روضة العقلاء ونزهة الفضلاء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية المتعزز بعظمة الربوبية القائم على نفوس العالم بآجالها والعالم بتقلبها وأحوالها المان عليهم بتواتر آلائه المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته ونفذت فيهم بعزته إرادته فألهمهم حسن الإطلاق وركب فيهم تشعب الأخلاق فهم على طبقات أقدارهم يمشون وعلى تشعب أخلاقهم يدورون وفيما قضى وقدر عليهم يهيمون و ( 23 53 كل حزب بما لديهم فرحون ) 0 وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا ومنشيء الأرضين والثرى لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ( 21 23 لايسأل عما يفعل وهم يسألون ) 0 وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ورسوله المرتضى بعثه بالنور المضي والأمر المرضي على حين فترة من الرسل ودروس من السبل فدمغ به الطغيان وأكمل به الإيمان وأظهره على كل الأديان وقمع به أهل الأوثان ف صلى الله عليه وسلم ما دار في السماء فلك وما سبح في الملكوت ملك وعلى آله أجمعين 0 أما بعد فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره ولاح للبيب تبدله حيث يبس ضرعه بعد الغزارة وذبل فرعه بعد النضارة ونحل عوده بعد الرطوبة وبشع مذاقه بعد العذوبه فنبع فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل من شهوات صدورهم وترك ما يوجبه نفس العقل بهجسات


قلوبهم جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليه عند المعضلات النفاق والمداهنه وفروعه عند ورود النائبات حسن اللباس والفصاحة وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل الذي يجب الإقتداء به ومن تخلف عن إحكامها فهو الأنوك الذي يجب الإزورار عنه 0 فلما رأيت الرعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهمج من الناس يقتدون بأمثالهم دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل متضمنه على معنى لطيف مما يحتاج اليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم ليكون كالتذكرة لدوي الحجى عند حضرتهم وكالمعين لأولى النهى عند غيبتهم يفوق العالم به أقارنه والحافظ له أترابه يكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات والمؤنس الحافظ له في الفلوات إن خص به من يجب من إخوانه لم يفتقده من ديوانه وإن استبد به دون أوليائه فاق به على نظرائه 0 أبين فيه ما يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومه مع القصد في لزوم الاقتصار وترك الإمعان في الإكثار ليخف على حامله وتعيه أذن مستمعه لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار إذا استقصى المجتهد في إطالتها فليس يرجو النهاية إلى غايتها ومن لم يرج التمكن من الكمال في الإكثار كان حقيقا أن يقنع بالإختصار 0 والله الموفق للسداد والهادي إلى الرشاد وإياه أسأل إصلاح بالأسرار وترك المعاقبة على الأوزار إنه جواد كريم رءوف رحيم 0


ذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيب حدثنا محمد بن يوسف بن مطر حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه حدثنا أحمد بن يونس حدثنا فضيل بن عياض عن محمد بن ثور عن معمر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها قال أبو حاتم لست أحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي عياش وسلمة بن وردان وعمير بن عمران وعلي ابن زيد والحسن بن دينار وعباد بن كثير ومسيرة بن عبد ربه وداود ابن المحبر ومنصور بن صفر وذويهم ليسوا ممن أحتج بأخبارهم فأخرج ما عندهم من الأحاديث في العقل 0 وإن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل 0 فالعقل به يكون الحظ ويؤنس الغربه وينفي الفاقة ولا مال أفضل منه ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله 0 والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم بإجتناب الخطأ فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قيل له شيطان فإذا عتا في الطغيان قيل مارد فإذا زاد على ذلك قيل عبقري فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قيل عفريت


وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته المائق ثم الرقيع ثم الأنوك ثم الأحمق 0 وأفضل مواهب الله لعباده العقل ولقد أحسن الذي يقول ... وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه ... إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه ... يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه ... يزيد الفتى في الناس جودة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه ... أخبرنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا أحمد بن سيار حدثنا حبيب الجلاب قال قيل لابن المبارك ما خير ما أعطى الرجل قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل أخبرنا محمد بن داود الرازي حدثنا محمد بن حميد حدثنا ابن المبارك قال سئل عقيل ما أفضل ما أعطى العبد قال غريزة عقل قال فإن لم يكن قال فأدب حسن قال فإن لم يكن قال فأخ شقيق يستشيره قال فإن لم يكون فطول الصمت قال فإن لم يكن قال فموت عاجل قال أبو حاتم العقل نوعان مطبوع ومسموع فالمطبوع منهما كالأرض والمسموع كالبذر والماء ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل محصول دون أن يرد عليه العقل المسموع فينبهه من رقدته ويطلقه من مكامنه يستخرج البذر والماء ما في قعور الأرض من كثرة الربع فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض والعقل المسموع من ظاهره كتدلى ثمرة الشجرة من فروعها 0 أنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطى


رأيت العقل نوعين ... فمطبوع ومسموع ... ولا ينفع المسموع ... إذا لم يك مطبوع ... كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع ... أخبرنا القطان بالرقه حدثنا موسى بن مروان حدثنا بقية عن عبد الله بن حسان حدثني ابن عامر قال قلت لعطاء بن أبي رباح يا أبا محمد ما أفضل ما أعطى العبد قال العقل عن الله أنشدني أحمد بن عبدالله الصنعاني لعبد الله بن عكراش ... يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه ... يشين الفتى في الناس خفة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه ... قال أبو حاتم فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت لأن قوت الأجساد المطاعم وقوت العقل الحكم فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت 0 والتقلب في الأمصار والأعتبار بخلق الله مما يزيد المرء عقلا وإن عدم المال في تقلبه 0 أنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلي ... إن ذا العقل يرى غنما له ... عدم المال إذا ما العقل صح ... ما على المرء بعدم سبة ... إن وفا العقل وإن دين صلح ... أخبرنا محمد بن المسيب حدثنا أحمد بن إسماعيل المدني قال سمعت حاتم ابن إسماعيل يقول ما أستودع الله عقلا عبدا إلا استنقذه به يوما ما قال أبو حاتم العقل دواء القلوب ومطية المجتهدين وبذر حراثة الآخرة


وتاج المؤمن في الدنيا وعدته في وقوع النوائب ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزا ولا المال يرفعه قدرا ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه فكما أن أشد الزمانه الجهل كذلك أشد الفاقه عدم العقل والعقل والهوى متعاديان فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوفا فإذ أشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلح الضمائر 0 أخبرنا عمرو بن محمد الأنصاري ثنا ثنا محمد بن عبيد الله الجشمى حدثنا المداينى قال قال معاوية بن أبي سفيان لرجل من العرب عمر دهرا أخبرني بأحسن شيء رأيته قال عقل طلب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أياديه وتم بناوه ... فإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مال كثيرا عطاؤه ... أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو كامل الجحدرى حدثنا عمران بن خالد الخزاعي قال سمعت الحسن يقول ما تم دين عبد قط حتى يتم عقله قال أبو حاتم أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة وأقلهم عنها فترة فبالعقل تعمر القلوب كما أن بالعلم تستخرج الأحلام وعمود السعادة العقل ورأس الاختيار ولو صور العقل صورة لأظلمت معه الشمس لنوره فقرب العاقل مرجو خيره على كل حال كما أن قرب الجاهل مخوف شره على كل حال0


ولا يجب للعاقل أن يغتم لأن الغم لا ينفع وكثرته تزري بالعقل ولا أن يحزن لأن الحزن لا يرد المرزئة ودوامه ينقص العقل والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه فإذا وقع فيه رضى وصبر والعاقل لا يخيف أحدا أبدا ما استطاع ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبا وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد مع لزوم العفاف إذ هو قطب شعب العقل أنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري ... أولست تأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه آل الأمر حين يؤول ... فإن استطعت فخذ بعقلك فضلة ... إن العقول يرى لها تفضيل ... أخبرنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج حدثنا محمد بن علي الطاحي حدثنا عمرو بن عثمان الخزاز الحرانى حدثنا مفضل بن صالح قال على لما أهبط الله آدم من الجنة أتاه جبريل فقال إنى أمرت أن أخيرك في ثلاثة فاختر واحدة ودع إثنتين فقال آدم وما الثلاث فقال الحياء والدين والعقل فقال آدم فإني قد أخترت العقل قال فقال جبريل للحياء والدين أنصرفا ودعاه فقالا إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان ثم عرج جبريل وقال شأنكم قال أبو حاتم من حسن عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب محاسن وجهه نقائص نفسه فلا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدما لأن العاقل قد يرجى له الغنى ولا يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله ومال العاقل عقله وما قدم من صالح عمله


وآفة العقل الصلف والبلاء المردي والرخاء المفرط لأن البلايا إذا تواترت عليه أهلكت عقله والرخاء إذا تواتر عليه أبطره والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل 0 أنشدني علي بن محمد البسامي ... عدوك ذو العقل أبقى عليك ... من الجاهل الوامق الأحمق ... وذو العقل يأتي جميل الأمور ويقصد للأرشد الأرفق ... أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة بعسقلان حدثنا ابن أبى السرى حدثنا داود بن الجراح وضمرة بن ربيعة عن خليد بن دعلج قال سمعت معاوية ابن قرة يقول إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم سمعت محمد بن محمود بن عدى النسائى يقول سمعت على بن خشرم يقول سمعت حفص بن حميد الأكاف يقول العاقل لا يغبن والورع لا يغبن قال أبو حاتم هذه لفظة جامعة تشتمل على معان شتى فكما لا ينفع الاجتهاد بغير توفيق ولا الجمال بغير حلاوة ولا السرور بغير أمن كذلك لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عمل وكما أن السرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة كذلك المروءات كلها تبع للعقل وعقول كل قوم على قدر زمانهم فالعاقل يختار من العمر أحسنه وإن قل فإنه خير من الحياة النكدة وإن طالت والعقل الموعى غير المنتفع به كالأرض الطيبة الخراب0 والعاقل لا يبتدىء الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التمارى إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت0


والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من أستحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته0 والعاقل لا يخفى عليه عيب نفسه لأن من خفى عليه عيب نفسه خفيت عليه محاسن غيره وإن من أشد العقوبه للمرء أن يخفى عليه عيبه لأنه ليس بمقلع عن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى0 أنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري ... ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طول التجارب ... وقد وعظ الماضي من الدهر ذا النهى ... ويزداد في أيامه بالتجارب ... أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن الحكم ابن عبد الله قال كانت العرب تقول العقل التجارب والحزم سوء الظن قال أبو حاتم لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الأعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رضى الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شئ صار إلى النقص 0 ولا ينفع العقل إلا بالإستعمال كما لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا ينفع الرأي إلا بالإنتخال كما لا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان0 ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه أخاف أن يكون حتفه في أقرب الأشياء إليه0


ورأس العقل المعرفه بما يمكن كونه قبل أن يكون والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج الاستغراق في الضحك وكثرة التمني وسوء التثبت لأن العاقل لا يتكلف مالا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد الا بما يقدر عليه ولا ينفق إلا بقدر ما يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر ما عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عليه نفعة منه 0 والعاقل يبذل لصديقه نفسه وماله ولمعرفته رفده ومحضره ولعدوه عدله وبره وللعامة بشره وتحيته ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنما إلا أن يغلبه الاضطرار عليه ولا يدعي ما يحسن من العلم لأن فضائل الرجال ليست ما ادعوها ولكن ما نسبها الناس إليهم ولا يبالي ما فاته من حطام الدنيا مع ما رزق من الحظ في العقل 0 أنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلى ... فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى ... يكون كذى رجل وليست له نعل ... ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى ... يكون كذى نعل وليست له رجل ... قال أبو حاتم كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال بأن تصرف مساوى أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه حلما والمكر عقلا والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعى صمتا والعقوبة تأديبا والجرأة عزما والجبن تأنيا والإسراف جودا والإمساك تقديرا فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقرا للرؤساء ناصحا للأقران مواتيا للأخوان متحرزا من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب ولا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقه ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى مالا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء


ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يمدح أحدا إلا بما فيه لأن من مدح رجلا بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية0 والعاقل يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا وكلام العاقل يعتدل كاعتدال جسد الصحيح وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط جسد المريض وكلام العاقل وان كان نزرا حظوة عظيمة كما أن مقارفة المأثم وإن كان نزرا مصيبة جليلة ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه وآفة العقل العجب بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام0 ولا يجب للعاقل أن يحب أن يسمى به لأن من عرف بالدهاء حذر ومن عقل العاقل دفن عقله ما استطاع لأن البذر وان خفى في الأرض أياما فإنه لا بد ظاهر في أوانه وكذلك العاقل لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده0 وأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل أنشدني على بن محمد البسامي ... إن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها ... والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق ساديها ... والصبر سابعها والشكر ثامنها ... واللين تاسعها والصدق عاشيها ... أخبرنا عمر بن عبد الله بن عمر الهجرى بالأبلة حدثنا عبد الله بن خبيق حدثنا موسى بن طريف قال شعيب بن حرب قال لي شعبة عقولنا قليلة فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلا منا ذهب ذلك القليل وإنى لأرى الرجل يجلس


مع من هو أقل عقلا منه فأمقته قال أبو حاتم أول خصال الخير للمرء في الدنيا العقل وهو من أفضل ما وهب الله لعباده فلا يجب أن يدنس نعمة الله بمجالسه من هو بضدها قائم والواجب على العاقل أن يكون حسن السمت طويل الصمت فإن ذلك من أخلاق الأنبياء كما أن سوء السمت وترك الصمت من شيم الأشقياء0 والعاقل لا يطول أمله لأن من قوى أمله ضعف عمله ومن أتاه أجله لم ينفعه أمله والعاقل لا يقاتل من غير عدة ولا يخاصم بغير حجه ولا يصارع بغير قوة لأن بالعقل تحيا النفوس وتنور القلوب وتمضي الأمور وتعمر الدنيا والعاقل يقيس ما لم ير من الدنيا بما قد رأى ويضيف مالم يسمع منها إلى ما قد سمع وما لم يصب منها إلى ما قد أصاب وما بقى من عمره بما فنى وما لم ينل منها بما قد أوتى ولا يتكل على المال وإن كان في تمام الحال لأن المال يحل ويرتحل والعقل يقيم ولا يبرح ولو أن العقل شجرة لكانت من أحسن الشجر كما أن الصبر لو كان ثمرة لكان من أكرم الثمر0 والذي يزداد به العاقل من نماء عقله هو التقرب من أشكاله والتباعد من أضداده0 ولقد أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أبو جعفر ابن ابنة أبي سعيد الثعلبي حدثنا محمد بن أبى مالك الغزي قال سمعت أبي يقول جالسوا الألباء أصدقاء كانوا أو أعداء فإن العقول تلقح العقول قال أبو حاتم مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين إما تذكر الحالة


التي يحتاج العاقل إلى الأنتباه لها أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الجاهل إلى معرفتها0 فقرب العاقل غنم لأشكاله وعبره لأضداده على الأحوال كلها ولا يجب لمن تسمى به أن يتدلل إلا على من يحتمل دلاله ويقبل إلا على من يحب إقباله ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر والأخر التثبت0 جعلنا الله ممن ركب فيه حسن وجود العقل فسلك بتمام النعم مسلك الخصال التي تقربه إلى ربه في دارى الأمد والأبد إنه الفعال لما يريد0 ذكر إصلاح السرائر للزوم تقوى الله أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن زهير بتستر حدثنا عمر بن شبة حدثنا مؤمل ابن إسماعيل حدثنا شعبة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كره الله منك شيئا فلا تفعله إذا خلوت قال أبو حاتم الواجب على العاقل الحازم أن يعلم أن للعقل شعبا من المأمورات والمزجورات لا بد له من معرفتها واستعمالها في أوقاتها لمباينة العام وأوباش الناس بها0 وإني ذاكر في هذا الكتاب إن الله قضى ذلك وشاءه خمسين شعبة من شعب العقل من المأمورات والمزجورات ليكون الكتاب مشتملا على خمسين بابا بناء كل باب منها على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نتكلم في عقيب كل سنة منها بحسب ما يمن الله به من التوفيق لذلك إن شاء الله 0 فأول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة لأن من صلح جوانيه أصلح الله برانيه ومن فسد جوانيه أفسد الله برانيه0 ولقد أحسن الذي يقول ... إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب ... ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب


ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا للناظرين قريب ... أخبرنا عبد الله بن محمود بن سليمان السعدى حدثنا شعبة بن هبيرة حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة0 قال أبو حاتم قطب الطاعات للمرء في الدنيا هو إصلاح السرائر وترك إفساد الضمائر والواجب على العاقل الإهتمام بإصلاح سريرته والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره وحركته وسكونه لأن تكدر الأوقات وتنغص اللذات لا يكون إلا عند فساده ولو لم يكن لإصلاح السرائر سبب يؤدى العاقل إلى استعماله إلا إظهار الله عليه كيفية سريرته خيرا كان أو شرا لكان الواجب عليه قلة الإغضاء عن تعاهدها أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... يلبس الله في العلانية العبد ... الذي كان يختفى في السريره ... حسنا كان أو قبيحا سيبدى ... كل ما كان ثم من كل سيرة ... فاستح الله أن ترائى للناس ... فإن الرياء بئس الذخيرة ... أخبرنا أبو يعلى حدثنا شريح بن يونس حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن عطاء بن أبى رباح عن أبيه قال قال كعب والذي فلق البحر لبنى إسرائيل إنى لأجد في التوراة مكتوبا يا بن آدم اتق ربك وصل رحمك وبر والديك يمد لك في عمرك وييسرلك يسرك ويصرف عنك عسرك0 حدثنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا محمد بن على الشقيقي حدثنا أبى حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال إن القلب إذا لم يكن


فيه حزن خرب كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن وإن قلوب الأبرار تغلى بأعمال البر وإن قلوب الفجار تغلى بأعمال الفجور والله يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله0 أنشدني محمد بن مبد الله بن زنجى البغدادي ... وإذا أعلنت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر ... فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشر ... أخبرنا أبو يعلى حدثنا شريح بن يونس حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال إن الرجل ليتكلم بالكلام ينوى فيه الخير فيلقى الله في قلوب العباد حتى يقولوا ما أراد بكلامه هذا إلا الخير وإن الرجل ليتكلم بالكلام الشر لا ينوى فيه الخير فيلقى الله في قلوب الناس حتى يقولوا ما أراد بكلامه هذا إلا الشر0 حدثنا محمد بن عمر الهمداني حدثنا القطواني حدثنا سيار حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال سمعت الحسن يقول إنكم وقوف ها هنا تنتظرون آجالكم وعند الموت تلقون الخبر فخذوا مما عندكم لما بعدكم قال أبو حاتم الواجب على العاقل أن يأخذ مما عنده لما بعده من التقوى والعمل الصالح بإصلاح السريرة ونفى الفساد عن خلل الطاعات عند إجابة القلب وإبائه فإذا كان صحة السبيل في إقباله موجودا أنفذه بأعضائه وإن كان عدم وجوده موجودا كبحه عنها لأن بصفاء القلب تصفو الأعضاء0 وأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري ... وإن امرأ لم يصف لله قلبه ... لفى وحشة من كل نظرة ناظر ... وإن امرأ لم يرتحل ببضاعة ... إلى داره الأخرى فليس بتاجر ... وإن امرأ ابتاع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر ... أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفى ببغداد حدثنا أبو نصر التمار


حدثنا أبو الأشهب عن خالد الربعى قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فأمره سيده أن يذبح شاة فذبح شاة فقال أئتنى بأطيب مضغتين في الشاة فأتاه باللسان والقلب ثم مكث أياما فقال اذبح شاة فذبح شاة فقال ائتنى بأخبث مضغتين في الشاة فألقى إليه اللسان والقلب فقال له سيده قلت لك حين ذبحت ائتنى بأطيب مضغتين فأتيتنى باللسان والقلب ثم قلت لك الآن حين ذبحت الشاة أئتنى بأخبث مضغتين في الشاة فألقيت اللسان والقلب فقال إنه لا أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وأنشدني منصور بن محمد الكريزى ... وما المرء إلا قلبه ولسانه ... إذا حصلت أخباره ومداخله ... إذا ما رداء المرء لم يك طاهرا ... فهيهات أن ينقيه بالماء غاسله ... وما كل من تخشى ينالك شره ... وما كل ما أملته أنت نائله ... أخبرنا أحمد بن عيسى بن السكبن بواسط حدثنا عبد الحميد بن محمد بن مستام حدثنا مخلد بن يزيد حدثنا صالح بن حسان المؤذن قال دخلت على عمر ابن عبد العزيز فسمعته يقول لا يتقى الله عبد حتى يجد طعم الذل قال أبو حاتم العاقل يفتش قلبه في ورود الأوقات ويكبح نفسه عن جميع المزجورات ويأخذها بالقيام في أنواع المأمورات ولزوم الأنتباه عند ورود الفترة في الحالات ولا يكون المرء يشاهد ما قلنا قائما حتى يوجد منه صحة التثبت في الأفعال0 أنشدني على بن محمد البسامي ... وإذا بحثت عن التقى وجدته ... رجلا يصدق قوله بفعال ... وإذا اتقى الله امرؤ وأطاعه ... فيداه بين مكارم ومعال ... وعلى التقى اذا تراسخ في التقى ... تاجان تاج سكينة وجمال ... وإذا تناسبت الرجال فما أرى ... نسبا يكون كصالح الأعمال


