه من غير ضرورة ثم إن تفسيرهم الرزق بذلك ليس بمطرد ولا منعكس لدخول ملك الله تعالى وخروج رزق الدواب والعبيد والإماء يلزمهم أيضا على الوجهين أن من اكل الحرام طول عمره لم يرزقه الله تعالى أصلا وهو خلاف الاجماع الحاصل من الامة قبل ظهور المعتزلة ان لا رازق الا الله وإن استحق العبد اللوم والذم على اكل الحرام والإضافة إلى الله تعالى معتبرة في مفهوم الرزق وكل أحد مستوف رزق نفسه حلالا كان او حراما ولا يتصور ان يأكل الانسان رزقه أو يأكل غير رزقه لأن ما قدر الله تعالى غذاء لشخص يجب أن يأكله ويمتنع أن يأكله غيره والله أعلم

فصل ... هذا ومن اوصافه القيوم والقيوم في أوصافه أمران ... احداهما القيوم قام بنفسه ... والكون قام به هما الامران ... فالأول استغناؤه عن غيره ... والفقر من كل اليه الثاني ... والوصف بالقيوم ذو شأن عظيم هكذا موصوفه أيضا عظيم الشان ... والحي يتلوه فأوصاف الكما ... ل هما لأفق سمائها قطبان ... فالحي والقيوم لن تتختلف ال اوصاف أصلا عنهما ببيان ... هو قابض هو باسط هو خافظ ... هو رافع بالعدل والميزان ... وهو المعز لأهل طاعته وذا ... عز حقيقي بلا بطلان ... وهو المذل لمن يشاء بذلة الدارين ذل شقا وذل هوان ... هو مانع معط فهذا فضله ... والمنع عين العدل للمنان ... يعطي برحمته من يشا ... ء بحكمة والله ذو سلطان ... قوله والقيوم في أوصافه أمران الخ أي إن القيوم هو الذي قام بنفسه وقام به الكون فالاول هو استغناؤه عن غيره والثاني افتقار كل شيء اليه قال المفسرون القيوم القائم على كل نفس بما كسبت وقيل القائم بذاته المقيم لغيره وقيل القائم بتدبير خلقه وحفظه وقيل هو الذي لا ينام وقيل الذي لا بديل له وقرأ جماعة

القيام بالألف وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه و الحي يتلوه القيوم فهما كما قال الناظم لأفق سمائها أي الصفات قطبان فالصفات لاتتخلف عنهما كما مثل به من قوله هو قابض هو باسط هو خافض الخ فصل ... والنور من أسمائه ايضا ومن ... اوصافه سبحان ذي البرهان ... قال ابن مسعود كلاما قد حكا ... ه الدارمي عنه بلا نكران ... ما عنده ليل يكون ولانها ... ر قلت تحت الفلك يوجد ذان ... نور السماوات العلى من نوره ... والأرض كيف النجم والقمران ... من نور وجه الرب جل جلاله ... وكذا حكاه الحافظ الطبراني ... فبه استنار العرش والكرسي مع ... سبع الطباق وسائر الاكوان ... قال عبد الله بن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه ... وكتابه نور كذلك شرعه ... نور كذا المبعوث بالفرقان ... ... وكذلك الايمان في قلب الفتى ... نور على نور مع القرآن ... وحجابه نور فلو كشف الحجا ... ب لأحرق السبحات للاكوان ... تقدم حديث أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الله لا ينام ولا ينبغي له ان ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع اليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل النهار حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره رواه مسلم ... وإذا أتى للفصل يشرق نوره ... في الأرض يوم قيامة الابدان ... قال تعالى واشرقت الارض بنور ربها الزمر فأخبر ان الارض يوم القيامة تشرق بنوره وهو نوره الذي نوره فانه سبحانه ياتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله تعالى أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق له الارض كذا أفاده الناظم في كتاب الصواعق ... وكذاك دار الرب جنات العلى ... نور تلألأ ليس ذا بطلان ... والنور ذو نوعين مخلوق ووصف ماهما والله متحدان ... وكذلك المخلوق ذو نوعين محسوس ومعقول هما شيئان ... أحذر تزل فتحت رجلك هوة ... كم قد هوى فيها على الازمان ... من عابد بالجهل زلت رجله فيه الى قعر الحضيض الداني ... لاحت له أنوار آثار العبا ... دة ظنها الانوار للرحمن ... فأتى بكل مصيبة وبلية ... ماشئت من شطح ومن هذيان ... ... وكذا الحلولي الذي هو خدنه ... من هاهنا حقا هما أخوان ... ويقابل الرجلين ذو التعطيل والحجب الكثيفة ماهما سيان

ذافي كثافة طبعه وظلامه ... وبظلمة التعطيل هذا الثاني ... والنور حجوب فلا هذا ولا ... هذا له من ظلمة يريان ... قوله احذر تزل فتحت رجلك هوة الخ قال الناظم رحمه الله تعالى في شرح منازل السائرين في شرح الدرجة الثالثة من منزلة العطش على قول صاحب المنازل ولا يعرج دونها على انتظار بعد كلام سبق ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق وإنما وصوله الى شواهد الحق ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه وحسن ظنه بترهات القوم وخيالاتهم ولله در الشبلي حيث سئل عن المشاهدة فقال من أين لنا مشاهدة الحق لنا شاهد الحق هذا وهو صاحب الشطحات المعروفة وهذا من أحسن كلامه وأبينه وأراد بشاهد الحق ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية من ذكره ومحبته واجلاله وتعظيمه ووقاره بحيث يكون ذلك حاضرا فيها مشهودا لها غير غائب عنها ومن أشار الى غير ذلك فمغرور مخدوع وغايته ان يكون في حقارة صدقه وضعف تمييزه وعلمه ولا ريب ان القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها تقوى تارة وتضعف أخرى ولكن تلك انوار الاعمال والايمان والمعارف وصفاء البواطن والاسرار لا أنها نور الذات المقدسة فان الجبل لم يثبت للسير من ذلك النور حتى تدكدك وخر الكليم صعقا مع عدم تجليه له فما الظن بغيره فإياك ثم إياك وترهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم فإنها عند العارفين أعظم من حجاب النفس وأحكامها فإن المحجوب بنفسه معترف بأنه في ذلك الحجاب وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى ان الحقيقة قد تجلت له أنوارها

ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرحمن فحجاب هؤلاء أغلظ بلا شك من حجاب أولئك ولا يقر لنا بهذا إلا عارف قد اشرق في باطنه نور المحمدية فرأى ما للناس فيه وما اعز ذلك في الدنيا وما أغربه بين الخلق وبالله المستعان انتهى كلامه وقوله هوة قال في القاموس الهوة كقوة ما انهبط من الارض أو الوهدة الغامضة منها كالهوانة كرمانة انتهى قوله والنور ذو نوعين الخ قال الناظم في الصواعق المرسلة قد ورد النص بتسمية الرب نورا وبأن له نورا مضافا اليه وبأنه نور السماوات والأرض وبأن حجابه نوره فهذه أربعة أنواع فالاول يقال عليه سبحانه بالاطلاق فانه النور الهادي والثاني يضاف اليه كما يضاف اليه حياته وسمعه وبصره وعزته وقدرته وعلمه وتارة يضاف الى وجهه وتارة يضاف الى ذاته فالاول كقوله اعوذ بنور وجهك وقوله نور السماوات والارض من وجهه والثاني كقوله تعالى وأشرقت الارض بنور ربها الزمر وقول ابن عباس ذاك نوره الذي اذا تجلى به وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر وإن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره الحديث والثالث وهو إضافة نوره الى السماوات والارض كقوله تعالى الله نور السماوات والارض النور الرابع كقوله حجابه النور فهذا النور المضاف اليه يجيء على احد الوجوه الاربعة والنور الذي احتجت به سمي نورا ونارا كما وقع التردد في لفظه في الحديث الصحيح حديث أبي موسى الاشعري وهو قوله حجابه النور والنار فان هذه النار هي نور وهي التي كلم الله كليمه موسى منها وهي نار صافية لها إشراق بلا احراق فالاقسام ثلاثة إشراق بلا إحراق كنور القمر وإحراق بلا إشراق وهي نار جهنم فانها سوداء محرقة لا تضيء وإشراق باحراق وهي هذه النار المضيئة وكذلك نور الشمس له الاشراق والاحراق فهذا في الأنوار المشهودة المخلوقة وحجاب الرب تبارك وتعالى نور وهو نار وهذه الأنواع كلها حقيقة بحسب مراتبها فنور وجهه حقيقة لا مجاز واذا كان نور مخلوقاته كالشمس والقمر والنار حقيقة فكيف يكون نوره الذي نسبة الأنوار المخلوقة اليه اقل من نسبة سراج ضعيف ألى قرص الشمس فكيف لا يكون هذا النور حقيقة انتهى كلامه فصل ... وهو المقدم والمؤخر ذانك الصفان للأفعال تابعان ... وهما صفات الذات أيضا إذ هما ... بالذات لا بالغير قائمتان ... ولذاك قد غلط المقسم حين ظن صفاته نوعين مختلفين ... إن لم يرد هذا ولكن قد أرا ... د قيامها بالفعل ذي الامكان ... والفعل والمفعول شيء واحد عند المقسم ماهما شيئان ... فلذاك وصف الفعل ليس لديه إلا نسبة عدمية ببيان ... فجميع اسماء الفعال لديه ليست قط ثابتة ذوات معان ... موجودة لكن امور كلها ... نسب ترى عدمية الوجدان

هذا هو التعطيل للأفعال كالتعطيل للأوصاف بالميزان ... فالحق أن الوصف ليس بمورد التقسيم هذا مقتضى البرهان ... بل مورد التقسيم ما قد قام بالذات التي للواحد الرحمن ... فهما اذا نوعان اوصاف وأفعال فهذي قسمة التبيان ... فالوصف بالافعال يستدعي قيا ... م الفعل بالموصوف بالبرهان ... فالوصف بالمعنى سوى الافعال ما ... إن بين ذينك قط من فرقان ... ومن العجائب أنهم ردوا على ... من أثبت الأسماء دون معان ... قامت بمن هي وصفه هذا محا ... ل غير معقول لذي الأذهان ... وأتو الى الاوصاف باسم الفعل قا ... لوا لم تقم بالواحد الديان ... فانظر اليهم أبطلوا الاصل الذي ... ردوا به أقوالهم بوزان ... ان كان هذا ممكنا فكذاك قو ل خصومكم أيضا فذو إمكان ... والوصف بالتقديم والتأخير كو ... ني وديني وهما نوعان ... وكلاهما أمر حقيقي ونسبي ولا يخفى المثال على أولي الأذهان ... والله قدر ذاك أجمعه باحكام واتقان من الرحمن ... قوله ولذلك قد غلط المقسم أي إن الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والاشعرية قالوا إن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ولنزد ذلك أيضاحا فنقول قال النسفي

رحمه الله في عقائده المشهورة والتكوين صفة لله أزلية وهو تكوينه للعالم وكل جزء من أجزائه وهو غير المكون عندنا قال شارحها المحقق سعد الدين التفتازاني التكوين هو معنى المعبر عنه بالفعل والخلق والتخليق والايجاد والاحداث والاختراع ونحو ذلك ويفسر باخراج المعدوم من العدم الى الوجود صفة لله تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للعالم مكون له وامتناع اطلاق اسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا قائما به أزلية لوجوه الأول أن يمتنع قيام الحوادث بذاته تعالى الثاني أنه وصف ذاته في كلامه الأزلي بأنه الخالق فلو لم يكن في الازل خالقا للزم الكذب أو العدول الى المجاز أي الخالق فيما يستقبل او القادر على الخلق من غير تعذر الحقيقة على أنه لو جاز إطلاق الخالق عليه بمعنى القادر لجاز اطلاق كل ما يقدر عليه من الاعراض الثالث أنه لو كان حادثا فاما بتكوين آخر فيلزم التسلسل وهو محال ويلزم منه استحالة تكون مع أنه مشاهد وإما بدونه فيستغني الحادث عن المحدث والاحداث وفيه تعطيل الصانع الرابع أنه لو حدث لحدث إما في ذاته تعالى فيصير محلا للحوادث أو في غيره كما ذهب اليه أبو الهذيل من ان تكوين كل جسم قائم به فيكون كل جسم خالقا ومكونا لنفسه ولاخفاء في استحالته ومبني هذه الادلة أن التكوين صفة حقيقية كالعلم والقدرة قال والمحققون من المتكلمين على أنه من الاضافات والاعتبارات العقلية مثل كون الصانع تعالى وتقدس قبل كل شيء ومعه وبعده ومذكورا بالسنتنا ومعبودا لنا ومميتا ومحييا ونحو ذلك قال والحاصل في الازل هو مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء

وغير ذلك ولا دليل على كونه صفة أخرى سوى القدرة والارادة وان كانت نسبتها الى وجود المكون وعدمه على السواء لكن مع انضمام الارادة بتخصيص أحد الجانبين قال ولما استدل القائلون بحدوث التكوين بأنه لا يتصور بدون المكون كالضرب بدون المضروب فلو كان قديما لزم قدم المكونات وهو محال أشار النسفي الى الجواب بقوله وهو أي التكوين تكوينه للعالم ولكل من أجزائه لا في الأزل بل لوقت وجوده على حسب علمه وارادته فالتكوين باق أزلا وأبدا والمكون حادث بحدوث التعلق كما في العلم والقدرة وغيرهما من الصفات القديمة التي لا يلزم من قدمها قدم متعلقاتها لكون تعلقاتها حادثة وهذا تحقيق ما يقال إن وجود العالم إن لم يتعلق بذات الله تعالى أو صفة من صفاته لزم تعطيل الصانع واستغناء الحوادث عن الموجد وهو محال وإن تعلق فإما أن يستلزم ذلك قدم ما يتعلق وجوده به فيلزم قدم العالم وهو باطل أولا فليكن التكوين أيضا قديما مع حدوث المكون المتعلق به وما يقال بأن القول بتعلق وجود المكون بالتكوين قول بحدوثه إذ القديم ما لا يتعلق وجوده بالغير والحادث ما يتعلق به فمنظور فيه لأن هذا معنى القديم والحادث بالذات على ما يقول به الفلاسفة وأما عند المتكلمين فالحادث ما لوجوده بداية أي يكون مسبوقا بالعدم والقديم بخلافه ومجرد تعلق وجوده بالغير لا يستلزم حدوثه بهذا المعنى لجواز أن يكون محتاجا الى الغير صادرا عنه دائما بدوامه كما ذهب اليه الفلاسفة فيما ادعوا قدمه من الممكنات كالهيولي مثلا نعم إذا أثبتنا صدور العالم عن الصانع بالاختيار دون الايجاب بدليل لا يتوقف على حدوث العالم كان القول بتعلق وجوده بتكوين الله تعالى قولا بحدوثه ومن هنا يقال ان التنصيص

على كل جزء من أجزاء العالم إشارة الى الرد على من زعم قدم بعض الأجزاء كالهيولي وإلا فهم إنما يقولون بقدمها بمعنى عدم المسبوقية بالعدم لا بمعنى عدم تكونه بالغير والحاصل أنا لا نسلم أنه لا يتصور التكوين بدون المكون وأن وازنه معه وزان الضرب مع المضروب فان الضرب صفة إضافية لا يتصور بدون المضافين اعني الضارب والمضروب وقد بينا أن التكوين صفة حقيقية هي مبدأ الاضافة التي هي إخراج المعدوم من العدم الى الوجود لا عينها حتى لو كانت عينها على ما وقع في عبارة بعض المشايخ لكان القول بتحققها بدون المكون مكابرة وانكارا للضرورة فلا يندفع بما يقال من ان الضرب مستحيل البقاء فلا بد لتعلقه بالمفعول ووصول الألم اليه من وجود المفعول معه إذ لو تأخر لانعدم كذا قيل وهذا بالنسبة لفعل المخلوق وهو بخلاف فعل الباري فانه ازلي الدوام يبقى الى وقت وجود المفعول فالتكوين غير المكون عندنا لأن الفعل يغاير المفعول بالضرورة كالضرب مع المضروب والأكل مع المأكول ولأنه لو كان نفس المكون لزم أن يكون المكون مكونا مخلوقا بنفسه ضرورة أنه مكون بالتكوين الذي هو عينه فيكون قديما مستغنيا عن الصانع وهو محال وان لا يكون للخالق تعلق بالعالم سوى أنه أقدم منه وقادر عليه من غير صنع وتأثير فيه ضرورة تكونه بنفسه وهذا لا يوجب كونه خالقا للعالم والعالم مخلوقا فلا يصح القول بأنه خالق العالم وصانعه وهذا خلق وأن لا يكون الله مكونا للاشياء ضرورة أنه لا معنى للمكون إلا من قام به التكوين والتكوين اذا كان عين المكون لا يكون قائما بذات الله تعالى وإن يصح القول بأنه خالق سواد هذا الحجر أسود وهذا الحجر خالق السواد

إذ لا معنى للخالق والأسود إلا من قام به الخلق والسواد وهما واحد فمحلهما واحد هذا كله تنبيه على كون الحكم بتغاير الفعل والمفعول ضروريا ثم قال السعد التفتازاني وهذا يعني إبطال القول بأن الفعل هو المفعول لا يتم إلا بإثبات أن تكون الأشياء وصدورها عن الباري تعالى يتوقف على صفة حقيقية قائمة بالذات مغايرة للقدرة والارادة قال والتحقيق أن تعلق القدرة على وفق الارادة بوجود المقدور لوقت وجوده إذا نسب للقدرة يسمى أيجابها له واذا نسب الى القادر يسمى الخلق والتكوين ونحو ذلك فحقيقة كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته ثم يتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الافعال كالترزيق والتصوير والاحياء والإماتة وغير ذلك الى ما لا نهاية له قال وأما كون كل من ذلك صفة حقيقية أزلية فمما تفرد به علماء ما وراء النهر وفيه تكثير للقدماء جدا وإن لم تكن متغايرة قال والأقرب ما ذهب اليه المحققون منهم وهو ان مرجع الكل الى التكوين فانه ان تعلق بالحياة سمي إحياء وبالموت سمي إماتة وبالصورة تصويرا وبالرزق ترزيقا الى غير ذلك فالكل تكوين وانما الخصوص بخصوص التعلقات انتهى قلت مراده بقوله مما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر علماء الكلام والا فهو مذهب السلف كما تقدمت الاشارة اليه وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة ولهذا قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في شرح العقائد الاصفهانية الصواب ان الخلق غير المخلوق قال والذين يقولون الخلق هو المخلوق قولهم فاسد وبين وجه فساده وما ذكر من الآيات القرآنية والأخبار النبوية الدالة على هذا الاصل شيئا

كثيرا مثل كل يوم هو في شأن الرحمن ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه فاحبط اعمالهم محمد وقوله أن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم الزمر فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه ومعصيته سبب لسخطه وغضبه وقال تعالى فاذكروني اذكركم البقرة وجواب الشرط كالمسبب مع السبب وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا ومن تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتاني يمشي أتيته هرولة وفي الصحيحين وغيرهما لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ممن أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فنام تحت شجرة ينتظر الموت فلما استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وفي الصحيح يضحك الله الى الرجلين يقتل احدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة وفي الصحاح والسنن والمساند من هذا شيء كثير يتعذر أو يتعسر إحصاؤه وقد ذكر من ذلك شيئا كثيرا ثم قال وبهذا الاصل العظيم وكان عليه سلف الامة وأئمتها بل وعليه جماهير العقلاء وأكابرهم من جميع الطوائف حتى من الفلاسفة يظهر بطلان مذهب القائلين بالقدماء الخمسة انتهى قول الناظم فلذاك وصف الفعل ليس الا نسبة عدمية الخ يعني ان القائلين بأن الفعل هو المفعول عندهم أن صفة الفعل نسبة والنسب أمور عدمية فجميع أسماء الفعال عندهم نسب والنسب أمر عدمي

فهذا منهم تعطيل للأفعال كما عطلوا الصفات قوله والحق ان الوصف ليس بمورد التقسيم أي بل مورد التقسيم ما قام بالذات وهي اوصاف وأفعال فالوصف بالافعال يستدعي قيام الفعل بالموصوف بالبراهين القاطعة عقلا ونقلا قوله ومن العجائب انهم ردوا على من أثبت الاسماء دون معان أي ومن العجائب أن الأشاعرة ردوا على المعتزلة في اثباتهم الاسماء دون معانيها كقولهم قدير بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر مريد بلا إرادة ونحو ذلك ثم أتوا الى الاوصاف باسم الفعل فقالوا لم يقم بالله تعالى فأبطلوا الاصل الذي ردوا به على المعتزلة والله أعلم فصل ... هذا ومن أسمائه ما ليس يفرد بل يفال إذا أتى بقران ... وهي التي تدعى بمزدواجتها ... أفرادها خطر على الإنسان ... إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب العرش عن عيب وعن نقصان ... كالمانع المعطي وكالضار الذي ... هو نافع وكماله الأمران ... ونظير هذا القابض المقرون باسم الباسط اللفظان مقترنان ... وكذا المعز مع المذل وخافض ... مع رافع لفظان مزدوجان ... وحديث افراد اسم منتقم فمو ... قوف كما قد قال ذو العرفان

ما جاء في القرآن غير مقيد ... بالمجرمين وجابذو نوعان ... قال الناظم في بدائع الفوائد بعد كلام سبق السادس صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الغفور القدير الحميد المجيد وهكذا عامة الصفات المقترنة والاسماء المزدوجة في القرآن فان الغناء صفة كمال والحمد كذلك واجتماع الغناء مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما وكذلك الغفور القدير والحميد المجيد والعزيز الحكيم فتأمله فانه من أشرف المعارف وقال في موضع أخر ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فانه مقرون بالمعطي والنافع والعفو فهو المعطي المانع الضار النافع العفو المنتقم المعز المذل لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بمقابلة لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعا ونفعا وضرا وعفوا وانتقاما واما ان يثني عليه بمجرد المنع والإنتقام والإضرار فلا يسوغ فهذه الأسماء المزدوجة يجري الاسمان مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الوحد ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه الا مقترنة فاعلمه فلو قلت يا مذل يا ضار يا مانع أو اخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا حى تذكر مقابله وأما الحديث الذي فيه إفراد اسم المنتقم فهو موقوف كما قال الناظم والله أعلم

فصل ... ودلالة الاسماء أنواع ثلا ... ث كلها معلومة ببيان ... دلت مطابقة كذاك تضمنا ... وكذا التزاما واضح البرهان ... أما مطابقة الدلالة فهي ان الاسم يفهم منه مفهومان ... ذات الإله وذلك الوصف الذي ... يشتق منه الاسم بالميزان ... لكن دلالته على إحداهما ... بتضمن فافهمه فهم بيان ... وكذا دلالته على الصفة التي ... ما اشتق منها فالتزام دان ... وإذا أردت لذا مثالا بينا ... فمثال ذلك لفظة الرحمن ... ذات الإله ورحمة مدلولها ... فهما لهذا اللفظ مدلولان ... إحداهما بعض لذا الموضوع فهي تضمن ذا واضح التبيان ... لكن وصف الحي لازم ذلك المعنى لزوم العلم للرحمن ... فلذا دلالته عليه بالتزام ... بين والحق ذو تبيان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان أنواع الدلالات الثلاثة وهي المطابقة والتضمن والالتزام وذلك مثل ما مثل به الناظم وهو لفظة الرحمن فانها دلت على الصفة المشتق منها وعلى ذات الرب سبحانه لكن دلالته على أحداهما بالتضمن وأما دلالتها على الصفة التي لم يشتق منها اللفظ كالحياة والعلم فهي بالالتزام والله أعلم

قال الناظم رحمه الله تعالى في شرح المنازل الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منه بالمطابقة فانه يدل دلالتان آخرتان بالتضمن واللزوم فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة عن الصفة ويدل على الصفة الأخرى باللزوم فان اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها والسمع وحده بالتضمن ويدل على اسم الحي وصفة الحياة بالالتزام انتهى وهذا واضح في بيان كلام الناظم رحمه الله تعالى فصل في بيان حقيقة الالحاد في أسماء رب العالمين وذكر انقسام الملحدين ... أسماؤه أوصاف مدح كلها ... مشتقة قد حملت لمعان ... إياك والإلحاد فيها إنه ... كفر معاذ الله من كفران ... وحقيقة الالحاد فيها الميل بالاشراك والتعطيل والنكران ... فالملحدون اذا ثلاث طوائف ... فعليهم غضب من الرحمن ... ... المشركون لأنهم سموا بها ... أوثانهم قالوا إله ثان ... هم شبهوا المخلوق بالخلاق عكس مشبه الخلاق بالانسان ... وكذاك أهل الاتحاد فانهم ... اخوانهم من اقرب الإخوان

أعطوا الوجود جميعه اسماءه ... إذ كان عين الله ذي السلطان ... والمشركون أقل شركا منهم ... هم خصصوا ذا الاسم بالأوثان ... ولذاك كانوا أهل شرك عندهم ... لو عمموا ما كان من كفران ... ذكر الناظم رحمه الله في أول الأبيات أن أسماءه سبحانه أوصاف مدح فهي أعلام وأوصاف والوصف فيها لا ينافي العلمية بخلاف اوصاف العباد فانها تنافي علميتهم لان اوصافهم مشتركة ففاتتها العلمية المختصة بخلاف اوصافه تعالى قوله مشتقة الخ أي إذا أطلق الاسم عليه تعالى جاز ان يشتق منه المصدر والفعل فيخبر عنه فعلا أو مصدرا نحو السميع البصير القدير يطلق عليه من اسم السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو قد سمع الله المجادلة وقد رأى الله فنعم القادرون المرسلات هذا إذا كان الفعل متعديا فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حي كذا أفاده الناظم في بدائع الفوائد وينبغي ان يعلم ان الاسماء الحسنى لها اعتباران اعتبار من حيث الاسماء واعتبار من حيث الصفات فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة والله اعلم قوله إياك والالحاد فيها الخ اعلم ان الالحاد في اسمائه سبحانه هو العدول بها وبجهاتها ومعانيها عن الحق الثابت لها وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادة لحد ومنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق الى الباطل قال ابن السكيت الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه ومنه الملتحد وهو مفتعل ومن ذلك قوله تعالى ولن تجد من دونه ملتحدا الجن

أي من تعدل اليه وتهرب اليه وتلتجيء اليه وتبتهل اليه غيره تقول العرب التحد فلان الى فلان اذا عدل اليه إاذ عرف هذا فالالحاد في أسمائه تعالى انواع احدها ان تسمى الاصنام بها كتسميتهم اللات من الإله والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها وهذا إلحاد حقيقة فانهم عدلوا بأسمائه الى اوثانهم وآلهتهم الباطلة قوله وكذاك اهل الاتحاد الخ أي ان اهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود أعطوا الوجود اسماءه تعالى والمشركون أقل منهم شركا لان المشركين خصصوا العبادة بالأوثان وهؤلاء عمموا كل شيء بالعبادة قالوا وإنما كانوا مشركين تعالى الله عن قولهم كما قال في الفصوص في قوم نوح عليه السلام إنهم لو تركوا عبادتهم لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء ثم قال فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من عرفه ويجهله من جهله فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة يظهر ظهر حتى عبد قال الناظم رحمه الله تعالى ... والملحد الثاني فذو التعطيل إذ ... ينفى حقائقها بلا برهان ... ما ثم غير الاسم أوله بما ... ينفي الحقيقة ذي بطلان ... فالقصد دفع النص عن معنى الحقيقة فاجتهد فيه بلفظ بيان ... عطل وحرف ثم أول وانفها ... واقذف بتجسيم وبالكفران ... للمثبتين حقائق الاسماء والأوصاف بالأخبار والقرآن ... فاذا هم احتجوا عليك فقل لهم ... هذا مجاز وهو وضع ثان

فاذا غلبت عن المجاز فقل لهم ... لا يستفاد حقيقة الايقان ... ... اني وتلك أدلة لفظية ... عزلت عن الايقان منذ زمان ... فاذا تضافرت الأدلة كثرة ... وغلبت عن تقرير ذا ببيان ... فعليك حينئذ بقانون وضعناه لدفع أدلة القرآن ... ولكل نص ليس يقبل أن يؤو ... ل بالمجاز ولا بمعنى ثان ... قل عارض المنقول معقول وما الأمران عند العقل يتفقان ... ... ما ثم إلا واحد من أربع ... متقابلات كلها بوزان ... اعمال ذين وعكسه أو تلغي المعقول ما هذا بذي إمكان ... العقل أصل النقل وهو أبوه أن تبطله يبطل فرعه التحتاني ... فتعين الاعمال للمعقول وال إلغاء للمنقول ذي البرهان ... إعماله يفضي الى إلغائه ... فاهجره هجر الترك والنسيان ... ... والله لم نكذب عليهم اننا وهم لدى الرحمن مختصمان ... وهناك يجزي الملحدون ومن نفي ال إلحاد يجزي ثم بالغفران ... فاصبر قليلا انما هي ساعة ... يا مثبت الأوصاف للرحمن ... فلسوف تجني أجر صبرك حين يجني الغير وزر الاثم والعدوان ... فالله سائلنا وسائلهم عن ال إثبات والتعطيل بعد زمان ... فأعد حينئذ جوابا كافيا ... عند السؤال يكون ذا تبيان

قوله والملحد الثاني فذو التعطيل الخ هذا الحاد الطائفة الثانية من الملحدين وهو إلحاد أهل التعطيل الذين عطلوا الاسماء الحسنى من معانيها وجحدوا حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معان فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الالحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة وهو مقابل لإلحاد المشركين فان أولئك أعطوا اسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوا وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فيهم العالي والمتوسط والمتلون وكل من جحد شيئا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر قوله فالقصد دفع النص عن معنى الحقيقة أي ان هذا القسم من الملحدين قصدهم دفع النص عن معنى الحقيقة بالتحريف والتعطيل والنفي وقذف المثبتة ونبزهم بالتجسيم ورميهم بالكفر ويقولون إذا احتجت المثبتة عليك بالنصوص القرأنية والأحاديث النبوية فادفعها بضروب من الدفع مثل دعوى أنها مجاز فاذا غلبت على المجاز فقل هي أدلة لفظية لا تفيد العلم واليقين فاذا تكاثرت الأدلة وتضافرت فعليك بالقوانين الموضوعة لدفع أدلة القرآن ولكل نص لا يقبل التأويل وقل عارض المنقول معقول واذا تعارض العقل والنقل فما ثم إلا واحد من أربع إما أن نعملها وإما أن نهملها وإما ان نعمل النقل ونلغي العقل وهو غير ممكن لأن العقل أصل النقل والنقل فرعه فان أبطلناها أبطلنا النقل لأنا صدقنا النقل به فأعماله إلى الغائه فتعين الإعمال للمعقول وإلغاء

المنقول بالقانون ذي البرهان وقد بسط شيخ الاسلام رحمه الله الكلام على هذا أتم بسط في أول كتاب درء تعارض العقل والنقل فارجع اليه إن شئت وكذلك العلامة الناظم فانه بسط ذلك وأطنب في كتابه الصواعق المرسلة قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وثالثهم فنافيها ونا ... في ما تدل عليه بالبهتان ... ذا جاحد الرحمن رأسا لم يقر بخالق أبدا ولا رحمن ... ... هذا هو الالحاد فاحذره لعل الله أن ينجيك من نيران ... وتفوز بالزلفى لديه وجنة المأوى مع الغفران والرضوان ... لا توحشنك غربة بين الورى ... فالناس كالأموات في الحيان ... أو ماعلمت بأن أهل السنة الغرباء حقا عند كل زمان ... قل لي متى سلم الرسول وصحبه ... والتابعون لهم على الاحسان ... من جاهل ومعاند ومنافق ... ومحارب بالبغي والعدوان ... وتظن أنك وارث لهم وما ... ذقت الأذى في نصرة الرحمن ... كلا ولا جاهدت حق جهاده ... في الله لا بيد ولا بلسان ... منتك والله المحال النفس فاستحدث سوى ذا الرأي والحسبان ... ... لو كنت وارثه لآذتك الألى ... ورثوا عداه بسائر الألوان ... ذكر في هذا الفصل إلحاد الطائفة الثالثة من أهل الإلحاد وهو إلحاد النفاة

الجاحدين لله ولكتبه ورسله وهذا هو الإلحاد حقا كما قال الناظم نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه شرع الناظم في تعزية أهل السنة وأنهم هم الغرباء في كل زمان ولقد أحسن القائل ... قد عرف المنكر واستن ... كر الجهل في رتبة ... فقلت للأبرار أهل التقى ... والدين لما اشتدت الكربة ... لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربة ... وللحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب كتاب كشف الكربة في وصف حال اهل الغربة فصل في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المعطلين والمشركين ... هذا وثاني نوعي التوحيد تو ... حيد العبادة منك للرحمن ... أن لا تكون لغيره عبدا ولا ... تعبد بغير شريعة الايمان ... فتقوم بالاسلام والإيمان والإحسان في سر وفي إعلان ... ... والصدق والاخلاص ركنا ذلك التوحيد كالركنين للبنيان ... وحقيقة الاخلاص توحيد المراد فلا يزاحمه مراد ثان ... لكن مراد العبد يبقى واحدا ما فيه تفريق لدى الانسان

إن كان ربك واحدا سبحانه ... فاخصصه بالتوحيد مع إحسان ... إن كان ربك واحدا أنشاك لم ... يشركه اذ أنشأك رب ثان ... فكذاك أيضا وحده فاعبده لا ... تعبد سواه يا أخا العرفان ... والصدق توحيد الارادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متوان ... والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق الأعظم السلطان ... فلواحد كن واحدا في واحد ... أعنى سبيل الحق والايمان ... هذي ثلاث مسعدات للذي ... قد نالها والفضل للمنان ... ... فاذا هي اجتمعت لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان ... لله قلب شام هاتيك البرو ... ق من الخيام فهم بالطيران ... لولا التعلل بالرجاء تصدعت ... أعشاره كتصدع البنيان ... وتراه يبسطه الرجاء فينثني ... متمايلا كتمايل النشوان ... ... ويعود يقبضه الاياس لكونه ... متخلفا عن رفقة الإحسان ... ... فتراه بين القبض والبسط اللذا ... ن هما لأفق سمائه قطبان ... ... وبدا له سعد السعود فصار مسراه عليه لاعلى الدبران ... لله ذياك الفريق فانهم ... خصوا بخالصة من الرحمن ... شدت ركائبهم الى معبودهم ... ورسوله يا خيبة الكسلان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في النوع الثاني من توحيد الأنبياء والمرسلين وهو توحيد العبادة والعبادة في اللغة الذل يقال بعير معبد أي مذلل وطريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام

وأما العبادة في اصطلاح العلماء فقد عرفها طائفة بقولهم العبادة ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي وعرفها طائفة بانها كمال الحب مع كمال الخضوع وقال شيخ الاسلام هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والاحسان الى الجار واليتيم المسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والانابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك فالدين كله داخل في العبادة انتهى وكل هذه التعريفات للعبادة معناها واحد وإذا عرفت معنى العبادة فاعلم أن التوحيد نوعان توحيد في المعرفة والاثبات وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد في الطلب والقصد وهو توحيد الالهية والعبادة قال الناظم رحمه الله تعالى وأما التوحيد الذي دعت اليه الرسل

ونزلت به الكتب فهو نوعان توحيد في المعرفة والاثبات وتوحيد في الطلب والقصد فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وتكلمه بكتبه وتكليمه من شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته وقد أفصح القرآن عن هذا النوع حد الافصاح كما في أول الحديد وسورة طه وآخر الحشر وأول تنزيل السجدة وسورة الاخلاص بكمالها وغير ذلك النوع الثاني ما تضمنه سورة قل يا أيها الكافرون وقوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا آل عمران الآية وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد شاهدة به داعية اليه فان القرآن إما خبر عن الله واسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله فهو التوحيد العلمي الخبري وإما دعوة الى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الارادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وأمره ونهيه فهو حقوق التوحيد ومكملاته وإما خبر عن إكرام أهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا ويكرمهم به في الآخرة فهو جزاء أهل توحيده وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم انتهى قال شيخ الاسلام التوحيد الذي جاء به الرسول إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله الا الله فلا يعبد إلا إياه ولا يتوكل

إلا عليه ولا يوالي الا له ولا يعادي إلا فيه ولا يعمل الا لأجله وذلك يتضمن أثبات ما أثبته لنفسه من الاسماء والصفات قال تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم البقرة وقال تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون النحل وقال تعالى ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون المؤمنون وقال تعالى واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون الزخرف وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس الى عبادة الله وحده لا شريك له وقال قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده الممتحنة وقال عن المشركين إنهم كانوا إذ قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون ائنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون الصافات وهذا في القرآن كثير وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن ذلك من يظنه من اهل الكلام والتصوف ويظن هؤلاء أنهم اذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد وأنهم اذا أشهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد فان الرجل لو أقر بما يستحق الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما يتنزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شئ لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له والإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة وليس هو الإله بمعنى القادر على الاختراع فاذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع واعتقد أن

هذا المعنى هو اخص وصف الإله وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية وهو الذي يقولونه عن ابي الحسن وأتباعه لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فان مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق شيء وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون يوسف قال طائفة من السلف تسألهم من خلق السماوات والارض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره قال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون الى قوله فأنى تسحرون المؤمنون فليس كل من أقل بان الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه داعيا له دون ما سواه راجيا له خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسوله ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شئ وابتغوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أندادا قال الله تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض الزمر وقال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله الى قوله سبحانه وتعالى عما يشركون يونس وقال تعالى ولقد جئتموها فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاؤكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون الأنعام وقال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله البقرة ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ويتقرب اليها

ثم يقول إن هذا ليس بشرك إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي فاذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا ومن المعلوم بالاضطرار من دين الاسلام ان هذا شرك انتهى كلامه قوله والصدق والاخلاص ركنا ذلك التوحيد جعل الاخلاص أحد ركني توحيد العبادة والصدق ركنه الآخر وفسر الصدق بما ذكر وقال الناظم في بعض كلامه ومقام الصدق جامع للاخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق فظهر من كلامه أن توحيد العبادة أعم من الاخلاص قوله فلواحد يريد به الاخلاص لله الواحد وهذا هو توحيد المراد قوله كن واحدا يريد به الصدق وهو توحيد الارادة قوله في واحد يريد به توحيد الطريق وهو اتباع الكتاب والسنة وذلك معنى قوله والسنة المثلى لسالكها فتوحيد الطريق الخ قوله شام هو فعل ماض يقال شام يشيم شيما اذا نظر من بعد فصل ... والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا قسم ليس بقابل الغفران ... وهو اتخاذ الند للرحمن أيا كان من حجر ومن انسان ... يدعوه او يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان

والله ما ساووهم بالله في ... خلق ولا رزق ولا إحسان ... فالله عندهم هو الخلاق والرزاق مولى الفضل والإحسان ... لكنهم ساووهم بالله في ... حب وتعظيم وفي ايمان ... جعلوا محبتهم مع الرحمن ما ... جعلوا المحبة قط للرحمن ... لو كان حبهم لأجل الله ما ... عادوا أحبته على الايمان ... ولما أحبوا سخطه وتجنبوا ... محبوبه ومواقع الرضوان ... شرط المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا عصيان ... ... فاذا ادعيت له المحبة مع خلا ... فك ما يحب فأنت ذو بهتان ... أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان ... وكذا تعادي جاهدا أحبابه ... إن المحبة يا أخا الشيطان ... ليس العبادة غير توحيد المحبة مع خضوع القلب والأركان ... والحب نفس وفاقه فيما يحب ويبغض ما لا يرتضي بجنان ... ووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان ... هذا هو الأحسان شرط في قبو ... ل السعي فافهمه من القرآن ... والاتباع بدون شرع رسوله ... عين المحال وأبطل البطلان ... فاذا نبذت كتابه ورسوله ... وتبعت أمر النفس والشيطان ... وتخذت أندادا تحبهم كحب الله كنت مجانب الإيمان

ولقد رأينا من فريق يدعى الإسلام شركا ظاهر التبيان ... جعلوا له شركاء والوهم وسووهم به في الحب لا السلطان ... والله ما ساووهم بالله بل ... زادوهم حبا بلا كتمان ... والله ما غضبوا إذا انتهكت محا ... رم ربهم في السر والإعلان ... حتى إذا ما قيل في الوثن الذي ... يدعونه ما فيه من نقصان ... فأجارك الرحمن من غضب ومن ... حرب ومن شتم ومن وعدوان ... وأجارك الرحمن من ضرب وتعزيز ومن سب ومن سجان ... والله لو عطلت كل صفاته ... ما قابلوك ببعض ذا العدوان ... والله لو خالفت نص رسوله ... نصا صريحا واضح التبيان ... وتبعت قول شيوخهم أو غيرهم ... كنت المحقق صاحب العرفان ... حتى إذا خالفت آراء الرجا ... ل لسنة المبعوث بالقرآن ... نادوا عليك ببدعة وضلالة ... قالوا وفي تكفيره قولان ... قالوا تنقصت الكبار وسائر العلماء بل جاهرت بالبهتان ... هذا ولم نسلبهم حقا لهم ... ليكون ذا كذب وذا عدوان ... وإذا سلبت صفاته وعلوه ... وكلامه جهرا بلا كتمان ... لم يغضبوا بل كان ذلك عندهم ... عين الصواب ومقتضى الإحسان ... والأمر والله العظيم يزيد فو ... ق الوصف لا يخفى على العميان

وإذا ذكرت الله توحيدا رأيت وجوههم مكسوفة الألوان ... بل ينظرون اليك شزرا مثل ما ... نظر التيوس الى عصا الجوبان ... وإذا ذكرت بمدحه شركاءهم ... يستبشرون تباشر الفرحان ... والله ما شتموا روائح دينه ... يا زكمة أعيت طبيب زمان ... ذكر الناظم رحمه الله تعالى هذه في الأبيات الشرك وذكر أن الله لا يغفره كما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء وقوله وهو اتخاذ الند للرحمن الخ أي إن الشرك هو اتخاذ ند من دون الله يدعوه كما يدعو الله ويرجوه كما يرجو الله ويخافه كما يخاف الله ويحبه كما يحب الله ونحو ذلك وهذا هو الشرك الأكبر الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب للنهي عنه وتكفير أهله واستباحة دمائهم وأموالهم قوله والله ما ساووهم بالله في خلق الخ أي إن المشركين ما ساووا معبوديهم بالله في الخلق والرزق والاحسان وإنما ساووهم بالله في المحبة والخوف والرجاء والدعاء ونحو ذلك كما قال تعالى عن المشركين إنهم يقولون لآلهتهم تالله إن كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين الشعراء ومعلوم أنهم ما ساووهم بالله في الخلق والرزق وانما ساووهم به في المحبة والتعظيم وإلا فهم يعتقدون أنهم مخلوقون مربوبون كما قال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون الأيات المؤمنون وقال تعالى عنهم ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى الزمر وكان المشركون يقولون في تلبيهم لبيك لا

شريك لك هو لك تملكه وما ملك وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض الاية سبأ قال الناظم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في الكلام على هذه الآيات وقد قطع الله الاسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها قطعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا او شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت فقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له سبأ فالمشرك انما يتخذه معبوده لما يحصل له من النفع والنفع لا يكون الا ممن خصلة من هذه الاربع اما مالكا لما يريد عابده منه فان لم يكن مالكا كان شريكا للمالك فان لم يكن شريكا له كان معينا وظهيرا فان لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده فنفى سبحانه المراتب الاربع نفيا مرتبا منتقلا من الاعلى الى الادنى فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك أثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة باذنه فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا وتجريد للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم او دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ثم قال ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج

من الموتى والاستغاثة بهم وهذا أصل شرك العالم فان الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له الى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده كأنه لا يقدر أن يشفع عند الله الا باذنه والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لاذنه وانما السبب كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الاذن وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها وهذه حالة كل مشرك فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغير دينه ومعادات أهل التوحيد ونسبة أهله الى التنقيص بالأموات وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأوليائه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه وهؤلاء هم اعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم ومانجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب سمعتهم الى الله واتخذ الله وحده وليه والهه ومعبوده فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه الى الله واستغاثته بالله وقصده لله متبعا لأمره متطلبا لمرضاته اذا سأل سأل الله واذا استعان استعان بالله واذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله انتهى كلامه قوله ولقد راينا من فريق يدعي الاسلام الخ قد ذكر الناظم في شرح المنازل كلاما كالشرح لكلامه هذا قال رحمه الله تعالى وأما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر فالاكبر لا يغفره الله الا بالتوبة منه وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ولهذا قالوا لآلهتهم في النار

تالله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين الشعراء مع اقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه وملكيه وان آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تميت ولا تحيي وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال مشركي العالم بل كلهم يحبون معبوديهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم اعظم من محبة الله ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده ويغضبون لتنقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون اذ انتقص أحد رب العالمين واذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث واذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها بل اذا قام المنتهك لها باطعامهم شيئا اعرضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى احدهم قد اتخذ ذكر آلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ان قام وان قعد وان عثر وان استوحى فذكر الهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه وهو لا ينكر ذلك ويزعم انه باب حاجته الى الله وشفيعه عنده ووسيلته اليه وهكذا كان عباد الأصنام سواء وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت من الحجر وغيرهم اتخذها من البشر قال تعالى حاكيا عن اسلاف هؤلاء المشركين والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون الزمر ثم شهد عليهم بالكذب والكفر وأخبر أنه لا يهديهم فقال ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار الزمر فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقرب الى الله وما أعز من تخلص من هذا بل

ما اعز من لا يعادي من انكره والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله واخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده احد الا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء فإنه يأذن سبحانه لمن يشاء في الشفاعة لهم حيث لم يتخذوا شفعاء من دونه فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن له صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله الشفاعة الصادرة عن اذنه لمن وحده والشفاعة التي نفاها الله الشفاعة الشركية في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء فيعاملون بنقيض قصدهم من شفاعتهم ويفوز بها الموحدون فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وقد سأله من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله كيف جعل اعظم الاسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب وأخبر ان سبب الشفاعة تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذ وليا أو شفيعا أنه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم ولم يعلموا ان الله لا يشفع عنده احد في الشفاعة الا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة الا لمن رضي قوله وعمله كما قال تعالى في الفصل الأول من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه البقرة وفي الفصل الثاني ولا يشفعون الا لمن ارتضى الأنبياء وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول وعن هاتين الكلمتين يسأل الألون والآخرون كما قال أبو العالية كلمتان يسأل عنهما الاولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين فهذه

ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها لا شفاعة إلا بإذنه ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول الا توحيده واتباع رسوله فان الله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره في العبادة والموالاة والمحبة كما في الآية الأخرى تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين الشعراء وكما في آية البقرة يحبونهم كحب الله البقرة وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله فانه يقول لا نحبهم كحب الله ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضبه لله ويستبشر بذكرهم سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات وتفريج الكربات وقضاء الحاجات وأنهم باب بين الله وعباده فترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه ويهبج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة وإذا ذكرت الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة وضيق وحرج ورماك بتنقص الآلهة التي له وربما عاداك رأينا هذا والله منهم عيانا ورمونا بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل والله مخزيهم في الدنيا والآخرة ولم يكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم عاب آلهتنا فقال هؤلاء تنقصتم مشايخنا وأبواب حوائجنا الى الله وهكذا قال النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ان المسيح عبد تنقصت المسيح وعبته وهكذا أشباه المشوكين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله قالوا تنقصت أصحابها فانظر الى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا انتهى كلامه

قوله حرب يحتمل أنه يكون بسكون الراء وهو معروف جمعه حروب ويحتمل أنه بفتح الراء مصدر حرب قال في القاموس حرب كفرح كلب واشتد غضبه فهو حرب قوله مكسوفة الالوان هو بالسين المهملة قال في القاموس ورجل كاسف البال سيء الحال وكاسف الوجه عابسه قوله شزر الخ قال في القاموس شزره واليه يشزره نظر منه في احد شقيه وهو نظر فيه إعراض أو نظر الغضبان بمؤخر العين او النظر يمينا وشمالا قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في صف العسكرين وتقابل الصفين واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران العوان بفتح العين أي حرب بعد حرب ... يا من يشب الحرب جهلا مالكم ... بقتال حزب الله قط يدان ... أنى يقاوم جندكم لجنودهم ... وهم الهداة وعسكر القرآن ... وجنودكم ما بين كذاب ودجا ... ل ومحتال وذي بهتان ... من كل أرعن يدعي المعقول وهو مجانب للعقل والايمان

قال في القاموس الأرعن الأهوج في منطقه الأحمق المسترخي وقد رعن مثلثه رعونة ورعنا محركة وما أرعنه انتهى ... أو كل مبتدع وجهمي غدا في قلبه حرج من القرآن ... أو كل من قد دان دين شيوخ أهل الاعتزال البين البطلان ... أو قائل بالاتحاد وأنه ... عين الاله وما هما شيآن ... أو من غدا في دينه متحيرا ... أتباع كل ملدد حيران ... وجنودهم جبريل مع ميكال مع ... باقي الملائك ناصري القرآن ... وجميع رسل الله من نوح الى ... خير الورى المبعوث من عدنان ... فالقلب خمستهم اولو العزم الألى ... في سورة الشورى أتوا ببيان ... في أول الأحزاب أيضا ذكرهم ... هم خير خلق الله من إنسان ... قوله في سورة الشورى الخ في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى الآية الاحزاب وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم الاحزاب الآية ... ولواؤهم بيد الرسول محمد ... والكل تحت لواء ذي الفرقان ... وجميع اصحاب الرسول عصابة الاسلام اهل العلم والايمان ... والتابعون لهم بإحسان على ... طبقاتهم في سائر الأزمان ... أهل الحديث جميعهم وأئمة ال ... فتوى وأصل حقائق العرفان

العارفون بربهم ونبيهم ... ومراتب الأعمال في الرجحان ... ... صوفية سنية نبوية ليسوا أولي شطح ولا هذيان ... هذا كلامهم لدينا حاضر ... من غير ما كذب ولا كتمان ... فاقبل حوالة من أحال عليهم ... هم أملياؤهم اولو إمكان ... أي إن كلام المذكورين لدينا حاضر وقد أحلنا كم عليه فاقبل ايها المحال الحوالة كما قال صلى الله عليه وسلم من أحيل على مليئ فليتبع ... فاذا بعثنا غارة من أخريا ... ت العسكر المنصور بالقرآن ... ... طحنتكم طحن الرحى للحب حتى صرتم كالبعر في القيعان ... أنى يقاوم ذا العساكر طمطم ... او تنكلوشا أو أخو اليونان ... طمطم وتنكلوشا من فلاسفة الهند ... أعني أرسطو عابد الأوثان أو ... ذاك الكفور معلم الالحان ... ذاك المعلم أولا للحرف والثاني لصوت بئست العلمان ... هذا أساس الفسق والحرف الذي ... وضعوا اساس الكفر والهذيان ... يعني ان ارسطو هو معلم الحرف والمراد به المنطق لأنه اول من وضع التعاليم المنطقة والمعلم الثاني هو الفارابي وهو محمد بن محمد أبو نصر الفارابي التركي الفيلسوف وكان من أعلم الناس بالموسيقى بحيث كان يتوصل بصناعته الى التأثير في الحاضرين من مستمعيه إن شاء حرك ما يبكي او ما يضحك أو ما ينوم كان حاذقا في الفلسفة ومن كتبه تفقه ابن سينا وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجسماني وتخصيص المعاد للأرواح العالمة

لا الجاهلة وله مذاهب في ذلك تخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين فعليه ان مات على ذلك لعنة رب العالمين وقد كانت وفاته بدمشق فيما قاله ابن الاثير في كامله في سنة 339 ... أو ذلك المخدوع حامل راية ال ... لحاد ذاك خليفة الشيطان ... أعني ابن سينا ذلك المحلول من ... أديان أهل الأرض ذا الكفران ... وكذا نصير الشرك في أتباعه ... أعداء رسل الله والايمان ... نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم ... وغزوا جيوش الدين والقرآن ... فجرى على الاسلام أعظم محنة ... لم تجر قط بسالف الأزمان ... أو جعد أوجهم وأتباع لهم ... هم أمة التعطيل والبهتان ... أو حفص أو بشر أو النظام ذا ... ك مقدم الفساق والمجان ... والجعفران كذاك شيطان ويد ... عى الطاق لا حييت من شيطان ... وكذلك الشحام والعلاف والنجار أهل الجهل بالقرآن ... والله ما في القوم شخص رافع ... بالوحي رأسا بل برأي فلان ... وخيار عسكركم فذاك الأشعري ... القرم ذاك مقدم الفرسان ... لكنكم والله ما أنتم على ... إثباته والحق ذو برهان ... هو قال إن الله فوق العرش واستولى مقالة كل ذي بهتان ... في كتبه طرا وقرر قول ذي الإثبات تقريرا عظيم الشان

لكنكم أكفرتموه وقلتمم من قال هذا فهو ذو كفران ... فخيار عسكركم فأنتم منهم برآء إذ قربوا من الايمان ... تقدمت ترجمة ابن سينا والنصير الطوسي والجعفران هما جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وحفص هو حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي وهو من تلاميذ حسين النجار وبشر هو ابن غياث المريسي والنظام هو ابراهيم بن سيار النظام وشيطان الطاق هو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان الكوفي المعتزلي الشيعي الصيرفي المعروف بشيطان الطاق من أجل أنه كان صيرفيا بطاق المخامل من بغداد فاختلف هو وصيرفي في نقد درهم فغلبه فقال متبجحا أنا شيطان الطاق فغلب عليه هذا الاسم والرافضة تنتحله وتسميه ميمون الطاق وله قضية مع ابي حنيفة رحمه الله وله شعر جيد قال بشار بن برد شيطان الطاق أشعر مني ومذهبه ان الامامة لم تزل الى موسى بن جعفر الصادق فلما مات موسى قطع الامامة ووافق هشام ابن الحكم في قوله ان الله تعالى يعلم الاشياء بعد وقوعها ولا يعلم أنها ستقع وزعم ان الله تعالى على صورة الانسان لقوله عليه السلام إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ليس بجسم وله كتب عديدة منها

كتاب افعل لما فعلت وكتاب افعل لا تفعل وعنده أن كبار الفرق أربعة القدرية والخوارج والعامة والشيعة فالناجي في الآخرة من الفرق الشيعة ومن رأيه ورأي هشام الامساك عن الكلام في الله تعالى بقوله تعالى وأن الى ربك المنتهى النجم أي اذا بلغ الكلام الى الله تعالى فأمسكوا قالا ولذلك أمسكنا عن القول في الله والتكفير فيه وقيل له ويحك أما استحيت أما اتقيت الله تعالى أن تقول في كتاب الامامة إن الله لم يقل قط في القرآن ثاني اثنين اذ هما في الغار فضحك طويلا وكانت وفاته في حدود الثمانين ومائة ومن شعره ... ولا تكن في حب الأخلاء مفرطا ... وإن أنت أبغضت البغيض فأجمل ... فإنك لا تدري متى أنت مبغض ... صديقك أو تعذر عدوك فاعقل ... وأبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف والنجار هو الحسين بن محمد النجار قوله القرم السيد أصله فحل الابل قال الخطابي معناه المقدم في المعرفة بالأمور والرأي وقوله لكنكم كفرتموه الخ هذا تكفير باللزوم أي لأنهم كفروا من قال بهذا القول قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذي العساكر قد تلاقت جهرة ... ودنا القتال وصيح بالأقران ... صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا ... للحرب واقتربوا من الفرسان

فهم الى لقياكم بالشوق كي ... يوفوا بنذرهم من القربان ... ولهم اليكم شوق ذي قرم فما ... يشفيه غير موائد اللحمان ... قال في القاموس القرم محركة شدة شهوة اللحم كثر حتى قيل في الشوق الى الحبيب ... تبا لكم لو تعقلون لكنتم ... خلف الخدور كأضعف النسوان ... من أين أنتم والحديث وأهله ... والوحي والمعقول بالبرهان ... ماعندكم الا الدعاوي والشكا ... وي أو شهادات على البهتان ... هذا الذي والله نلنا منكم ... في الحرب إذ يتقابل الصفان ... والله ما جئتم بقال الله أو ... قال الرسول ونحن في الميدان ... إلا بجعجعة وفرقعة وغمغمة ... وقعقعة بكل شنان ... ويحق ذاك لكم وأنتم أهله ... أنتم بحاصلكم أو لو عرفان ... وبحقكم تحموا مناصبكم وان ... تحموا مآكلكم بكل سنان ... وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن ... سنن الرسول ومقتضى القرآن ... قبح الإله مناصبا ومآكلا ... قامت على العدوان والطغيان ... والله لو جئتم بقال الله او ... قال الرسول كفعل ذي الايمان ... كنا لكم شاويش تعظيم وإجلال كشاويش لذي سلطان ... لكن هجرتم ذا وجئتم بدعة وأردتم التعظيم بالبهتان

فصل ... العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان ... ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان ... كلا ولا جحد الصفات لربنا ... في قالب التنزيه والسبحان ... كلا ولا نفي العلو لفاطر الأكوان فوق جميع الأكوان ... كلا ولا عزل النصوص وانها ... ليست تفيد حقائق الايمان ... إذ لا تفيدكم يقينا لا ولا ... علما فقد عزلت عن الإيقان ... والعلم عندكم ينال بغيرها ... بزبالة الأفكار والأذهان ... قال في القاموس الزبل بالكسر وكأمير السرقين والزبلة بضم الباء ملقاه وموضعه وزبل زرعه يزبله سمده وككتاب ما تحمله النخلة ... سميتموه قواطعا عقلية ... وهي الظواهر حاملات معان ... أي إنكم سميتم ما وضعتموه من الفعليات قواطع عقلية بزعمكم وأما الكتاب والسنة فهي أدلة لفظية محتملة لمعان وهي الاحتمالات التسعة أو العشرة وقد تقدمت فلذلك لا تفيد اليقين ... كلا ولا إحصاء آراء الرجا ... ل وضبطها بالحصر والحسبان

كلا ولا التأويل والتبديل والتحريف للوحيين بالبهتان ... كلا ولا الاشكال والتشكيك والوقف الذي ما فيه من عرفان ... هذي علومكم التي من أجلها ... عاديتمونا يا أولي العرفان ... هذه الأبيات التي صدر بها الناظم هذا الفصل تشابه ما أنشده الحافظ مؤرخ الاسلام أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي رحمه الله تعالى ... العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ... ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي سفيه ... كلا ولا نصب الخلاف جهالة ... بين النصوص وبين رأي فقيه ... كلا ولا رد النصوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه ... ... حاشا النصوص من الذي رميت به ... من فرقة التعطيل والتمويه ... قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في عقد الهدنة والأمان الواقع بين المعطلة واهل الالحاد حزب جنكسخان قال في القاموس الهدنة بالضم المصالحة كالمهادنة ... يا قوم صالحتم نفات الذات والأوصاف صلحا موجبا لأمان ... وأغرتم وهنا عليهم غارة ... قعقعتم فيها لهم بشنان ... ما كان فيها من قتيل منهم ... كلا ولا فيها أسير عان ... ولطفتم في القول أوصانعتم ... وأتيتم في بحثكم بدهان ... وجلستم معهم مجالسكم مع الأستاذ بالآداب والميزان

وضرعتم للقول كل ضراعة ... حتى أعاروكم سلاح الجاني ... فغزو ثم بسلاحهم لعساكر الإثبات والآثار والقرآن ... ولأجل ذا صانعتموهم عند حر بكم لهم باللطف والإذعان ... ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم ... لم تنفتح منكم لهم عينان ... حذرا من استرجاعهم لسلاحهم فترون ... بعد السلب كالنسوان ... يعني الناظم رحمه الله تعالى أن المكلفين من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم لما ابتدعوا دليل الاكوان المعروف وقصدوا بذلك الرد على الفلاسفة قال شيخ الاسلام وقالوا إن دين الاسلام إنما يقوم على هذا الأصل وانه لا يعرف ان محمدا رسول الله الا بهذا الأصل فان معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل فلا بد من إثبات العلم الصانع اولا ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه قالوا وهذا لا يمكن معرفته الا بهذا الطريق ويقول كثير منهم إن هذه طريقة ابراهيم الخليل المذكورة في قوله لا احب الآفلين الأنعام قالوا فان ابراهيم استدل بالأفول وهو الحركة والانتقال على ان المتحرك لا يكون إلها قالوا ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول مخالفا لذلك عن وصف الرب بالاتيان والمجيء والنزول وغير ذلك فإن كونه نبيا لم يعرف إلا بهذا الدليل العقلي فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي نقول إنه عارض السمع ونقول إذا تعارض السمع والعقل امتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السمع دون العقل لأن العقل هو اصل السمع فلو جرح أصل الشرع كان جرحا له ولأجل

هذا الطريق نفت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية وقالوا القرآن مخلوق ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار ولأجلها قال العلاف بفناء حركتها والتزم قوم لأجلها أن كل جسم له طعم ولون وريح فقال لهم الناس أما قولكم إن هذه الطريقة هو الاصل في معرفة الاسلام ونبوة الرسل فهذا ما يعلم فساده بالإضطرار من دين الإسلام فانه من المعلوم لكل من عرف حال الرسول واصحابه وما جاء به من الايمان والقرآن أنه لم يدع الناس بهذه الطريقة أبدا ولا تكلم بها احد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان فكيف تكون هي اصل الايمان والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس إيمانا لم يتكلموا بها البتة ولا سلكها منهم أحد والذين علموا ان هذه طريقة مبتدعة حزبان حزب ظنوا أنها صحيحة في نفسها لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها وغموضها وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل وهذا قول جماعة كالأشعري في رسالته الى الثغر والخطابي والحليمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء والثاني قول من يقول بل هذه طريقة باطلة في نفسها ولهذا ذمها السلف وعدلوا عنها وهذا قول ائمة السلف كابن المبارك والشافعي واحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية وابي يوسف ومالك ابن انس وعبد العزيز بن الماجشون وغير هؤلاء من السلف وحفص الفرد لما ناظر الشافعي في مسألة القرآن وقال القرآن مخلوق وكفره الشافعي كان قد ناظره بهذه الطريقة وكذلك أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث كان من المناظرين للامام احمد في مسالة القرآن بهذه الطريقة وقال لهم الناس إن هذا الاصل الذي ادعيتم اثبات الصانع به وانه لا يعرف إثبات خالق للمخلوقات إلا به هو بعكس ما قلتم بل هذا الاصل يناقض كون الرب خالقا للعالم ولا يمكن مع القول به القول بحدوث العالم ولا الرد على

الفلاسفة فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الاسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة لا للاسلام نصروا ولا لعدوه كسروا بل كان ما ابتدعوه مما افسدوا به حقيقة الاسلام على من تبعهم فأفسدوا عقله ودينه واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين وفتحوا لعدو الاسلام بابا إلى مقصوده فان حقيقة قولهم ان الرب لم يكن قادرا ولا كان الكلام والفعل ممكنا له ولم يزل كذلك دائما مدة او تقدير مدة لا نهاية لها ثم انه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك وجعلوا مفعوله هو فعله وجعلوا فعله وارادته بعلة قديمة أزلية والمفعول متأخرا وجلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب السنة وأنكروا صفاته ورؤيته وقالوا ورؤيته وقالوا كلامه مخلوق وهو خلاف دين الاسلام والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا يريد جميع المرادات بارادة واحدة وكل كلام تكلم به أو يتكلم به انما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض واذا رؤي رؤي لا بمواجهة ولا معاينة وإنه لم يسمع ولم يرى الاشياء حتى وجدت لم يقم به انه موجود بل حاله قبل ان يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك الى امثال هذه الأقوال التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح ثم لما رأت الفلاسفة ان هذا مبلغ علم هؤلاء وان هذا هو الاسلام الذي عليه هؤلاء علموا فساد هذا أظهروا قولهم بقدم العالم واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد ان لم يكن ممتنع بل لا بد لكل متجدد من سبب حادث فيكون الفعل دائما ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو أنه إذا كان الفعل دائما لزم قدم الأفلاك والعناصر ثم لما أرادوا تقرير النبوة جعلوها فيضا يفيص على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره من غير ان يكون رب العالمين يعلم

له رسولا معينا ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا يعلم الجزئيات ولا نزل من عنده ملك بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي وهو العقل الفعال وأنكروا ان تكون السماوات تنشق وتنفطر وغير ذلك مما اخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وزعموا ان ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور بما يخيل اليهم بما ينتفعون اليه من غير ان يكون الامر في نفسه كذلك ومن غير ان تكون الرسل بينت الحقائق وعلمت الناس ما الامر عليه ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي وحقيقة قولهم ان الانبياء كذبوا للمصلحة لما ادعوه من نفع الناس وهل كانوا جهلاء على قولين لهم إلى غير ذلك من انواع الالحاد والكفر الصريح والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى وقول شيخ الاسلام إنهم يعني المتكلمين لا للاسلام نصروا ولا لعدوه كسروا هو معنى قول الناظم وأغرتم وهنا عليهم غارة الخ قوله ولطفتم في القول أو صانعتم يعني أنكم لضعف دليلكم صانعتم الفلاسفة وتلطفتم بالرد عليهم لأن بعض المتكلمين يصرحون بتكافيء الأدلة كما قال الامام شيخ الاسلام ابو اسماعيل عبد الله بن محمد الانصاري في كتاب ذم الكلام قال وقد سمعت محمد بن زيد العمري النسابة اخبرنا المعافى سمعت ابا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهر بن احمد يقول اشهد لمات فلان متحيرا لسبب مسألة تكافيء الأدلة وذكر إماما من أئمة المتكلمين ونقل شيخ الاسلام ابن تيمية في كتاب العقل والنقل قال وقد بلغني باسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن انه قال عند الموت أموت وما علمت شيئا الا ان الممكن يفتقر الى الواجب

ثم قال الافتقار وصف عدمي أموت وما علمت شيئا وكذلك الاصبهاني اجتمع بالشيخ ابراهيم الجعبري يوما فقال له بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته وكذلك حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال أبيت بالليل واستلقي على ظهري واضع الملحفة على وجهي وابيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس وأصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني أدلة المتكلمين من الفلاسفة انتهى كلام الشيخ قوله قعقعة فيها لهم بشنان القعقعة تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره الشنان جمع شن وهو القربة البالية وهم يحركونها اذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع قال النابغة ... كأنك من جمال بين اقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن مثل يضرب لمن لا يتضعضع لما ينزل به من حوادث الدهر ولا يروعه ما لا حقيقة له ومعنى كلام الناظم رحمه في هذا الفصل إنكم أيها النقاة صانعتم الفلاسفة وناظرتموهم مناظرة ضعيفة لم تزدهم الاشرا وإغراء قوله ولأجل ذا صرتم مخانيثا لهم الخ هذا كما يقال المعتزلة مخانيث الفلاسفة قال الناظم رحمه الله تعالى ... وبحثتم مع صاحب الاثبات بالتكفير والتضليل والعدوان ... وقلبتم ظهر المجن له وأجلبتم عليه بعسكر الشيطان ... والله هذي رتبة لا يختفي ... مضمونها إلا على الثيران

هذا وبينهما أشد تفاوت ... فئتان في الرحمن مختصمان ... هذا نفي ذات الاله ووصفه ... نفيا صريحا ليس بالكتمان ... لكن ذا وصف الاله بكل او ... صاف الكمال المطلق الرباني ... ونفى النقائص والعيوب كنفيه التشبيه للرحمن بالانسان ... فلأي شيء كان حربكم له ... بالجد دون معطل الرحمن ... قوله وبحثتم مع صاحب الاثبات الخ أي انكم خرجتم عن الحد في بحثكم مع صاحب الاثبات وكفرتموه وضللمتموه واعتديتم عليه قوله وقلبتم ظهر المجن قال في القاموس المجن والمجنة بكسرهما والجنان بالضم الترس وقلب مجنه اسقط الحياء وفعل ما شاء أو ملكه أمره أو اشتد به قوله هذا نفى ذات الاله ووصفه الخ أي إن المعطل نفى ذات الرب سبحانه وصفاته وهذا من الناظم في نفي ذات الرب سبحانه على سبيل الالزام والمثبت أثبت صفات الكمال لربه سبحانه ونفى عنه النقائص والعيوب فلاي شيء كان حربكم للمثبت بالحد أي حاربتموهم أشد الحرب وأما المعطلة فصانعتموهم وداهنتموهم في البحث وتأدبتم معهم وانما ذلك لخوف استرجاعهم سلاحهم الذي تسلحتم على نفي صفات الرب سبحانه قال الناظم ... قلنا نعم هذا المجسم كافر ... أفكان ذلك كامل الايمان ... لا تنطفي نيران غيظكم على ... هذا المجسم يا أولي النيران

فالله يوقدها ويصلي حرها ... يوم الحساب محرف القرآن ... يا قومنا لقد ارتكبتم خطة ... لم يرتكبها قط ذو عرفان ... وأعنتم أعداءكم بوفاقكم لهم على شيء من البطلان ... أي لما قلنا للمتكلمين لأي شيء كان حربكم للمثبتة اشد الحرب دون المعطلة قالوا لنا في الجواب إن المثبت كافر فيقال لهم فهل المعطل كامل الايمان قوله وأعنتم أعداءكم بوفاقكم الخ أي إنكم معاشر المتكلمين أعنتم أعداءكم المعطلة على شيء من الباطل كنفي صفات الرب سبحانه او بعضها وقولكم بخلق القرآن وإنكار رؤية الله سبحانه في الآخرة وغير ذلك قال الناظم ... أخذوا نواصيكم بها ولحاكم ... فغدت تجر بذلة وهوان ... قلتم بقولهم ورمتم كسرهم ... أنى وقد غلقوا لكم برهان ... ... وكسرتم الباب الذي من خلفه ... أعداء رسل الله والايمان ... فأتى عدو مالكم بقتالهم ... وبحربهم أبد الزمان يدان ... أي إن المتكلمين لما قالوا ببعض أقوال المعطلة صعب الرد عليهم منهم لأنهم قد غلقوا لهم برهان فلهذا عجزوا عن الرد عليهم قال الناظم ... فغدوتم أسرى لهم بحبالهم ... أيديكم شدت الى الأذقان

حملوا عليكم كالسباع استقبلت ... حمرا معقرة ذوي أرسان ... صالوا عليكم بالذي صلتم به ... أنتم علينا صولة الفرسان ... لولا تحيزكم الينا كنتم ... وسط العرين ممزقي اللحمان ... لكن بنا استنصرتم وبقولنا ... صلنا عليهم صولة الشجعان ... وليتم الاثبات اذ صلتم به ... وعزلتم التعطيل عزل مهان ... وأتيتم تغزونا بسرية ... من عسكر التعطيل والكفران ... من ذا بحق الله أجهل منكم ... وأحقنا بالجهل والعدوان ... ... تالله ما يدري الفتى بمصابه ... والقلب تحت الختم والخذلان ... قوله لولا تحيزكم الينا الخ يعني إن المتكلمين في بعض الأحوال يتحيزون الى المثبتة وأهل الحديث كما صنف الامام أبو الحسن الأشعري المصنفات الكثيرة بعد رجوعه عن مذاهب المعتزلة في نصرة اهل السنة واصحاب الحديث كالإبانة في أصول الديانة ومقالات الاسلاميين و رسائل الثغر وغير ذلك وكما قال الفخر الرازي في آخر مصنفاته وهو كتاب أقسام اللذات لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الاثبات الرحمن على العرش استوى طه واليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر واقرأ في النفي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى ولا يحيطون به علما طه ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي

قال الناظم رحمه الله تعالى فصل في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة أمراء الاثبات الموحدين الأسنة جمع سنان بكسر السين وهو الرمح ... واذا أردت ترى مصارع من خلا ... من أمة التعطيل والكفران ... وتراهم أسرى حقيرا شأنهم ... أيديهم غلت إلى الأذقان ... وتراهم تحت الرماح دريئة ... ما فيهم من فارس طعان ... تقدم معنى الدريئة ... وتراهم تحت السيوف تنوشهم ... من عن شمائلهم وعن ايمان ... وتراهم انسلخوا من الوحيين والعقل الصريح ومقتضى القرآن ... وتراهم والله ضحكة ساخر ... ولطالما سخروا من الايمان ... قد أوحشت منهم ربوع زادها الجبار إيحاشا مدى الأزمان ... قال في القاموس الربع الدار بعينها حيث كانت جمع رباع وربوع وأربع وأرباع والمحلة والمنزل والنفس وجماعة الناس والموضع يرتبعون فيه في الربيع كالمربع كمقعد انتهى ... وخلت ديارهم وشتت شملهم ... ما فيهم رجلان مجتمعان

قد عطل الرحمن أفئدة لهم ... من كل معرفة ومن ايمان ... إذ عطلوا الرحمن من أوصافه ... والعرش أخلوه من الرحمن ... بل عطلوه عن الكلام وعن صفا ... ت كماله بالجهل والبهتان ... فاقرأ تصانيف الامام حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني ... أعني أبا العباس أحمد ذلك البحر المحيط بسائر الخلجان ... الخليج من البحر شرم منه وهو أيضا النهر وقيل جانباه خليجاه والجمع خلج بضمتين قاله في مختار الصحاح ... واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان ... وكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان ... وكذاك أهل الاعتزال فانه ... أرادهم في حفرة الجبان ... وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني ... التأسيس المذكور هو تأسيس التقديس للفخر الرازي في تأويل الصفات الخبرية صنفه للملك العادل أي بكر بن أيوب وقد نقض شيخ الاسلام بكتاب تخليص التلبيس من تأسيس التقديس ويسمى ايضا بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية وهو كتاب عظيم نفيس قال تلميذه الحافظ محمد بن عبد الهادي في ترجمته المبسوطة لو سافر رجل الى الصين في تحصيله لما كان كثيرا هو كما قال ... وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كتبن سمان

وكذا جواب للنصارى فيه ما ... يشفي الصدور وأنه سفران ... وهو المسمى بالجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ... وكذاك شرح عقيدة للاصبها ... ني شارح المحصول شرح بيان ... فيها النبوات التي إثباتها ... في غاية التقرير والتبيان ... والله ما لأولي الكلام نظيره ... أبدا وكتبهم بكل مكان ... وكذا حدوث العالم العلوي والسفلي فيه في أتم بيان ... وكذا قواعد الاستقامة أنها ... سفران فيما بيننا ضخمان ... وقرأت أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمان ... هذا ولو حدثت نفسي أنه ... قبلي يموت لكان غير الشان ... وكذلك توحيد الفلاسفة الألى ... توحيدهم هو غاية الكفران ... سفر لطيف فيه نقض أصولهم ... بحقيقة المعقول والبرهان ... وكذاك تسعينية فيها له ... رد على من قال بالنفساني ... تسعون وجها بينت بطلانه أعني كلام النفس ذا الوحدان ... أي إنه رحمه الله صنف الكتاب المسمى بالتسعينية وهو رد على القائلين بالكلام النفسي وان كلام الله تعالى معنى واحد قائم بالنفس على ما هو معروف وقوله ذا الوحدان بالحاء المهملة أي إنه معنى واحد

وكذا قواعده الكبار وانها ... أوفى من المائتين في الحسبان ... لم يتسع نظمي لها فأسوقها ... فأشرت بعض إشارة لبيان ... وكذا رسائله الى البلدان وال أطراف والاصحاب والاخوان ... هي في الورى مبثوثة معلومة تبتاع بالغالي من الأثمان ... وكذا فتاواه فأخبرني الذي ... أضحى عليها دائم الطوفان ... بلغ الذي ألقاه منها عدة الأيام من شهر بلا نقصان ... سفر يقابل كل يوم والذي ... قد فاتني منها بلا حسبان ... أي إن فتاوله بلغت ثلاثين سفرا ... هذا وليس يقصر التفسير عن ... عشر كبار ليس ذا نقصان ... وكذا المفاريد التي في كل مسألة فسفر واضح التبيان ... ما بين عشر أو تزيد بضعفها ... هي كالنجوم لسالك حيران ... ... وله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غير جبان ... نصر الاله ودينه وكتابه ... ورسوله بالسيف والبرهان ... أبدى فضائحهم وبين جهلهم ... وأرى تناقضهم بكل مكان ... وأصارهم والله تحت نعال أهل الحق بعد ملابس التيجان ... وأصارهم تحت الحضيض وطالما ... كانوا هم الاعلام للبلدان ... ومن العجائب أنه بسلاحهم ... أرداهم تحت الحضيض الداني

كانت نواصينا بأيديهم فما ... منالهم إلا أسير عان ... فغدت نواصيهم بأيدينا فلا ... يلقوننا الا بحبل أمان ... وغدت ملوكهم مماليكا لأنصار الرسول بمنة الرحمن ... وأتت جنودهم التي صالوا بها ... منقادة لعساكر الايمان ... يدري بهذا من له خبر بما ... قد قاله في ربه الفئتان ... والقدم يوحشنا وليس هناكم ... فحضوره ومغيبه سيان ... حاصل كلامه في هذا الفصل ذكر بعض مؤلفات شيخه شيخ الاسلام وذكر بعض مناقبه وهي بحر لا ساحل له وقد أفردت المصنفات الكثيرة في مناقبه كالعقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام ابن تيمية لتلميذه الحافظ محمد بن عبد الهادي في مجلد وعدد أسماء تصانيفه في نحو كراس ومناقبه لتلميذه أي حفص البزاز في كراسين وترجمته المفردة للحافظ ابي عبد الله الذهبي وهي غير تراجمه التي ذكرها في تواريخه وقد ذكره الشيخ أبو حفص عمر بن الوردي في تاريخه وأطنب في ترجمته وكذا ذكره الامام أبو العباس أحمد بن فضل الله العمري في تاريخه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار وأسهب وأطنب والحافظ عماد الدين بن كثير في كتاب البداية والنهاية والحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في طبقات الحنابلة والشيخ محمد بن شاكر في ذيله على تاريخ ابن خلكان والحافظ ابن حجر العسقلاني والامام ابن العماد في شذرات الذهب وغيرهم ومن أراد معرفة تصانيفه وعلومه العظيمة فليرجع الى هذه المصنفات ير فيها ما يثلج صدره والله تعالى يغفر له ويرحمه ويجزيه عن الاسلام خيرا

تنبيه قد نبغ في آخر القرن الثامن رجل يقال له علاء الدين محمد بن محمد البخاري تكلم في شيخ الاسلام بما هو من كلام الطغام وأشباه الأنعام وزعم أن من سماه شيخ الاسلام فهو كافر وقد تصدى للرد عليه في هذه الضلالة وقبيح هذه المقالة الشيخ الامام العلامة والمحدث الفهامة الحافظ ابو عبد الله محمد بن ناصر الدين الشافعي رحمه الله تعالى بكتاب سماه الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الاسلام كافر وقد أجاد فيه وأفاد وبلغ في إفحام الخصم الغاية والمراد وهو في مجلد لطيف وقد مدح هذا التأليف مشايخ الاسلام وقرظوه بما يشفي الأوام كشيخ الاسلام أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري وقاضي القضاة شيخ الاسلام صالح بن عمر البلقيني الشافعي والامام قاضي القضاة عبد الرحمن التفهني الحنفي والعلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي والعلامة الحافظ قاضي القضاة نور الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي والامام الهمام العلامة الفهامة أحمد ابن نصر الله البغدادي الحنبلي والشيخ الامام العالم الهمام ابراهيم بن محمد الحلبي والشيخ الامام العلامة مفيد القاهرة رضوان بن محمد أبو النعيم قوله والفدم قال في القاموس الفدم العيي عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم والغليظ الاحمق الجافي جمع فدام وهي بهاء فدم ككرم فدامة وفدومة انتهى

فصل في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان ... يا قوم أصل بلائكم اسماء لم ... ينزل بها الرحمن من سلطان ... هي عكستكم غاية التعكيس واقتلعت دياركم من الاركان ... فتهدمت تلك القصور وأوحشت منكم ربوع العلم والايمان ... والذنب ذنبكم قبلتم لفظها ... من غير تفصيل ولا فرقان ... وهي التي اشتملت على أمرين من ... حق وأمر واضح البطلان ... سميتم عرش المهمين حيزا ... والاستواء تحيزا بمكان ... وجعلتم فوق السماوات العلى ... جهة وسقتم نفي ذا بوزان ... يعني أن المصيبة والبلاء الذي حل بأهل التعطيل والكفران من جهة الاسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان وذلك أنهم سموا عرش المهيمن سبحانه حيزا وسموا الاستواء تحيزا وجهة قال ... وجعلتم الاثبات تشبيها وتجسيما وهذا غاية البهتان ... وجعلتم الموصوف جسما قابل الاعراض والاكوان والألوان

وجعلتم أوصافه عرضا وهذا كله جسر الى النكران ... أي أنكم أيها المعطلة سميتم تشبيها وتجسيما وقلتم اذا وصفتم الله بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله فقد قلتم بأن الله جسم قابل للأعراض وهي الألوان ونحوها والأكوان الاربعة وهي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون تعالى الله عن ذلك قال ... وكذاك سميتم حلول حوادث ... أفعاله تلقيب ذي عدوان ... اذ تنفر الاسماع من ذا اللفظ نفرتها من التشبيه والنقصان ... فكسوتم أفعاله لفظ الحوا ... دث ثم قلتم قول ذي بطلان ... ليست تقوم به الحوادث والمرا ... د النفي للأفعال للديان ... فاذا انتفت أفعاله وصفاته ... وكلامه وعلو ذي سلطان ... فبأي شئ كان ربا عندكم ... يا فرقة التحقيق والعرفان ... والقصد نفي فعاله عنه بذا التلقيب فعل الشاعر الفتان ... وكذاك حكمة ربنا سميتم ... عللا وأغراضا وذان اسمان ... لا يشعران بمدحه بل ضدها ... فيهون حينئذ على الاذهان ... نفي الصفات وحكمة الخلاق والأفعاله إنكارا لهذا الشان ... وكذا استواء الرب فوق العرش قلتم إنه التركيب ذو بطلان ... وكذاك وجه الرب جل جلاله ... وكذاك لفظ يد ولفظ يدان

سميتم ذا كله الاعضاء بل ... سميتموه جوارح الانسان ... وسطوتم بالنفي حينئذ عليه كنفينا للعيب مع نقصان ... قلتم ننزهه عن الاعراض والأغراض والابعاض والجثمان ... وعن الحوادث أن تحل بذاته ... سبحانه من طارق الحدثان ... ... والقصد نفي صفاته وفعاله ... والاستواء وحكمة الرحمن ... يعني الناظم رحمه الله تعالى أن المعطلة سموا صفات الرب سبحانه وتعالى أعراضا وسموا حكمته أغراضا وعللا وسموا إثبات وجهه ويده أو يديه سبحانه أبعاضا وقالوا سبحانه وتعالى منزه عن الاعراض والأغراض والابعاص وكذا سموا قيام أفعاله به سبحانه حلول الحوادث وذلك كله لأجل التشنيع على من تبع مذهب السلف الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول ولهذا قال الناظم فاذا انتفت أفعاله وكلامه وصفاته وعلوه على عرشه فبأي شيء كان ربا عندكم قال الناظم رحمه الله تعالى ... والناس أكثرهم بسجن اللفظ محبوسون خوف معرة السجان ... والكل إلا الفرد يقبل مذهبا ... في قالب ويرده في ثان ... والقصد أن الذات والاوصاف والأفعال لا تنفى بذا الهذيان ... سموه ما شئتم فليس الشأن في الأسماء بل في مقصد ومعان ... كم ذا توسلتم بلفظ الجسم والتجسيم للتعطيل والكفران ... وجعلتموه الترس ان قلنا لكم ... الله فوق العرش والاكوان

قلتم لنا جسم على جسم تعالى الله عن جسم وعن جثمان ... ... وكذاك ان قلنا القرآن كلامه ... منه بدا لم يبد من انسان ... كلا ولا ملك ولا لوح ولا ... كن قاله الرحمن قوله بيان ... تقدم معنى أن الكلام بدا منه تعالى ومعنى بدايته ... قلتم لنا إن الكلام قيامه ... بالجسم أيضا وهو ذو حدثان ... عرض يقوم بغير جسم لم يكن ... هذا بمعقول لدى الأذهان ... أي قالت النفاة إذ قلتم إن كلام الله تعالى بدا منه لم يبد من انسان ولا ملك ولا من اللوح المحفوظ فتقول النفاة الكلام عرض والعرض لا يقوم بغير جسم فكلامكم أيها المثبتة غير معقول ... وكذاك حين نقول ينزل ربنا ... في ثلث ليل آخر أو ثان ... قلتم لنا إن النزول لغير أجسام محال ليس ذا إمكان ... وكذاك ان قلنا يرى سبحانه ... قلتم أجسم كي يرى بعيان ... أي إذا قلنا إنه سبحانه يرى في الآخرة قالت المعطلة يلزم أنه جسم وأن له جهة ... أم كان ذا جهة تعالى ربنا ... عن ذا فليس يراه من إنسان ... أما اذا قلنا له وجه كما ... في النقص أو قلنا كذاك يدان ... وكذاك ان قلنا كما في النص إن القلب بين أصابع الرحمن ... وكذاك إن قلنا الاصابع فوقها ... كل العوالم وهي ذو رجفان

وكذاك ان قلنا يداه لأرضه ... وسمائه في الحشر قابضتان ... وكذاك ان قلنا سيكشف ساقه ... فيخر ذاك الجمع للأذقان ... وكذاك ان قلنا يجئ لفصله ... بين العباد بعدل ذي سلطان ... قامت قيامتكم كذاك قيامة ال ... آتي بهذا القول في الرحمن ... أي إذا قلنا إن له تعالى وجها كما ورد به النص كما يليق بجلاله أو قلنا إن له سبحانه يدين أو قلنا كما في النص ان القلب بين اصابع الرحمن او ان الاصابع فوقها العوالم وانه يقبض أرضه وسماءه في الحشر وأنه سيكشف عن ساق وأنه سبحانه يجيء لفصل القضاء وغير ذلك مما في كتاب الله أو في صحيح السنة وحسنها من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل قامت قيامتكم ورميتمونا بكل حجر ومدر ولنبسط الكلام في الوجه واليدين فنقول وجه الرب سبحانه حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته واختلف المعطلة في جهة التجوز في هذا فقالت طائفة لفظ الوجه زائد والتقدير ويبقى ربك إلا ابتغاء ربه الأعلى ويريدون ربهم وقالت فرقة الوجه بمعنى الذات وهذا قول أولئك وان اختلفوا في التعبير عنه وقالت فرقة ثوابه وجزاؤه فجلعه هؤلاء مخلوقا منفصلا قالوا لأن الذي يراد هو الثواب قال عثمان بن سعيد الدرامي وقد حكى قول المريسي انه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا قام العبد يصلي اقبل الله عليه بوجهه يحتمل ان يقبل الله عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله وما أوجب للمصلي من الثواب فقوله ويبقى وجه ربك الرحمن أي ما توجه به ربك من الأعمال الصالحة

وقوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة أي قبلة الله قال الدارمي لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله أقبل قبل وجه الله ذي الجلال والإكرام لينفيه عنه كما نفى عنه اليدين فلم يدع غاية في إنكار وجه الله ذي الجلال والإكرام والجحود به حتى ادعى ان وجه الله الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام مخلوق لأنه ادعى انه أعمال مخلوق يتوجه بها إليه وثواب وإنعام مخلوق يثيب به العامل وزعم أنه قبلة الله وقبلة الله لا شك مخلوقة ثم ساق الكلام في الرد عليه وذكر الخطابي والبيهقي وغيرهما قالوا لما اضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت الى الوجه فقال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله ذو الجلال والإكرام صفة للوجه وأن الوجه صفة للذات قال الناظم في الصواعق فتأمل رفع قول ذو الجلال والإكرام عند ذكر الوجه وجره في قول تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الرحمن فذو الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الاخبار عنه وذي الوجه المضاف اليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم فتأمله ثم استدل رحمه الله تعالى على إبطال هذه التأويلات بأوجه منها أنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه وغاية ماشبه به المعطل وجه الرب أن قال هو كقول القائل وجه الحائط ووجه الثوب ووجه النهار فيقال للمعطل المشبه به ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك فان وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل لدبره ومثل هذا وجه الكعبة ودبرها فهو وجه حقيقة ولكنه بحسب المضاف

اليه فلما كان المضاف اليه بناء كان وجهه من جنسه وكذلك وجه الثوب احد جانبيه وهو من جنسه وكذلك وجه النهار أوله ولا يقال لجميع النهار وقال ابن عباس وجه النهار اوله ومنه قولهم صدر النهار قال ابن الاعرابي اتيته بوجه نهار وصدر نهار وأنشد للربيع بن زياد ... من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار ... ومنها أن حمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل فان اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجها للمجاز وأيضا فالثواب مخلوق وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله فقال أعوذ بوجهك الكريم ان تضلني لا إله ألا أنت الحي الذي لا يموت والجن والانس يموتون رواه أبو داود وغيره ومن دعائه يوم الطائف أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بمخلوق ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه اسألك لذة النظر الى وجهك والشوق الى لقائك ولم يكن ليسأل لذة النظر الى ثواب المخلوق ولا يعرف تسمية ذلك وجها لغة ولا شرعا ولا عرفا ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بوجه الله فأعطوه وفي السنن من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينبغي لأحد أن يسأل بوجه الله الا الجنة فكان طاوس يكره أن يسأل الانسان بوجه الله وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام

يخفض القسط ويرفعه يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه ومنها قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والارض من نور وجهه فهل يصح أن يحمل الوجه في هذا على مخلوق أو يكون صلة لا معنى له أو يكون بمعنى القبلة والجهة وهذا مطابق لقوله عليه السلام أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات فأضاف النور إلى الوجه والوجه الى الذات واستعاذ بنور الوجه الكريم فعلم أن نوره صفة له كما أن الوجه صفة ذاتية وهو الذي قاله ابن مسعود وهو تفسير قوله الله نور السماوات والأرض النور فلا تشتغل بأقوال المتأخرين الذين غشت بصائرهم عن معرفة ذلك فخذ العلم عن أهله فهذا تفسير الصحابة رضي الله عنهم ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وجميع أهل السنة والحديث والأئمة الاربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرون وجه ربهم في الجنة وهي الزيادة التي فسر بها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس فروى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس قال النظر الى وجه الله تعالى فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن للنظر عنده حقيقة ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو فيعود النظر عنده الى خيال مجرد وان احسن العبارة قال هو معنى يقوم بالقلب نسبته اليه كنسبة النظر الى العين وليس في الحقيقة عنده نظر ولا وجه ولا لذة تحصل للناظر

ومنها أن تفسير وجه الله بقبلة الله وان قاله بعض السلف كمجاهد وتبعه الشافعي فانما قالوه في موضع واحد لا غير وهو قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة فهب ان هذا كذلك في هذا الموضع فهل يصح أن يقال ذلك في غيره من المواضع التي ذكر الله تعالى فيها الوجه فما يفيدكم هذا في قوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن وقوله الا ابتغاء وجه ربه الأعلى الليل وقوله إنما نطعمكم لوجه الله الدهر على أن الصحيح في قوله فثم وجه الله البقرة أنه كقوله في سائر الآيات التي فيها ذكر الوجه فانه قد اطرد مجيئة في القرآن والسنة مضافا الى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكره في سورة البقرة وهو قوله فثم وجه الله وهذا لا يتعين حمله على القبلة أو الجهة ولا يمنع أن يراد به وجه الرب حقيقة فحمله على موارده ونظائره كلها أولى ومنها أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا بل القبلة لها اسم يخصها والوجه له اسم يخصه فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له نعم القبلة تسمى وجهة كما قال تعالى ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا البقرة وقد تسمى جهة وأصلها وجهة لكن أعلت بحذف فائها كزنة وعدة وإنما سميت قبلة ووجهة لأن الرجل يقابلها ويواجهها بوجهه وأما تسميتها وجها فلا عهد به فكيف إذا أضيف الى الله تعالى مع أنه لا يعرف تسمية القبلة وجهة الله في شيء من الكلام مع أنها تسمى وجهة فكيف يطلق عليها وجه الله ولا يعرف تسميتها وجها وايضا فمن المعلوم أن قبلة الله

التي نصبها لعباده هي قبلة واحدة وهي القبلة التي أمر الله عباده أن يتوجهوا اليها حيث كانوا لاكل جهة يولي وجهه اليها فانه يولي وجهه الى المشرق والمغرب والشمال وما بين ذلك وليست تلك الجهات قبلة الله فكيف يقال أي وجهة وجهتموها واستقبلتموها فهي قبلة الله فان قيل هذا عند اشتباه القبلة على المصلي وعند صلاته النافلة في السفر قيل اللفظ لا شعار له بذلك البتة بل هو عام مطلق في الحضر والسفر وحال العلم والاشتباه والقدرة والعجز يوضحه أن إخراج الاستقبال المفروض والاستقبال في الحضر وعند العلم والقدرة وهو أكثر أحوال المستقبل وحمل الآية على استقبال المسافر في التنقل على الراحلة وحال الغيم ونحوه بعيد جدا عن ظاهر الآية وإطلاقها وعمومها وما قصد بها فان أين من أدوات العموم وقد أكد عمومها بما اراده لتحقيق العموم كقوله وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة والآية صريحة في أنه أينما ولى العبد فثم وجه الله من حضر أو سفر في صلاة وغيرها وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال بل سياقها لمعنى آخر وهو بيان عظمة الرب تعالى وسعته وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله ولله المشرق والمغرب البقرة منبها بذلك على ملكه لما ابينهما ثم ذكر عظمته سبحانه وأنه أكبر وأعظم من كل شئ فأينما ولى العبد وجهه فثم وجه الله ثم ختم باسمين دالين على السعة والاحاطة فقال إن الله واسع عليم فذكر اسمه الواسع عقيب قول فأينما تولوا فثم وجه الله كالتفسير والبيان والتقرير له فتأمله فهذا السياق لم يقصد به الاستقبال في الصلاة بخصوصه وإن دخل في عموم الخطاب حضرا وسفرا بالنسبة الى الفرض والنفل والقدرة والعجز

وعلى هذا فالآية باقية على عمومها وأحكامها ليس منسوخة ولا مخصوصة بل لا يصح دخول النسخ فيها لأنها خبر عن ملكه للمشرق والمغرب وأنه أينما ولى الرجل وجهه فثم وجه الله وعن سعته وعلمه فكيف يمكن دخول النسخ والتخصيص في ذلك وأيضا هذه الآية ذكرت ما بعدها لبيان عظمة الرب والرد على من جعل له عدلا من خلقه الشركة معه في العبادة ولهذا ذكرها بعد الرد على من جعل له ولدا فقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض إلى قوله كن فيكون البقرة فهذا السياق لا تعرض فيه للقبلة ولا سيق الكلام لأجلها وإنما سيق لذكر عظمة الرب وبيان سعة علمه وحلمه والواسع من أسمائه فكيف تجعلون له شريكا بسببه وتمنعون بيوته ومساجده ان يذكر فيها اسمه تسعون في خرابها فهذا للمشركين ثم ذكر ما نسبه اليه النصارى من اتخاذ الولد ووسط بين كفر هؤلاء وقوله تعالى ولله المشرق والمغرب البقرة فالمقام مقام تقرير لأصول التوحيد والايمان والرد على المشركين لا بيان فرع معين جزئي ومنها انه لو أريد بالوجه في الآية الجهة والقبلة لكان وجه الكلام ان يقال فأينما تولوا فهو وجه الله لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة فهي التي تولي نفسها وإنما يقال ثم كذا اذا كان أمران كقوله تعالى واذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا الدهر فالنعيم والملك ثم لا إنه نفس الظرف والوجه لو كان المراد به الجهة نفسها لم يكن ظرفا لنفسها فان الشيء لا يكون ظرفا لنفسه فتأمله ألا ترى أنك إذا أشرت الى جهة الشرق والغرب لا يصح أن تقول ثم جهة الشرق ثم جهة الغرب بل تقول هذه جهة الشرق وهذه جهة الغرب ولو قلت

هناك جهة الشرق والغرب لكان ذكر الظرف لغوا وذلك لأن ثم إشارة الى المكان البعيد فلا يشار بها الى قريب والجهة والوجهة مما يحاذيك الى آخرها فجهة الشرق والغرب ووجهة القبلة مما يتصل الى حيث ينتهي فكيف يقال فيها ثم اشارة الى البعيد بخلاف الاشارة الى وجه الرب تبارك وتعالى فإنه يشار الى ذاته ولهذا قال غير واحد من السلف فثم الله تحقيقا لان المراد وجهه الذي هو من صفات ذاته والاشارة اليه بأنه ثم كاشارة اليه بأنه فوق سمواته وعلى العرش وفوق العالم ومنها أن تفسير القرآن بالقرآن هو أولى التفاسير ما وجد اليه السبيل ولهذا كان يعتمده الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم والله تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجوه وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف اليه فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين ومنها أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسرة للآية مشتقة منها كقوله صلى الله عليه وسلم اذا قام احدكم الى الصلاة فانما يستقبل ربه وقوله فان الله يقبل اليه بوجهه عنه وقوله اذا قام أحدكم الى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه وقوله فان الله بينه وبين القبلة وقوله ان الله يأمركم بالصلاة فاذا صليتم فلا تلتفتوا فان الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال ان العبد اذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قال الى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء وقال جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام العبد يصلي أقبل الله عليه بوجهه فاذا التفت أعرض الله عنه وقال يا ابن آدم انا خير ممن تلتفت

اليه فاذا أقبل على صلاته أقبل الله عليه فاذا التفت أعرض الله عنه انتهى كلام الناظم باختصار قوله وكذلك لفظ يد ولفظ يدان قال تعالى بل يداه مبسوطتان المائدة قالت الجهمية ومن تبعهم هذا مجاز في النعمة أو القدرة وهذا في الأصل قول الجهمية وتبعهم المعتزلة وبعض المتأخرين ممن ينتسب الى الاشعري والأشعري وقدماء أصحابه يردون على هؤلاء ويبدعونهم ويثبتون اليد حقيقة قال عبد العزيز بن يحيى الكناني المالكي جليس الشافعي والخصيص به وقد مات قبل الامام احمد في كتاب الرد على الجهمية والزنادقة قال يقال للجهمي أتقول إن لله وجها وله نفس وله يد فيقول نعم ولكن معنى وجه الله هو الله ومعنى نفسه عينه ومعنى يده نعمته قال والجواب ان يقال له فذكر كلاما يتعلق بالوجه والنفس ثم قال وأما قوله في اليد أنها يد النعمة كما تقول العرب لك عندي يد فقد قال الله تعالى بيدك الخير آل عمران وقال فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء يس وقال تبارك الذي بيده الملك الملك وقال يد الله فوق أيديهم الفتح وقال بل يداه مبسوطتان المائدة قال فزعم الجهمي ان يد الله نعمته فبدل قولا غير الذي قيل له فأراد الجهمي أن يبدل كلام الله إذ أخبر الله أن له يدا بها ملكوت كل شيء فبدل مكان اليد نعمة وقال العرب تسمي اليد نعمة قلنا له العرب تسمي النعمة يدا وتسمي يد الانسان يدا فاذا أردت يد الذات جعلت على قولها علما ودليلا يعقل به السامع أنها ارادت يد الذات وإذا أرادت يد النعمة

جعلت على قولها علما ودليلا يعقل السامع كلامها أنها تريد يد النعمة ولا تجعل كلامها مشتبها على سامعه ومن ذلك قول الشاعر ... ناولت زيدا بيدي عطية ... يدبها رمى كتابا مخضب ... فدل بهذا القول على يد الذات بالمناولة وبالباء حين قال بيدي فجعل الباء استقصاء للعدد حين لم يكن له غير يدين وقال الآخر حين أراد يد النعمة ... أشكر يدين لنا عليك وأنعما ... شكرا يكون مكافيا للمنعم ... فدل على يد النعمة بقوله لنا عليك ثم قال وأنعما ثم قال يدين فجعل النون مكان الياء لم يستقص بهما العدد فهذا قول العرب ومذهبها في لغاتها والله تعالى لم يسم في كتابه يدا بنعمة ولم يسم نعمة يدا سمى سبحانه اليد يدا والنعمة نعمة في جميع القرآن فأما ما ذكره سبحانه من يدين ويد فقد ذكرت ذلك في صدر الكلام وأما النعمة التي هي عن اليد فمن ذلك قوله واذكروا نعمة الله عليكم آل عمران وقوله وما بكم من نعمة فمن الله النحل وقوله وأتممت عليكم نعمتي المائدة وقوله واذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه الأحزاب فسمى الله النعم باسم النعمة ولم يسمها بغير أسمائها ومثل هذا في القرآن كثير وذكر الله تعالى أيدي المخلوقين فسماها بالأيدي فقال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك الأسراء وقال تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة وقال والملائكة باسطو أيديهم الأنعام فهذه أيد لا نعمة وذكر نعمته على يد ونعمة النبي صلى الله عليه وسلم فسماها نعمة ولم يسميها يدا ثم أخبر سبحانه عن يديه أنهما يدان لا ثلاثة وجعل الباء استقصاء للعدد

حين قال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فدل على أنهما يدي الذات لا يتعارف العرب في لغاتها ولا أشعارها الا أن هاتين اليدين يدي الذات لاستقصاء العدد بالباء وأما نعم الله فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد كما قال تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ابراهيم قال واعلم رحمك الله أن قائل هذه المقالة جاهل بلغة القرآن وبلغة العرب ومعانيها وكلامها وذلك أن الله إذا افتتح الخبر عن نفسه بلفظ الجمع ختم الكلام بلفظ الجمع واذا افتتح الكلام بلفظ الواحد ختم الكلام بلفظ الواحد وانما يغني الخبر عن نفسه وان كان اللفظ جمعا فأما ما كان من لفظ الواحد فهو قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الأسراء فافتتح الخبر عن نفسه بلفظ الواحد وبمثله ختم الكلام فقال الا تعبدوا إلا إياه الاسراء وقال رب ارحمهما كما ربياني صغيرا الأسراء وقال ربكم اعلم بكم الاسراء وأما ما افتتحه بلفظ الجمع فهو قوله وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب الاسراء فافتتحه بلفظ الجمع ثم ختمه بمثل ما افتتحه به فقال فاذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا الاسراء وإنما عنى بذلك نفسه لأنها كلمة ملوكية تقولها العرب وروي ان ابن عباس لقي أعرابيا ومعه ناقة فقال لمن هذه فقال الأعرابي فقال له ابن عباس كم أنتم فقال أنا واحد فقال ابن عباس هكذا قول الله تعالى نحن وخلقناه وقضينا انما يعني نفسه والمبهم يرد الى المحكم فكل كلمة في القرآن من لفظ جمع قبلها محكم من التوحيد ترد اليه فمن ذلك قوله وقضينا الى بني اسرائيل الاسراء يرد الى قوله وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه الاسراء وقوله وخلقناكم أزواجا النبأ يرد الى قوله انما أمره يس وقوله

لما جاء أمر ربك هود وكذلك قوله أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما يس يرد إلى قوله لما خلقت بيدي فلما افتتح الكلام بلفظ الجمع فقال او لم يروا أنا خلقنا لهم يس قال أيدينا ولما افتتح بقوله ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي ختم الكلام على ما افتتحه به فهذا بيان لقوم يفقهون وقد كان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم اذا أقسم أن يقول لا والذي نفس محمد بيده وهذا لا يليق به النعمة وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم يصدق كتاب الله انتهى كلامه الأشعري في كتبه يصرح باثبات الصفات الخبرية في كتبه كلها ومعلوم أن أحدا لا ينكر لفظها وإنما أنكروا حقائقها ومعانيها الظاهرة وكلام الأشعري موجود في الابانة والموجز والمقالات وموجود في تصانيف أئمة أصحابه وأجلهم على الاطلاق القاضي أبو بكر بن الطيب وقد ذكر ذلك في كتاب الابانة والتمهيد وغيرهما وذكره ابن فورك فيما جمعه من كلام ابن كلاب وكلام الأشعري وذكره البيهقي في الأسماء والصفات والاعتقاد وذكره ابو القاسم القشيري في كتاب الشكاية له وذكره ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري حتى الفخر الرازي والسيف الآمدي حكوا ذلك عن الأشعري وأنه أثبت اليدين صفة لله ولكن غلطوا حيث ظنوا أن له قولين في ذلك وهذه كتبه كلها ليس فيها الا الاثبات فهو الذي يحكيه عن أهل السنة وينصره ويحكي خلافه عن الجهمية والمعتزلة نعم كان قبل ذلك يقول بقول المعتزلة ثم رجع عنه وصرح بمخالفتهم واستمر على ذلك حتى مات قال ابو الحسن الأشعري في كتاب الابانة الذي ذكر ابن عساكر أنه آخر كتبه وعليه اعتمد في ذكر مناقبه واعتقاده قال فان سألنا سائل فقال أتقولون إن لله يدين

قيل نعم نقول ذلك لقول الله تعالى يد الله فوق أيديهم الفتح ولقوله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم بيده وغرس جنة عدن بيده وقال تعالى بل يداه مبسوطتان المائدة وفي الحديث كلتا يديه يمين وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا وكذا بيدي وهو بمعنى النعمة اذا كان الله خاطب العرب بلغاتها وما تجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها واذ لا يجوز في خطابها أن يقول القائل فعلت بيدي ويعني النعمة بطل أن يكون معنى بيدي النعمة وساق الكلام في إنكار هذا التأويل وأطاله جدا وقرر أن لفظ اليدين على حقيقته وظاهره وبين ان اللغة التي نزل بها القرآن لا تحتمل ما تأولته الجهمية وقال لسان اصحابه وأجلهم أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب التمهيد وهو أشهر كتبه فان قال القائل فما الحجة في أن لله وجها ويدين قيل قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن وقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فأثبت لنفسه وجها ويدين فان قالوا انما أنكرتم أن يكون المعنى خلقت بيدي أنه خلقه بقدرته لأن اليدين في اللغة تكون بمعنى النعمة وبمعنى القدرة كما يقال لفلان عندي يد بيضاء وهذا الشيء في يد فلان وتحت يده ويقال رجل أيد اذا كان قادرا كما قال تعالى خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما يس يريد عملنا بقدرتنا وقال الشاعر ... إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين ... وكذلك قوله خلقت بيدي يعني بقدرته ونعمته قال فيقال له هذا باطل لان قوله بيدي يقتضي إثبات يدين هما صفة له فلو

كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرة ولا تزعمون أن لله تعالى قدرة واحدة فكيف يجوز أن تثبتوا قدرتين وقد أجمع المسلمون المثبتون للصفات والنافون لها على أنه لا يجوز أن يكون لله تعالى قدرتان فبطل ما قلتم وكذلك لا يجوز أن يكون خلق الله آدم بنعمتين لأن نعم الله تعالى على آدم وغيره لا تحصى ولأن القائل لا يجوز أن يقول رفعت الشيء أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يريد نعمته وكذلك لا يجوز أن يقال لي عند فلان يدان يعني نعمتين وانما يقال لي عنده يدان بيضاوان ولان فعلته بيدي لا يستعمل الا في اليد التي هي صفة الذات ويدل على فساد تأويلهم ايضا أنه لو كان الامر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس وأن يقول وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له وانا أيضا بيدك خلقتني وفي العلم أن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه فان قال القائل فما أنكرتم ان يكون يده ووجهه جارحة إذ كنتم لا تعقلون يدا ووجها هما صفة الجارحة قلنا لا يجب ذلك كما لا يجب اذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم ذلك على الله وكما لا يجب اذا كان قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمة وكلامه وحياته وسائر صفات ذاته أعراضا أو أجساما أجناسا أو حوادث أو أغيارا له تعالى ومحتاجة الى قلب انتهى ... والله لو قلنا الذي قال الصحا ... بة والالى من بعدهم بلسان ... لرجمتمونا بالحجارة ان قدر ... تم بعد رجم الشتم والعدوان ... والله قد كفرتم من قال بعض مقالهم يا أمة العدوان

وجعلتم الجسم الذي قدرتم ... بطلانه طاغوت ذي البطلان ... ووضعتمم للجسم معنى غير معروف به في وضع كل لسان ... وبنيتم نفي الصفات عليه فاجتمعت لكم إذا ذاك محذوران ... كذب على لغة الرسول ونفي اثبات العلو لفاطر الاكوان ... أي إنكم أيها المعطلة وضعتم للجسم معنى غير معناه المعروف في لغة العرب وسميتم كل ما هو مركب من المادة والصورة أو من الجواهر المنفردة أو ما يقبل الاشارة الحسية جسما وليس هذا معنى الجسم في لغة الصحابة التي جاء بها القرآن كما قال الجوهري في صحاحه المشهورة قال أبو زيد الجسم والجسد وكذلك الجسمان والجثمان وقال الاصمعي الجسم والجسمان الجسد والجثمان والشخص قال والأجسم الضخم البدن قال شيخ الاسلام في كلامه على حديث النزول وقد ادعى طوائف من النفاة اهل الكلام أن الجسم في اللغة هو المؤلف المركب وان استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار اليه موافق للغة قالوا لان كل ما يشار اليه فانه يتميز منه شيء عن شيء وكل ما كان كذلك فهو مركب من الجواهر المنفردة التي كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه جانب عن جانب أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان كما يقول ذلك بعض الفلاسفة قالوا واذا كان هذا مركبا مؤلفا فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب بدليل انهم يقولون رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو إذ أكثر ذهابه في الجهات ليس يقصدون بالمبالغة في قولهم أجسم وجسيم الا لمن كثرت الأجزاء المتضمنة والتأليف لأنهم لا يقولون أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته غير الاجتماع حتى إذا

كثر الاجتماع فيه بتزايد اجزائه قيل أجسم ورجل جسيم فدل ذلك على أن قولهم جسم يفيد التأليف فهذا أصل قول هؤلاء النفاة وهو مبني على أصلين سمعي لغوي ونظري عقلي فطري أما السمعي اللغوي فقولهم أن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب وهم استدلوا عليه بقولهم هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابا في الجهات وإن هذا يقتضي أنهم اعتبروا كثرة الأجزاء فيقال اما المقدمة الأولى هو ان اهل اللغة يسمون كل ما له مقدار بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر جسما فهذا لا يوجد في لغة العرب البتة ولا يمكن أحدا ان ينقل عنهم انهم يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسما ولا يسمون روح الانسان جسما بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح ولهذا قال تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم المنافقون 4 يعني أبدانهم دون أرواحهم الباطنة وقد ذكر نقله اللغة ان الجسم عندهم هو الجسد ومن المعروف في اللغة أن هذا اللفظ يتضمن الغلط والكثافة فلا يسمون به الأشياء القائمة بنفسها اذا كانت لطيفة كالهواء وروح الانسان وان كان لذلك مقدار يكون بعضه أكبر من بعض لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسما ولا يقولون هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق وإن كان أكبر منه وإن كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من الأجزاء ليس كل ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسما ولا يوجد في الكلام قبض جسمه ولا صعد بجسمه الى السماء ولا أن الله يقبض أجسامنا كيف يشاء إنما يسمون ذلك روحا ويفرق بين مسمى الروح ومسمى الجسم كما يفرق بين البدن والروح وكما يفرقون بين الجسد والروح فلا يطلقون لفظ

الجسد على الهواء فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد قال الجوهري الجسد والبدن تقول فيه تجسد كما تقول الجسم تجسم كما تقدم نقله عن أئمة اللغة ان الجسم هو الجسد فعلم ان هذين اللفظين مترادفان او قريبان من الترادف ولهذا يقولون لهذا الثوب جسد كما يقولون له جسم إذا كان غليظا ثخينا صفيقا وتقول العلماء النجاسة قد تكون مستخبثة كالدم والميتة وقد لا تكون مستجسمة كالرطبة ويسمون الدم جسدا كما قال النابغة ... فلا لعمرو الذي قد زرته حججا ... وما أريق على الانصاب من جسد ... المقدمة الثانية أنه لو سلم ذلك فقولهم إن هذا يطلقونه عند تزايد الأجزاء هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا لو قدر أنه صحيح فأهل اللغة لم يعتبروه ولا قال احد منهم ذلك فعلم انهم إنما لحظوا غلظه وكثافته وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء او قتلها فهذا لا يتصوره أكثر عقلاء بني آدم فضلا عن أن ينقل عن اهل اللغة قاطبة انهم ارادوا ذلك بقولهم جسيم وأجسم والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما لا يفهمه إلا بعض الناس واثبات الجواهر المنفردة امر خص به بعض الناس فلا يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا بعض الناس وهو المركب من ذلك وأما الأصل الثاني العقلي فقولهم إنما يشار إليه بأنه هنا وهنا فانه مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وهذا بحث عقلي وأكثر عقلاء بني آدم من أهل الكلام ينكرون ان يكون ذلك مركبا من الجواهر المنفردة او من المادة والصورة وإنكار ذلك قول ابن كلاب وأتباعه الكلابية وهو قول الهشامية والنجارية والضرارية وبعض الكرامية وهؤلاء الذين

أثبتوا الجوهر الفرد وزعموا انا لم نعلم لا بالحس ولا بالضرورة ان الله أبدع شيئا قائما بنفسه وان جميع ما نشهده مخلوقا من السحاب والمطر والحيوان والنبات والمعدن بني آدم وغير بني آدم فانما فيه أنه أحدث أكوانا في الجواهر المنفردة كالجمع والتفريق والحركة والسكون وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا احدث أبدانا قائمة بأنفسها أو شجرا او ثمرا او شيئا قائما بنفسه وانما احدث عندهم اعراضا واما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة ثم من يقول إنها محدثة منهم من يقول إنها محدثة ومنهم من يقول إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث فهو حادث الى ان قال ولهذا صارت النفاة اذا اثبت احد شيئا من الصفات كان ذلك مستلزما لأن يكون الموصوف عندهم جسما وعندهم الأجسام متماثلة فصاروا يسمونه مشبها بهذه المقدمات التي يلزمهم مثل ما ألزموه لغيرهم وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح وكلها مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل بسببه هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرا لا يهون عليه إبطال عقله ودينه والخروج عن الايمان و القرآن فان ذلك كله متطابق على إثبات الصفات ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبا من الأجزاء أو مماثلا للمخلوقات فانه يعلم أيضا بطلان هذا وأن الرب تعالى يجب تنزيهه عن هذا فانه سبحانه احمد صمد والأحد ينفي التمثيل والصمد ينفي أن يكون قابلا للتفريق والتجسيم والبعضية سبحانه وتعالى فضلا عن كونه مؤلفا مركبا ألف من الأجزاء فيفهمون من يخاطبونه أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل الا في بدن مثل بدن الانسان بل وقد يصرحون بذلك ويقولون الكلام لا يكون

إلا من صورة وصورة مركبة مثل فم الانسان ونحو ذلك مما يدعونه وإذا قال النفاة لهم متى قلتم إنه يرى لزم أن يكون مركبا مؤلفا لأن المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا جسما والجسم مؤلف مركب من الأجزاء وقالوا إذا تكلم بالقرآن أو غيره من الكلام لزم ذلك واذا كان فوق العرش لزم ذلك صار المسلم العارف بما قال الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يرى في الآخرة لما تواتر عنده من الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدل على ذلك مع ما يوافق ذلك من القضايا الفطرية التي خلق الله بها عباده وإذا قالوا هذا يستلزم أن الله مركب من الأجزاء المنفردة والمركب لا بد له من مركب فلزم أن يكون الله محدثا إذ المركب يفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه تكون غيره وما افتقر إلى غيره لم يكن غنيا واجب الوجود بنفسه حيروه وشككوه إن لم يجعلوه مكذبا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مرتدا عن بعض ما كان عليه من الايمان مع أن شكه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله فيقال أما كون الرب سبحانه وتعالى مركبا ركبه غيره فهذا من أظهر الأمور فسادا وهذا معلوم فساده بضرورة العقل ومن قال هذا فهو من أكثر الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله وليس في الطوائف المشهورة من يقول بهذا وكذلك إذا قيل هو مؤلف أو مركب بمعنى أنه كانت أجزاؤه مفرقة فجمع بينهما كما يجمع بين أجزاء المركبات من اعتقده في الله فهو من اكفر الناس وأظلمهم ولم يعتقده أحد من الطوائف المشهورة في الأمة بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات الرب ليست مركبة هذا التركيب وانما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة وكذلك من زعم ان الرب مركب مؤلف بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة فهذا من أكفر الناس وأجهلهم

وقوله شر من قول الذين يقولون إن لله ولدا بمعنى أنه انفصل منه فصار ولدا له وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير قل هو الله أحد وفي غير ذلك وأطال الكلام رحمه الله وهذا الذي سقناه من كلامه كالشرح لهذه الأبيات فC ورضي عنه قال الناظم رحمه الله تعالى ... وركبتم إذا ذاك تحريفين تحريف الحديث ومحكم القرآن ... وكسبتم وزرين وزر النفي والتحريف فاجتمعت لكم كفلان ... وعداكم أجران أجر الصدق والإيمان حتى فاتكم حظان ... وكسبتم مقتين مقت الهكم ... والمؤمنين فنالكم مقتان ... ولبستم ثوبين ثوب الجهل والظلم القبيح فبئست الثوبان ... ... وتخذتم طرزين طرز الكبير والتيه العظيم فبئست الطرزان ... ومددتم نحو العلى باعين لكن لم تطل منكم لها الباعان ... وأتيتموها من سوى أبوابها ... لكن تسورتم من الحيطان ... وغلقتم بابين لو فتحا لكم ... فزتم بكل بشارة وتهان ... باب الحديث وباب هذا الوحي من ... يفتحهما فليهنه البابان ... وفتحتم بابين من يفتحهما ... تفتح عليه مواهب الشيطان ... باب الكلام وقد نهيتم عنه والباب الحريق فمنطق اليونان ... فدخلتم دارين دار الجهل في الدنيا ودار الخزي في النيران

وطعمتم لونين لون الشك والتشكيك بعد فبئست اللونان ... وركبتم أمرين كم قد أهلكا ... من أمة في سالف الأزمان ... تقديم آراء الرجال على الذي ... قال الرسول ومحكم القرآن ... والثاني نسبتهم الى الألغاز والتلبيس والتدليس والكتمان ... ومكرتم مكرين لو تمالكم ... لتفصمت فينا عرى الايمان ... أطفأتم نور الكتاب وسنة الهادي بذا التحريف والهذيان ... لكنكم أوقدتم للحرب نا ... را بين طائفتين مختلفان ... والله مطفيها بألسنة الألى ... قد خصهم بالعلم والإيمان ... والله لو غرق المجسم في دم التجسيم من قدم إلى الآذان ... فالنص أعظم عنده وأجل قد ... را أن يعارضه بقول فلان ... قوله طرزين قال في القاموس الطرز الهيئة والطراز بالكسر علم الثوب معرب وطرزه تطريزا أعلمه فتطرز ومراد الناظم الهيئة أي اتخذتم هيئتين هيئة الكبر وهيئة التيه والله أعلم

فصل في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت ... أهون بذا الطاغوت لا عزاسمه ... طاغوت ذي التعطيل والكفران ... كم من أسير بل جريح بل قتيل تحت ذا الطاغوت في الأزمان ... وترى الجبان يكاد يخلع قلبه ... من لفظه تبا لكل جبان ... وترى المخنث حين يقرع سمعه ... تبدو عليه شمائل النسوان ... ويظل منكوحا لكل معطل ... ولكل زنديق أخي كفران ... وترى صبي العقل يفزعه اسمه ... كالغول حين يقال للصبيان ... كفران هذا الاسم لا سبحانه ... أبدا وسبحان العظيم الشان ... قوله الطاغوت هو مشتق من طغا وتقديره طغوت ثم قلبت الواو ألفا قال الواحدي قال جميع أهل اللغة الطاغوت كل ما عبد دون الله يكون واحدا وجمعا ويذكر ويؤنث قال الله تعالى يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به النساء 60 فهذا في الواحد وقال في الجمع والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات البقرة 257 وقال في المؤنث والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها الزمر 17 قال النووي قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة الطاغوت كل ما عبد من دون الله وقال الجوهري الطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال

قوله اهون بذا الطاغوت هي صيغة تعجب أي ما أهونه قوله تبا التب والتبيب والتباب النقص والخسار قوله المخنث هو اسم مفعول من خنث فهو مخنث وهو بضم الميم وفتح الخاء والنون وتشديدها قال في القاموس الخنث ككتف من فيه انخناث أي تكسر وتثن وقد خنث كفرح وتخنث وانخنث قوله شمائل النسوان الشمل الطبع جمع شمائل قاله في القاموس قوله كالغول الغول بضم الغين اسم وجمعه أغوال وغيلان قال أبو السعادات الغول واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلوات تتراءى للناس تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله انتهى ومعنى كلام الناظم ان اسم الغول اذا ذكر لصبي العقل لا صبي السن أفزعه وهاله كما يفزع الصبي اذا خوف بالغول قوله كفران هذا الاسم هو مصدر كفر يكفر كفرانا ... كم ذا التترس بالمحال أما ترى ... قد مزقته كثرة السهمان ... قال في القاموس الترس معروف جمع أتراس وترسة وتراس وتروس والتراس صاحبه وصانعه والتراسة صنعته والتتريس والتترس التستر به ... جسم وتجسيم وتشبيه أما ... تعيون من فشر ومن هذيان ... ... أنتم وضعتم ذلك الطاغوت ثم به نفيتم موجب القرآن ... وجعلتموه شاهدا بل حاكما ... هذا على من يا أولي العدوان

أعلى كتاب الله ثم رسوله ... بالله فاستحيوا من الرحمن ... فقضاؤه بالجور والعدوان مثل قيامه بالزور والعدوان ... وقيامه بالزور مثل قضائه ... بالجور والعدوان والبهتان ... كم ذا الجعاجع ليس شيء تحتها ... إلا الصدى كالبوم في الخربان ... قوله إلا الصدى قال في مختار الصحاح الصدى ذكر البوم والصدى أيضا الذي يجيبك مثل صوتك في الجبال وغيرها وقد أصدى الجبل قوله كالبوم قال في القاموس البوم والبومة بضمهما طائر كلاهما للذكر والأنثى وبومة لقب محمد بن سليمان المحدث ... ونظير هذا قول ملحدكم وقد ... جحد الصفات لفاطر الاكوان ... لو كان موصوفا لكان مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان ... ذا المنجنبق وذلك الطاغوت قد ... هدما دياركم الى الأركان ... ... والله ربي قد أعان بكسر ذا وبقطع ذا سبحان ذي الإحسان ... أي أن الله سبحانه قد أعان بكسر ذا ... وبقطع ذا سبحان ذي الإحسان ... أي أن الله سبحانه قد أعان بكسر الطاغوت وبقطع المنجنيق بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة ... فلئن زعمتم ان هذا لازم ... لمقالكم حقا لزوم بيان ... فلنا جوابات ثلاث كلها ... معلومة الايضاح والتبيان ... منع اللزوم وما بأيديكم سوى ... دعوى مجردة من البرهان ... لا يرتضيها عالم أو عاقل ... بل تلك حيلة مفلس فتان ... فلئن زعمتم أن منع لزومه منكم مكابرة على البطلان

معنى كلام الناظم رحمه الله في هذه الأبيات إنكم معاشر المعطلة ألزمتم المثبتة إذا أثبتوا صفات الباري سبحانه التجسيم والتركيب قوله فلئن زعمتم أن هذا لازم لمقالكم الخ قوله فلنا جوابات ثلاث إلى قوله منع اللزوم وما بأيديكم سوى دعوى مجرد بلا برهان أي أن ذلك لا يلزم المثبتة لأن لازم المذهب ليس بمذهب قوله فلئن زعمتم ان منع لزومه أي إذا قلنا باثبات الصفات لم يلزمنا تجسيم فان زعمتم ان ذلك مكابرة فلنا جواب ثان وهو قوله ... فجوابنا الثاني امتناع النفي في ... ما تدعون لزومه ببيان ... إن كان ذلك لازما للنص فالملزوم حق وهو ذو برهان ... والحق لازمه فحق مثله ... أنى يكون الشيء ذا بطلان ... ويكون ملزوما به حقا فذا ... عين المحال وليس ذا إمكان ... فتعين الإلزام حينئذ على ... قول الرسول ومحكم القرآن ... وجعلتم أنباءه ما تسترا ... خوفا من التصريح والكفران ... والله ما قلنا سوى ما قاله ... هذي مقالتنا بلا كتمان ... فجعلتمونا جنة والقصد مفهوم وقاية القرآن ... يقول الناظم الجواب الثاني للنفاة إنا لم نقل إلا بما دلت عليه النصوص القرآنية والاحاديث النبوية فان كان لازمها التجسيم كما زعمتم فاذا صح ذلك فالملزوم حق لأنا لم نتبع إلا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله

لأنه من المحال أن يكون الشيء باطلا في نفسه وتكون ملزوماته حقا فتعين إلزامكم حينئذ على قول الرسول ومحكم القرآن وإنهما لم يدلا إلا على التجسيم والتشبيه فرميتم اتباع الرسول بالتشبيه والتجسيم والتركيب تسترا وهذا معنى قوله ما تسترا خوفا من أنكم إذا نسبتم الكتاب والسنة الى التشبيه والتجسيم نسبتم الى الكفر والضلال والا فالمثبتة لم يقولوا إلا بما قاله الله ورسوله لكن جعلتم تشنيعكم على أتباعه جنة وقصدكم مفهوم والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وثالث ما نجيب به هو استفساركم يا فرقة العرفان ... ماذا الذي تعنون بالجسم الذي ... ألزمتمونا أوضحوا ببيان ... تعنون ماهو قائم بالنفس أو ... عال على العرش العظيم الشان ... أو ذا الذي قامت به الأوصاف وأ ... وصاف الكمال عديمة النقصان ... أو ما تركب به جواهر فردة ... أو صورة حلت هيولي ثان ... أو ما هو الجسم الذي في العرف أو ... في الوضع عند تخاطب بلسان ... أو ما هو الجسم الذي في الذهن ذا ... ك يقال تعليمي ذي الأذهان ... ماذا الذي من ذاك يلزم من ثبو ... ت علوه من فوق كل مكان ... فأتوا بتعيين الذي هو لازم ... فاذا تعين ظاهر التبيان ... فأتوا ببرهانين برهان اللزو ... م ونفي لازمه فذان اثنان ... والله لو نشرت لكم أشياخكم ... عجزوا ولو واطاهم الثقلان

إن كنتم فحولا فابرزوا ... ودعوا الشكاوي حيلة النسوان ... واذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى الى الوحيين لا القاضي ولا السلطان ... هذا هو الجواب الثالث من أجوبة المثبتة للنفاة وهو استفسار المثبتة للنفاة ما مرادهم بالجسم هل هو القائم بنفسه كالهواء وروح الانسان ونحوهما او ما هو عال على العرش أو ما قامت به الصفات او هو الجسم التعليمي وهو الكمية السارية في الجسم الطبيعي الممتدة في الجهات الثلاث أعنى الطول والعرض والعمق سمي جسما تعليميا لكونه موضوعا للحكمة التعليمية أعني الحكمة الرياضية والذي يدل على تغاير المعنيين أنك إذا أخذت شمعة بعينها وشكلتها بأشكال مختلفة بأن جعلتها تارة كرة وتار مكعبا وتارة اسطوانة مثلا فالجسم الطبيعي باق بعينه وقد تغيرت كميته السارية في جهاته تغيرات شتى قوله أو صورت حلت هيولي ثان أي وهل المراد بالجسم المركب عند الفلاسفة المشائين من الهيولي والصورة أو مرادكم الجسم الذي في العرف أو في الوضع فاذا بينتم مرادكم بالجسم أجبناكم حينئذ بالجواب المركب وهذا معنى قوله ... فنجيب بالتركيب حينئذ جوا ... با شافيا فيه هدى الحيران ... الحق إثبات الصفات ونفيها ... عين المحال وليس في الإمكان ... فالجسم إما لازم لثبوتها ... فهو الصواب وليس ذا بطلان ... أو ليس يلزم من ثبوت صفاته ... فشناعة الالزام بالبهتان ... فالمنع في احدى المقدمتين معلوم البيان إذا بلا نكران

المنع إما في اللزوم أو انتفاء ... اللازم المنسوب للبطلان ... هذا هو الطاغوت قد أضحى كما ... أبصرتموه بمنة الرحمن ... شرع الناظم رحمه الله في الجواب القاطع المركب وهو ان الحق إثبات الصفات ونفيها عين المحال وأبطل الباطل وحينئذ فالجسم إما لازم لثبوتها فيكون هو الصواب وإما أن يكون ليس بلازم وإنما الإلزام به من تشنيع المعطلة قوله فالمنع في إحدى المقدمتين وهما القول بالجسم أو انتفاء اللازم معلوم بغير إنكار ونحن نمنع إحدى المقدمتين ونقول إن كان الكتاب والسنة قد دلا على التجسيم والعياذ بالله فهو حق بهذا الاعتبار ولكن نحن نمنع اللزوم وهو المقدمة الثانية والله اعلم فصل في مبدء العداوة الواقعة بين المثبتين الموحدين وبين النفاة المعطلين ... يا قوم تدرون العداوة بيننا ... من أجل ماذا في قديم زمان ... إنا تحيزنا إلى القوم والنقل الصحيح مفسر القرآن ... وكذا الى العقل الصريح وفطرة الرحمن قبل تغير الانسان ... هي أربع متلازمات بعضها ... قد صدقت بعضا على ميزان ... والله ما اجتمعت لديكم هذه ... أبدا كما أقررتم بلسان

إذ قلتم العقل الصحيح يعارض المنقول من أثر ومن قرآن ... فنقدم المعقول ثم نصرف المنقول بالتأويل ذي الألوان ... فاذا عجزنا عنه ألفيناه لم ... نعبأ به قصدا الى الاحسان ... ... ولكم بذا سلف لهم تابعتم ... لما دعوا للأخذ بالقرآن ... صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا ... لمرادنا توفيق ذي الاحسان ... ولقد أصيبوا في قلوبهم وفي ... تلك العقول بغاية النقصان ... فأتوا بأقوال اذا حصلتها ... أسمعت ضحكة هازل مجان ... هذا جزاء المعرضين عن الهدى ... متعوضين زخارف الهذيان ... معنى كلام الناظم في هذه الأبيات انه يقول تدرون أيها المعطلة ما مبدء العداوة الواقعة بيننا وبينكم وما الذي احدثها ثم أخذ في بيان ذلك فقال إنا تحيزنا الى القرآن والنقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة وأنتم أخذتم فيما زعمتم بالعقل وقلتم إذا تعارض العقل والنقل فاما ان نردهما جميعا وإما ان نقبلها جميعا ولا سبيل الى ذلك وإما أن نقبل النقل ونترك العقل وهو محال لأن العقل اصل النقل فلو صدقنا النقل وكذبنا العقل لأفضى ذلك إلى تكذيب النقل لأن العقل أصل النقل فلذلك قدمنا العقل ثم صرفنا النقل المخالف بزعمهم للعقل وذلك إما بالتأويل إن أمكن وإما بالتفويض قوله ولكم بذا سلف الخ هؤلاء السلف هم المنافقون الذي ذكرهم الله تعالى بقوله في سورة النساء واذا قيل لهم تعالوا الى ما أنزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا النساء الآيات

قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى في العقل والنقل وفي هذه الآيات أنواع من العبر دالة على ضلال من تحاكم الى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقة وان زعم انه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والايمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهي عنها او لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما امره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه كما قال تعالى آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة انتهى كلامه قال الناظم رحمه الله تعالى ... واضرب لهم مثلا بشيخ القوم اذ ... يأبى بكبر ذي طغيان ... ثم ارتضى ان صار قوادا لأر ... باب الفسوق وكل ذي عصيان ... قوله واضرب لهم مثلا بشيخ القوم الخ المراد به إبليس عليه اللعنة وذلك ان الله أمره بالسجود لآدم فعصى كبرا وطغيانا ثم ارتضى بأن صار قوادا لكل فاسق وعاص نعوذ بالله وهذا مأخوذ من قول أبي نواس ... عجبت من إبليس في كبره ... وفي الذي أظهر من نخوته ... تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته

قوله نخوته قال في القاموس نخا ينخو نخوة افتخر وتعظم وكذا قوله تاه أي تكبر ... وكذاك أهل الشرك قالوا كيف ذا ... بشر أتى بالوحي والقرآن ... ... ثم ارتضوا أن يجعلوا معبودهم ... من هذه الأحجار والاوثان ... أي أن أهل الشرك تكبروا وقالوا الله أكبر وأجل وأعظم من أن يرسل بشرا ثم ارتضوا بأن جعلوا آلهتهم من الأحجار والاوثان والجماد أخس حالا من الحيوان ... وكذلك عباد الصليب حموا بتا ... ركهم من النسوان والولدان ... وأتوا الى رب السماوات العلى ... جعلوا له ولدا من الذكران ... أي إن عباد الصليب وهم النصارى نزهوا بتاركهم من النساء والولدان ثم جعلوا لله سبحانه ولدا تعالى الله عن قولهم البترك الأكبر هو لوقا الناقل عن بولس عن يوحنا عن شمعون عن المسيح عليه السلام وأصل الترتيب عندهم ان القاريء للانجيل من اول وهلة شماس فان تأوله وأتقن حفظه صار قسيسا ويدوم كذلك ما دام عنده زوجة وإن بلغ في العلم ما بلغ فان ماتت زوجته فان تزوج خرج عن مراتب العلم ويسمى سالخ القيسوسية فان تنزه عن الزفر وما يخرج من الأرواح صار بتركا في مذهب الأرمن وأما الروم واليعاقبة والنسطورية فيرون أنه لا يجوز أن يكون بتركا إلا من تنزه عن النساء وأكل الأرواح وما يخرج منها من أول عمره الا العسل والسمك لأنه خليفة المسيح وطاعة هؤلاء فرض على النصارى وأما الاسقف والميرون والراهب فأسماء للمتعبدين خاصة فالماكث في القلة ميرون وكثير السياحة أسقف وتارك النساء

فقط راهب وشرط الروم ملازمته للبس المسوح وخدمة الدير وأن لا يصلي خارج الكنيسة ... وكذلك الجهمي نزه ربه ... عن عرشه من فوق ذي الأكوان ... حذرا من الحصر الذي في ظنه ... أو أن يرى متحيزا بمكان ... فاصأره عدما وليس وجوده ... متحققا في خارج الاذهان ... لكنما قدماؤهم قالوا بأن الذات قد وجدت بكل مكان ... ... جعلوه في الآبار والأنجاس والخانات والخربات والقيعان ... قال في القاموس الخان الحانوت او صاحبه وخان التجار معروف قوله القيعان قال في القاموس القاع ارض سهلة مطمئنة قد انفرجت عليها الجبال والآكام جمع قيع وقيعة وقيعان بكسرهن أي أن الجهمية نزهوا الله عن أن يكون مستويا على عرشه حذرا من أن يكون محصورا او متحيزا ثم قالوا إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل فأوقعوا عليه صفة المعدوم قوله لكنما قدماؤهم قالوا بأن الذات الخ أي أن قدماء الجهمية قالوا بأنه سبحانه موجود بكل مكان تعالى الله عن ذلك ولكن هذا ليس قول الجهمية الأولين جميعهم فان هذا قول النجارية والضرارية كما تقدم ذلك في أوائل هذا الشرح ففي كلامه مسامحة ... والقصد أنكم تحيزتم الى الآراء وهي كثيرة الهذيان ... فتلونت بكم فجئتم أنتم ... متلونين عجائب الالوان ... وعرضتم قول الرسول على الذي ... قد قاله الاشياخ عرض وزان

وجعلتم أقوالهم ميزان ما ... قد قاله والعدل في الميزان ... أي أن هذا ميزان عائل جائز قال في القاموس عال جار عن الحق والميزان نقص ... ووردتم سفل المياه ولم نكن ... نرضى بذاك الورد للظمآن ... وأخذتم أنتم بنيات الطريق ونحن سرنا في الطريق الاعظم السلطان ... بنيات الطريق هي الطرق الصغار وتتشعب من الطريق الأعظم ثم ترجع اليه ... وجعلتم ترس الكلام مجنة ... تبا لذاك الترس عند طعان ... ورميتم أهل الحديث بأسمهم ... عن قوس موتور الفؤاد جبان ... فتترسوا بالوحي والسنن التي ... تتلوه نعم الترس للشجعان ... تقدم تفسير الترس قوله موتور هو اسم مفعول من وتره يتره قال في القاموس وتره يتره وترا وترة والقوم جعل شفعهم وترا كأوترهم والرجل أفزعه وأدركه بمكروه ووتره ماله نقصه إياه انتهى قلت ومنه الحديث الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ... هو ترسهم والله من عدوانكم ... والترس يوم البعث من نيران ... أفتاركوه لفشركم ومحالكم ... لا كان ذاك بمنة الرحمن ... ودعوتمونا للذي قلتم به ... قلنا معاذ الله من خذلان ... ... فاشتد ذاك الحرب بين فريقنا ... وفريقكم وتفاقم الأمران ... وتأصلت تلك العداوة بيننا ... من يوم أمر الله للشيطان

بسجوده فعصى وعارض أمره ... بقياسه وبعقله الخوان ... فأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا ... أخباره بالفشر والهذيان ... ومعارض للأمر مثل معارض الأخبارهم في كفرهم صنوان ... من عارض المنصوص بالمعقول قد ما أخبرونا يا أولي العرفان ... أو ما عرفتم أنه القدري والجبري أيضا ذاك في القرآن ... إذ قال قد أغويتني وفتنتني ... لأزينن لهم مدى الأزمان ... فاحتج بالمقدور ثم ابان أن الفعل منه بغية وزيان ... فانظر الى ميراثهم ذا الشيخ بالتعصيب والميراث بالسهمان ... فسألتكم بالله من وراثه ... مناومنكم بعد ذا التبيان ... حاصل كلام الناظم في هذه الأبيات أن أصل العداوة بيننا وبينكم يا معشر من عارض أمر الله بقياسه وعقله من حين أمر الله إبليس بالسجود لآدم فعصى وعارض أمر الله بالعقل والقياس وذلك فيما حكى الله عنه وهو قوله لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون الحجر وقوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين الأعراف يعني النار خير وأفضل من الطين فأنا خير من آدم فهذا معارضة اللعين للأمر بالعقل والقياس وقوله وأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا أخباره الخ أي أن النفاة عارضوا الأخبار بالفشر والهذيان وقالوا العقل يعارض النقل والقواطع تعارض اللفظية والأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ونحو ذلك

من الفشر والهذيان وهذا معنى معارضتهم للخبر وهو معنى قول الناظم ومعارض للأمر مثل معارض الاخبار الخ قوله من عارض المنصوص بالمعقول قدما الخ أن إبليس حين احتج بالقدر وهو قوله فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين الحجر فاحتج أولا بالقدر والجبر وهو قوله فبما أغويتني ثم قال لأزينن لهم في الأرض ولأغوينم أجمعين فتبعته القدرية المجبرة في الاحتجاج بالقدر وأنهم مجبورون على أفعالهم وتبعته القدرية النفاة وهم الذين زعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة في قوله لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين فالقدرية المجبرة تبعوه في الجبر والقدرية النفاة تبعوه في نفي خلق أفعال العباد فالطائفتان قد عارضتا المنصوص بالمعقول وهذا معنى قول الناظم فانظر الى ميراثهم ذا الشيخ بالتعصيب كما هو ظاهر والله أعلم وقد تقدم الكلام في مذهب أهل السنة والجماعة في خلق افعال العباد وفي رد مذهب الجبرية ... هذا الذي ألقى العداوة بيننا ... اذ ذاك واتصلت الى ذا الآن ... أصلتتم أصلا وأصل خصمكم ... اصلا فحين تقابل الأصلان ... ظهر التباين فانتشت ما بيننا الحرب العوان وصيح بالاقران ... أصلتم رأى الرجال وخرصها ... من غير برهان ولا سلطان ... هذا وكم رأي لهم فبرأي من ... نزن النصوص فأوضحوا ببيان ... كل له رأي ومعقول له ... يدعو ويمنع اخذ رأي فلان

والخصم أصل محكم القرآن مع ... قول الرسول وفطرة الرحمن ... وبني عليه فاعتلى بنيانه ... نحو السما أعظم بذا البنيان ... وعلى شفا جرف بنيتم أنتم ... فأتت سيول الوحي والايمان ... فعلت أساس بنائكم فتهدمت ... تلك السقوف وخر للاركان ... ... الله أكبر لو رأيتم ذلك البنيان حين علا كمثل دخان ... تسمو اليه نواظر من تحته ... وهو الوضيع ولو يرى بعيان ... ... فاصبر له وهناك ورد الطرف نلقاه قريبا في الحضيض الداني ... ثم شرع الناظم رحمه الله في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفر وأن الاثبات أساس العلم والايمان فقال فصل في بيان ان التعطيل أساس الزندقة والكفران والاثبات أساس العلم والايمان ... من قال إن الله ليس بفاعل ... فعلا يقوم به قيام معان ... كلا وليس الامر أيضا قائما ... بالرب بل من جملة الاكوان ... أي من قال إن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق والأمر هو المأمور وقد تقدم بسط الكلام في ذلك قوله قيام معان هو بفتح الميم أي قياما معنويا

قال الناظم رحمه الله تعالى ... كلا وليس الله فوق عباده ... بل عرشه خلو من الرحمن ... فثلاثة والله لا تبقي من ال ايمان حبة خردل بوزان ... وقد استراح معطل هذي الثلا ... ث من الاله وجملة القرآن ... ومن الرسول ودينه وشريعته ال اسلام بل من جملة الاديان ... قوله خلو بكسر الخاء أي خال قوله هذي الثلاث وهن القول بأن فعله تعالى وأمره لا يقومان به والقول بنفي الفوقية والعلو لا يبقي من الايمان حبة خردل ... وتمام ذاك جحوده لصفاته والذات دون الوصف ذو البطلان ... أي وتمام ذاك جحود صفات الرب تعالى مع ان وجود ذات بغير صفات باطل ... وتمام ذا الايمان إقرار الفتى ... بالله فاطر هذي الاكوان ... فاذا أقربه وعطل كل مفروض ولم يتوق من عصيان ... لم ينقص الايمان حبة خردل ... أنى وليس بقابل النقصان ... هذا هو القول بالايمان هو التصديق والمعرفة كما هو قول الجهمية والاشعري في المشهور من قوليه وأنه لا يزيد ولا ينقص ... وتمام هذا قوله إن النبوة ليس وصفا قام بالانسان ... لكن تعلق ذلك المعنى القديم بواحد من جملة الانسان

هذا وما ذاك التعلق ثابتا ... في خارج بل ذاك في الاذهان ... فتعلق الاقوال لا يعطي الذي ... وقفت عليه الكون في الأعيان ... هذا اذا ما حصل المعنى الذي ... قلتم هو النفسي في البرهان ... ... لكن جمهور الطوائف لم يروا ... ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان ... ما قال هذا غيركم من سائر النظار في الآفاق والازمان ... تسعون وجها بينت بطلانه ... لولا القريض لسقتها بوزان ... أي وتمام هذا قوله إن النبوة ليس وصفا قام بالنبي وإن المعنى القديم وهو المعنى النفسي تعلق به ومع ذلك فالتعلق ليس ثابتا في الخارج بل هو في الذهن وذلك هو المعنى النفسي الذي أثبتته الأشاعرة قوله ما قال هذا غيركم الخ أي ما قال هذا القول احد غيركم معشر الأشعرية قوله تسعون وجها الخ هذه الأوجه ساقها شيخ الاسلام في رسالته المعروفة بالتسعينية قوله لولا القريض قال في القاموس قرضه يقرضه قطعه وجازاه كقارضه والشعر قاله ... يا قوم اين الرب أين كلامه ... أين الرسول فأوضحوا ببيان ... ... ما فوق عرش الرب من هو قائل ... طه ولا حرفا من القرآن ... ... ولقد شهدتم ان هذا قولكم ... والله يشهد مع أولي الايمان ... وارحمتاه لكم غبنتم حظكم ... من كل معرفة ومن ايمان

ونسبتم للكفر أولى منكم ... بالله والايمان والقرآن ... هذي بضاعتكم فمن يستامها ... فقد ارتضى بالجهل والخسران ... وتمام هذا قولكم في مبدء ... ومعادنا أعني المعاد الثاني ... هذا على قول مثبتي الجوهر الفرد وقد تكلموا في معاد الابدان على هذا الاصل فمنهم من يقول يفرق الاجزاء ثم يجمعها ومنهم من يقول يعدمها ثم يعيدها واختلفوا ههنا فيما إذا أكل حيوان حيوانا فكيف يعاد وأدعى بعضهم أن الله يعدم أجزاء العالم ومنهم من يقول هذا لا يمكن أن يعلم ثبوته ولا انتفاؤه والمعاد عندهم يفتقر الى أن يبتدىء هذي الجواهر والجهم بن صفوان منهم يقول يعدمها بعد ذلك ويقول بفناء الجنة والنار وأبو الهذيل العلاف يقول تعدم الحركات قال ابن العربي في عقيدته الوسطى اختلف اهل السنة في الاعادة هل بالجمع والتفريق أو بعد محض العدم والحق التوقف وهو اختيار امام الحرمين اذ كلاهما جائز عقلا في قدرته تعالى ولا قاطع في ذلك فالاحوط التوقف انتهى وفي شرح الرسالة للشيخ ابي القاسم ابن ناجي قال بعض الشيوخ اجمع أهل الحق على القول برد الجواهر بأعيانها وانما اختلفوا هل عن عدم او تفريق قال أبو المعالي لا دليل قاطع بأحدهما والظواهر تقتضي الاعدام لا بالتفريق وعليه فترد بأعيانها وكون الابتداء والاعادة بالعلم والقدرة والارادة وأما إن قلنا بالتفريق لا بالاعدام فتجمع الجواهر ثم يخلق تعالى فيها الصفات بأعيانها كما كانت أول مرة وكل ما هو ممكن فالقدرة صالحة لايقاعه انتهى وقال شارح المواقف وهل يعدم الله الأجزاء البدنية ثم يعيدها ام يفرقها ويعيد تأليفها الحق أنه لم يثبت في ذلك شئ فلا نجزم فيه نفيا ولا إثباتا لعدم الدليل على شيء من الطرفين وليس في قوله تعالى

كل شيء هالك الا وجهه القصص دليل على الاعدام لأن التفريق هلاك كالاعدام فهلاك كل شيء خروجه عن صفاته المطلوبة منه وزوال التأليف كذلك ومثله يسمى فناء عرفا فلا يتم الاستدلال بقوله تعالى كل من عليها فان الرحمن على الاعدام أيضا والله تعالى أعلم انتهى كلامه فهذا قول النفاة في المعاد أما قولهم لهم في المبدأ فقد تقدم الكلام عليه والله أعلم ... وتمام هذا قولكم بفناء دا ... ر الخلد فالداران فانيتان ... أي إن الجهمية قالوا بفناء الجنة والنار ... يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد ... نيا مع الأخرى مع الايمان ... والخلق والامر المنزل والجزا ء منازل الجنات والنيران ... والناس قد ورثوه بعد فمنهم ذو السهم والسهمين والسهمان ... بئس المورث والمورث والتر ... اث ثلاثة اهل لكل هوان ... يا وارثين نبيهم بشراكم ... مار إثكم مع إرثهم سيان ... شتان بين الوارثين وبين مو ... روثيهما وسهام ذي سهمان ... يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم ... بالجهم من أقطارها بأذان ... الا لما عرفوه من أقواله ... ومآلها بحقيقة العرفان ... قول الرسول وقول جهم عندنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان ... نصحوكم والله جهد نصيحة ... ما فيهم والله من خوان ... ... فخذوا بهديهم فربي ضامن ... ورسوله أن تفعلوا بجنان ... أي إن قول أهل النفي والتعطيل قد بلغت شناعاته الوجود بأسره

الدنيا والآخرة والخلق والأمر والجزاء والجنة والنار وقد توارث الناس تلك الضلالات والشناعات فمنهم من ورث السهم ومنهم من ورث السهمين ومنهم من ورث السهمان قوله والله ما صاح الأئمة جهدهم الخ أي ما كثر تشنيع الأئمة الكبار في جميع المدن والأقطار وتحذيرهم من جهم وأقواله إلا لما عرفوا من مآلها المنافي للدين المباين للحق واليقين قال الناظم رحمه الله تعالى ... فاذا أبيتم فالسلام على من اتبع الهدى وانقاد للقرآن ... سيروا على نجب العزائم واجعلوا ... بظهورها المسرى الى الرحمن ... سبق المفرد وهو ذاكر ربه ... في كل حال ليس ذا نسيان ... يشير الى ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له حمدان فقال سيروا هذا حمدان سبق المفرودن قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات روي لفظ المفردون من التفريد ومن الافراد والمشهور الذي قاله الجمهور وهو التشديد ... لكن أخا الغفلات منقطع به ... بين المفاوز تحت ذي الغيلان ... صيد السباع وكل وحش كاسر ... بئس المضيف لأعجز الضيفان ... قال في القاموس كسر الطائر كسرا وكسورا ضم جناحيه يريد الوقوع وعقاب كاسر

وكذلك الشيطان يصطاد الذي ... لا يذكر الرحمن كل اوان ... والذكر أنواع فأعلى نوعه ... ذكر الصفات لربنا المنان ... ... وثبوتها أصل لهذا الذكر والنافي لها داع الى النسيان ... فلذاك كان خليفة الشيطان ذا ... لا مرحبا بخليفة الشيطان ... والذاكرون على مراتبهم فأعلاهم اولو الايمان والعرفان ... بصفاته العلياء اذ قاموا بحمد الله في سر وفي إعلان ... وأخص أهل الذكر بالرحمن أعلمهم بها هم صفوة الرحمن ... وكذاك كان محمد وأبوه ابراهيم والمولود من عمران ... وكذاك نوح وابن مريم عندنا ... هم خير خلق الله من انسان ... لمعارف حصلت لهم بصفاته ... لم يؤتها احد من الانسان ... وهم اولو العزم الذين بسورة ال أحزاب والشورى اتوا ببيان ... وكذلك القرآن مملوء من ال أوصاف وهي القصد بالقرآن ... ليصير معروفا لنا بصفاته ... ويصير مذكورا لنا بجنان ... ... ولسان ايضا مع محبتنا له فلأجل ذا الاثبات في الايمان ... مثل الاساس من البناء فمن يرم ... هدم الاساس فكيف بالبنيان ... يعني الناظم رحمه الله تعالى أن الذكر أنواع فأعلاها ذكر الصفات وثبوت صفاته سبحانه أصل لهذا الذكر ونافي الصفات داع الى نسيانها وهو خليفة الشيطان والذاكرون على مراتب فأعلاهم أولو الايمان

والعرفان بصفاته سبحانه ولذلك قاموا بحمد الله في السر والاعلان وأخص أهل الذكر بالله أعلمهم بصفاته ولذلك كان أولو العزم من الرسل وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد E هم خير خلق الله للمعارف التي حصلت لهم بصفاته سبحانه بحيث لم يؤتها غيرهم ولذلك القرآن مملوء بصفاته سبحانه وهي القصد بالقرآن ليكون معروفا لعباده بصفاته مذكورا لهم بقلوبهم وهو معنى قوله مذكورا لهم بجنان وهو القلب ونحو من هذا قول الناظم في المقدمة وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به وطلب الوسيلة اليه والزلفى عنده ولا سبيل الى هذا بمعرفة أوصافه وأسمائه فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب واليه اقرب وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل واليه أكره ومنه أبعد الى آخر ما ذكره قال الناظم رحمه الله تعالى في كتاب الكلم الطيب الذكر نوعان احدهما ذكر اسماء الرب وصفاته والثناء عليه وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به وهذا أيضا نوعان احدهما إنشاء الثنا عليه بهما من الذاكر وهذا النوع هو المذكور في الاحاديث نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه فهذا أفضل من نحو سبحان الله وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق أفضل من نحو قولك الحمد لله ولهذا جاء في حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت

اليوم لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته رواه مسلم وفي الترمذي وسنن ابي داود عن سعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه انه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى او حصى تسبح به فقال أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك النوع الثاني الخبر عن الرب تعالى باحكام أسمائه وصفاته نحو قولك الله تعالى يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم وهو ارحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وهو على كل شيء قدير وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد لراحلته ونحو ذلك وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما اثنى عليه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضا ثلاثة أنواع حمد وثناء ومجد فالحمد الاخبار عنه بصفات كماله مع محبته والرضى عنه فلا يكون المحب الساكت حامدا ولا المثني بلا محبة حامدا حتى يجتمع له المحبة والثناء فان كرر المحامد شيئا بعد شيء كان ثناء وان كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدا وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول سورة الفاتحة فاذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي واذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي

والنوع الثاني من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه وهذا أيضا نوعان إلى آخر كلامه وهو كلام نفيس قوله أولو العزم الذين بسورة الاحزاب والشورى قال تعالى في سورة الأحزاب وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا وفي سورة الشورى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الآية قوله فلأجل ذا الاثبات في الايمان مثل الاساس من البناء يعني أن الاثبات في الإيمان مثل الأساس مع البناء وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى الاثبات أمكن نقله عنه الخطابي ... والله ما قام البناء لدين رسل الله بالتعطيل للديان ... ... ما قام الا بالصفات مفصلا ... اثباتها تفصيل ذي عرفان ... ... فهي الاساس لديننا ولكل دين قبله من سائر الايان ... ... وكذاك زندقة العباد أساسها التعطيل يشهد ذا اولو العرفان ... ... والله ما في الأرض زندقة بدت ... الا من التعطيل والنكران ... والله ما في الأرض زندقة بدت ... من جانب الاثبات والقرآن ... ... هذي زنادقة العباد جميعهم ومصنفاتهم بكل مكان ... ... ما فيهم أحد يقول الله فو ... ق العرش مستول على الاكوان ... ... ويقول ان الله جل جلاله ... متكلم بالوحي والقرآن

ويقول ان الله كلم عبده ... موسى فأسمعه بذي الآذان ... ... ويقول ان النقل غير معارض ... للعقل بل أمران متفقان ... ... والنقل جاء بما يحار العقل فيه لا المحال البين البطلان ... ... فانظر الى الجهمي كيف أتى الى ... أس الهدى ومعاقل الايمان ... ... بمعاول التعطيل يقطعها فما ... يبقى على التعطيل من ايمان ... ... يدري بهذا عارف بمآخذ ال أقوال مضطلع بهذا الشان ... ... والله لو حدثتم لرأيتم هذا وأعظم منه رأي عيان ... ... لكن على تلك العيون غشاوة ما حيلة الكحال في العميان ... أقسم الناظم رحمه الله في البيت الذي أوله والله ما قام الأساس لدين رسل الله الخ إن دين الرسل عليهم السلام ما قام بالتعطيل وإنه ما قام إلا باثبات الصفات مفصلة ثم أخبر أن زندقة العباد أساسها التعطيل فانظر زنادقة العباد ومصنفاتهم بكل مكان فانه ليس فيهم من يثبت علو الله تعالى على خلقه أو يقول ان الله سبحانه متكلم بالوحي والقرآن وإن الله كلم عبده موسى فأسمعه النداء قوله ويقول إن النقل غير معارض للعقل الخ أي إن المعطلة تقول إن العقل يعارض النقل وحاشا من ذلك لكن النقل جاء بمحارات العقول أي بما تتحير فيه العقول وأما أن النقل يجيء بالمحال الباطل فكلا ومعاذ الله

فصل في بهت أهل الشرك والتعطيل في رميهم اهل التوحيد والإثبات بتنقيص الرسول صلى الله عليه وسلم ... قالوا تنقصتم رسول الله وا ... عجبا لهذا البغي والبهتان ... ... عزلوه أن يحتج قط بقوله ... في العلم بالله العظيم الشان ... ... عزلوا كلام الله ثم رسوله ... عن ذاك عزلا ليس ذا كتمان ... ... جعلوا حقيقته وظاهره هو الكفر الصريح البين البطلان ... ... قالوا وظاهره هو التشبيه والتجسيم والتمثيل حاشا ظاهر القرآن ... ... من قال في الرحمن ما دلت عليه حقيقة الاخبار والفرقان ... ... فهو المشبه والممثل والمجسم عابد الأوثان لا الرحمن ... ... تالله قد مسخت عقولكم فليس وراء هذا قط من نقصان ... ... ورميتم حزب الرسول وجنده ... بمصابكم يا فرقة البهتان ... ... وجعلتم التنقيص عين وفاقه ... إذ لم يوافق ذاك رأي فلان ... ... أنتم تنقصتم إله العرش والقرآن والمبعوث بالقرآن ... ... نزهتموه عن صفات كماله ... وعن الكلام وفوق كل مكان ... ... وجعلتم ذا كله التشبيه والتمثيل والتجسيم ذا البطلان

وكلامكم فيه الشفاء وغاية التحقيق يا عجبا لذا الخذلان ... ... جعلوا عقولهم أحق بأخذ ما ... فيها من الأخبار والقرآن ... ... وكلامه لا يستفاد به اليقين لأجل ذا لا يقبل الخصمان ... ... تحكيمه عند اختلافهما بل المعقول ثم المنطق اليونان ... ... أي التنقص بعد ذا لولا الوقا ... حة والجراءة يا أولي العدوان ... معنى كلامه في هذه الأبيات أن اهل التعطيل رموا أهل التوحيد لما جردوا التوحيد والمتابعة وأفردوا الله تعالى بجميع انواع العبادة خوفا ورجاء وتوكلا وخشية وقالوا لا يجوز صرف العبادة ولا شيء منها لملك مقرب ولا نبي مرسل وقدموا أقوال الرسول على غيره فلأجل ذلك رموهم بتنقص الرسول والمعطلة مع ذلك قد تنقصوا الله تعالى ورسوله وكتابه أما تنقصهم الله تعالى فانهم سلبوه صفات كماله ونزهوه عن الكلام والفوقية وجعلوا ذلك تشبيها وتجسيما وأما تنقصهم الرسول فانهم عزلوه أن يحتج بقوله في العلم بالله وأما تنقصهم القرآن فانه عندهم لا يفيد اليقين إذ هو أدلة لفظية عارضتها القواطع العقلية بزعمهم وأن القرآن لا يحكم عند الاختلاف وإنما يرجع الى العقول والمنطق وأما اهل الاثبات فانهم حكموا الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به في الدق والجل ولهذا قال أي التنقص بعد ذا لولا الوقاحة والجراءة الخ قال الناظم رحمه الله تعالى ... يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان ... ... لكننا قلنا مقالة صارخ ... في كل وقت بينكم بأذان

الرب رب والرسول فعبده ... حقا وليس لنا إله ثان ... ... فلذاك لم نعبده مثل عبادة الرحمن فعل المشرك النصراني ... ... كلا ولم نغلوا الغلو كما نهى ... عنه الرسول محافة الكفران ... ... لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان ... ... لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان ... ... فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذي القربان ... ... وكذا السجود ونذرنا ويميننا ... وكذا مثاب العبد من عصيان ... ... وكذا التوكل والانابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن ... ... وكذا العبادة واستعانتنا به ... أياك نعبد ذاك توحيدان ... ... وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان ... ... وكذلك التسبيح والتكبير والتهليل حق إلهنا الديان ... ... لكنما التعزير والتوقير حق للرسول بمقتضى القرآن ... ... والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان ... ... هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجهلوها يا أولي العدوان ... ... حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان ... ... من غير إشراك به شيئا هما ... سببا النجاة فحبذا السببان ... ... ورسوله فهو المطاع وقوله المقبول إذ هو صاحب البرهان

والأمر منه الحتم لا تخيير فيه عند ذي عقل وذي إيمان ... ... من قال قولا غيره قمنا على ... أقواله بالسير والميزان ... ... إن وافقت قول الرسول وحكمه ... فعلى الرؤوس تشال كالتيجان ... ... أو خالفت هذا رددناها على ... من قالها من كان من انسان ... ... أو أشكلت عنا توقفنا ولم ... نجزم بلا علم ولا برهان ... ... هذا الذي أدى إليه علمنا ... وبه ندين الله كل أوان ... ... فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأمر ذي السلطان ... ... وهم المقدم في محبتنا على ال أهلين والأزواج والولدان ... ... وعلى العباد جميعهم حتى على النفس التي قد ضمها الجنبان ... شرع الناظم رحمه الله في بيان الحقوق التي لله ورسوله فذكر أن حق الله سبحانه هو عبادته بأمره لا بهوى النفس وذلك كالحج والصلاة والذبح والسجود والنذر واليمين والتوبة والتوكل والانابة والتقى والرجاء والخشية والاستعانة والتكبير والتهليل ونحوها فكل هذا حق لله لا يشركه فيه غيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وأما المختص بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو التعزيز والتوقير كما في قوله تعالى لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه الفتح وأما الحب والايمان والتصديق فهي مشتركة بين الله ورسوله فقد وضحت الحقوق الثلاثة وهذا معنى قوله هذي تفاصيل الحقوق الثلاثة الخ قوله ورسوله فهو المطاع وقوله الخ يدل على هذا قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم النساء الآية

قوله فهو المقدم في محبتنا الخ يشير الى قوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون احب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقول عمر رضي الله عنه يا رسول الله لأنت أحب الي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال عمر إنك الآن احب الي من نفسي فقال الآن يا عمر رواه البخاري قال الناظم رحمه الله تعالى ... ونظير هذا قول أعداء المسيح من النصارى عابدي الصلبان ... ... انا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد وذلك غاية النقصان ... ... لو قلتم ولد إله خالق ... وفيتموه حقه بوزان ... ... وكذاك أشباه النصارى مذغلوا ... في دينهم بالجهل والطغيان ... ... صاروا معادين الرسول ودينه ... في صورة الأحباب والاخوان ... أي ونظير غلوهم في الرسول صلى الله عليه وسلم غلو عباد الصليب من النصارى في المسيح لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ان المسيح عبد فقالوا له تنقصت المسيح وعبته وقد تقدم من كلام الناظم في شرح منازل السائرين ما يتضح به في معنى هذه الأبيات في الفصل الذي أوله والشرك فاحذره فشرك ظاهر الخ ... فانظر الى تبديلهم توحيده ... بالشرك والإيمان بالكفران ... ... وانظر الى تجريده التوحيد من ... اسباب كل الشرك بالرحمن ... ... واجمع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنقاد والوزان ... ... عقل وفطرتك السليمة ثم زن ... هذا وذا لا تطغ في الميزان

فهناك تعلم أي حزبينا هو المتنقص المنقوص ذو العدون ... ... رامي البريء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان ... ... كمعير للناس بالزغل الذي ... هو ضربه فاعجب لذا البهتان ... الزغل بفتح الزاي ... يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى بلا علم ولا عرفان ... ... والله ما قدمتم يوما مقا لته على التقليد للانسان ... ... والله ما قال الشيوخ وقال إلا كنتم معهم بلا كتمان ... ... والله أغلاط الشيوخ لديكم ... عين الصواب ومقتضى البرهان ... ... ولذا قضيتم الذي حكمت به ... جهلا على الأخبار والقرآن ... ... والله انهم لديكم ... مثل معصوم وهذا غاية الطغيان ... ... تبا لكم ماذا النقص بعد ذا ... لو تعرفون العدل من نقصان ... ... والله ما يرضيه جعلكم له ... ترسا لشرككم وللعدوان ... ... وكذاك جعلكم المشايخ جنة ... لخلافه والقصد ذو تبيان ... ... والله يشهد ذا بجذر قلوبكم ... وكذاك يشهده أولو الإيمان ... قوله بجذر قلوبكم الخ الجذر بالذال المعجمة قال في مختار الصحيح جذر كل شيء اصله بفتح الجيم عن الأصمعي وبكسرها عن أبي عمرو وفي الحديث إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال

والله ما عظمتموه طاعة ومحبة يا فرقة العصيان ... ... أنى وجهلكم به وبدينه ... وخلافكم للوحي معلومان ... ... أوصاكم أشياخكم بخلافهم ... لوفاته في سالف الأزمان ... ... خالفتم قول الشيوخ وقوله ... فغدا لكم خلفان متفقان ... أي إنكم معاشر النفاة خالفتم قول الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أقوال الأئمة المجتهدين رحمهم الله تعالى فانهم أوصوكم بخلاف أقوالهم اذا خالفت قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم بعض أقوالهم فخالفتم الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم الأئمة في ترك أقوالهم اذا خالفت أقواله وهذا معنى قول الناظم فغدا لكم خلفان متفقان وهما خلاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم وخلاف قول الأئمة رضي الله عنهم ... والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان ... ... تقديم آراء الرجال عليه مع ... هذا الغلو فكيف يجتمعان ... ... كفرتم من جرد التوحيد جهلا منكم بحقائق الإيمان ... ... لكن تجردتم لنصر الشرك والبدع المضلة في رضى الشيطان ... ... والله لم نقصد سوى التجريد للتوحيد ذاك وصية الرحمن ... ... ورضى رسول الله منا لا غلو الشرك أصل عبادة الأوثان ... ... والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا الى الاذعان ... ... والله لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان ... ... والله ما يرضيه منا غير اخلاص وتحكيم لذا القرآن

ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان ... ... ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيدا حذار الشرك بالرحمن ... ... ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنا من الأوثان ... ... فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران ... ... حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان ... قوله ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه الخ يشير الى قوله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله متفق عليه قوله ولقد نهانا أن نصير قبره عيدا الخ يشير الى حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم رواه أبو داود باسناد حسن ورواته ثقات وعن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه رأى رجلا يجيء الى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من ابي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فان تسليمكم يبلغني أين كنتم رواه في المختارة ورواه ابو يعلى والقاضي اسماعيل وقال سعيد ابن منصور في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل ابن أبي صالح قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم الى العشاء فقلت لا أريده فقال ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال اذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول صلى الله عليه وسلم

قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيثما كنتم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما انتم ومن بالأندلس الا سواء وقال سعيد ايضا حدثنا حبان بن علي ثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني قال شيخ الاسلام فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندا وقال أيضا فانظر الى هذه السنة كيف مخرجها من اهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار لأنهم الى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له اضبط انتهى قوله ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه الخ قال القرطبي ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل اليها وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتصور الصلاة اليه بصورة العبادة فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره انتهى وهذا معنى قول الناظم حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه الخ قال الناظم رحمه الله تعالى ... ولقد غدا عند الوفاة مصرحا ... باللعن يصرخ فيهم بأذان

وعنى الألى جعلوا القبور مساجدا ... وهم اليهود وعابدو الصلبان ... ... والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان ... ... قصدوا الى تسنيم حجرته ليمتنع السجود له على الاذقان ... ... قصدوا موافقة الرسول وقصده التجريد للتوحيد للرحمن ... قوله ولقد غدا عند الوفاة الخ يشير الى حديث عائشة رضي الله عنها قالت لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق طفق خميصة له على وجهه فاذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا أخرجاه قولها غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا روي بفتح الخاء وضمها فعلى الفتح هو الذي خشي ذلك صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه وعلى رواية الضم يحتمل ان يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الامة فلم يبرزوا قبره خشية ان يقع ذلك من بعض الأمة غلوا وتعظيما بما أبدى وأعاد من النهي عنه والتحذير منه ولعن فاعله قوله قصدوا الى تسنيم حجرته الخ تقدم كلام القرطبي رحمه الله تعالى في ذلك ولعل الناظم أخذ هذا المعنى من كلامه قال الناظم رحمه الله تعالى ... يا فرقة جهلت نصوص نبيهم ... وقصوده وحقيقة الإيمان ... ... فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والعدوان والبهتان ... ... لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم ما فيه من جبران

قلنا الذي قال الأئمة قبلنا ... وبه النصوص أتت على التبيان ... ... القصد حج البيت وهو فريضة الرحمن واجبة على الأعيان ... ... ورحالنا شدت اليه من بقا ... ع الأرض قاصيها كذاك الداني ... ... من لم يزر بيت الإله فماله ... من حجه سهم ولا سهمان ... ... وكذا نشد رحالنا للمسجد النبوي خير مساجد البلدان ... ... من بعد مكة أو على الاطلاق فيه الخلف عند الناس منذ زمان ... ... ونراه عند النذر فرضا لكن النعمان يأبى ذا وللنعمان ... ... أصل هو النافي الوجوب فإنه ... ما جنسه فرض على الإنسان ... ... ولنا براهين تدل بأنه ... بالنذر مفترض على الانسان ... ... أمر الرسول لكل ناذر طاعة ... بوفائه بالنذر بالاحسان ... ... وصلاتنا فيه بألف في سوا ... ه ما خلا ذا الحجر والأركان ... ... وكذا صلاة في قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان ... ... فاذا اتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان ... ... بتمام أركان لها وخشوعها ... وحضور قلب فعل ذي الاحسان ... ... ثم أنثنينا للزيارة نقصد القبر الشريف ولو على الأجفان ... ... فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والاعلان ... ... فكأنه في القبر حي ناطق ... فالواقفون نواكس الاذقان

ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان ... ... وتفجرت تلك العيون بمائها ... ولطالما غاضت على الأزمان ... ... وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان ... ... لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان ... ... كلا ولم ير طائفا بالقبر اسبوعا كأن القبر بيت ثان ... ... ثم انثنى بدعائه متوجها ... لله نحو البيت ذي الأركان ... ... هذي زيارة من غدا متمسكا ... بشريعة الاسلام والإيمان ... ... من افضل الأعمال هاتيك الزيا ... رة وهي يوم الحشر في الميزان ... ... لا تلبسوا الحق الذي جاءت به ... سنن الرسول بأعظم البطلان ... ... هذي زيارتنا ولم ننكر سوى البدع المضلة يا أولي العدوان ... ... وحديث شد الرحل نص ثابت ... يجب المصير اليه بالبرهان ... مراد الناظم رحمه الله انا قلنا بما قالت به الأئمة قبلنا ودلت عليه النصوص فذكر ان حج البيت فريضة وهذا معلوم بالاضطرار من دين الاسلام قوله ورحالنا شدت اليه الخ يشير الى الحديث المتفق عليه من حديث ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد الحديث وكذا نشد رحالنا للمسجد النبوي الخ أقول قوله هذه مسألة الزيارة وهي التي أفتى فيها شيخ الاسلام وحبس بسببها حتى مات في الحبس ولنذكر جوابه في المسألة وذلك أنه سئل عن رجل نوى زيارة قبر نبي من الأنبياء عليهم السلام مثل نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره

فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة وهل هي زيارة شرعية أم لا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من حج فلم يزرني فقد جفاني ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي وقد روي عنه انه قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا أجاب الشيخ رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له القصر على قولين أحدهما وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله ابن بطة وأبي الوفاء ابن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في هذا السفر لأنه سفر منهي عنه ومذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا يقصر فيه والقول الثاني أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن ابن عبدوس الحراني وأبي محمد ابن قدامة المقدسي وهؤلاء يقولون إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم زوروا القبور وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالاحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي رواه الدارقطني وابن ماجة وأما ما يذكره بعض الناس من قوله من قوله من حج فلم يزرني فقد جفاني فهذا لم يروه احد من العلماء وهو مثل قوله من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة فان هذا أيضا باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وانما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني

ونحوه وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء وأجاب عن حديث لا تشد الرحال بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب وأما الأولون فانهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا وهذا الحديث اتفق العلماء على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر اليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة ولو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الاقصى لصلاة او اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عليه عند ابي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجبا بالشرع أما الجمهور فانهم يوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه الحديث رواه البخاري وأما السفر الى بقعة غير المساجد الثلاثة فمل يوجب أحد من العلماء السفر اليها إذا نذره حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر الى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد الا الصلاة فيه كان كعمرة قالوا ولان السفر لزيارة قبور الانبياء والصالحين بدعة لم يفعلها احد الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبها احد من ائمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهذا مخالف للسنة واجماع الأمة وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في الابانة الصغرى

من البدع المخالفة للسنة والاجماع وبهذا يظهر ضعف حجة ابي محمد المقدسي فان زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل وهو يسلم لهم ان السفر اليه لا يجب بالنذر وقوله إن قوله لا تشد الرحال محمول على نفي الاستحباب يجاب عنه من وجهين أحدهما أن هذا تسليم منه ان هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة وطاعة فقد خالف الاجماع واذا سافر لاعتقاد أنها طاعة فذلك محرم باجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة ومعلوم ان احدا لا يسافر اليها الا لذلك وأما اذا قدر أن شد الرحل اليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب الوجه الثاني أن الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج احد من الائمة منها بشيء بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة والإمام احمد رضي الله عنه أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك إلا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك

يا أبت ثم ينصرف وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فان صلاتكم تبلغني وفي سنن سعيد بن منصور عن حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب أنه رأى رجلا يختلف الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده فقال يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فان صلاتكم تبلغني فما أنت ورجل بالأندلس منه الا سواء وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد الى زمن الوليد ابن عبد الملك لا يدخل عنده احد لا لصلاة هناك ولا لمسح قبر ولا لدعاء بل هذا انما كانوا يفعلونه في المسجد وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر وأما الوقوف للسلام عليه صلوات الله وسلامه عليه فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة ايضا ولا يستقبل القبر وقال أكثر الأئمة يستقبل القبر عند السلام خاصة ولا يستقبل القبر عند الدعاء وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء واتفق الائمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد فان من أصول الشرك بالله سبحانه اتخاذ القبور مساجد كما قالت طائفة من السلف في قوله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا نوح وقالوا هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره محمد ابن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف وذكره

وثيمة وغيره في قصص الانبياء من عدة طرق وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل في غير الموضع وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد أهل البدع الرافضة ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد يدعون بيوت الله التي أمر الله أن يذكر فيها اسمه ويعبد فيها وحده لا شريك له ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فان الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد لا المشاهد كما قال الله تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد الأعراف وغير ذلك من الآيات والله تعالى أعلم انتهى واعلم ان من أدلة المجوزين لشد الرحل الى ما ذكره التقي السبكي في كتابه شفاء السقام من الأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عليه السلام من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه الدارقطني وفي رواية حلت له شفاعتي وقوله E من جاءني زائرا لا يعمله حاجة الا زيارتي كان حقا علي ان أكون له شفيعا يوم القيامة رواه الطبراني وقوله صلى الله عليه وسلم من حج الى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان رواه ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي رواه الدارقطني والحديث الذي روي من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني رواه ابن عمر وأطنب السبكي في الأدلة وقد أجاب المانعون عن جميع ذلك كما قال الامام الحافظ أبو عبد الله محمد بن احمد بن عبد الهادي في كتابه الذي سماه الصارم المنكي في الرد على السبكي ما نصه أما بعد فاني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاه الشافعية في الرد على شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن تيمية في مسألة شد الرحال واعمال المطي الى القبور وذكر

أنه سماه شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة ثم زعم أنه اختار ان يسميه شفاء السقام في زيارة خير الأنام فوجدته كتابا مشتملا على تصحيح الاحاديث الضعيفة والموضوعة وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة أو تحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظواهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة ورأيت مؤلف هذا الكتاب رجلا مماريا معجبا برأيه متبعا لهواه ذاهبا في كثير مما يعتقده الى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة صائرا في أشياء مما يعتمده الى الشبه المخيلة والحجج الداحضة وربما خرق الاجماع في مواضع لم يسبق اليها ولم يوافقه احد من الأئمة عليها وهو في الجملة لون عجيب ونبأ غريب تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين فيكون مخطئا في ذلك الاجتهاد ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين فيكون من قلده مخطئا في ذلك الاعتقاد ونسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد هذا مع أنه إن ذكر حديثا مرفوعا أو أثرا موقوفا وهو غير ثابت قبله اذا كان موافقا لهواه وان كان ثابتا رده إما بتأويل أو غيره اذا كان مخالفا لهواه وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام كمالك أو غيره ما يوافق رأيه قبله وان كان مطعونا فيه غير صحيح عنه وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله وإن كان صحيحا ثابتا عنه وان حكى شيئا مما يتعلق بالكلام على الحديث وأحوال الرواة عن احد من أئمة الجرح والتعديل كالامام احمد بن حنبل وابي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان البستي وأبي جعفر العقيلي وابي احمد ابن عدي وابي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك وأبي بكر البيهقي وغيرهم من

الحفاظ وكان مخالفا لما ذهب اليه لم يقبل قوله ورده عليه وناقشه فيه وان كان ذلك الامام قد أصاب في ذلك القول ووافقه غيره من الأئمة عليه وإن كان موافقا لما صار اليه تلقاه بالقبول واحتج به واعتمد عليه وان كان ذلك الامام قد خولف في ذلك القول ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه وهذا هو عين الجور والظلم وعدم القيام بالقسط نسأل الله تعالى التوفيق ونعوذ به من الخذلان واتباع الهوى هذا مع أنه حمله إعجابه برأيه وغلبة اتباع هواه على أن نسب سوء الفهم والغلط في النقل الى جماعة من العلماء الأعلام المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء واختلافهم وتحقيق معرفة الأحكام حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال وإعمال المطي الى غير المساجد الثلاثة كالذهاب الى قبور الأنبياء والصالحين والى المواضع الفاضلة ونحو ذلك هو مما غلط فيه الشيخ أبي محمد او ان ذلك مما وقع منه على سبيل السهو والغفلة قال ولو قاله هو يعني الشيخ ابا محمد أو غيره ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه وأنه لم يفهم مقصود الحديث فانظر الى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الاسلام من الافتراء العظيم والافك المبين والكذب الصراح وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور سائر الانبياء عليهم السلام معصية بالاجماع مقطوعا بها هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله قط ولا يوجد في شيء من كتبه ولأول كلامه عليه بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله

تشهد ببطلان هذا النقل عنه ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ وأنه لم يقله قط وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين الحجرات وهذا المعترض يعلم أن ما نقله عن القاضي المشهور بما لا أحب حكايته عنه في هذا المقام عن شيخ الاسلام من هذا الكلام كذب مفترى لا يرتاب في ذلك ولكن يطفف ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه ولقد أخبرني الثقة أنه ألف هذا الكتاب لما كان بمصر قبل أن يلي القضاء بالشام بمدة كثيرة ليتقرب به الى القاضي الذي حكى عنه هذا الكذب ويحظى لديه فخاب امله ولم يتفق عنده وقد كان هذا القاضي الذي جمع المعترض كتابه لأجله من أعداء الشيخ المشهورين وقد زعم هذا المعترض أيضا مع هذا الأمر الفظيع الذي ارتكبه من التكذيب بالصدق والتصديق بالكذب أن الفتاوي المشهورة التي أجاب بها علماء اهل بغداد موافقة للشيخ مختلقة موضوعة وضعها بعض الشياطين هكذا زعم مع علم العام والخاص بأن هذه الفتاوي مما شاع خبرها وذاع واشتهر امرها وانتشر وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن افتى بها من العلماء وقد رأيت أنا وغيري خطوطهم بها الى ان قال وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الاسلام رحمه الله تعالى لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شئ من كتبه ولم ينه عنها ولم يكرهها بل استحبها وحض عليها ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر القبور قال رحمه الله تعالى في بعض مناسكه باب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدم فاذا

دخل استحب له ان يغتسل نص عليه الامام احمد فاذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيستقبل جدار القبر ولا يمسه ولا يقبله ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائما وجاه النبي صلى الله عليه وسلم ويقف متباعدا كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منكسر الرأس غاض الطرف مستحضرا بقلبه جلالة موقفه ثم يقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين أشهد ان لا أله ألا الله وأشهد انك رسول الله أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك ودعوت الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فجزاك الله أفضل ما جزى نبيا ورسولا عن أمته اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على سنته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربا رويا لانظمأ بعده أبدا ثم يأتي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فيقول السلام عليك يا أبا بكر الصديق السلام عليك يا عمر الفاروق السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه ورحمة الله وبركاته جزاكما الله تعالى عن صحبه نبيكما وعن الاسلام خيرا سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار

قال ويزور قبور اهل البقيع وقبور الشهداء إن أمكن هذا كلام الشيخ بحروفه وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر القبور ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع ولا ذكر في ذلك خلافا الا نقلا غريبا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين وانما تكلم في مسألة شد الرحال وأعمال المطي الى مجرد زيارة القبور وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين أحدهما القول بإباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي واحمد والثاني أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس ولم ينقل عن الأئمة الثلاثة خلافه وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي واحمد هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحال واعمال المطي الى القبور ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل واعمال مطي والسفر الى زيارة القبور مسألة وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة وحكم عليهما بحكم واحد وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق وحاد عن سواء الطريق واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحل بالحديث المشهور المتفق على صحته من حديث ابي هريرة وابي سعيد الخدري بحديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى هذا هو الذي نقله الشيخ رحمه الله تعالى حكى الخلاف في مسألة بين العلماء واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته فأي عتب عليه في ذلك ولكن نعوذ بالله تعالى من الحسد والبغي واتباع الهوى والله سبحانه المسؤول ان يوفقنا واخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من العمل الصالح والقول الجميل فانه يقول الحق ويهدي السبيل انتهى

وهذا الذي ذكرناه لما تضمنته هذه الأبيات التي تقدمت والله أعلم قوله من بعد مكة أو على الاطلاق الخ هذه المسألة فيها خلاف مشهور بين العلماء فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد في احدى الروايتين إلى أن مكة أفضل وذهب مالك الى ان المدينة أفضل وهو الرواية الثانية عن أحمد واحتج من فضل مكة بما رواه عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة والله انك لخير أرض الله وأحب ارض الله الى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح واحتجوا أيضا بأن مضاعفة الصلاة فيها أكثر وأما الحديث المروي اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع اليك فهو حديث لا يعرف قال شيخ الاسلام هو حديث موضوع كذب لم يروه أحد من أهل العلم واحتج من فضل المدينة بأخبار صحيحه تدل على فضلها لا على فضيلتها على مكة والله أعلم وقول الناظم رحمه الله ونراه عند النذر فرضا الخ اعلم ان العلماء اختلفوا فيمن نذر طاعة بشرط يرجوه كأن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك فذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب الوفاء بكل طاعة وحكي عن ابي حنيفة أنه لا يحب الوفاء الا بما جنسه واجب باصل الشرع كالصوم أما ما ليس كذلك كالاعتكاف فلا يوجب الوفاء به وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه رواه البخاري والله أعلم

فصل في تعيين ان اتباع السنة والقرآن طريق للنجاة من النيران ... با من يريد نجاته يوم الحسا ... ب من الجحيم وموقد النيران ... اتبع رسول الله في الأقوال وال أعمال لا تخرج عن القرآن ... وخذا الصحيحين اللذين هما لعقد الدين والإيمان واسطتان ... ... واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشيطان ... واجعلهما حكما ولا تحكم على ... ما فيها أصلا بقول فلان ... واجعل مقالته كبعض مقالة ال أشياخ تنصرها بكل أوان ... وانصر مقالته كنصرك للذي ... قلدته من غير ما برهان ... ... قدر رسول الله عندك وحده ... والقول منه اليك ذو تبيان ... ماذا ترى فرضا عليك معنيا ... ان كنت ذا عقل وذا إيمان ... عرض الذي قالوا على أقواله ... أو عكس ذاك فذلك الامران ... هي مفرق الطرقات بين طريقنا ... وطريق أهل الزيغ والعدوان ... قدر مقالات العباد جميعهم ... عدما وراجع مطلع الإيمان ... واجعل جلوسك بين صحب محمد وتلق معهم عنه بالإحسان

وتلق عنهم ما تلقوه هم ... عنه من الإيمان والعرفان ... أفليس في هذا بلاغ مسافر ... يبغي الإله وجنة الحيوان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في الوصية بما ينجي يوم الحساب من العذاب والنار وبين أن يكون باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال كما قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران ثم حث على لزوم الصحيحين أي صحيح البخاري ومسلم واتخاذهما حكما فيحكم بهما ولا يحكم عليهما وذلك بعد أن تتجرد من الهوى والتعصب والحمية قال واجعل مقالته كبعض مقالات الأشياخ أي اجعل مقالته صلى الله عليه وسلم كبعض مقالات الأشياخ التي ينصرها المقلدون بكل أوان وكنصرك للذي قلدته من غير برهان الذي غاية أقواله أن تكون سائغة الاتباع وأما أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فهي واجبة الاتباع كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية النساء ثم قال قدر رسول الله عندك وأنت تسمع كلامه منه بلا واسطة فهل ترى فرضا عليك عرض أقواله على اقوال من قلدته أو عكس ذلك أي عرض أقوالهم على أقواله وهذان الامران هما مفرق الطرق بين طريقنا وطريق أهل الزيغ والعدوان قوله قدر مقالات العباد جميعهم عدما الخ أي قدر مقالات العباد ثم راجع مطلع الايمان أي الكتاب والسنة وقدر نفسك جالسا بين صحب محمد صلى الله عليه وسلم وأنت تسمع منه فاذا كان فرض عليك اتباع ما جاء به صلى الله عليه وسلم وعرض كلام الناس على كلامه لو كنت حاضرا بين يديه فما الذي أسقط هذا الفرض عنك وأنت تسمع كتابه الذي جاء به وسنته الصحيحة الصريحة غضة طرية

قال الناظم رحمه الله تعالى ... لولا التنافس بين هذا الخلق ما ... كان التفرق قط في الحسبان ... فالرب رب واحد وكتابه ... حق وفهم الحق منه دان ... ورسوله قد أوضح الحق المبين بغاية الايضاح والتبيان ... ما ثم أوضح من عبارته فلا ... يحتاج سامعها الى تبيان ... والنصح منه فوق كل نصيحة ... والعلم مأخوذ عن الرحمن ... فلأي شيء يعدل الباغي الهدى ... عن قوله لولا عمى الخذلان ... فالنقل عنه مصدق والقول من ... ذي عصمة ما عندنا قولان ... والعكس عند سواه في الأمرين يا ... من يهتدي هل يستوي النقلان ... تالله قد لاح الصباح لمن له ... عينان نحو الفجر ناظرتان ... وأخو العماية في عمايته يقو ... ل الليل بعد أيستوي الرجلان ... تالله قد رفعت لك الأعلام ان ... كنت المشمر نلت دار أمان ... وإذا جنيت وكنت كسلانا فما ... حرم الوصول اليه غير جبان ... فاقدم وعد بالوصل نفسك واهجر المقطوع منه قاطع الانسان ... ... عن نيل مقصده فذاك عدوه ... ولو أنه منه القريب الداني ... ذكر الناظم في هذه الأبيات أنه لولا التنافس بين هذا الخلق لم يوجد التفرق وذلك أن الرب سبحانه واحد وكتابه واحد وفهمه يسير والرسول صلى الله عليه وسلم قد أوضح الحق بغاية الايضاح فلا عبارة اوضح من عبارته