أخبرنا القطان بالرقة حدثنا عبد الله بن رومى البزاز عن أبيه قال قلما دخلت على إسحاق بن أبى ربعى الرافقى إلا وهو يتمثل بهذا البيت ... خير من المال والأيام مقبلة ... جيب نقى من الآثام والدنس ... أخبرنا محمد بن عبدالله بن الجنيد حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أخبرنا الربيع عن الحسن قال أفضل العمل الورع والتفكر0 قال أبو حاتم العاقل يدبر أحواله بصخة الورع ويمضى لسانه بلزوم التقوى لأن ذلك أول شعب العقل وليس إليه سبيل إلا بصلاح القلب ومثل قلب العاقل إذا لزم رعاية العقل على ما نذكرها في كتابنا هذا إن الله قضى ذلك وشاءه كأن قلبه شرح بسكاكين التقية ثم ملح بملح الخشيه ثم جفف برياح العظمة ثم أحيى بماء القربه فلا يوجد فيه إلا ما يرضى المولى جل وعلا ولا يبالى المرء إذا كان بهذا النعت أن يتضع عند الناس ومحال أن يكون ذلك أبدا0 سمعت أحمد بن موسى بواسط يقول وجد ( ت ) على خف عطاء السلمي مكتوبا وكان حائكا ... إلا إنما التقوى هو العز والكرم ... وفخرك بالدنيا هو الذل والعدم ... وليس على عبد تقى نقيصه ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم ... أخبرنا محمد بن زنجويه القشيرى حدثنا عمرو بن على حدثنا طريف بن سعيد حدثنا القاسم بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن علي بن حسين قال إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء دنا الرحيل فأعد زادا 0 وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبراش ... إذا انتسب الناس كان التقى ... بتقواه أفضل من ينتسب ... ومن يتقى الله يكسب به ... من الحظ أفضل ما يكتسب ... ومن يتخذ سببا للنجاة ... فإن تقى الله خير السبب


وأنشدني أحمد بن محمد بن عبد الله الصنعانى لابن عكراش ... ومهما يسر المرء يبد لربه ... وما ينسه الإنسان لا ينسى كاتبه ... ومن كان غلابا بجهد ونجدة ... فذو الحظ في أمر المعيشة غالبه ... وأنشدني أبو بدر أحمد بن خالد بن عبيد الله بن عبد الملك بحران ... يا نفس ما هو إلا صبر أيام ... كأن لذاتها أضغاث أحلام ... يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدامى ... أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصارى أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله أخبرنا سفيان عن معن قال قال عبد الله إن لهذه القلوب شهوه وإقبالا وإن لها فترة وإدبارا فخذوها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند فترتها وإدبارها0 قال أبو حاتم الواجب على العاقل أن لا ينسى تعاهد قلبه بترك ورود السبب الذي يورث القساوة له عليه لأن بصلاح الملك تصلح الجنود وبفساده تفسد الجنود فإذا اهتم بإحدى الخصلتين تجنب أقربهما من هواه وتوخى أبعدهما من الردى0 ولقد أحسن الذي يقول ... وإذا تشاجر في فؤادك مرة ... أمران فاعمد للأعف ألأجمل ... وإذا هممت بأمر سوء فتئد ... وإذا هممت بأمر خير فافعل ... أخبرنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي بالبصرة حدثنا إبراهيم بن عزرة الشامى عن مسعر بن كدام عن عون بن عبد الله قال قال عمر بن الخطاب جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة 0 أخبرنا أبو يعلى حدثنا محمد بن عمرو بن جبله حدثنا محمد بن مروان حدثنا عطاء الأزرق قال قال رجل للحسن يا أبا سعيد كيف أنت وكيف حالك


قال كيف حال من أمسى وأصبح ينتظر الموت ولا يدري ما يصنع به وأنشدني منصور بن محمد الكريزى ... تتخير قرينا من فعالك إنما ... يزين الفتى في القبر ما كان يفعل ... فإن كنت مشغولا بشيء فلا تكن ... بغير الذي يرضى به الله تشغل ... فلا بد بعد القبر من أن تعده ... ليوم ينادى المرء فيه فيسأل ... فلن يصحب الإنسان من قبل موته ... ولا بعده إلا الذي كان يعمل ... ألا نما الأنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلا بينهم ثم يرحل ... أخبرنا على بن سعيد العسكرى حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا محمد بن الحسين حدثنا إسماعيل بن زياد قال قدم علينا عبد العزيز بن سليمان عبادان في بعض قدماته فأتيناه نسلم عليه فقال لنا صفوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همكم ثم قال لو خدمت مخلوقا فأطلت خدمته ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة فكيف بمن ينعم عليك وأنت مسيء إلى نفسك تتقلب في نعمه وتتعرض لغضبه هيهات هيهات همة البطالين ليس لهذا خلقتم ولا بذا أمرتم الك الكيس رحمك الله وكان يفطر على ماء البحر قال أبو حاتم لن تضفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في الله هما واحدا فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء إذ هو أفضل راد العقلاء في داريهم وأجل مطية الحكماء في حاليهم وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الوسطى ... عليك بتقوى الله في كل أمره ... تجد غبه يوم الحساب المطول


ألا إن تقوى الله خير مغبة ... وأفضل زاد الطاعن المترحل ... قال أبو حاتم قد ذكرت هذا الباب بكماله بالعلل والحكايات في كتاب محجة المبتدئين بما أرجو الغنية للناظر إذا ماتأملها فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب0 ذكر الحث على لزوم العلم والمداومه على طلبه أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم بن أبى النجود عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال ا لمرادى فقال ما جاء بك قلت جئت أنبط العلم قال فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع قال أبو حاتم الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثنى بطلب العلم والمداومه عليه إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك0 ولا يجب أن يكون متأملا في سعيه الدنو من السلاطين أو نوال الدنيا به فما أقبح بالعالم التذلل لأهل الدنيا حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال سمعت الفضيل بن عياض يقول ما أقبح بالعالم يؤتى إلى منزله فيقال أين العالم فيقال عند الأمير أين العالم فيقال عند القاضي ما للعالم وما للقاضي وما للعالم وما للأمير ينبغي للعالم أن يكون في مسجده يقرأ في مصحفه0


حدثنا أبو يعلى حدثنا غسان بن الربيع حدثنا سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال ياطلاب العلم لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش أطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة وأنشدني محمد بن عبدالله بن زنجى البغدادي ... وفي العلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك طاعات الفؤاء المتيم ... بصائر رشد للفتى مستبينة ... وإخلاص صدق علمها بالتعلم ... أخبرنا إبراهيم بن نصر حدثنا عبد بن حميد حدثنا سعيد بن عامر عن حميد بن الأسود عن عيسى بن أبى عيسى الخياط قال قال الشعبى إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان العقل والنسك فإن كان عاقلا ولم يك ناسكا قيل هذا أمر لا يناله إلا النساك فلم يطلبه وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قيل هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلم يطلبه قال الشعبي فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك قال أبو حاتم العاقل لا يبيع حظ آخرته بما قصد في العلم لما يناله من حطام هذه الدنيا لأن العلم ليس القصد فيه نفسه دون غيره لأن المتبغي من الأشياء كلها نفعها لا نفسها والعلم ونفس العلم شيئان فمن أعضى عن نفعه لم ينتفع بنفسه وكان كالذي يأكل ولا يشبع والعلم له أول وآخر0 كما حدثنا أحمد بن على بن المثنى حدثنا عمرو الناقد حدثنا يحيى بن اليمان قال سمعت سفيان يقول أول العلم الإنصات ثم الأستماع ثم الحفظ ثم العمل به ثم النشر وأنشدني الأبرش ... تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل ... وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل


أخبرنا أبو يعلى حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقانى حدثنا جرير عن برد بن سنان عن سليمان بن موسى قال قال أبو الدرداء لا تكون عالما حتى تكون متعلما ولا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا قال أبو حاتم العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به لأن من سعى فيه لغير ما وصفنا إزداد فخرا وتجبرا وللعمل تركا وتضييعا فيكون فساده في المتأسين به فيه أكثر من فساده في نفسه ويكون مثله كما قال الله تعالى 8 ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون8 أخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد حدثنا عبد الرحمن ابن عفان قال سمعت الفضيل بن عياض يقول في جهنم أرحية تطحن العلماء طحنا فقيل من هؤلاء قال قوم علموا فلم يعملوا0 أخبرنا عبد الله بن محمد السعدي حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا جعفر ابن سليمان عن مالك بن دينار قال إذا طلب الرجل العلم ليعمل به سره علمه وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به زاده علمه فخرا أخبرنا محمد بن عمر بن سليمان حدثنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنى سلمة بن الخطاب عن عبد الحميد بن أبى جعفر الفراء قال قال الحسن من أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه ومن أراد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا حدا ولم يزدد من الله إلا بغضا0 أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنى أحمد بن إبراهيم الحدثى حدثنى إسماعيل ابن الحارث حدثنى محمد بن الحسن المدينى حدثنا أبو العوام أن إبراهيم سمع صوت هاتف وهو يقول ... يا طالب العلم باشر الورعا ... وباين النوم واهجر الشبعا ... ماضر عبدا صحت إرادته ... أجاع يوما في الله أو شبعا


ماضر عبدا صحت عزائمه ... أين من الأرض أينما صقعا ... ما طمعت نفس عابد فنوى ... سؤال قوم إلا لهم خضعا ... يا أيها الناس ما لعالمكم ... في بحر ماء الملوك قد كرعا ... يا أيها الناس أنتم زرع ... يحصده الموت كلما طلعا ... أخبرنا ابن سالم حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأحتياطي حدثنا يحيى بن اليمان العجلى عن سفيان الثورى قال العالم طبيب الدين والدرهم داء الدين فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوى غيره0 أنشدني أحمد بن محمد الصنعاني أنشدنى محمد بن عبد الله العراقي ... عنوا يطلبون العلم في كل بلده ... شبابا فلما حصلوه وحشروا ... وصح لهم إسناده وأصوله ... وصاروا شيوخا ضيعوه وأدبروا ... ومالوا على الدنيا فهم يحلبونها ... بأخلافها مفتوحها لا يصرر ... فيا علماء السوء أين عقولكم ... وأين الحديث المسند المتخير ... أخبرنا جعفر بن محمد الهمداني بصور حدثنا محمد بن عبد الله البعلبكي قال سمعت عمي محمد بن زيد قال كنت مع ابن المبارك ببغداد فرأى إسماعيل ابن عليه راكبا بغله على باب السلطان فأنشأ يقول ... يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال السلاطين ... لا تبع الدين بدنيا كما ... بفعل ضلال الرهابين ... احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين ... وصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين


ففكر الناس جميعا بأن ... زل حمار العلم في الطين ... أخبرنا عبد العزيز بن الحسن البرذعي حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا أحمد بن عبد الله التسترى قال لما ولى ابن عليه صدقات الإبل والغنم بالبصرة كتب إليه ابن المبارك كتابا وكتب في أسفله ... يا جاعل الدين له بازيا ... يصطاد أموال المساكين ... احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين ... يا فاضح العلم ومن كان ذا ... لب ومن عاب السلاطين ... أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين ... وزاد غير أحمد بن عبد الله ... إن قلت أكرهت فماذا كذا ... زل حمار العلم في الطين ... فلما قرأ ابن علية الكتاب بكى ثم كتب جوابه وكتب في أسفله ... أف لدنيا أبت تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني ... عيني لحيني تدير مقلتها ... تطلب ما سرها لترديني ... أخبرنا محمد بن علي الصيرفي بالبصرة حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا وهيب عن أيوب عن أبى قلابة عن ابن مسعود قال عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أصحابه وإنكم ستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم وعليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر أو يفتقر إليه عنده وعليكم بالعلم وإياكم والبدع وعليكم بالعتيق 0 حدثنا محمد بن زنجوية القشيري حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبه حدثنا


فرة بن خالد عن عون بن عبد الله قال قال ابن مسعود ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية حدثني إسحاق بن إبراهيم القاضي حدثنا الحارث بن مسكين حدثنا ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية قال أبو حاتم الواجب على العاقل مجانبة ما يدنس علمه من أسباب هذه الدنيا مع القصد في لزوم العمل بما قدر عليه ولو استعمال خمسة أحاديث من كل مائتي حديث فيكون كأنه قد أدى زكاة العلم فمن عجز عن العمل بما جمع من العلم فلا يجب أن يعجز عن حفظه0 ولقد أنبأنا ابن قحطبة حدثنا حسين بن محمد الكوفي قال سمعت محمد ابن بشير الخزاعي يقول ... أما لو أعى كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع ... ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع ... ولكن نفس إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تنزع ... وأحضر بالجهل في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع ... فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع ... ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع ... إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع ... وأنشدني محمد بن عبد الله المؤدب ... جامع العلم تراه أبدا ... غير ذي حفظ ولكن ذا غلط ... وتراه حسن الخط إذا ... كتب الخط بصيرا بالنقط ... فإذا فتشته عن علمه ... قال علمي يا خليلي في السفط


في كراريس جياد أحكمت ... وبخط أي خط أي خط ... فإذا قلت له هات لنا ... حك لحيته جميعا وامتخط ... أخبرنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا الحجاج بن نصير حدثنا عبد القدوس قال سمعت وهيب بن منيه يقول من تعلم علما في حق وسنة لم يذهب الله بعقله أبدا حدثنا عبد الله بن قحطبة حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان قال كتب الي أبي وأنا بالكوفه أشتر الصحف واكتب العلم فإن المال يفنى والعلم يبقى حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله بن المبارك قال كتب حكيم من الحكماء ثلاثين صحفية حكم فأوحى الله اليه إنك قد ملآت الأرض نفاقا وإن الله لم يتقبل شيئا من نفاقك قال أبو حاتم اقتناء المرء عمره بكثرة الأسفار ومباينة الأهل والأوطان في طلب العلم دون العمل به أو الحفظ له ليس من شيم العقلاء ولا من زي الألباء وإن من أجرد ما يستعين المرء به على الحفظ الطبع الجيد مع الهمة واجتناب المعاصي وأنشدني الأبرش ... نعم عون الفتى الطلوب لعلم ... أو لبعض العقول صحة طبع ... فإذا الطبع فاته بطل العلم ... وصار العناء في غير نفع ... سمعت إبراهيم بن نصر العنبري يقول سمعت علي بن خشرم يقول سمعت وكيعا يقول أستعينوا على الحفظ بترك المعصية قال أبو حاتم يجب على العاقل أن لا يطلب من العلم إلا أفضله لأن الأزدياد من العلم آثر عند العاقل من الذكر بالعلم والعلم زين في الرخاء ومنجاة


في الشدة ومن تعلم إزداد كما أن من حلم ساد وفضل العلم في غير خير مهلكه كما أن كثرة الأدب في غير رضوان الله موبقه والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما أجدى عليه نفعا في الدارين معا وإذا رزق منه الحظ لا يبخل بالإفادة لأن أول بركة العلم الإفادة وما رأيت أحدا قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض ما لم ينبع ولا بالذهب الأحمر ما لم يستخرج من معدنه ولا باللؤلؤ النفيس ما لم يخرج من بحره كذلك لا ينتفع بالعلم ما دام مكنونا لا ينشر ولا يفاد أنبأنا أحمد بن مضر الرباطي حدثنا محمد بن سهيل بن عسكر حدثنا أبو صالح الفراء قال سمعت ابن المبارك يقول من بخل بالحديث يبتلى بإحدى ثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينسى أو يبتلى بالسلطان حدثنا أبو يعلى حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن برد عن سليمان ابن موسى قال قال أبو الدرداء الناس عالم ومتعلم ولا خير فيما بين ذلك وأنشدني الكريزي ... أفد العلم ولا تبخل به ... والى علمك علما فاستفد ... استفد ما استطعت من علم وكن ... عاملا بالعلم والناس أفد ... من يفدهم يجزه الله به ... وسيغني الله عمن لم يفد ... ليس من نافس فيه عاجزا ... إنما العاجز من لا يجتهد ... حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمه حدثنا عمر بن حفص الشيباني حدثنا حماد ابن واقد عن هشام بن حسان عن الحسن قال لأن يتعلم الرجل بابا من العلم فيعبد به ربه فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له فوضعها في الآخرة


قال أبو حاتم قد ذكرت أسباب المتعلمين وأخلاق العلماء بعللها في كتاب العالم والمتعلم بما أرجو أن يكون فيه غنيه لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عن التكرار لأنا شرطنا في هذا الكتاب الاختصار كراهية سلوك التطويل والإشارة إلى قصد نفس التحصيل ذكر الحث على لزوم الصمت وحفظ اللسان أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب البلحي ببغداد حدثنا منصور بن ابي مزاحم حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فيلقل خيرا أو ليسكت قال أبو حاتم الواجب على العاقل إذا ذكر المطيتين اللتين ذكرتهما قبل إصلاح السريرة ولزوم العلم أن يبلغ مجهوده حينئذ في حفظ اللسان حتى يستقيم له إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب والصمت يكسب المحبة والوقار ومن حفظ لسانه أراح نفسه والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام والصمت منام العقل والمنطق يقظته حدثنا محمد بن زنجويه حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن لقمان قال إن من الحكم الصمت وقليل فاعله وأنشدني الكريزي ... أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون ... واحفظ لسانك واحتفظ من غيه ... حتى يكون كأنه مسجون ... وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون ... فزناه وليك محكما ذا قلة ... إن البلاغه في القليل تكون ... أخبرنا ابن قتيبة حدثنا جعفر بن نوح حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع قال


سمعت مالك بن أنس يقول كل شيء ينتفع بفضله إلا الكلام فإن فضله يضر أخبرنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال قال أبو الدرداء لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين منصت واع أو متكلم عالم قال أبو حاتم الواجب على العاقل أن لا يغالب الناس على كلامهم ولا يعترض عليهم فيه لأن الكلام وإن كان في وقته حظوة جليلة فإن الصمت في وقته مرتبة عالية ومن جهل بالصمت عي بالمنطق والإنسان إما هو صورة ممثلة أو صالة مهملة لولا اللسان والله جل وعز رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح فليس منها شيء أعظم اجرا منه إذا أطاع ولا أعظم ذنبا منه إذا جنى وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... لئن كان يجني اللوم ما أنت قائل ... ولم يك منه النفع فالصمت أيسر ... فلا تبد قولا من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر ... أخبرنا ابن قتيبة حدثنا هرون بن محمد البكار قال سمعت أبا مسهر ينشد هذا البيت ... قد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كل قول يشنه الإكثار ... أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثني محمد بن داود بن سليمان الرملى حدثنا المسيب بن واضح قال سمعت ابن المبارك يقول ... تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله ... وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله


أخبرنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا محمد بن علي الشقيقي أنبأنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول شيئان يقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل أخبرنا أبو يعلي حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال سمعت يحيى بن اليمان يقول قال سفيان الثوري أول العبادة الصمت ثم طلب العلم ثم العمل به ثم حفظه ثم نشره حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا العتبي عن علي بن جرير عن أبيه قال قال الأحنف بن قيس الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه قال أبو حاتم الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم فما أكثر من ندم إذا نطق وأقل من يندم إذا سكت وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاء مطبق واللسان فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها ويضع كل خصلة منها في موضعها هو أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير وناطق يرد به الجواب وحاكم يفصل به الخطاب وشافع تدرك به الحاجات وواصف تعرف به الأشياء وحاصد تذهب الضغينه ونازع يجذب المودة ومسل يذكي القلوب ومعز ترد به الأحزان ولقد أحسن الذي يقول ... إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قلبك الأخيارا ... ولئن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا ... إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا ... وإذا تقرب خاسر من خاسر ... زادا بذاك خسارة وتبارا


أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا كثير بن عبد الله التيمي حدثنا العلاء ابن سعيد الكندي حدثني أبو حية قال كنت أماشي إسماعيل بن سهل وكان أحد الحكماء فقال لي ألا أخبرك ببيت شعر خير لك من عشرة آلاف درهم قال نعم قال أيما أحب إليك نفسك أو عشرة آلاف درهم قال قلت نفسي فأنشىء يقول ... أخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال ... قال أبو حاتم الواجب على العاقل أن يكون ناطقا كعيي وعالما كجاهل وساكتا كناطق لأن الكلام لا بد له من الجواب والجواب لو جعل له جواب لم يكن للقول نهاية وخرج المرء إلى ما ليس له غاية والمتكلم لا يسلم من أن ينسب إليه الصلف والتكلف والصامت لا يليق به إلا الوقار وحسن الصمت ولقد أحسن الذي يقول ... حتف امرىء لسانه ... في جده أو لعبه ... بين اللها مقتله ... ركب في مركبه ... أخبرنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة حدثنا دريد ابن مجاشع عن غالب القطان عن مالك بن دينار عن الأحنف بن قيس قال قال عمر بن الخطاب يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه وأنشدني الأبرش ... ما ذل ذو صمت وما من مكثر ... إلا يزل وما يعاب صموت ... إن كان منطق ناطق من فضة ... فالصمت در زانه الياقوت


أنبأنا ابن قتيبة حدثنا المسيب بن واضح قال سمعت علي بن بكار يقول جعل الله لكل شيء بابين وجعل للسان أربعة الشفتين مصراعين والأسنان مصراعين أنبأنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي بالبصرة حدثنا نصر بن علي الجهضمي أنبأنا محمد بن يزيد بن خنيس عن وهيب بن الورد أن شابا كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب ويحسن الاستماع ثم ينصرف من قبل أن يتكلم ففطن له عمر فقال له إنك تحضر مجلسنا وتحسن الأستماع ثم تنصرف من قبل أن تتكلم فقال الشاب اني أحضر فأتوقى وأتنقى وأصمت فأسلم قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول لأنه إذا قال ربما ندم وإن لم يقل لم يندم وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قال والكلمة إذا تكلم بها ملكته وإن لم يتكلم بها ملكها والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت ورب كلمة سلبت نعمة أخبرنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي قال أنشدني رجل من ربيعة ... لعمرك ما شيء علمت مكانه ... أحق بسجن من لسان مذلل ... على فيك مما ليس يعنيك شأنه ... بقفل وثيق ما أستطعت فأقفل ... فرب كلام قد جرى من ممازح ... فساق إليه سهم حتف معجل ... وللصمت خير من كلام بمأثم ... فكن صامتا تسلم وإن قلت فاعدل ... أخبرنا أبو يعلي حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن برد عن سليمان ابن موسى قال قال أبو الدرداء كفى بك ظالما أن لا تزال مخاصما وكفى بك


آثما أن لا تزال مماريا وكفى بك كاذبا أن لا تزال محدثا إلا حديثا في ذات الله تبارك وتعالى أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا معروف بن الحسن الكناني حدثنا كثير ابن هشام عن عيسى بن إبراهيم عن سعيد بن أبي سعيد عن كعب قال العافية عشرة أجزاء تسعة منها في السكوت أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أحمد بن إبراهيم الدوريقي حدثنا يحيى القطان عن شعبة قال من الناس من عقله بفنائه ومنهم من عقله معه ومنهم من لا عقل له فأما الذي عقله معه فالذي يبصر ما يخرج منه قبل أن يتكلم وأما الذى عقله بفنائه فالذي يبصر ما يخرج بعد أن يتكلم ومنهم من لا عقل له فحدثت به عبد الرحمن بن مهدي بعد ما رجعنا من عند يحيى فقال هذه صفتنا يعني الذي عقله بفنائه وأستحسن الكلام وقال لا ينبغي أن يكون هذا من كلام شعبة لعله سمعه من غيره وأنشدني البغدادي محمد بن عبدالله بن زنجي ... أنت من الصمت آمن الزلل ... ومن كثير الكلام في وجل ... لا تقل القول ثم تتبعه ... ياليت ما كنت قلت لم أقل ... سمعت محمد بن المسيب يقول سمعت العباس بن الوليد بن زيد يقول سمعت أبي يقول سمعت الأوزاعي يقول ما بلى أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طلاقة لسانه سمعت محمد بن محمود النسائي يقول سمعت أبا أحمد بن أبي قديد يقول سمعت العباس بن عبد العظيم يقول سمعت عارما يقول سمعت خالد بن الحارث يقول السكوت زين للعاقل وشين للجاهل قال أبو حاتم رضى الله عنه لو لم يكن في الصمت خصلة تحمد إلا تزين


العاقل وتشين الجاهل به لكان الواجب على المرء أن لا يفارقه الصمت ما وجد إليه سبيلا ومن أحب السلامه من الآثام فليقل ما يقبل منه وليقل مما يقبل منه لأنه لا يجتريء على الكلام الكثير إلا فائق أو مائق وقد ترك جماعة من أهل العلم حيث أقوام أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم من ذلك ما حدثنا أمية بن خالد عن سعيد قال قلت للحكم مالك لا تكتب عن زاذان قال كان كثير الكلام قال أبو حاتم رضى الله عنه لسان العاقل يكون وراء قلبه فإذا أراد القول رجع إلى القلب فإن كان له قال وإلا فلا والجاهل قلبه في طرف لسانه ما أتى على لسانه تكلم به وما عقل دينه من لم يحفظ لسانه واللسان إذا صلح تبين ذلك على الأعضاء وإذا فسد فكذلك أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الجنيد حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أنبأنا سفيان عن رجل قال أني لأكذب الكذبة فأعرفها في عملي أنبأنا أبو عوانه يعقوب بن إبراهيم بن إسحاق حدثنا الفضل بن عبد الجبار حدثنا أبو إسحاق الطالقاني عن الوليد بن مسلم قال قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال ما صلح منطق رجل إلا عرف ذلك في سائر عمله قال أبوحاتم رضى الله عنه والعاقل لا يبتديء الكلام إلا أن يسأل ولا يقول إلا لمن يقبل ولا يجيب إذا شوتم ولا يجازي إذا أسمع لأن الابتداء بالصمت وإن كان حسنا فإن السكوت عند القبيح أحسن منه


وأنشدني المنتصر بن بلال بن المنتصر الأنصاري ... الصمت عند القبيح يسمعه ... صاحب صدق لكل مصطحب ... فآثر الصمت ما أستطعت فقد ... يؤثر قول الحكيم في الكتب ... لو كان بعض الكلام من ورق ... لكان جل السكوت من ذهب ... أخبرنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب القزاز حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو بشر حدثنا أبي حدثنا المبارك بن فصاله عن المغيرة بن مسلم الهجيمي عن أسير ابن جابر قال ما رضعت عنزا قط ولو قلت لا أرضعها خفت أن يصير بي البلاء إلى أن أرضعها إن البلاء موكل بالقول أنشدني الكريزي ... استر العي ما أستطعت بصمت ... إن في الصمت راحة للصموت ... واجعل الصمت إن عييت جوابا ... رب قول جوابه في السكوت ... وأنبأنا محمد بن المنذر حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي حدثنا سفيان عن يزيد بن حيان عن عيسى بن عقبه قال سمعت ابن مسعود يقول والله الذي لا إله غيره ما شيء أحق بطول سجن من لسان قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يحفظ أحواله من ورود الخلل عليها في الأوقات وإن من أعظم الخلل المفسد لصحة السرائر والمذهب لصلاح الضمائر الإكثار من الكلام وإن أبيح له كثرة النطق ولا سبيل للمرء إلى رعاية الصمت إلا بترك ما أبيح له من النطق كما أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى حدثنا عبد الله عن سفيان عن نسير بن دعلوق عن إبراهيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بن خيثم عشرين عاما فلم يسمع منه كلمة تعاب أنبأنا الجنيدي عبد الوارث بن عبيد الله عن عبد الله أنبأنا سفيان


عن أبي طعمه عن رجل من الحي قال أتيت الربيع بن خيثم بنعي الحسين وقالوا اليوم يتكلم مقاله فتأوه ومد بها صوته ثم قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمرو بن حبيب حدثنا الأصمعي قال بينما أنا أطوف بالبادية إذا أنا بأعرابية تمشي وحدها على بعير لها فقلت يا أمة الجبار من تطلبين فقالت من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قال فعلمت أنها قد أضلت أصحابها فقلت لها كأنك قد أضللت أصحابك قالت ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فقلت لها يا هذه من أين أنت قالت سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله فعلمت أنها مقدسيه فقلت لها كيف لا تتكلمين فقالت ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد فقال بعض أصحابي ينبغي أن تكون هذه من الخوارج فقالت ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا فبينما نحن نماشيها إذ رفعت لنا قباب وخيم فقالت وعلامات وبالنجم هم يهتدون قال فلم أفطن لقولها فقلت ما تقولين فقالت وعلامات وبالنجم هم يهتدون قال فلم أفطن لقولها فقلت ما تقولين فقالت وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام قلت بمن أصوت وبمن أدعو فقالت يا يحيى خذ الكتاب بقوة يا زكريا إنا نبشرك يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض قال فإذا نحن بثلاثة أخوة كاللآلىء فقالوا أمنا ورب الكعبة أضللناها منذ ثلاث فقالت الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور فأومأت إلى أحدهم فقالت فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فقلت إنها أمرتهم أن يرودونا فجاؤا بخبز وكعك


فقلت لا حاجة لنا في ذلك فقلت للفتية من هذه منكم قالوا هذه أمنا ما تكلمت منذ أربعين سنة إلا من كتاب الله مخافة الكذب فدنوت منها فقلت يا أمة الله أوصني فقالت ما أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فعلمت أنها شيعية فانصرفت قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات في كتاب حفظ اللسان فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب فالواجب على العاقل أن يروض نفسه على ترك ما أبيح له من النطق لئلا يقع في المزجورات فيكون حتفه فيما يخرج منه لأن الكلام إذا كثر منه أورث صاحبه التلذذ بضد الطاعات فإذا لم يوفق العبد لاستعمال اللسان فيما يجدي عليه نفعه في الآخرة كان وجود الإمساك عن السوء أولى به وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... ولن يهلك الإنسان إلا إذا أتى ... من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه ... وأقلل إذا ما قلت قولا فإنه ... إذا قل قول المرء قل خطاؤه ... أنبأنا محمد بن الحسين بن الخليل حدثنا عبد الله بن ابي زياد القطواني حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا المعلي بن زياد قال قال مؤرق العجلى أمر أنا في طلبه منذ عشر سنين ولست بتارك طلبه قال وما هو يا أبا المعتمر قال الصمت عما لا يعنيني أنبأنا إبراهيم بن نصر العنبري حدثنا على بن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم


ابن رستم قال سمعت خارجة يقول صحبت عبد الله بن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئا ذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذب أخبرني أحمد بن محمد بن حبيب الجنيدي قال حدثنا حميد بن زنجوية حدثنا محاسن بن المودع حدثنا الأعمش عن أبي سفيان قال قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا قال أبو حاتم رضى الله عنه إن الله جل وعلا فضل اللسان على سائر الجوارح ورفع درجته وأبان فضيلته بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق وما يعود عليه نفعه في داريه لأن اللسان يقتضي ما عود إن صدقا فصدقا وإن كذبا فكذبا ولقد أحسن الذي يقول ... عود لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد ... موكل بتقاضي ما سننت له ... فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد ... أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضل بن العباس البغدادي حدثنا الهيثم بن خارجه حدثنا الهيثم بن عمران قال سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول كان عبد الملك بن مراون يأمرني أن أجنب بنيه السمن وكان يأمرني أن لا أطعم طعاما حتى يخرجوا إلى البراز وكان يقول علم بنى الصدق كما تعلمهم القرآن وجنبهم الكذب وإن فيه كذا وكذا يعني القتل وأنشدني الأبرش


الكذب مرديك وإن لم تخف ... والصدق منجيك على كل حال ... فانطق بما شئت تجد غبه ... لم تبتخس وزنه مثقال ... أخبرنا أبو يعلي حدثنا أبو خيثمه حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سليم ابن حيان عن قتادة عن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عمر بن الخطاب قال إن أبا بكر قام فينا عام أول فقال إنه لم يقسم بين الناس شيء أفضل من المعافاة بعد اليقين ألا إن الصدق والبر في الجنة ألا وإن الكذب والفجور في النار أخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عكرمة بن عمار حدثني طيسلة بن على البهدلي قال كنت مع ابن عمر يوما في أصول الأراك يوم عرفة وبين يديه رجل من أهل العراق فقال له الرجل يا ابن المنافق قال المنافق ويحك الذي إذا حدث كذب وإذا وعد لم ينجز واذا اؤتمن لم يؤد سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول سمعت محمد بن خلف بن أبي الأزهر يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول ما من مصغة أحب إلى الله من لسان صدوق وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب قال أبو حاتم رضى الله عنه كل شيء يستعار ليتجمل به سهل وجوده خلا اللسان فإنه لا ينبىء الا عما عود والصدق ينجى والكذب يردى ومن غلب لسانه أمره قومه ومن أكثر الكذب لم يترك لنفسه شيئا يصدق به ولا يكذب إلا من هانت عليه نفسه حدثنا أحمد بن محمد بن زنجوية حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا أنس بن عياض عن صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظى قال إنما يكذب الكاذب من مهانة نفسه وأنشدني الكريزي ... كذبت ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدقا ... إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذابا وإن كان صادقا ... ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه إذا فقه اذا كان حاذقا


قال أبو حاتم لو لم يكن للكذب من الشين إلا إنزاله صاحبه بحيث ان صدق لم يصدق لكان الواجب على الخلق كافة لزوم التثبت بالصدق الدائم وإن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيا فإذا كان كذلك كان كالمنادى على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول سمعت نصر بن علي الجهضمي يقول إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... إذا ما المرء أخطأه ثلاث ... فبعه ولو بكف من رماد ... سلامة صدره والصدق منه ... وكتمان السرائر في الفؤاد ... أنبأنا بكر بن أحمد الطاحي بالبصرة حدثنا إبراهيم بن عزرة حدثنا سفيان ابن عيينة عن معمر قال الزهري لو رأيت طاووسا لعلمت أنه لا يكذب قال أبو حاتم رضي الله عنه اللسان سبع عقور ان ضبطه صاحبه سلم وإن خلى عنه عقره وبفمه يفتضح الكذوب فالعاقل لايشتغل بالخوض فيما لا يعلم فيتهم فيما يعلم لأن رأس الذنوب الكذب وهو يبدي الفضائح ويكتم المحاسن ولا يجب على المرء إذا سمع شيئا يعيبه أن يحدث به لأن من حدث عن كل شيء أزرى برأيه وأفسد صدقه وقد أنبأنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله قال حسب المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما سمع أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله أنبأنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد قال قال عيسى بن مريم عليه السلام طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... وإذا الأمور تزاوجت ... فالصدق أكرمها نتاجا


الصدق يعقد فوق رأس ... حليفه بالصدق تاجا ... والصدق يقدح زنده ... في كل ناحية سراجا ... أنبأنا القطان بالرقه حدثنا نوح بن حبيب حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي قالوا من ذكرت يا أبا سفيان قال ذكرت ربعيا وتدرون من كان ربعي كان رجلا من أشجع زعم قومه أنه لم يكذب قط فسعى به ساع إلى الحجاج فقال هاهنا رجل من أشجع زعم قومه أنه لم يكذب قط وأنه يكذب لك اليوم فإنك ضربت على أبنيه البعث فعصيا وهما في البيت وكان عقوبة الحجاج للعاصي ضرب السيف قال فدعاه فإذا شيخ منحن فقال له أنت ربعي قال نعم قال ما فعل ابناك قال ها هما ذان في البيت قال فحمله وكساه وأوصى به خيرا أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي عن أبيه قال كان عمر بن الخطاب بمنى فعطش فانتهى إلى بحور فاستسقاها ماء فقالت ما عندنا فقال لبنا فقالت ما عندنا فبدرت جارية فقالت لها تكذبين وما تستحين ثم قالت لعمر هذا السقاء فيه لبن فسأل عمر عن الجارية فإذا أبوها ثقفي فخطبها على عاصم بن عمر فزوجها منه فولد له منها أم عاصم فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمة الله عليه قال أبو حاتم رضى الله عنه الصدق يرفع المرء في الدارين كما أن الكذب يهوى به في الحالين ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قبل كذبه وصار صدقا عند من يسمعه لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب والعي في بعض الأوقات خير من النطق لأن كل كلام أخطأ صاحبه موضعه فالعي خير منه


أنشدني المنتصر بن بلال ... تحدث بصدق إن تحدثت وليكن ... لكل حديث من حديثك حين ... فما القول إلا كالثياب فبعضها ... عليك وبعض في التخوت مصون ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... كم من حسيب كريم كان ذا شرف ... قد شانه الكذب وسط الحي إن عمدا ... وآخر كان صعلوكا فشرفه ... صدق الحديث وقول جانب الفندا ... فصار هذا شريفا فوق صاحبه ... وصار هذا وضيعا تحته أبدا ... أنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن ميمون بن أبى شبيب قال قال عمر لا يجد عبد حقيقه الإيمان حتى يدع المرء وهو محق ويدع الكذب في المزاح وهو يرى أنه لو شاء لغلب أنبأنا ابن سعيد القزاز حدثني يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا على بن بكار عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال عن عبد الله بن عمرو قال ذر ما لست منه في شيء ولا تنطق فيما لا يعنيك واخزن لسانك كما تخزن دراهمك وأنشدني محمد بن المنذر بن سعيد الهروي ... القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبن ... في ضرعه وكذاك القول ليس له ... في الجوف رد قبيحا كان أو حسنا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل ترك الإغضاء عن تعهد اللسان لأن من كثر كلامه كثر سقطه والسقط ربما تعدى غيره فيهلكه


في ورطة لا حيلة له في التخلص منها لأن اللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع به وكلم القول إذا وصل إلى القلب لم ينزع إلا بعد مدة طويلة ولم يستخرج إلا بعد حيلة شديدة ومن الناس من لا يكرم إلا للسانه ولا يهان إلا به فالواجب على العاقل أن لا يكون ممن يهان به أنبأنا عبد الله بن محمد الأنماطي الهمداني حدثنا محمد بن عمير حدثنا عبد الله بن الحسين العقيلي حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا شبيب بن شبه قال سمعت ابن سيرين يقول الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف ذكر الحث على لزوم الحياء وترك القحة أنبأنا الفضيل بن الحباب الجمحي حدثنا القعنبي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم الحياء لأنه أصل العقل وبذر الخير وتركه أصل الجهل وبذر الشر والحياء يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل ومن لم ينصف الناس منه حياؤه لم ينصفه منهم قحته ولقد أحسن الذي يقول ... وليس بمنسوب إلى العلم والنهى ... فتى لا ترى فيه خلائق أربع ... فواحدة تقوى الإله التي بها ... ينال جسيم الخير والفضل أجمع ... وثانية صدق الحياء فإنه ... طباع عليه ذو المرؤة يطبع ... وثالثة حلم إذا الجهل أطلعت ... إليه خبايا من فجور تسرع ... ورابعة جود بملك يمينه ... إذا نابه الحق الذي ليس يدفع ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي


إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... فلا خير في وجه إذا قل ماؤه ... حياءك فاحفظه عليك فانما ... يدل على وجه الكريم حياؤه ... أنبأنا أبو خليفه حدثنا ابن كثير حدثنا سفيان الثوري عن ابي اسحاق عن ابى الأحوص عن عبد الله قال الأم شيء في المؤمن الفحش قال أبو حاتم رضى الله عنه الحياء أسم يشتمل على مجانبة المكروه من الخصال والحياء حيا آن أحدهما استحياء العبد من الله جل وعلا عند الإهتمام بمباشرة ما خطر عليه والثاني استحياء من المخلوقين عند الدخول فيما يكرهون من القول والفعل معا والحيا آن جميعا محمودان إلا أن أحدهما فرض والآخر فضل فلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه فرض ولزوم الحياء عند مقارفة ما كره الناس فضل وأنشدني محمد بن المنذر بن سعيد عن محمد بن خلف التيمي قال أنشدني رجل من خزاعه ... إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء ... فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء ... يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء ... حدثنا اسحاق بن إبراهيم القاضي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري أن أبا بكر الصديق قال يوما وهو يخطب أيها الناس استحيوا من الله فوالله ما خرجت لحاجة منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد الغائط إلا وأنا مقنع رأسي حياء من الله قال أبو حاتم رضى الله عنه الحياء من الإيمان والمؤمن في الجنة والبذاء من الجفاء والجافي في النار إلا أن يتفضل الله عليه برحمته فيخلصه منه


فإذا لزم المرء الحياء كانت أسباب الخير منه موجودة كما أن الواقح إذا لزم البذاء كان وجود الخير منه معدوما وتواتر الشر منه موجودا لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها ولقد أحسن الذي يقول ... ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء ... فكان هو الدواء لها ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء ... وأنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا عمر بن شبة حدثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى حدثنا هشام عن محمد عن كثير بن افلح عن زيد بن ثابت قال من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يعود نفسه لزوم الحياء من الناس وإن من أعظم بركته تعويد النفس ركوب الخصال المحمودة ومجانبتها الخلال المذمومه كما أن من أعظم بركة الحياء من الله الفوز من النار بلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه لأن ابن آدم مطبوع على الكرم واللؤم معا في المعاملة بينه وبين الله والعشرة بينه وبين المخلوقين وإذا قوى حياؤه قوى كرمه وضعف لؤمه وإذا ضعف حياؤه قوى لؤمه وضعف كرمه ولقد أنشدني على بن محمد البسامي ... إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء ... ولم يك للدواء ولا لشيء ... يعالجه به فيه غناء ... فما لك في معاتبة الذي لا ... حياء لوجهه إلا العناء ... قال أبو حاتم إن المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه ودفن مساويه ونشر محاسنه ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ومن ذهب سروره هان على الناس ومقت من مقت أوذى ومن أوذى حزن ومن حزن فقد عقله ومن أصيب في عقله كان أكثر قوله عليه لا له ولا دواء لمن لا حياء له


ولا حياء لمن لا وفاء له ولا وفاء لمن لا إخاء له ومن قل حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحب وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع ... إذا كنت تأتي المرء تعظم حقه ... ويجهل منك الحق فالصرم أوسع ... أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثني عبد الله بن مسعود الثعلبي باليمن حدثنا أحمد بن زيد بن السكن الجندي عن سفيان بن عيينه قال قال يحيى بن جعدة إذا رأيت الرجل قليل الحياء فاعلم أنه مدخول في نسبه ذكر الحث على لزوم التواضع ومجانبة الكبر أنبأنا أبو خليفة حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقصت صدقة من مال ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ولا تواضع أحد لله إلا رفعه الله قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لمكان الواجب عليه أن لا يتزيا بغيره والتواضع تواضعان أحدهما محمود والآخر مذموم والتواضع المحمود ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم والتواضع المذموم هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها ولقد أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله عن عبيد الله بن عدي أن عمر بن الخطاب قال إن


الرجل إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال انتعش نعشك الله فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس كبير وإذا تكبر العبد وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض وقال اخسأ أخسأك الله فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس صغير قال أبو حاتم رضى الله عنه التواضع يرفع المرء قدرا ويعظم له خطرا ويزيده نبلا والتواضع لله جل وعز على ضربين أحدهما تواضع العبد لربه عندما يأتي من الطاعات غير معجب بفعله ولا راء له عنده حالة بوجب بها أسباب الولاية إلا أن يكون المولى جل وعز هو الذي يتفضل عليه بذلك وهذا التواضع هو السبب الدافع لنفس العجب عن الطاعات والتواضع الآخر هو ازدراء المرء نفسه واستحقاره إياها عند ذكره ما قارف من المآثم حتى لا يرى أحدا من العالم إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات وفوقه في الجنايات كما أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني قال قال أبي يا بنى لو لم أحضر الموسم لرجوت أن يغفر لهم أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى بن معاذ البزاز حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن صميع حدثنا زهير بن محمد عن ابن جريج عن مجاهد في قوله كانوا لنا خاشعين قال متواضعين قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يلزم مجانبة التكبر لما فيه من الخصال المذمومه


إحداهما أنه لا يتكبر على أحد حتى يعجب بنفسه ويرى لها على غيرها الفضل والثانية ازدراءه بالعالم لأن من لم يستحقر الناس لم يتكبر عليهم وكفى بالمستحقر لمن أكرمه الله بالإيمان طغيانا والثالثة منازعة الله جل وعلا في صفاته إذ الكبرياء والعظمة من صفات الله جل وعلا فمن نازعه إحداهما ألقاه في النار إلا أن يتفضل عليه بعفوه ولقد أحسن الذي يقول ... التيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل مهتكة للعرض فانتبه ... لا تشرهن فإن الذل في الشره ... والعز في الحلم لا في البطش والسفه ... سمعت محمد بن محمود النسائي يقول سمعت أبا داود السنجي يقول سمعت الأصمعي يقول سمعت يحيى بن خالد البرمكي يقول الشريف إذا تقرأ تواضع والدنيء إذا تقرأ تكبر قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يمتنع من التواضع أحد والتواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد وثمرة التواضع المحبة كما أن ثمرة القناعة الراحة وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته وكيف لا يتواضع من خلق من نطفة مذرة وآخره يعود جيفة قذرة وهو بينهما يحمل العذرة سمعت أبا يعلي يقول سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول سمعت ابن عيينه يقول لو قيل أخرجوا خيار هذه القرية لأخرجوا من لا نعرف وأنشدني الكريزي ... ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع ... فإن كنت في عز وخير ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع


أنشدنا أبو عروبة أو ابن قتيبة أنشدنا المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط ... وكفى بملتمس التواضع رفعه ... وكفى بملتمس العلو سفالا ... أنبأنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن هشام المروزي حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال حج الحسين بن علي عشر حجج ماشيا ونجبه تقاد إلى جنبه قال أبو حاتم رضى الله عنه أفضل الناس من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة وانصف عن قوة ولا يترك المرء المتواضع إلا عند استحكام التكبر فلا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه وعجب المرء بنفسه أحد حماد عقله وما رأيت أحد تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه وأنشدني محمد بن أبي على الخلادي ... ودع التيه والعبوس على الناس ... فإن العبوس رأس الحماقة ... كلما شئت أن تعادى عاديت ... صديقا وقد تغر الصداقة ... قال أبو حاتم رضى الله عنه ما استجلبت البغضة بمثل التكبر ولا اكتسبت المحبة بمثل التواضع ومن استطال على الاخوان فلا يثقن منهم بالصفاء ولا يجب لصاحب الكبر أن يطمع في حسن الثناء ولا تكاد ترى تائها إلا وضيعا فالعاقل إذا رأى من هو أكبر سنا منه تواضع له وقال سبقني الىالإسلام وإذا رأى من هو أصغر سنا تواضع له وقال سبقته بالذنوب وإذا رأى من هو مثله عده أخا فكيف يحسن تكبر المرء على أخيه ولا يجب استحقار أحد لأن العود المنبوذ ربما انتفع به فحك الرجل به أذنه أخبرنا محمد بن المسيب بن إسحاق حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال سمعت محمد بن شعيب بن شابور يقول دخل رجل الحمام وزيد بن


أبي حبيب فيه وكان أسود فقال له يا أسود قم فاغسل رأسي قال فقام فشد عليه إزاره فغسل رأسه ودلك جسده فلما فرغ قال له الرجل كثر الله في السودان مثلك قال أحببت أن يكثر من يخدمك أنبأنا محمد بن زنجوية القشيري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله المدائني حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال لو بغى جبل على جبل لدك الله الباغي منهما أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا نصر بن علي حدثنا نوح بن قيس عن أخيه عن قتادة قال ما نسيت شيئا قط ثم قال لغلامه ناولني نعلي قال نعلك في رجلك أنبأنا عبد الله بن محمد بن عمر أنبأنا عل بن خشرم قال سمعت الفضل بن موسى يقول كان مالك ينسى فقال لقهرمانه اشتر لي غلاما وسمه باسم خفيف حتى لا أنساه قال فاشترى له غلاما وأدخله عليه فقال اشتريت لك هذا الغلام وسميته باسم خفيف قال ما سميته قال فرقد قال فنظر إلى الغلام وقال اجلس يا واقد ذكر استحباب التحبب الىالناس من غير مقارفةالمأثم أنبأنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار ببغداد حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عمرو الأزدى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحرم على النار كل هين لين قريب سهل


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق وترك سوء الخلق لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها وخلق سيء فيفسد الخلق السيء الأخلاق الصالحة كلها وأنشدني البغدادي ... خالق الناس بخلق حسن ... لا تكن كلبا علىالناس يهر ... والقهم منك ببشر ثم صن ... عنهم عرضك عن كل قذر ... أنبأنا حامد بن شعيب البلخي ببغداد حدثنا سريج بن يونس حدثنا سفيان عن إبراهيم عن ميسرة عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول أن الرحم تقطع وأن النعم تكفر ولم أر مثل تقارب القلوب أنبأنا الخلادي حدثنا محمد بن المغيرة النوفلي حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول إذا خالطت فخالط حسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير وصاحبه منه في راحة ولا تخالط سيء الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر وصاحبه منه في عناء ولأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب الي من ان يصحبني قاريء سيء الخلق إن الفاسق إذا كان حسن الخلق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه وإن العابد إذا كان سيء الخلق ثقل على الناس ومقتوه وأنشدني محمد بن المهاجر المعدل أنشدني محمد بن إبراهيم اليعمري ... حافظ على الخلق الجميل ومز به ... ما بالجميل وبالقبيح خفاء ... إن ضاق مالك عن صديقك فألقه ... بالبشر منك إذا يحين لقاء ... أنبأنا الحسين بن اسحاق الأصبهاني حدثنا يحيى بن حكيم المقومي حدثنا الخليل بن عبد العزيز قال سمعت حماد بن سلمة يقول الصوم


في البستان من الثقل قال أبو حاتم رضى الله عنه حسن الخلق بذر اكتساب المحبة كما أن سوء الخلق بذر استجلاب البغضة ومن حسن خلقه صان عرضه ومن ساء خلقه هتك عرضه لأن سوء الخلق يورث الضغائن والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة والعداوة إذا ظهرت من غير صاحب الدين أهوت صاحبها إلى النار إلا أن يتداركه المولى بتفضل منه وعفو أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا أبو عمير النخاس حدثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن الزهري قال وهل ينتفع من السيء الخلق بشيء وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبراش ... للخير أهل لا تزال ... وجوههم تدعو اليه ... طوبى لمن جرت الأمور ... الصالحات على يديه ... مالم يضق خلق الفتى ... فالأرض واسعة عليه ... أنبأنا أبو يعلي حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا مهدي بن ميمون عن موسى بن عبيد عن ميمون بن مهران قال التودد إلى الناس نصف العقل وحسن المسألة نصف العلم واقتصادك في معيشتك يلقي عنك نصف المؤونه قال أبو حاتم رضى الله عنه التحبب إلى الناس أسهل ما يكون وجها وأظهر ما يكون بشرا وأخصر ما يكون أمرا وأرفق ما يكون بهيا وأحسن ما يكون خلقا وألين ما يكون كنفا وأوسع ما يكون يدا وأدفع ما يكون أذى وأعظم ما يكون احتمالا فإذا كان المرء بهذا النعت لا يحزن من يحبه


ولا يفرح من يحسده لأن من جعل رضاه تبعا لرضا الناس وعاشرهم من حيث هم استحق الكمال بالسؤدد وأنشدني علي بن محمد البسامي ... أعاشر معشري في كل أمر ... بأحسن ما أريت وما رأيت ... واجتنب المقابح حيث كانت ... واترك ما هويت وما فريت ... قال أبو حاتم رضى الله عنه حاجة المرء إلى الناس مع محبتهم إياه خير من غناه عنهم مع بغضهم إياه والسبب الداعى إلى صد محبتهم له هو التضايق في الأخلاق وسوء الخلق لأن من ضاق خلقه سئمه أهله وجيرانه واستثقله إخوانه فحينئذ تمنوا الخلاص منه ودعوا بالهلاك عليه سمعت عمر بن سعيد بن سنان الطائي يقول سمعت أبا الحسن الزهاوي يقول سمعت يزيد بن هارون يقول ... فقدت ثقال الناس في كل بلدة ... فيارب لا تغفر لكل ثقيل ... أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن البلخي حدثنا محمد بن إدريس الحافظ حدثنا محمد بن عبد الله بن إسماعيل قال سمعت عمرو بن الحارث يقول تسخين العين النظر إلى من تكره قال أبو حاتم رضى الله عنه الأستثقال من الناس يكون سببه شيئين أحدهما مقارفة المرء ما نهى الله عنه من المآثم لأن من تعدى حرمات الله أبغضه الله ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة ثم يوضع له البغض في الأرض


فلا يكاد يراه أحد إلا استثقله وأبغضه والسبب الآخر هو استعمال المرء من الخصال ما يكره الناس منه فإذا كان كذلك استحق الأستثقال منهم وأنشدني الكريزي ... ليتني كنت ساعة ملك الموت فأفنى الثقال حتى يبدوا ... ولو أني وأنت في جنة الخلد لقت الخروج منها أريد ... لدخول الجحيم أهون من جنة خلد أراك فيها ترود ... أنبأنا عمر بن حفص البزاز بجند يسابور حدثنا اسحق بن الضيف حدثنا أبو مسهر حدثنا هشام بن يحيى قال كان نقش خاتم ابيك يعني أبا أبي مسهر أبرمت فقم قال فكان إذا جلس اليه الرجل فتثاقل حرك خاتمه وقال أقرأ نقش خاتمي وكان إذا قرأ قام أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن إدريس حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا موسى بن رباح قال سمعت مخلدا أبا أبي عاصم يقول إذا أبغضت الرجل أبغضت شقي الذي يليه سمعت محمد بن السرى البغدادي يقول سمعت أبا بكر المروروذي يقول سألت أحمد بن حنبل عن الثقلاء فقال سألت عنهم بشرا الحافي فقال النظر اليهم سخنة العين قلت لأحمد من الثقلاء قال أهل البدع قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا الذي قال أحمد بن حنبل رحمه الله عليه هو استثقال الخاص إذا عرف أحدهم من بعض الناس ثلما في السنة أبغضه على بدعته فأما العام فلا يكادون يعادون ويوالون إلا على المحبوب من


الخصال والمكروه من الفعال ألا ترى المقنع الكندي حيث يقول لبعض من صحبه ... ألا يا مركب المقت الذي أرسى فلا يبرح ... ويا من سكرات الموت ... من طلعته أروح ... لقد صورت في فكري ... فلا أدري لما تصلح ... فلا تصلح ان تهجى ... ولا تصلح أن تمدح ... بلى تصلح أن تقتل أو تصلب او تذبح ... سمعت أحمد بن محمد البلخي الذهبي يقول قال محمد بن أبي الورد قال يحيى ابن ماسويه النظر إلى الثقيل حمى تعتري بين الجلدين حدثنا أحمد بن عمر بن يزيد يقول سمعت سلمة بن شبيب يقول سمعت أبا أسامة يقول أئتوني بمستمل خفيف على الفؤاد وإياي والثقلاء وإياي والثقلاء أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا عباس بن أبي طالب حدثنا إبراهيم ابن المنذر حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين قال سمعت رجلا من أهل البادية يقول نظرت إلى ثقيل مرة فغشى علي وأنشدني المنتصر بن بلال ... وأنت على مودتنا حريص ... ولكن لا تخف على الفؤاد ... وأثقل من رحا بزر علينا ... كأنك من بقايا قوم عاد ... حدثنا إبراهيم بن مضر بن عنبر حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا أبو سهل عن إبراهيم بن بكير قال كان أبو هريره إذا استثقل جليسا له قال اللهم أغفر لنا وله وأرحنا منه في عافيه


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل مجانبة الخصال التي تورثه استثقال الناس إياه وملازمة الخصال التي تؤديه إلى محبتهم إياه ومن أعظم ما يتوسل به إلى الناس ويستجلب به محبتهم البذل لهم مما يملك المرء من حطام هذه الدنيا واحتماله عنهم ما يكول منهم من الأذى فلو أن المرء صحبه طائفتان إحداهما تحبه والأخرى تبغضه فأحسن إلى التي تبغضه وأساء إلى التي تحبه ثم أصابته نكبة فاحتاج اليهما لكان أسرعهما إلى خذلانه وأبعدها عن نصرته الطائفة التي كانت تحبه وأسرعهما إلى نصرته وأبعدهما عن خذلانه الطائفة التي كانت تبغضه لأن الكلب إذا شبع قوى وإذا قوي أمل وإذا أمل تبع المأمول وإذا جاع ضعف وإذا ضعف أيس وإذا أيس ولى عن المتبوع فمن عدم المال فليبسط وجهه للناس فإن ذلك يقوم مقام بذل المعروف إذ هو أحد طرفيه أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا هارون بن عبد الخالق المازني قال سئل ابن المبارك عن حسن الخلق فقال هو بسط الوجه وبذل المعروف أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبوعمار الحسين بن حريث حدثنا محمد بن القاسم الأسدى عن منحة بن عمرو قال خرج غلام لنا بقمامة الدار أو بكناسة الدار عريان وسعيد بن جبير على الباب فقال يا خبيث ارفع إزراك أنبأنا محمد بن إبراهيم البدوري بالبصرة حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال إذا لقي المسلم أخاه فصافحه وكشر في وجهه تحاتت ذنوبه كما تحات العذق من النخلة فقال


رجل لمجاهد يا أبا الحجاج إن هذا من العمل اليسير فقال مجاهد ( 8 62 ) هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم أفيسير هذا ذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناس أنبأنا محمد بن قتيبة اللخمى بعسقلان وعمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج قالا حدثنا ابن واضح حدثنا يوسف بن أسباط حدثنا سفيان عن محمد ابن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مداراة الناس صدقة قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع اليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة إذ المداراة من المدارى صدقة له والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه والفصل بين المداراة والمداهنة هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات فمتى ما تخلق المرء بخلق شابه بعض ما كره الله منه في تخلقه فهذا هو المداهنة لأن عاقبتها تصير إلى قل ويلازم المداراة لأنها تدعو إلى صلاح أحواله ومن لم يدار الناس ملوه كما أنشدني على بن محمد البسامي ... دار من الناس ملالاتهم ... من لم يدار الناس ملوه ... ومكرم الناس حبيب لهم ... من أكرم الناس أحبوه ... أنبأنا محمد بن أحمد بن ابي عون المرياني حدثنا أحمد بن منيع حدثنا ابن المبارك عن الحسن بن عمرو عن منذر الثوري عن ابن الحنفية قال ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يداري الناس مداراة الرجل السابح في الماء الجاري ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو كدر على نفسه عيشه ولم تصف له مودته لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على ما هم عليه إلا أن يكون مأثما فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة والبشر قد ركب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة فكما يشق عليك ترك ما جبلت عليه فكذلك يشق على غيرك مجانبة مثله فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلا بمعاشرتهم من حيث هم والإغضاء عن مخالفتهم في الأوقات أنشدني الأبرش ... قالت وهزت رأسها وتضاحكت ... على الوتجفى أم على العهد توصل ... فقلت فلم أفعل فقالت تريده ... فقلت فلم أفعل فقالت ستفعل ... أنبأنا ابن قحطبة حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا حرم قال سمعت حبيب ابن الشهيد يقول سمعت الحسن يقول يا ابن آدم أصحب الناس بأي خلق شئت يصحبوك عليه وأنشدني الكريزي ... تجنى على بما قد جنى ... ويغلظ في القول إن لنت له ... ويسبق بالعذل لي ظلما ... كأن الصواب له لا ليه ... كما قال في مثل عالم ... خذ اللص بالذنب لا تغفله ... قال أبو حاتم رضى الله عنه من التمس رضا جميع الناس التمس مالا يدرك ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بدا وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها واستقباح أشياء كان يستحسنها ما لم يكن مأثما فإن ذلك من المداراة وما أكثر من دارى فلم يسلم فكيف


توجد السلامة لمن لا يداري أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... ياذا الذي أصبح لا والد ... له على الأرض ولا والده ... قد مات من قبلهما آدم ... فأي نفس بعده خالدة ... إن جئت أرضا أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحدة ... أنبأنا أبو يعلى حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا معاذ بن سعد الأعور قال كنت جالسا عند عطاء بن أبي رباح فحدث رجل بحديث فعرض رجل من القوم في حديثه قال فغضب وقال ما هذه الطباع إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به فأريه كأني لا أحسن منه شيئا أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن محمد الصيداوي حدثنا حماد بن اسحق عن المدائن قال قال معاوية لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت قيل وكيف قال لأنهم إن مدوها حليها وإن خلو مددتها قال أبو حاتم رضى الله عنه من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه وترك التوقع لما يأتون من المحبوب كان إلى تكدير عيشة أقرب منه إلى صفائه وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء ومن لم يدار صديق السوء كما يداري صديق الصدق ليس بحازم ولقد أحسن الذي يقول ... تجنب صديق السوء واصرم حباله ... وإن لم تجد عنه محيصا فداره ... وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه ... تنل منه صفو الود ما لم تماره ... أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا إبراهيم الحوراني حدثنا أبو مسهر حدثنا سهل بن هاشم عن إبراهيم بن أدهم قال قال أبو الدرداء لأم الدرداء إذا غضبت فرضيني وإذا غضبت رضيتك فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق قال أبو حاتم رضي الله عنه العاقل إذا دفعه الوقت إلى صحبة من لا يثق


بصداقته أو صداقة من يثق بأخوته فرأى من أحدهما زلة فرفضه لزلته بقي وحيدا لا يجد من يعاشر فريدا لا يجد من يخادن بل يغضي على الأخ الصادق زلاته ولا يناقش الصديق السيء على عثراته لأن المناقشة تلزمه في تصحيح أصل الوداد أكثر مما تلزمه في فرعه ومن أنواع المداراة ما حدثني الحسن بن سفيان حدثنا عبد الله بن أحمد ابن شبويه حدثنا الحسن بن واقع حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال كانت لرجل جارية فوطئها سرا فقال لأهله إن مريم كانت تغتسل في هذه الليلة فاغتسلوا فاغتسل هو واغتسل أهله قال ابن شوذب وكانت مريم تغتسلا في كل ليلة وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... أغمض عيني عن صديقي كأنني ... لديه بما يأتي من القبح جاهل ... وما بي جهل غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول ... متى ما يريني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في نهوضي مفاصل ... ولكن أداريه وإن صح شدني ... فإن هو أعيا كان فيه تحامل ... أنبأنا محمد بن أبي على الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال قال على لا تعامل بالخديعة فإنها خلق اللئام وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة وساعده على كل حال وزل معه حيث زال


ذكر استحباب إفشاء السلام وإظهار البشر والتبسم أنبأنا أحمد بن صالح الطبري حدثنا الفضل بن سهل الأعرج حدثنا محمد ابن جعفر المدائني حدثنا ورقاء عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم فإن الرجل المسلم إذا مر بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم بالسلام فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على العام لأن من سلم على عشرة كان له عتق رقبه والسلام مما يذهب إمشاؤه بالمكتن من الشحناء وما في الخلد من البغضاء ويقطع الهجران ويصافي الإخوان والباديء بالسلام بين حسنتين إحداهما تفضيل الله عز وجل إياه على المسلم عليه بفضل درجه لتذكيره إياهم بالسلام وبين رد الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد ولقد أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا شعيب بن واقد حدثنا جرير قال قال زبيد اليامي إن أجود الناس من أعطى مالا لا يريد جزاءه وإن أحسن الناس عفوا من عفا بعد قدرة وإن أفضل الناس من وصل من قطعه وإن أبخل الناس من بخل بالسلام أخبرنا أبو خليفه حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن


صلة بن زفر العبسي قال حدثنا عمار بن ياسر قال ثلاث من جمعهن جمع الإيمان الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على المسلم إذا لقى أخاه المسلم أن يسلم عليه متبسما إليه فإن من فعل ذلك تحات عنهما خطاياهما كما تحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس وقد استحق المحبة من أعطاهم بشر وجهه ولقد أخبرني محمد بن المهاجر المعدل حدثنا إبراهيم بن عبد السلام العنبري حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا إسماعيل بن حماد عن سعيد بن الخمس قال قيل له ما أبشك قال إنه يقوم على برخيص وأنشدني الأبرش ... أخو البشر محبوب على حسن بشره ... ولن يعدم البغضاء من كان عابسا ... ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للمرء حارسا ... قال أبو حاتم البشاشه إدام العلماء وسجية الحكماء لأن البشر يطفيء نار المعاندة ويحرق هيجان المباغضه وفيه تحصين من الباغي ومنجاة من الساعي ومن بش للناس وجها لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن محمد العبادي حدثنا سويد عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرت أنه مكتوب في الحكمة يا بني ليكن وجهك بسطا ولتكن كلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من أن تعطيهم العطاء وأنشدني الخلادي أنشدنا أحمد بن بكر بن خالد اليزيدي لسعيد بن عبيد الطائي


الق بالبشر من لقيت من الناس ... جميعا ولاقهم بالطلاقة ... تجن منهم حنى ثمار فخذها ... طيبا طعمه لذيذ المذاقه ... أخبرنا محمد بن صالح الطبري حدثنا محمد بن حميد حدثنا حكام بن مسلم عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي قال يعجبني من القراء كل سهل طلق مضحاك فأما من تلقاه يبشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في القراء ضرب هذا قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب على العاقل إذا رزق السلوك في ميدان طاعة من الطاعات إذا رأى من قصر في سلوك قصده أن يعبس عليه بعمله وجهه بل يظهر البشر والبشاشه له فلعله في سابق علم الله أن يرجع إلى صحة الأوبة إلى قصده مع ما يجب عليه من الحمد لله والشكر له على ما وفقه لخدمته وحرم غيره مثله أخبرنا محمد بن أبى على الخلادي أخبرني محمد بن موسى السمري أن حماد ابن إسحاق أنشدهم ... فتى مثل صفو الماء أما لقاؤه ... فبشر وأما وعده فجميل ... يسرك مفترا ويشرق وجهه ... إذا اعتل مذموم الفعال بخيل ... عيى عن الفحشاء أما لسانه ... فعف وأما طرفه فكليل ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... لن تستتم جميلا أنت فاعله ... إلا وأنت طليق الوجه بهلول ... ما أوسط الخير فابسط راحتيك به ... وكن كأنك دون الشر مغلول ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا الدارمى حدثنا موسى بن إسماعيل


حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن سالم عن حبيب بن أبي ثابت قال من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يبتسم ذكر ما أبيح من المزاح للمرء وما كره له منه أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا هدبه بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له خادم يقال له أنجشه وكان حسن الصوت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أنجشه لا تكسر القوارير قال قتادة يعني ضعفة النساء قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك التعبس والمزاح على ضربين فمزاح محمود ومزاح مذموم فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله عز وجل ولا يكون بإثم ولا قطيعه رحم وأما المزاح المذموم فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء ويقطع الصداقه ويجريء الدنيء عليه ويحقد الشريف به أخبرنا محمد بن المنذر حدثنا إبراهيم بن محمد الرقى حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا بكر بن سليم قال سمعت ربيعة يقول إياكم والمزاح فإنه يفسد المودة ويغل الصدر أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضيل بن الخضر التميمي حدثنا عبد الله ابن حبيق قال كان يقال لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الوضيع فيجتريء عليك أنشدني محمد بن عبد الله


أكرم جليسك لا تمازح بالأذى ... إن المزاح ترى به الأضغان ... كم من مزاح جذ حبل قرينه ... فتجذمت من أجله الأقران ... قال أبو حاتم رضى الله عنه المزاح في غير طاعة الله مسلبة للبهاء مقطعه للصداقة يورث الضغن وينبت الغل وإنما سمى المزاح مزاحا لأنه زاح عن الحق وكم من افتراق بين أخوين وهجران بين متآلفين كان أول ذلك المزاح أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسين القرشي حدثنا الأسود بن عامر عن أبي إسرائيل عن الحكم قال كان يقال لاتمار صديقك ولا تمازحه فإن مجاهدا كان له صديق فمازحه فأعرض كل واحد منهما عن صاحبه فما زاده عن السلام حتى مات قال أبو حاتم رضى الله عنه وإن من المزاح ما يكون سببا لتهييج المراء والواجب على العاقل اجتنابه لأن المراء مذموم في الأحوال كلها ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء إما رجل هو أعلم منه فكيف يجادل من هو دونه في العلم أو يكون ذلك أعلم منه فكيف يماري من هو أعلم منه ولقد سمعت حفص بن عمر البزار يقول سمعت إسحاق بن الضيف يقول سمعت جعفر بن عون يقول سمعت مسعر بن كدام يقول لابنه كدام ... إني نخلتك ياكدام نصيحتي ... فاسمع مقال أب عليك شفيق


أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق ... إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمحاور جارا ولا لشفيق ... والجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق ... قال أبو حاتم رضى الله عنه المراء أخو الشنان كما أن المناقشة أخت العداوة والمرء قليل نفعه كثير شره ومنه يكون السباب ومن السباب يكون القتال ومن القتال يكون هراقة الدم وما مارى أحد أحدا إلا وقد غير المراء قلبيهما وقد أحسن الذي يقول ... وإياك من حلو المزاح ومره ... ومن أن يراك الناس فيه مماريا ... وإن مراء المرء يخلق وجهه ... وإن مزاح المرء يبدي التشانيا ... دعاه مزاح أو مراء إلى التي ... بها صار مقلى الإخاء وقاليا ... أخبرني محمد بن المنذر حدثني كثير بن عبد الله التميمي حدثني إسماعيل بن محمد الطلحي حدثنا أبو الأخفش الكناني أنه قال لابن له ... أبني لا تك ماحييت مماريا ... ودع السفاهه إنها لا تنفع ... لا تحملن ضغينة لقرابة ... إن الضغينه للقرابة تقطع ... لا تحسبن الحلم منك مذلة ... إن الحليم هو الأعز الأمنع ... أخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي الهروى حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال سمعت أبى عن الأوزاعي قال قال بلال بن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته قال أبو حاتم رضى الله عنه المزاح إذا كان فيه إثم فهو يسود الوجه


ويدمي القلب ويورث البغضاء ويحيى الضغينه وإذا كان من غير معصية يسلى الهم ويرقع الخله ويحيى النفوس ويذهب الحشمة فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما ينسب بفعله إلى الحلاوة ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد أخبرنا عبد الله بن محمد بن عائذ كان بهراة حدثنا أحمد بن عبد الله ابن حكيم العرياناني قرية من قرى مرو حدثنا سهل بن يحيى عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم قال لا يمازحك إلا من يحبك أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا الصلت بن مسعود حدثني ابن عيينة قال أظنني سمعته من داود بن شابور عن محمد ابن المنكدر قال قالت لي أمي وأنا غلام لا تمازح الغلمان فتهون عليهم أو يجترئوا عليك حدثنا عمرو حدثنا الغلابى حدثنا ابن عائشة حدثنا دريد بن مجاشع عن غالب القطان عن مالك بن دينار قال قال عمر بن الخطاب من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو الدرداء حدثنا أبو إسحاق الطالقاني عن مبشر بن إسماعيل عن راشد بن أبي قبال قال استسقى سعيد بن جبير فأتيته بسويق محلى فقال يا راشد شكر أزد ست شيرين قال أبو حاتم رضى الله عنه من مازح رجلا من غير جنسه هان عليه واجترأ


عليه وإن كان المزاح حقا لأن كل شيء لا يجب أن يسلك به غير مسلكه ولا يظهر إلا عند أهله على أني أكره استعمال المزاح بحضرة العام كما أكره تركه عند حضور الأشكال ولقد أخبرنا كامل بن مكرم حدثنا ربيعة بن الحارث الجيلاني حدثنا عبد الله ابن عبد الجبار الجبابري قال قال أبو عبد الرحمن الأعرج كان إبراهيم بن أدهم يحدثنا ويضاحكنا وإذا رأى غيرنا قال هذا جاسوس ذكر استحباب الأعتزال من الناس عاما أنبأنا عبد الله بن محمد بن سلم ببيت المقدس حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الجهاد في سبيل الله قال ثم ماذا قال رجل في شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم الاعتزال عن الناس عاما مع توقي مخالطتهم إذ الاعتزال من الناس لو لم يكن فيه خصلة تحمد إلا السلامة من مقارفة المأثم لكان حقيقا بالمرء أن لا يكدر وجود السلامه بلزوم السبب المؤدي إلى المناقشة ولقد أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله أخبرنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن عمر بن الخطاب قال خذوا بحظكم من العزلة أنبأنا عمرو بن سعيد بن سنان الطائي حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول رأيت الثوري في المنام فقلت له أوصني فقال أقل معرفة الناس أقل معرفة الناس


أنبأنا القطان بالرقة حدثنا المروروذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول رأيت ابن السماك يكتب إلى أخ له أن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا فافعل قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يستعبد نفسه لأمثاله بالقيام في رعاية حقوقهم والتصبر على ورود الأذى منهم ما وجد إلى ترك الدخول فيه سبيلا لأنه إذا حسم عن نفسه ترك الإختلاط بالعالم والمخالطة بهم تمكن من صفاء القلب وعدم تكدر الأوقات في الطاعات ولقد استعمل العزلة حماعة من المتقدمين مع العام والخاص معا كما أخبرنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا داود بن أحمد بن سليمان الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال سمعت ابن المبارك يقول عاد فضيل داود الطائي فأغلق داود الباب وجلس فضيل خارج الباب يبكي وداود داخل البيت يبكي أنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا علي بن المنذر حدثنا الحسن بن مالك قال سمعت بكر محمد العابد يقول قال لي داود الطائي يا بكر استوحش من الناس كما تستوحش من السبع أنبأنا محمد بن أحمد بن الفرج البغدادي بالأبلة حدثنا إبراهيم بن حماد بن زياد حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال رؤى إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ضخم أسود رابض فقيل له يا أبا يحيى ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك قال هذا خير من جليس السوء


قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا الذي ذهب اليه داود الطائي وضرباؤه من القراء من لزوم الاعتزال من الخاص كما يلزمهم ذلك من العام أرادوا بذلك عند رياضة الأنفس على التصبر على الوحدة وإيثار ضد الخلطة على المعاشرة فإن المرء متى لم يأخذ نفسه بترك ما أبيح له فأنا خائف عليه الوقوع فما حظر عليه وأما السبب الذي يوجب الاعتزال عن العالم كافة فهو ما عرفتهم به من وجود دفن الخير ونشر الشر يدفنون الحسنة ويظهرون السيئة فإن كان المرء عالما يدعوه وإن كان جاهلا عيروه وإن كان فوقهم حسدوه وإن كان دونهم حقروه وإن نطق قالوا مهذار وإن سكت قالوا عيى وإن قدر قالوا مقتر وإن سمح قالوا مبذر فالنادم في العواقب المحطوط عن المراتب من اغتر بقوم هذا نعتهم وغره ناس هذه صفتهم ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل أخبرني أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي عن داود بن رشيد قال حدثني إبراهيم بن شماس قال قال لي الأكاف حفص بن حميد صاحب ابن المبارك بمرو يا إبراهيم صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد أحدا ستر لي عورة ولا وصلني إذا قطعته ولا أمنته إذا غضب فالأشتغال بهؤلاء حمق كثير


وأنشدني محمد بن المهاجر المعدل لعلي بن حجر السعدي ... زمانك ذا زمان دخول بيت ... وحفظ للسان وخفض صوت ... فقد مرجت عهود الناس إلا ... أقلهم فبادر قبل فوت ... فما يبقى على الأيام شيء ... وما خلق امرؤ إلا لموت ... أخبرنا يعقوب بن إسحاق القاضي حدثنا محمد بن يحيى قال وفيما قرأت على نافع عن مالك بن أنس أنه بلغه عن أبي ذرقال كان الناس ورقا لا شوك فيه فهم اليوم شوك لا ورق فيه أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا جنيد بن حكيم الدقاق حدثنا سليمان ابن أبي شيخ قال كان القحذمى ينشد كثيرا ... ذهب الحسن والجمال من الناس ... ومات الذين كانوا ملاحا ... وبقى الأسمجون من كل صنف ... إن في الموت من أولئك راحا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يعلم أن البشر مجبولون على أخلاق متباينه وشيم مختلفة فكل واحد يحب اتباع مساعدته وترك مباعدته فمتى رام من أخيه ضد ما وطن نفسه عليه قلاه وإذا تبين له منه خلاف ما أضمر عليه قلبه مله ومن الملال يكون الاستثقال ومن الاستثقال يكون البغض ومن البغض تهيج العداوة فالآشتغال هذا بمن نعته للعاقل حمق ولقد أحسن النباجي حيث يقول ... أرفض الناس وكل مشغله ... قد بخل الناس بمثل خردله ... لا تسأل الناس وسل من أنت له


وأنشدني ابن ابي علي قال أنشدني محمد بن يعقوب العبدي ... إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به عيناي بدلت آخرا ... وذلك أني لا أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا ... أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال قال مكحول إن كان في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم أنبأنا علي بن سعيد العسكري حدثنا شعيب بن يحيى حدثنا أحمد النسائي حدثنا يحيى بن عبد الأعلى أن مالك بن دينار كان يقول من لم يأنس بحديث الله عن حديث المخلوقين فقد قل علمه وعمى قلبه وضيع عمره أنبأنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا محمد بن روح قال سمعت إبراهيم البخاري يقول دخلت المسجد الحرام بعد المغرب فإذا فضيل جالس فجئت فجلست اليه فقال من هذا فقلت إبراهيم قال ما جاء بك قلت رأيتك وحدك فجلست اليك قال تحب أن تغتاب أو تتزين أو ترائي قلت لا قال قم عني ذكر إستحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا قطن بن نسير حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس قال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء وآخى بين عوف بن مالك وبين الصعب بن جثامة قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن لا يغفل عن مؤاخاة الإخوان وإعداده إياهم للنوائب والحدثان لأن من تعزى عن موضع سلوته


بأخيه عند الهموم والغموم كان عقله إلى التقديح أقرب ومن النماء أنقص ولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفضل بن عبد الصمد الأصبهاني حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا سهيل أبو عمرو قال قال محمد بن واسع لم يبق من العيش إلا ثلاث الصلاة في الجماعة ترزق فضلها وتكفي سهوها وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس عليك فيه منه ولا لله عليك فيه تبعه وأخ محسن العشرة زغت قومك أنبأنا عبد الرحمن بن عبد المحسن بجرجان حدثنا محمد بن عبد الله القصار أنبأنا عبد الرزاق عن ابن المقفع قال ثلاث من اللذات محادثه الإخوان وأكل القديد وحك الجرب أنبأنا محمد بن أبي علي حدثنا محمد بن هريم الشيباني أنشدنا محمد بن عمران الضيى ... وما المرء إلا بإخوانه ... كما نقبض الكف بالمعصم ... ولا خير في الكف مقطوعه ... ولا خير في الساعد الأجذم ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن لا يعد في الأدواء إخاء من لم يواته الضراء ولم يشاركه في السراء ورب أخى إخاء خير من أخي ولادة ومن أتم حفاظ الأخوة تفقد الرجل أمور من يوده والود الصحيح هو الذي لا يميل إلى نفع ولا يفسده منع والمودة أمن كما أن البغضاء خوف


والعاقل لا يواخي إلا من خالفه على الهوى وأعانه على الرأي ووافق سره علانيته لأن خير الإخوان من لم يناقش كما أن خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار والمستوخم لا يؤلف كما ان غير الثقه لا يود فمتى ما آخى المرء من لم يصافه بالوفاء يجب الاستظهار عليه بمن يسليه عنه لأن التودد ممن لا يود يعد ملقا ولا يفوت الإنسان في الأخوة أحد رجلين إما أريب قصر في حقوقه فاغتاله بمكر وإما جاهل لم يصافه فيؤذيه بسوء معاشرته وصيانة الأخوة ليست إلا في الإستغناء عن الإخوان ولقد أحسن العباس بن عبيد بن يعيش حيث يقول ... كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا ... صاف الكرام إذا أردت إخاءهم ... وأعلم بأن أخا الحفاظ أخوكا ... كم إخوة لك لم يلدك أبوهم ... وكأنما آباءهم ولدوكا ... لو كنت تحملهم على مكروهة ... تخشى الحتوف بها لما خذلوكا ... وأقارب لو أبصروك معلقا ... بنياط قلبك ثم ما نصروكا ... الناس ما استغنيت كنت أخالهم ... وإذا افتقرت اليهم فضحوكا ... أخبرنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن إسماعيل السنى حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال دخلت على قتادة وأنا ظمآن وفي الحجرة حب ماء فقلت أشرب من مائكم هذا قال أنت لنا صديق قال أحمد قال عبد الرزاق يتأول القرآن ( أو صديقكم ) يقول لا يستأذن أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا علان بن المغيرة البصري حدثنا عمرو


الناقد حدثنا ابن عيينه عن أيوب السختياني أنه قال يزيدني حرصا على الحج لقاء إخوان لي لا ألقاهم بغير الموسم قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يعلم أن الغرض من المؤاخاة ليس الاجتماع والمؤاكلة والمشاربة والسراق يداخلون الرجال على التقارف ولا يزدادون بذلك مودة ولكن من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها مشي القصد وخفض الصوت وقلة الإعجاب ولزوم التواضع وترك الخلاف ولا يجب للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبرمهم لأن المرضع إذا كثر مصه ربما ضجرت أمه فتلقيه ولا ينبغي لمن قدر أن يمنع أخاه شيئا يحتاج اليه ليجبر به مصيبته أو يفرج به كربته والعاقل لا يؤاخي لئيما لأن اللئيم كالحية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسم ولا يصل اللئيم ولا يؤاخي إلا عن رغبه أو رهبة والكريم يود الكريم على لقية واحدة ولو لم يلتقيا بعدها أبدا ولقد أخبرنا محمد بن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا إسماعيل


ابن محمود عن ابن المبارك عن سفيان عن يونس بن عبيد أنه أصيب بمصيبة فقيل له ابن عوف لم يأتك فقال إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان ويراعي محوها إن بدت منه ولا يجب أن يستضعف الجفوة اليسيرة لأن من استصغر الصغير يوشك أن يجمع اليه صغيرا فإذا الصغير كبير بل يبلغ مجهوده في محوها لأنه لا خير في الصدق إلا مع الوفاء كما لا خير في الفقه إلا مع الورع وإن من أخرق الخرق التماس المرء الإخوان بغير وفاء وطلب الأجر بالرياء ولا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له وصنيعة تصطنع عند من لا يشكرها وأنشدني الخلادي قال أنشدني محمد بن محمد البكري ... أحذر مودة ماذق ... خلط المرارة بالحلاوة ... يحصى الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة ... وأنشدني محمد بن إبراهيم البصري بصور لنفسه ... لا يغرنك صديق أبدا ... لك في المنظر حتى تخبره ... كم صديق كنت منه في عمى ... غرني منه زمانا منظره ... كان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كاللالي ينثره ... فإذا فتشته عن غيبه ... لم أجد ذاك لود يضمره ... فدع الإخوان إلا كل من ... يضمر الود كما قد يظهره ... فإذا فزت بمن يجمع ذا ... فاجعلنه لك ذخرا تذخره ... أنبأنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا إبراهيم بن موسى المكي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال وضع عمر بن الخطاب


رضى الله عنه للناس ثمانية عشر كلمة كلها حكم قال ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيره في يديه وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق ولا تعرض لما لا يعنيك ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلا عما لم يكن ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب لك نجاحها ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله وتخشع عند القول وذل عند الطاعه واعتصم عند المعصية واستشر في أمرك الذين يخشون الله فإن الله يقول ( 35 38 ) إنما يخشى الله من عباده العلماء قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يواخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة ذا عقل نشأ مع الصالحين لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال ورأس المودة الأسترسال وآفتها الملالة ومن أضاع تعهد الود من إخوانه حرم ثمرة إخائهم وآيس الإخوان من نفسه ومن ترك الإخوان مخافة تعاهد الود بوشك أن يبقى بغير أخ كما أن من ترك نزع الماء إشفاقا على رشائه يوشك أن يموت عطشا والعاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم ومن أصح الخبرة للمرء


وجود حالته بعد هيجان الغضب أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا عبد الله بن الضحاك الهدادي حدثنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال قال لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فدعه أنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا داود بن يحيى ابن اليمان عن أبيه عن سفيان قال أصحب من شئت ثم اغضبه ثم دس إليه من يسأله عنك قال أبو حاتم رضى الله عنه من لم ينصفك عند غضبه لم تودك أيامه وليس الصديق كالمرأة يطلقها المرء إذا شاء والجارية يبيعها متى أحب لكنه عرضه ومروءته فالتثبت والاتئاد أولى به من التهاجر والانقطاع ومن غاب عنه أخوه فلا يغب عما يجب له عليه وليكثر منهم عدة للشدائد لأن


الشعر مع دقته إذا جمع عمل منه الحبل الغليظ الذي يقهر الفيل المغتلم ولا يصلح أن يكون رفيقا من لم يزدرد ريقا وأنشدني الخلادي قال أنشدني محمد بن محمد البكري لصالح بن عبد القدوس ... إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا ... أو القول إني وامق لك حافظ ... وأفعاله تبدي لنا غير ذلكا ... ولم يك إلا كاشرا أو محدثا ... فأف لود ليس إلا كذلكا ... ولكن إخاء المرء من كان دائما ... لذى الود منه حيثما كان سالكا ... أخبرنا أبو يعلي حدثنا علي بن الجعد حدثنا سفيان الثوري عن شعبة قال خرج عبد الله بن مسعود على أصحابه فقال أنتم جلاء حزنى أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا هلال بن العلاء حدثنا إسحاق بن الضيف عن شيبه بن أبي مسهر عن الحكم بن هشام قال خالد بن صفوان لم يبق من لذات الدينا إلا ثلاث مجالسة النسوان وشم الولدان ولقى الأخوان حدثنا محمد بن المنذر حدثنا مسعدة بن حازم المصري حدثنا خالي هارون ابن سعيد حدثنا خالد بن بزار حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة قال إن كنت لألقى الأخ من إخواني فأكون بلقيه عاقلا أياما قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة العشرة فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب فالواجب على العاقل أن يعلم أنه ليس من السرور شيء يعدل صحبة الإخوان ولا غم يعدل غم فقدهم ثم يتنوقى جهده مفاسدة من صافاه


ولا يسترسل إليه فيما يشينه وخير الإخوان من إذا عظمته صانك ولا يعيب أخاه على الزلة فإنه شريكه في الطبيعة بل يصفح ويتنكب محاسدة الإخوان لأن الحسد للصديق من سقم المودة كما أن الجود بالمودة أعظم البذل لأنه لا يظهر ود صحيح من قلب سقيم وليحذر المرء في إخائه ألم التثقيل على أخيه لأن من ثقل على صديقه خف على عدوه وإن من أعظم المعونه على تسلية الهم الرضا بالقضاء ولقى الإخوان أنبأنا محمد بن هلال العقبي حدثني يونس بن إبراهيم العزي حدثنا إبراهيم ابن عبد الله العدني عن سفيان أنه قيل له ما ماء العيش قال لقاء الإخوان حدثنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك قال قال سفيان لربما لقيت الأخ من اخواني فأقيم شهرا عاقلا بلقائه وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... ستكثرن من الإخوان إنهم ... خير لكانزهم كنزا من الذهب ... كم من أخ لك لو نابتك نائبة ... وجدته لك خيرا من أخي النسب ... وأنشدني الكريزي ... من خير ما حزته ود لذي كرم ... يجزيك ما عشت بالإحسان إحسانا ... تلقى بشاشته في قربه وإذا ... أنال نالك منه البر ما كانا ... أنبأنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان يقول كنت أنظر إلى أخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرا حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مسلم بن عبيد أبو فراس قال قال ربيعة المروءة مروءتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على أصحابك وكثرة المزاح في


غير مساخط الله وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله وتلاوة القرآن ذكر كراهية المعاداة للناس أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت حدثنا محمد بن محمد بن مصعب وحدثني ابن المبارك عن عمرو بن واقد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول شيء نهانى عنه ربي بعد عبادة الأوثان لعن الحمير وملاحاة الرجال قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يعلم أن من يوده لم يحسده ومن لم يحسده لم يعاده فيكون للعدو المكاتم أشد حذرا منه للعدو المبارز ومن وجد عنده مغترا وكان ممن لا يعفو ثم لا ينتصف منه أصابته الندامة والرأي إذا كان من الأريب كان أبلغ في هلاك العدو من العدد الكثير من الجنود وترك العداوة على الأحوال كلها أحوط للعاقل من الخوض في سلوكها أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله بن هارون هو الأعور عن إسماعيل قال لا تشترين عداوة رجل بمودة ألف رجل وأنشدني عمرو بن محمد قال حدثنا الغلابي قال أنشدني مهدي ابن سابق ... تكثر من الإخوان ما استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور ... وليس كثيرا ألف خل لصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب على العاقل أن يكافيء الشر بمثله وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحا إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب وتحصين العورات حتى لا يحد العدو إليه سبيلا