ولا نصح فوق نصحه وعلمه مأخوذ عن الله تعالى فعدول الباغي عن ذلك هو عين الخذلان ثم ذكر أن عكس الأمرين عند غيره وقد لاح الصباح لذي عينين وأخو العماية في عماية جهله نعوذ بالله من العمى فصل في تيسير السير الى الله على المثبتين الموحدين وامتناعه على المعطلين والمشركين ... يا قاعدا سارت به أنفاسه ... سير البريد وليس بالذملان ... قال في القاموس الذميل كأمير السير اللين ماكان أو فوق العنق ذمل يذمل ويذمل ذملا وذمولا وذميلا وذملانا وناقة ذمول من ذمل ... حتى متى هذا الرقاد وقد سرى ... وفد المحبة مع أولي الاحسان ... وحدت بهم عزماتهم نحو العلى ... لاحادي الركبان والاظعان ... قوله وحدت بهم عزماتهم الخ قال في القاموس حدا الإبل حدوا وحداء زجرها وساقها انتهى ... ركبوا العزائم واعتلوا بظهورها ... وسروا فما حنوا الى نعمان ... ساروا رويدا ثم جاؤوا أولا ... سير الدليل يؤم بالركبان ... ساروا باثبات الصفات اليه لا التعطيل والتحريف والنكران

عرفوه بالأوصاف فامتلأت قلو ... بهم له بالحب والإيمان ... فتطايرت تلك القلوب اليه بال أشواق إذ ملئت من العرفان ... وأشدهم حبا له أدراهم ... بصفاته وحقائق القرآن ... فالحب يتبع للشعور بحسبه ... يقوى ويضعف ذاك ذو تبيان ... ولذاك كان العارفون صفاته أحبابه هم اهل هذا الشان ... ولذاك كان العالمون بربهم ... أحبابه وبشرعة الإيمان ... ولذاك كان الجاهلون بذا وذا ... بغضاءه حقا وذوي شنآن ... وحياة قلب العبد في شيئين من يرزقهما يحيى مدى الأزمان ... ... في هذه الدنيا وفي الأخرى يكو ... ن الحي ذا الرضوان والإحسان ... ذكر الإله وحبه من غير اشراك به وهما فممتنعان ... من صاحب التعطيل حقا كامتنا ... ع الطائر المقصوص من طيران ... أيحبه من كان ينكر وصفه ... وعلوه وكلامه بقرآن ... لا والذي حقا على العرش استوى متكلما بالوحي والفرقان ... الله أكبر ذاك فضل الله يؤ ... تيه لمن يرضى بلا حسبان ... وترى المخلف في الديار تقول ذا ... إحدى الأثافي خص بالحرمان ... الله أكبر ذاك عدل الله يقضيه على من شاء من إنسان

قوله على هذا وهذا الحمد في الأولى وفي الأخرى هما حمدان ... حمد لذات الرب جل جلاله ... وكذاك حمد العدل والإحسان ... ... يا من تعز عليهم أرواحهم ... ويرون غبنا بيعها بهوان ... ويرون خسرانا مبينا بيعها ... في إثر كل قبيحة ومهان ... ويرون ميدان التسابق بارز ... فيتاركون تقحم الميدان ... ويرون انفاس العباد عليهم ... قد أحصيت بالعد والحسبان ... ويرون أن أمامهم يوم اللقا ... لله مسئلتان شاملتان ... ماذا عبدتم ثم ماذا قد أجبتم من أتى بالحق والبرهان ... هاتوا جوابا للسؤال وهيئوا ... أيضا صوابا للجواب يداني ... وتيقنوا ان ليس ينجيكم سوى ... تجريدكم لحقائق الإيمان ... يشير إلى الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ... تجريدكم توحيده سبحانه ... عن شركة الشيطان والأوثان ... وكذاك تجريد اتباع رسوله ... عن هذه الآراء والهذيان ... والله ما ينجي الفتى من ربه ... شيء سوى هذا بلا روغان ... يا رب جرد عبدك المسكين را ... جي الفضل منك أضعف العبدان ... لم تنسه وذكرته فاجعله لا ... ينساك أنت بدأت بالإحسان

وبه ختمت فكنت أولى بالجميل وبالثناء من الجهول الجاني ... فالعبد ليس يضيع بين فواتح ... وخواتم من فضل ذي الغفران ... أنت العليم به وقد أنشأته من تربة هي أضعف الاركان ... كل عليها قد علا وهوت الى ... تحت الجميع بذلة وهوان ... وعلت عليها النار حتى ظن أن ... يعلو عليها الخلق من نيران ... وأتى الى الأبوين ظنا أنه ... سيصير الأبوين تحت دخان ... فسعت الى الأبوين رحمتك التي ... وسعتها فعلا بك الابوان ... هذا ونحن بنوهما وحلو منا ... في جنب حلمهما لدى الميزان ... جزء يسير والعدو فواحد ... لهما وأعدانا بلا حسبان ... والضعف مستول علينا من جميع جهاتنا سيما من الإيمان ... قوله من تربة هي أضعف الأركان أي إن الانسان مخلوق من تراب قوله أضعف الأركان أي الأركان الأربعة وهي الماء والهواء والنار والتراب قوله وعلت عليها النار الخ يعني قوله تعالى عن ابليس اللعين أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين الأعراف قوله هذا ونحن بنوهما الخ يعني ان عقولنا في جنب عقلهما جزء يسير وعدوهما واحد وأعداؤنا بلا حسبان ... يا رب معذرة اليك فلم يكن ... قصد العباد ركوب ذا العصيان

لكن نفوس سولته وغرها ... هذا العدو لها غرور أمان ... ... فتيقنت يارب أنك واسع الغفران ذو فضل وذو إحسان ... ... ومقالنا ما قاله الأبوان قبل مقالة العبد الظلوم الجاني ... ... نحن الألى ظلموا وإن لم تغفر الذنب العظيم فنحن ذو خسران ... ... يا رب فانصرنا على الشيطان ليس لنا به لولا حماك يدان ... فصل في ظهور الفرق بين الطائفتين وعدم التباسه الا على من ليس بذي عينين ... والفرق بينكم وبين خصومكم ... من كل وجه ثابت ببيان ... ... ما أنتم منهم ولا هم منكم ... شتان بين السعد والدبران ... ... فاذا دعونا للقرآن دعوتم ... للرأي أين الرأي من قرآن ... ... وإذا دعونا للحديث دعوتم ... أنتم الى تقليد قول فلان ... ... وكذا تلقينا نصوص نبينا ... بقبولها بالحق والاذعان ... ... من غير تحريف ولا جحد ولا ... تفويض ذي جهل بلا عرفان ... ... لكن باعراض وتجهيل وتأ ... ويل تلقيتم مع النكران ... ... أنكرتموها جهدكم فاذا أتى ... ما لا سبيل له الى نكران

أعرضتم عنه ولم تستنبطوا ... منه هدى لحقائق الإيمان ... ... فاذا ابتليتم مكرهين بسمعها ... فوضتموها لاعلى العرفان ... ... لكن بجهل للذي سيقت له ... تفويض اعراض وجهل معان ... ... فاذا ابتليتم باحتجاج خصومكم ... أوليتموها دفع ذي صولان ... ... فالجحد والاعراض والتأويل والتجهيل حظ النص عند الجاني ... ... لكن لدينا حظه التسليم مع ... حسن القبول وفهم ذي الاحسان ... فصل في التفاوت بين حظ المثبتين والمعطلين من وحي رب العالمين ... ولنا الحقيقة من كلام إلهنا ... ونصيبكم منه المجاز الثاني ... ... وقواطع الوحيين شاهدة لنا ... وعليكم هل يستوي الأمران ... ... وأدلة المعقول شاهدة لنا ... أيضا فقاضونا الى البرهان ... ... وكذاك فطرة ربنا الرحمن شا ... هدة لنا أيضا شهود بيان ... وكذاك إجماع الصحابة والألى ... تبعوهم بالعلم والإحسان ... وكذاك إجماع الأئمة بعدهم ... هذا كلامهم بكل مكان ... ... هذي الشهود فهل لديكم أنتم ... من شاهد بالنفي والنكران

وجنودنا من قد تقدم ذكرهم ... وجنودكم فعساكر الشيطان ... وهي قواطع الوحيين وأدلة المعقول والفطرة واجماع الصحابة والتابعين والأئمة ... وخيامنا مضروبة بمشاعر الوحيين من خبر ومن قرآن ... ... وخيامكم مضروبة بالتيه فالسكان كل ملدد حيران ... ... هذي شهادتكم على محصولهم ... عند الممات وقولهم بلسان ... يعني الناظم رحمه الله ما تقدم عن بعض المتكلمين أنه قال عند موته لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الاسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته وإلا فالويل لفلان وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي وقال آخر أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام وقال آخر عند موته أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر الى واجب ثم قال الافتقار وصف عدمي أموت وما علمت شيئا ... والله يشهد أنهم أيضا كذا ... تكفي شهادة ربنا الرحمن ... ... ولنا المساند والصحاح وهذه السنن التي نابت عن القرآن ... ... ولكم تصانيف الكلام وهذه الآراء وهي كثيرة الهذيان ... ... شبه يكسر بعضها بعضا كبيت من زجاج خر للأركان ... هو مأخوذ من قول القائل ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور

قال الناظم رحمه الله تعالى هل ثم شيء غير رأي أو كلام باطل أو منطق اليونان ونقول قال الله قال ورسوله في كل تصنيف وكل مكان لكن تقولوا قال آرسطو وقال ابن الخطيب وقال ذو العرفان ابن الخطيب هو الفخر الرازي شيخ لكم يدعى ابن سينا لم يكن متقيدا بالدين والإيمان وخيار ما تأتون قال الأشعري وتشهدون عليه بالبتهان أي خيار ما تقولون قال الأشعري وقد خالفتموه عين المخالفة فإنه يقول بإثبات العلو والاستواء ويقول بإثبات الصفات الخبرية وليس له في ذلك قولان ومع ذلك خالفتموه في نفي العلو والصفات تعالى الله عما يقول المعطلة علوا كبيرا فالأشعري مقرر لعلو رب العرش فوق جميع ذي الأكوان في غاية التقرير بالمعقول والمنقول ثم بفطرة الرحمن هذا ونحن فتاركوا الآراء للنقل الصحيح ومحكم الفرقان لكنكم بالعكس قد صرحتم ووضعتم القانون ذا البهتان أي نحن نترك الآراء للنقل الصحيح وأنتم صرحتم بالعكس وأعددتم لدفع النصوص ضروبا من العدد وأنواعا من القوانين والنفي عندكم على التفصيل والاثبات إمالا بلا نكران

والمثبتون طريقهم نفي على الإجمال والتفصيل بالتبيان فتدبروا القرآن مع من منكما وشهادة المبعوث بالفرقان وعرضتم قول الرسول على الذي قال الشيوخ فالمحكم النص الموافق قولهم لا يقبل التأويل في الأذهان لكنما النص المخالف قولهم متشابه متأول بمعان أي إن أهل التأويل عرضوا كتاب الله وسنة رسوله على ما قاله شيوخهم وجعلوا النص الموافق لقولهم محكما لا يقبل التأويل أما النص المخالف لقولهم فهو عندهم متاشبه محتمل لعدة معان ... وإذ تأدبتم تقولوا مشكل أفواضح يا قوم رأي فلان ... والله لو كان الموافق لم يكن ... متشابها متأولا بلسان ... لكن عرضنا نحن أقوال الشيوخ ... على الذي جاءت به الوحيان ما خلف النصين لم نعبأ به ... شيئا وقلنا وحسبنا النصان ... قوله واله لو كان النص موافقا لقولكم لم يكن متشبها عندكم متأولا بعدة من التأويلات قوله لكن عرضنا نحن أقوال الشيوخ الخ أي إن قولنا عكس قولكم وذلك أنا عرضنا أقوال الشيوخ على الكتاب والسنة فما وافقهما قبلنا وما خالفهما لم نعبأ به شيئا وقلنا حسبنا كتاب الله وسنة رسوله والمشكل القول المخالف عندنا في غاية الإشكال لا التبيان

والعزل والابقاء مرجعه الى الآراء عندكم بلا كتمان ... ... لكن لدينا ذاك مرجعه الى ... قول الرسول ومحكم القرآن ... ... والكفر والاسلام عين خلافه ... ووفاته لا غير بالبرهان ... ... والكفر عندكم خلاف شيوخكم ... ووفاقهم فحقيقة الايمان ... ... هذي سبيلكم وتلك سبيلنا ... والموعد الرحمن بعد زمان ... ... وهناك يعلم أي حزبينا على الحق الصريح وفطرة الديان ... ... فاصبر قليلا انما هي ساعة ... فإذا اصبت ففي رضى الرحمن ... ... فالقوم مثلك يألمون ويصبرو ... ن وصبرهم في طاعة الشيطان ... فصل في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء ... يا طالب الحق المبين ومؤثرا ... علم اليقين وصحة الايمان ... ... اسمع مقالة ناصح خبر الذي ... عند الورى مذ شب حتى الآن ... ... ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... قد شد مئزرة الى الرحمن ... ... وتخلل الفترات للعزمات امر لازم لطبيعة الانسان ... ... وتولد النقصان من فتراته ... أوليس سائرنا بني النقصان

طاف المداهب يبتغي نورا ليهديه وينجيه من النيران ... ... وكأنه قد طاف يبغي ظلمة الليل البهيم ومذهب الحيران ... ... والليل لا يزداد إلا قوة ... والصبح مقهور بذا السلطان ... ... حتى بدت في سيره نار على ... طود المدينة مطلع الايمان ... ... فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع ... تلك القيود منالها بأمان ... ... لولا تداركه الاله بلطفه ... ولى على العقبين ذا نكصان ... ... لكن توقف خاضعا متذللا ... مستشعر الافلاس من أثمان ... ... فأتاه جند حل عند قيوده ... فامتد حينئذ له الباعان ... والله لولا أن تحل قيوده ... وتزول عنه ربقة الشيطان ... ... كان الرقي الى الثريا مصعدا ... من دور تلك النار في الامكان ... ... فرأى بتلك النار آطام المدينة ... كالخيام تشوفها العينان ... ... ورأى على طرقاتها الأعلام قد ... نصبت لاجل السالك الحيران ... ... ورأى هنالك على كل هاد مهتد ... يدعو الى الايمان والإيقان ... ... فهناك هنا نفسه متذكرا ... ما قاله المشتاق منذ زمان ... ... والمستهام على المحبة لم يزل ... حاشا لذكراكم من النسيان ... ... لو قيل ما تهوى لقال مبادرا ... أهوى زيارتكم على الأجفان

تالله ان سمح الزمان بقربكم وحللت منكم بالمحل الداني ... ... لأعفرن الخد شكرا في الثرى ... ولأكحلن بتربكم أجفاني ... يخبر الناظم عما حصل له في سيره الى الله جلا وعلا وأنه طاف المذاهب يبتغي نورا ليهتدي به وينجو به من النيران وأنه لم يحصل له في طوافه ذلك الا الظلمة والحيرة ومع إمعانه في ذلك والظلمة تزيد والحيرة تقوى حتى بدت له انوار الهدى من الكتاب والسنة وكنى عن ذلك بقوله حتى بدت له في سيره نار على طود المدينة فأتى ليقبسها فلم يمكنه ذلك مع تلك القيود التي توهن الانقياد فلولا أن الله سبحانه تداركه بلطفه لرجع ونكص على عقبيه فلما جاءه ذلك اللطف الالهي انحلت قيوده وسار الى الله مقتديا بأنوار الكتاب والسنة قال الناظم رحمه الله تعالى ... ان رمت تبصر ما ذكرت فغض طر ... فا عن سوى الآثار والقرآن ... ... واترك رسوم الخلق لاتعبأ بها ... في السعد ما يغنيك عن دبران ... ... حدق بقلبك في النصوص كمثل ما ... قد حدقوا في الرأي طول زمان ... ... واكحل جفون القلب بالوحيين واحذر كحلهم يا كثرة العميان ... ... فالله بين فيهما طرق الهدى لعباده في أحسن التبيان ... ... لم يحوج الله الخلائق معهما لخيال فلتان ورأي فلان ... ... فالوحي كاف للذي يعني به شاف لداء جهالة الانسان ... ... وتفاوت العلماء في أفهامهم للوحي فوق تفاوت الأبدان

والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان ... ... نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني ... ... والعلم أقسام ثلاث مالها من رابع والحق ذو تبيان ... ... علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الاسماء للرحمن ... ... والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني ... ... والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان ... ... والله ما قال امرؤ متحذلق بسواهما الا من الهذيان ... قال في القاموس حذلق أظهر الحذق أو ادعى أكثر مما عنده كتحذلق انتهى يعني ان العلم ثلاثة أقسام أولها العلم بصفات الرب وأفعاله وأسمائه والثاني علم الأمر والنهي والثالث علم المعاد والكل في القرآن والسنة قوله يسواهما يعني الكتاب والسنة ... إن قلتم تقريره فمقرر بأتم تقرير من الرحمن ... ... أو قلتم إيضاحه فمبين بأتم ايضاح وخير بيان ... ... أو قلتم إيجازه فهو الذي في غاية الايجاز والتبيان ... ... أو قلتم معناه هذا فاقصدوا معنى الخطاب بعينه وعيان ... ... أو قلتم نحن التراجم فاقصدوا المعنى بلا شطط ولا نقصان ... ... أو قلتم بخلافه فكلامكم في غاية الانكار والبطلان

أو قلتم قسنا عليه نظيره فقياسكم نوعان مختلفان ... ... نوع يخالف نصه فهو المحا ل وذاك عند الله ذو بطلان ... ... وكلامنا فيه وليس كلامنا في غيره أعني القياس الثاني ... ... ما لا يخالف نصه فالناس قد عملوا به في سائر الأحيان ... ... لكنه عند الضرورة لا يصا ر إليه إلا بعد ذا الفقدان ... ... هذا جواب الشافعي لأحمد لله درك من امام زمان ... ... والله ما اضطر العباد إليه فيما بينهم من حادث بزمان ... قال الناظم رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين بعد أن ذكر أن فتوى الامام أحمد رحمه الله تعالى تدور على خمسة أصول الأصل الرابع من أصول الامام أحمد الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف اذا لم يكن في الباب شئ يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في رواته منهم بحيث لا يسوغ الذهاب اليه والعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل الى صحيح وضعيف والضعيف عنده مراتب فاذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولي من القياس وليس احد من الأئمة إلا وهو موافق على هذا الأصل من حيث الجملة فانه ما منهم احد الا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع اهل الحديث على ضعفه وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه وقدم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض

القياس فالذي تراه في الثالث عشر مساو في الحد وفي الحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقدم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على محض القياس فان بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا عليه جاز قليلا أو كثيرا وقدم الشافعي تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة على ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلدان وقدم في احد قوليه حديث من قاء او رعف فليتوضأ وليبن على صلاته على القياس مع ضعف الخبر وارساله وأما مالك فانه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس فاذا لم يكن عند الامام احمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل او ضعيف عدل الى الاصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة وقد قال في كتاب الخلال سالت الشافعي عن القياس فقال انما يصار اليه عند الضرورة انتهى قال الناظم رحمه الله تعالى ... فاذا رأيت النص عنه ساكتا فسكوته عفو من الرحمن ... ... وهو المباح اباحة العفو الذي مافيه من حرج ولا نكران ... ... فأضف إلى هذا عموم اللفظ والمعنى وحسن الفهم في القرآن ... ... فهناك تصبح في غنى وكفاية عن كل ذي رأي وذي حسبان ... قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين على قوله صلى الله عليه وسلم إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها الحديث قال وأما المسكوت عنه فهو مالم يذكر جملة بتحليل ولا تحريم فيكون معفوا

عنه لا حرج على فاعله وعلى هذا دلت هذه الأحاديث المذكورة هاهنا كحديث أبي ثعلبة الخشني وغيره الى ان قال ولكن مما ينبغي أن يعلم ان ذكر الشيء بالتحريم والتحليل مما قد يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسنة فان دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص والتصريح وقد تكون بطريق العموم والشمول وقد تكون دلالته بطريق الفحوى والتنبيه كما في قوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما الاسراء فان دخول ما هو اعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الاولى ويسمى ذلك مفهوم الموافقة وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة الزكاة فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة وقد أخذ الأكثرون بذلك واعتبروا مفهوم المخالفة وجعلوه حجة وقد تكون دلالته من المعنى موجودا في غيره فانه يتعدى الحكم الى كل ما وجد في ذلك المعنى عند جمهور العلماء وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله وأمر بالاعتبار به فهذا كله مما تعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم فأما ما انتفى فيه ذلك كله فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنه معفو عنه انتهى كلامه قال الناظم رحمه الله تعالى ... ومقدرات الذهن لم يضمن لنا تبيانها بالنص والقرآن ... ... وهي التي فيها اعتراك الرأي من تحت العجاج وجولة الأذهان ... ... لكن هنا أمران لو تما لما احتجنا إليه فحبذا الأمران ... ... جمع النصوص وفهم معناها المرا د بلفظها والفهم مرتبتان

احداهما مدلول ذاك اللفظ وضعا أو لزوما ثم هذا الثاني ... ... فيه تفاوتت الفهوم تفاوتا لم ينضبط أبدا له طرفان ... ... فالشيء يلزمه لوازم جمة عند الخبير به وذي العرفان ... ... فبقدر ذاك الخبر يحصى من لوا زمه وهذا واضح التبيان ... قوله ومقدارت الذهن الخ أي إن الأمور التي تقدرها الأذهان كثيرة ولكن لم يضمن لنا تبيانها بالكتاب والسنة قوله لكن هنا أمران الخ أي إن هذين الأمرين وهما جمع النصوص وفهم معناها لو تما لنا لم نحتج الى الرأي قوله والفهم مرتبتان أحداهما مدلول ذاك اللفظ الخ أي فهم مدلول اللفظ مطابقة أو لزوما قوله ثم هذا الثاني وهو اللزوم فيه تفاوت الفهوم تفاوتا لا ينضبط ... ولذاك من عرف الكتاب حقيقة عرف الوجود جميعه ببيان ... ... وكذاك يعرف جملة الشرع الذي يحتاجه الانسان كل زمان ... ... علما بتفصيل وعلما مجملا تفصيله أيضا بوحي ثان ... ... وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا أعلى العلوم بغاية التبيان ... ... ولذاك يعرف من صفات الله والأفعال والأسماء ذي الإحسان ... ... ما ليس يعرف من كتاب غيره أبدا ولا ما قالت الثقلان ... ... وكذاك يعرف من صفات البعث بالتفصيل والاجمال في القرآن

ما يجعل اليوم العظيم مشاهدا بالقلب كالمشهود رأي عيان ... ... وكذاك يعرف من حقيقة نفسه وصفاتها بحقيقة العرفان ... ... يعرف لوازمها ويعرف كونها مخلوقة مربوبة ببيان ... ... وكذاك يعرف ما الذي فيها من الحاجات والاعدام والنقصان ... ... وكذاك يعرف ربه وصفاته أيضا بلا مثل ولا نقصان ... ... وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها إن كنت ذا علم وذا عرفان ... ... بالضد والأولى كذا بالامتنا ع لعلمنا بالنفس والرحمن ... ... فالضد معرفة الإله بضد ما في النفس من عيب ومن نقصان ... ... وحقيقة الأولى ثبوت كماله إذ كان معطيه على الإحسان ... قوله بالضد أي إنه سبحانه ينزه عن العيب والنقصان إذ ضدهما السلامة من العيوب والنقائص تعالى الله وتقدس قوله والأولى الخ بفتح الهمزة أي إنما يستعمل في حق الرب تعالى قياس الأولى وهو أن يقال كل كمال للمخلوق فالرب سبحانه أولى به لأنه معطيه وواهبه وواهب الكمال أولى بالكمال وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزه عنه قوله بالامتناع الخ أي بأن يقال هذه صفة نقص فتمتنع على الله سبحانه

فصل في بيان شروط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين ... وكفاية النصين مشروط بتجريد التلقي عنهما لمعان ... ... وكذاك مشروط بخلع قيودهم فقيودهم غل الى الأذقان ... ... وكذاك مشروط بهدم قواعد ما أنزلت ببيانها الوحيان ... ... وكذاك مشروط باقدام على الآراء إن عريت عن البرهان ... ... بالرد والإبطال لا تعبأ بها شيئا إذا ما فاتها النصان ... ذكر الناظم رحمه الله تعالى شروط كفاية النصين وهي ثلاثة أحدها تجريد التلقي عن الكتاب والسنة وعدم الالتفات الى غيرهما واتباعهما وترك ما سواهما الثاني خلع القيود التي توهن الانقياد كما قال شيخ الاسلام في تعظيم الأمر والنهي هو ان لا يعارضا بترخيص جاف ولا يعارضا بتشديد غال ولا يحملا على علة توهن الانقياد وذلك بأن يسلم لأمر الله وحكمته ممتثلا ما امر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر فان ظهرت له حكمة الشرع في امره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والبذل والتسليم ولا يحمله ذلك على الانسلاخ من تركه الى التصوف الثالث هدم قواعد المؤسسة على الفساد والبطلان والأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان العارية عن الدليل والبرهان

لولا القواعد والقيود وهذه الآراء لا تسعت عرى الايمان ... لكنها والله ضيقت العرى ... فاحتاجت الايدي لذاك توان ... وتعطلت من أجلها والله أعداد من النصين ذات بيان ... وتضمنت تقييد مطلقها وإطلاق المقيد وهو ذو ميزان ... وتضمنت تخصيص ما عمته والتعميم للمخصوص بالاعيان ... وتضمنت تفريق ما جمعت وجمعا للذي وسمته بالفرقان ... وتضمنت تضييق ما قد وسعته وعكسه فلتنظر الأمران ... وتضمنت تحليل ما قد حرمته وعكسه فلنتظر النوعان ... سكتت وكان سكوتها عفوا فلم ... تعف القواعد باتساع بطان ... وتضمنت إهدار ما اعتبرت كذا ... بالعكس والأمران محذوران ... وتضمنت أيضا شروطا لم تكن ... مشروطة شرعا بلا برهان ... وتضمنت أيضا موانع لم تكن ... ممنوعة شرعا بلا تبيان ... إلا بأقيسة وآراء وتقليد بلا علم ولا استحسان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان المفاسد التي حصلت من القواعد التي وضعوها والقيود التي قيدوا بها الكتاب والسنة والآراء التي خالفوا بها الكتاب والسنة فذكر أنه تعطلت من أجلها أعداد من النصين وتضمنت تقييد المطلق وإطلاق المقيد وتخصيص العموم وتعميم المخصوص وتفريق ما جمعت النصوص بينه وجمع ما فرقت بينه وتضييق ما وسعته

وعكسه وتحليل ما حرمته وتحريم ما حللته وغير ذلك مما ذكره الناظم ... عمن أتت هذه القواعد من جميع الصحب والاتباع بالاحسان ... ما أسسوا إلا اتباع نبيهم ... لا عقل فلتان ورأي فلان ... قال في القاموس وفلتات المحسن هفواته وزلاته ... بل أنكروا الآراء نصحا منهم ... لله والداعي وللقرآن ... أو ليس في خلف بها وتناقض ... ما دل ذالب وذا عرفان ... والله لو كانت من الرحمن ما اختلفت ولا انتقضت مدى الازمان ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وقد سقطت على صفوان ... والله لا يرضى بها ذو همة ... علياء طالبة لهذا الشان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان أن هذه القواعد لم تأت عن احد من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأن القوم ما أسسوا الا اتباع نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يؤسسوا اتباع عقل فلان ورأي فلتان قوله والله لو كانت من الرحمن الخ هذا مأخوذ من قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء فالدليل على أن هذه الآراء والقواعد من عند غير الله كثرة اختلافها وتناقضها فلو كانت من عند الله لم تختلف ولم تنتقض الى آخر الدهر ولكنها كما قال القائل ... شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور ... قال الناظم ... فمثالها والله في قلب الفتى ... وثباتها في منبت الايمان

كالزرع ينبت حوله دغل فيمنعه النما فتراه ذا نقصان ... وكذلك الايمان في قلب الفتى ... غرس من الرحمن في الانسان ... والنفس تنبت حوله الشهوات والشبهات وهي كثيرة الأفنان ... فيعود ذاك الغرس يبسا ذاويا ... أو ناقص الثمرات كل أوان ... فتراه يحرث دائبا ومغله نزر وذا من أعظم الخسران ... والله لو نكش النبات وكان ذا ... بصر لذاك الشوك والسعدان ... لأتى كأمثال الجبال مغله ... ولكان أضعافا بلا حسبان ... قوله نزر أي قليل قال في القاموس النزر القليل كالنزير والمنزور قوله نكش قال في القاموس نكش الركية ينكشها وينكشها أخرج ما فيها من الحمأة والطين كانتكشها والشئ أفناه ومنه فرغ فصل ... هذا وليس الطعن بالاطلاق فيها كلها فعل الجهول الجاني ... بل في التي قد خالفت قول الرسو ... ل ومحكم الايمان والفرقان ... أو في التي ما أنزل الرحمن في ... تقريرها يا قوم من سلطان ... فهي التي كم عطلت من سنة ... بل عطلت من محكم القرآن

هذا ونرجو أن واضعها فلا ... يعدوه أجر أو له أجران ... اذ قال مبلغ علمه من غير ايجاب القبول له على انسان ... بل قد نهانا عن قبول كلامه ... نصا بتقليد بلا برهان ... وكذاك أوصانا بتقديم النصو ... ص عليه من خبر ومن قرآن ... نصح العباد بذا وخلص نفسه ... عند السؤال لها من الديان ... والخوف كل الخوف فهو على الذي ... ترك النصوص لأجل قول فلان ... وإذا بغى الاحسان أولها بما ... لو قاله خصم له ذو شان ... لرماه بالداء العضال مناديا ... بفساد ما قد قاله بأذان ... ولما خشي الناظم رحمه الله تعالى من بعض الجهال ان يتوهم ذم الرأي مطلقا دفع ذلك بقوله هذا وليس الطعن بالاطلاق فيها الخ أشار الى أن الرأي نوعان مذموم ومحمود فالمذموم ما خالف الكتاب والسنة والمحمود ما وافق الكتاب والسنة وقد بسط الكلام في ذلك بسطا مستوفى في أول كتاب اعلام الموقعين وهذا معنى قوله هذا وليس الطعن بالاطلاق فيها كلها أي لا يطعن فيها كلها وأنما يطعن فيما خالف الكتاب والسنة فقط وقوله هذا ونرجو ان واضعها الخ أي نرجو ان المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران كما صح في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر

قوله إذ قال مبلغ علمه الخ أي إن الأئمة رحمهم الله تعالى قالوا بمبلغ علمهم ونهوا الناس عن قبول كلامهم إذا خالف النصوص وأوصوا بتقديم النصوص عليه كالامام أحمد والشافعي ومالك وابي حنيفة وغيرهم فرحمة الله عليهم فلقد نصحوا العباد وخلصوا أنفسهم عند سؤال الرب تعالى لهم يوم القيامة قوله والخوف كل الخوف الخ أي ان الخوف العظيم والخطر الشديد على الذين تركوا النصوص لأجل قول فلان وفلان واذا أرادوا الاحسان أولوها بالتأويلات الباطلة وحملوها على الاحتمالات البعيدة ومع ذلك لو قال ذلك خصم لهم في تأويل كلام مشايخهم ومن يرضونه رموه بالداء العضال ونادوا على فساد ما قاله فصل في لازم المذهب هل هو مذهب ام لا ... ولوازم المعنى تراد بذكره ... من عارف بلزومها الحقان ... وسواه ليس بلازم في حقه ... قصد اللوازم وهي ذات بيان ... اذ قد يكون لزومها المجهول او ... قد كان يعلمه بلا نكران ... لكن عرته غفلة بلزومها اذ كان ذا سهو وذا نسيان ... ... ولذاك لم يك لازما لمذاهب العلماء مذهبهم بلا برهان

ذكر الناظم في هذا الفصل أن لازم المذهب ليس بمذهب قوله ولوازم المعنى الخ أي إن لوازم المعنى تراد من عارف بلزومها وأما سواه فليس ذلك بلازم في حقه اذ قد يكون جاهلا لزومها أو يكون عالما به ولكن عرته أي حصل له سهو ونسيان فلذاك لازم المذهب ليس بمذهب قال شيخ الاسلام في جواب له وأما قول السائل هل لازم المذهب مذهبا أم ليس بمذهب فالصواب أن لازم مذهب الانسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته اليه كذبا عليه بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبيل الكفر والمحال فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يعلم أنها تلزمه ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة فان لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة انتهى ... فالمقدمون على حكاية ذاك مذ ... هبهم أولو جهل مع العدوان ... لا فرق بين ظهوره وخفائه ... قد يذهلون عن اللزوم الداني ... سيما اذا ما كان ليس بلازم ... لاكن يظن لزومه بجنان ... لا تشهدوا بالزور ويحكم على ... ما تلزمون شهادة البطلان ... بخلاف لازم ما يقول آلهنا ... ونبينا المعصوم بالبرهان ... فلذا دلالات النصوص جلية ... وخفية تخفى على الأذهان

والله يرزق من يشاء الفهم في ... آياته رزقا بلا حسبان ... ولما ذكر الناظم رحمه الله أن المذهب ليس بمذهب شرع في ذكر ما ألزمه أهل التعطيل أهل الاثبات فقال ... واحذر حكايات لأرباب الكلا ... م عن الخصوم كثيرة الهذيان ... فحكوا بما ظنوه يلزمهم فقا ... لوا ذاك مذهبهم بلا برهان ... كذبوا عليهم باهتين لهم بما ... ظنوه يلزمهم من البهتان ... فحكى المعطل عن أولي الاثبات قو ... لهم بأن الله ذو جثمان ... وحكى المعطل أنهم قالوا بأن الله ليس يرى لنا بعيان ... وحكى المعطل أنهم قالوا يجو ... ز كلامه من غير قصد معان ... وحكى المعطل أنهم قالوا بتحييز الإله وحصره بمكان ... وحكى المعطل أنهم قالوا له الأعضاء جل الله عن بهتان ... وحكى المعطل أن مذهبهم هو التشبيه للخلاق بالانسان ... وحكى المعطل عنهم ما لم يقو لوه ولا اشياخهم بلسان ... ظن المعطل أن هذا لازم ... فلذا أتى بالزور والعدوان ... فعليه في هذا محاذير ثلا ... ث كلها متحقق البطلان ... ظن اللزوم وقذفهم بلزومه ... وتمام ذاك شهادة الكفران ... حاصل هذه الأبيات أن الناظم رحمه الله يحكي أشياء مما ألزم بها أهل التعطيل أهل الاثبات فحكت المعطلة عن المثبتة أنهم يقولون إن الله

تعالى وتقدس جسم وحكوا عنهم أن مذهبهم أن الله لا يرى في الآخرة كما قال الفخر الرازي في المعالم أطبق أهل السنة على ان الله تعالى يصح أن يرى وأنكرت الفلاسفة والمعتزلة والكرامية والمجسمة ذلك ثم قال أما إنكار الفلاسفة والمعتزلة فظاهر وأما انكار الكرامية والحنابلة فلأنهم أطبقوا على أن الله تعالى لو لم يكن جسما في مكان امتنعت رؤيته انتهى قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ابراهيم الفزاري في كتابه غاية السول في علم الأصول بعد أن حكى كلام الرازي هذا وما أدري أي الأمرين أسرع الى فضيحته نقله أو تقريره أما نقله فلأن الحنابلة لا يختلف أولهم وآخرهم في أن المنكر لرؤية الله تعالى جاحد لكتابه وسنة رسوله واجماع اهل النقل وأما تقريره فلأن قوله أطبقوا على أنه لو لم يكن جسما في مكان لامتنعت رؤيته إنما هو استدلال يقتضي اثبات الجسم بدليل صحة الرؤية لأن التقدير يكون لو لم يكن جسما لا متنعت رؤيته فيكون جسما فمثل هذا لا يخفى على الفخر الرازي وانما هو الهوى إذا غلب أعمى وأصم فان كل لبيب يعلم من كلام هذا الرجل أن في قلبه من الحنابلة داء لا دواء له فانه اولا أخرجهم عن اهل السنة فتراه يرى السنة ما ابتدعه في دين الاسلام والشرعة المحمدية من المباحث الكلامية والشبه العقلية والآراء الفيلسوفية فحكم على من لا يقوم مقامهم بأنهم ليسوا من أهل السنة وثانيا أطلق عليهم اسم التجسيم والتجسيم لا يعتقده مسلم وأطال الفزاري الكلام قوله وحكى المعطلة عنهم انهم قالوا يجوز كلامه من غير قصد معان أقول قال ابن السبكي في جمع الجوامع ولا يجوز ورود مالا معنى له في الكتاب والسنة خلافا للحشوية قال

المحلي في شرحه أي في تجويزهم ورود ذلك في الكتاب والسنة قالوا لوجوده فيه كالحروف المقطعة في أوائل السور انتهى قال بعض محشيه وقد اضطرب القائلون بهذا في معنى هذا فقال الزركشي والكوراني إن أحدا لم يقل إن في القرآن ما لا معنى له وقال الآمدي لا يتصور اشتمال القرآن الكريم على مالا معنى له أصلا وقد استدلت الحشوية ايضا بآية وما يعلم تأويله الا الله آل عمران بالوقف فقالوا الكون المتشابه غير معلوم لنا فقد خاطبنا الله بما لا نفهمه وهو المهمل نقله الجخندي ومعلوم أن فواتح السور والآيات المتشابهات وان فهم لها معنى صحيح إلا أنه غير مقطوع بانه مراد قائله تعالى ولذلك سلك كثير من المفسرين هذا حيث قالوا في الفواتح والله اعلم بمراده ولما رأى الحشوية ان مثل هذا غير مفهوم منه مراد قائله نفوا المعنى عنه أصلا وقالوا إنه لا معنى له لا بمعنى أنه غير موضوع بل بمعنى ما ذكرنا هذا ما في وسعي من توجيه هذا الكلام الذي اضطربت فيه الأفهام ولم أر لأحد ممن كتب هنا كلاما شافيا انتهى كلامه وحكت المعطلة عنهم انهم قالوا بجواز ورود مالا معنى له في القرآن وأنهم يقولون بتحيز الله وحصره وحكى المعطلة أنهم قالوا له اعضاء وانهم شبهوا الله تعالى بخلقه وحكت المعطلة عنهم غير هذا مما لم يقولوه ولن تقله اشياخهم والأمر كما قال الناظم إن المعطلة ظنوا أن هذا لازما لقولهم فحكوه عنهم وكذبوا عليهم واعتدوا لأن لازم المذهب ليس بمذهب ولهذا قال الناظم فعليه أي على المعطل في نسبة ذلك الى اهل الاثبات معاذير ثلاث وكلها باطلة الأول ظن اللزوم والثاني قذفهم بلزومه والثالث شهادته عليهم بالكفر

قال الناظم رحمه الله تعالى ... يا شاهدا بالزور ويحك لم تخف ... يوم الشهادة سطوة الديان ... يا قائل البهتان غط لوازما ... قد قلت ملزوماتها بلسان ... والله لازمها انتفاء الذات والأوصاف والأفعال للرحمن ... والله لازمها انتفاء الدين وال قرآن والاسلام والايمان ... ولزوم ذلك بين جدا لمن ... كانت له أذنان واعيتان ... والله لولا ضيق هذا النظم بينت اللزوم بأوضح التبيان ... ولقد تقدم منه ما يكفي لمن ... كانت له عينان ناظرتان ... إن الذكي ببعض ذلك يكتفي ... وأخو البلادة ساكن الجبان ... شرع الناظم في بيان اللوازم التي تلزم المعطلة ويلزم منها انتفاء ذاته تعالى وصفاته وأفعاله بل يلزم منها انتفاء الدين والاسلام والقرآن وقد تقدم ما يعرف من ذلك في غضون هذا النظم قوله ساكن الجبان الجبان والجبانه مشددتين المقبرة والصحراء قاله في القاموس قال الناظم ... يا قومنا اعتبروا بجهل شيوخكم ... بحقائق الايمان والقرآن ... أو ما سمعتم قول أفضل وقته ... فيكم مقالة جاهل فتان ... إن السماوات العلى والأرض قبل العرش بالاجماع مخلوقان ... والله ما هذي مقالة عالم ... فضلا عن الاجماع كل زمان

من قال قد خالف الاجماع والخبر الصحيح وظاهر القرآن ... فانظر الى ما جره تأويل لفظ الإستواء بظاهر البطلان ... زعم المعطل ان تاويل استوى ... بالخلق والاقبال وضع لسان ... كذب المعطل ليس ذا لغة الألى ... قد خوطبوا بالوحي والقرآن ... فأصاره هذا إلى أن قال خلق العرش بعد جميع ذي الاكوان ... يهنيه تكذيب الرسول له وإجماع الهداة ومحكم الفرقان ... لم أقف على تعيين قائل هذا القول ومعنى ذلك ان هذا القائل الجاهل زعم ان السماوات والارض مخلوقان قبل العرش بالاجماع واعجب لهذا الجهل العظيم ومخالفة الاجماع والخبر الصحيح وظاهر القرآن وذلك ان للسلف قولين في أول المخلوقات ما هو أحدهما أن العرش اول المخلوقات والثاني ان القلم هو أول المخلوقات فكان في هذا إجماع السلف على ان المخلوقات العرش او القلم وهذا الجاهل زعم ان السماوات والارض مخلوقان قبل العرش فخرق الاجماع والخبر الصحيح الذي أشار اليه هو ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا قال كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء وقول الناظم زعم المعطلة أن تأويل استوى بالخلق والاقبال أي إن المعطل زعم أن تفسير الاستواء بالاقبال يتضمن أن الارض والسماوات مخلوقان قبل العرش وهذا غاية الجهل قوله قول المعطل إن تأويل استوى بالخلق والاقبال وضع لسان أي

زعم أن تأويل الاستواء بقولهم اقبل على خلق السماء هو المعروف في لغة العرب وليس كذلك واذا كان العرش مخلوقا قبل خلق السماوات والارض فكيف يكون استواؤه عمده الى خلقه له لو كان هذا يعرف في اللغة ان الاستواء على كذا بمعنى أنه عمد الى فعله وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازا لا في نظم ولا نثر ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ثم استوى الى السماء وهي دخان فصلت لأنه عدى بحرف الغاية كما يقال عمدت الى كذا ولا قصدت عليه مع ان ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضا ولا هو قول احد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك وانما هذا القول وأمثاله ابتدع في الاسلام لما ظهر إنكار أفعال الرب التي تقوم به ويفعلها بمشيئتة وقدرته واختياره فحينئذ صار يفسر القرآن من يفسره بما ينافي ذلك كما يفسر سائر اهل البدع القرآن على ما يوافق أقاويلهم وأما أن ينقل هذا التفسير عن احد من السلف فلا بل أقوال السلف الثانية عنهم متفقة في هذا الباب لا يعرف لهم فيه قولان كما قد يختلفون أحيانا في بعض الآيات وان اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو اثبات علو الله على العرش ثم قال الناظم على سبيل التهكم يهنيه تكذيب الرسول له واجماع الهداة ومحكم الفرقان

فصل في الرد عليهم تكفيرهم أهل العلم والايمان وذكر انقسامهم الى أهل الجهل والتفريط والبدع والكفران ... ومن العجائب أنكم كفرتم أهل الحديث وشيعة القرآن ... إذ خالفوا رايا له رأي ينا ... قضه لأجل النص والبرهان ... وجعلتم التكفير عين خلافكم ... ووفاقكم فحقيقة الايمان ... فوفاقكم ميزان دين الله لا ... من جاء بالبرهان والفرقان ... ميزانكم ميزان باغ جاهل ... والعول كل العول في الميزان ... أهون به ميزان جور عائل ... بيد المطفف ويل ذا الوزان ... لو كان ثم حيا وأدنى مسكة من دين أو علم ومن ايمان ... لم تجعلوا آراءكم ميزان كفر الناس بالبهتان والعدوان ... هبكم تأولتم وساغ لكم أيكفر من يخالفكم بلا برهان ... هذي الوقاحة والجراءة والجها ... لة ويحكم يا فرقة الطغيان ... الله أكبر ذا عقوبة تارك الوحيين للآراء والهذيان ... أي ومن العجائب انكم كفرتم أهل الحديث إذ خالفوا آراء الرجال للنصوص فجعلتم فجعلتم الكفر والايمان لاجل خلافكم ووفاقكم فعلى هذا

فالميزان وفاقكم فمن وافقكم شهدتم له بالايمان ومن خالفكم شهدتم عليه بالكفران ووفاقكم فحقيقة الايمان مبتدأ وخبر وفاقكم مبتدأ وحقيقته خبره قال الناظم رحمه الله تعالى ... لكننا نأتي بحكم عادل فيكم لاجل مخافة الرحمن ... فاسمع إذا يا منصفا حكيمها ... وانظر إذا هل يستوي الحكمان ... هم عندنا قسمان أهل جهالة ... وذوو العناء وذانك القسمان ... جمع وفرق بين نوعين هما ... في بدعة لا شك يجتمعان ... وذوو العناد فأهل كفر ظاهر ... والجاهلون فانهم نوعان ... متمكنون من الهدى والعلم بالأسباب ذات اليسر والامكان ... لكن إلى ارض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان ... ... لم ييذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان ... فهم الألى لا شك في تفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان ... والوقف عندي فيهم لست الذي ... بالكفر أنعتهم ولا الايمان ... والله اعلم بالبطانة منهم ... ولنا ظهارة حلة الاعلان ... لكنهم مستوجبون عقابه ... قطعا لأجل البغي والعدوان ... هبكم عذرتم بالجهالة إنكم ... لن تعذروا بالظلم والطغيان ... ... والطعن في قول الرسول ودينه ... وشهادة بالزور والبهتان

وكذلك استحلال قتل مخالفيكم قتل ذي الاشراك والكفران ... ان الخوارج ما احلوا قتلهم ... الا لما ارتكبوا من العصيان ... وسمعتم قول الرسول وحكمه ... فيهم وذلك واضح التبيان ... لكنكم أنتم أبحتم قتلهم ... بوفاق سنته مع القرآن ... والله ما زادوا النقير عليهما ... لكن بتقرير مع الايمان ... فبحق من قد خصكم بالعلم والتحقيق والانصاف والعرفان ... أنتم احق ام الخوارج بالذي ... قال الرسول فأوضحوا ببيان ... هم يقتلون لعابد الرحمن بل ... يدعون أهل عبادة الأوثان ... ... هذا وليسوا أهل تعطيل ولا ... عزل النصوص الحق بالبرهان ... حاصل كلام الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل والذي بعده تقسيم اهل الجهل والتعطيل الى قسمين اهل عناد وجهال ثم قسم الجهال الى قسمين القسم الاول متمكنون من الهدى والعلم بالاسباب المتيسرة ولكن اخلدوا الى الجهالة واستسهلوا التقليد والقسم الثاني من الجهال أهل عجز عن بلوغ الحق مع حسن قصد وايمان بالله ورسوله ولقائه ثم قال وهم اذا ميزتهم حزبان الأول قوم أحسنوا الظن بما قالته الأشياخ وأهل الديانة عندهم ولم يجدوا سوى اقوالهم فرضوا بها والضرب الثاني من هؤلاء فطالبوا الحق لكن صدهم عن علمه انهم طلبوا الحقائق من سوى أبوابهم وسلكوا طرقا غير موصلة الى اليقين فتشابهت الطرق عليهم وصاروا حيارى فاما القسم الأول وهم اهل العناد والعياذ بالله فحكم بكفرهم وقد أشار الى ذلك بقوله في هذا النظم ... فالكفر ليس سوى العناد وردما قال الرسول لأجل قول فلان

وأما القسم الأول من الجهال وهم المتمكنون من الهدى والعلم ولكنهم اخلدوا الى التقليد ولم يبذلوا وسعهم في طلب الحق فهؤلاء حكم الناظم بفسقهم وأما الكفر ففيه قولان واختار الوقف وأما القسم الثاني وهم اهل العجز عن بلوغ الحق مع ايمانهم بالله ورسوله ولكنهم قلدوا المشايخ واهل الديانة وقال فيهم الناظم ... فأولاء معذورون إن لم يظلموا ... ويكفروا بالجهل والعدوان ... أي إنهم وان عذروا بالجهالة فهم غير معذورين بالظلم والطغيان والطعن في قول الرسول ودينه والشهادة بالزور والبهتان واستحلال قتل مخاليفهم من المثبتة الذين اثبتوا ما اثبته الله ورسوله من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ودعوى أنهم اهل شرك وكفر فان الخوارج لم يحل قتالهم الا لما ارتكبوه من العصيان واستحلال قتال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهم مع عبادتهم العظيمة كما قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم وقد صح الحديث في الخوارج من عشرة اوجه كما قاله الامام احمد وغيره فاذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بقتل الخوارج مع عبادتهم العظيمة فأنتم أيها الجهال المقلدة إذا استحللتم دماء المثبتة أحق من الخوارج بالقتل والقسم الثاني من هذا القسم فهم الذين طلبوا الحق لكن من غير طرقه وغلب عليهم الشك والحيرة والوقف من غير شك في الله أو دينه أو كتابه ولقائه فقال ... فاؤلاء بين الذنب والأجرين أو ... احداهما أو واسع الغفران ... هذا حاصل ما ذكره في هذا الفصل قسمهم الى اربعة اقسام وقد

ذكر الناظم في شرح منازل السائرين في ذكر أجناس ما يتاب منه وهي اثنا عشر جنسا أربعة مذكورة في كتاب الله تعالى الأول الكفر والثاني الشرك فأنواع الكفر خمسة كفر تكذيب وكفر استكبار وإباء مع التصديق وكفر اعراض وكفر شك وكفر نفاق وبين هذه الأنواع ثم قال وأما الشرك الاكبر فهو نوعان ثم بين ذلك بأحسن بيان وقال شيخ الاسلام في رده على ابن البكري فلهذا كان اهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للانسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأن الزنا والكذب حرام لحق الله تعالى وكذلك التكفير حق لله تعالى فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأيضا فان تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر الى أن قال ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين ينفون أن يكون الله تعالى فوق العرش أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وقال شيخ الاسلام أيضا في كلام له بعد كلام سبق وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرا فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما هو في نصوص الوعيد فان الله يقول إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء فهذا أو نحوه من نصوص الوعيد حق لكن

الشخص المعين لا يشهد علبه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغة وقد يتوب من فعل المحرم ونحو ذلك وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق أو لم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمهما أو لم يفهمها لشبهة عرضت له يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فان الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الاسلام وقال رحمه الله تعالى في بعض أجوبته فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم يخطؤون ولا يكفرون وسبب ذلك أن أحدهم يظن ما ليس بكفر كفرا وقد يكون كفرا لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق والآخر لم يتبين له ذلك فلا يلزم اذا كان هذا العالم بحاله يكفر اذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله قال واذا كان يعني الامام احمد رحمه الله يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله تعالى وصفاته لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق وكان رضي الله عنه قد ابتلي بهم حتىعرف حقيقة قولهم وأمرهم وأنه يدور على التعطيل وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة لكن ما كان يكفر أعيانهم فان الذي يدعو الى القول أعظم من الذي يقوله والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية إن القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك من تعطيل أسمائه وصفاته ويدعون الناس الى ذلك ويمتحنونهم

ويعاقبونهم اذا لم يجيبوا ويكفرون من لم يجبهم حتى إنهم كانوا إذا قيدوا الأسير لا يطلقونه حتى يقر بقول الجهمية إن القرآن مخلوق ولا يولون مستول ولا يرزقون من بيت المال الا من يقول ذلك ومع هذا فالامام أحمد ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه أنهم لم يتبين لهم أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطؤوا وقلدوا من قال ذلك وكذلك الامام الشافعي رضي الله عنه لما قال لحفص الفرد حين قال القرآن مخلوق كفرت بالله العظيم فبين بذلك أن هذا القول كفر لم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك لأنه لم تتبين له الحجة التي يكفر بها ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله وقد صرح في كتبه بقبول شهادة اهل الاهواء والصلاة خلفهم وكذلك قال الامام مالك والشافعي وأحمد في القدري إن جحد علم الله كفر ولفظ بعضهم ناظروا القدرية بالعلم فان أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا وسئل الإمام أحمد عن القدري هل يكفر فقال إن جحد العلم كفر حينئذ فجاحده من جنس الجهمية وأما قتل الداعية للبدع فقد يقتل لكف ضرره على الناس كما يقتل المحارب وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا فليس كل من أمر الشرع بقتله يكون قتله لردته وعلى هذا يكون قتل غيلان القدري وغيره من اهل البدع قد يكون على هذا الوجه انتهى كلامه قال رحمه الله تعالى بعد كلام سبق في ذكر ما عليه كثير من الناس من الكفر والخروج عن الاسلام قال وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والامصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال واذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه

فيها مخطيء ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنهما من دين الاسلام بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون ان محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة احد سوى الله من الملائكة والنبيين أو غيرهم فان هذا أظهر شعائر الاسلام ومثل معادات اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وإن كانوا قد يتوبون من ذلك أو يعودون الى ان قال وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الاسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الاسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام انتهى فانظر الى تفريقه بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر قد يقال إنه فيها مخطيء ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة حكمها مطلقا وبما يصدر منها من مسلم جهلا كاستحلال محرم أو فعل أو قول شركي بعد التعريف ولا يكفر بالأمور الخفية جهلا كالجهل ببعض الصفات فلا يكفر الجاهل بها مطلقا وان كان داعية كقوله للجهمية أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال وقوله عندي يبين ان عدم تكفيرهم ليس أمرا مجمعا عليه لكنه اختياري وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب فان الصحيح من

المذهب تكفير المجتهد الداعي الى القول بخلق القرآن أو نفي الرؤية أو الرفض ونحو ذلك وتفسيق المقلد قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية رحمه الله الصحيح ان كل بدعة كفرنا فيها الداعية فانا نفسق المقلد فيها كمن يقول في خلق القرآن أو ان علم الله مخلوق او ان اسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينا أو يقول إن الإيمان مجرد الاعتقاد وما أشبه ذلك فمن كان في شيء من هذه البدع يدعو اليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره نص احمد على ذلك في مواضع انتهى فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم والشيخ رحمه الله يختار عدم كفرهم ويفسقون عنده ونحوه قول الناظم فانه قال وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثير مما أثبت الله ورسوله جهلا وتقليدا للشيوخ ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة التجهم وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الاسلام نصيب ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين وسبعين فرقة وقالوا هم مباينون للملة

قال الناظم رحمه الله تعالى فصل ... والآخرون فأهل عجز عن بلو ... غ الحق مع قصد ومع ايمان ... بالله ثم رسوله ولقائه ... وهم اذا ميزتهم ضربان ... قوم دهاهم حسن ظنهم بما ... قالته اشياخ ذوو أسنان ... وديانة في الناس لم يجحدوا سوى ... اقوالهم فرضوا بها بأمان ... لو يقدرون على الهدى لم يرتضوا ... بدلا به من قائل البهتان ... فأولاء معذورون ان لم يظلموا ... ويكفروا بالجهل والعدوان ... والآخرون فطالبون الحق لكن صدهم عن علمه شيئان ... مع بحثهم ومصنفات قصدهم ... منها وصولهم الى العرفان ... أحداهما طلب الحقائق من سوى ... أبوابها متسوري الجدران ... وسلوك طرق غير موصلة الى ... درك اليقين ومطلع الايمان ... فتشابهت تلك الأمور عليهم ... مثل اشتباه الطرق بالحيران ... فترى أفاضلهم حيارى كلها ... في التيه يقرع ناجذ الندمان ... ويقول قد كثرت علي الطرق لا ... أدري الطريق الأعظم السلطاني

بل كلها طرق مخوفات بها الآفات حاصلة بلا حسبان ... فالوقف غايته وآخر أمره ... من غير شك منه في الرحمن ... أو دينه وكتابه ورسوله ولقائه وقيامة الأبدان ... ... فأولاء بين الذنب والأجرين أو ... إحداهما أو واسع الغفران ... فانظرالى أحكامنا فيهم وقد ... جحدوا النصوص ومقتضى القرآن ... وانظر الى أحكامهم فينا لأجل خلافهم اذ قاده الوحيان ... هل يستوي الحكمان عند الله أو ... عند الرسول وعندي ذي الايمان ... الكفر حق الله ثم رسوله ... بالشرع يثبت لا بقول فلان ... من كان رب العالمين وعبده ... قد كفراه فذاك ذو الكفران ... فهلم ويحكم نحاكمكم الى النصين من وحي ومن قرآن ... وهناك يعلم أي حزبينا على الكفران حقا أو على الإيمان ... فليهنكم تكفير من حكمت باسلام وإيمان له النصان ... لكن غايته كفاية من سوى المعصوم غاية نوع ذا الإحسان ... فيصير الأجرين أجرا واحدا ... إن فاته من أجله الكفلان ... ان كان ذاك مكفر يا أمة العدوان من هذا على الإيمان ... قد دار بين الأجر والأجرين والتكفير بالدعوى بلا برهان ... كفرتم والله من شهد الرسول بأنه حقا على الإيمان

ثنتان من قبل الرسول وخصلة ... من عندكم أفأنتما عدلان ... فصل في تلاعب المكفرين لأهل السنة والإيمان بالدين كتلاعب الصبيان ... كم ذا التلاعب منكم بالدين وال إيمان مثل تلاعب الصبيان ... خسفت قلوبكم كما كسفت عقولكم فلا تزكوا على القرآن ... كم ذا تقولوا مجمل ومفصل ... وظواهر عزلت عن الإيقان ... حتى اذا رأي الرجال أتاكم ... فاسمع لما يوحي بلا برهان ... يقول الناظم رحمه الله إنكم معاشر المخالفين للكتاب والسنة تلاعبتم بالدين كتلاعب الصبيان فاذا احتج أهل الاثبات بنصوص الوحيين تحيلتم في ردها بأنواع الحيل فتارة بدعوة الاجمال وتارة بالتأويل وتارة بقولكم ظواهر لفظية لا تفيد اليقين ونحو ذلك فاذا جاءت آراء الرجال نزولها منزلة النصوص ثم ضرب لهم مثلا بقوله ... مثل الخفافيش التي ان جاءها ... ضوء النها ففي كوى الحيطان ... عميت عن الشمس المنيرة لا تطيق هداية فيها الى الطيران ... ... حتى إذا ما الليل جاء ظلامه ... جالت بظلمته بكل مكان ... ... فترى الموحد حين يسمع قولهم ... ويراهم في محنة وهوان

وارحمتاه لعينه ولأذنه ... يا محنة العينين والأذنان ... قوله مثل الخفافيش الخ قال في القاموس خفاش كرمان الوطواط سمي لصغر عينيه وضعف بصره وأما الكوى فقال في القاموس الكوة بفتح الكاف ويضم والكو الخرق في الحائط جمع كوى وكواء وتكوى دخل مكانا ضيقا أي إن هؤلاء المعطلة لضعف بصائرهم مثل الخفافيش متى سمعوا نصوص الوحيين ورأوا نور الكتاب والسنة لم تحتملها بصائرهم لضعفها فاذا جاءت ظلمة آراء الرجال جالوا بها وصالوا ولهذا قال الناظم وارحمتاه لعينه ولأذنه أي مما يرى ويسمع من كثرة الآراء والهذيان والشبه التي ما أنزل الله بها من سلطان ولهذا قال الناظم ... إن قال حقا كفروه وإن يقو ... لوا باطلا نسبوه للايمان ... حتى اذا مارده عادوه مثل عداوة الشيطان للانسان ... قالوا له خالفت أقوال الشيو ... خ ولم يبالوا الخلف للفرقان ... خالفت أقوال الشيوخ فأنتم ... خالفتم من جاء بالقرآن ... خالفتم قول الرسول وانما ... خالفت من جراه قول فلان ... أي إن قال المثبت بما دلت عليه النصوص الوحيين كفروه وإن قالوا هم باطلا نسبوه للايمان فان رده المثبت عادوه مثل عداوة الشيطان للانسان يحتمل أن مراده بالشيطان والانسان آدم وإبليس ويحتمل أن مراده الجنس أي عادوه مثل عداوة الشيطان لجنس بني آدم

قوله قالوا خالفت أقوال الشيوخ أي قالوا له خالفت أقوال الشيوخ وهم قد خالفوا القرآن من غير مبالاة فيقول لهم المثبت إن كنت خالفت أقوال الشيوخ فلم أخالفها الا لأجل من جاء بالقرآن قوله من جراه بضم الجيم والمد أي من أجل الرسول صلى الله عليه وسلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... يا حبذا ذاك الخلاف فانه ... عين الوفاق لطاعة الرحمن ... أو ما علمت بأن أعداء الرسو ... ل عليه عابوا الخلف بالبهتان ... لشيوخهم ولما عليه قد مضى ... أسلافهم في سالف الأزمان ... ما العيب الا في خلاف النص لا ... رأي الرجال وفكرة الاذهان ... ... أنتم تعيبون بهذا وهو من ... توفيقنا والفضل للمنان ... فليهنكم خلف النصوص ويهننا ... خلف الشيوخ أيستوي الخلفان ... والله ما تسوى عقول جميع أهل الأرض نصا صح ذا تبيان ... حتى نقدمها عليه معرضين مؤولين محرفي القرآن ... والله ان النص فيما بيننا ... لأجل من آراء كل فلان ... والله لم ينقم علينا منكم ... أبدا خلاف النص من انسان ... أي ينبغي لك أيها الناظر في هذا النظم أن تعلم أن أعداء الرسول عابوا عليه خلاف آبائهم وقالوا إنا وجدنا آبائنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون ومن معائبهم للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يقولون له ضللت آباءنا فيقول الناظم ما العيب الا في خلاف النص وأما خلاف آراء الرجال المخالفة للنصوص فهو

عين الوفاء لطاعة الرحمن ولهذا قال متهكما بهم فليهنكم خلف النصوص ويهننا ثم قال والله لم ينقم علينا منكم أبدا خلاف النص من إنسان أي والله ما نقمتم علينا مرة واحدة خلاف النص وإنما خلاف الأشعري وأشار الى ذلك بقوله ... إلا خلاف الاشعري بزعمكم ... وكذبتم أنتم على الانسان ... كفرتم من قال من قد قاله ... في كتبه حقا بلا كتمان ... هذا وخالفناه في القرآن مثل خلافكم في الفوق للرحمن ... فالأشعري مصر بالاستوا ... ء وبالعلو بغاية التبيان ... ومصرح أيضا باثبات اليدين ووجه رب العرش ذي السلطان ... ومصرح أيضا بأن لربنا ... سبحانه عينان ناظرتان ... ومصرح أيضا باثبات النزو ... ل لربنا نحو الرفيع الداني ... ومصرح أيضا باثبات الأصا ... بع مثل ما قد قال ذو البرهان ... ومصرح أيضا بأن الله يو ... م الحشر يبصره أولو الايمان ... جهرا يرون الله فوق سمائه ... رؤيا العيان كما يرى القمران ... ومصرح أيضا باثبات المجيء وأنه يأتي بلا نكران ... ومصرح بفساد قول مؤول للاستواء بقهر ذي السلطان ... ومصرح أن الألى قالوا بذا التأويل أهل ضلالة ببيان ... ... ومصرح أن الذي قد قاله ... اهل الحديث وعسكر القرآن

هو قوله يلقي عليه ربه ... وبه يدين الله كل أوان ... قال ابو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين ومقالات الاسلاميين وذكر فيه فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة الاقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله ومارواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون شيئا من ذلك وأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وان محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى طه وأن له يدين بلا كيف كما قال خلقت بيدي ص وكما قال بل يداه مبسوطتان المائدة وأن له عينين بلا كيف كما قال تجري بأعيننا القمر وأن له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علما كما قال أنزله بعلمه وكما قال وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه فاطر واثتبوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة فصلت وذكر مذهبهم في القدر الى أن قال ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقرون أن الله يرى بالابصار يوم القيامة كما يرى

القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون وذكر قولهم في الاسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء إلى أن قال ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار الى أن قال وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم ويسلمون للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التي جاء بها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولون كيف ولا لم لان ذلك بدعة الى أن قال ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال ونحن أقرب اليه من حبل الوريد الى ان قال ويرون مجانبة كل داع الى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع الاستكانة والتواضع وحسن الخلق مع بذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المآكل والمشارب قال فهذه جملة ما يؤمرون به ويستسلمون اليه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان وقال الأشعري أيضا في اختلاف أهل القبلة في العرش قال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه استوى على العرش كما قال الرحمن على العرش استوى طه ولا يتقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن وأن له يدين كما قال خلقت بيدي وأن له عينين كما قال تجري بأعيننا البقرة

وأنه يجيء يوم القيامة وملائكته كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر وأنه ينزل الى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا الا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت المعتزلة إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى وقال أيضا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الابانه في أصول الديانة وقد ذكر أصحابه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال فصل في إبانة قول اهل الحق والسنة فان قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول أبو عبدالله أحمد بن حنبل نصر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مجانبون لأنه الامام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من امام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم وجملة قولنا أنا نقر بالله وكتبه ورسله وبما جاؤوا به من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من

ذلك شيئا ون الله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق وان الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله مستو على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى طه وأن له وجها كما قال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الرحمن وأن له يدين بلا كيف كما قال خلقت بيدي ص وكما قال بل يداه مبسوطتان المائدة 64 وأن له عينين بلا كيف كما قال تجري بأعيننا القمر ومن زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا وذكر نحوا مما ذكر في الفرق إلى أن قال ونقول إن الاسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا وندين بأن الله يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يضع السماوات على اصبع والأرضين على اصبع كما جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم الي أن قال وأن الايمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم للروات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن قال ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول الى السماء الدنيا وأن الرب تعالى يقول هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا واجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر وأن الله يقرب من

عباده كيف شاء كما قال ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ق وكما قال ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى النجم إلى أن قال وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابا بابا ثم نتكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا غير مخلوق ورد عليه ثم قال باب ذكر الاستواء على العرش فقال إن قال قائل ما تقولون في الاستواء قلنا له نقول إن الله مستو على عرشه كما قال الرحمن على العرش استوى طه وقد قال الله اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر وقال بل رفعه الله اليه النساء وقال يدبر الأمر من السماء الى الأرض ثم يعرج اليه السجدة وقال حكاية عن فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع الى اله موسى وإني لأظنه كاذبا غافر كذب موسى في قوله إن الله فوق السماوات وقال أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض الملك فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال أأمنتم من في السماء لأنه مستو على عرشه الذي هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السماوات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء يعني جميع السماء وانما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى أن الله تعالى ذكر السماوات فقال وجعل القمر فيهن نورا نوح فلم يرد أن القمر يملأهن وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله على العرش

الذي فوق السماوات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض ثم ذكر رحمه الله فصلا رد فيه على من تأول الاستواء بالاستيلاء من الجهمية والمعتزلة أبلغ رد واستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والاجماع والعقل وقد تقدم ذلك وهذا الذي ذكرناه من كلام أبي الحسن الأشعري هو مضمون ما ذكره الناظم عنه قلت ومن العجب أن المنتمين إلى الامام أبي الحسن الاشعري مع شدة تعظيمهم له قد خالفوه في أكثر ما ذهب إليه وخالف فيه المعتزلة فانه في بدايته وأول أمره كان معتزلا ودرس الكلام على أبي علي الجبائي أربعين سنة ثم لما بين الله له الحق رجع عن الاعتزال ونابذ المعتزلة ورد عليهم أبلغ الرد وصار متكلما للسنة بل هو كما قيل فيه إنه حجز المعتزلة في قمع السمسمة ثم قد خالفوه في أكثر ما رجع عنه ورجعوا إلى مذهب المعتزلة فتأولوا الاستواء بالاستيلاء واليد بالنعمة أو القدرة والنزول بنزول الأمر والملائكة والمجيء بمجيء الأمر والملائكة والرضى بالاثابة والغضب بالانتقام والرحمة بالانعام أو ارادة الانعام بل لعلهم زادوا على المعتزلة في التأويلات الباطلة والتمحلات العاطلة فنعوذ بالله من موجبات غضبه وقول الناظم هذا وخالفناه في القرآن الخ أي خالفناه في قوله إن كلام الله تعالى هو المعنى النفسي وإن القرآن عبارة عن ذلك المعنى كما خالفتموه في الاستواء والعلو واثبات الصفات الخبرية فلم كان خلافنا له كفرا وخلافكم له إيمانا وخالفتم النصوص أيضا ونحن خالفنا آراء جهم ذي البهتان

ثم أقسم الناظم والله مالكم جواب غير تكفير الخ أي ليس لكم جواب غير تكفيرنا بلا علم ثم قال منهكما استغفر الله العظيم الخ أي لكم جواب آخر وهو الشكوى إلى السلطان بغير علم ولا برهان قوله والله لا للاشعري تبعتم الخ أي إنهم لم يتبعوا الأشعري ولا النصوص ولكنهم وافقوا المعتزلة في اكثر ما ذهبوا اليه كما تقدم ذلك والله تعالى أعلم قال الناظم ... لكنه قد قال إن كلامه ... معنى يقوم بربنا الرحمن ... في القول خالفناه نحن وأنتم ... في الفوق والأوصاف للديان ... لو كان نفس خلافنا كفرا وكا ... ن خلافكم هو مقتضى الايمان ... هذا وخالفتم لنص حين خا ... لفنا لرأي الجهم ذي البهتان ... والله ما لكم جواب غير تكفير بلا علم ولا ايقان ... أستغفر الله العظيم لكم جوا ... ب غير ذي الشكوى إلى السلطان ... فهو الجواب لديكم ولنحن منتظرون منكم يا أولى البرهان ... والله لا للأشعري تبعتم ... كلا ولا للنص بالاحسان ... يا قوم فانتبهوا لانفسكم وخلوا الجهل والدعوى بلا برهان ... ما في الرياسة بالجهالة غير ضحكة عاقل منكم مدى الأزمان ... لا ترتضوا برياسة البقر التي ... رؤساؤها من جملة الثيران ... لما ذكر الناظم رحمه الله أن النفاة لم ينقموا علينا ولله الحمد أنا خالفنا

النصوص وانما نقموا علينا مخالفة الاشعري أخذ يبين كذب هذه الدعوى ويوضح أنهم خالفوه أعظم المخالفة فانه رحمه الله قد صرح باثبات الاستواء والعلو واثبات اليدين والوجه والعينين والنزول الى سماء الدنيا والاصابع وصرح باثبات رؤية الله تعالى بالابصار يوم القيامة وصرح باثبات المجيء وصرح بفساد قول اهل التأويل للاستواء بالقهر وصرح باثبات الصفات الخبرية وصرح بأنه يقول بجميع ما قاله أهل الحديث كما تقدم نقل ذلك عنه ولكن نحن قد خالفناه في قوله بالكلام النفسي وأنتم معاشر النفاة خالفتموه في الفوق واثبات الصفات فلأي شيء كان خلافنا له كفرا وخلافكم له ايمانا ومع خلافكم له فقد خالفتم النصوص القطعية ونحن خالفناه في ذلك لأنه خلاف المنقول الصحيح والمعقول الصريح ثم أقسم الناظم أنه لا جواب لهم إلا التكفير بغير علم ولا حجة ثم استثنى أن لهم جوابا آخر وهو شكاية مخالفيهم الى السلطان اذا غلبهم بالحجة والبرهان ومع هذا قد خالفوا النصوص وخالفوا الاشعري فحاصل كلامهم كثرة الدعاوى بلا برهان وتكفير أهل العلم والايمان نعوذ بالله من الخذلان

فصل في أن أهل الحديث هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصته ولا يبغض الانصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ... يا مبغضا أهل الحديث وشاتما ... أبشر بعقد ولاية الشيطان ... أو ما علمت بأنهم أنصار دين الله والايمان والقرآن ... أو ما علمت بأن أنصار الرسو ... ل هم بلا شك ولا نكران ... هل يبغض الأنصار عبد مؤمن ... أو مدرك لروائح الايمان ... شهد الرسول بذاك وهي شهادة ... من أصدق الثقلين بالبرهان ... أو ما علمت بأن خزرج دينه ... والأوس هم أبدا بكل زمان ... ما ذنبهم إذ خالفوك لقوله ... ما خالفوه لأجل قول فلان ... لو وافقوك وخالفوه كنت تشهد أنهم حقا أولو الايمان ... ... لما تحيزتم الى الاشياخ وانحازوا إلى المبعوث بالقرآن ... نسبوا اليه دون كل مقالة ... أو حالة أو قائل ومكان ... هذا انتساب أولي التفرق نسبة من ... اربع معلومة التبيان

قوله نسبة من اربع الخ وهي النسب المعروفة وهي المماثلة والموافقة والمناسبة والمخالفة ... فلذا غضبتم حيثما انتسبوا إلى ... غير الرسول بنسبة الاحسان ... فوضعتم لهم من الألقاب ما ... تستقبحون وذا من العدوان ... تقدمت الألقاب التي وضعوها لأهل الحديث ومعانيها ... هم يشهدونكم على بطلانها ... أفتشهدونهم على البطلان ... ... ما ضرهم والله بغضكم لهم ... إذ وافقوا حقا رضى الرحمن ... يا من يعاديهم لأجل مآكل ... ومناصب ورياسة الاخوان ... تهنيك هاتيك العداوة كم بها ... من حسرة ومذلة وهوان ... ولسوف تجني غيها والله عن ... قرب وتذكر صدق ذي الايمان ... فاذا تقطعت الوسائل وانتهت ... تلك المآكل في سريع زمان ... فهناك تقرع سن ندمان على التفريط وقت السير والامكان ... وهناك تعلم ما بضاعتك التي ... حصلتها في سالف الأزمان ... إلا الوبال عليك والحسرات والخسران عند الوضع في الميزان ... قيل وقال ماله من حاصل ... الا العناء وكل ذي الأذهان

والله ما يجدي عليك هناك إلا ذا الذي جاءت به الوحيان ... والله ما ينجيك من سجن الجحيم سوى الحديث ومحكم القرآن ... والله ليس الناس إلا أهله ... وسواهم من جملة الحيوان ... ولسوف تذكر برذي الايمان عن قرب ... وتقرع ناجذ الندمان ... رفعوا به رأسا ولم يرفع به ... اهل الكلام ومنطق اليونان ... فهم كما قال الرسول ممثلا ... بالماء مهبطه على القيعان ... لا الماء يمسكه ولا كلأبها ... يرعاه ذو كبد من الحيوان ... يشير الى الحديث الذي في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب ارضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة اجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت به ... هذا إذا لم تحرق الزرع الذي ... بجوارها بالنار أو بدخان ... والجاهلون بذا وهذا هم زوا ... ن الزرع أي والله شرزاوني ... وهم لدا غرس الاله كمثل غر ... س الدلب بين مغارس الرمان ... قوله زوان قال في القاموس الزوان الذي يخالط البر قوله الدلب قال في القاموس الدلب بالضم الصغار

واحدته بهاء وأرض مدلبة كثيرته وفي مختار الصحاح الدلب شجر الواحدة دلبة ... يمتص ماء الزع مع تضييقه ... أبدا عليه وليس ذا قنوان ... ذا حالهم مع حال أهل العلم أنصار الرسول فوارس الايمان ... فعليه من قبل الاله تحية ... والله يبقيه مدى الأزمان ... لولاه ما سقي الغراس فوق ذا ... ك الماء للدلب العظيم الشان ... ... فالغرس دلب كله وهو الذي ... يسقي ويحفظ عند اهل زمان ... فالغرس في تلك الحضارة شارب ... فضل المياه مصاوة البستان ... لكنما البلوى من الحطاب قطاع الغراس وعاقر الحيطان ... بالفوس يضرب في اصول الغرس كي يجتثها ويظن ذا إحسان ... ويظل يحلف كاذبا لم اعتمد في ذا سوى التثبيت للعيدان ... يا خيبة البستان من حطابه ما بعد ذا الحطاب من بستان ... في قلبه غل على البستان فهو موكل بالقطع كل أوان ... فالجاهلون شرار أهل الحق والعلماء سادتهم أولو الاحسان ... والجاهلون خيار احزاب الضلا ... ل وشيعة الكفران والشيطان ... وشرارهم علماؤهم هم شر خلق الله آفة هذه الأكوان ... يشير الى الحديث الذي ورد علماؤهم شر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود

فصل في تعيين الهجرة من الآراء والبدع الى سنته كما كانت فرضا من الامصار الى بلدته عليه السلام ... يا قوم فرض الهجرتين بحاله ... والله لم ينسخ إلى ذا الآن ... والهجرة الأولى الى الرحمن بالإخلاص إخلاص في سر وفي إعلان ... حتى يكون القصد وجه الله بال أقوال والاعمال والإيمان ... ويكون كل الدين للرحمن ما لسواه شيء فيه من إنسان ... والحب والبغض اللذان هما لكل ولاية وعداوة أصلان ... لله أيضا هكذا الاعطاء والمنع اللذان عليهما يقفان ... والله هذا شطر دين الله والتحكيم للمختار شطر ثان ... وكلاهما الإحسان لن يتقبل الرحمن من سعي بلا إحسان ... ... والهجرة الأخرى الى المبعوث بالإسلام والايمان والاحسان ... ذكر الناظم رحمه الله في الأبيات أن فرض الهجرتين باق لم ينسخ فالهجرة الاولى الى الله تعالى وذلك بالاخلاص له في السر والعلن وأن يكون القصد وجهة لله بالاقوال والاعمال والايمان وأن يكون الدين كله لله وأن يكون الحب والبغض لله تعالى وكذلك الإعطاء والمنع وهذا شطر الدين وشطره الثاني تحكيم المختار صلى الله عليه وسلم كما قال الناظم والهجرة

الثانية هي الهجرة الى الرسول صلى الله عليه وسلم باتباعه في الدق والجل ورد ما تنازع الناس فيه إلى سنته ورد كل فول لقوله ... أترون هذي هجرة الأبدان لا ... والله بل هي هجرة الايمان ... قطع المسافة بالقلوب اليه في ... درك الأصول مع الفروع فذان ... ابدا إليه حكمها لا غيره ... فالحكم ما حكمت به النصان ... ... يا هجرة طالت مسافتها على ... من خص بالحرمان والخذلان ... يا هجرة طالت مسافتها على ... كسلان منخوب الفؤاد جهان ... قال في القاموس رجل ونخب ونخب ونخبة ونخب كهجف ومنتخب ومنخوب ونخب ونخيب جبان جمع نخب انتهى ... يا هجرة والعبد فوق فراشه ... سبق السعادة لمنزل الرضوان ... ساروا أحث السير وهو فسيره ... سير الدلال وليس بالذملان ... قوله الدلال قال في القاموس أدل عليه انبسط كتدلل قوله الذملان محركة هو السير اللين قال في القاموس العلم محركة الجبل الطويل أو عام جمع أعلام وعلام انتهى وقاع وارض وقيعة لا تكاد تنشف الماء قاله في القاموس ... رفعت له أعلام هاتيك النصو ... ص رؤوسها شابت من النيران ... ... نار هي النور المبين ولم يكن ... ليراه إلا من له عينان

مكحولتان بمرود الوحيين لا ... بمراود الآراء والهذيان ... فلذاك شمر نحوها لم يلتفت ... لا عن شمائله ولا أيمان ... يا قوم لو هاجرتم لرأيتم ... أعلام طيبة رؤية بعيان ... ورأيتم ذاك اللواء وتحته الرسل الكرام وعسكر القرآن ... أصحاب بدر والألى قد بايعوا ... أزكى البرية بيعة الرضوان ... وكذا المهاجرة الألى سبقوا كذا الأنصار أهل الدار والايمان ... والتابعون لهم باحسان وسا ... لك هديهم أبدا بكل زمان ... ... لكن رضيتم بالاماني وابتليتم بالحظوظ ونصرة الاخوان ... بل غركم ذاك الغرور وسولت ... لكم النفوس وساوس الشيطان ... ونبذتم عسل النصوص وراءكم ... وقنعتم بقطارة الأذهان ... قال في القاموس القطارة بالضم ما قطر من الشيء والقليل من الماء ... وتركتم الوحيين زهدا فيهما ... ورغبتم في رأي كل فلان ... وعزلتم النصين عما وليا ... للحكم فيه عزل ذي عدوان ... وزعمتم أن ليس يحكم بيننا ... الا العقول ومنطق اليونان ... ... فهما بحكم الحق أولى منهما ... سبحانك اللهم ذا السبحان ... حتى أذا انكشف الغطاء وحصلت أعمال هذا الخلق في الميزان ... واذا انجلى هذا الغبار وصار ميدان السباق تناله العينان

وبدت على تلك الوجوه سماتها ... وسم المليك القادر الديان ... مبيضة مثل الرياض بجنة ... والسود مثل الفحم للنيران ... معنى هذه الأبيات أنكم معاشر النفاة لما تركتم الوحيين وهما الكتاب والسنة وعزلتم النصين وزعمتم أن ليس يحكم بين الناس فيما تنازعتم فيه إلا العقول والمنطق فاذا انكشف الغطاء وذلك يوم القيامة وحصلت أعمال الناس وانجلى الغبار وصار ميدان السباق وبدت على الوجوه سماتها أي علاماتها وصارت وجوه مبيضة في الجنة ووجوه مسودة في النار عرفتم حاصلكم ومحصولكم ورأيتم ما أوجبته لكم أصولكم ... فهناك يعلم راكب ما تحته ... وهناك يقرع ناجذ الندمان ... وهناك تعلم كل نفس ما الذي ... معها من الارباح والخسران ... ... وهناك يعلم مؤثر الآراء والشطحات والهذيان والبطلان ... أي البضائع قد أضاع وما الذي ... منها تعوض في الزمان الفاني ... قوله فهناك يعلم راكب الخ أي إذا انجلى الغبار عرف راكب ما تحته أفرس أم حمار وهناك يقرع الندمان ناجذ الندم وهناك تعلم نفس ما الذي معها الربح والخسران وهناك يعلم مؤثر شطحات الصوفية وآراء المتكلمين وهذيانهم وأباطليهم على الكتاب والسنة أنه فاته أعظم بضاعة وأنه تعوض أخسر بضاعة وأخس نصيب وأنه فاته أعظم الربح نعوذ بالله من موجبات غضبه ... سبحان رب الخلق قاسم فضله ... والعدل بين الناس في الميزان ... ... لو شاء كان الناس شيئا واحدا ... ما فيهم من تائه حيران

لكنه سبحانه يختص بالفضل العظيم خلاصة الانسان ... وسواهم لا يصلحون لصالح ... كالشوك فهو عمارة النيران ... وعمارة الجنات هم أهل الهدى ... الله أكبر ليس يستويان ... فسل الهداية من أزمة أمرنا ... بيديه مسألة الذليل العاني ... قوله لو شاء كان الناس شيئا واحدا الخ هذا كما قال تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين هود الآية ولكنه سبحانه يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله كما قال تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم يونس فعم بالدعوة وخص بالهداية ... ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع ... إن عذبوا فبعد له أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع ... قال الناظم ... وسل العياذ من اثنتين هما اللتا ... ن بهلك هذا الخلق كافلتان ... شر النفوس وسيىء الأعمال ما ... والله أعظم منهما شران ... ولقد أتى هذا التعوذ منهما ... في خطبة المبعوث بالقرآن ... يشير الى خطبة الحاجة وهي ما روي ابن مسعود قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

الحديث رواه اهل السنن الاربعة وقال الترمذي حديث حسن ... لو كان يدري العبد أن مصابه ... في هذه الدنيا هو الشران ... جعل التعوذ منهم ديدانه ... حتى نراه داخل الأكفان ... وسل العياذمن التكبر والهوى ... فهما لكل الشر جامعتان ... وهما يصدان الفتى عن كل طر ... ق الخير إذ في قلبه يلجان ... فتراه يمنعه هواه تارة ... والكبر أخرى ثم يشتركان ... والله ما في النار إلا تابع ... هذين فاسأل ساكني النيران ... والله لو جردت نفسك منهما ... لأتت اليك وفود كل تهان ... فصل في ظهور الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة المعطلين ... والفرق بين الدعوتين فظاهر ... جدا لمن كانت له أذنان ... ... فرق مبين ظاهر لايختفي ... ايضاحه إلا على العميان ... فالرسل جاؤونا باثبات العل و لربنا من فوق كل مكان ... وكذا أتونا بالصفات لربنا الر حمن لربنا الرحمن تفصيلا بكل بيان ... وكذاك قالوا إنه متكلم ... وكلامه المسموع بالآذان

وكذاك قالوا انه سبحانه المرئي يوم لقائه بعيان ... وكذلك قالوا إنه الفعال حقا كل يوم ربنا في شان ... وأتيتمونا أنتم بالنفي والتعطيل بل بشهادة الكفران ... للمثبتين صفاته وعلوه ... ونداءه في عرف كل لسان ... شهدوا بايمان المقر بأنه ... فوق السماء مباين الاكوان ... وشهدتم أنتم بتكفير الذي ... قد قال ذلك يا أولي العدوان ... وأتى بأين الله إقرارا ونطقا قلتم هذا من البهتان ... فسؤالنا بالاين مثل سؤالنا ... ما الكون عندكم هما شيئان ... وكذا أتونا بالبيان فقلتم ... باللغز اين اللغز من تبيان ... إذ كان مدلول الكلام ووضعه ... لم يقصدوه بنطقهم بلسان ... والقصد منهم غير مفهوم به ... ما اللغز عند الناس الا ذان ... يا قوم رسل الله أعرف منكم ... وأتم نصحا في كمال بيان ... أترونهم قد ألغزوا التوحيد إذ ... بينتموه يا أولي العرفان ... أترونهم قد أظهروا التشبيه وهو لديكم كعبادة الأوثان ... مضمون ما ذكره الناظم في هذه الأبيات هو اثبات الفرق بين دعوة المرسلين ودعوة المعطلين وذلك أن الرسل جاؤوا باثبات العلو والفوقية

واثبات الصفات تفصيلا وأنه سبحانه متكلم بكلام مسموع وأنه سبحانه يرى يوم القيامة رؤية العيان وأنه الفعال سبحانه وأنه كل يوم في شأن وأما المعطلون فأتوا بالنفي والتعطيل بل شهدوا بالكفر لمثبتي علوه سبحانه فوق عباده بائنا عن المخلوقات أترونهم أيها المعطلة قد ألغزوا التوحيد وبينتموه أنتم أو أنهم أظهروا التشبيه بزعمكم والعياذ بالله ... ولأي شيء لم يقولوا مثل ما ... قد قلتموا في ربنا الرحمن ... ولأي شيء صرحوا بخلافه ... تصريح تفصيل بلا كتمان ... ... ولأي شيء بالغوا بالوصف بالاثبات دون النفي كل زمان ... ولأي شيء أنتم بالغتم ... في النفي والتعطيل بالقفزان ... فجعلتم نفي الصفات مفصلا ... تفصيل نفي العيب والنقصان ... وجعلتم الاثبات أمرا مجملا ... عكس الذي قالوه بالبرهان ... أي ما بال الرسل أيها المعطلة لم يقولوا مثل ما قلتم في الله تعالى بل صرحوا دائما بخلافه تصريحا على التفصيل بغير كتمان وأما أنتم فبالغتم في النفي والتعطيل بالقفزان القفيز مكيال ثمانية مكاكيك ومن الأرض قدر مائة وأربعة وأربعين ذراعا جمع أقفزة وقفزان قاله في القاموس فجئتم بنفي مفصل واثبات مجمل وأما الرسل عليهم الصلاة والسلام فجاؤوا باثبات مفصل ونفي مجمل ولهذا قال ... أتراهم عجزوا عن التبيان واستوليتم أنتم على التبيان ... أترون أفراخ اليهود وأمة التعطيل والعباد للنيران

ووقاح أرباب الكلام الباطل المذموم عند أئمة الايمان ... من كل جهمي ومعتزل ومن ... والاهما من حزب جنكسخان ... بالله أعلم من جميع الرسل والتوراة والانجيل والقرآن ... أي أترى الرسل عليهم الصلاة والسلام عجزوا عن التبيان واستوليتم أيها المعطلة عليه أم هل ترون أفراخ اليهود والمعطلة وأبناء المجوس عباد النيران وأوقاح أهل الكلام وغيرهم من الجهمية والمعتزلة ومن والاهم من حزب جنكسخان أعلم بالله من جميع الرسل والتوراة والانجيل والقرآن ثم قال رحمه الله تعالى ... فسلوهم بسؤال كتبهم التي ... جاؤوا بها عن علم هذا الشان ... وسلوهم هل ربكم في أرضه ... أو في السماء وفوق كل مكان ... أم ليس من ذا كله شيء فلا ... هو داخل أو خارج الاكوان ... فالعلم والتبيان والنصح الذي ... فيهم يبين الحق كل بيان ... لكنما الألغاز والتلبيس والكتمان فعل معلم الشيطان ... فصل في شكوك أهل السنة والقرآن أهل التعطيل والآراء المخالفة لهما الى الرحمن لما كان أهل التعطيل يشكون أهل الحديث والسنة الى السلاطين

ويرمونهم بالعظائم والبهت قابلهم أهل السنة بالشكاية الى الرحمن سبحانه ... يا رب هم يشكوننا أبدا ببغيهم وظلمهم إلى السلطان ... ويلبسون عليه حتى أنه ... ليظنهم هم ناصروا الايمان ... فيرونه البدع المضلة في قوا ... لب سنة نبوية وقرآن ... ويرونه الاثبات للأوصاف في ... أمر شنيع ظاهر النكران ... فيلبسون عليه تلبيسين لو ... كشفا له باداهم بطعان ... يا فرقة التلبيس لا حييتم ... أبدا وحييتم بكل هوان ... لكننا نشكوهم وصنيعهم ... ابدا اليك فأنت ذو السلطان ... فاسمع شكايتنا وأشك محقنا ... والمبطل اردده عن البطلان ... أشك بقطع الهمزة ... راجع به سبل الهدى والطف به ... حتى تريه الحق ذا تبيان ... وارحمه وارحم سعيه المسكين قد ... ضل الطريق وتاه في القيعان ... يا رب قد عم المصاب بهذه الآراء والشحطات والبهتان ... هجروا لها الوحيين والفطرات والآثار لم يعبوا بذا الهجران ... قالوا وتلك ظواهر لفظية ... لم تغن شيئا طالب البرهان ... فالعقل أولى أن يصار اليه من ... هذي الظواهر عند ذي العرفان ... ثم ادعى كل بأن العقل ما ... قد قلته دون الفريق الثاني

يا رب قد حار العباد بعقل من ... يزنون وحيك فأت بالميزان ... وبعقل من يقضي عليك فكلهم ... قد جاء بالمعقول والبرهان ... يا رب أرشدنا إلى معقول من ... يقع التحاكم أننا خصمان ... هذا كما قال شيخ الاسلام في الحموية ثم المخالفون للكتاب والسنة في أمر مريج فان من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل ومن يحيل أن لله علما وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر الى التأويل ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة فرضي الله عن مالك بن أنس الامام حيث قال أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل الى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء انتهى قوله ... جاؤوا بشبهات وقالوا إنها ... معقولة ببداية الأذهان ... كل يناقض بعضه بعضا وما ... في الحق معقولان مختلفان ... وقضوا بها كذبا عليك وجرأة ... منهم وما التفتوا إلى القرآن ... يا رب قد أوهى النفاة حبائل القرآن والآثار والايمان ... يارب قد قلب النفاة الدين وال إيمان ظهرا منه فوق بطان

يارب قد بغت النفاة وأجلبوا ... بالخيل والرجل الحقير الشان ... نصبوا الحبائل والغوائل للألى ... أخذوا بوحيك دون قول فلان ... ودعوا عبادك أن يطيعوهم فمن ... يعصيهم ساموه شر هوان ... وقضوا على من لم يقل بضلالهم ... باللعن والتضليل والكفران ... وقضوا على أتباع وحيك بالذي هم أهله لا عسكر الفرقان ... وقضوا بعزلهم وقتلهم وحبسهم ونفيهم عن الأوطان ... وتلاعبوا بالدين مثل تلاعب الحمر التي نفرت بلا ارسان ... حتى كأنهم تواصوا بينهم ... يوصي بذلك أول للثاني ... هجروا كلامك هجر مبتدع لمن ... قد دان بالآثار والقرآن ... فكأنه فيما لديهم مصحف ... في بيت زنديق أخي كفران ... أو مسجد بجوار قوم همهم ... في الفسق لا في طاعة الرحمن ... وخواصهم لم يقرؤوه تدبرا ... بل للتبرك لا لفهم معان ... وعوامهم في السبع أو في ختمه ... أو تربة عوضا لذي الأثمان ... هذا وهم حرفية التجويد أو ... صوتية الأنغام والالحان ... ... يا رب قد قالوا بأن مصاحف الاسلام ما فيها من القرآن ... إلا المداد وهذه الأوراق والجلد الذي قد سل من حيوان ... هذا كما حكى الحافظ أبو محمد بن حزم في كتاب الملل والنحل قال ولقد أخبرني علي بن حمزة المرادي الصقلي الصوفي أنه رأى بعض الأشعرية

ينطح المصحف برجله قال فأكبرت ذلك وقلت له ويحك تفعل هذا الفعل بالمصحف وفيه كلام الله تعالى فقال لي ويحك والله ما فيه الا السخام والسواد وأما كلام الله تعالى فلا أو كلاما هذا معناه قال ابو محمد وكتب الي بو المرجى علي بن زوار المصري رحمه الله تعالى أن بعض ثقات إخوانه من طلاب السنن اخبره أن رجلا من الاشعرية قال له مشافهة على من يقول ان الله تعالى قال قل هو الله احد الله الصمد ألف لعنة قال ابو محمد بل على من ينكر ان الله تعالى قالها ألف ألف لعنة وعلى من ينكر أنه يسمع كلام الله تعالى ويقرأ كلام الله تعالى ألف ألف لعنة تترى عليه من عند الله تعالى ثم من ملائكته وأنبيائه وجميع الصالحين من الانس والجن فان قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله تعالى ومخالفة القرآن وتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضادة جميع اهل الاسلام قبل حدوث هذه الطائفة انتهى كلامه قوله وعوامهم في السبع قال في القاموس السبع بالضم وكأمير جزء من سبعة قوله او في ختمة ختم الشيء ختما بلغ آخره ... والكل مخلوق ولست بقائل ... أصلا ولا حرفا من القرآن ... إن ذاك الا قول مخلوق وهل هو جبرئيل أو الرسول فذان ... قولان مشهوران قذ قالتهما ... أشياخهم يا محنة القرآن ... يشير إلى قول الأشاعرة إن كلام الله تعالى هو المعنى النفسي وإن الفاظ القرآن مخلوقة ولكن هل الذي أنشأها جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم على قولين لهم مشهورين ... لو داسه رجل لقالوا لم يطأ ... إلا المداد وكاغد الانسان

يا رب زالت حرمة القرآن من ... تلك القلوب وحرمة الايمان ... وجرى على الافواه منهم قولهم ... ما بيننا لله من قرآن ... ما بيننا إلا الحكاية عنه والتعبير ذاك عبارة بلسان ... هذا وما التالون عمالا به ... إذ هم قد استغنوا بقول فلان ... إن كان قد جاز الحناجر منهم ... فبقدر ما عقلوا من القرآن ... والباحثون فقدموا رأي الرجا ... ل عليه تصريحا بلا كتمان ... عزلوه إذ ولوا سواه وكان ذا ... ك العزل قائدهم إلى الخذلان ... قالوا ولم يحصل لنا منه يقين فهو معزول عن الايقان ... ... إن اليقين قواطع عقلية ... ميزانها هو منطق اليونان ... هذا دليل الرفع منه وهذه ... أعلامه في آخر الأزمان ... يا رب من أهلوه حقا كي يرى ... أقدامهم منا على الاذقان ... أهلوه من لا يرتضي منه بديلا فهو كافيهم بلا نقصان ... وهو الدليل لهم وهاديهم الى الايمان والايقان والعرفان ... هو موصل لهم إلى درك اليقين حقيقة وقواطع البرهان ... يا رب نحن العاجزون بحبهم ... يا قلة الأنصار والأعوان

فصل في أذان أهل السنة الاعلام بصريحها جهرا على رؤوس منابر الاسلام ... يا قوم قد حانت صلاة الفجر فانتبهوا فاني معلن بأذان ... لا بالملحن والمبدل ذاك بل ... تأذين حق واضح التبيان ... وهو الذي حقا أجابته على ... كل امرىء فرض على الأعيان ... هذا تأذين لغوي لأن الأذان في اللغة الاعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله التوبة الآية ... الله أكبر أن يكون كلامه العربي مخلوقا من الأكوان ... والله أكبر أن يكون رسوله الملكي أنشأه عن الرحمن ... والله أكبر أن يكون رسوله البشري أنشأه لنا بلسان ... خلافا للجهمية والمعتزلة والله اكبر ان يكون رسوله الملكي أنشأه عن الرحمن أي جبريل عليه السلام كما يقوله القائلون بالكلام النفسي والله أكبر أن يكون رسوله البشري أنشأه لنا بلسان أي محمد صلى الله عليه وسلم كما هو احد القولين للقائلين بالكلام النفسي ... هذي مقالات لكم يا أمة التشبيه ما أنتم على ايمان ... أي إنهم شبهوا الرحمن تعالى بالأصنام التي لا تتكلم ثم بين وجه التشبيه

بقوله ... شبهتم الرحمن بالأوثان في ... عدم الكلام وذاك للاوثان ... مما يدل بأنها ليست بآ ... لهة وذا البرهان في القرآن ... في سورة الأعراف مع طه وثا ... لثها فلا تعدل عن القرآن ... يعني قوله تعالى في سورة الاعراف واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يرو أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا الآية وفي سورة طه فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم واله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع اليهم قولا الآية ... أيصح كون الجاحدين لكونه ... متكلما بحقيقة وبيان ... هم اهل تعطيل وتشبيه معا ... بالجامدات عظيمة النقصان ... لا تقذفوا بالداء منكم شيعة الرحمن أهل العلم والعرفان ... أي لا تسموا أهل الحديث والسنة مشبهة فانكم أهل التشبيه لأنكم شبهتم الرحمن بالجامدات في عدم الكلام ... ان الذي نزل الامين به على ... قلب الرسول الواضح البرهان ... هو قول ربي اللفظ والمعنى جميعا اذ هما أخوان مصطحبان ... لا تقطعوا رحما تولى وصلها الرحمن تنسلخوا من الايمان ... ولقد شفانا قول شاعرنا الذي ... قال الصواب وجاء بالاحسان ... إن الذي هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الاشياخ والشبان

هو قول ربي آية وحروفه ... ومدادنا والرق مخلوقان ... الرق بفتح الراء الورق ... والله أكبر من على العرش استوى ... لكنه استولى على الأكوان ... ... والله اكبر ذو المعارج من اليه تعرج الاملاك كل أوان ... ... والله أكبر من يخاف جلاله ... أملاكه من فوقهم ببيان ... ... والله أكبر من غدا لسريره ... أط به كالرحل للركبان ... والله أكبر من أتانا قوله ... من عنده من فوق ست ثمان ... نزل الأمين به بأمر الله من ... رب على العرش استوى رحمان ... والله أكبر قاهر فوق العبا ... د فلا تضع فوقية الرحمن ... من كل وجه تلك ثابتة له ... لا تهضموها يا أولى العدوان ... قهرا و قدرا واستواء الذات فو ... ق العرش بالبرهان والقرآن ... أي إن أنواع العلو ثابتة لله سبحانه وهي علو القهر وعلو القدر وعلو الذات ... فبذاته خلق السماوات العلى ... ثم استوى بالذات فافهم ذان ... فضمير فعل الاستواء يعود للذات التي ذكرت بلا فرقان ... أي إن الضمير في قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الأعراف يعود على الله أي استوى هو

هو ربنا هو خالق هو مستو ... بالذات هذي كلها بوزان ... والله أكبر ذو العلو المطلق المعلوم بالفطرات للانسان ... فعلوه من كل وجه ثابت ... فالله أكبر جل ذو السلطان ... والله أكبر من رقى فوق الطبا ... ق رسوله فدنا من الديان ... واليه قد عرج الرسول حقيقة ... لا تنكروا المعراج بالبهتان ... ودنا من الجبار جل جلاله ... ودنا اليه الرب ذو الاحسان ... والله قد أحصى الذي قد قلتم ... في ذلك المعراج بالميزان ... قلتم خيالا أو أكاذيبا أو المعراج لم يحصل إلى الرحمن ... إذ كان ما فوق السماوات العلى ... رب اليه منتهى الانسان ... والله أكبر من اشار رسوله ... حقا اليه بأصبع وبنان ... في مجمع الحج العظيم بموقف ... دون المعرف موقف الغفران ... قد تقدم الحديث في ذلك ... من قال منكم من أشار بأصبع قطعت فعند الله يجتمعان ... هذا اشارة الى قول من قال من المعطلة إن من أشار بأصبعه الى السماء وإن الله تعالى فوق خلقه تقطع اصبعه ... والله اكبر ظاهر ما فوقه ... شيء وشأن الله أعظم شان ... والله اكبر عرشه وسع السما ... والارض والكرسي ذا الاركان ... وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ... ق السبع والارضين بالبرهان

والله فوق العرش والكرسي لا ... يخفى عليه خواطر الانسان ... لا تحصروه في مكان إذ تقو ... لوا ربنا حقا بكل مكان ... نزهتموه بجهلكم عن عرشه ... وحصرتموه في مكان ثان ... اشارة الى قول النجارية والضرارية إنه تعالى في كل مكان ... لا تعدموه بقولكم لا داخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان ... اشارة الى قول الجهمية وأتباعهم إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه فان ذلك صفة المعدوم ... الله أكبر هتكت أستاركم ... وبدت لمن كانت له عينان ... ... والله أكبر جل عن شبه وعن ... مثل وعن تعطيل ذي كفران ... ... والله أكبر من له الأسماء وال أوصاف كاملة بلا نقصان ... ... والله أكبر جل عن ولد وصا ... حبه وعن كفء وعن أخدان ... ... والله أكبر جل عن شبه الجما ... د كقول ذي التعطيل والكفران ... هم شبهوه بالجماد وليتهم ... قد شبهوه بكامل ذي شان ... الله اكبر جل عن شبه العبا ... د فذان تشبيهان ممتنعان ... الله أكبر واحد صمد وكل الشأن في صمدية الرحمن ... نفت الولادة والأبوة عنه والكفء الذي هو لازم الانسان ... وكذاك أثبتت الصفات جميعها ... لله سالمة من النقصان

واليه يصمد كل مخلوق فلا ... صمد سواه عز ذو السلطان ... تقدم الكلام في تفسير الصمد بما يغني عن الاعادة ... لا شيء يشبهه تعالى كيف يشبهه خلقه ما ذاك في الامكان ... لكن ثبوت صفاته وكلامه ... وعلوه حقا بلا نكران ... لا تجعلوا الاثبات تشبيها له ... يا فرقة التلبيس والطغيان ... كم ترتقون بسلم التنزيه للتعطيل ترويجا على العميان ... أي أنكم تسمون التعطيل تنزيها للترويج على العميان والجهال فاستعار لفظة السلم لهذا المعنى ... فالله أكبر أن تكون صفاته ... كصفاتنا جل العظيم الشان ... هذا هو التشبيه لا إثبات أو ... صاف الكمال فما هما سيان ... فصل في تلازم التعطيل والشرك ... واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ ... كانا هما لا شك مصطحبان ... أبدا فكل معطل هو مشرك ... حتما وهذا واضح التبيان ... فالعبد مضطر إلى من يكشف البلوى ويغني فاقة الانسان

واليه يصمد في الحوائج كلها ... واليه يفزع طالب لأمان ... فاذا انتفت اوصافه وفعاله ... وعلوه من فوق كل مكان ... فزع العباد إلى سواه وكان ذا ... من جانب التعطيل والنكران ... فمعطل الأوصاف ذاك معطل التوحيد حقا ذان تعطيلان ... قد عطلا بلسان كل الرسل من ... نوح إلى المبعوث بالقرآن ... والناس في هذا ثلاث طوائف ... ما رابع ابدا بذي امكان ... ... إحدى الطوائف مشرك بالهه ... فاذا دعاه دعا الها ثاني ... ... هذا وثاني هذه الاقسام ذا ... لك جاحد يدعو سوى الرحمن ... ... هو جاحد للرب يدعو غيره ... شركا وتعطيلا له قدمان ... هذا وثالث هذه الأقسام خير الخلق ذاك خلاصة الانسان ... يدعو الاله الحق لا يدعو سوا ... ه قط في الاكوان والأزمان ... يدعوه في الرغبات والرهبات والحالات من سر ومن اعلان ... لما ذكر في هذا الفصل أن الشرك والتعطيل متلازمان ذكر أن الناس ثلاث طوائف أحدها المشركون وهم الذين جعلوا مع الله إلها آخر والثانية الجاحدون الذين يدعون غير الله ويمجدونه وهؤلاء قد جمعوا الشرك والتعطيل والثالثة الموحدون خلاصة الانسان الذين يدعون الله سبحانه في الرغبات والرهبات وجميع الحالات ثم قال ... توحيده نوعان علمي وقصدي كما قد جرد النوعان

في سورة الاخلاص مع تال لنصر الله قل يا أيها ببيان ... ولذاك قد شرعا بسنة فجرنا ... وكذاك سنة مغرب طرفان ... فيكون مفتتح النهار وختمه ... تجريدك التوحيد للديان ... وكذاك قد شرعا بخاتم وترنا ... ختما لسعي الليل بالآذان ... وكذاك قد شرعا بركعتي الطوا ... ف وذاك تحقيق لهذا الشان ... ... فهما إذا أخوان مصطحبان لا ... يتفارقان وليس ينفصلان ... فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا ... ذو الشرك فهو معطل الرحمن ... أو بعض أوصاف الكمال له فحقق ذا ولا تسرع إلى النكران ... قوله توحيده قصدي الخ شرح هذه الأبيات ما ذكره الناظم رحمه تعالى في بدائع الفوائد في الكلام على سورة قل يا ايها الكافرون قال ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها وب قل هو الله احد في سنة الفجر وسنة المغرب فان هاتين السورتين سورتا الاخلاص وقد اشتملا على نوعي التوحيد الذي لا فلاح للعبد ولا نجاة الا بهما وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزية الله عما لا يليق به من الشرك والولد والوالد وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا احد فيكون له نظير ومع هذا الذي قد اجتمعت له صفات الكمال كلها فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا فهذا توحيد القصد والارادة العلم والاعتقاد والثاني توحيد وهو ان لا يعبد الا الله فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده هو المعبود وسورة قل يا أيها الكافرون

مشتملة على هذا التوحيد فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصت له فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بهما النهار في سنة الفجر ويختم بهما في سنة المغرب وفي السنن أنه كان يوتر بهما فيكونا خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار انتهى فصل في بيان أن المعطل شر من المشرك ... لكن أخو التعطيل شر من أخي الإشراك بالمعقول والبرهان ... ... إن المعطل جاحد للذات او ... لكمالها هذان تعطيلان ... متضمنا للقدح في نفس الالو ... هة كم بذاك القدح من نقصان ... والشرك فهو توسل مقصوده الزلفى من الرب العظيم الشان ... بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان ... فالشرك تعظيم بجهل من قيا ... س الرب بالأمراء والسلطان ... ظنوا بأن الباب لا يغشى بدو ... ن توسط الشفعاء والاعوان ... ... ودهاهم ذاك القياس المستبين فساده ببديهة الانسان ... الفرق بين الله والسلطان من ... كل الوجوه لمن له أذنان

إن الملوك لعاجزون ومالهم ... علم بأحوال الدعا بأذان ... كلا ولاهم قادرون على الذي ... يحتاجه الانسان كل زمان ... كلا وما تلك الارادة فيهم ... تقضي حوائج كلما انسان ... كلا ولا وسعوا الخليقة رحمة ... من كل وجه هم أولو النقصان ... فلذلك احتاجوا إلى تلك الوسا ... ئط حاجة منهم مدى الأزمان ... ذكر رحمة الله في هذه الأبيات أن المعطل شر من المشرك ثم بين ذلك بقوله إن المعطل جاحد للذات أو لكمالها الخ وذلك يتضمن القدح في الألوهية وأما الشرك فهو توسل أي تقرب مقصوده الزلفى أي تقريبا من الرب سبحانه وذلك بعبادة المخلوقات سواء كانت حجرا أو قبرا أو بشرا أو وثنا وأصل الشرك تعظيم الله سبحانه لكن بجهل وذلك ان المشركين قاسوا الرب سبحانه بالملوك قالوا إن الملك لا يحصل القرب منه إلا بتوسط الشفعاء وهذا القياس من أبطل الباطل وفساده ظاهر ببديهة العقل وذلك ان الملوك عاجزون لا علم لهم بأحوال الرعايا ولا قدرة لهم على حوائج الخلق ولا وسعوا الخلائق رحمة بل هم عاجزون ناقصون فقراء الى الله سبحانه فقرا ذاتيا والفرق بين الله تعالى وبين الملوك ظاهر من جميع الوجوه ثم بين غناء الرب سبحانه وكمال علمه وقدرته وان الخلق جميعهم في قبضته وهم فقراء اليه وهو الغني عنهم غناء ذاتيا وهم في غاية الحاجة فقال ... أما الذي هو عالم للغيب مقتدر على ما شاء ذو إحسان ... وتخافه الشفعاء ليس يربد منهم حاجة جل العظيم الشان

بل كل حاجات لهم فإليه لا ... لسواه من ملك ولا انسان ... وله الشفاعة كلها وهو الذي ... في ذاك يأذن للشفيع الداني ... لمن ارتضى ممن يوحده ولم ... يشرك به شيئا كما قد جاء في القرآن ... سبقت شفاعته اليه فهو مشفوع اليه وشافع ذو شان ... فلذا أقام الشافعين كرامة ... لهم ورحمة صاحب العصيان ... فالكل منه بدا ومرجعه اليه وحده ما من اله ثان ... غلط الألى جعلوا الشفاعة من سوا ... ه اليه دون الإذن من رحمن ... هذي شفاعة كل ذي شرك فلا ... تعقد عليها يا أخا الإيمان ... والله في القرآن ابطلها فلا ... تعدل عن الآثار والقرآن ... وكذا الولاية كلها لله لا ... لسواه من ملك ولا انسان ... تقدم بسط الكلام في معاني هذه الأبيات بما أغنى عن الاعادة ... والله لم يفهم أولو الاشراك ذا ... ورآه تنقيصا اولو النقصان ... إذ قد تضمن عزل من يدعى سو الرحمن بل أحديه الرحمن ... بل كل مدعو سواه من لدن ... عرش الإله الى الحضيض الداني ... هو باطل في نفسه ودعاء عا ... بده له من أبطل البطلان ... فله الولاية والولاية مالنا ... من دونه وال من الأكوان

فإذا تولاه امرؤ دون الروى ... طرأ تولاه عظيم الشان ... الولاية الأولى بتفح الواو لا غير أي المحبة والنصر والثانة بكسر الواو الامارة قوله طرأ أي جميعا ... وإذا تولى غيره من دونه ... ولاه ما يرضى به لهوان ... في هذه الدنيا وبعد مماته ... وكذاك عند قيامة الأبدان ... حقا يناديهم ندا سبحانه ... يوم المعاد فيسمع الثقلان ... يامن يريد ولاية الرحمن دو ... ن ولاية الشيطان والاوثان ... فارق جميع الناس في إشراكهم ... حتى تنال ولاية الرحمن ... يكفيك من وسع الخلائق رحمة ... وكفاية ذو الفضل والاحسان ... يكفيك من لم تخل من احسانه ... في طرفة تتقلب الاجفان ... يكفيك رب لم تزل الطافه ... تأتي اليك برحمة وحنان ... يكفيك رب لم تزل في ستره ... ويراك حين تجيء بالعصيان ... يكفيك رب لم تزل في حفظه ... ووقاية منه مجى الأ زمان ... يكفيك رب لم تزل في فضله ... متقلبا في السر والاعلان ... يدعوه أهل الأرض مع أهل السما ... ء فكل يوم ربنا في شان ... وهو كفيل بكل ما يدعونه ... لايعتري جدواه من نقصان ... فتوسط الشفعاء والشركاء وال ... ظهراء أمر بين البطلان

مافيه الا محض تشبيه لهم ... بالله وهو فأقبح البهتان ... مع قصدهم تعظيمه سبحانه ... ما عطلوا الاوصاف للرحمن ... لكن أخو التعطيل ليس لديه ... إلا النفي اين النفي من ايمان ... والقلب ليس يقر إلا بالتعب ... د فهو يدعوه الى الاكوان ... فترى المعطل دائما في حيرة ... متنقلا في هذه الاعيان ... يدعو إلها ثم يدعو غيره ... ذا شأنه أبدا مدى الازمان ... وترى الموحد دائما متنقلا ... بمنازل الطاعات والاحسان ... ما زال ينزل في الوفاء منازلا ... وهي الطريق له الى الرحمن ... لكنما معبوده هو واحد ... ما عنده ربان معبودان ... قوله لا يعتري جدواه من نقصان قوله جدواه الخ الجدا بكسر الجيم والجدى بالقصر والجدوى العطية وجداه واجتداه واستجداه أي طلب جدواه وأجداه أعطاه الجدوي قاله في مختار الصحاح وهذا كما في الحديث القدسي حديث ابي ذر الذي رواه مسلم يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد ثم سألوني فأعطيت كل انسان مسألته مان نقص ذلك مما عندي الا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر وقوله صلى الله عليه وسلم يمين الله لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فانه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع الى يوم القيامة ثم ضرب الناظم

مثلا للمشرك والمعطل فقال فصل في مثل المشرك والمعطل ... أين الذي قد قال في ملك عظيم ... لست فينا قط ذا سلطان ... ما في صفاتك من صفات الملك شيء كلها مسلوبة الوجدان ... فهل استويت على سرير الملك أو ... دبرت أمر الملك والسلطان ... أو قلت مرسوما تنفذه الرعا ... ياأو نطقت بلفظة ببيان ... أو كنت ذا امر وذا نهي وتكليم لمن وافى من البلدان ... أو كنت ذا سمع وذا بصر وذا ... علم وذا سخط وذا رضوان ... أو كنت قط مكلما متكلما ... متصرفا بالفعل كل زمان ... أو كنت تفعل ما تشاء حقيقة الفعل الذي قد قام بالاذهان ... أو كنت حيا فاعلا بمشيئة ... وبقدرة أفعال ذي السلطان ... فعل يقوم بغير فاعله محا ... ل غير معقول لذي الانسان ... بل حاله الفعال قبل ومع وبعد هي التي كانت بلا فرقان ... والله لست بفاعل شيئا إذا ... ما كان شأنك منك هذا الشان

لا داخلا فينا ولست بخارج ... عنا خيالا درت في الاذهان ... فباي شيء كنت فينا مالكا ... ملكا عظيما قاهر السلطان ... إسما ورسما لا حقيقة تحته ... شأن الملوك أجل من ذا الشان ... هذا وثان قال أنت مليكنا ... وسواك لا نرضاه من سلطان ... إذ حزت اوصاف الكمال جميعها ... ولأجل ذا دانت لك الثقلان ... وقد استويت على سرير الملك واستولت توليت مع هذا علىالبلدان ... لكن بابك ليس يغشاه امرؤ ... إن لم يجيء بالشافع المعوان ... ويذل للبواب والحجاب والشفعاء أهل القرب والاحسان ... أفيستوي هذا وهذا عندكم ... والله ما استويا لدى نسان ... والمشركون أخف في كفرانهم ... وكلاهما من شيعة الشيطان ... ان المعطل بالعداوة قائم ... في قالب التنزيه للرحمن ... حاصل كلام الناظم في هذا الفصل أنه ضرب مثلا للمشرك والمعطل فلسان حال المعطل في الهه سبحانه إنك لست فينا ذا سلطان لأنك لم تستو على سرير الملك ولم تدبر أمر الملك والسلطان ولم تكلم ولا تتكلم ولست بفاعل فعلا حقيقة بل فعلك هو المفعول بل حالك قبل الفعل ومعه وبعده سواء ولست داخلا في العالم ولا خارجا منه بل أنت خيال في الاذهان فبأي شيء كنت فينا مالكا تعالى الله عما تقول المعطلةعلوا كبيرا

قوله هذا وثان الخ هذا هو المشرك أي إن المشرك قال يا رب أنت مليكنا وخالقنا والمتصرف فينا وقد حزت أوصاف الكمال جميعها وقد استويت على سرير الملك واستوليت على المخلوقات والاكوان ولكن بابك لا يغشى الا بالشفعاء ولا بد مع ذلك من الذل للبواب والحجاب والشفعاء المقربين أفيستوي هذان عندكم حاشا وكلا بل المشركون أخف في كفرانهم والكل من شيعة الشيطان ولكن المعطل يزيد على الشرك بأنه قائم بالعداوة في قاب التنزيه فصل فيما أعد الله تعالى من الاحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند فساد الزمان ... هذا وللمتمسكين بسنة المختار عند فساد ذي الأزمان ... أجر عظيم ليس يقدر قدره ... الا الذي أعطاه للإنسان ... فروى أبو داود في سنن له ... ورواه أيضا احمد الشيباني ... أثرا تضمن أجر خمسين امريء ... من صحب احمد خيرة الرحمن ... إسناده حسن ومصداق له ... في مسلم فافهمه فهم بيان ... انا العبادة قت هرج هجره ... حقا الي وذاك ذو برهان ... هذا فكم من هجرة لك أيها السني بالتحقيق لا بأمان

هذا وكم من هجرة لهم بما ... قال الرسول وجاء في القرآن ... ولقد أتى مصداقه في الترمذي لمن له أذنان واعيتان ... في أجر محيي سنة ماتت فدا ... ك مع الرسول رفيقه بجنان ... هذا ومصداق له أيضا أتى ... في الترمذي لمن له عينان ... تشبيه أمته بغيث أول ... منه وآخره فمشتبهان ... قال شيخ الاسلام في بعض اجوبته والحديث الذي يروى مثل أمتي كمثل الغيث لا يدري أوله خير أو أخره قد تكلم في اسناده وبتقدير صحته إنما معناه انه يكون في آخر الأمة من يقارب أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير كما يشتبه على بعض الناس طرفا الثوب مع القطع بأن الأول خير من الآخر فانه قال لا يدري ومعلوم ان هذا السلب ليس عاما فانه بد ان يكون معلوما أيهما افضل ... فلذاك لا يدري الذي هو منهما ... قد خص بالتفصيل والرجحان ... ولقد أتى اثر بأن الفضل في الطرفين أعني أولا والثاني ... والوسط ذو ثبج فأعوج هكذا ... جاء الحديث وليس ذا نكران ... ولقد أتى في الوحي مصداق له ... في الثلثين وذاك في القرأن ... أهل اليمين فثلة مع مثلها ... والسابقون أقل في الحسبان ... قال في القاموس الثبج محركة وسط الشيء ومعظمه قال الله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن ابكارا عربا اترابا لأصحاب

اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين الواقعة 35 40 الثلة الجماعة التي لا يحصيها عدد قال الزجاج معنى ثلة فرقة من ثللث الشيء إذا قطعته والمعنى أنهم جماعة أو أمة أو فرقة أو قطعة من الأولين وهم من لدن آم الى نبينا صلى الله عليه وسلم وقال ابو العالية ومجاهد وعطاء بن ابي رباح والضحاك ثلة من الاولين بمعنى من سابقي هذه الأمة وثلة من الأخرين من هذه الأمة أخرج مسدد وابن المنذر بسند حسن عن ابي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال جميعها من هذه الأمة وعنه قال هما جميعا من هذه الأمة وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هما جميعا من أمتي أخرجه عبد بن حميد وابن عدي والفرياني وغيرهم قال السيوطي بسند ضعيف وعنه قال الثلثان جميعا من هذه الامة وبه قال ابو العالية ومجاهد وعطاء بن ابي رباح والضحاك وهو اختيار الزجاج فان قيل كيف قال قبل هذا وقليل من الآخرين ثم قال هنا وثلة من الأخرين الواقعة 40 قيل ذاك في السابقين الأولين وقليل من يلحق بهم من الآخرين وهذا في اصحاب اليمين وأنهم يتكاثرون من الأولين والأخرين جميعا ... ما ذاك الا ان تابعهم هم الغرباء ليست غربة الاوطان ... لكنها والله غربة قائم ... بالدين بين عساكر الشيطان ... فلذاك شبههم به متبوعهم ... في الغربتين وذاك ذو تبيان ... لم يشبهوهم في جميع امورهم ... من كل وجه ليس يستويان ... فانظر الى تفسيره الغرباء بالمحيين سنته بكل زمان

طوبى لهم والشوق يحدوهم الى ... أخذ الحديث ومحكم القرآن ... طوبى لهم لم يعبؤوا بنجاته الأفكار أو بزبالة الاذهان ... طوبى لهم ركبوا عل متن العزا ... ئم قاصدين لمطلع الايمان ... طوبى لهم لم يعبؤوا شيئا بذي الآراء اذ أغناهم الوحيان ... طوبى لهم وامامهم دون الورى ... من جاء بالايمان والفرقان ... والله ما ائتموا بشخص دونه ... الا إذا مادلهم ببيان ... في الباب آثار عظيم شأنها ... أعيت على العلماء في الأزمان ... إذا اجمع العلماء أن صحابة المختار خير طوائف الانسان ... ذا بالضرورة ليس فيه الخلف بين اثنين ما حكيت به قولان ... فلذاك ذي الآثار اعضل امرها ... وبغوالها التفسير بالاحسان ... فاسمع اذا تأويلها وافهمه لا ... تعجل برد منك او نكران ... ان البدار برد شيء لم تحط ... علما به سبب الى الحرمان ... الفضل منه مطلق ومقيد ... وهما لأهل الفضل مرتبتان ... قوله والفضل منه مطلق ومقيد معنى ذلك ان الفضل منه مطلق ومقيد فالفضل المطلق كفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضل اصحابه على من بعدهم والفضل المقيد مثل خلق الله سبحانه آدم بيده فهذا الفضل المقيد لا يوجب تفضيله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكذا خصائص من أتى من بعد آدم

من الرسل لايوجب تفضيلهم عليه صلى الله عليه وسلم وكذا الأثر الذي فيه أن المتمسك بدينه في آخر الزمان له اجر خمسين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوجب ذلك افضلية على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه في آخر الزمان وغربة الدين قد عدم المعين وصعب عليه القيام في وجوه اعداء الدين واما الصاحبة رضي الله عنهم فهم ذوو أعوان وانصار ... والفضل ذو التقييد ليس بموجب ... فضلا على الاطلاق من انسان ... لا يوجب التقييد أن يقضى له ... بالاستواء فكيف بالرجحان ... إذ كان ذو الاطلاق حاز من الفضا ... ئل فوق ذي التقييد بالاحسان ... فاذا فرضنا واحدا قد حاز نو ... عا لم يحزه فاضل الانسان ... لم يوجب التخصيص من فضل علي ... ولا مساواة ولا نقصان ... ما خلق آدم باليدين بموجب ... فضلا علىالمبعوث بالقرآن ... وهذا خصائص من أتى من بعده ... من كل رسل الله بالبرهان ... فمحمد أعلاهم فوقا وما ... حكمت لهم بمزية الرجحان ... فالحائز الخمسين أجرا لم يجز ... ها في جميع شرائع الايمان ... هل حازها في بدر أو احد أو الفتح المبين وبيعة الرضوان ... بل حازها إذ كان قد عدم المعين وهم فقد كانوا أولي أعوان ... والرب ليس يضيع ما يتحمل المتحملون لأجله من شان ... فتحمل العبد الضعيف رضاه مع ... فيض العدو وقلة الاعوان

مما يدل على يقين صادق ... ومحبة وحقيقة العرفان ... أي تحمل العبد مع ضعفه الشاق لأجل رضى ربه يدل على صدق يقينه وشدة محبته له ومعرفته به ... يكفيه ذلا واغترابا قلة ال ... أنصار بين عساكر الشيطان ... في كل يوم فرقة تغزوه ان ... ترجع يوافيه الفريق الثان ... فسل الغريب المستضام عن الذي ... يلقاه بين عدى بلا حسبان ... هذا وقد بعد المدى وتطاول العهد الذي هو موجب الاحسان ... ولذاك كان كقابض جمرا فسل ... أحشاءه عن حر ذي النيران ... يشير الى الحديث القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ... والله اعلم بالذي في قلبه ... يكفيه علم الواحد المنان ... في القلب امر ليس يقدر قدره ... الا الذي آتاه للإنسان ... بو وتوحيد وصبر مع رضى ... والشكر والتحكيم للقرآن ... سبحان قاسم فضله بين العبا ... د فذاك مولي الفضل والاحسان ... فالفضل عند الله ليس بصورة الأعمال بل بحقائق الايمان ... حتى يكون العاملان كلاهما ... في رتبة تبدو لنا بعيان