والعاقل لا يرحم من يخافه ولا يترك إحصاء معائب العدو ويتفقد عثراتهم مع السكوت عن ثلبه ولا يستضعف عدوا بحيلة فإن من استضعف الأعداء اغتر ومن اغتر لم يسلم اللهم إلا أن يكون العدو ذليلا فإذا كان كذلك عطف عليه بالإغضاء لأن العدو الذليل أهل أن يرحم كما أن المستجير الخائف أهل أن يؤمن والمماداة للعاقل خير من المصافاة للجاهل وأنشدني الخلادي أنشدني أحمد بن محمد البكري ... وولمن يعادى عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق ... فأرغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا ... أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا قلة عن غرة زلجا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها ثم يقارب عدوه بعض المقاربه لينال حاجته ولا يقاربه كل المقاربه فيجترأ عليه والعاقل لا يعادي ما وجد إلى المحبة سبيلا ولا يعادي من ليس له منه بد ولا العدو الحنق الذي لا يطاق فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه وأن يرى العدو أنه لا يتخذه عدوا ثم يصادق أصدقاءه فيدخل بينه وبينهم وأحزم الأمور في أمر العدو أن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض وإن مما يستعين به المرء على عدوه مجانبة من يعاشره ويصحب عدوه


أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثني أحمد بن زهير بن حرب قال سمعت يحيى بن معين يقول قال ابن السماك لا تخف ممن تحذر ولكن احذر ممن تأمن وأنشدني علي بن محمد البسامي ... تمنيت أن أبقى معافى وأن أرى ... على من يناويني تدور الدوائر ... فيصبح مخذولا وأمسي سالما ... إلى الله داع بالكفاية ناصر ... سمعت محمد بن محمود يقول سمعت علي بن خشرم يقول سمعت الفضل ابن موسى الشيباني يقول كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح قال فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار فتذرفان فكلما صاد عصفورا كسر جناحه وألقاه في ناموسه فقال عصفور لصاحبه ما أرقه علينا ألا ترى إلى دموع عينيه فقال له الأخر لا تنظر إلى دموع عينيه ولكن انظر إلى عمل يديه قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يأمن عدوه على كل حال إن كان بعيدا لم يأمن مغادرته وإن كان قريبا لم يأمن مواثبته والعاقل لا يخاطر بنفسه في الإنتقام من عدوه لأنه إن هلك في قصده قيل أضاع نفسه وإن ظفر قيل القضاء فعله والمعاداة بعد الخلة فاحشة عظيمة لا تليق بالعاقل ارتكابها فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعا وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي الأسود الدؤلي ... وأحبب إذا أحببت حنا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع


وأبغض إذا أبغضت غير مجانب ... فإنك لا تدري متى أنت راجع ... وكن معنا للحلم واصفح عن الأذى ... فإنك لاراء ما عملت وسامع ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... إذا أنت عاديت أمرءا بعد خلة ... فدع في غد للعود والصلح موضعا ... فإنك إن نابذت من زل زلة ... ظللت وحيدا لم تجد لك مفزعا ... أنبأنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا أبو همام حدثنا ابن وهب أخبرني يونس ابن يزيد عن ابن شهاب قال اجتمع مروان بن الحكم وإبن الزبير يوما عند عائشة فجلسا في حجرتها وبينها وبينهما الحجاب فسألا عائشة شعرا وحديثا ثم قال مروان ... ومن يشا الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع ... وقال ابن الزبير ... وفوض إلى الله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين تدافع ... وقال مروان ... وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... ولا يستوي قلبان قاس وخاشع ... وقال ابن الزبير ... ولا يستوي عبدان عبد مكلم ... عتل لأرحام الأقارب قاطع ... وقال مروان ... وعبد يجافي جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع ... وقال ابن الزبير ... وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع ... وقال مروان


وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع ... قال فسكت ابن الزبير فلم يجب مروان بشيء فقالت عائشة يا عبد الله مالك لم تجب صاحبك والله ما سمعت تجاوب رجلين تجاولا نحو ما تجاولتما فيه أعجب إلى من مجاولتكما قال ابن الزبير اني خفت عول القول فكففت فقالت عائشة إن لمروان في الشعر ما ليس لك أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا عصام بن الفضل الداري حدثني الزبير بن بكار عن محمد بن حرب قال قال عبد الله بن حسن لابنه محمد إياك ومعاداة الرجال فإنها لا تعدمك مكر حليم أو مباذاة جاهل قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يعادي على الحالات كلها لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين إما حليم لا يؤمن مكره أو جاهل لا يؤمن شتمه ولا يجب على العاقل إذا عادى أن يغره إحسانه إلى عدوه ما يرى من سكونه اليه فإن الماء وإن أطيل إسخانه ليس بمانعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها ولا يجب أن يعظم عليه حمله عدوه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته لأن اللين والمكر أنكى في العدو من الفظاظة والمكابرة ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا ما ظهر والماء مع برده ولينه يستأصلها ومجانبة المرء عدوه في العشرة أحد الأعوان عليه عند الفرصة كما أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا العتبي عن أبيه قال قال الأحنف بن قيس من جالس عدوه حفظ عليه عيوبه وأنشدني الأبرش ... لا تخافن إن رماك عدو ... بعيوب إذا تكون بريا


إنما العيب أن يكون محقا ... في الذي قاله ولست نقيا ... فإذا كان كاذبا كنت بالصدق ... على العائب الكذوب جريا ... ولقد يلزق العدو بجنب ... السمراء عيبا تخاله مكويا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يغيره الزاق العدو به العيوب والقبائح لأن ذلك لا يكون له وقع ولا لكثرته ثبات ولا يلتذ المرء ما كان عدوه باقيا كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ وأشد مكيدة العدو وما يعمل فيك من سبيل مأمنك والغالب بالشر مغلوب وإن من أعظم الأعوان على الأعداء تعاهد المرء ولده وعياله وخدمه وتوقيه إياهم على المعائب والزلات أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن الصباح حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال قال سليمان بن داود لابنه يا بني إذا أردت أن تغيظ عدوك فلا ترفع عن أبنك العصا ذكر الحث على صحبة الأخيار والزجر عن عشرة الأشرار حدثنا الحسن بن سفيان النسائي حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم ينلك منه أصابك من ريحه ومثل جليس السوء مثل القين إن لم تصبك ناره أصابك شرره قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة الأشرار


سريع أنقطاعها بطيء اتصالها وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب لئلا يكون مريبا فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشر وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... عليك بإخوان الثقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب ... ونفسك أكرمها وصنها فإنها ... متى ما تجالس سفلة الناس تغضب ... سمعت أبا يعلي يقول سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول سمعت سفيان ابن عيينه يقول من أحب رجلا صالحا فإنما يحب الله تبارك وتعالى أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا عبد الله بن الصقر السكري حدثنا وهب بن محمد بن منبه البناني قال سمعت الحارث بن وجيه يقول سمعت مالك بن دينار يقول إنك أن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يدنس عرضه ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار ولا يغضي عن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها أنشدني علي بن محمد البسامي ... وقل ما احلولي كلام امريء ... ولان إلا كان مر الفعال ... وربما احلولي كلام الفتى ... وكان محمودا على كل حال ... فكل هذا أنت راء إذا ... تصاحب الناس وتبلوا الرجال ... حدثنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي حدثنا نصر بن علي أنبأنا نوح


ابن قيس حدثنا حوشب عن الحسن في قوله ( 25 63 ) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا قال حلماء علماء صبر ثبت إن ظلموا لم يظلموا وإن بغى عليهم لم يبغوا قد براهم الخوف كأنهم القداح أنبأنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي حدثنا سريج بن يونس حدثنا شجاع بن أبي نصر أبو نعيم القاري عن أبي عمرو بن العلاء قال رآني سعيد ابن جبير وأنا جالس مع الشباب قال ما يجلسك مع الشباب عليك بالشيوخ أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي المحجل عن ابن عمران بن حطان عن ابيه قال قال أبو الدرداء لصاحب صالح خير من الوحدة والوحدة خير من صاحب السوء ومملى الخير خير من الساكت والساكت خير من مملي الشر قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يصاحب الأشرار لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار تعقب الضغائن لا يستقيم وده ولا يفى بعهده وإن من سعادة المرء خصالا أربعا أن تكون زوجته موافقه وولده أبرارا وإخوانه صالحين وأن يكون رزقه في بلده وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خيرا من عشرته ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم وما أشبه صحبة الأشرار إلا بما أنشدني منصور بن محمد الكريزي ... فلو كان منه الخير إذ كان شره ... عتيدا ضربت الخير يوما مع الشر


ولو كان لا خيرا ولا شر عنده ... رضيت لعمري بالكفاف مع الإجر ... ولكنه شر ولا خير عنده ... وليس على شر إذا طال من صبر ... أخبرنا إسحاق بن إبرهيم القاضي حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا ابن عليه عن يونس عن الحسن قال أيها الرجل إن أشد الناس عليك فقدا لرجل إذا فزعت إليه وجدت عنده رأيا ووجدت عنده نصيحة بينا أنت كذلك إذ فقدته فالتمست منه خلفا فلم تجده أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال قال جعفر بن محمد من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع إذا خالطهم لم يظلمهم وإذا حدثهم لم يكذبهم وإذا وعدهم لم يخلفهم وعلى الناس أن يظهروا عدله وأن تكمل فيهم مروءته وأن يجب عليهم أخوته وأن يحرم عليهم غيبته وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... أصحب خيار الناس أين لقيتهم ... خير الصحابة من يكون ظريفا ... والناس مثل دراهم ميزتها ... فرأيت فيها فضة وزيوفا ... أخبرنا ابن قحطبة حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول إن الله ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يعنه وإن نسى لم يذكره وإن غفل حرضه على ترك الذكر ومن كان أصدقاؤه أشرارا كان هو شرهم وكما أن الخير لا يصحب إلا البررة كذلك الردى لا يصحب إلا الفجرة فإن المرء إذا أضطره الأمر فليصحب أهل المروءات لأن محمد بن عثمان العقبي قال حدثنا أحمد بن داود البصري حدثنا ابن عائشة قال قال عبد الواحد بن زيد جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا


ولا تجالسوا غيرهم فإن كنتم لابد فاعلين فجالسوا أهل المروءات فإنهم لا يرفثون في مجالسهم ذكر كراهية التلون في الوداد بين المتآخين أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان حدثنا إبراهيم الحوارني حدثنا بكار بن شعيب حدثنا ابن ابي حازم عن أبيه عن سهل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امريء مسلم صحيح الوداد محافظ عليه أن يتمسك به ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه وعلى الإقبال عليه إن صد عنه وعلى البذل له إن حرمه وعلى الدنو منه أن باعده حتى كأنه ركن من أركانه وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... وكم من صديق وده بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتندم ... يضاحكني كرها لكيما أوده ... وتتبعني منه إذا غبت أسهم ... أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل حدثني ابن ابي شيبة قال قال الأصمعي قال رجل من الأعراب من أعجز الناس من قصر عن طلب الإخوان وأعجز منه من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الإختيار لنفسه قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يقصر في تعاهد الوداد ولا يكون ذا لونين وذا قلبين بل يوافق سره علانيته وقوله فعله ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حاليهما الدغل


كما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... لحا الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله إن مد غير متين ... ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على الوصل خوان لكل أمين ... ومن هو ذو قلبين أما لقاؤه ... فحلو وأما غيبه فظنين ... ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... يقطع بها أسباب كل قرين ... وأنشدني عمرو بن محمد النسائي لابن الاعرابي ... العين تبدى الذي في نفس صاحبها ... من الشناءة أو ود إذا كانا ... إن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا ... العين تنطق والأفواه ساكنة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... وجار لا تزال تزور منه ... قوارص لا تنام ولا تنيم ... قريب الدار نائى الود منه ... معاندة أبت لا تستقيم ... يبادر بالسلام إذا التقينا ... وتحت ضلوعه قلب سقيم ... أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الأنباوي عن هشام بن عبد الملك اليزني قال المقنع الكندي


أبل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد ... فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد ... ومتى يزل ولا محالة زلة ... فعلى أخيك بفضل رأيك فاردد ... وإذا الخنا نقض الحبى في موضع ... ورأيت أهل الطيش قاموا فأقعد ... أخبرنا عبد الله بن قحطبة حدثنا محمد بن الصباح حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال قال سليمان بن داود لابنه يا بني عليك بالحبيب الأول فإن الآخر لا يعدله أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا أحمد بن بكر بن سيف حدثني محمد ابن حسين قال كان أعرابي بالكوفة وكان له صديق وكان يظهر له مودة ونصيحة فاتخذه الأعرابي من عدده للشدائد إذ حزب الأعرابي أمر فأتاه فوجده بعيدا مما كان يظهر للأعرابي فأنشأ يقول ... إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا ... ولم يك إلا كاشرا أو محدثا ... فأف لود ليس إلا كذلكا ... لسانك معسول ونفسك بشة ... وعند الثريا من صديقك مالكا ... وأنت إذا همت بمينك مرة ... لتفعل خيرا قاتلتها شمالكا ... سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول قال محمد بن حازم ... وإن من الإخوان كشرة ... وإخوان حياك الإله و مرحبا ... وإخوان كيف الحال والأهل كله ... وذلك لا يسوي نقيرا متربا ... جواد إذا استغنيت عنه بماله يقول إلى القرض والقرض فاطلبا ... فإن أنت حاولت الذي خلف ظهره ... وجدت الثريا منه في البعد أقربا


قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يصادق المتلون ولا يؤاخي المتقلب ولا يظهر من الوداد إلا مثل ما يضمر ولا يضمر إلا فوق ما يظهر ولا يكون في النوائب عند القيام بها إلا ككونه قبل إحداثها والدخول فيها لأنه لا يحمد من الإخاء ما لم يكن كذلك وأنشدني محمد بن المنذر وأنشدني محمد بن خلف التيمي أنشدني رجل من خزاعة ... وليس أخي من ودني بلسانه ... ولكن أخي من ودني في النوائب ... ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن عض دهر بغارب ... فلا تحمدن عند الرخاء مؤاخيا ... فقد تنكر الإخوان عند المصائب ... وما هو إلا كيف أنت ومرحبا ... وبالبيض رواغ كروغ الثعالب ... أخبرنا ابن قحطبة حدثنا محمد بن الصباح حدثنا أبو معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه قال مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من أعظم الأمارات على معرفة صحة الوداد وسقمه ملاحظة العين إذا لحظت فإنها لا تكاد تبدي إلا ما يضمر القلب من الود ولا يكاد يخفى ما يجنه الضمير من الصد فالعاقل يعتبر الود بقلبه وعين أخيه ويجعل له بينهما مسلكا لا يرده عن معرفة صحته شيء تخيله ولقد أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن الحسن الذهلي حدثنا علي بن محمد المذهبي عن محمد بن إبراهيم العباسي عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي وعن إبراهيم بن شكله قال إعلم أن من أظهر ما تحب أو ما تكره فإنما لك أن تقيس ما أضمر قلبه بالذي أظهر لسانه وليس لك أن تعرف ما أسر ضميره فعامله على نحو ما يبدي لك لسانه وفي ذلك أقول


ليس المسيء إذا تغيب سوءه ... عني بمنزلة المسيء المعلن ... من كان يظهر ما أحب فإنه ... عندي بمنزلة الأمين المحسن ... والله أعلم بالقلوب وإنما ... لك ما بدا لك منهم بالألسن ... ولقد يقال خلاف ذلك إنما ... لك ما بدا لك منهم بالأعين ... غير أن خالي خالفني في ذلك وزعم أن الأعين أبين شهادة على ما في القلوب من الألسن وكتب في ذلك رسالة أما بعد فقد بدا لي من صدك ما آيسني من ودك ولم يزل يخبرني لحظك ما تضمر لي من بغضك وكتب في أسفل ذلك ... وما أحب إذا أحببت مكتتما ... يبدي العداوة أحيانا ويخفيها ... تظل في قلبه البغضاء كامنة ... فالقلب يكتمها والعين تبديها ... والنفس تعرف في عيني محدثها ... من كان من سلمها أو من أعاديها ... عيناك قد دلتا عيني منك على ... أشياء لولاهما ما كنت أدريها ... 4 أخبرنا الخلادي حدثنا أحمد بن محمد الصوفي حدثنا محمد بن صالح البغدادي قال سمعت إبراهيم الحجنى يقول دلائل الحب تعرف في المحب وإن لم ينطق لسانه ذكر أئتلاف الناس واختلافهم أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع السختياني حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال قال على الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف


قال أبو حاتم رضى الله عنه سبب أئتلاف الناس وافتراقهم بعد القضاء السابق هو تعارف الروحين وتناكر الروحين فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقه بين جسميهما ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران حدثنا يوسف ابن يعقوب الصفار حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي يحيى عن مجاهد قال رأى ابن عباس رجلا فقال إن هذا ليحبني قالوا وما علمك قال إني لأحبه والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها أئتلف وما تناكر منها اختلف أنشدني محمد بن أبي على الخلادي أنشدني أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي ... إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف ... فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف ... أنبأنا ابن مكرم بالبصرة حدثنا بشر بن الوليد حدثنا الحكم ابن عبد الملك عن قتادة في قول الله تعالى ( 11 12 ) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم قال للرحمة والطاعة فأما أهل طاعه الله فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعه وإن تفرقت ديارهم وأهل معصية الله قلوبهم مختلفة وإن اجتمعت ديارهم وانشدني منصور بن محمد الكريزي ... فما تبصر العينان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان ... ولكن هما روحان تعرض ذي لذى ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان ... قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الأعتبار بمن يحادثه ويوده لأن المرء على دين خليله وطير السماء على أشكالها تقع وما رأيت شيئا أدل على شيء ولا الدخان على النار مثل الصاحب على الصاحب وأنشدني الأبرش


يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه ... وذو العر إذا احتك ... ذا الصحة أعداه ... وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه ... وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه ... حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير العبدي أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة قال أعتبر الناس بأخدانهم أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن موسى الأخباري حدثنا محمد بن صالح العدوى حدثنا الحسين بن جعفر بن سليمان الضبعي قال سمعت أبي يقول سمعت مالكا يقول الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام والغراب مع الغراب والبط مع البط والصعو مع الصعو وكل إنسان مع شكله وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... يزين الفتى في قومه ويشينه ... وفي غيرهم أخدانه ومداخله ... لكل امريء شكل من الناس مثله ... وكل امريء يهوى إلى من يشاكله ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... إن كنت حلت وبي استبدلت مطرحا ... ودا فلم تأت مكروها ولا بدعا ... فكل طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يجتنب مماشاة المريب في نفسه ويفارق صحبة المتهم في دينه لأن من صحب قوما عرف بهم ومن عاشر أمرأ نسب


إليه والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه ولم يشنه إذا عرف به وإن رأى منه حسنة عدها وإن رأى منه سيئة سترها وإن سكت عنه ابتدأه وإن سأله أعطاه فأما اليوم فأكثر أحوال الناس تكون ظواهرها بخلاف بواطنها وما اشبه عشرتهم إلا بما أخبرني محمد بن يعقوب البغلاني حدثني عبد الصمد ابن الفضل حدثنا الحسين بن سهل التياس عن أبي عبيدة قال تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ فقال العصفور انحناؤك لماذا قال من العبادة قال دفنك في التراب لماذا قال من التواضع قال فما هذا الشعر قال هذا لباسي قال ما هذا الطعام قال هذا أعددته لعابر السبيل قال فتأذن لي فيه قال نعم قال فنقر العصفور نقرة فأخذ بعنقه فجعل العصفور يقول شغ شغ شغ وقال والله لا يغرني قارئ بعدك أبدا وأنشدني محمد بن أبي علي لابن أبي اللقيش ... إن كنت تبغي العلم أو نحوه ... أو شاهدا يخبر عن غائب ... فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب ... وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل ... كذاك أمور الناس والناس منهم ... خفيف إذا صاحبته وثقيل ... وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... اجعل قرينك من رضيت فعاله ... واحذر مقارنة القرين الشائن ... كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن ... قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به


فإذا ازداد به علما ازاد به عجبا ومنهم من يبغضه حين يراه ثم لا يزداد به علما إلا ازداه له مقتا فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديما وافتراقهما يكون بافتراقهما وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بغض حادث أو فراق ممات فهنالك الموت الفظيع والأسف الوجيع ولا يكون موقف أطول غمة وأظهر حسرة وأدوم كآبة وأشد تأسفا وأكثر تلهفا من موقف الفراق بين المتواخيين وما ذاق ذائق طعما أمر من فراق الخلين وانصرام القرنين حدثنا محمد بن يعقوب الخطيب قال سمعت معمر بن سهل يقول سمعت جعفر بن عون يقول سمعت مسعر بن كدام يقول ... لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد بن موسى أبو غزية قال كان أبو العتاهيه إذا قدم المدينه يجلس إلى فأراد مرة الخروج فودعني وقال ... إن نعش نجتمع وإلا فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام ... حدثنا محمد بن أبي علي قال أنشدنا محمد بن موسى السمري أنشدنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني ... فياعجبا ممن يمد يمينه ... إلى الفه عند الفراق فيسرع ... ضعفت عن التوديع لما رأيته ... فصافحته بالقلب والعين تدمع ... وأنشدني ابن فياض للبحتري ... الله جارك في انطلاقك ... تلقاه شامك أو عراقك ... لا تعذلني في مسيري ... حيث سرت ولم ألاقك ... إني خشيت مواقفا ... للبين تفسح غرب ماقك