هذا وبينهما كما بين السما ... والأرض في فضل وفي رجحان ... ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا ... رتب مضاعفة بلا حسبان ... هذا عطاء الرب جل جلاله ... وبذاك تعرف حكمة الديان أي إن الفضل عند الله بحسب ما في القلوب من الايمان واليقين لا بحسب صور الاعمال وكثرتها كما قال بكر بن عبد الله المزني ما سبقهم ابو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه فصل فيما اعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة ... يا خاطب الحور الحسان وطالبا ... لوصالهن بجنة الحيوان ... لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الاثمان ... أو كنت تدري اين مسكنها جعلت السعي منك لها على الاجفان ... ولقد وصفت طريق مسكنها فان ... رمت الوصال فلا تكن بالواني ... اسرع وحث السير جهدك انما ... مسراك هذا ساعة لزمان ... فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دمت ذا امكان ... واجعل صيامك قبل لقياها ويو ... م الوصل يوم الفطر من رمضان ... واجعل نعوت جمالها الحادي وسر ... تلقى المخاوف وهي ذات امان

لما حث الناظم رحمة الله تعالى على طلب الوصال للحور العين كما قال بعضهم وصم عن لذات الدنيا واجعل فطرك الموت شرع في ذم الدنيا والاشتغال بها عن الآخرة فقال ... لا يلهينك منزل لعبت به ... أيدي البلى مذ سالف الازمان ... البلى بكسر الياء ... فلقد ترحل عنه كل مسرة ... وتبدلت بالهم والأحزان ... سجن يضيق بصاحب الايمان لكن جنة المأوى لذي الكفران ... سكانها أهل الجهالة والبطالة والسفاهة انجس السكان ... وألذهم عيشا فأجهلهم بحق الله ثم حقائق القرآن ... عمرت بهم هذي الديار وأقفرت ... منهم ربوع العلم والايمان ... قد أثروا الدنيا ولذة عيشهاالفاني على الجنات والرضوان ... صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم ... ورضوا بكل مذهلة وهوان ... كدحا وكدا لا يفتر عنهم ... ما فيه من غرم ومن احزان ... والله لو شاهدت هاتيك الصدو ... ر رأيتها كمراجل النيران ... المراجل جمع مرجل وهو القدر ... ووقودها الشهوات والحسرات والالآم لا تخبو مدى الأزمان ... أبدانهم أحداث هايتك النفو ... س اللاء قد قبرت مع الأبدان

أرواحهم في وحشة وجسومهم ... في كدحها لافي رضى الرحمن ... هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان ... أي إنهم والعياذ بالله هربوا من الرق الذي خلقوا له وهو عبادة الله وحده كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون الذارايات 56 فبلوا برق النفس والشيطان أي فاستخدمتهم الشياطين واسترقتهم في تحصيل الشهوات الفانية وجمع عرض الدنيا الخسيس وحطامها الفاني فأعقبهم ذلك الحسرة والندامة وصار عاقبة ذلك العذاب الأليم نعوذ بالله من موجبات سخطه ... لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم ... فقد ارتضوا بالذل والحرمان ... لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران ... لكنها والله احقر عنده ... من ذا الجناح القاصر الطيران ... هذا معنى الحديث لو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ... ولقد تولت بعد عن أصحابها ... فالسعد منها حل في الدبران ... لا يرتجى منها الوفاء لصبها ... أين الوفا من غادر خوان ... طبعت على كدر فكيف تنالها ... صفوا أهذا قط في الامكان ... يا عاشق الدنيا تأهب للذي ... قد ناله العشاق كل زمان ... أو ما سمعت بل رأيت مصارع العشاق من شيب ومن شبان

فصل في صفة الجنة التي أعدها الله ذو الفضل والمنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة ... فاسمع إذا اوصافها وصفاتها ... تيك المنازل ربة الاحسان ... هي جنة طابت وطاب نعيمها ... فنعيمها باق وليس بفان ... دار السلام وجنة المأوى ومنزل عسكر الايمان والقرآن ... فالدار دار السلامة وخطابهم ... فيها سلام واسم ذي الغفران ... فصل في عدد درجات الجنة وما بين كل درجتين ... درجاتها مائة وما بين اثنتين فذاك في التحقيق للحسبان ... مثل الذي بين السماء وبين ها ... ذي الأرض قول الصادق البرهان ... وسط الجنان وعلوها فلذاك كا ... نت قبة من احسن البنيان ... منها تفجر سائر الانهار فالمنبوع منه نازل بجنان

في مسند الامام احمد من حديث ابي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المتحابين لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي او الغربي فيقال من هؤلاء فيقال هؤلاء المتحابون ي الله تعالى وفيه ايضا من حديثه صلى الله عليه وسلم إن في الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في احداهن وسعتهم وفيه عنه ايضا صلى الله عليه وسلم قال يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرا ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه قال الناظم رحمه الله في حادي الارواح وهذا صريح في أن درج الجنة تزيد على مائة درجة وأما حديث ابي هريرة عند البخاري عنه صلى الله عليه وسلم إن في الجنة مائة درجة فاما ان هذه المائة من جملة الدرج واما ان يكون نهايتها هذه المائة وفي ضمن كل درجة درج دونها ويدل على المعنى الاول حديث معاذ بن جبل قال سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى الصلوات الخمس وصام شهر رمضان كان حقا على الله ان يغفر له هاجرا وقعد حيث ولدته امه قلت يا رسول الله الا اخرج فأوذن الناس قال لا دع الناس يعملون فان في الجنة مائة درجة بين كل درجتين مثل ما بين السماء والارض واعلاها درجة منها الفردوس وعليها يكون العرش وهي اوسط شيء في الجنة ومنها تفجر انهار الجنة فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس وراه الترمذي وروي ايضا عن عبادة بن الصامت نحوه وفيه ايضا من حديث ابي سعيد يرفعه ان في الجنة مائة درجة ورواه احمد بدون لفظة في فان كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها و ان كان المحفوظ سقوطها فهي الدرج الكبار المتضمنة للدرج الصغار ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس لاختلاف السير في

السرعة والبطء والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا تقريبا للأفهام ويدل عليه حديث ابي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة مائة درجة ما بين الدرجتين ما بين السماء والارض وابعد مما بين السماء والارض قلت يا رسول الله لمن قال للمجاهدين في سبيل الله تعالى أنتهى كلامه فصل في ابواب الجنة ... أبوابها حقا ثمانية أتت ... في النص وهي لصاحب الاحسان ... باب الجهاد وذاك اعلاها ... وباب الصوم يدعى الباب بالريان ... ولكل سعي صالح باب ورب ... السعي منه داخل بأمان ... ولسوف يدعى المرء من ابوابها ... جمعا اذا وفى حلى الايمان ... منهم ابوبكر هو الصديق ذا ... ك خليفة المبعوث بالقرآن ... في الصحيحين من حديث بن سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الجنة ثمانية ابواب باب منها يسمى الريان لا يدخله الا الصائمون وفيهما من حديث ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنفق زوجين في شيء من الاشياء في سبيل الله دعي من ابواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من اهل الجنة الصلاة دعي من باب الصلاة

ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من اهل الصيام دعي من باب الريان فقال ابو بكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الابواب من ضرورة فهل يدعى احد من تلك الابواب كلها فقال نعم وأرجو ان تكون منهم وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد يتوضا فيبلغ او فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا اله الا اله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من ايها شاء زاد ابو داود والامام احمد ثم يرفع نظره الى السماء وعند احمد عن انس يرفعه من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا اله الا الله الخ وعن عتبة بن عبد الله السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث الا تلقوه نم أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل رواه ابن ماجه وعبد الله بن احمد

فصل في مقدار ما بين الباب والباب منها ... سبعون عاما بين كل اثنين منها قدرت بالعد والحسبان ... هذا حديث لقيط المعروف بالخبر الطويل وذا عظيم الشان ... وعليه كل جلالة ومهابة ... ولكم حواه بعد من عرفان ... قال الناظم في حادي الارواح روينا في معجم الطبراني عن عاصم ابن لقيط بن عامر خرج وافدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله فما الجنة والنار قال لعمرو الهك أن للنار سبعة ابواب ما منها بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وان للجنةن ثمانية أبواب ما منها بابابن الايسير الراكب بينهما سبعين عاما الحديث بطوله وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين هذا الباب والباب لأن بين مكة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عاما ولا يمكن حمله على باب معين بقوله ما منها بابان انتهى كلامه

فصل في مقدار ما بين مصراعي الباب الواحد منها ... لكن بينهما مسيرة أربعين ... رواه حبر الامة الشيباني ... في مسند بالرفع وهو المسلم ... وقف كمرفوع بوجه ثان ... ولقد روى تقديره بثلاثة الأيام لكن عند ذي العرفان ... أعني البخاري الرضى هو منكر ... وحديث راويه فذو نكران ... عن ابي هريرة في حديث الشفاعة قال صلى الله عليه وسلم فأنطلق فآتي العرض فأقع ساجدا لربي فيقيمني رب العالمين مقاما لم يقمه أحدا قبلي ولا يقيمه أحدا بعدي فاقول يا رب أمتي أمتي فيقول يا محمد ادخل من أمتك من لاحساب عليهم من الباب الأيمن وهم شركاه الناس فيما سوى ذلك من الابواب والذي نفس محمد بيده إن ما بين مصراعين فيما سوى ذلك من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو هجر ومكة وفي لفظ لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى متفق على صحته وفي لفظ خارج الصحيح باسناده ان ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر وفي خطبة عتبة بن غزوان لقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة اربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام فهذا موقوف والذي قبله مرفوع فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذاكر لهم

ذلك كان هذا سعة ما بين باب من أبوابها ولعله الباب الأعظم وان كان الذاكر غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدم على حديث ابي هريرة المتقدم ولكن قد روى احمد عن حكيم بن معاوية عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنتم موفون سبعين امه أنتم خيرها وأكرمها على الله وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة اربعين عاما وليأتين عليه يوم له كظيظ وقد رواه ابن ابي داوج عنه يرفعه ما بين كل مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة سبع سنين وفي مسند عبد بن حميد ثنا الحسن بن موسى ثنا ابن لهيعة ثنا دراج ابو السمح عن ابي الهيثم عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان ما بين مصراعين في الجنة لمسيرة اربعين سنة وحديث ابي هريرة أصح وهذه النسخة ضعيفة والله اعلم وروى ابو الشيخ عن سالم بن عبد الله عن ابيه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال الباب الذي يدخل منه اهل الجنة مسيرة الراكب المجد ثلاثا ثم أنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول رواه ابو نعيم عنه وهذا مطابق للحديث المتفق عليه ان ما بين المصراعين كما بين مكة وبصرى فان الراكب المجود غاية الاجادة على اسرع هجين لا يقر ليلا ولا نهارا يقطع هذه المسافة في هذا القدر أو قريب منه وأما حديث حكيم بن معاوية فقد اضطرب رواته فحماد بن سلمة ذكر عن الجريري أربعين عاما وخالد ذكر عنه سبع سنين وفي حديث ابي سعيد المرفوع أربعون عاما وفي طريقه دراج قال احمد أحاديثه مناكير وقال ابو حاتم الرازي ضعيف وقال النسائي ليس بالقوي فالصحيح المرفوع السالم عن الاضطراب والشذوذ والعلة حديث ابي هريرة المتفق على صحته على أن حديث حكيم ليس التقدير فيه بظاهر الرفع ويحتمل أنه مدرج في الحديث موقوف فيكون كحديث عتبه بن غزوان والله اعلم انتهى كلام الناظر في حادي الارواح ملخصا فهذا كلامه في حادي الارواح

وظاهره ترجيح رواية التقدير بثلاثة ايام ولهذا جمع بينه وبين حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي فيه ان ما بين المصراعين لكما بين مكة وبصرى وفي هذا النظم ذكر عن البخار انه منكر والله اعلم فصل في مفتاح باب الجنة ... هذا وفتح الباب ليس بممكن ... الا بمفتاح على أسنان ... مفتاحه بشهادة الاخلاص والتوحيد تلك شهادة الايمان ... أسنانه الاعمال وهي شرائع الإسلام والمفتاح بالاسنان ... لا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان ... عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الجنة شهادة أن لا اله الا الله رواه احمد وذكر البخاري في صحيحه عن وهب بن منبه انه قيل له اليس مفتاح الجنة لا اله الا الله قال بلى ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان فإن اتيت بمفتاح له اسنان فتح والا لم يفتح وعن انس قال قال اعرابي يا رسول الله ما مفتاح الجنة قال لا اله الا الله رواه ابو نعيم وذكر ابو الشيخ عن يزيد بن سخبرة أن السيوف مفاتيح الجنة وفي المسند من حديث معاذ بن جبل

قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على باب من ابواب الخير قلت بلى قال لا حول ولا قوة الا بالله قال الناظم في حادي الارواح وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوب مفتاحا يفتح به فجعل مفتاح الصلاة الطهور ومفتاح الحج الاحرام ومفتاح البر الصدق ومفتاح الجنة التوحيد ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الاصغاء ومفتاح النصر والظفر الصبر ومفتاح المزيد الشكر ومفتاح الولاية المحبة ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا ومفتاح الايمان التكفر فيما دعا الله عباده الى التفكر فيه ومفتاح الدخول على الله اسلام القلب وسلامته له والاخلاص له في الحب والبغض له والفعل والترك ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالاسحار وترك الذنوب ومفتاح حصول الرحمة الاحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى ومفتاح العز طاعة الله ورسوله ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة ومفتاح كل شرب حب الدنيا وطول الامل وهذا باب عظيم من أنفع ابواب العلم وهو معرفة مفاتيح الخير والشر ولا يوفق لمعرفته ومراعاته الا من عظم حظه وتوفيقه فان الله سبحانه جعل لكل خير وشر ومفتاحا وبابا يدخل منه اليه كما جعل الشرك والكبر والاعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار كما جعل الخمر مفتاح كل إثم وجعل الغناء مفتاح الزنا وجعل اطلاق النظر في الصور مفتاح العشق والطلب وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان وجعل المعاصي مفتاح الكفر وجعل الكذب مفتاح النفاق وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطعية الرحم مفتاح البخل وقطيعة الرحم واخذ المال من غير

حله وجعل الاعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح كل بدعة وضلال وهذه امور لا يصدق بها الا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر فينبغي للعبد ان يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت مفاتيح له والله من وراء توفيقه وعدله له الملك وله الحمد وله النعمة والفضل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فصل في منشور الجنة الذي يوقع به لصاحبها المنشور ما كان غير مختوم من كتب السلطان ... هذا ومن يدخل فليس بداخل ... الا بتوقيع من الرحمن ... وكذاك يكتب للفتى لدخوله ... من قبل توقيعان مشهوران ... إحداهما بعد الممات وعرض أر ... واح العباد به على الديان ... فيقول رب العرش جل جلاله ... للكاتبين وهم أولو الديوان ... ذا الاسم في الديوان يكتب ذاك ديوان الجنان مجاور المنان ... ديوان عليين اصحاب القرا ... ن وسنة المبعوث بالقرآن ... فإذا انتهى للجسر يوم الحشر يعطى الدخول اذا كتابا ثاني ... عنوانه هذا كتاب من عزيز راحم لفلان ابن فلان

فدعوه يدخل جنة المأوى التي ار ... تفعت ولكن القطوف دواني ... هذا وقد كتب اسمه مذ كان في الأرحام قبل ولادة الانسان ... بل قبل ذلك وهو وقت القبضتين ... ن كلاهما للعدل والاحسان ... سبحان ذي الجبروت والملكوت وال ... اجلال والاكرام والسبحان ... والله أكبر عالم الاسرار والاعلان واللحظات بالاجفان ... والحمد لله السميع لسائر الأصوت من سر ومن اعلان ... وهو الموحد والمسبح والممجد والحميد ومنزل القرآن ... والأمر من قبل ومن بعد له ... سبحانك اللهم ذا السلطان ... قال الله تعالى كلا ان كتاب الابرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتب مرقوم يشهده المقربون المطففين 18 21 فأخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم تحقيقا لكونه مكتوبا كتابة حقيقة وخص كتاب الابرار بأنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة والنبيين ولم يذكر شهادة هؤلاء كتاب الفجار تنويها بكتاب الابرار وما وقع به لهم واشهارا له واظهارا بين خواص خلقه كما تكتب الملوك تواقيع من تعظمه من بين الامراء وخواص اهل المملكة تنويها باسم المكتوب واشارة بذكره وهذا نوع من صلوات الله سبحانه وملائكته على عبده وروى أحمد وابن حبان وابو عوانه في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب الطويل في شأن القبر مرفوعا فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في عليين واعيدوه الى الارض فيقول الله تعالى

اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى وتطرح روحه طرحا ورواه ابو داود بطوله فهذا التوقيع والمنشور الاول واما المنشور الثاني وهو التوقيع الثاني الذي ذكره الناظم فعن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة أحد الا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية رواه الطبراني في معجمه وعنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يعطى المؤمن جوازا على الصراط بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية اخرجها الطبراني في معجمه قوله هذا وقد كتب اسمه الخ أي إن المؤمن وقع في قبضة اصحاب اليمين يوم القبضتين ثم كتب من اهل الجنة يوم نفخ الروح فيه ثم يكتب في ديوان اهل الجنة يوم موته ثم يعطى هذا المنشور يوم القيامة والله المستعان فهذا ما اشتمل عليه هذا الفصل فصل في صفوف أهل الجنة ... هذا وان صفوفهم عشرون مع ... مئة وهذي الامة الثلثان ... يرويه عنه بريده اسناده ... شرط الصحيح بمسند الشيباني ... وله شواهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود وحبر زمان ... أعني ابن عباس وفي اسناده ... رجل ضعيف غير ذي اتقان

ولقد أتانا في الصحيح بأنهم ... شطر وما اللفظان مختلفان ... إذ قال أرجو أن تكونوا شطرهم ... هذا الرجاء منه للرحمن ... أعطاه رب العرش ما يرجو وزا ... د من العطاء فعال ذي الاحسان ... في الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضون ان تكونوا ربع اهل الجنة فكبرنا ثم قال اما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة قال فكبرنا ثم قال أني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار الا كشعرة بيضاء في ثور اسود أو كشعرة سوداء في ثور ابيض هذا لفظ مسلم وعن بريده بن الحصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الامة منها ثمانون صفا رواه احمد والترمذي واسناده على شرط الصحيح ورواه الطبراني يف معجمه من حديث ابن عباس وفي سنده خالد بن يزيد البجلي وقد تكلم فيه ورواه ايضا من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنتم وثلثها قالوا ذاك اكثر قال كيف أنتم والشطر لكم قالوا ذاك اكثر قال اهل الجنة عشرون ومائة صف لكم منها ثمانون صفا قال الطبراني تفرد به خالد بن زياد وروى عبد لله بن احمد عن ابي هريرة قال لما نزلت ثلة من الاولين وثلة من الآخرين الواقعة 13 14 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم ربع اهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف اهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة قال الطبراني تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري وروى خيثمة بن سليمان عن بهز بن حكيم عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

أهل الجنة عشرون ومائة صف أنتم ثمانون صفا قال الناظم وهذه الاحاديث قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وصح سند بعضها ولا تنافي بينها وبين حديث الشطر لأنه صلى الله عليه وسلم رجا أولا ان يكنوا شطر اهل الجنة فأعطاه الله وزاد عليه سدسا اخر وروى احمد عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أرجو أن يكون من يتبعني من امتي يوم القيامة ربع اهل الجنة فكبرنا فقال ارجو أن يكونوا الشطر واسناده على شرط مسلم فصل في صفة أول زمرة تدخل الجنة ... هذا وأول زمرة فوجوههم ... كالبدر ليل السبت بعد ثمان ... السابقون هم وقد كانوا هنا ... أيضا أولي سبق الى الاحسان ... فصل في صفة الزمرة الثانية ... والزمرة الاخرى كأضوء كوكب ... في الافق تنظره به العينان ... أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسك خالص باذلة الحرمان

في الصحيحين عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون ولا يتمخطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا وفيهما أيضا عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا ينتفلون ولا يتمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين واخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة ابيهم آدم ستون ذراعا في السماء فصل في تفاضل اهل الجنة في الدرجات العلى ... ويرى الذين بذيلها من فوقهم ... مثل الكواكب رؤية بعيان ... ما ذاك مختصا برسل الله بل ... لهم وللصديق ذي الايمان ... في الصحيحين عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن اهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري العابر من الافق من المشرق الى او المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول

الله تلك منازل الانبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ولفظ البخاري في الافق وهو ابين الغابر هو الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكواكب المسامت للرأس فائدتان إحداهما بعده عن العيون والثانية أن الجنة درجات بعضها اعلى من بعض وان لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأس الجبل الى ذيله والله تعالى أعلم قال الناظم في حادي الارواح فصل في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم ... هذا وأعلاهم فناطر ربه ... في كل يوم وقته الطرفان ... لكن أدناهم وما فيهم دني ... إذ ليس في الجنات من نقصان ... فهو الذي تلقى مسافة ملكه ... بسنيننا ألفان كاملتان ... فيرى بها أقصاه حقا مثل رؤ ... يته لأدناه القريب الداني ... أو ما سمعت بأن آخر أهلها ... يعطيه رب العرش ذو الغفران ... أضعاف دنيانا جميعا عشر أمثال لها سبحان ذي الاحسان ... عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أدنى اهل الجنة منزلة لمن ينظر الى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة

ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشيا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة القيامة 2223 رواه الترمذي وقال روي هذا الحديث من غير وجه عن ابن عمر غير مرفوع ورواه ابن الجبر موقوفا قلت ورواه الطبراني في معجمه مرفوعا إن أدنى اهل الجنة منزلة الرجل في ملكة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر الى ازواجه وسرره وخدمه الحديث ورواه ابو نعيم ايضا عنه مرفوعا قوله أو ما سمعت بأن اخر اهلها الخ روى مسلم من حديث المغيرة ابن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان موسى سأل ربه عن ادنى منزلة فقال رجل يجيء بعد ما دخل اهل الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له اترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع اذن ولم يخطر على قلب بشر وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم أخر اهل النار خروجا منها وأخر اهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله تعالى له اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل اليه أنها ملأى فيرجع فيقول الله له اذهب فادخل الجنة

قال فيأتيها فيخيل اليه انها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فان لك مثل الدنيا وعشرة امثالها او ان لك عشرة امثال الدنيا قال فيقول اتسخر بي او تضحك به وانت الملك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه قال فكانه يقال ذلك أدنى اهل الجنة منزلة فصل في ذكر سن اهل الجنة ... هذا وسنهم ثلاث مع ثلا ... ثين التي هي قوة الشبان ... وصغيرهم وكبيرهم في ذا على ... حد سواء ما سوى الولدان ... ولقد روى الخدري أيضا أنهم ... أبناء عشر بعدها عشران ... وكلاهما في الترمذي وليس ذا بتناقض بل ها هنا أمران ... حذف الثلاث ونيف بعد العقود وذكر ذلك عندهم سيان ... عند اتساع في الكلام فعندما ... يأتوا بتحرير فبالميزان ... قال الناظم روى احمد عن ابي هريرة مرفوعا يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكلحين ابناء ثلاث وثلاثين وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة اذرع قيل تفرد به حماد عن علي بن زيد وروى الترمذي واستغربه عن معاذ بن جبل ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل

أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين وروى ابو بكر ابن ابي داود عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث اهل الجنة على صورة آدم في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين ثم يذهب بهم الى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم قوله ولقد روى الخدري الخ قال الناظم في حادي الارواح عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات من اهل الجنة من صغير او كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها ابدا وكذلك اهل النار رواه الترمذي قال الناظم فان كان محفوظا لم يناقض ما قبله فان العرب اذا قدرت بعدد له نيف فان لهم طريقين تارة يذكرون النيف للتحرز وتارة يحذفونه وهذا معروف في كلامهم وخطاب غيرهم من الامم وروى ابن ابي الدنيا عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك على حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاثا وثلاثين سنة وعلى لسان محمد جردا مردا مكحلين وروى ابن وهب عن ابي هريرة انه قال صلى الله عليه وسلم إن اهل الجنة يدخلون الجنة على قدر آدم ستون ذراعا وعلى ذلك قطعت سررهم وفي الصحيحين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة ابيهم آدم ستون ذراعا في السماء والرواية على خلق بفتح الخاء وسكون اللام والاخلاق كما تكون جمعا للخلق بالضم فهي جمع للخلق بالفتح والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وان تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله على صورة ابيهم آدم ستون ذراعا في السماء واما اخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث ابي هريرة ان اول زمرة

تلج الجنة الحديث وفيه لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا فصل في طول قامات أهل الجنة وعرضهم ... والطول طول ابيهم ستون لكن عرضهم سبع بلا نقصان ... الطول صح بغيرشك في الصحيحين اللذين هما لنا شمسان ... والعرض لم ولا يخفى التناسب بين هذا العرض والطول البديع الشان ... كل على مقدار صاحبه وذا ... تقدير متقن صنعه الانسان ... قد تقدمت الاحاديث في طول اهل الجنة في الصحيحين وغيرهما واما العرض فهو كما قال الناظم ليس في الصحيحين لكن قد رواه احمد قال الناظم وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فانه ابلغ واكمل في استيفاء اللذة لأنه اكمل سن القوة مع عظم آلات اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد الى مائة عذراء ولا يخفى التناسب بين هذا الطول والعرض وانه لو زاد احدهما على الاخر فات الاعتدال وتناسب الخلقة ويصير طولا مع دقة او غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب والله اعلم انتهى

فصل في حلاهم والوانهم ... ألوانهم بيض وليس لهم لحى ... جعد الشعور مكحلو الاجفان ... هذا كمال الحسن في ابشارهم ... وشعورهم وكذلك العينان ... اللحى بضم اللام جمع لحية بكسرها وقد تقدمت الاحاديث بذلك كالحديث الذي رواه الترمذي عن معاذ بن جبل ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين وروي عن ابي هريرة مرفوعا يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين ابناء ثلاث وثلاثين وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة اذرع فصل في لسان اهل الجنة ... ولقد أتى اثر بأن لسانهم ... بالمنطق العربي خير لسان ... لكن في اسناده نظر ففيه راويان وماهما ثبتان

أعني العلاء هو ابن عمرو ثم يحيى الاشعري وذان مغموزان ... تقدم حديث انس بن مالك عند ابن ابي الدنيا وفيه يدخل اهل الجنة الجنة على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عباس قال لسان اهل الجنة عربي وكذا قال الزهري فصل في ريح الجنة في مسيرة كم يوجد ... والريح يوجد من مسيرة أربعين وان تشأ مائة فمرويان ... وكذاروي سبعين ايضا صح ه ... ذا كله وأتى به اثران ... ما في رحالهما لنا من مطعن ... والجمع بين الكل ذو إمكان ... ولقد أتى تقديره مائة بخمس ضربها من غير ما نقصان ... إن صح هذا فهو ايضا والذي ... من قبله في غاية الامكان ... اما بحسب المدركين لريحها ... قربا وبعدا ما هما سيان ... او بختلاف قرارها وعلوها ... ايضا وذلك واضح التبيان ... أو باختلاف السير أيضا فهو أنواع بقدر اطاقة الانسان ... ما بين ألفاظ الرسول تناقض ... بل ذاك في الافهام والاذهان

روى الطبراني عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل قتيلا من اهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام ورواه البخاري وقال ليوجد م من مسيرة اربعين عاما وعند الترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه يرفعه وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا وصححه قال محمد بن عبد الواحد المقدسي واسناده عندي على شرط الصحيح وعند الطبراني مرفوعا وان ريح الجنة يوجد من ميسرة عام وعن ابي بكرة عند قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ريح الجنة يوجد من مسيرة عام قال الناظم وهذه الالفاظ لا تعارض فيها وفي الصحيحين من حديث انس في قصة عمه قال فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم احد فاستقبل سعد بن معاذ فقال له الجنة ورب الكعبة إني لأجد ريحها من دون احد فقال فقاتلهم حتى قتل قال الناظم وريح الجنة نوعان ريح يوجد في الدنيا تشمه الارواح احيانا لا تدركه العبارة وريح تدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الازهار وغيرها وهذا يشترك اهل الجنة في ادراكه في الآخرة من قرب وبعد واما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من انبيائه ورسله وهذا الذي وجده انس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وان يكون من الاول وروى ابو نعيم عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رائحة الجنة توجد من مسيرة خمسمائة عام وروى الطبراني عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الجنة يوجد من مسيرة الف ولا يجدها عاق ولا قاطع رحم وروى ابو داود الطيالسي في مسنده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ادعى الى غير ابيه لم يرح رائحة الجنة وان ريحها

ليوجد من مسيرة خمسين عاما وقد اشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار من آثار الجنة وانموذجا منها من الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر البهية الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين وقد روى ابو نعيم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقل الله تعالى للجنة طيبي لأهلك فتزداد طيبا فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر والله اعلم فصل في أسبق الناس دخولا الى الجنة ... ونظير هذا سبق اهل الفقر للجنات في تقديره اثران ... مائة بخمس ضربه او اربعين كلاهما في ذاك محفوظان ... فأبو هريرة قد روى اولاهما ... وروى لنا الثاني صحابيان ... هذا بحسب تفاوت الفقراء في استحقاق سبقهم الى الاحسان ... او ذا بحسب تقاوت في الاغنيا ... ء كلاهما لا شك موجودان ... روى احمد عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يدخل فقراء المسلمين الى الجنة قبل اغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة وصححه الترمذي ورجال اسناده احتج بهم مسلم في صحيحه وروى الترمذي عن جابر أنه قال يدخل فقراء امتي الجنة قبل الاغنياء باربعين خريفا وفي صحيح مسلم عن ابن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الفقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا وروى الطبراني عن ابي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الفقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنياءهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام الحديث بطوله والذي في الصحيح أن سبقهم لهم بأربعين خريفا فاما ان يكون هو المحفوظ وإما أن يكون كلاهما محفوظا ويختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب جزائهم قال الناظم رحمه الله تعالى ... هذا وأولهم دخولا خير خلق الله من قد خص بالقرآن ... ... والانبياء على مراتبهم من التفضيل تلك مواهب المنان ... روى مسلم في صحيحه من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من انت فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وقائدهم إذا وفدوا وشافعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد بيدي ومفتاح الجنة بيدي وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر يطوف علي ألف خادم وكأنهم اللؤلؤ المكنون رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له وفي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أكثر الناس تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة

وروى الطبراني عن أنس مرفوعا فيقوم الخازن فيقول لا أفتح لأحد قبلك ولا أقوم لأحد بعدك وروى الدارقطني عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الجنة حرمت على الانبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي قال الدارقطني غريب ... هذا وامة احمد سباق با ... قي الخلق عند دخولهم لجنان ... وأحقهم بالسبق أسبقهم الى الإسلام والتصديق بالقرآن ... وكذا أبو بكر هو الصديق أسبقهم دخولا قول ذي برهان ... وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن اول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نحن الآخرون الأولون يوم القيامة نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم قوله وكذا أبو بكر الصديق الخ روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه امتي فقال أبو بكر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وددت أني كنت معك حتى أنظر اليه فقال أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ... وروى ابن ماجة أن اولهم يصا ... فحه إله العرش ذو الاحسان ... ويكون أولهم دخولا جنة الفردوس ذلك قامع الكفران

فارق دين الله ناصر قوله ... ورسوله وشرائع الايمان ... لكنه أثر ضعيف فيه مجروح يسمى خالدا ببيان ... لو صح كان عمومه المخصوص بالصديق قطعا غير ذي نكران روى ابن ماجة في سننه عن ابي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة قال الناظم في حادي الأرواح هو حديث منكر جدا قال أحمد راود بن عطاء ليس بشيء وقال البخاري منكر الحديث ثم لو صح لكان مخصوصا بالحديث الذي تقدم وفيه قوله صلى الله عليه وسلم أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ... هذا وأولهم دخولا فهو حماد على الحالات للرحمن ... ان كان في السراء أصبح حامدا ... او كان في الضرا فحمد ثاني ... هذا الذي هو عارف بالهه ... وصفاته وكماله الرباني ... وكذا الشهيد فسبقه متيقن ... وهو الجدير بذلك الاحسان ... ... وكذلك المملوك حين يقوم بالحقين سباق بغير توان ... ... وكذا فقير ذو عيال ليس بالملحاح بل ذو عفة وصيان ... وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه مرفوعا قال أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب كل ذي قربى ومسلم عفيف متعفف ذو عيال

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة النبي في الجنة والصديق في الجنة والشهيد في الجنة والرجل يزور اخاه في ناحية المصر لا يزوره الا لله في الجنة اخرج النسائي من هذا الحديث فضل النساء خاصة وباقي الحديث على شرطه فصل في عدد الجنات وأجناسها ... والجنة اسم الجنس وهي كثيرة ... جدا ولكن أصلها نوعان ... ذهبيتان بكل ما حوتاه من ... حلي وآنية ومن بنيان ... وكذاك أيضا فضة ثنتان من ... حلي وبنيان وكل أوان ... لكن دار الخلد والمأوى وعد ... ن والسلام اضافة لمعان ... أوصافها استدعت اضافتها اليها مدحة مع غاية التبيان ... لكنما الفردوس اعلاها وأو ... سطها مساكن صفوة الرحمن ... أعلاه منزلة لأعلى الخلق منزلة هو المبعوث بالقرآن ... وهي الوسيلة وهي اعلى رتبة ... خلصت له فضلا من الرحمن ... قوله والجنة اسم الجنس الخ أي إنها أجناس كثيرة ولهذا قال اسم جنس لأن الجنس يصدق على بعض أفراده فالجنة اسم شامل

لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدا ولكن أصلها نوعان وفي حديث أنس يرفعه إنها جنان وإن ابنك اصاب الفردوس الأعلى أخرجه البخاري وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيها وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا الى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن قال الناظم وقال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن فذكرهما ثم قال ومن دونهما جنتان الرحمن فهذه أربع قالت طائفة من دونهما أي أقرب منهما الى العرش فيكونان فوقهما وقالت طائفة تحتهما وهذا في لغة العرب وفي الصحاح دون نقيض فوق ويقال دون هذا أي اقرب منه والسباق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين بوجوه أحدها قوله ذواتا أفنان الرحمن جمع فنن وهو الغصن او جمع فن وهو الصنف أي اصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما الثاني فيهما عينان تجريان الرحمن وفي الأخريين فيهما عينان نضاختان الرحمن وهي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة لأنها تتضمن الفوارة والجريان الثالث فيهما من كل فاكهة زوجان الرحمن وفي الأخريين فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن ولا ريب أن الأول أكمل قالت طائفة الزوجان الرطب واليابس وفيه نظر وقالت طائفة صنف معروف وصنف من شكل غريب وقال آخرون نوعان ولم يزيدوا والظاهر أنه الحلو والحامض والأبيض والأحمر لأن اختلاف اصناف الفواكه أعجب وألذ

للعين والفم والله أعلم الرابع متكئين على فرش بطائنها من إستبرق الرحمن وهذا تنبيه على فضل الظهائر وخطرها وفي الأخريين متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان الرحمن وفسر الرفرف بالمجالس والبسط والفرش وعلى كل فلم يصفه بما وصف به فرش الأولين الخامس وجنى الجنتين دان الرحمن أي قريب سهل يتناوله كيف شاؤوا ولم يذكر ذلك في الأخريين السادس فيهن قاصرات الطرف الرحمن أي على أزواجهن فلا يردن غيرهم وقال في الأخريين حور مقصورات في الخيام الرحمن ومن قصرت طرفها على زوجها أكمل ممن قصرت بغيرها السابع أنه وصفهن بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون واشراقه وحسنه ولم يذكر ذلك في التي بعدها الثامن هل جزاء الاحسان الا الاحسان الرحمن وهذا يقتضي أن أصحابها من أهل الاحسان المطلق الكامل فكان جزاؤهم باحسان كامل التاسع أنه جعلهما جزاء لمن خاف مقامه والخائفون نوعان مقربون وأصحاب يمين فذكر جنتي المقربين ثم جنتي أصحاب اليمين العاشر أنه قال ومن دونهما جنتان الرحمن السياق يدل على أنه نقيض فوق فكان للمقربين منهم الجنتان العاليتان ولأصحاب اليمين اللتان دونهما والراجح أن لكل واحد جنتان وقيل لمجموع الخائفين يشتركون فيها ويرجح الأول قوله صلى الله عليه وسلم هما شأنان في رياض الجنة إحداهما جزاء أداء الأوامر والثانية جزاء اجتناب المحارم انتهى كلامه قوله إضافة لمعان أي إنها سميت دار الخلد وجنة المأوى وجنات عدن ودار السلام ونحو ذلك للمعاني التي تدل عليها هذه

الأسماء فسميت دار الخلد لأن أهلها لا يظعنون عنها كما قال تعالى عطاء غير مجذوذ هود وقال تعالى إن هذا لرزقنا ماله من نفاذ ص وقال أكلها دائم وظلها الرعد وقال وما هم منها بمخرجين الحجر وأما اسمها دار المقامة فقد قال تعالى حكاية عن اهلها وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله فاطر قال مقاتل أنزلنا دار الخلود اقاموا فيها أبدا لا يموتون ولا يتحولون منها أبدا وقال الفراء والزجاج المقامة مثل الاقامة يقال أقمت بالمكان إقامة ومقامة ومقاما وأما جنة المأوى فقد قال تعالى عندها جنة المأوى النجم والمأوى مفعل من أوى يأوي إذا انضم إلى المكان وصار اليه واستقر به قال عطاء عن ابن عباس هي الجنة التي يأوي اليها جبريل والملائكة وقال مقاتل والكلبي هي جنة تأوي اليها أرواح الشهداء وقال كعب جنة المأوى جنة فيها طير خضر يرتقي فيها ارواح الشهداء وقال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات وأما جنة عدن فقيل اسم لجنة من الجنان قال الناظم والصحيح أنه اسم لجملة الجنات فكلها جنات عدن قال تعالى جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب مريم وقال تعالى جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير فاطر وقال تعالى ومساكن طيبة في جنات عدن الصف يقال عدن بالمكان إذ أقام به وعدنت البلد توطنته وعدنت الابل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه قال الجوهري ومنه جنات عدن أي جنات الاقامة ومنه سمي

المعدن بكسر الدال لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء ومركز كل شيء معدنه والعادن الناقة المقيمة في المرعى وأما اسمها دار السلام فقد سماها الله تعالى بهذا الاسم في قوله لهم دار السلام عند ربهم الانعام وقوله والله يدعو إلى دار السلام وهي احق بهذا الاسم فانها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه وهي دار الله واسمه سبحانه السلام الذي سلمها وسلم أهلها وتحيتهم فيها سلام والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم كما قال تعالى لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم وكلامهم كله فيها سلام أي لا لغو فيها ولا فحش ولا باطل كما قال تعالى لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما مريم وقد ذكر الناظم رحمه الله تعالى للجنة اثني عشر اسما في كتابه حادي الأرواح وتكلم عن معانيها وبسط الكلام في ذلك والله اعلم قوله لكنما الفردوس أعلاها الخ عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فانه من صلى الله عليه وسلم علي صلى الله عليه وسلم عشرا ثم سلوا لي وسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة أخرجه مسلم وروى احمد عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صليتم علي فاسألوا الله لي الوسيلة قيل وما الوسيلة قال اعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وارجو أن أكون أنا هو هكذا الرواية أن أكون أنا هو ووجهها أن تكون الجملة خبرا عن اسم كان المستتر فيها ولا يكون أنا فصلا ولا توكيدا بل مبتدأ وفي الصحيحين من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين

يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته الا حلت له الشفاعة يوم القيامة قال الناظم هذا لفظ الحديث مقاما بالتنكير ليوافق لفظ الآية ولأنه لما تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة فوصف بما توصف به المعارف وهذا لفظ من جعل الذي وعدته بدلا فتأمله وفي المسند عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوسيلة درجة عند الله تعالى ليس فوقها درجة فاسألوا الله لي الوسيلة ورواه ابن ابي الدنيا وقال فيه درجة في الجنة ليس في الجنة درجة أعلى منها فسلوا الله أن يؤيتنها على رؤوس الخلائق وسميت درجة النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة لأنها اقرب الدرجات إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى وهي اقرب الدرجات على الله ومعنى الوسيلة والوصلة والقربة والزلفى واحد ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورا قال فضيل بن عياض تدرون لم حسنت الجنة لأن عرش رب العالمين سقفها وقال ابن عباس نور سقف مساكنكم نور عرشه وقال الحسن إنما سميت عدن لأن فوقها العرش ومنها تفجر أنها الجنة وللحور العدنية الفضل على سائر الحور وفي الوسيلة معنى القرب اليه بأنواع الوسائل قال الكلبي اطلبوا اليه القربة بالأعمال الصالحة وقد كشف الله سبحانه هذا المعنى بقوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب الاسراء فقوله أيهم أقرب هو تفسير الوسيلة ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق عبودية لربه وأعملهم وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله وهي أعلى درجة في الجنة وقوله حلت عليه يروى عليه وله فمن رواه باللام

فمعناه حصلت له ومن رواه ب على فمعناه وقعت عليه شفاعتي انتهى كلام الناظم رحمه الله ... ولقد أتى في سورة الرحمن تفضيل الجنان مفصلا ببيان ... هي اربع ثنتان فاضلتان و ... يليهما ثنتان مفضولان ... فالأوليان الفضليان لأوجه ... عشر ويعسر نظمها بوزان ... واذا تأملت السياق وجدتها ... فيه تلوح لمن له عينان ... تقدم كلام على مضمون هذه الابيات وذكرنا الأوجه العشرة في تفضيل الجنتين الأوليين من كلام الناظم ... سبحان من غرست يداه جنة الفردوس عند تكامل البنيان ... ويداه أيضا أتقنت لبنائها ... فتبارك الرحمن أعظم بان ... هي في الجنان كآدم وكلاهما ... تفضيله من أجل هذا الشان ... عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله بنى الفردوس بيده وحظرها على كل مشرك وكل مدمن خمر رواه الحسن بن سفيان وعن عبد الله بن الحارث قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله تبارك وتعالى ثلاثة أشياء بيده ثم قال وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا الديوث رواه الدارمي والنجاد وغيرهما قال الناظم المحفوظ أنه موقوف وفيه أبو معشر متكلم فيه وقال ابن عمر خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم

ثم قال لسائر الخلق كن فكان رواه الدارمي وعن ميسرة إن الله لم يمس شيئا من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ونحوه عن كعب زاد ثم قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون المؤمنون رواهما الدارمي وذكر البيهقي عن ابي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حائطها لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيده وقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال طوبى لك منزل الملوك وروى ابن ابي الدنيا عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجد خضراء ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها انطقي قالت قد أفلح المؤمنون فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يجاورون فيك بخيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر والتغاين فتأمل هذه العناية كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ولأفضل ذريته اعتناء وتشريفا واظهارا لفضل ما خلقه بيده وشرفه بذلك عن غيره فهذه الجنة في الجنان كآدم في نوع الحيوان ... لكنما الجهمي ليس لديه من ... ذا الفضل شيء فهو ذو نكران ... ولد عقوق عق والده ولم ... يثبت بذا فضلا على الشيطان ... فكلاهما تأثير قدرته وتأ ... ثير المشيئة ليس ثم يدان ... إلا هما أو نعمتاه وخلقه ... كل بنعمة ربه المنان أي أن الجهمية لما أنكروا يده سبحانه وقالوا هي يد القدرة أويد

النعمة فلم يثبتوا فضيلة لأبيهم آدم عليه السلام ولأن اليد إذا كان معناها القدرة استوى آدم وابليس فإن كلاهما مخلوق بقدرة الله تعالى وقد عقوا أباهم آدم عليه السلام بذلك أي فآدم والشيطان كلاهما تأثير قدرته ومشيئته أو نعمتيه فان الكل مخلوق بنعمة ربه والله اعلم ... لما قضى رب العباد قا ... ل تكلمي فتكلمت ببيان ... قد أفلح العبد الذي هو مؤمن ... ماذا ادخرت له من الاحسان ... يشير إلى حديث أنس الذي رواه ابن ابي الدنيا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجد خضراء ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران قال لها انطقي قالت قد أفلح المؤمنون فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر والتغابن ... ولقد روى حقا أبو الدارداء ذا ... ك عويمر أثرا عظيم الشان ... يهتز قلب العبد عند سماعه ... طربا بقدر حلاوة الايمان ... ما مثله أبدا يقال برأيه ... أو كان يا أهلا بذا العرفان ... فيه النزول ثلاث ساعات فاحداهن ينظر في الكتاب الثاني ... يمحو ويثبت ما يشاء بحكمة ... وبعزة وبرحمة وحنان ... فترى الفتى يمسي على حال ويصبح في سواها ماهما مثلان

هو نائم وأموره قد دبرت ... ليلا ولا يدري بذاك الشان ... والساعة الأخرى إلى عدن مسا ... كن أهله هم صفوة الرحمن ... الرسل ثم الأنبياء ومعهم الصديق حسب فلا تكن بجبان ... فيها الذي والله لاعين رأت ... كلا ولا سمعت به الأذنان ... كلا ولا قلب به خطر المثا ... ل له تعالى الله ذو السلطان ... ... والساعة الأخرى إلى هذي السما ... ويقول هل من تائب ندمان ... أو داع او مستغفر أو سائل ... أعطيه إني واسع الاحسان ... ... حتى تصلي الفجر يشهدها مع الأملاك تلك شهادة القرآن ... ... هذا الحديث بطوله وسياقه ... وتمامه في سنة الطبراني ... قوله ولقد روى حقا أبو الدرداء الخ أي أن أبا الدرداء روى هذا الأثر موقوفا عليه ومثله لا يقال بالرأي قوله أو كان أي أو كان قاله برأيه فيا أهلا بذلك ولفظه ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر الله تعالى في الساعة الأولى في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكن فيه لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء والشهداء والصديقون وفيها ما لم يره أحد ولا خطر على قلب بشر ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول ألا مسغفر يستغفرني فأغفر له ألا سائل يسألني فأعطيه ألا داع يدعوني فأستجيب له حتى يطلع الفجر رواه الطبراني في معجمه

فصل في بناء الجنة ... وبناؤها اللبنات من ذهب وأخرى فضة نوعان مختلفان ... ... وقصورها من لؤلؤ وزبرجد أو فضة أو خالص العقيان ... وكذاك من در وياقوت به ... نظم البناء بغاية الاتقان ... والطين مسك خالص أو زعفرا ... ن جابذا أثران مقبولان ... ... ليسا بمختلفين لا تنكرهما ... فهما الملاط لذاك البنيان ... قال الناظم في حادي الارواح روى ابو بكر بن مردويه عن ابن عمر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة فقال من يدخل الجنة يحيى لا يموت وينعم لا يبأس لا تبلي ثيابه ولا يفنى شبابه قيل يا رسول الله كيف بناؤها قال لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها مسك أذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران هكذا جاء في هذه الأحاديث ان ترابها الزعفران وكذلك روى يزيد بن زريع عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ترابها الزعفران وطينها المسك وفي الصحيحين عن ابي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ادخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وهو قطعة من حديث المعراج وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد عن تربة الجنة فقال درمكة بيضاء

مسك خالص فقال صدق وروى سفيان بن عيينة عن جابر بن عبد الله في قصة اليهود فلما أن جاؤوه قالوا يا أبا القاسم كم عدد خزنة أهل النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه كلتيهما هكذا وهكذا وقبض واحدة أي تسعة عشر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تربة الجنة فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا خبزة فقال الخبزة من الدرمكة فهذه ثلاث صفات في تربتها لا تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران قال مغيث بن سمي الجنة ترابها المسك والزعفران ويحتمل معنيين آخرين أحدهما أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين يسمى ترابا ويدل على هذا قوله ملاطها المسك والملاط الطين ويدل عليه ان في حديث العلاء بن زياد ترابها الزعفران وطينها المسك فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيبا فأنظم أحدهما إلى الآخر حدث لها طيب آخر فصار مسكا الثاني أن يكون زعفرانا باعتبار اللون مسكا باعتبار الرائحة وهذا من احسن شئ يكون في البهجة والاشراق في لون الزعفران والرائحة في رائحة المسك وكذلك شبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه الى صفرة مع لينها ونعومتها وهو معنى ما ذكره سفيان بن عيينه عن مجاهد أن أرض الجنة من فضة وترابها المسك فاللون في البياض لون الفضة والرائحة رائحة المسك وروى ابن ابي شيبة عن ابن عمر قال قيل يا رسول الله كيف بناء الجنة قال لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها مسك أذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران وروى أبو الشيخ عن ابي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ليلة اسري بي يا جبريل إنهم يسألوني عن الجنة قال فأخبرهم أنها من درة بيضاء

وأن أرضها عقيان والعقيان الذهب فان كان محفوظا فهي أرض الجنتين الذهبيتين فيكون جبريل أخبر بأعلى الجنتين وأفضلها والله اعلم آخر كلامه قوله وقصورها من لؤلؤ وزبرجد الخ في الصحيحين من حديث أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا ومن حديث ابن ابي أوفى وابي هريرة وعائشة أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم هذه خديجة أقرأها السلام ربها وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب والقصب ههنا اللؤلؤ المجوف وروى ابن ابي الدنيا عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان في الجنة لقصرا من لؤلؤ ليس فيه صدع ولا وهن اعده الله تعالى لخليله ابراهيم فصل في أرض الجنة وحصبائها وترابها ... والأرض مرمرة كخالص فضة ... مثل المرأة تنالها العينان ... في مسلم تشبيهها بالدرمك الصافي وبالمسك العظيم الشان ... هذا لحسن اللون لكن ذا لطيب الريح صار هناك تشبيهان ... حصباؤها در وياقوت كذا ... ك لآليء نثرت كنثر جمان

وترابها من زعفران أو من المسك الذي ما استل من غزلان ... تقدم شرح هذا الفصل في الفصل الذي قبله فصل في صفة غرفاتها ... غرفاتها في الجو ينظر بطنها ... من ظهرها والظهر من بطنان ... سكانها أهل القيام مع الصيا ... م وطيب الكلمات والاحسان ... ... ثنتان خالص حقه سبحانه ... وعبيده أيضا لهم ثنتان ... روى الطبراني عن أبي مالك الأشعري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى باليل والناس نيام ورواه ابن وهب عن ابن عمرو ولفظه لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نياما قال محمد بن عبد الواحد وهذا عندي إسناد حسن وفي حديث ابي سعيد إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف فوقهم كما تراؤون الكوكب الغابر في الافق وروى الترمذي واستغربه عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام اعرابي فقال لمن هي يا رسول الله قال لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام

فصل في خيام اهل الجنة ... للعبد فيها خيمة من لؤلؤ ... قد جوفت هي صنعة الرحمن ... ستون ميلا طولها في الجو في ... كل الزوايا أجمل النسوان ... ... يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم ... بعضا وهذا لاتساع مكان ... فيها مقاصير بها الأبواب من ... ذهب ودر زين بالمرجان ... وخيامها منصوبة برياضها ... وشواطيء الأنهار ذي الجريان ... ما في الخيام سوى التي لو قابلت للنيرين لقلت منكسفان ... لله هاتيك الخيام فكم ... بها للقلب من علق ومن أشجان ... فيهن حور قاصرات الطرف خيرات حسان هن خير حسان ... خيرات أخلاق حسان أوجها ... فالحسن والاحسان متفقان ... قد تقدم حديث ابي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا متفق عليه وعن ابن مسعود في قوله مقصورات في الخيام الرحمن قال در مجوف وروى ابن المبارك عن ابي الدرداء قال الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا من در

فصل في أرائكها وسررها ... فيها الأرائك وهي من سرر عليهن الحجال كثيرة الألوان ... لا تستحق اسم الأرائك دون ها ... تيك الحجال وذاك وضع لسان ... بشخانة يدعونها بلسان فا ... رس وهو ظهر البيت ذي الأركان ... قال تعالى متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين الطور وقال تعالى ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين الواقعة وقال تعالى فيها سرر مرفوعة الغاشية فأخبر تعالى عن سررهم بأنها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ليس بعضها خلف بعض ولا بعيدا من بعض والوضين في لغتهم النضة والنسج المضاعف بعضه فوق بعض وقال الليث الوضن نسج السرير وأشباهه قالوا موضونة منسوجة بقصبات الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد قال ابن عباس سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل ما بين مكة وأيله وقال الكلبي طول السرير في السماء مائة ذراع فاذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه فإذا جلس عليه ارتفع إلى مكانه وأما الأرائك فهي جمع اريكة حتى يكون السرير في الحجلة فان كان سرير بغير حجلة لا يكون أريكة وان كانت حجلة بغير سرير لم يكن أريكة ولا يكون أريكة إلا والسرير

في الحجلة فإذا اجتمعا كانت أريكة وقال مجاهد هي الاسرة في الحجال وقال الليث الأريكة سرير حجلة فالحجلة والسرير أريكة وقال ابو أبو اسحق الارائك الفرش في الحجال قال الناظم في حادي الأرواح قلت هاهنا ثلاثة أشياء أحدها السرر والثاني الحجلة وهي البشخانة التي تعلق فوقه والثالثة الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجتمع ذلك كله وفي الصحاح الأريكة سرير متخذ مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة وفي الحديث أن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان مثل زر الحجلة وهو الزر الذي يجمع بين طرفيها من جملة أزرارها قوله بشخانة يدعونها الخ أي إن الأريكة تسمى بلسان الفرس بشخانة فصل في أشجارها وثمارها وظلالها ... أشجارها نوعان منها ماله ... في هذه الدنيا مثال ثان ... كالسدر أصل النبق مخضور مكا ... ن الشوك من ثمر ذوي ألوان ... هذا وظل السدر من خير الظلا ... ل ونفعه الترويح للأبدان ... وثماره أيضا ذوات منافع ... من بعضها تفريح ذي الأحزان

والطلح وهو الموز منضود كما ... نضدت يد بأصابع وبنان ... أو أنه شجر البوادي موقرا ... حملا مكان الشوك في الأغصان ... وكذلك الرمان والأعناب والنخل التي منها القطوف دواني ... ذكر الناظم في هذا الفصل ان أشجار الجنة نوعان منها ماله نظير في هذه الدنيا والنوع الثاني ما لا نظير له في الدنيا وبدأ بالنوع الأول وهو الذي له مثل في هذه الدنيا وقد قال تعالى وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة الواقعة وقال تعالى ذواتا أفنان الرحمن جمع فنن وهو الغصن وقال فيها فاكهة ونخل ورمان الرحمن قال الناظم في حادي الأرواح والمخضوض الذي قد خضد شوكه أي نزع وقطع فلا شوك فيه هذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير واحتجوا بحجتين الأولى أن الخضد في اللغة القطع خضدت الشجر قطعت شوكة فهو خضيد ومخضود والثانية ما روى ابن ابي داود عن عتبة السلمي قال كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها يعني الطلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد جعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لونا آخر الملبود الذي قد اجتمع شعره بعضه إلى بعض وروى ابن المبارك عن سليم بن عامر قال أقبل أعرابي يوما فقال ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة

شجرة تؤذي صاحبها قال وما هي قال السدر فإن له شوكا مؤذيا قال أليس يقول تعالى في سدر مخضود الواقعة خضد الله شوكة فجعل مكان كل شوكة ثمرة وقالت طائفة هو الموقر حملا ولم يصب الذي أنكروا هذا القول وهو صحيح وأربابه ذهبوا إلى أن الله لما خضد شوكه فأذهبه وجعل مكان كل شوكة ثمرة أوقره بالحمل الحديثان المذكوران يجمعان القولين ومن قال المخضود ما لا يعقر لا يرد اليد منه شوك ولا أذى فقد فسره بلازم المعنى وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة وفردا من أفراده تارة ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مختلفة ولا اختلاف بينها وأما الطلح فأكثر المفسرين أنسه شجر الموز وهذا قول علي وابن عباس وابي هريرة وأبي سعيد الخدري وقالت طائفة بل هو شجر عظام طوال من البوادي الكثير الشوك وله نور ورائحة طيبة وظل ظليل قال ابن قتيبة هو الذي نضد بالحمل أو بالورق فليس له ساق بارز وقال مسروق ورق الجنة نضد من أسفلها إلى أعلاها وأنهارها تجري من غير أخدود وقال الليث الطلح شجر أم غيلان من أعظم العضاة شوكا وأصلبه عودا وأجوده صمعنا قال أبو اسحاق له نور طيب الرائحة وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسامي والظاهر أن التفسير بالموز تمثيل به لحسن نضده والا فالطلح في اللغة هو الشجر العظام من البوادي والله أعلم ... هذا ونوع ماله في هذه الدنيا نظير كي يرى بعيان ... يكفي من التعداد قول إلهنا ... من كل فاكهة بها زوجان ... وأتو به متشابها في اللون مختلف الطعوم فذاك ذو ألوان

أو أنه متشابها في الاسم مختلف الطعوم فذاك قول ثاني ... قال الله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها البقرة قال الناظم قال مجاهد ما أشبههه به وقال ابن زيد يعرفونه وقال آخرون قيل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضا في اللون والطعم وهو أعظم من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا ولشدة المشابهة قالوا هذا هو قال أبو عبيدة كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى قال الحسن وقتادة وابن جريج وجماعة خيار كله لارذل فيه وعلى هذا فالمراد بالمشابهة التوافق والتماثل وقال ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متشابها في اللون والمرئي وليس يشبه الطعم الطعم وقال مجاهد متشابها لونه مختلفا طعمه وكذلك قال الربيع ابن أنس وقال يحيى ابن أبي كثير عشب الجنة الزعفران وكثبانها المسك ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة فيأكلونها ثم يأتون بمثلها فيقولون هذا الذي جئتمونا به آنفا فيقول لهم الخدم كلو فإن اللون واحد والطعم مختلف وقال عبد الرحمن بن زيد يعرفون اسماءه كما كانوا في الدنيا التفاح بالتفاح والرمان بالرمان وليس هو مثله في الطعم واختاره ابن جرير ... أو أنه وسط خيار كله فالفحل منه ليس ذا ثنيان ... أو أنه لثمارنا ذي مشبه ... في اسم ولون ليس يختلفان ... لكن لبهجتها ولذة طعمها ... أمر سوى هذا الذي تجدان

فيلذها في الأكل عند منالها ... وتلذها من قبله العينان ... قال ابن عباس وما بالجنة العليا سوى اسماء ما تريان ... يعني الحقائق لا تماثل هذه ... وكلاهما في الاسم متحدان ... يا طيب هاتيك الثمار وغرسها ... في المسك ذاك الترب للبستان ... وكذلك الماء الذي يسقى به ... يا طيب ذاك الورد للظمآن ... تقدم شرح ما تضمنته هذه الأبيات ... وإذا تناولت الثمار أتت نظيرتها فحلت دونها بمكان ... لم تنقطع أبدا ولم ترقب نزو ... ل الشمس من حمل إلى ميزان ... وكذاك لم تمنع ولم تحتج إلى ... أن ترتقي للقنو في العيدان ... قال الله تعالى وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة الواقعة روى الطبراني عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى قوله لم تنقطع أبدا الخ قال الله تعالى لا مقطوعة ولا ممنوعة أي لا تكون في وقت دون وقت ولا يمنع من ارادها ... بل ذللت تلك القطوف فكيفما ... شئت انتزعت بأسهل الامكان ... قال الله تعالى قطوفها دانية الحاقة القطوف جمع قطف وهو ما يقطف أي ثمارها دانية قريبة ممن يتناولها فيأخذها كيف شاء قال البراء بن عازب يتناول الثمرة وهو نائم وقال تعالى ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا الدهر قال ابن عباس إذا هم أن يتناولها تدلت اليه حتى يتناول ما يريد وقال غيره قربت اليهم مذللة كيف شاؤوا فهم

يتناولونها قياما وقعودا ومضجعين فيكون كقوله قطوفها دانية الحاقة ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله وفي نصب دانية وجهان احدهما أنه على الحال عطفا على قوله متكئين والثاني أنه صفة الجنة ... وكذاك لم تمنع ولم يحتج إلى ... أن يرتقي للقنو في العيدان ... القنو واحد الأقناء والعيدان جمع عيدانه وهي النخل الطوال ... بل ذللت تلك القطوف فكيفما ... شئت انتزعت بأسهل الامكان ... ولقد أتى خبر بأن الساق من ... ذهب رواه الترمذي ببيان ... روى الترمذي وحسنه عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ... قال ابن عباس وهاتيك الجذو ... ع زمرد من احسن الألوان ... ومقطعاتهم من الكرم الذي ... فيها ومن سعة من العقيان ... وثمارها ما فيه عن عجم كأمثال القلال فجل ذو الاحسان ... روى ابن المبارك عن ابن عباس قال نخل الجنة جذوعها من زمرد اخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم ... وظلالها ممدودة ليست تقي ... حرا ولا شمسا وأنى ذان ... أو ما سمعت بظل أصل واحد ... فيه يسير الراكب العجلان ... مائة سنين قدرت لا تنقضي ... هذا العظيم الأصل والأفنان

ولقد روى الخدري أيضا أن طو ... بى قدرها مائة بلا نقصان ... تنفتح الأكمام فيها عن لبا ... سهم بما شاؤوا من الألوان ... في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤو ان شئتم وظل ممدود الواقعة وروى احمد عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين أو مائة سنة هي شجرة الخلد وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها فيخرج اليها اهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها قال فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا وروى ابن وهب عن ابي سعيد الخدري قال قال رجل يا رسول الله ما طوبى قال شجرة في الجنة مسير مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها وقد رواه حرملة عنه بزيادة في أوله أن رجلا قال طوبى لمن آمن بي ولم يرني وروى ابو يعلى عن سلمى بنت ابي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى فقال يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة أو قال يستظل في الفنن منها مائة راكب فيها فراش من الذهب كأن ثمارها القلال رواه الترمذي وقال شك يحيى وهو حديث حسن غريب

فصل في سماع أهل الجنة ... قال ابن عباس ويرسل ربنا ... ريحا تهز ذوائب الأغصان ... فتثير أصواتا تلذ لمسمع ال ... انسان كالنغمات بالأوزان ... ... يا لذة الاسماع لأتتعوضي ... بلذاذة الأوتار والعيدان ... أو ما سمعت سماعهم فيها غنا ... ء الحور بالاصوات والألحان ... واها لذياك السماع فانه ... ملئت به الأذنان بالاحسان ... واها لذياك السماع وطيبه ... من مثل أقمار على أغصان ... واها لذياك السماع فكم به ... للقلب من طرب ومن أشجان ... واها لذياك السماع ولم اقل ... ذياك تصغيرا له بلسان ... ... ما ظن سامعه بصوت اطيب الأصوات من حور الجنان حسان ... نحن النواعم والخوالد خيرا ... ت كاملات الحسن والاحسان ... لسنا نموت ولا نخاف ومالنا ... سخط ولا ضغن من الأضغان ... طوبى لمن كنا له وكذاك طو ... بى للذي هو حظنا لفظان ... في ذاك آثار روين وذكرها ... في الترمذي ومعجم الطبراني

ورواه يحيى شيخ الاوزاعي تفسيرا للفظة يجبرون أغان ... قوله واها قد تقدم تفسير ذلك قال الله تعالى ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون الروم قال يحيى بن ابي كثير الحبرة اللذة والسماع ولا يخالف هذا قول ابن عباس يكرمون وقول مجاهد وقتادة ينعمون فلذة الاذن بالسماع من الحبرة والنعم وروى الترمذي واستغربه عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن أصواتهم لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن نحن الخالدت فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين باصوات حتى يسمعها الخلائق ما يرون في الجنة لذة مثلها قلنا يا ابا هريرة وما ذلك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتقديس والتحميد وثناء على الرب تعالى هكذا رواه موقوفا جعفر الفرياني وروى ابو نعيم عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لها الريح فتصفق فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه وروى جعفر الفرياني عن خالد بن معدان عن ابي امامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يدخل إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الانس والجن وليس بمزامير الشيطان وروى الطبراني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ازواج اهل الجنة ليغنين ازواجهن بأحسن أصوات سمعها احد قط إن مما

يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا تمتنه نحن الآمنات فلا تخفنه نحن المقيمات فلا تظعنه تفرد به ابن أبي مريم وروى ابن وهب أنه قال رجل من قريش لابن شهاب هل في الجنة سماع فانه حبب الي السماع فقال إي والذي نفس ابن شهاب بيده ان في الجنة شجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد تحه حور ناهدات يغنين بألوان يقلن نحن الناعمات فلا نبأس ونحن الخالدات فلا نموت فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضا فاجبن الجواري فلا ندري أصوات الجواري احسن ام اصوات الشجر ولهم سماع أعلى من هذا وروى ابن ابي الدنيا عن الاوزاعي قال بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من اسرافيل فيأمره الله تعالى فيأخذ في السماع فما يبقى ملك إلا وقطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله ان يمكث فيقول الله تعالى وعزتي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري وعن محمد ابن المنكدر قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان أسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي وروى ابن ابي الدنيا عن مالك بن دينار في قوله تعالى وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ص قال إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فيوضع في الجنة نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة وروى حماد ابن سلمة عن شهر بن حوشب أن الله جل ثناؤه يقول لملائكته إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من اجلي فأسمعوا عبادي

فيأخذون بأصوات من تسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط وعن ابن عباس قال في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب في ظلها مائة عام فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم فيذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا ولهم سماع أعلى من هذا يضحمل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب جل جلاله وسلامه عليهم وخطابه ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه كأنهم لم يسمعوه قبل ذلك روى أبو الشيخ عن عبد الله بن بريدة قال إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار جل جلاله فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كل امريء منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم وأحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد ... نزه سماعك ان اردت سماع ذياك الغنا عن هذه الألحان ... لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم ذا وذا ياذلة الحرمان ... إن اختيارك للسماع النازل الأدنى على الأعلى من النقصان ... ... والله إن سماعهم في القلب والإيمان مثل السم في الأبدان ... والله ما انفك الذي هو دأبه ... أبدا من الإشراك بالرحمن ... فالقلب بيت الرب جل جلاله ... حبا وإخلاصا مع الاحسان ... فاذا تعلق بالسماع أصاره ... عبدا لكل فلانة وفلان

حب الكتاب وحب الحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان ... ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بشرائع الايمان ... واللهو خف عليهم لما رأوا ... ما فيه من طرب ومن ألحان ... قوت النفوس وأنما القرآن قو ... ت القلب أنى يستوي القوتان ... ولذا تراه حظ ذي النقصان كالجهال والنسوان والصبيان ... وألذهم فيه أقلهم من العقل الصحيح فسل أخا العرفان ... يا لذة الفساق لست كلذة الأبرار في عقل ولا قرآن ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في التحذير من سماع الأغاني والألحان وللعلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة مصنفات مفردة كالامام أبي بكر الطرطوشي والقاضي أبي الطيب الطبري وللحافظ ابن رجب نزهة الأسماع في مسألة السماع وغيرهم وهو من مكائد الشيطان التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب المبطلين والجاهلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة هو الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن وهو رقية اللواط والزنا وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى كادبة الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكرا منه وغرورا وأوحى اليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت النفوس وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا فلو رأيتهم عند ذاك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات وعكفت قلوبهم بكليتها عليه وانصبابها انصبابة

واحدة اليه فتمايلوا له كتمايل النشوان وتكسروا في حركاتهم ورقصهم ولا تحرك المخانيث والنسوان ويحق لهم ذلك وقد خالط خمارة النفوس ففعل فيها أعظم مما يفعله حميا الكؤوس فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق وأثواب تشقق وأموال في غير طاعة الله تنفق حتى إذا عمل السكر في عمله وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله واستفزهم بصوته وحيله وأجلب عليهم بخيله ورجله وخز في صدورهم وخزا وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار وتارة كالذباب يترقص وسط الديار فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام واسوأتا من أشباه الحمير والأنعام وشماته أعداء الاسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الاسلام قال الامام ابو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه في تحريم السماع الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ونسأل الله ان يرينا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه وقد كان الناس فيما مضى يتستر أحدهم بالمعصية اذا واقعها ثم يستغفر الله ويتوب اليه منها ثم كثر الجهل وقل العلم ونناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي بالمعصية جهارا ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا ان طائفة من اخواننا المسلمين وفقنا الله واياهم استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والتغبير واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا النساء فرأيت أن أوضح الحق وأكشف من شبه اهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله وأبدأ بذكر اقاويل العلماء الذين تدور

الفتيا عليهم في أقاصي الأرض وأدانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها والله ولي التوفيق ثم قال أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه قال واذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله ان يردها بالعيب وسئل مالك عما ترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق قال وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وابراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه قال الناظم رحمه الله تعالى مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف حتى والضرب بالقضيب وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة وأبلغ من ذلك قالوا إن السماع فسق والتلذذ به كفر هذا لفظهم ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه قالوا ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره وأما الشافعي فقال في كتاب أدب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب اليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي اسحاق وابن الصباغ قال الشيخ ابو اسحاق في التنبيه ولا يصح يعني الاجارة على منفعة محرمة كالغناء والزمر وحمل الخمر ولم يذكر فيه خلافا وقال في المهذب ولا يجوز على المنافع المحرمة لأنه محرم فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميته والدم فقد تضمن كلامه أمورا أحدها أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة الثاني أن الاستئجار عليها باطل

الثالث أن أكل المال به أكل مال باطل بمنزلة أكله عوضا عن الميتة والدم الرابع أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني ويحرم عليه ذلك فانه بذل ماله في مقابلة محرم وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة الخامس أن الزمر حرام فان كل الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو اشد منه كالعود والطنبور واليراع ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك فأقل ما فيه أنه من شعار الفساق وشاربي الخمر وقد تواتر عن الشافعي رحمه الله أنه قال خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب نطع أو مخدة على توقيع غناه فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر قد اشتمل على كل مفسدة وكل محرم فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعبد جاهل وأما مذهب الامام احمد فقال عبد الله ابنه سألت أبي عن الغناء فقال الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني ثم يذكر قول مالك إنما يفعله عندنا الفساق قال عبد الله وسمعت أبي يقول لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا قال أحمد وقال سليمان التيمي لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها قال لا تباع إلا على أنها ساذجة قالوا إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها واذا بيعت ساذجة لا تساوى ألفين فقال لا تباع إلا على أنها ساذجة ولو كانت

منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الايتام وقد احسن الناظم رحمه الله تعالى في قوله ... تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي ... وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله ... دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى شهدت عبادة بملاهي ... ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي ... سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي ... ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ويحها المتناهي ... وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذا غدا عظيم الجاه ... أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهي ... إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي ... فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند ملاهي ... وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي ... واحكم بأي الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله ... وقد أكثر العلماء الكلام على هذا السماع الشيطاني المحدث ولكن آثرنا لاختصار والله أعلم

فصل في أنهار الجنة ... أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان ... من تحتهم تجري كما شاؤوا مفجرة وما للنهر من نقصان ... عسل مصفى ثم خمر ثم أنهار من الالبان ... والله ما تلك المواد كهذه ... لكن هما في اللفظ مجتمعان ... هذا وبينهما يسير تشابه ... وهو اشتراك قام بالأذهان ... روى ابن ابي الدنيا عن انس بن مالك قال إنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله إنها لسائحه على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ والآخر الياقوت وطينه المسك الاذفر قال معاوية بن قرة ما الأذفر قال معاوية بن قرة ما الأذفر قال الذي لا خلط له رواه ابن مروديه في تفسيره عن أنس مرفوعا هكذا وروى ابو خيثمة عن انس أنه قرأ هذه الآية إنا أعطيناك الكوثر فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت الكوثر فاذا هو نهر يجري ولم يشق شقا واذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فاذا مسك أذفر واذا حصباؤه اللؤلؤ وروى سفيان الثوري عن مسروق في قوله تعالى وماء مسكوب الواقعة قال أنهار تجري في غير أخدود ونخل طلعها هضيم من اصلها الى فرعها أو كلمة نحوها

قوله من تحتهم تجري الخ قد تكرر في القرآن الكريم في عدة مواضع قوله تعالى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار طه وفي موضع تجري تحتها الأنهار التوبة وفي موضع تجري من تحتهم الأنهار الأنعام وهذا يدل على أمور أحدها وجود الأنهار فيها حقيقة والثاني أنها جارية لا واقفة والثالث أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا وقد ظن المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا وهؤلاء أتو من ضعف الفهم فإن أنهارها وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها وقد أخبر عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم الأنعام فهذا على المعهود المتعارف وكذلك ما حكاه عن قول فرعون وهذه الأنهار تجري من تحتي الزخرف وقال تعالى فيهما عينان نضاختان الرحمن أي بالماء والفواكه قاله سعيد وقال انس بالمسك والعنبر تنضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا وقال البراء اللتان تجريان أفضل من النضاختين رواها ابن ابي شيبة وقال تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم محمد فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منهما الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه وآفة اللبن أن يتغير طعمه الى الحموضة وأن يصير قارصا

وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها وآفة العسل عدم تصفيته وهذا من أيات الرب تعالى أن يجري أنهارا من أجناس لم تجر العادة في الدنيا باجرائها ويجريها في غير أخدود وينفى عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما نفى عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو ونزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو الى الزنا وربما دعت الى الوقوع على البنت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الانسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الاسماء والصفات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرناه وكلها منفية عن خمر الجنة فصل في طعام أهل الجنة ... وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ... ولحوم طير ناعم وسمان ... وفواكه شتى بحسب مناهم ... يا شيعة كملت لذي الأيمان ... لحم وخمر والنسا وفواكه ... والطيب مع روح ومع ريحان ... وصحافهم ذهب يطوف عليهم ... بأكف خدام من الولدان

وانظر إلى جعل اللذاذة للعيو ... ن وشهوة للنفس في الشيطان ... للعين فيها لذة تدعو إلى ... شهواتها بالنفس والأمران ... سبب التناول وهو يوجب لذة ... أخرى سوى ما نالت العينان ... قال تعالى إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون المرسلات وقال تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها الواقعة وقال تعالى وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لالغو فيها ولا تأثيم الرعد وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والحمد وفي المسند والنسائي بسند صحيح عن زيد بن ارقم قال جاء رجل من اهل الكتاب الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم تزعم أن اهل الجنة يأكلون ويشربون قال نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة قال فإن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال يكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه وروى الحسن بن عرفة عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخرج من يديك مشويا وروى الحاكم عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي فقال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من

يأكلها وأنت ممن يأكلها وروى الحاكم عن قتادة في قوله تعالى ولحم طير مما يشتهون الواقعة نحوه بلفظة أخرى وعن ابن عمرو في قوله تعالى ويطاف عليهم بصحاف من ذهب الزخرف قال بسبعين صحفة كل صحفة فيها لون ليس في الأخرى وروى الدراوردي عن أنس بن مالك أنه قال في الكوثر ويرفعه فيه طيور أعنافها كأعناق الجزر فقال عمر إنها لناعمة فقال أكلها أنعم منها في رواية أبو بكر بدل عمر وقال تعالى يطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبنهم لؤلؤا منثورا الدهر قال أبو عبيدة والفراء مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون وقال آخر مخلدون مقرطون مسورون في آذانهم القرطة وفي أيديهم الأساور وهذا ابن الأعرابي قال الأولون الخلد هو البقاء قال ابن عباس لا يموتون وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي وجمعت طائفة بين القولين لا يعرف لهم الكبر والهرم وفي آذانهم القرطة وشبههم باللؤلؤ لما فيه من البياض وحسن الخلقة وفي كونه منثورا فائدتان احداهما أنهم غير معطلين بل مثبوثون في خدمتهم وجوائحهم والثاني أن اللؤلؤ إذا كان منثورا لا سيما على بساط من ذهب أو حرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان وفي حديث انس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنا أول الناس إذا بعثوا وفيه يطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون المكنون المستور المصون الذي لم تبتذله الأيدي وقول الناظم وانظر إلى جعل اللذاذة للعيون الخ أي انظر إلى اللذاذة التي تحصل بالعيون بسبب النظر إلى ألوان الذين هم كاللؤلؤ المنثور وشهوة النفس لما في الصحاف التي يطوفون بها فاجتمع لهم لذة النظر ولذة

الشهوة لما في الصحاف وذلك يوجب لذة أخرى فتكمل لهم اللذة والله اعلم فصل في شرابهم ... يسقون فيها من رحيق ختمه ... بالمسك أوله كمثل الثاني ... من خمرة لذت لشاربها بلا ... غول ولا داء ولا نقصان ... والخمر في الدنيا فهذا وصفها ... تغتال عقل الشارب السكران ... وبها من الأدواء ما هي أهله ... ويخاف من عدم لذي الوجدان ... فنفى لنا الرحمن أجمعها عن الخمر التي في جنة الحيوان ... قال تعالى يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون المطففين رحيق مختوم أي الخمر ختم بالمسك وعن ابن مسعود ختامه مسك أي خلطه وليس بخاتم ختم قال الناظم قلت يريد والله أعلم أن آخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة ليس من الخاتم وهو قول علقمة ومسروق قال يجدون عاقبتها طعم المسك وقال مجاهد طيبه مسك كأنه يريد ما يبقى في أسفل الاناء

من الدردي وقال أبو الدرداء هو أي ختامه مسك شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها رواه الحاكم قوله من خمرة لذت لشاربها الخ نفى الله سبحانه عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والانزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل وتكثر اللغو على شربها بل ولا يطيب شربها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وقد تقدم بعض آفاتها في فصل أنهار الجنة والله أعلم ... وشرابهم من سلسبيل مزجه الكافور ذاك شراب ذي الإحسان ... هذا شراب أولي اليمين ولكن الأبرار شربهم شراب ثاني ... يدعى بتسنيم سنام شرابهم ... شرب المقرب خيرة الرحمن ... صفى المقرب سعيه فصفا له ... ذاك الشراب فتلك تصفيتان ... لكن أصحاب اليمين فأهل مز ... ج بالمباح وليس بالعصيان ... مزج الشراب لهم كما مزجوا هم الأعمال ذاك المزج بالميزان ... هذا وذو التخليط مزجى أمره ... والحكم فيه لربه الديان ... قال تعالى إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا الدهر قال بعض السلف معهم قضبان الذهب حيثما مالوا مالت معهم قيل الباء بمعنى من أي يشرب منها

وقيل يروى بها وهذا أصح وألطف وقيل الباء الظرفية والعين اسم للمكان وقال تعالى ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا الدهر فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا ان شراب الابرار يمزج منها لأن اولئك اخلصوا الاعمال كلها لله تعالى فأخلص شرابهم وهؤلاء فمزج شرابهم ونظير هذا قوله يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون المطففين فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور وبالزنجبيل فما في الكافور من البرد وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرايين ومجيء أحدهما على الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده وتعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فان شرابهم مزج أولا بالكافور والزنجبيل بعده فيعدله والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنها نوعان لذيذان من الشراب أحدهما مزج بالكافور والثاني بالزنجبيل وأيضا فانه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والايثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعافها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعافها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء باعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا الدهر فان في الصبر الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى ان يكون في إجزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال بواطنهم كما جملوا في الدنيا

ظواهرهم بشرائع الاسلام وبواطنهم بحقائق الايمان أفاده الناظم رحمه الله تعالى فصل في مصرف طعامهم وشرابهم وهضمه ... هذا وتصريف المآكل كل منهم ... عرق يفيص لهم من الابدان ... كروائح المسك الذي ما فيه خل ... ط غيره من سائر الألوان ... فتعود هاتيك البطون ضوامرا ... تبغي الطعام على مدى الازمان ... لا غائط فيها ولا بول ولا ... مخط ولا بصق من الانسان ... ولهم جشاء ريحه مسك يكو ... ن به تمام الهضم بالاحسان ... هذا وهذا صح عنه فواحد ... في مسلم ولأحمد الأثران ... قوله هذا صح عنه فواحد في مسلم الخ تقدم الحديث الذي رواه مسلم في ذلك من حديث جابر وتقدم الحديث الذي رواه الامام أحمد والنسائي من حديث زيد بن أرقم قال جاء رجل من اهل الكتاب الى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث قوله هذا وهذا أصح عنه الخ أي أن تصريف مآكل أهل الجنة قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث جابر أن ذلك جشاء ورشح كرشح المسك وفي حديث زيد بن أرقم أن ذلك يكون رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك قوله ولأحمد الأثران أي أن حديث

جابر وحديث زيد بن أرقم قد رواهما الامام أحمد وأما مسلم فلم يرو الا حديث جابر ومع ذلك فهما صحيحان والله أعلم فصل في لباس أهل الجنة ... وهم الملوك على الأسرة فوق ها ... تيك الرؤوس مرصع التيجان ... ولباسهم من سندس خضور ومن ... إستبرق نوعان معروفان ... ما ذاك من دود بني من فوقه ... تلك البيوت وعاد ذو طيران ... كلا ولا نسجت على المنوال نس ... ج ثيابنا بالقطن والكتان ... لكنها حلل تشق ثمارها ... عنها رأيت شقائق النعمان ... بيض وخضر ثم صفر ثم حم ... ر كالرباط بأحسن الالوان ... لا تقرب الدنس المقرب للبلى ... ما للبلى فيهن من سلطان ... ونصيف إحداهن وهو خمارها ... ليست له الدنيا من الاثمان ... سبعون من حلل عليها لا تعو ... ق الطرف عن مخ ورا الساقان ... لكن يراه من ورا ذا كله ... مثل الشراب لدى زجاج أوان ... قال الله تعالى إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين الدخان وقال ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات انا

لا نضيع أجر من أحسن عملا اولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الانهار يحلون فيها من اساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك الكهف قال جماعة من المفسرين السندس من مارق الديباج والاستبرق ما غلظ منه وقال آخرون المراد به الصفيق وقال الزجاج هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الأخضر والبني لملابس الحرير فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يدخل الجنة ينعم فلا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الناظم في حادي الارواح والظاهر أن الثياب المعينة لا يلحقها البلى ويحتمل أن المراد الجنس بل لا تزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه مأكول آخر والله أعلم وروى أحمد عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم خير من الدنيا ومثلها معها ونصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها قلت وما النصيف قال الخمار وروى ابن وهب عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل في الجنة ليتكىء سبعين سنة قبل أن يتحول ثم نأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فيظهر وجهه في خدها أصفى من المرآة وان ادنى لؤلؤة عليها لتضىء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت فتقول انا المزيد وانه ليكون عليها سبعون حلة ثوبا ادناها مثل النعمان من طوبى فينقدها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وان عليها التيجان وان ادنى لؤلؤة عليها لتضىء ما بين المشرق والمغرب

وروى أحمد عن ابن عمرو مرفوعا وفيه فقام آخر أي أعرابي فقال أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أو تنسج نسجا فضحك بعض القوم فقال صلى الله عليه وسلم تضحكون من جاهل يسأل عالما فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال أين السائل قال ها هو ذا يا رسول الله قال تشقق عنها ثمار الجنة ثلاث مرار وروى البيهقي عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار ويحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه وجعله رفيق السفرة البررة واذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا فقال يا رب كل عامل يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا الا فلانا كان يقوم بي آناء اليل والنهار ويحل حلالي ويحرم حرامي يقول رب فأعطه فيتوجه الله تاج الملك ثم يكسوه من حلل الكرامة ثم يقول هل رضيت فيقول يا رب أرغب في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه والخلد بشماله ثم يقول هل رضيت فيقول نعم يا رب وروى ابن وهب عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى يحلون فيها من اساور من ذهب الكهف فقال ان عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة فيها لتضىء ما بين المشرق والمغرب قوله المنوال قال في القاموس والنول الوادي السائل وحبل السفينة وخشبه الحائك كالمنوال والمنوال جمع أنوال انتهى كلامه

فصل في فرشهم وما يتبعها ... والفرش من إستبرق قد بطنت ... ما ظنكم بظهارة لبطان ... مرفوعة فوق الأسرة يتكي ... هو والحبيب بخلوة وأمان ... يتحدثان على الأرائك ما ترى ... حبين في الخلوات ينتحبيان ... هذا وكم زريبة ونمارق ... ووسائد صفت بلا حسبان ... قال الله تعالى متكئين على فرش بطائنها من إستبرق الرحمن قال تعالى وفرش مرفوعة الواقعة فوصف الفرش بكونها مبطنة بالاستبرق وهذا يدل على أمرين احدهما أن طهارتها أعلى وأحسن من بطانتها لأنها للأرض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة قال سفيان الثوري عن عبد الله في قوله بطائنها من إستبرق قال هذه البطائن قد خبرتم عنها فكيف بالظهائر الثاني أنها فرش عالية لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار إن كانت محفوظة فالمراد ارتفاع محلها كما روى الترمذي عن ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى وفرش مرفوعة الواقعة قال ارتفاعها كما بين السماء والارض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام واستغربه الترمذي وقيل معناه ان الارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها وروى ابن وهب عنه عن النبي

صلى الله عليه وسلم قال بين الفراشين كما بين السماء والأرض وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ وروى الطبراني عن كعب قال مسيرة أربعين سنة وعن ابي امامة عند الطبراني قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرش المرفوعة قال لو طرح فراش في أعلاها لوقع الى قرارها مائة خريف وفي رفع هذا الحديث نظر فقد روى ابن ابي الدنيا عنه قال لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها اربعين خريفا وأما البسط والزرابي فقد قال تعالى متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان الرحمن وقال تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة الغاشية عن سعيد بن جبير قال الرفرف رباض الجنة والعبقري عتاق الزاربي وقال الحسن هي البسط وبه قال أهل المدينة وأما النمارق فقال الواحدي هي الوسائد واحدها نمرقة بضم النون وكسرها قال مقاتل هي الوسائد مصفوفة على الطنافس وزرابي يعني البسط والطنافس واحدها زريبة في قول جميع أهل اللغة والتفسير مبثوثة مبسوطة منشورة قوله فوق الأسرة يتكي الخ الاسرة جمع سرير متكئين قال في القاموس توكأ عليه تحامل واعتمد وانما جعل له متكأ وقوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فلا آكل متكأ أي جالسا المنكمش المتربع ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل بل كان جلوسه للأكل مستوفزا مقعيا غير تربع ولا متمكن وليس المراد الميل على شق كما يظنه عوام الطلبة وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب المتنعم البدن بخلاف المريض المهموم وقوله تعالى متكئين على فرش الآية الرحمن منصوب على الحال من فاعل قوله ولمن خاف مقام ربه الرحمن وانما جمع حملا على معنى من وقيل منصوب على المدح وقيل عاملها محذوف والتقدير يتنعمون متكئين أي مضطجعين أو متربعين

فصل في حلي اهل الجنة ... والحلي أصفى لؤلؤ وزبرجد ... وكذاك أسورة من العقيان ... ما ذاك يختص الاناث وانما ... هو للاناث كذاك للذكران ... التاركين لباسه في هذه الدنيا لأجل لباسه بجنان ... أو ما سمعت بأن حليتهم الى ... حيث انتهاء وضوئهم بوزان ... وكذا وضوء ابي هريرة كان قد ... فازت به العضدان والساقان ... وسواه أنكر ذا عليه قائلا ... ما الساق موضع حليه الانسان ... ماذاك الا موضع الكعبين وال زنديق لا الساقان والعضدان ... قال الله تعالى ان الذين امنوا وعملوا الصالحات إن لا نضيع أجر من أحسن عملا اولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب الكهف الأية يحتمل أن يكون أساور من لؤلؤ وان تكون مركبة منهما معا والله أعلم وروى ابن ابي الدنيا عن وهب قال ان الله تعالى منذ يوم خلق يصوغ علي أهل الجنة وعن الحسن الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء وروى أحمد ابن منيع عن سعد ابن ابي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن رجلا من اهل الجنة

اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم وروى ابن وهب عن ابي امامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم وذكر حلي اهل الجنة فقال مسورون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب جرد مكحلون وفي الصحيحين والسياق لمسلم عن ابي حازم قال كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة وكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت يا أبا هريرة هذا الوضوء فقال يا بني فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ... وكذاك أهل الفقه مختلفون في ... هذا وفيه عندهم قولان ... والراجح الأقوى انتهاء وضوئنا ... للمرفقين كذلك الكعبان ... هذا الذي قد حدد الرحمن في القرآن لا تعدل عن القرآن ... ... واحفظ حدود الرب لا تتعدها ... وكذاك لا تجنح الى النقصان ... وانظر الى فعل الرسول تجده قد ... أبدى المراد وجاء بالتبيان ... ومن استطاع يطيل غرته فمو ... قوف على الراوي هو الفوقاني ... فأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه اولو العرفان ... ونعيم الراوي له قد شك في ... رفع الحديث كذا روى الشيباني ... وإطالة الغرات ليس بممكن ... أبدا وذا في غاية التبيان ... قال الناظم في حادي الارواح وقد ساق حديث أبي هريرة المتقدم وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته والصحيح أنه

لا يستحب وهو قول اهل المدينة وعن احمد روايتان والحديث لا يدل على الاطالة فان الحلية انما تكون زينا في الساعد والمعصم لا في العضد والكتف وأما قوله فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك غير واحد من الحفاظ وفي مسند الامام احمد في هذا الحديث قال نعيم فلا أدري قوله فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل من تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة من عنده وكان شيخنا رحمه الله يقول هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فان الغرة لا تكون في اليد لا تكون الا في الوجه وإطالتها غير ممكنة إذ تدخل في الرأس ولا يسمى ذلك غرة فصل في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن ... يا من يطوف الكعبة الحصن التي ... حفت بذاك الحجر والاركان ... ويظل يسعى دائما حول الصفا ... ومحسر مسعاه لا العلمان ... ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجبه عن القربان ... فلذ تراه محرما أبدا ومو ... ضع حله منه فليس بدان ... يبغي التمتع مفردا عن حبه ... متجردا يبغي شفيع قران

فيظل بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكه وكل زمان ... والناس قد قضوا مناسكهم وقد ... حثوا ركائبهم الى الأوطان ... وخدت بهم همم لهم وعزائم ... نحو المنازل أول الأزمان ... يعني الى الجنة التي أسكنها آدم وحواء عليهما السلام كما أشار الى ذلك الناظم في الميمية بقوله ... وحي على جنات عدن فانها ... منازلك الاولى وفيها المخيم ... ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم ... واشار الناظم بهذه الاستعارات ... رفعت لهم في السير أعلام الوصا ... ل فشمروا يا خيبة الكسلان ... ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان ... فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان ... من قاصرات الطرف لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشبان ... وقصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف في ذا الوجه للنسوان ... أو أنها قصرت عليه طرفه ... من حسنها فالطرف للذكران ... والأول المعهود من وضع الخطا ... ب فلا تحد عن ظاهر القرآن ... ولربما دلت اشارته على الثاني فتلك اشارة اللمعان ... قوله من قاصرات الطرف الخ قال الله تعالى فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان الرحمن كأنهن الياقوت والمرجان

الرحمن وصفهن سبحانه بقصر الطرف في ثلاث مواضع أحدها هذا والثاني قوله في الصافات وعندهم قاصرات الطرف عين والثالث قوله في سورة ص وعندهم قاصرات الطرف أتراب والمفسرون كلهم على ان المعنى قصر طرفهن على أزواجهن فلا يطمحن الى غيرهم وهذا معنى قول الناظم قصر عليه طرفها من حسنه الخ وقيل قصر طرف أزواجهن عليهم فلا يدعهم حسنهن وجمالهن ان ينظروا الى غيرهن وهذا صحيح من جهة المعنى دون اللفظ قال مجاهد والله ما هن متبرجات ولا متطلعات وهذا معنى قول الناظم أو أنها قصرت عليه طرفه الخ قوله والأول المعهود من وضع الخطاب أي أن القول الأول وهو ان المعنى قصرت عليه طرفها من حسنه هو ظاهر القرآن ... هذا وليس القاصرات كمن غدت ... مقصورة فهما اذا صنفان ... قال تعالى حور مقصورات في الخيام الرحمن أي محبوسات في الخيام قاله مقاتل وقال أبو عبيدة خدرن في الخيام وقال الفراء محبوسات على ازواجهن لا يطمحن الى من سواهم قال الناظم قلت هذا معنى قاصرات الطرف وهؤلاء مقصورات أي هن في الخيام قال الناظم ... يا مطلق الطرف المعذب في الألى ... جردن عن حسن وعن احسان ... لا تسبينك صورة من تحتها الداء الدوي تبوء بالخسران ... قحب خلائقها وقبح فعلها ... شيطانة في صورة الانسان ... تنقاد للأنذال والارذال هم ... اكفاؤها من دون ذي الاحسان

ما ثم من دين ولا عقل ولا ... خلق ولا خوف من الرحمن ... وجمالها زور ومصنوع فإن ... تركته لم تطمح لها العينان ... طبعت على ترك الحفاظ فمالها ... بوفاء حق البعل قط يدان ... إن قصر الساعي عليها ساعة ... قالت وهل أوليت من احسان ... أورام تقويما لها استعصت ولم ... تقبل سوى التعويج والنقصان ... أفكارها في المكر والكيد الذي ... قد حار فيه فكرة الانسان ... فجمالها قشر رقيق تحته ... ما شئت من عيب ومن نقصان ... نقد ردىء فوقه من فضة ... شيء يظن به من الاثمان ... فالناقدون يرون ماذا تحته ... والناس أكثرهم من العميان ... شرع الناظم رحمه الله تعالى في ذكر عيوب نساء الدنيا فقال لا تسبينك صورة من تحتها الخ أي إن صورتها وان حسنت فتحتها مالا يحصى من القبائح قوله تنقاد للانذال والارذال الخ قال في القاموس النذل والنذيل الخسيس من الناس المحتقر في جميع أحواله جمع انذال ونذول ونذلاء ونذال وقد نذل ككرم نذالة ونذولة قال والرذل والرذال والرذيل والارذل الدون الخسيس أو الردىء من كل شيء جمع أرذال ورذول ورذلاء ورذال وأرذلون وقد رذل ككرم وعلم رذالة ورذولة بالضم انتهى قوله هم اكفاؤها الخ أي انها لنذالتها ورذالتها تنقاد للانذال والأرذال قوله طبعت على ترك الحفاظ

الخ أي أنها طبعت على عدم الوفاء بحق الزوج قوله إن قصر الساعي عليها ساعة الخ يدل على ذلك الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فاني اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء فقامت امرأة جزلة فقالت ولم ذلك يا رسول الله قال انكن تكفرن العشير وتكثرن اللعن قوله أو رام تقويما لها استعصت الخ يشير الى ما في الصحيحين عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فان المرأة خلقت من ضلع وان اعوج ما في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء متفق عليه وفي رواية في الصحيحين المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وان استمعت بها استمتعت بها وفيها عوج وان ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها قال الناظم ... أما جميلات الوجوه فخائنا ... ت بعولهن وهن للأخذان ... الأخدان جمع خدن قال في القاموس الخدن بالكسر وكأمير الصاحب ومن يخادنك في أمر ظاهر وباطن والاخذان الاحباب يزنون بهن في السر قال الحسن المسافحة هي ان كل من دعاها تبعته وذات خدن أي تختص بواحد لا تزني الا معه والعرب تحرم الاولى وتجوز الثانية ... والحافظات الغيب منهن ... التي قد أصبحت فردا من النسوان ... فانظر مصارع من يليك ومن خلا ... من قبل من شيب ومن شبان ... وارغب بعقلك أن تبيع العالي ال ... باقي بذا الادنى الذي هو فاني

ان كان قد أعياك خود مثلما ... تبغي ولم تظفر الى ذا الآن ... فاخطب من الرحمن خودا ثم قدم مهرها ما دمت ذا إمكان ... ذاك النكاح عليك أيسر إن يكن ... لك نسبة للعلم والايمان ... والله لم تخرج الى الدنيا للذة عيشها او للحطام الفاني ... لكن خرجت لكي تعد الزاد لل ... أخرى فجئت بأقبح الخسران ... أهملت جمع الزاد حتى فات بل ... فات الذي ألهاك عن ذا الشان ... والله لو ان القلوب سليمة ... لتقطعت اسفا من الحرمان ... لكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمان ... قوله خود الخود الحسنة الخلق الشابة الناعمة قوله والحافظات للغيب أي حافظات للفروج في غيبة الازواج وقيل حافظات لسرهم وقيل حافظات للغيب بحفظ الله وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير النساء امرأة ان نظرت اليها سرتك وان أمرتها أطاعتك واذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها ثم تلا الرجال قوامون على النساء النساء الأية قوله فانظر مصارع من يليك ومن خلا الخ أي انظر مصارع العشاق واقرأ ما صنفه العلماء في ذلك ك مصارع العشاق للشيخ أبي محمد جعفر السراج ترى ما جرى على عشاق الصور قوله والله لو أن القلوب سليمة الخ لو تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فاذا كان ما بعدها مثبتا كان منفيا نحو لو جاءني أكرمته واذا

كان منفيا كان مثبتا نحو لو لم يسيء لم أعاقبه هكذا ذكر النحاة فمعنى البيت على هذا إن القلوب ليست بسليمة لأن ما بعد لو مثبت والله أعلم - فصل ... فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان ... حور حسان قد كملن خلائقا ... ومحاسنا من أجمل النسوان ... قال الله تعالى وزوجناهم بحور عين الدخان الحور جمع حوراء وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين التي يحار الطرف فيها من رقة الجلد وصفاء اللون قاله مجاهد والصحيح أن الحور مأخوذ من الحور في العين وهو شدة بياضها مع قوة سوادها فهو يتضمن الأمرين وقال تعالى وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون الواقعة روى الطبراني عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى وحور عين قال حور بيض عين ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر قلت اخبرني عن قوله كأنهم بيض مكنون الصافات 49 قال صفاؤهن صفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي قلت أخبرني عن قوله فيهن خيرات حسان الرحمن قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه قلت أخبرني عن قوله كأنهن بيض مكنون الصافات قال رقتهن كرقة الجلد الذي رأيته في داخل البيضة مما يلي القشر الحديث

حتى يحار الطرف في الحسن الذي ... قد ألبست فالطرف كالحيران ... ويقول لما أن يشاهد حسنها ... سبحان معطي الحسن والاحسان ... والطرف يشرب من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشارب النشوان ... كملت خلائقها وأكمل حسنها ... كالبدر ليل الست بعد ثمان ... والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان ... فتراه يعجب وهو موضع ذلك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان ... فيقول سبحان الذي ذا صنعه ... سبحان متقن صنعة الانسان ... لا الليل يدرك شمسها فتغيب عند مجيئة حتى الصباح الثاني ... والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان ... وكلاهما مرآة صاحبه إذا ... ما شاء يبصر وجهه يريان ... فيرى محاسن وجهه في وجهها وترى محاسنها به بعيان ... روى ابن وهب عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الرجل في الجنة ليتكىء سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة الحديث وروى ابو يعلى الموصلي عن رجل من الأنصار عن ابي هريرة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه فذكر حديث الصور وفيه والذي بعثني بالحق نبيا ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على اثنين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وثنتين من ولد أم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله تعالى

في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون حلة من سندس وإستبرق وانه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة إلى آخر الحديث هذا قطعة من حديث الصور الذي تفرد به اسماعيل بن رافع وقد روى له الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي ضعفه بعض اهل العلم وسمعت محمد يعني البخاري يقول هو ثقة مقارب الحديث قال الناظم قال شيخنا ابو الحجاج الحافظ هذا الحديث مجموع من عدة احاديث ساقه اسماعيل وغيره وشرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد وما تضمنه معروف في الأحاديث والله أعلم ... حمر الخدود ثغورهن لآلأ ... سود العيون فواتر الأجفان ... والبرق يبدو حين يبسم ثغرها ... فيضيء سقف القصر بالجدران ... ولقد روينا أن برقا ساطعا ... يبدو فيسأل عنه من بجنان ... فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك ... في الجنة العليا كما تريان ... لله لاثم ذلك الثغر الذي ... في لثمه إدراك كل أمان ... روى أبو نعيم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سطع نور في الجنة فرفعوا رؤوسهم فاذا هو ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها وروى ابن أبي الدنيا عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن نورا سطع في الجنة لم يبق موضع في الجنة إلا دخل من ذلك النور فيه فقيل ما هذا

قيل حوراء ضحكت في وجه زوجها قال صالح فشهق رجل من ناحية المجلس فلم يزل يشهق حتى مات ورواه الخطيب في تاريخه مرفوعا ولم يذكر الشهق ... ريانة الأعطاف من ماء الشبا ... ب فغصنها بالماء ذو جريان ... لما جرى ماء النعيم بغصنها ... حمل الثمار كثيرة الألوان ... فالورد والتفاح والرمان في ... غصن تعالى غارس البستان ... والقدر منها كالقضيب اللدن في ... حسن القوام كأوسط الغضبان ... في مغرس كالعاج تحسب أنه ... عالي النقا او واحد الكثبان ... لا الظهر يلحقها وليس ثديها ... بلواحق للبطن أو بدوان ... لكنهن كواعب ونواهد ... فثديهن كألطف الرمان ... القضيب الغصن وهو واحد القضبان الكثيب التل من الرمل النقا من الرمل والنقور والنقا عظم العضد وقوله وليس ثديها هو بضم الثا وكسر الدال جمع ثدي ... والجيد ذو طول وحسن في بيا ... ض واعتدل ليس ذا نكران ... يشكو الحلي بعاده فهل مدى الأيام وسواس من الهجران ... والمعصمان فان تشأ شبههما ... بسبيكتين عليهما كفان ... ... كالزبد لينا في نعومة ملمس ... أصداف در دورت بوزان ... والصدر متسع على بطن لها ... حفت به خصران ذات ثمان ... وعليه أحسن سرة هي مجمع الخصرين قد غارت من الأعكان ... حق من العاج استدار وحوله ... حبات مسك جل ذو الاتقان

وإذا انحدرت رأيت أمرا هائلا ... ما للصفات عليه من سلطان ... لا الحيض يغشاه ولا بول ولا ... شيء من الآفات في النسوان ... فخذان قد حفا به حرسا له ... فجنابه في غرة وصيان ... قوله والجيد ذو طول الخ وصف الجيد وهو الرقبة بأنه ذو طول وحسن وأنه ليس بالطويل ولا بالقصير كما قال امرؤ القيس ... وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش اذا هي رضته ولا بمعطل ... قوله والمعصمان الخ المعصمان تثنية معصم وهو موضع السوار من الزند والزند طرف الذراع الذي انحسر عنه اللحم قوله ذات ثمان قال العلامة الميداني لما تكلم على المثل المشهور أخنث من هيت وذكر قوله لعبد الله بن أبي امية إن فتح الله عليكم الطائف فسل ان تنفل بادية بنت غيلان بن سلمة فانها متبلة هيفاء شموع نجلاء ثنا صف وجهها في القسامة وتجرأ معتدلا في الوسامة ان قامت تثنت وان قعدت تبنت وان تكلمت تغنت أعلاها قضيب وأسفلها كثيب اذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان الخ قوله تقبل بأربع يعني بأربع عكن في بطنها وقوله وتدبر بثمان يعني أطراف هذه العكن الأربع في جنبها لكل عكنة طرفان لأن العكن تحيط بالطرفين والجنبين حتى تلحق بالمتنين من مؤخر المرأة وقال بثمان وانما هي عدد للأطراف وواحدها طرف وهو مذكر لأن هذا كقولهم هذا الثوب سبع في ثمان على نية الأشبار انتهى

قاما بخدمته هو السلطان بينهما وحق طاعة السلطان ... وهو المطاع أميره لا ينثني ... عنه ولا هو عنده بجبان ... وجماعها فهو الشفاء لصبها ... فالصب منه ليس بالضجران ... وإذا يجامعها تعود كما أتت ... بكرا بغير دم ولا نقصان ... فهو الشهي وعضوه لا ينثني ... جاء الحديث بذا بلا نكران ... روى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكار تفرد به يعلى وروى أبو نعيم عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل هل يمس أهل الجنة أزواجهم قال نعم بذكر لا يمل وفرج لا يخفى وشهورة لا تنقطع ... ولقد روينا أن شغلهم الذي ... قد جاء في يس دون بيان ... شغل العروس بعرسه من بعد ما ... عبثت به الأشواق طول زمان ... بالله لا تسأله عن أشغاله ... تلك الليالي شأنه ذو شان ... قال عكرمة في قوله تعالى أن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون يسن أي افتضاض الأبكار وراه سعيد بن منصور وروى عبد الله ابن أحمد عن ابن مسعود في الآية المذكورة قال شغلهم افتضاض العذارى وروى الحاكم عن الأوزاعي في الآية المذكورة قال شغلهم افتضاض الأبكار ومثله قال ابن عباس فيها رواه ابن ابي الدنيا ... واضرب لهم مثلا بصب غاب عن ... محبوبه في شاسع البلدان

والشوق يزعجه اليه وماله ... بلقائه سبب من الامكان ... وافى اليه بعد طول مغيبه ... عنه وصار الوصل ذا إمكان ... أتلومه أن صار ذا شغل به ... لا والذي أعطى بلا حسبان ... يا رب غفرا قد طغت أقلامنا ... يا رب معذرة من الطغيان ... قوله غفرا هو بفتح الغين مصدر منصوب أي اغفر غفرا والغفر التغطية يقال غفر الله ذنبك أي ستره ومعنى قول رب اغفر لي استر علي ذنبي وقني عقوبته في الآخرة قال الناظم رحمه الله تعالى فصل ... أقدامها من فضة قد ركبت ... من فوقها ساقان ملتفان ... الساق مثل العاج ملموم يرى ... مخ العظام وراءه بعيان ... والريح مسك والجسوم نواعم ... واللون كالياقوت والمرجان ... وكلامها يسبي العقول بنغمة ... زادت على الأوتار والعيدان ... وهي العروب بشكلها وبدلها ... وتحبب للزوج كل أوان ... وهي التي عند الجماع تزيد في ... حركاتها للعين والأذنان

لطفا وحسن تبعل وتغنج ... وتحبب تفسير ذي العرفان ... تلك الحلاوة والملاحة أوجبا ... اطلاق هذا اللفظ وضع لسان ... فملاحة التصوير قبل غناجها ... هي أول وهي المحل الثاني ... فإذا هما اجتمعا لصب وامق ... بلغت به اللذات كل مكان ... قوله وهي العروب الخ قال الله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا الواقعة الآية عربا جمع عروب وهن المتحببات إلى أزواجهن وزاد ابن الأعرابي المطيعات لأزواجهن وقال أبو عبيد الحسنة التبعل يريد حسن مواقعتها وملاطفتها عند الجماع وقال المبرد هي العاشقة لزوجها وذكر المفسرون في تفسير العرب انهن العواتق المتحببات الغنجات الشكلات الغلمات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم قال البخاري في صحيحه عربا متصلة واحدها عروب تسميها أهل مكة العربة وأهل المدينة الغنجة وأهل العراق الشكلة فجمع سبحانه بين حسن صورتها وحسن عشرتها وهذا غاية ما يطلب من النساء وبه تكمل لذة الرجل بهن فان لذته بالمرأة التي لم يطأها سواه لها فضل على لذته بغيرها وكذلك هي قوله تبعل قال في القاموس تبعلت أطاعت بعلها أو تزينت له قوله تغنج قال في القاموس الغنج بالضم وبضمتين وكغراب الشكل غنجت الجارية كسمع وتغنجت وهي مغناج وغنجة وهذا شرح ما ذكر الناظم في هذه الابيات والله اعلم

فصل ... أتراب سن واحد متماثل ... سن الشباب لأجمل الشبان ... بكر فلم يأخذ بكارتها سوى المحبوب من انس ولا من جان ... حصن عليه حارس من اعظم الحراس بأسا شأنه ذو شان ... فإذا احس بداخل للحصن ولى هاربا فتراه ذا إمعان ... ويعود وهنا حين رب الحصن يخرج منه فهو كذا مدى الأزمان ... وكذا رواه أبو هريرة إنها ... تنصاع بكرا للجماع الثاني ... ... لكن دراجا أبا السمح الذي فيه ... يضعفه أولو الاتقان ... هذا وبعضهم يصح عنه في التفسير كالمولود من حبان ... فحديثه دون الصحيح وإنه ... فوق الضعيف وليس ذا إتقان ... يعطى المجامع قوة المائة التي اجتمعت لأقوى واحد الانسان ... لا أن قوته تضاعف هكذا إذ قد يكون أضعف الأركان ... ويكون أقوى منه ذا نقص من الإيمان والأعمال والاحسان ... قوله أتراب الاتراب جمع ترب وهو لدة الانسان قوله سن الشباب وهو ثلاث وثلاثون سنة كما تقدم

قوله بكرا الخ قال الله تعالى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان الرحمن أي لم يمسهن قاله أبو عبيدة وقال الفراء الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية والطمث هو الدم والطامث هي الحائض قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن هذه ألفاظهم وقال بعضهم هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها قاله مقاتل وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا قاله الشعبي وزاد لم يمسسن منذ أنشئن خلقا قال ابن عباس هن الآدميات اللاتي متن أبكارا قال الناظم قلت ظاهر القرآن أن هؤلاء النسوة ليس من نساء الدنيا وإنما هن من الحور العين وأما نساء الدنيا فقد طمثهن الانس ونساء الجن قد طمثهن الجن الآية تدل على ذلك كما قال أبو اسحاق ويدل عليه التي بعدها حور مقصورات في الخيام الرحمن قال الامام احمد والحور العين لا يمتن عند النفخة في الصور لأنهن خلقن للبقاء وفي الآية دليل لما ذهب اليه الجمهور ان مؤمني الجن في الجنة كما أن كافرهم في النار وبوب عليه البخاري في صحيحه فقال باب ثواب الجن وعقابهم ونص عليه غير واحد من السلف قوله وكذا رواه أبو هريرة الخ هو ما روى ابن وهب عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله أنطأ في الجنة قال نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فاذا قام رجعت مطهرة بكرا وذكر الناظم أن في اسناده دراجا أبا السمح وهو ضعيف قال أحمد عامة أحاديثه مناكير وقال النسائي منكر الحديث وقال أبو حاتم والدارقطني ضعيف ومتروك وقال النسائي أيضا ليس بالقوي وساق

له ابن عدي أحاديث وقال عامتها لا يتابع عليها ووثقه يحيى وأخرج عنه ابن حبان في صحيحه وقال ابن المديني ثقة قوله وبعضهم يصح عنه في التفسير الخ المراد أبو حاتم ابن حبان وذكرالناظم في النظم أن حديثه دون الصحيح وفوق الضعيف والله أعلم قوله يعطي المجامع الخ روى ابو نعيم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن في الجنة ثلاث وسبعون زوجة فقلنا يا رسول الله أوله قوة على ذلك قال انه ليعطي قوة مائة رجل في اسناده أحمد بن حفص السعدي له مناكير ... ولقد روينا أنه يغشى بيو ... م واحد مائة من النسوان ... ورجاله شرط الصحيح رووا لهم فيه وذا في معجم الطبراني ... هذا دليل أن قدر نسائهم ... متفاوت بتفاوت الايمان ... وبه يزول توهم الاشكال عن ... تلك النصوص بمنة الرحمن ... وبقوة المائة التي حصلت له ... أفضى إلى مائة بلا خوران ... وأعفهم في هذه الدنيا هو الأقوى هناك لزهده في الفاني ... فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين واصبر ساعة لزمان ... ما هاهنا والله ما يسوى قلا ... مة ظفر واحدة ترى بجنان ... ماهاهنا الا النقار وسيء الأخلاق مع عيب ومع نقصان ... هم وغم دائم لا ينتهي ... حتى الطلاق وبالفراق الثاني

والله قد جعل النساء عوانيا ... شرعا فأضحى البعل وهو العاني ... لاتؤثر الأدنى على الأعلى فان ... تفعل رجعت بذلة وهوان ... روى الطبراني عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله هل نصل الى نسائنا في الجنة فقال ان الرجل ليصل في اليوم الواحد الى مائة عذراء تفرد به الجعفي قال محمد بن عبد الواحد المقدسي رجاله عندي على شرط الصحيح وروى ابو الشيخ عن ابن عباس قال قيل يا رسول الله انفضي الى نسائنا في الجنة كما نفضي اليهن في الدنيا قال والذي نفس محمد بيده ان الرجل ليفضي في الغداة الواحدة الى مائة عذراء فيه زيد ابن أبي الحواري وهو العمي قال فيه ابن معين صالح وقال مرة لاشيء وقال مرة ضعيف يكتب حديثه وكذلك قال ابو حاتم زقال الدارقطني وضعفه النسائي وقال السعدي متماسك قال الناظم قلت وحسبه رواية شعبة عنه الاحاديث الصحيحة إنما فيها لكن منهم زوجتان وليس في الصحيح زيادة على ذلك فان هذه الاحاديث محفوظة فاما أن يراد بها لكل واحد من السراري زيادة على الزوجين ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القلة والكثرة كالخدم والولدان وأما أن يراد به أن يعطى قوة من يجامع هذا العدد ويكون هذا هو المحفوظ فرواه بعض هؤلاء بالمعنى فقال له كذا وكذا زوجة قال وقد روى الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع قيل يا رسول الله أو يطيق ذلك قال يعطى قوة مائة هذا حديث صحيح فلعل من رواه

يفضي الى مائة عذراء بالمعنى أو يكون تفاوتهم في عدد النساء بحسب تفاوتهم في الدرجات والله أعلم قال ولا ريب أن للمؤمن اكثر من اثنيتين لما في الصحيحين من حديث أبي بكر بن عبدالله بن قيس عن ابيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلا للعبد المؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لايرى بعضهم بعضا انتهى كلامه قوله والله قد جعل النساء عوانيا الخ قال في القاموس العواني النساء لأنهم يظلمن فلا ينتصرن فصل ... وإذا بدت في حلة من لبسها ... وتمايلت كتمايل النشوان ... تهتز كالغصن الرطيب وحمله ... ورد وتفاح على رمان ... وتبخترت في مشيها ويحق ذا ... ك لمثلها في جنة الحيوان ... قوله ورد الخ الورد في الخدود والتفاح في الوجنات والرمان في الصدر وهما النهدان قوله وتبخرت الخترة والتبختر مشية حسنة والبختري الحسن المشي والجسم والمختال كالبختير قاله في القاموس ... ووصائف من خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمان

كالبدر ليلة تمه قد حف في ... غسق الدجى بكواكب الميزان ... فلسانه وفؤاده والطرف في ... دهش وإعجاب وفي سبحان ... فالقلب قبل زفافها في عرسه ... والعرس إثر العرس متصلان ... حتى إذا ما واجهته تقابلا ... أرأيت إذ يتقابل القمران ... فسل المتيم هل يحل الصبر عن ... ضم وتقبيل وعن فلتان ... وسل المتيم أين خلف صبره ... في أي واد أم بأي مكان ... وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان ... من منطق رقت حواشيه ووجه كم به للشمس من جريان ... وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان ... يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان ... جمان كغراب اللؤلؤ وهنوات اشكال اللؤلؤ من فضة الواحدة جمانة قاله في القاموس قوله بكواكب الميزان أي كوكب الجوزاء ... وسل المتيم كيف مجلسه مع المحبوب في روح وفي ريحان ... وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان ... يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود اخرى ثم يتكئان ... فيضمها وتضمه أرأيت معشوقين بعد البعد يلتقيان

غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان ... أتراهما ضجرين من ذا العيش لا ... وحياة ربك ما هما ضجران ... ويزيد كل منهما حبا لصا ... حبه جديدا سائر الأزمان ... ووصاله يكسوه حبا بعده ... متسلسلا لا ينتهي بزمان ... فالوصل محفوف بحب سابق ... وبلاحق وكلاهما صنوان ... فرق لطيف بين ذاك وبين ذا ... يدريه ذو شغل بهذا الشان ... ومزبدهم في كل وقت حاصل ... سبحان ذي الملكوت والسلطان ... يا غافلا عما خلقت له انتبه ... جد الرحيل فلست باليقظان ... سار الرفاق وخلفوك مع الألى ... قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني ... ورأيت أكثر من ترى متخلفا ... فتبعتهم ورضيت بالحرمان ... لكن أتيت بخطتي عجز وجهل بعد ذا وصحبت كل أمان ... منتك نفسك باللحاق مع القعو ... د عن المسير وراحة الأبدان ... ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ... ماذا صنعت وكنت ذا إمكان

فصل في ذكر الخلاف بين الناس هل تحبل نساء أهل الجنة أم لا ... والناس بينهم خلاف هل بها ... حبل وفي هذا لهم قولان ... فنفاه طاووس وابراهيم ثم مجاهد وهم أولو العرفان ... وروى العقبلي الصدوق أبو رزين صاحب المبعوث بالقرآن ... أن لا توالد في الجنان رواه تعليقا محمد العظيم الشان ... وحكاه عنه الترمذي وقال اسحاق بن ابراهيم ذو الاتقان ... لا يشتهي ولدا بها ولو اشتها ... ه لكان ذاك محقق الامكان ... وروى هشام لابنه عن عامر ... عن ناجي عن سعد بن سنان ... ان المنعم بالجنان إذا اشتهى الولد الذي هو نسخة الانسان ... فالحمل ثم الوضع ثم السن في ... فرده من الساعات في الأزمان ... اسناده عندي صحيح قد روا ... ه الترمذي واحمد الشيباني ... ورجال ذا الاسناد محتج بهم ... في مسلم وهم اولو إتقان ... لكن غريب ماله من شاهد ... فرد بذا الاسناد ليس بثان

لولا حديث ابي رزين كان ذا ... كالنص يقرب منه في التبيان ... ولذلك أوله ابن ابراهيم بالشرط الذي هو منتفى الوجدان ... وبذاك رام الجمع بين حديثه ... وأبي رزين وهو ذو إمكان ... هذا وفي تأويله نظر فان اذا لتحقيق وذي إتقان ... ولربما جاءت لغير تحقق ... والعكس في ان ذاك وضع لسان ... حاصل هذا الفصل قد ذكره الناظم في حادي الأرواح ولنذكر كلامه ملخصا قال فصل في ذكر اختلاف الناس هل في الجنة حمل وولادة روى الترمذي واستغربه عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي قال اسحق بن ابراهيم ولكن لا يشتهي قال بعضهم في الجنة جماع ولا يكون ولد وقد روي عن ابي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد قال الناظم قلت حديث ابي سعيد على شرط الصحيح ورجاله محتج بهم فيه ولكنه غريب جدا وتأويل اسحاق فيه نظر وروى أبو نعيم عن ابي سعيد المذكور قال قيل يا رسول الله أيولد لأهل الجنة فان الولد من تمام السرور فقال نعم والذي نفسي بيده ما هو كقدر ما يتمنى أحدكم فيكون حمله ورضاعه وشبابه في ساعة واحدة وروى الحاكم مثله أيضا عنه قال البيهقي وهذا إسناد ضعيف بمرة وفي حديث أبي رزين الطويل الذي أشار اليه البخاري غير أن لا توالد رواه احمد والطبراني وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه وأبو نعيم وغيرهم

على سبيل القبول والتسليم فهذا حديث صريح في انتفاه الولد قوله إذا اشتهى معلق بالشرط ولا يلزم من التعليق وقوع المعلق ولا المعلق به واذا وان كانت ظاهرة في المحقق فقد تستعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقق وغيره قالوا وفي هذا الموضع يتبين ذلك بوجوه عشرة ثم ذكرها الناظم ثم قال النافون للولادة في الجنة لم ينفوها لزيغ في قلوبهم ولكن لحديث أبي رزين غير أن لا توالد وقد حكى الترمذي في ذلك قولين للسلف والخلف وحديث الترمذي غريب فان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاله فهو الحق الذي لا شك فيه ولا تناقض بينه وبين حديث أبي رزين غير أن لا توالد إذ ذلك نفي للتوالد المعهودة في الدنيا لا ينفي ولادة حمل الولد ووضعه وسنه وشبابه في ساعة واحدة انتهى كلامه قوله وروى هشام لابنه الخ هذا هو حديث أبي سعيد الذي تقدم أول الفصل قوله عن سعد بن سنان هو ابو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه قال الناظم ... واحتج من نصر الولادة أن رفي الجنات سائر شهوة الانسان ... والله قد جعل البنين مع النسا ... من أعظم الشهوات في القرآن ... فأجيب عنه بأنه لا يشتهي ... ولدا ولا حبلا من النسوان

واحتج من منع الولادة أنها ... ملزومة أمرين ممتنعان ... حيض وإنزال المني وذانك الأمران في الجنات مفقودان ... وروى صدي عن رسول الله أن منيهم إذ ذاك ذو فقدان ... بل لا مني ولا منية هكذا يروي سليمان هو الطبراني ... وأجيب عنه بأنه نوع سوى المعهود في الدنيا من النسوان ... ... فالنفي للمعهود في الدنيا من الايلاد والاثبات نوع ثاني ... والله خالق نوعنا من أربع ... متقابلات كلها بوزان ... ذكر وأنثى والذي هو ضده ... وكذلك من أنثى بلا ذكران ... والعكس أيضا مثل حوا أمنا ... هي أربع معلومة التبيان ... وكذاك مولود الجنان يجوز أن ... يأتي بلا حيض ولا فيضان ... والأمر في ذا ممكن في نفسه ... والقطع ممتنع بلا برهان ... قوله واحتج من نصر الولادة الخ أي احتج من نصر القول بالولادة في الجنة بأن في الجنة جميع الشهوات كما قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين آل عمران الآية قوله وأجيب عنه الخ أي أجاب من منع الولادة بأنه لا يشتهي ولدا وحبلا قوله واحتج من منع الولادة أي احتج مانعو الولاد بأنه يلزمها

أمران ممتنعان في الجنة وهما الحيض وانزال المني قوله وروى صدي أي روى ابو امامة صدي بن عجلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل هل يتناكح أهل الجنة قال بذكر لا بمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما وفي لفظ عنه دحما دحما ولكن لامني ولا منية أي لا إنزال ولا موت فهو صريح في انتفاء المني في الجنة فاحتج من أنكر الولادة بانه نوع سوى المعهود في الدنيا من النسوان فالنفي للمعهود في الدنيا من الايلاد والاثبات نوع آخر قوله والله خالق نوعنا من اربع الخ أي إن الله خلق نوع الانسان من اربعة اشياء متقابلة من ذكر وأنثى كبني آدم ولا من ذكر ولا أنثى كآدم عليه السلام وذكر بلا أنثى كحواء أمنا ومن أنثى بلا ذكر كعيسى عليه السلام فهذه أربع كما ذكره الناظم قوله وكذاك مولود الجنان الخ أي ان مولود الجنان يجوز أن يوجد بلا حيض ولا فيضان أي مني وقدرة الله صالحة والله اعلم فصل في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى ونظرهم إلى وجهه الكريم ... ويرونه سبحانه من فوقهم ... رؤيا العيان كما يرى القمران ... هذا تواتر عن رسول الله لم ... ينكره إلا فاسد الايمان

وأتى به القرآن تصريحا وتعريضا هما بسياقه نوعان ... وهي الزيادة قد أتت في يونس ... تفسيره قد جاء بالقرآن ... ورواه عنه مسلم بصحيحه ... يروي صهيب ذا بلا كتمان ... وهو المزيد كذاك فسره أبو ... بكر هو الصديق ذو الايقان ... ... وعليه أصحاب الرسول وتابعو ... هم بعدهم تبعية الاحسان ... ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعين وأئمة الاسلام وأنكرها أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والباطنية والرافضة قوله وأتى بها القرآن تصريحا وتعريضا الخ التصريح كما في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناضرة القيامة 22 23 وقوله تعالى اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه البقرة 223 وقوله تحيتهم يوم يلقونه سلام الاحزاب 44 وقوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه الكهف 110 وقوله الذين يظنون أنهم ملاقو الله البقرة 249 وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والتعريض كقوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون المطففين 15 وقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس 26 قوله وهي الزيادة قد أتت في يونس الخ في صحيح مسلم عن صهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل

الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وهي الزيادة وروى الحسن بن عرقة عن انس عنه صلى الله عليه وسلم قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى قوله وهو المزيد كذا فسره أبو بكر الخ يعني قوله تعالى لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ق قال علي وأنس هو النظر إلى وجه الله تعالى وقاله من التابعين زيد بن وهب وغيره قوله وعليه أصحاب الرسول وتابعوهم الخ أي إن اثبات رؤيته سبحانه هو قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم باحسان ... ولقد أتى ذكر اللقاء لربنا الرحمن في سور من الفرقان ... ولقاؤه إذ ذ 1 ك رؤيته حكى الإجماع فيه جماعة ببيان ... وعليه أصحاب الحديث جميعهم ... لغة وعرفا ليس يختلفان ... يعني قوله تعالى واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه البقرة وقوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام الأحزاب وقد أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى الرؤية والمعاينة ولا يتنقض هذا بقوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه التوبة فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه في عرصات القيامة والكفار ايضا كما في الصحيحين في حديث التجلي يوم القيامة

وفي هذه ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يراه إلا المؤمنون والثاني يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك والثالث يراه المنافقون دون الكفار وكذلك الاقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم ولشيخ الاسلام في ذلك مصنف مفرد ... هذا ويكفي أنه سبحانه ... وصف الوجوه بنظرة بجنان ... وأعاد أيضا وصفها نظرا وذا ... لا شك يفهم رؤية بعيان ... وأتت أداة إلى لرفع الوهم من ... فكر كذاك ترقب الانسان ... وأضافه لمحل رؤيتهم بذكر الوجه إذ قامت به العينان ... تالله ما هذا بفكر وانتظا ... ر مغيب أو رؤية لجنان ... ما في الجنان من انتظار مؤلم ... واللفظ يأباه لذي العرفان ... لا تفسدوا لفظ الكتاب فليس فيه حيلة يا فرقة الروغان ... ما فوق ذا التصريح شيء ما الذي ... يأتي به من بعد ذا التبيان ... لو قال ابين ما يقال لقلتم ... هو مجمل ما فيه من تبيان ... قال الناظم في حادي الأرواح في الكلام على قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة القيامة وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها فيما أراد منها وجدتها منادية نداء صريحا إن الله سبحانه يرى عيانا بالابصار يوم القيامة وإن أبيت الا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلا فتاويل نصوص المعاد

والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك وهذا الذي أفسد الدين والدنيا واسمع الآن أيها السني تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وأئمة الاسلام لهذه الآية روى ابن مردويه عن ابن عمرو وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة القيامة قال من البهاء والحسن إلى ربها ناظرة القيامة وقال ابن عباس تنظر الى وجه ربها تعالى وقال عكرمة ناضرة من النعيم الى ربها ناظرة تنظر نظرا وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث وأما الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة منها حديث ابي بكر الصديق عند أحمد في ذكر استشفاع الناس من نبي الى نبي وهو طويل جدا فيه فاذا نظر إلى ربه تعالى خر ساجدا ومنها حديث ابي هريرة وابي سعيد في الصحيحين أن أناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا قال هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فانكم ترونه كذلك الحديث وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر الى القمر ليلة اربع عشرة فقال انكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا الحديث والأحاديث بذلك كثيرة وهي متواترة كما تقدم قوله وصف الوجوه بنظرة بجنان والمراد الحسن والجمال ثم قال الى ربها ناظرة وهي الرؤية بالعيان قوله وأتت أداة الى لرفع

الوهم من فكر الخ أي أن المعنى النظر الى الرب تعالى وأتت أداة الى لدفع توهم الانتظار وذلك كما يقول المؤولة إن معنى ناظرة تنتظر الثواب قوله وإضافة لمحل رؤيتهم بذكر الوجه أي إنه تعالى قال وجوه يومئذ ناضرة القيامة فاضاف النظر الى الوجوه لأن العينان فيه ... ولقد أتى في سورة التطفيف أن القوم قد حجبوا عن الرحمن ... فيدل بالمفهوم ان المؤمنين يرونه في جنة الحيوان ... وبذا استدل الشافعي واحمد ... وسواهما من عالمي الأزمان ... وأتى بذا المفهوم تصريحا بآ ... خرها فلا تخدع عن القرآن ... واتى بذلك مكذبا للكافرين الساخرين بشيعة الرحمن ... ضحكوا من الكفار يومئذ كما ... ضحكوا هم منهم على الايمان ... وأثابهم نظرا اليه ضد ما ... قد قاله فيهم اولو الكفران ... فلذاك فسره الأئمة انه ... نظر الى الرب العظيم الشان ... لله ذاك الفهم يؤتيه الذي ... هو اهله من جاد بالاحسان ... يشير إلى قوله تعالى في سورة المطففين عن الكفار كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين فمفهومه أن المؤمنين يرونه سبحانه قال الناظم في حادي الأرواح كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون أي عن رؤيته وسماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ويسمعوا

كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه وقد احتج بهذا الشافعي وغيره من الأئمة انتهى كلامه قوله وأتى بذا المفهوم تصريحا بآخرها الخ يعني قوله تعالى فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون المطففين أي ينظرون الى الرب سبحانه كما فسرها الأئمة بذلك وذلك أن الكفار في الدنيا كانوا من المؤمنين يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون فجزاهم الله تعالى بأن جعلهم يضحكون على الكفار وهم على الأرائك كما كانوا يضحكون عليهم في الدنيا والله أعلم قال الناظم رحمه الله تعالى ... وروى ابن ماجة مسندا عن جابر ... خبرا وشاهده ففي القرآن ... بيناهم في عيشهم وسرورهم ... ونعيمهم في لذة وتهان ... وإذا بنور ساطع قد أشرقت ... منه الجنان قصيها والداني ... رفعوا اليه رؤوسهم فرأوه نو ... ر الرب لا يخفى على انسان ... وإذا بربهم تعالى فوقهم ... قد جاء للتسليم بالاحسان ... قال السلام عليكم فيرونه ... جهرا تعالى الرب ذو السلطان ... مصداق ذا يس قد ضمنته عند القول من رب بهم رحمان ... من رد ذا فعلى رسول الله رد وسوف عند الله يلتقيان ... في ذا الحديث علوه ومجيئه ... وكلامه حتى يرى بعيان

هذي أصول الدين في مضمونه ... لا قول جهم صاحب البهتان ... يعني قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم يس روى ابن ماجه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فاذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وهو قول الله تعالى سلام قولا من رب رحيم يس فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم ويبقى فيهم بركته ونوره ... وكذا حديث أبي هريرة ذلك الخبر الطويل أتى به الشيخان ... فيه تجلى الرب جل جلاله ... ومجيئه وكلامه ببيان ... وكذاك رؤيته وتكليم لمن ... يختاره من امة الانسان ... فيه أصول الدين أجمعها فلا ... تخدعك عنه شيعة الشيطان ... وحكى رسول الله فيه تجدد الغضب الذي للرب ذي السلطان ... إجماع أهل العزم من رسل الإله ... وذاك إجماع على البرهان ... لا تخدعن عن الحديث بهذه الآراء فهي كثيرة الهذيان ... أصحابها اهل التخرص والتنا ... قض والتهاتر قائلو البهتان ... حديث ابي هريرة الذي أشار اليه هو مافي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع اليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد

فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم الى ربكم فيقول بعض الناس لبعض إيتوا آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وامر الملائكة فسجدوا لك لشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح انت اول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي اذهبوا الى ابراهيم فيأتون الى ابراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من اهل الارض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه الا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول لهم موسى ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي اذهبوا إلى عيسى فيأتون

عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي اذهبوا إلى محمد فيأتونني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبييين وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى الى ما قد بلغنا فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع راسك سل تعطه اشفع تشفع فأرفع راسي فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال يا محمد ادخل الجنة من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من ابواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى ... يكفيك أنك لو حرصت فلن ترى ... فئتين منهم قط يتفقان ... الا اذا ما قلدا لسواهما ... فتراهما جيلا من العميان ... ويقودهم أعمى يظن كمبصر ... يا محنة العميان خلف فلان ... هل يستوي هذا ومبصر رشده ... الله أكبر كيف يستويان ... أو ما سمعت منادي الايمان يخبر عن منادي جنة الحيوان ... يا أهلها لكم لدى الرحمن وعد وهو منجزه لكم بضمان

قالوا أما بيضت أوجهنا كذا ... أعمالنا ثقلت ففي الميزان ... وكذاك قد أدخلتنا الجنات حين أجرتنا من مدخل النيران ... فيقول عندي موعد قد آن أن ... أعطيكموه برحمتي وحناني ... فيرونه من بعد كشف حجابه ... جهرا روى ذا مسلم ببيان ... روى مسلم في صحيحه عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار فيكشف الحجاب فينظرون اليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب اليهم من النظر اليه ... ولقد أتانا في الصحيحين اللذين هما أصح الكتب بعد قران ... برواية الثقة الصدوق جرير البجلي عمن جاء بالقرآن ... أن العباد يرونه سبحانه ... رؤيا العيان كما يرى القمران ... قد تقدم حديث جرير في الرؤية قوله البردين قال في القاموس الأبردان الغداة والعشي كالبردين ... فان استطعتم كل وقت فاحفظوا ... البردين ما عشتم مدى الأزمان ... ولقد روى بضع وعشرون امرءا ... من صحب احمد خيرة الرحمن ... أخبار هذا الباب عمن قد اتى ... بالوحي تفصيلا بلا كتمان ... وألذ شيء للقلوب فهذه ال ... أخبار مع امثالها هي بهجة الايمان

نقل الناظم في حادي الارواح قال الطبراني فتحصل في الباب ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الرؤية ثلاثة وعشرون نفسا ثم سرد أسماءهم قال وروى الدارقطني عن يحيى بن معين قال عندي سبعة عشر حديثا في الرؤية كلها صحاح وقال البيهقي روينا في اثبات الرؤية عن ابي بكر ومن تقدم غيرهم ولم يرد عن احد نفيها ولو كانوا فيها مختلفين لنقل اختلافهم الينا فعلمنا أنهم كانوا على القول برؤيته بالأبصار في الآخرة متفقين وقد دل القرآن والسنة المتواترة واجماع الصحابة وائمة الاسلام واهل الحديث عصابة الاسلام ويزك الايمان وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الله سبحانه يرى يوم القيامة بالابصار كما يرى القمر ليلة البدر صحرا وكما ترى الشمس في الظهيرة فان كان لما اخبر الله ورسوله عنه من ذلك حقيقة فلا يمكن أن يروه إلا من فوقهم لاستحاله أن يروه أسفل منهم أو خلفهم وأمامهم أو عن شمائلهم وان لم يكن لما أخبر به حقيقة كما تقوله فروخ الصائبه والفلاسفة والمجوس والفرعونية والمعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع بطل الشرع والقرآن فإن الذي جاء بهذه الاحاديث هو الذي جاء بالقرآن والشريعة والذي بلغها هو الذي بلغ الدين فلا يجوز أن يجعل كلام الله ورسوله عضين حيث يؤمن ببعض ويكفر ببعض فلا يجتمع في قلب العبد بعد الاطلاع على هذه الاحاديث وفهم معناها انكارها والشهادة بأن محمدا رسول الله أبدا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق والمنحرفون في باب رؤية الرب تبارك وتعالى نوعان أحدهما من يزعم أنه يرى في الدنيا ويحاضر ويسامر والثاني من يزعم

أنه لا يرى في الآخرة البتة ولا يكلم عباده وما أخبر به الله ورسوله وأجمع عليه الصحابة والائمة يكذب الفريقين وبالله التوفيق ... والله لولا رؤية الرحمن في الجنات ما طابت لذي العرفان ... أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه ... وخطابه في جنة الحيوان ... وأشد شيء في العذاب حجابه ... سبحانه عن ساكني النيران ... وإذا رآه المؤمنون نسوا الذي ... هم فيه مما نالت العينان ... قوله أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه الخ أي ان أعلى نعيم اهل الجنة هو نعيم رؤية وجه ربهم تعالى كما في حديث صهيب الذي رواه مسلم قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال يكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وهي الزيادة وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة مرفوعا بينا أهل الجنة في نعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فاذا الرب جل جلاله قد اشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وهو قول الله تعالى سلام قولا من رب رحيم يس فلا يلتفتون الى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم الحديث قوله وأشد شيء في العذاب حجابه الخ دليله قوله تعالى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين ... فاذا توارى عنهم عادوا الى ... لذاتهم من سائر الألوان

فلهم نعيم عند رؤيته سوى ... هذا النعيم فحبذا الأمران ... أو ما سمعت سؤال أعرف خلقه ... بجلاله المبعوث بالقرآن ... شوقا اليه ولذة النظر الذي ... بجلال وجه الرب ذي السلطان ... فالشوق لذة روحه في هذه الدنيا ويوم القيامة الابدان ... تلتذ بالنظر الذي فازت به ... دون الجوارح هذه العينان ... يعني الحديث الذي رواه الامام احمد والحاكم في صحيحه من حديث زيد بن ثابت وفيه وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق الى لقائك ... والله ما في هذه الدنيا ألذ من اشتياق العبد الرحمن ... وكذاك رؤية وجهه سبحانه ... هي أكمل اللذات للانسان ... لكنما الجهمي ينكر ذا وذا ... والوجه أيضا خشية الحدثان ... تبا له المخدوع أنكر وجهه ... ولقاءه ومحبة الديان ... وكلامه وصفاته وعلوه ... والعرش عطله من الرحمن ... فتراه في واد ورسل الله في ... واد وذا من أعظم الكفران

فصل في كلام الرب جل جلاله مع أهل الجنة ... او ما سمعت بأنه سبحانه ... حقا يكلم حزبه بجنان ... فيقول جل جلاله هل أنتم ... راضون قالوا نحن ذو رضوان ... أم كيف لا نرضى وقد أعطيناه ... مالم ينله قط من انسان ... هل تم شيء غير ذا فيكون أفضل منه نسأله من المنان ... فيقول أفضل منه رضواني فلا ... يغشاكم سخط من الرحمن ... ويذكر الرحمن واحدهم بما ... قد كان منه سالف الأزمان ... منه اليه ليس ثم وساطة ... ما ذاك توبيخا من الرحمن ... لكن يعرفه الذي قد ناله ... من فضله والعفو والاحسان ... ويسلم الرحمن جل جلاله ... حقا عليهم وهو في القرآن ... في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ربنا

وأي شيء أفضل من ذلك قال احل عليكم رضواني فلا أسخط أبدا ومن تراجم البخاري عليه باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث وقد أخبر سبحانه أنه يسلم على أهل الجنة وأن ذلك السلام حقيقة وهو قوله سلام قولا من رب رحيم يس وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الآية في حديث جابر في الرؤية وأنه يشرف عليهم من فوقهم ويقول سلام عليكم يا أهل الجنة فيرونه عيانا وفي هذا اثبات الرؤية والتكليم والعلو والمعطلة تنكر هذه الأمور الثلاثة وتكفر القائل بها وفي حديث أبي هريرة في سوق الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يبقى احد في ذلك المجلس إلا حاضره الله محاضرة فيقول يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا الحديث وفي حديث عدي بن حاتم مامنكم من احد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وحديث عدي بن حاتم مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وحديث أبي هريرة في الرؤية وفيه فيقول تبارك وتعالى للعبد ألم أكرمك وأسودك الحديث وحديث انس في يوم المزيد ومخاطبته فيه لأهل الجنة مرارا وبالجملة فتأمل أحاديث الرؤية تجد في أكثرها التكليم ... وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه ... سبحانه بتلاوة الفرقان ... فكأنهم لم يسمعوه قبل ذا ... هذا رواه الحافظ الطبراني ... هذا سماع مطلق وسماعنا القرآن في الدنيا فنوع ثاني ... والله يسمع قوله بوساطة ... وبدونها نوعان معروفان ... فسماع موسى لم يكن بوساطة ... وسماعنا بتوسط الانسان ... من صير النوعين نوعا واحدا ... فمخالف للعقل والقرآن

روى ابو الشيخ عن صالح بن حيان عن عبد الله بن بريده قال إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار جل جلاله فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والزمرد فلم تقرأ أعينهم بشىء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون الى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم بشىء إلى مثلها من الغد قوله فسماع موسى لم يكن بوساطة أي ان موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بغير وساطة وأما سماعنا كلام الله فهو بوساطة قوله من صير النوعين نوعا واحدا أي كالجهمية وأتباعهم ومخالفتهم للعقل والقرآن ظاهرة فصل في يوم المزيد وما أعد الله لهم فيه من الكرامة ... أو ما سمعت بشأنهم يوم المزيد وأنه شأن عظيم الشان ... هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الرحمن وقت صلاتنا وأذان ... والسابقون إلى الصلاة هم الألى ... فازوا بذاك السبق بالاحسان ... سبق بسبق والمؤخر هاهنا ... متأخر في ذلك الميدان ... والأقربون إلى الامام فهم أولو الزلفى هناك فها هنا قربان ... قرب بقرب والمباعد مثله ... بعد ببعد حكمة الديان

ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد ... ومنابر الياقوت والعقيان ... هذا وأدناهم وما فيهم دنا ... من فوق ذاك المسك كالكثبان ... ما عندهم أهل المنابر فوقهم ... مما يرون بهم من الاحسان ... فيرون ربهم تعالى جهرة ... نظر العيان كما يرى القمران ... ويحاضر الرحمن واحدهم محا ... ضرة الحبيب يقول يا بن فلان ... هل تذكر اليوم الذي قد كنت فيه مبارزا بالذنب والعصيان ... فيقول رب أما مننت بغفرة ... قدما فانك واسع الغفران ... فيجيبه الرحمن مغفرتي التي ... قد أوصلتك إلى المحل الداني ... يشير إلى حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء فقلت ما هذا يا جبريل قال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك تعالى لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك تكون انت الاول وتكون اليهود والنصارى من بعدك قلت ما لنا فيها قال لكم فيها خير فيها ساعة من دعا الله تعالى فيها بخير قسم له أعطاه اياه او ليس له قسم إلا ذخر له ما هو أعظم منه قلت ما هذه النكتة السوداء فيها قال هي الساعة تقوم يوم الجمعة وهو سيد الايام عندنا ونحن ندعوه يوم المزيد في الآخرة قلت وما تدعونه يوم المزيد قال ان ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك ابيض فاذا كان يوم الجمعة نزل تبارك وتعالى من عليين على كرسيه ثم

حف الكرسي بمنابر من نور ثم جاء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم حف المنابر بكراسي من ذهب ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها ثم جاء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثب فيتجلى لهم ربهم تعالى حتى ينظروا إلى وجهه ثم يقول أنا صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فيسألونه ويسألونه حتى تنتهي رغبتهم فيفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الى أوان منصرف الناس من يوم الجمعة ثم يصعد على كرسيه ويصعد معه الصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم درة بيضاء لا فصم فيها ولا نظم أو ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء فيها غرفها وأبوابها مطردة فيها أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامته تعالى وليزدادوا نظرا الى وجهه فلذلك دعي يوم المزيد أخرجه عبد الله ابن احمد في كتاب السنة قوله والسابقون الى الصلاة الخ روى أبو نعيم وأبو النضر وجماعة قالوا حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو وعن أبي عبيدة عن عبد الله قال سارعوا الى الجمعة فان الله ينزل لأهل الجنة في كل جمعة في كثب من كافور ابيض فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة

فصل في المطر الذي يصيبهم هناك ... ويظلهم إذ ذاك منه سحابة ... تأتي بمثل الوابل الهتان ... بيناهم في النور إذ اغشيتهم ... سبحان منشيها من الرضوان ... فتظل تمطرهم بطيب ما رأوا ... شبها له في سالف الأزمان ... فيزيدهم هذا جمالا فوق ما ... بهم وتلك مواهب المنان ... روى ابن ابي عاصم في كتاب السنة عن سعيد بن المسيب أنه لقي ابا هريرة فقال أبو هريرة اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة قال سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من ايام الدنيا فيزورون الله تبارك وتعالى فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فيوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دني على كثبان المسك والكافور ما يرون ان أصحاب الكراسي بافضل منهم مجلسا قال يا أبا هريرة وهل نرى ربنا تعالى قال نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليله البدر قلنا لا قال فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد الا حاضره

الله محاضرة حتى يقول يا فلان بن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا فيذكره ببعض عذراته في الدنيا فيقول بلى أفلم تغفر لي فيقول بلى فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط قال ثم يقول ربنا تبارك وتعالى قوموا الى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم قال فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة فيه مالم تنظر العيون الى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب قال فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع ولا يشرى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل ذو البزة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل له أحسن من ذلك وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها قال ثم ننصرف الى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئتنا وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه فيقول انا جالسنا اليوم ربنا الجبار تعالى ويحق لنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا ورواه الترمذي فصل وابن ماجة في سوق الجنة الذي ينصرفون اليه من ذلك المجلس ... فيقول جل جلاله له قوموا الى ... ما قد ذخرت لكم من الاحسان

يأتون سوقا لا يباع ويشتري ... فيه فخذ منه بلا أثمان ... قد اسلف التجار أثمان المبيع بعقدهم في بيعة الرضوان ... لله سوق قد اقامته الملا ... ئكة الكرام بكل ما احسان ... فيها الذي والله لا عين رأت ... كلا ولا سمعت به أذنان ... كلا ولم يخطر على قلب امرىء فيكون عنه معبرا بلسان ... فيرى امرءا من فوقه في هيئة ... فيروعه ما تنظر العينان ... فاذا عليه مثلها اذ ليس يلحق أهلها شيء من الأحزان ... واها لذا السوق الذي من حله ... نال التهاني كلها بأمان ... يدعى بسوق تعارف ما فيه من ... صخب ولا غش ولا ايمان ... وتجارة من ليس تلهيه تجا ر ... ات ولا بيع عن الرحمن ... أهل المروءة والفتوة والتقى ... والذكر للرحمن كل أوان ... يا من تعوض عنه بالسوق الذي ... ركزت لديه راية الشيطان ... لو كنت تدري قدر ذاك السوق لم تركن ... الى سوق الكساد الفاني

فصل في حالهم عند رجوعهم الى أهليهم ومنازلهم ... فاذا هم رجعوا الى اهليهم ... بمواهب حصلت من الرحمن ... قالوا لهم اهلا ورحبا ما الذي ... أعطيتم من ذا الجمال الثاني ... والله لا ازددتم جمالا فوق ما ... كنتم عليه قبل هذا الآن ... قالوا وأنتم والذي أنشأكم ... قد زدتم حسنا على الاحسان ... لكن يحق لنا وقد كنا اذا ... جلساء رب العرش ذي الرضوان ... فهم الى يوم المزيد أشد شو ... قا من محب للحبيب الداني ... تقدم حديث ابي هريرة في شرح ما تضمنه هذا الفصلان في الفصل قبلهما والله أعلم فصل في خلود أهل الجنة ودوام صحتهم ونعيمهم وشبابهم واستحالة النوم والموت عليهم ... هذا وخاتمة النعيم خلودهم ... ابدا بدار الخلد والرضوان

أو ما سمعت منادي الايمان يخبر عن مناديهم بحسن بيان ... لكم حياة ما بها موت وعا ... فية بلا سقم ولا أحزان ... ولكم نعيم ما به بؤس وما ... لشبابكم هرم مدى الأزمان ... كلا ولا نوم هناك يكون ذا ... نوم وموت بيننا أخوان ... هذا علمناه اضطرارا من كتا ... ب الله فافهم مقتضى القرآن ... والجهم أفناها وأفني اهلها ... تبا لذاك الجاهل الفتان ... طرد النفي دوام فعل الرب في الماضي وفي مستقبل الأزمان ... وابو الهذيل يقول يفنى كل ما ... فيها من الحركات للسكان ... وتصير دار الخلد مع سكانها ... وثمارها كحجارة البنيان ... قالوا ولولا ذاك لم يثبت لنا ... رب لأجل تسلسل الأعيان ... فالقوم إما جاحدون لربهم ... أو منكرون حقائق الايمان ... روى مسلم عن ابي سعيد الخدري وابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وان لكم ان تحيوا فلا تموتوا أبدا وان لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وان لكم ان تنعموا فلا تبأسوا أبدا وذلك قول الله تعالى ونودوا أن تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعلمون الأعراف وروى نحوه عثمان بن ابي شيبة مختصرا قوله هذا علمناه اضطرارا الخ يعني قوله تعالى ونودوا ان تلكم

الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون وروى ابن مردويه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون وروى الطبراني عنه بلفظ قال سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم فقيل أينام أهل الجنة فقال النوم اخو الموت وأهل الجنة لا ينامون قوله والجهم أفناها الخ تقدم الكلام في معنى فناء الجنة والنار عند الجهمية وفناء حركاتهما عند ابي الهذيل بما أغنى عن الاعادة فصل في ذبح الموت بين الجنة والنار والرد على من قال ان الذبح لملك الموت وان ذلك مجاز لا حقيقة له ... أو ما سمعت بذبحه للموت بين المنزلين كذبح كبش الضان ... حاشا لذا الملك الكريم وانما ... هو موتنا المحتوم للانسان ... والله ينشىء منه كبشا املحا ... يوم المعاد يرى لنا بعيان ... ينشي من الاعراض أجساما كذا ... بالعكس كل قابل الامكان ... عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيتوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون فيقولون نعم هذا الموت ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل

النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذرهم يوم الحسرة مريم الآية متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا الى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا الى حزنهم وعن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت ملببا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة واهل النار ثم يقال يا اهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة واهل النار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه وهو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال الناظم في حادي الأرواح وهذا الكبش والاضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحا قال الموت عرض والعرض لا يتجسم فضلا عن أن يذبح وهذا لا يصح فان الله سبحانه وينشيء من الموت صورة كبش يذبح كما ينشىء من الأعمال صورا معاينة يثاب بها ويعاقب والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها وينشىء من الأجسام أعراضا ومن الأجسام أجساما فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تبارك وتعالى ولا يستلزم جمعا بين النقيضين ولا شيئا من المحال ولا حاجة الى تكلف من قال إن الذبح لملك الموت فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله

ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل وسببه قلة الفهم لمراد الرسول من كلامه فظن هذا القائل أن لفظ الحديث دل على أن نفس العرض يذبح وظن غالط آخر أن العرض يعدم ويزول ويصير مكانه جسم يذبح ولم يهتد الفريقان الى هذا القول الذي ذكرناه الى آخر ما ذكره ثم احتج الناظم لما ذكره بأن أعمال العباد توزن فتخف تارة وتثقل أخرى فقال ... أفما تصدق أن أعمال العبا ... د تحط يوم العرض في الميزان ... وكذاك تثقل تارة وتخف اخرى ذاك في القرآن ذو تبيان ... وله لسان كفتاه تقيمه ... والكتفان اليه ناظرتان ... ما ذاك أمرا معنويا بل هو المحسوس حقا عند ذي الايمان ... أقول يدل لما ذكره الناظم أن الأعمال توزن يوم القيامة فتثقل تارة وتخف أخرى كما قال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها الأنبياء الآية وذلك أمر محسوس فتوزن الأعمال بميزان له كفتان ولسان وليس ذلك أمرا معنويا بل هو محسوس والله أعلم ... أو ما سمعت بأن تسبيح العبا ... د وذكرهم وقراءة القرآن ... ينشيه رب العرش في صور تجا ... دل عنه يوم قيامة الأبدان ... أو ما سمعت بأن ذلك حول عر ... ش الرب ذو صوت وذو دوران ... يشفعن عن الرب جل جلاله ... ويذكرون بصاحب الاحسان

أو ما سمعت بأن ذلك مؤنس ... في القبر للملفوف في الأكفان ... في صورة الرجل الجميل الوجه في ... سن الشباب كأجمل الشباب ... في الحديث أن ما تذكرون من جلال الله وتسبيحه وتحميده وتهليله يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن ذكره أحمد وكذلك قوله في حديث عذاب القبر ونعيمة للصورة التي يراها فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح وأنا عملك السيىء وهذا حقيقة لا خيال ولكن الله أنشأ له من عمله صورة حسنة وصورة قبيحة وقال قتادة بلغنا أن 0 نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ان المؤمن اذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له من أنت فوالله إني لأراك امرأ الصدق فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة وأما الكافر اذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وبشارة سيئة فيقول ما أنت فوالله إني لأراك أمرأ السوء فيقول أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار ... أو ما سمعت بأن ما نتلوه في ... أيام هذا العمر من قرآن ... يأتي يجادل عنك يوم الحشر للرحمن كي ينجيك من نيران ... في صورة الرجل الذي هو شاحب ... يا حبذا ذاك الشفيع الداني ... أو ما سمعت حديث صدق قد أتى ... في سورتين من اول القرآن ... فرقان من طير صواف بينها ... شرق ومنه الضوء ذو تبيان ... شبههما بغمامتين وان تشأ ... بغيايتين هما لذا مثلان

هذا مثال الأجر وهو فعالنا كتلاوة القرآن بالاحسان ... ... فالموت ينشيه لنا في صورة خلاقة حتى يرى بعيان ... ... والموت مخلوق بنص الوحي والمخلوق يقبل سائر الألوان ... ... في نفسه وبنشأة أخرى بقد رة خالق الأعراض والألوان ... ... أو ما سمعت بقلبه سبحانه الأعيان من لون إلى ألوان ... ... وكذلك الأعراض يقلب ربها أعيانها والكل ذو إمكان ... ... لم يفهم الجهال هذا كله فأتوا بتأويلات ذي البطلان ... ... فمكذب ومؤول ومحير ما ذاق طعم حلاوة الايمان ... ... لما فسا الجهال في آذانه أعموه دون تدبر القرآن ... ... فثنى لنا العطفين منه تكبرا وتبخترا في حلة الهذيان ... ... إن قلت قال الله قال رسوله فيقول جهلا أين قول فلان ... في الصحيح عن النواس بن سمعان الكلابي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما قال النووي في شرح مسلم قال أهل اللغة الغمامة والغياية كل شيء أظل الانسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما قال العلماء المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين وقوله صلى الله عليه وسلم أو كأنهما فرقان من طير صواف وفي الرواية الأخرى كأنهما

حزقان من طير صاف الفرقان بكسر وإسكان الراء والحزقان بكسر الحاء المهملة واسكان الزاي ومعناهما واحد وهما قطيعان وجماعتان يقال في الواحد فرق وحزق وحزيقة أي جماعة قوله أو ظلتان سوداوان بينهما شرق الشرق بفتح الراء واسكانها أي ضياء ونور وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان الحديث فهذه القراءة ينشئها الله تعالى غمامتين فان الله سبحانه ينشيء من الأعراض أجساما ويجعلها مادة لها وذكر ابن المبارك في رقائقه أخبرنا رجل عن زيد بن أسلم قال بلغني أن المؤمن يتمثل له عمله يوم القيامة في أحسن صورة أحسن ما خلق الله وجها وثيابا وأطيبه ريحا فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمنه وكلما تخوف شيئا هون عليه فيقول له جزاك الله من صاحب خيرا من أنت فيقول أما تعرفني وقد صحبتك في قبرك وفي دنياك أنا عملك كان والله حسنا فلذلك تراه حسنا وكان طيبا فلذلك تراني طيبا تعالى فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا وهو قوله سبحانه وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم الزمر : 61 حتى يأتي إلى ربه فيقول رب إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب عمله وكل صاحب تجارة وصانع قد اصاب في تجارته غير صاحبي قد شغل في نفسه فيقول الرب تبارك وتعالى فما تسأل قال المغفرة والرحمة أو نحو هذا فيقول فإني غفرت له ثم يكسى حلة الكرامة ويجعل عليه تاج الوقار وفيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين ثم يقول يا رب إن أبويه قد كان شغل عنهما وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يدخل على ابويه من عمله فيعطيان مثل ما أعطي ويمثل للكافر عمله

في صورة أقبح ما خلق الله وجها وأنتنه ريحا فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء زاده وكلما تخوف من شيء زاده خوفا فيقول بئس الصاحب أنت ومن أنت فيقول وما تعرفني فيقول لا فيقول أنا عملك كان قبيحا فلذالك تراني قبيحا كان منتنا فلذلك تراني منتنا فطأطيء رأسك أركبك فطالما ركبتني في الدنيا وهو قوله تعالى ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة النحل فصل في أن الجنة قيعان وان اغراسها الكلم الطيب والعمل الصالح ... أو ما سمعت بأنها القيعان فاغرس ما تشاء بذا الزمان الفاني ... وغراسها التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد للرحمن ... تبا لتارك غرسه ماذا الذي ... قد فاته من مدة الامكان ... يا من يقر بذا ولا يسعى له ... بالله قل لي كيف يجتمعان ... أرأيت لو عطلت أرضك من غرا ... س ما الذي تجني من البستان ... وكذاك لو عطلتها من بذرها ... ترجو المغل يكون كالكيمان ... ما قال رب العالمين وعبده ... هذا فراجع مقتضى القرآن ... في جامع الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد

أقرأ امتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن غريب من حديث ابن مسعود وفي الترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة قال الترمذي حديث حسن صحيح وروى ابن ماجة عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس غرسا فقال يا ابا هريرة ما الذي تغرس قال غرسا قال ألا أدلك على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة ... وتأمل الباء التي قد عينت ... سبب الفلاح لحكمة الفرقان ... وأظن باء النفي قد غرتك في ... ذاك الحديث أتى به الشيخان ... لن يدخل الجنات أصلا كادح ... بالسعي منه ولو على الأجفان ... والله ما بين النصوص تعارض ... والكل مصدرها عن الرحمن ... لكن بالاثبات والتسبيب والباء التي للنفي بالأثمان ... والفرق بينهما ففرق ظاهر ... يدريه ذو حفظ من العرفان ... قال الناظم في حادي الأرواح روى أبو نعيم من حديث جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا بتوحيد الله واسناده على شرط مسلم وأصله في الصحيح وههنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة إنما تدخل برحمة الله وليس عمل العبد مستقلا بدخولها وان كان نبيا ولهذا أثبت الله دخولها بالأعمال في

قوله بما كنتم تعملون النحل ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولها بالأعمال في قوله لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولا تنافي بين الأمرين لوجهين أحدهما ما ذكره سفيان وغيره قال كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل على هذا حديث أبي هريرة أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم رواه الترمذي الثاني أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعارضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببيه ما دخلت عليه لغيره وان لم يكن مستقلا بحصوله وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين في قوله سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمته ومن عرف الله سبحانه وشهد مشهد حقه عليه وشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به والله المستعان انتهى كلامه فصل في أقامة المأتم على المتخلفين عن رفقة السابقين المأتم كمقعد كل مجتمع في حزن او فرح او خاص بالنساء قاله في القاموس ... بالله ما عذر أمريء هو مؤمن ... حقا بهذا ليس باليقظان ... بل قلبه في رقدة فاذا استفا ... ق فلبسه هو حلة الكسلان

تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتها بنفائس الأثمان ... وسعيت جهدك في وصال نواعم ... وكواعب بيض الوجوه حسان ... جليت عليك عرائس والله لو ... تجلى على صخر من الصوان ... رقت حواشيه وعاد لوقته ... ينهال مثل نقى من الكثبان ... لكن قلبك في القساوة جاز حد الصخر والحصباء في اشجان ... لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا ... حسن لما استبدلت بالأدوان ... أو صادفت منك الصفات حياة قلب كنت ذا طلب لهذا الشان ... خود تزف الى ضرير مقعد ... يا محنة الحسناء بالعميان ... شمس تزف اليه ما ... ذا حيلة العنين في الغشيان ... ومعنى كلام الناظم أنا تلونا عليك صفات الجنة ونعوت عرائسها فلو صادف لك أدنى حياة قلب منك وايمان لسعيت جهدك في طلبها وآثرت النعيم الباقي على الخزف الفاني لكن قلبك أقسى من الصخر ولكن نحن بما وصفنا لك من صفات الجنة وعرائسها بمنزلة من زف خودا وهي المرأة البيضاء الناعمة إلى ضرير مقعد أو زف أجمل النساء التي هي كالشمس الى عنين عاجز عن الجماع ... يا سلعة الرحمن لست رخيصة ... بل أنت غالية على الكسلان ... يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... في الألف الا واحد لا اثنان ... يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها ... الا اولو التقوى مع الايمان

يا سلعة الرحمن سوقك كاسد ... بين الأراذل سلفة الحيوان ... يا سلعة الرحمن أين المشتري ... فلقد عرضت بأيسر الاثمان ... يا سلعة الرحمن هل من خاطب ... فالمهر قبل الموت ذو إمكان ... يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنك وهم ذوو ايمان ... يا سلعة الرحمن لولا أنها ... حجبت بكل مكاره الانسان ... ما كان عنها قط من متخلف ... وتعطلت دار الجزاء الثاني ... لكنها حجبت بكل كريهة ... ليصد عنها المبطل المتواني ... وتنالها الهمم التي تسمو الى ... رب العلى بمشيئة الرحمن ... قوله ولكنها حجبت بكل كريهة الخ روى البخاري ومسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات قوله حفت أصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل اليه الا بعد أن يتخطى فمثل النبي صلى الله عليه وسلم المكاره والشهوات بذلك فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها والنار لا ينجي منها الا بترك الشهوات وفطام النفس عنها وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مثل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر فقال طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة والحزن هو الطريق الوعر المسلك والربوة المكان المرتفع وأراد به أعلى ما يكون في الروابي والسهوة بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة والمكاره كل ما يشق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات وغيرها من

اعمال الطاعات والصبر على المصائب وجميع المكروهات والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وذكر الناظم العلة في حجب الجنة بالمكاره وحف النار بالشهوات وذلك ليصد عن الجنة المبطل المتواني المتقاعد وتنالها الهمم التي تسمو الى معالي الأمور وتؤثر الأعلى على الأدنى ولو حصل من ذلك أعظم المشقة والله أعلم ... فاتعب ليوم معادك الأدنى تجد ... راحاته يوم المعاد الثاني ... واذا أبت ذا الشأن نفسك فاتهمها ثم راجع مطلع الايمان ... فاذا رأيت الليل بعد وصبحه ... ما انشق عنه عموده لأذان ... والناس قد صلوا صلاة الصبح وانتظروا طلوع الشمس قرب زمان ... فاعلم بأن العين قد عميت فنا ... شد ربك المعروف بالاحسان ... أي إذا كان الصبح قد طلع والناس قد صلوا صلاة الصبح وقرب طلوع الشمس وأنت لجهلك وغفلتك لا تعلم بطلوع الفجر وتظن أن الليل لم يزل فاعلم بأن عينك قد عميت أي عين بصيرتك فاسأل ربك سبحانه ايمانا يباشر قلبك المحجوب ... واسأله إيمانا يباشر قلبك المحجوب عنه لتنظر العينان ... ... واسأله نورا هاديا يهديك في ... طرق المسير اليه كل أوان ... والله ما خوفي الذنوب فانها ... لعلى طريق العفو والغفران ... لكنما أخشى انسلاخ القلب عن ... تحكيم هذا الوحي والقرآن ... ورضى بآراء الرجال وحرصها ... لا كان ذاك بمنة الرحمن

فبأي وجه ألتقي ربي اذا ... أعرضت عن ذا الوحي طول زمان ... وعزلته عما أريد لأجله ... عزلا حقيقيا بلا كتمان ... صرحت أن يقيننا لا يستفاد به وليس لديه من إتقان ... أوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا بلا برهان ... وسعيت جهدي في عقوبة ممسك ... بعراه لا تقليد رأي فلان ... يقول الناظم والله ما أخشى الذنوب لأن أسباب غفرانها متعددة وعفو الرب تعالى واسع وانما اخشى انسلاخ قلبي عن تحكيم الوحي المبين من كلام رب العالمين وقول نبيه الصادق الأمين فبأي وجه ألقى الله تعالى اذا فعلت ذلك وأعرضت عن الوحي المنزل من السماء ورضيت بآراء الرجال وخرصها وقدمتها على كلام الله ورسوله وعزلت القرآن عما أريد لأجله وهو أنه أريد بانزاله الهدى واليقين فما حجتي عند الله اذا صرحت بأنه لا يفيد اليقين وأوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا ومع ذلك سعيت جهدي في عقوبة من تمسك بالوحي النازل من السماء وقدمه على التقليد والآراء الهراء كما فعل ذلك من فعله من المبتدعين عياذا بالله من ذلك ... يا معرضا عما يراد به وقد ... جد المسير فمنتهاه داني ... جذلان يضحك آمنا متبخترا ... وكأنه قد نال عقد أمان ... خلع السرور عليه أو في حله ... طردت جميع الهم والاحزان ... يختال في حلل المسرة ناسيا ... ما بعدها من حلة الأكفان

ما سعيه الا لطيب العيش في الدنيا ولو أفضى الى النيران ... قد باع طيب العيش في دار النعيم بذا الحطام المضمحل الفاني ... اني أظنك لا تصدق كونه ... بالقرب بل ظن بلا إيقان ... بل قد سمعت الناس قالوا جنة ... أيضا ونار بل لهم قولان ... والوقف مذهبك الذي تختاره ... واذا انتهى الايمان للرجحان ... أم تؤثر الأدنى عليه وقالت النفس التي استعلت على الشيطان ... أتبيع نقدا حاضرا بنسيئة ... بعد الممات وطي ذي الأكوان ... لو أنه بنسيئة الدنيا لها ... ن الأمر لكن في معاد ثان ... دع ما سمعت الناس قالوه وخذ ... ما قد رأيت مشاهد بعيان ... والله لو جالست نفسك خاليا ... وبحثتها بحثا بلا روغان ... لرأيت هذا كامنا فيها ولو ... أمنت لألقته الى الآذان ... هذا هو السر الذي من أجله ... اختارت عليه العاجل المتداني ... نقد قد اشتدت اليه حاجة ... منها ولم يحصل لها بهوان ... أتبيعه بنسيئة في غير هذي الدار بعد قيامة الأبدان ... هذا وان جزمت بها قطعا ولكن حظها في حيز الامكان ... ما ذاك قطعي لها والحاصل الموجود مشهود برأي عيان ... فتألفت من بين شهوتها وشبهتها قياسات من البطلان

واستنجدت منها رضى بالعاجل الأدنى على الموعود بعد زمان ... وأتى من التأويل كل ملائم ... لمرادها يا رقة الايمان ... وصغت الى شبهات أهل الشرك والتعطيل مع نقص من العرفان ... واستنقصت اهل التقى ورأتهم ... في الناس كالغرباء في البلدان ... ورأت عقول الناس دائرة على ... جمع الحطام وخدمة السلطان ... وعلى المليحة والمليح وعشرة الأحباب والاصحاب والاخوان ... فاستوعرت ترك الجميع ولم تجد ... عوضا تلذ به من الاحسان ... فالقلب ليس يقر إلا في إنا ... ء فهو دون الجسم ذو جولان ... يبغي له سكنا يلذ بقربه ... فتراه شبه الواله الحيران ... فيحب هذا ثم يهوى غيره ... فيظل منتقلا مدى الازمان ... لو نال كل مليحة ورياسة ... لم يطمئن وكان ذا دوران ... بل لو ينال بأسرها الدنيا لما ... قرت بما قد ناله العينان ... نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... واختر لنفسك أحسن الانسان ... فالقلب مضطر الى محبوبه الأعلى فلا يغنيه حب ثاني ... وصلاحه وفلاحه ونعيمه ... تجريد هذا الحب للرحمن ... فاذا تخلى منه أصبح حائرا ... ويعود في ذا الكون ذا هيمان

قوله جذلان قال في القاموس جذل جذولا انتصب ونبت وكفرح فرح فهو جذل وجذلان انتهى فصل في زهد أهل العلم والايمان وايثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني ... لكن ذا الايمان يعلم ان هذا كالظلال وكل هذا فاني ... كخيال طيف ما استتم زيارة ... الا وصبح رحيله باذان ... ... وسحابة طلعت بيوم صائف ... فالظل منسوخ بقرب زمان ... وكزهرة وافى الربيع بحسنها ... او لامعا فكلاهما اخوان ... أو كالسراب يلوح للظمآن في ... وسط الهجير بمستوى القيعان ... أو كالأماني طاب منها ذكرها ... بالقول واستحضارها بجنان ... وهي الغرور رؤوس أموال المفا ... ليس الألى تجروا بلا أثمان ... أو كالطعام يلذ عند مساغه ... لكن عقباه كما تجدان ... هذا هو المثل الذي ضرب الرسو ... ل لها وذا في غاية التبيان ... كما في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان ألست تؤتى بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه اللبن والماء قال بلى قال فالى ما يصير قال الى ما قد علمت قال فان الله تعالى ضرب مثل

الدنيا بما يصير اليه طعام ابن آدم ... واذا أردت ترى حقيقتها فخذ ... منه مثالا واحدا ذا شان ... أدخل بجهدك أصبعا في اليم وانظر ما تعقله إذا بعيان ... هذا هو الدنيا كذا قال الرسول ... ممثلا والحق ذو تبيان ... قال صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة الا كما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ... وكذلك مثلها بظل الدوح في ... وقت الحرور لقائل الركبان ... في قوله صلى الله عليه وسلم مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كمثل راكب قال تحت ظل شجرة ثم راح وتركها ... هذا ولو عدلت جناح بعوضة ... عند الاله الحق في الميزان ... لم يسق منها كافرا من شربة ... ماء وكان أحق بالحرمان ... عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء رواه الترمذي وقال حديث صحيح ... تالله ما عقل امريء قد باع ما ... يبقى بما هو مضمحل فاني ... هذا ويفتى ثم يقضي حاكما ... بالحجر من سفه لذا الانسان ... اذ باع شيئا قدره فوق الذي ... يعتاضه من هذه الأثمان ... فمن السفيه حقيقة ان كنت ذا ... عقل واين العقل للسكران

معنى كلامه أن السفيه يحكم بالحجر عليه إذا باع شيئا بأقل من قيمته فأولى بالسفه من باع الآخرة التي هذا قدرها بالدنيا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة ... والله لو ان القلوب شهدن منا كان شأن غير هذا الشان ... نفس من الانفاس هذا العيش ان ... قسناه بالعيش الطويل الثاني ... يا خسة الشركاء مع عدم الوفا ... ء وطول جفوتها مع الهجران ... ... هل فيك معتر فيسلو عاشق ... بمصارع العشاق كل زمان ... لكن على تلك العيون غشاوة ... وعلى القلوب أكنة النسيان ... وأخو البصائر حاضر متيقظ ... متفرد عن زمرة العميان ... يسمو الى ذاك الرفيق الأرفع الأعلى وخلى اللعب للصبيان ... والناس كلهم فصبيان وإن ... بلغوا سوى الافراد والوحدان ... واذا رأى ما يشتهيه قال مو ... عدك الجنان وجد في الأثمان ... واذا أبت الا الجماح أعاضها ... بالعلم بعد حقائق الايمان ... ويرى من الخسران بيع الدائم الباقي به يا ذلة الخسران ... ويرى مصارع أهلها من حوله ... وقلوبهم كمراجل النيران ... حسراتها هن الوقود فان خبت ... زادت سعيرا بالوقود الثاني ... جاؤوا فرادى مثل ما خلقوا بلا ... مال ولا أهل ولا اخوان

ما معهم شيء سوي الاعمال فهي متاجر للنار او لجنان ... تسعى بهم أعمالهم سوقا إلى الدارين سوق الخيل بالركبان ... صبروا قليلا فاستراحوا دائما ... يا عزة التوفيق للانسان ... حمدوا التقى عند الممات كذا السرى ... عند الصباح فحبذا الحمدان ... وخدت بهم عزماتهم نحو العلى ... وسروا فما نزلوا الى نعمان ... باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيس بدائم من خالص العقيان ... رفعت لهم في اليسر أعلام السعا ... دة والهدى يا ذلة الحيران ... فتسابق الاقوام وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان ... وأخو الهوينا في الديار مخلف ... مع شكله يا خيبة الكسلان ... قوله وخدت بهم همم الخ الوخد للبعير الاسراع أو أن يرمي بقوائمه كمشي النعام أو سعة الخطو كالوخدان والوخيد وقد وخد كوعد فهو واخد ووخاد ووخود قاله في القاموس قوله خزف الخزف محركة الجر وكل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخارا قاله في القاموس

فصل في رغبة قائلها إلى من يقف عليها من اهل العلم والايمان ان يتجرد لله ويحكم عليها بما يوجبه الدليل والبرهان فان رأى حقا قبله وحمد الله عليه وإن رأى باطلا عرف به وأرشد اليه ... يا أيها القاري لها اجلس مجلس الحكم الأمين أتى له الخصمان ... واحكم هداك الله حكما يشهد العقل الصريح به مع القرآن ... واحبس لسانك برهة عن كفره ... حتى تعارضها بلا عدوان ... فاذا فعلت فعنده أمثالها ... فنزال آخر دعوة الفرسان ... فالكفر ليس سوى العناد ورد ما ... جاء الرسول به لقول فلان ... فانظر لعلك هكذا دون الذي ... قد قالها فتفوز بالخسران ... فالحق شمس والعيون نواظر ... لا تختفي الا على العميان ... والقلب يعمى عن هداه مثلما تعمى ... وأعظم هذه العينان ... يقول الناظم يا أيها القاريء لهذه المنظومة المباركة اجلس مجلس الحكم الأمين غير الخائن جلس اليه الخصمان واحكم حكما يشهد له العقل الصريح مع محكم القرآن ولا تبادر بتكفير قائلها بل احبس لسانك برهة أي عن أن تحكم بكفره بمجرد هواك حتى تعارض ما قاله بغير

اعتداء فاذا فعلت فعنده أمثالها وآخر الأمر يدعوك إلى المبارزة والمنازلة قوله فلنزال هذا ونحوه اسم مبني على الكسر كحذام وقطام ونحوهما وهو بفتح أوله ثم بين أن الكفر ليس إلا العناد ورد ما قال الرسول لأجل قول فلان وفلان ثم قال فانظر لعلك هكذا الخ أي لعلك ممن يعاند ويرد قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل أقوال الناس ثم أخذ الناظم في الشكاية من الأربعة الذين ذكرهم فقال ... هذا وإني بعد ممتحن بأر ... بعة وكلهم ذوو أضغان ... فظ غليظ جاهل متمعلم ... ضخم العمامة واسع الأردان ... متفيهق متضلع بالجهل ذو ... ضلع وذو جلح من العرفان ... مزجي البضاعة في العلوم وإنه ... زاج من الايهام والهذيان ... يشكو إلى الله الحقوق تظلما ... من جهله كشكاية الأبدان ... من جاهل متطبب يفني الورى ... ويحيل ذاك على قضا الرحمن ... قوله متفيهق قال في القاموس تفيهق في كلامه تنطع وتوسع كأنه ملأ به فمه قوله متضلع تضلع امتلأ شبعا أو ريا حتى بلغ الماء أضلاعه قاله في القاموس قوله ذو ضلع قال في القاموس ضلع كمنع مال وجنف جار وفلانا ضرب ضلعه وضلع السيف كفرح اعوج والضالع الجائر

والضلع محركة الاعوجاج خلقه ويسكن ومنه لأقيمن ضلعك بالوجهين قوله زاج قال في القاموس وبضاعة مزجاة قليلة ولم يتم صلاحها والزجاء النفاذ في الأمر وهو أزجى منه أشد نفاذا قوله من جاهل متطبب الخ قال الناس أفسد ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي هذا يفسد الأديان وهذا يفسد الابدان وهذا يفسد اللسان ... عجت فروج الخلق ثم دماؤهم وحقوقهم منه إلى الديان ... ما عنده علم سوى التفكير والتبديع والتضليل والبهتان ... فإذا تيقن أنه المغلوب عند تقابل الفرسان في الميدان ... قال اشتكوه إلى القضاة فان هم ... حكموا وإلا أشكوا إلى السلطان ... قولوا له هذا يحل الملك بل ... هذا يزيل الملك مثل فلان ... فاعقره من قبل اشتداد الأمر منه بقوة الأتباع والأعوان ... وإذا دعاكم للرسول وحكمه ... فادعوه كلكم لرأي فلان ... وإذا اجتمعتم في المجالس فالغطوا ... والغوا إذا ما احتج بالقرآن ... هذا كما قال الشيخ نصر المنبجي لبيبرس الجاشنكير إن هذا يخشى على الدولة منه كما جرى لابن التومرت صاحب المغرب يعني شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ... واستنصروا بمحاضر وشهادة ... قد اصلحت بالرفق والاتقان

لا تسألوا الشهداء كيف تحملوا ... وبأي وقت بل بأي مكان ... وارفوا شهادتهم ومشوا حالها ... بل أصلحوها غاية الامكان ... فإذا هم شهدوا فزكوهم ولا ... تصغوا لقول الجارح الطعان ... قولوا العدالة منهم قطعية ... لسنا نعارضها بقول فلان ... أي إذا قدح قادح في شهودكم فلا تلتفتوا لقوله ولا تصغوا له وقولوا الاصل في الناس العدالة ونحو ذلك ... ثبتت على الحكام بل حكموا بها ... فالطعن فيها ليس ذا إمكان ... من جاء يقدح فيهم فليتخذ ... ظهرا كمثل حجارة الصوان ... وإذا هو استعداهم فجوابهم ... أتردها بعداوة الأديان ... أي قولوا لا ترد شهادة العدول بعداوة الأديان فصل في حال العدو الثاني ... أو حاسد قد بات يغلي صدره ... بعداوتي كالمرجل الملآن ... لو قلت هذا البحر قال مكذبا هذا السراب يكون بالقيعان ... أو قلت هذي الشمس قال مباهتا ... الشمس لم تطلع إلى ذا الآن ... أو قلت قال الله قال رسوله ... غضب الخبيث وجاء بالكتمان

أو حرف القرآن عن موضوعه تحريف كذاب على القرآن ... صال النصوص عليه فهو بدفعها ... متوكل بالدأب والديدان ... فكلامه في النص عند خلافه ... من باب دفع الصائل الطعان ... فالقصد دفع النص عن مدلوله ... كي لا يصول إذا التقى الزحفان ... فصل في حال العدو الثالث ... والثالث الأعمى المقلد ذينك الرجلين قائد زمرة العميان ... فاللعن والتكفير والتبديع والتضليل والتفسيق بالعدوان ... وإذا هم سألوه مستندا له ... قال اسمعوا ما قاله الرجلان ... هذا العدو الثالث وهو الجاهل المقلد للعدوين اللذين تقدما وهما الجاهل المتمعلم والحاسد قوله قال اسمعوا الخ المراد بالرجلين الجاهل والحاسد

فصل في حال العدو الرابع ... هذا ورابعهم وليس بكلبهم ... حاشا الكلاب الآكلي الانتان ... خنزير طبع في خليقة ناطق ... متسوف بالكذب والبهتان ... ... كالكلب يتبعهم يمشمش أعظما ... يرمونها والقوم للحمان ... يتفكهون بها رخيصا سعرها ... ميتا بلا عوض ولا أثمان ... هو فضلة في الناس لا علم ولا ... دين ولا تمكين ذي سلطان ... فإذا رأى شرا تحرك يبتغي ... ذكرا كمثل تحرك الثعبان ... قوله كالكلب يتبعهم الظاهر أن مراده أن هذا العدو الرابع يتبع الأعداء الثلاثة في اكل لحوم العلماء أتباع الكتاب والسنة والتفكه بها قوله فاذا رأى شرا أي إن هذا العدو إذا رأى شرا رفع رأسه وتحرك يبتغي ذكرا كتحرك الثعبان وهو كما في القاموس الحية الضخمة الطويلة او الذكر خاصة او عام ... ليزول عنه أذى الكساد فينفق الكلب العقور على ذكور الضان ... فبقاؤه في الناس أعظم محنة ... من عسكر يعزى إلى غازان ... غازان من ملوك التتار ثم أخذ الناظم في التشكي من عدم نفاق بضاعته هذه وان العلماء الذين هم أهل لها قد سافروا عن

هذه البلدان والاوطان أي ماتوا ولم يجدوا الا الصعافقة وهم كما في القاموس قوم يشهدون السوق للتجارة بلا رأس مال فاذا اشترى التجار شيئا دخلوا معهم الواحد صعفقي ووصعفتي صعفوق بالفتح جمع صعافيق أيضا انتهى ... هذي بضاعة ضارب في الأرض يبغي تاجرا يبتاع بالأثمان ... وجد التجار جميعهم قد سافروا ... عن هذه البلدان والاوطان ... إلا الصعافقة الذين تكلفوا ... أن يتجروا فينا بلا أثمان ... فهم الزبون لها فبالله ارحموا ... من بيعه من مفلس مديان ... أي بالله يا معشر المسلمين ارحموا تاجرا قد جاء ببضاعة فاذا التجار قد سافروا ولم يجحدوا الا هؤلاء الصعافقة الذين لا مال لهم بل هم مفاليس مديونين ... يارب فارزقها بحقك تاجرا ... قد طاف بالآفاق والبلدان ... ... ما كل منقوش لديه أصفر ... ذهبا يراه خالص العقيان ... وكذا الزجاج ودرة الغواص في ... تمييزه ما إن هما مثلان ... ثم ختم الكتاب بالتوجه الى الله وسؤاله بأسمائه وصفاته أن ينصر كتابه ورسوله ودينه وأن ينصر حزب الايمان على حزب الضلال وعسكر الشيطان فقال

فصل في توجه أهل السنة الى رب العالمين ان ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين ... هذا ونصر الدين فرض لازم ... لا للكفاية بل على الأعيان ... بيد وإما باللسان فإن عجز ... ت فبالتوجه والدعا بجنان ... ما بعد ذا والله للايمان حبة خردل يا ناصر الايمان ... بحياة وجهك خير مسؤول به ... وبنور وجهك يا عظيم الشان ... قوله بحياة وجهك الخ لا يقال هذا يعارض ما رواه ابو داود عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل بوجه الله الا الجنة لأنه ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم منصرفة من الطائف حين كذبه أهل الطائف ومن في الطائف من اهل مكة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المأثور اللهم اليك اشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي الى من تكلني وفي آخره أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات الخ والحديث المروي في الأذكار اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من عبد وفي آخره أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وفي حديث آخر أعوذ بوجه الله الكريم وباسم الله القديم وبكلماته التامة من شر السامة واللامة ومن شر ما خلقت أي رب ومن شر هذا اليوم ومن شر ما بعده ومن شر الدنيا والآخرة وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة فيجاب عن ذلك بأن الدنيا والآخرة وأمثال ذلك في حديث المرفوعة فيجاب عن ذلك بأن ما ورد من ذلك

أنه سؤال ما يقرب من الجنة أو يمنعه من الاعمال التي تمنعه من الجنة فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة كما في الحديث الصحيح اللهم أني أسألك الجنة وما يقرب اليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما يقرب اليها من قول وعمل وأما ما يختص بالدنيا كسؤال المال والرزق والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله والناظم إنما سأل بوجه الله ما يقرب الى الجنة بل هو طريق الى الجنة وهو نصرة كتاب الله ورسوله ودينه وعلى هذا تعارض بين الاحاديث كما لا يخفى والله اعلم ... وبحق نعمتك التي أوليتها ... من غير ما عوض ولا أثمان ... وبحق رحمتك التي وسعت جميع الخلق محسنهم كذاك الجاني ... وبحق أسماء لك الحسنى معا ... فيها نعوت المدح للرحمن ... وبحق حمدك وهو حمد واسع الأكوان بل أضعاف ذي الأكوان ... وبأنك الله الاله الحق معبود الورى متقدس عن ثان ... بل كل معبود سواك فباطل ... من دون عرشك للثرى التحتاني ... وبك المعاذ ولا ملاذ سواك ... أنت غياث كل ملدد لهفان ... من ذاك للمضطر يسمعه سوا ... ك يجيب دعوته مع العصيان ... إنا توجهنا اليك لحاجة ... ترضيك طالبها احق معان ... فاجعل قضاها بعض أنعمك التي ... سبغت علينا منك كل زمان

أنصر كتابك والرسول ودينك العالي الذي أنزلت بالبرهان ... واخترته دينا لنفسك واصطفيت مقيمه من أمة الانسان ... ورضيته دينا لمن ترضاه ... من هذا الورى هو قيم الأديان ... وأقر عين رسولك المبعوث بالدين الحنيف بنصره المتداني ... وانصره بالنصر العزيز كمثل ما ... قد كنت تنصره بكل زمان ... يا رب وانصر خير حزبينا على ... حزب الضلال وعسكر الشيطان ... يا رب واجعل شر حزبينا فدا ... لخيارهم ولعسكر القرآن ... يا رب واجعل حزبك المنصور أهل تراحم وتواصل وتدان ... يا رب واحمهم من البدع التي ... قد أحدثت في الدين كل زمان ... يا رب جنبهم طرائقها التي ... تفيض بسالكها إلى النيران ... يا رب واهدهم بنور الوحي كي ... يصلوا اليك فيظفروا بجنان ... يا رب كن لهم وليا ناصرا ... واحفظهم من فتنة الفتان ... وانصرهم يا رب بالحق الذي ... أنزلته يا منزل القرآن ... يارب إنهم هم الغرباء قد ... لجؤوا اليك وأنت ذو الاحسان ... يا رب قد عادوا لأجلك كل هذا الخلق إلا صادق الايمان ... قد فارقوهم فيك أحوج ما هم ... دينا اليهم في رضى الرحمن ... ورضوا ولاتيك التي من نالها ... نال الأمان ونال كل أمان

ورضوا بوحيك من سواه وما ارتضوا بسواه من آراء ذي الهذيان ... يا رب ثبتهم على الايمان واجعلهم هداة التائه الحيران ... وانصر على حزب النفاة عساكر الإثبات أهل الحق والعرفان ... وأقم لأهل السنة النبوية الأنصار وانصرهم بكل زمان ... واجعلهم للمتقين أئمة ... وارزقهم صبرا مع الايقان ... نهدي بأمرك لا بما قد أحدثوا ... ودعوا اليه الناس بالعدوان ... وأعزهم بالحق وانصرهم به ... نصرا عزيزا أنت ذو السلطان ... واغفر ذنوبهم وأصلح شأنهم ... فلأنت أهل العفو والغفران ... ولك المحامد كلها حمدا كما ... يرضيك لا يفنى على الأزمان ... ملء السماوات العلى والأرض وال ... موجود بعد ومنتهى الامكان ... مما تشاء وراء ذلك كله ... حمدا بغير نهاية بزمان ... وعلى رسولك أفضل الصلوات والتسليم منك وأكمل الرضوان ... وعلى صحابته جميعا والألى ... تبعوهم من بعد بالاحسان ... وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده وسلم