وعلمت ما يخشى المودع ... عند ضمك واعتناقك ... فتركت ذاك تعمدا ... وخرجت أهرب من فراقك ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... أفي كل يوم حية البين تقرع ... وعيني لبين من ذوي الود تدمع ... فلا النفس من تهيامها مستفيقة ... ولا بالذي يأتي به الدهر تقنع ... وأنشدني محمد بن بندار بن أصرم ... أيا قلب لا تجزع من البين واصطبر ... فليس لما يقضى عليك بدافع ... توكل على الرحمن إن كنت مؤمنا ... يجرك ودعني من نحوس الطوالع ... وكل الذي قد قدر الله واقع ... وما لم يقدره فليس بواقع ... وأنشدني عبد الرحمن بن يحيى بن حبيب الأندلسي لنفسه ... نطقت مدامعه بما في قلبه ... وعن الجواب لسانه لا ينطق ... فكأنه مما يقاسي قلبه ... دنف مريض أو أسير موثق ... وكأنما الأشجان في أحشائه ... لفراق أهل الود نار تحرق ... كيف السلو وهل له من سلوة ... من بان عن أحبابه يتفرق ... قال أبو حاتم رضى الله عنه السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخين هو ترك الرضا بما يوجب القضاء ثم ورود الشيء على مضمر الحشا بعدما انطوى عليه قديما فمن وطن نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته وتأمل ورود المكروه منه على غفلته لا يظهر الجزع عند الفراق ولا يشكو الأسف والإحتراق إلا بمقدار ما يوجب العلم إظهاره ولقد أولع بجماعه الفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور ومدح الدمن وتأولوا لعن نوح عليه السلام الغراب


أنبأنا جعفر بن أحمد بن سنان القطان بواسط حدثنا عمرو بن محمد بن عيسى الضبعي حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى حدثنا الجريري عن أبي السليل عن أبي مراوح قال بعث نوح الغراب والحمامه حيث استقرت السفينه على الجودي يلتمسان له الجد يعني الأرض فأما الغراب فرأى جيفه فوقع عليها فأكل منها وأما الحمامه فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر قال فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولا شديدا أنبأنا محمد بن جعفر بن الحسن البغدادي حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البغوي قال قال سليم بن منصور أمرت لبنى فاشترى لها أربعة غربان فلما رأتهن صرخت وبكت وكتفتهن وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعا وأنشأت تقول ... لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب ... وقال غدا تباين دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب ... فقلت تعست ويحك من غراب ... أكل الدهر سعيك في تباب ... لقد أولعت لا لقيت خيرا ... بتفريق المحب عن الحباب ... وأنشدني إبراهيم بن على الطرفي قال أنشدني على بن إسحاق ... غراب البين ويحك صح بقرب ... كما قد صحت ويحك بالبعاد ... تنادى بالتفرق كل يوم ... فمالك بالتواصل لا تنادي ... أراني الله ريشك عن قريب ... تمرطه البزاة بكل وادي ... كما أسخنت يوم البين عيني ... وألقيت الحزازة في فؤادي ... أنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب بهمذان حدثنا عبد الكبير بن محمد الأنسي حدثنا بعض أصحابنا قال مررت بالبصرة على باب دار فإذا


بصوت غراب يجلد فدنوت من الدار فإذا صاحبة الدار وبين يديها جوار وهي تأمر بجلده فقلت أما تتقون الله في هذا الغراب فقلن لي هذا الغراب الذي قيل فيه ... ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع ... فقلت ليس هذا ذاك الغراب فقالت والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغراب قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات والأشعار على التقصي في كتاب الوداع والفراق فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب إذ شرطنا فيه الإشارة إلى الشيء المحصول والإيماء إلى الشيء المقول ذكر الحث على زيارة الإخوان وإكرامهم أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا يزيد بن صالح اليشكري حدثنا حماد ابن سلمه عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا زار أخا له في قرية فأرصد الله على مدرجته ملكا فقال أين تريد فقال أريد أخا لي في هذه القرية فقال هل له عليك من نعمة تربها قال لا إلا أني أحبه في الله قال إني رسول الله اليك إن الله تبارك وتعالى أحبك كما أحببته قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل تعاهد الزيارة للأخوان وتفقد أحوالهم لأن الزائر في قصده الزيارة يشتمل على مصادفة معنيين أحدهما استكمال الذخر في الآجل بفعله ذلك وقد قال بعض القدماء إن الرجل إذا زار أخا له في الله لم يبق في السماء ملك إلا حياه بتحية مستأنفة


لا يحييه ملك مثله لم تبق شجرة من شجر الجنة إلا نادت صاحبتها ألا إن فلان ابن فلان زار أخا في الله والأخر التلذذ بالمؤانسة بالأخ المزور مع الأنقلاب بغنيمتين معا ولقد أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال كان عتبة الغلام يأوي المقابر والصحاري ثم يخرج إلى السواحل فيقيم بها فإذا كان يوم الجمعه دخل البصرة فشهد الجمعه ورأى إخوانه فسلم عليهم حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا جعفر بن سليمان حدثني بعض مشيختنا قال قال عامر بن قيس إنما أجدني آسف على البصرة لأربع خصال تجاوب مؤذنيها وظماء الهواجر ولأن بها إخواني ولأن بها وطني أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن بشر الخطابي حدثنا محمد بن سهل التميمي قال سمعت الفريابي يقول جاءني وكيع بن الجراح من بيت المقدس وهو محرم بعمرة فقال يا أبا محمد لم يكن طريقي عليك ولكن أحببت ان أزورك وأقيم عندك فأقام عندي ليلة وجاءني ابن المبارك وقد أحرم بعمرة من بيت المقدس فأقام عندي ثلاثا فقلت يا أبا عبد الرحمن أقم عندي عشرة أيام قال لا الضيافة ثلاثة أيام


قال أبو حاتم رضى الله عنه الناس في الزيارة على ضربين فمنهم من صحح الحال بينه وبين أخيه وتعرى عن وجود الخلل وورود البغض فيه فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإكثار من الزيارة والإفراط في الإجتماع لأن الإكثار من الزيارة بين من هذا نعته لا يورث الملالة والإفراط في الإجتماع بين من هذه صفته يزيد في المؤانسة والضرب الآخر لم يستحكم الود بينه وبين من يواخيه ولا أداهما الحال إلى ارتفاع الحشمة بينهما فيما يبتذلان لمهنتيهما فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإقلال من الزيارة لأن الإكثار منها بينهما يؤدي إلى الملالة وكل مبذول مملول وكل ممنوع ملذوذ وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة تصرح بنفي الإكثار من الزيارة حيث يقول زر غبا تزدد حبا إلا أنه لا يصح منها خبر من جهه النقل فتنكبنا عن ذكرها وإخراجها في الكتاب وإليها ذهب بعض الناس حتى ذكروها في أشعارهم من ذلك ما انشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... وقد قال النبي وكان برا ... إذا زرت الحبيب فزره غبا ... وأقلل زور من تهواه تزدد ... إلى من زرته مقة وحبا ... وأنشدني محمد بن أبي علي ... إني رأيتك لي محبا ... والى حين أغيب صبا ... فقعدت لا لملالة ... حدثت ولا استحدثت ذنبا ... إلا لقول نبينا ... زوروا على الأيام غبا ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا خالد بن أحمد الشيباني حدثنا سعيد ابن عنبسة حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي قال سمعت الحسن بن صالح يقول كل مودة لا تزداد إلا بالإلتقاء مدخولة


قال أبو حاتم رضى الله عنه من صحح الحال بينه وبين الإخوان لم يضره قلة الإجتماع لاستحكام الحال بينهما والمودة إذا أضر بها قلة الإلتقاء تكون مدخولة وأما من لم يحل في نفس صحة الحال ولم يستحكم أسباب الوداد فالتوقي من الإكثار في الزيارة أولى به لئلا يستثقل ويمل وانشدني الخلادي أنشدني أحمد بن محمد الصيداوي ... عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا ... فإني رأيت القطر يسأم دائبا ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا وأنشدني الكريزى ... أقلل زيارتك ... الحبيب تكون كالثوب استجده ... إن الصديق يمله ... أن لا يزال يراك عنده ... وأنشدني أوس بن أحمد بن محمد بن أحمد لأبي تمام ... وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد ... فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الخلق إذ ليست عليهم بسرمد ... أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أحمد بن زنجوية حدثنا حسين بن الوليد حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكه قال قال ابن عباس اكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى رقاب الناس حتى يجلس الى أنبأنا مكحول ببيروت حدثنا عبيد بن محمد بن هارون حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن بشير عن قتادة في قوله تعالى ( 42 26 ) ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال يشفعون في إخوانهم ويزيدهم من فضله قال يشفعون في إخوان إخوانهم


ذكر صفة الإحمق والجاهل أنبأنا محمد بن نصر بن نوفل أنبأنا أبو داود السنجي حدثنا أبو عاصم عن شبيل بن عزرة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم يعطك شيئا يصبك من عطره ومثل الجليس السوء مثل القين إن لم يحرق ثوبك أصابك من دخانه قال أبو حاتم رضى الله عنه شبيل بن عزرة هذا من أفاضل أهل البصرة وقرائهم ولكنه لم يحفظ إسناد هذا الخبر لأن أنس بن مالك سمع هذا الخبر من أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم فقصر به شبيل ولم يحفظه والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق ومجانبة معاشرة النؤلى كما يجب عليه لزوم صحبة العاقل الأريب وعشرة الفطن اللبيب لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله أصابك من الإعتبار به والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته وقد أنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرسلي حدثنا زهير بن عباد حدثنا شهاب بن خراش عن أبيه عن يسير بن عمرو وكان قد أدرك الصحابة قال أهجر الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا أحمد ابن إسحاق الخشاب عن الأصمعي عن سلمة بن بلال قال كان فتى يعجب على ابن أبي طالب فرآه يوما وهو يماشي رجلا متهما فقال له ... لا تصحب الجاهل ... إياك وإياه ... فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه ... يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه


وللشيء من الشيء ... مقاييس واشباه ... وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... أختر ذوي التمييز واستبقهم ... وجانب النوكي وأهل الريب ... فصحبة العاقل زين الفتى ... وصحبة الأنوك أخذ السبب ... قال أبو حاتم رضى الله عنه من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفى عليه أمره سرعة الجواب وترك التثبت والإفراط في الضحك وكثرة الإلتفات والوقيعة في الأخيار والإختلاط بالأشرار والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم وإن أقبلت عليه اغتر وإن حلمت عنه جهل عليك وإن جهلت عليه حلم عنك وإن أسأت إليه أحسن إليك وإن أحسنت إليه أساء إليك وإذا ظلمته انتصفت منه ويظلمك إذا أنصفته وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... لي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقه كان فرضا ... لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا ... لرأى ما صنعت غير كبير ... واشتهى ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا ... حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال قال لي أبو طاهر ابن السرح قال حدثني خالي أبو رجاء عبد الرحمن بن عبد الحميد عن سعيد ابن أبي أيوب قال لا تصاحب صاحب السوء فإنه قطعه من النار لا يستقيم وده ولا يفي بعهده


وأنشدني المنتصر بن بلال الانصاري ... لن يسمع الاحمق من واعظ ... في رفعه الصوت وفي همه ... لن تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه ... والحمق داء ماله حيله ... ترجى كبعد النجم في لمسه ... قال أبو حاتم رضى الله عنه أظلم الظلمات الحمق كما أن أنفذ البصائر العقل فإذا أمتحن المرء بعشرة الأحمق كان الواجب عليه اللزوم لأخلاق نفسه والمباينه لأخلاقه مع الإكثار من الحمد لله على ما وهب له من الإنتباه لما حرم غيره التوفيق له فإن جرى الأحمق في صحبته ميدانه في عشرته فالواجب على العاقل لزوم السكوت حينئذ في أوقاته لأن أبا حمزه محمد بن عمر بن يوسف أنبأنا بنسا حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا ابن داود قال سمعت الأعمش يقول السكوت للأحمق جواب قال أبو حاتم رضى الله عنه وإن من الحمقى من لا يصده عن سلوكه السكوت عنه ولا يدفعه عن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الأحايين لأن بعض الحلم إذعان كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل ولقد أنشدني محمد بن اسحاق الواسطي ... لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ... ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ... فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج ... وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا ... ولكنني أرضى به حين أحرج ... فإن قال بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذل بالحر أسمج ... وأنشدني علي بن محمد البسامي


لن ترضى الرذل إلا حين تسخطه ... وليس يسخط إلا حين ترضيه ... ولا يسوءك إلا حين تكرمه ... ولا يسرك إلا حين تقصيه ... حدثنا أبو يعلي حدثنا سريج بن يونس حدثنا أبو سيفان المعمرى عن سفيان الثوري قال ابن آدم لم يخلق إلا أحمق ولولا ذلك لم ينفعه عيشه حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عصام بن الفضل الرازي حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن حرب قال قال عبد الله بن حسن لابنه يا بني احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق اليك مكر العاقل قال أبو حاتم رضى الله عنه ومن شيم الأحمق العجله والخفة والعجز والفجور والجهل والمقت والوهن والمهابة والتعرض والتحاسد والظلم والخيانه والغفله والسهو والغي والفحش والفخر والخيلاء والعدوان والبغضاء وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه فإنه يكون قلبه في طرف لسانه ما خطر على قلبه نطق به لسانه والأحمق يتكلم في ساعة بكلام يعجز عنه سحبان وائل ويتكلم في الساعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه بأقل والعاقل يجب عليه مجانبة من هذا نعته ومخالطة من هذه صفته فإنهم يجترئون على من عاشرهم إلا ترى الزط ليسوا هم بأشجع الناس ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة ما يرونها وأنشدني محمد بن يوسف بن أيوب الأرمني ... ولمن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق ... فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق


وأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني أبي لصالح بن عبد القدوس ... أحذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق ... كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق ... أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق ... كحمار السوء إن أقضمته ... رمح الناس وإن جاع نهق ... وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق ... وإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد شرا وتمادى في الحمق ... عجبا للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان وهذا قد غرق ... أنبأنا يعقوب بن إسحاق القاضي حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله حدثنا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه قال الأحمق كالثوب الخلق إن رفأته من جانب انخرق من جانب آخر مثل الفخار المكسور لا يرقع ولا يشعب ولا يعاد طينا فهذا مثل الأحمق إن صحبته عناك وإن اعتزلته شتمك وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته كفرك وإن أسر اليك اتهمك وإن أسررت اليه خانك وإن كان فوقك حقرك وان كان دونك غمرك وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... أعلم بأن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر ... فطنا بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... وإن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم ... وتشخص أبصار الرعاع تعجبا ... اليه وقالوا إنه منك أفهم


قال أبو حاتم رضى الله عنه ألأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح وأن الحمق قسم على العالم غيره والأحمق مبغض في الناس مجهول في الدنيا غير مرضى العمل ولا محمود الأمر عند الله وعند الصالحين كما أن العاقل محب إلى الناس مسود في الدنيا مرضى العمل عند الله في الآخرة وعند الصالحين في الدنيا أنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال كان الحسن يقول أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... وما الغي إلا أن تصاحب غاويا ... وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد ... ولن يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... لنا جليس تارك للأب ... جليسه من نوكه في تعب ... يغضب جهلا عند حال الرضا ... عمدا ويرضى عند حال الغضب ... فنحن منه كلما جاءنا ... في عجب قد جاز حد العجب ... كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا عبد الله بن موسى البصري حدثنا العتبي قال سمعت أعرابيا يقول العاقل بخشونه العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء قال أبو حاتم رضى الله عنه وإن من شيم العاقل الحلم والصمت والوقار والسكينه والوفاء والبذل والحكمة والعلم والورع والعدل والقوة


والحزم والكياسة والتمييز والسمت والتواضع والعفو والإغضاء والتعفف والإحسان فإذا وفق المرء لصحبة العاقل فليشد يديه به ولا يزايله على الأحوال كلها والواجب على العاقل أن لا يصحب بحيله من لا يستفيد منه خيرا ولقد أنبأنا محمد بن محمود بن عدي النسوي حدثنا علي بن سعيد بن جرير قال سمعت أحمد بن حنبل يقول أخبرت عن مالك بن دينار أنه قال مررت براهب في صومعته فناديته فأشرف علي فكلمني وكلمته فقال لي فيما يقول إذا استطعت أن تجعل فيما بينك وبين الدنيا حائطا فافعل وإياك وكل جليس لا تستفيد منه خيرا فلا تجالسه قريبا كان أو بعيدا


ذكر الزجر عن التجسس وسوء الظن حدثنا محمد بن أحمد الرقام بتستر حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى حدثنا أبو داود حدثنا سليمان بن حيان عن أبيه عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا حدثنا محمد بن عثمان العقبى حدثنا جعفر بن محمد بن الحجاج الرقى حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي حدثنا محمد بن المبارك عن يونس بن نافع عن كثير بن زياد قال سمعت الحسن يقول لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيء فإنه من التجسس قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الإشتغال بإصلاح عيوب نفسه فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه وأن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه ولقد أحسن الذي يقول ... إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا ... عليك وأبدوا منك ما كان يستر ... وقد قال في بعض الأقاويل قائل ... له منطق فيه كلام محبر ... إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم ... فلا عيب إلا دون ما منك يذكر ... فإن عبت قوما بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر ... وإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب العور من هو أعور ... وكيف يعيب الناس من عيب نفسه ... أشد إذا عد العيوب وأنكر ... متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم ... عيوبا ولكن الذي فيك أكثر


فسالمهم بالكف عنهم فإنهم ... بعيبك من عينيك أهدى وأبصر ... حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا هارون بن صدقه القاضي حدثنا سعيد ابن مسلمة الإيادي قال أدعت أمرأة على رجل حمارا لها فقدمته إلى القاضي فسألها البينة فأحضرت أبا دلامة ورجلا آخر فقال لها القاضي أما شاهدك هذا فقد قبلنا شهادته فأتنا بشاهد آخر فأتت أبا دلامة فأخبرته فصار إلى القاضي وأنشأ يقول ... إن الناس عطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث ... وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يوما كيف تلك النبائث ... فقال القاضي للمرأة كم ثمن حمارك قالت ثلاثمائة قال قد احتملناها لك من مالي وأنشدني الكريزي ... أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه ... وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه ... حدثنا محمد بن المنذر حدثنا الليث بن عبدة المصري حدثنا الحسن بن واقع حدثنا ضمرة عن الشيباني قال في الكتب مكتوب كما تدين تدان وبالكأس الذي تسقى به تشرب وزيادة لأن الباديء لا بدله من أن يزاد قال أبو حاتم رضى الله عنه التجسس من شعب النفاق كما أن حسن الظن من شعب الإيمان والعاقل يحسن الظن بإخوانه وينفرد بغمومه وأحزانه كما أن الجاهل يسيء الظن بإخوانه ولا يفكر في جناياته وأشجانه ولقد أحسن الذي يقول ... ما يستريح المسيء ظنا ... من طول غم وما يريح ... وقل وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فسيح ... من خفف الله عن هبت ... من كل وجه إليه ريح


والجسم حيث استقر هاد ... والروح جوالة تسيح ... كم تذبح الأرض من بنيها ... كل بنيها لها ذبيح ... لن يهلك المرء من سماح ... وقلما يفلح الشحيح ... قال أبو حاتم رضى الله عنه سوء الظن على ضربين أحدهما منهى عنه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم والضرب الآخر مستحب واما الذي نهى عنه فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدم ذكرنا له الذي يستحب من سوء الظن فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا يخاف على نفسه مكره فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه وفي ذلك أنشدني الأبرش ... وحسن الظن يحسن في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامه ... وسوء الظن يسمج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامه ... وانشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... ماينبغي لأخي ود وتجربه ... أن يترك الدهر سوء الظن بالناس ... حتى يكون قريبا في تباعده ... عنا ويدفع ضر الحرص بالياس ... حدثنا محمد بن المنذر حدثنا إبراهيم بن هانيء حدثنا ابن أبي مريم حدثنا أنبأنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن


عمر بن سعد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال مكتوب في التوراة من تجر فجر ومن حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل مباينة العام في الأخلاق والأفعال بلزوم ترك التجسس عن عيوب الناس لأن من بحث عن مكنون غيره بحث عن مكنون نفسه وربما طم مكنونه على ما بحث من مكنون غيره وكيف يستحسن مسلم ثلب مسلم بالشيء الذي هو فيه وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... لا تلتمس من مساوي الناس ماستروا ... فيهتك الناس سترا من مساويكا ... واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا عيبا بما فيكا ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... إذا ما اتقيت الأمر من حيث يتقى ... وأبصرت ما تأتي فأنت لبيب ... ولاتك كالناهي عن الذنب غيره ... وفي كفه مما يذم نصيب ... يعيب فعال السوء من فعل غيره ... ويفعل أفعال الذين يعيب ... حدثنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن موسى السمري حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم عن أبيه قال وحدثني عزيز عن الزبير بن موسى المخزومي قال قالت ابنة عبد الله بن مطيع الأسود وهي زوجة طلحة بن عبد الله بن عوف لزوجها ما رأيت أحدا قط ألأم من أصحابك قال مه لا تقولى ذاك فيهم وما رأيت من لومهم قالت أمرا والله بينا قال وما هو قالت إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت جانبوك قال مازدت على أن وصفتهم بمكارم الأخلاق قالت وما هذا من مكارم الأخلاق قال يأتوننا في حال القوة منا عليهم ويفارقوننا في حال الضعف منا عليهم


ذكر الحث على مجانبة الحرص للعاقل حدثنا محمد بن اسحاق بن خزيمة رحمه الله حدثنا بشر بن معاذ العقد حدثنا أبو عوانه عن قتادة عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان الحرص والحسد قال أبو حاتم رضى الله عنه ركب الله جل وعز في البشر الحرص والرغبه في الدنيا الفانية لئلا تخرب إذ هي دار الأبرار ومكسب الأتقياء وموضع زاد المؤمنين واستجلاب الميرة للصالحين ولو تعرى الناس عن الحرص فيها بطلت وخربت فلم يجد المرء ما يستعين به على أداء فرائض الله فضلا عن اكتساب ما يجدي عليه النفع في الآخرة نفلا والإفراط في الحرص مذموم كما أنشدني علي بن محمد البسامي ... ليس عندي إلا الرضا بقضاء الله ... فيما أحببته أو كرهته ... لو إلى الأمور أختار منها ... خيرها لي عواقبا ما عرفته ... ولو أني حرصت جهدي أن أدفع ... أمرا مقدار ما دفعته ... فأرى أن أرد ذاك إلى من ... عنده علم كل ما قد جهلته ... وأنشدني محمد بن نصر المديني ... يا كثير الحرص مشغولا ... بدنيا ليس تبقى ... مارأيت الحرص أدنى ... من حريص قط رزقا ... لا ولكن في قضاء الله ... أن يعيا ويشقى ... تعرف الحق ولكن ... لا ترى للحق حقا ... أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك قال سخاء الناس عما في أيدي الناس أكثر من


سخاء البذل ومروءة القناعة أكثر من مروءة الإعطاء أنشدنا أبو يعلي قال أنشدونا منذ دهر للشافعي ... قدر الله واقع ... حيث يقضي وروده ... قد مضى فيك حكمه ... وانقضى ما يريده ... وأخو الحرص حرصه ... ليس مما يزيده ... فأرد ما يكون إذ ... لم يكن ما تريده ... أنبأنا عبد الله بن عروة حدثنا يعقوب الدورقي حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال إذا لم يكون ما تريد فأرد ما يكون قال أبو حاتم رضى الله عنه أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص اسيرا وأفقر الفقراء من كان الحرص عليه أميرا لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عن مواضعه والحرص محرمة كما أن الجبن مقتله ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على ما جمع لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص وقد كان بعض أصحابنا كثيرا ما ينشد ... تجانب الحرص ودع عنك الحسد ... ففيهما الذل وإتعاب الجسد ... وأنشدني الكريزي ... وأرقني طول التفكر إنني ... عجبت لدهر ما تقضي عجائبه ... فكم عاجز يدعى جليدا لغشمه ... ولو كلف التقوى لكلت مضاربه ... وعف يسمى عاجزا لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه ... فليس بحرص المرء أدركه الغني ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه ... ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الحرص غير زائد في الرزق وأهون ما يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصوله فيتعب في طلب


ما لا يدري أيلحقه أم يحول الموت بينه وبينه ولو لزم الحريص ترك الإفراط فيه واتكل على خالق السماء لأتحفه المولى جل وعز بإدراك ما لا يسعى فيه والظفر بما لو سعى فيه وهو حريص عسى لتعذر عليه وجوده وأنشدني علي بن محمد البسامي ... ألا رب باغ حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضي له وهو أيس ... يحاولها هذا وتقضي لغيره ... وتأتى الذي تقضي له وهو جالس ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر ... وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الحرص علامة الفقر كما أن البخل جلباب المسكنه والبخل لقاح الحرص كما أن الحمية لقاح الجهل والمنع أخو الحرص كما أن الأنفة توأم السفه وأنشدني عمر بن محمد قال أنشدني الغلابي ... لا تأتين نذالة لمنالة ... فليأتينك رزقك المقدور ... واعلم بأنك آخذ كل الذي ... لك في الكتاب محبر مسطور ... والله ما زاد امرءا في رزقه ... حرص ولا أزرى به التقصير ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... وارض من العيش في الدنيا بأيسره ... ولا ترومن ما إن رمته صعبا ... إن الغني هو الراضي بعيشته ... لا من يظل على ما فات مكتئبا ... أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عبد الله بن يحيى بن حميد الطويل حدثنا أبو عبد الرحمن العتبي حدثني ابي قال اختصمت بنو إسرائيل في القدر خمسمائة عام ثم تحاكموا إلى عالم من علمائهم فقالوا له أخبرنا عن القدر وقصر وبين لتفهمه عنك العوام فقال حرمان عاقل وحظ جاهل قال أبو حاتم رضى الله عنه لاحظ في الراحة لمن أطاع الحرص إذ الحرص


سائق البلايا فالواجب على العاقل أن لا يكون بالمفرط في الحرص في الدنيا فيكون مذموما في الدارين بل يكون قصده لإقامة فرائض الله ويكون لبغيته نهاية يرجع اليها لأن من لم يكن لقصده منها نهاية آذى نفسه وأتعب بدنه فمن كان بهذا النعت فهو من الحرص الذي يحمد وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... الحرص عون للزمان على الفتى ... والصبر نعم القرن للأزمان ... لا تخضعن فإن دهرك إن رأى ... منك الخضوع أمده بهوان ... وإذا رآك وقد قصدت لصرفه ... بالصبر لاقى الصبر بالإذعان ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي حدثني شعيب بن أحمد لأبي العتاهية ... لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين ... وأنشدني الكريزى أيضا أنشدني شعيب بن احمد لأبى العتاهية ... قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب ... مالي أراني إذا حاولت منزلة ... فنلتها طمحت نفسي إلى رتب ... لو كان ينفعني علمى وتجربتي ... لم أشف غيظي من الدنيا ولا كلبي ... قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات بعللها في كتاب الثقه بالله بما أرجو أن يكون فيه غنية لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ذكر الزجر عن التحاسد والبغضاء أنبأنا محمد بن الحسين بن مكرم البزاز بالبصرة حدثنا عمرو بن علي الفلاس


حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج حدثني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... أعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلي حسن في مثله الحسد ... إن يحسدوني فإني لا الومهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ... فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد ... أنا الذي وجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منهم ولا أرد ... أنبأنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي اسحاق عن عمرو بن ميمون قال رأى موسى رجلا عند العرش فغبطه بمكانه فسأله عنه فقال ألا أخبرك بعمله كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ولا يعق والديه قال وكيف يعق والديه قال يستثب لهما حتى يسبا ولا يمشي بالنميمة أنشدني ابن بلال الأنصاري ... عين الحسود عليك الدهر حارسه ... تبدى مساويك والإحسان يخفها ... فاحذر حراستها واحذر تكشفها ... وكن على قدر ما توليك توليها ... أنبأنا عبد الرحمن بن زياد الكناني بالأبلة حدثنا أبو يحيى الضرير حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن كعب بن علقمة قال عمر بن الخطاب


رضى الله عنه ما من أحد عنده نعمة إلا وجدت له حاسدا ولو كان المرء أقوم من القدح لوجدت له غامزا وما ضرت كلمة لم يكن لها خواطب وأنشدني علي بن محمد البسامي ... حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه ... فالقوم أنداد له وخصوم ... كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم ... وترى اللبيب محسدا لم يجتلب ... شتم الرجال وعرضه مشتوم ... أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا أحمد بن إبراهيم بن حرب حدثنا غسان بن المفضل أخبرني محمد بن يزيد عن يونس بن عبيد قال قال ابن سيرين ما حسدت أحدا على شيء من الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى النار عنه الحسد من أخلاق اللئام وتركه من أفعال الكرام ولكل حريق مطفيء ونار الحسد لا تطفأ ومن الحسد يتولد الحقد والحقد أصل الشر ومن أضمر الشر في قلبه أنبت له نباتا مرا مذاقه نماؤه الغيظ وثمرته الندم والحسد هو اسم يقع على إرادة زوال النعم عن غيره وحلولها فيه فأما من رأى الخير في أخيه وتمنى التوفيق لمثله أو الظفر بحاله وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه فليس هذا بالحسد الذي ذم ونهى عنه ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله عليه فكلما أتحفه الله بترداد النعم ازداد الحاسدون له بالمكروه والنقم وقد كان داود بن علي رحمة الله عليه ينشد كثيرا


إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... ياذا المعارج لا تنقص لهم عددا ... إن يحسدوني على ما كان من حسن ... فمثل خلقي فيهم جر لي حسدا ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق أخبرنا عباد بن عباد المهلبي قال قال أبو جعفر المنصور لسفيان بن معاوية ما أسرع الناس إلى قدمتك المدينه فقال يا أمير المؤمنين ... إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حساد ... وأنشدني الكريزي أنشدني محمد بن الحسين العمي ... حسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم ... وإذا ما الله أبدى نعمة ... لم يضرها قول حساد النعم ... سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول سمعت أحمد بن سعيد الدار يقول سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول كنا نتعلم في الكتاب كما نتعلم أبو جاد جهل نيسابوري وبخل مروزي وحسد هروى وطرم بلخى أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا عمران بن موسى بن أيوب حدثني أبي عن مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين قال ما حسدت أحدا على دين ولا دنيا قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يوجد من الحسود أمان أحرز من البعد منه لأنه ما دام مشرفا على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشه وسوء ظن بالله ونماء للحسد فيه فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على


خيانة ظهرت منك ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء كما قال العتبي ... أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسي جرما غير أنك حاسد ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... ليس للحاسد إلا ما حسد ... وله البغضاء من كل أحد ... وأرى الوحدة خيرا للفتى ... من جليس السوء فانهض إن قعد ... وأنشدني محمد بن نصر المديني لحبيب بن أوس ... وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود ... لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ... لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود ... أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا روح بن عبادة حدثنا حماد عن حميد قال قلت للحسن يا أبا سعيد هل يحسد المؤمن قال ما أنساك بنى يعقوب لا أبالك حيث حسدوا يوسف ولكن غم الحسد في صدرك فإنه لا يضرك ما لم يعد لسانك وتعمل به يدك قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل إذا خطر بباله ضرب من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه وترك إبداء ما خطر بباله وأكثر ما يوجد الحسد بين الأقران أو من تقارب الشكل لأن الكتبة لا يحسدها إلا الكتبة كما أن الحجبة لا يحسدها إلا الحجبة ولن يبلغ المرء مرتبه من مراتب هذه الدنيا إلا وجد فيها من يبغضه عليها أو يحسده فيها والحاسد خصم معاند لا يجب للعاقل أن يجعله حكما عند نائبة تحدث فإنه إن حكم لم يحكم إلا عليه وإن قصد لم يقصد إلا له وإن حرم لم يحرم إلا حظه وإن


أعطى اعطى غيره وإن قعد لم يقعد إلا عنه وإن نهض لم ينهض إلا اليه وليس للمحسود عنده ذنب إلا النعم التي عنده فليحذر المرء ما وصفت من أشكاله وأقرانه وجيرانه وبنى أعمامه وقد أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا العباس بن بكار قال قال رجل لشبيب بن شبه إني لأحبك قال صدقت قال وما علمك قال لأنك لست بجار ولا ابن عم وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... أنت امرؤ قصرت عنه مروءته ... إلا من الغش للإخوان والحسد ... أأن تراني خيرا منك تحسدني ... إن الفضيلة لا تخلو من الحسد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه بئس الشعار للمرء الحسد لأنه يورث الكمد ويورث الحزن وهو داء لا شفاء له والحاسد إذا رأى بأخيه نعمة بهت وإن رأى به عثرة شمت ودليل ما في قلبه كمين على وجهه مبين وما رأيت حاسدا سالم أحدا والحسد داعية إلى النكد ألا ترى إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعدما كان مكينا ويسهل على المرء ترضى كل ساخط في الدنيا حتى يرضى إلا الحسود فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حسد من أجلها


ولقد حدثني محمد بن عثمان العقدي حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال قال بعض الحكماء ألزم الناس للكآبة أربعة رجل حديد ورجل حسود وخليط للأدباء وهو غير أديب وحكيم محتقر للأقوام وأبعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله جاهل ورث الضلالة عن أهله ورأ س أهل ملته حظى فيهم بفضل الضلالة ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائمة محبوبه ويرى ما رجى من خيرها قريبا وما صرف من شرها بعيدا ليس يعقد قلبه على الإيمان ورجل خالط النساك فانصرف عنهم لحرصه وشرهه ودامجهم على مكر وخديعه ذكر الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجله أنبأنا عمر بن حفص البزار بحنديسابور حدثنا محمد بن زياد الزيادي حدثنا الفضيل بن عياض عن سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة أن جابرا قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال علمني شيئا يا رسول الله أدخل به الجنة ولا تكثر على لعلى أعقل قال لا تغضب قال أبو حاتم رضى الله عنه أحسن الناس عقلا من لم يحرد وأحضر الناس جوابا من لم يغضب وسرعة الغضب أنكى في العاقل من النار في يبس العوسج لأن من غضب زايله عقله فقال ما سولت له نفسه وعمل ما شأنه وأرداهأ ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقدي حدثنا إسحاق بن زكريا البناني حدثنا عبد الصمد بن حسان حدثني وهيب قال مكتوب في الإنجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وإذا ظلمت فلا تنتصر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك


وأنشدني الكريزي ... ولم أر فضلا تم إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على الأدب ... ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب ... قال أبو حاتم رضى الله عنه سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من ري العقلاء والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل ان يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب ولقد أنبأنا محمد بن اسحاق الثقفي حدثنا حاتم بن الليث الجوهري حدثنا بكار بن محمد قال كان ابن عون لا يغضب فإذا أغضبه إنسان قال بارك الله فيك وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... لم يأكل الناس شيئا من مآكلهم ... أحلى وأحمد عقباه من الغضب ... ولا تلحف إنسان بملحفة ... أبهى وأزين من دين ومن أدب ... أنبأنا كامل بن مكرم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ضمرة عن أبي سعيد قال كان عون بن عبد الله بن عتبة إذا غضب على غلامه قال ما أشبهك بمولاك أنت تعصيني وأنا أعصي الله فإذا شتد غضبه قال أنت حر لوجه الله قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل إذا ورد عليه شيء بضد ما تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربه وتواتر حلم الله عنه ثم يسكن غضبه ولا يزري بفعله الخروج إلى مالا يليق بالعقلاء في أحوالهم مع تأمل وفور الثواب في العقبى بالإحتمال ونفي الغضب وأنشدني الأنصاري ... وكظمي الغيظ أولى من محاولتي ... غيظ العدو بإضراري بإيماني


لا خير في الأمر ترديني مغبته ... يوم الحساب إذا مانص ميزاني ... أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا عمر بن علي بن زياد العنبري قال سمعت سالم ابن ميمون الخواص يقول ... إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت ... سكت عن السفيه فظن أني ... عييت عن الجواب وما عييت ... شرار الناس لو كانوا جميعا ... قذى في جوف عيني ما قذيت ... فلست مجاوبا أبدا سفيها ... خزيت لمن يجافيه خزيت ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... تأن في أمرك وافهم عني ... فليس شيء يعدل التأني ... تأن فيه ثم قل فإني أرجو لك الإرشاد بالتأني ... أخبرني محمد بن أبي على الخلادي حدثنا عبد الله بن جعفر الزبيري عن سعيد بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال أنشدني يونس بن إبراهيم بن محمد أبن طلحة لمحمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله ... فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم ... ولا تفحش وإن مليت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم ... ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... وإن الذنب يغفره الكريم ... ولكن داري عوراه برفق ... كما قد يرقع الخلق القديم ... ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم ... فما جزع بمغن عنك شيئا ... ولا مافات ترجعه الهموم ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الإحتيال لمفارقته بكل سبب


والغضبان لا يعذره أحد في طلاق ولا عتاق ومن الفقهاء من عذر السكران في الطلاق والعتاق والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد ولقد أنبانا عمر بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عطاء قال قال عبد الملك بن مروان إذا لم يغضب الرجل لم يحلم لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب ذكر الزجر عن الطمع إلى الناس أنبأنا محمد بن أحمد بن المستنير بالمصيصة حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا خالد بن عمرو عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني عملا إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل ترك الطمع إلى الناس كافة بكماله الإياس عنهم إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر فكيف بما أنت شاك في وجوده أو عدمه ولقد أحسن الذي يقول ... لأجعلن سبيل اليأس لي سبلا ... ما عشت منك ودار الهم أوطانا ... والصبر أجعله غرما أنال به ... في الناس قربا وعند الله رضوانا ... فالنفس قانعة والأرض واسعه ... والدار جامعه مثنى ووحدانا ... وأنشدني عمرو بن محمد بن عبد الله النسائي قال أنشدني الحسين بن أحمد ابن عثمان


اليأس أدبني ورفع همتي ... واليأس خير مؤدب للناس ... إني رأيت مواضع الطمع الذي ... يضع الشريف مواضع الإخساس ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... فأجمعت يأسا لا لبانة بعده ... ولليأس أدنى للعفاف من الطمع ... والنفس تطمع هشة إن أطمعت ... وتنال باليأس السلو فتقنع ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا يزيد بن عبد الصمد حدثنا يحيى بن صالح حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سعد بن عمارة أنه لما قال لابنه يا بني أظهر اليأس فإنه غنى وإياك والطمع فإنه فقر حاضر قال أبو حاتم رضى الله عنه أشرف المنى ترك الطمع إلى الناس إذ لا غنى لذي طمع وتارك الطمع يجمع به غاية الشرف فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصره الطمع ومن أحب أن يكون حرا فلا يهوى ما ليس له لأن الطمع فقر كما أن اليأس غنى ومن طمع ذل وخضع كما أن من قنع عف واستغنى ولقد أنشدني الكريزي ... لا خير في عزم بغير رويه ... والشك عجز إن أردت سراحا ... واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... فكنت لي أملا دهلا أطالبه ... فغيرته صروف الدهر أطوارا ... صرفت باليأس عنه النفس فانصرفت ... فما أبالى أقام الدهر أم سار ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا عبد الله بن أبي شيبه حدثنا عبد الله بن مروان حدثنا محمد بن هانيء الطائي قال بعث أبو الأسود الديلي إلى جار


يقترض منه فلم يقرضه واعتل عليه وكان حسن الظن به فقال أبو الأسود ... لاتشعرن النفس يأسا فإنما ... يعيش بجد عاجز وجليد ... ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكل قريب لا ينال بعيد ... وفوض إلى الله الأمور فإنما ... يروح بأرزاق العباد جدود ... أنبأنا القطان بالرقة حدثنا المروزي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول سمعت ابن السماك يقول الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك ينفك القيد من رجلك قال أبو حاتم رضى الله عنه الطمع غدة من قلب المرء له طرفان أحدهما القيد في رجليه والآخر الطبع على لسانه فما دامت العقدة فائمة لا تنفك رجلاه ولا ينطق لسانه فإذا أخرج الطمع من قلبه انفك القيد من رجليه وزال الطبع عن لسانه فسعى إلى ما شاء وقال ما أحب ودواء زوال الطمع عن القلب هو رؤية الأشياء من مكونها بدوام الخلوه وترك الناس كما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... كن اقعر البيت حلسا ... وارض بالوحدة أنا


لست بالواجد حرا ... أو ترد اليوم أمسا ... فاغرس اليأس بأرض الزهد ... ما عمرت غرسا ... وليكن يأسك دون الطمع ... الكاذب ترسا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يجتنب الطمع إلى الأصدقاء فإنه مذلة ويلزم اليأس عن الأعداء فإنه منجاة وتركه مهلكه والأياس هو بذر الراحة والعز كما أن الطمع هو بذر بالتعب والذل فكم من طامع تعب وذل ولم ينل بغيته وكم من آيس استراح وتعزز وقد أتاه ما أمل وما لم يأمل وأنشدني الأبرش ... يعرى ويغرث من أمسى على طمع ... من المكارم وهو الطاعم الكاسي ... إن المطامع ذل للرقاب ولو ... أمسى أخوها مكان السيد الراس ... وأنشدني محمد بن اسحق الواسطي ... ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما ... ولست بلوام على الأمر بعد ما ... يفوت ولكن على أن أتقدما ... أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضيل بن يوسف الكوفي حدثنا عبد الله ابن جبله الكناني عن معاوية بن عمار عن أبي جعفر قال اليأس عما في أيدي الناس عز ثم قال أما سمعت قول حاتم الطائي ... إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى ... إذا عرفته النفس والطمع الفقر ... ذكر الحث على مجانبة المسألة وكراهيتها حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر بن عمرو القرشي بالبصرة حدثنا عبد الواحد ابن غياث حدثنا حماد بن سلمة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأتي بحزمة حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل مجانبة المسألة على الأحوال كلها ولزوم ترك التعرض لأن الإفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهانة في نفسه ويحطه رتوة عن مرتبته وترك العزم على الإفكار في السؤال يورث المرء عزا في نفسه ويرفعه درجه عن مرتبته ولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفيض بن الخضر التميمي حدثني عبد الله ابن خبيق قال قال موسى بن طريف إن الحاجة تعرض لي إلى الرجل فيخرج عزي من قلبي قطع الحاجة من ناحيته فيرجع عزي إلى قلبي وأنشدني الكريزي قال أنشدنا الحسن بن أحمد لعلى بن الجهم ... هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل ... وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل ... فلا غار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل ... أخبرنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا خالد ابن عبد الله حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال من سأل الناس ليثرى ماله فإنما هو رضف من النار يلقمه فمن شاء استقل ومن شاء استكثر أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو عباد يحيى بن عباد حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت مطرف بن عبد الله يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته فقال يا بني إياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يسأل الناس شيئا فيردوه ولا يلحف في المسألة فيحرموه ويلزم التعفف والتكرم ولا يطلب الأمر مدبرا ولا يتركه


مقبلا لأن فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها وإن من يسأل غير المستحق حاجة حط لنفسه مرتبتين ورفع المسؤول فوق قدره أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن مؤمل المصري قال سمعت حامد بن يحيى يقول سمعت سفيان بن عيينه يقول من يسأل نذلا حاجة فقد رفعه عن قدره أنشدني ابن زنجي البغدادي ... ذل السؤال شجى في الحلق معترض ... من دونه شرف من خلفه جرض ... ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهى إذا أفنيته عوض ... وأنشدني محمد بن عبد الله المؤدب ... ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا وإن نال الغنى بسؤال ... وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال ... وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرم المفضال ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أبو جعفر ابن ابنة أبي سعيد التغلبي الدمشقي حدثنا حاجب بن أبي علقمة العطاردي قال سمعت أبي يقول قال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابن أخيه يا بني أخي إذا كانت لك حاجة إلى فاكتب بها في رقعه فإني أصون وجهك عن ذل السؤال وأنشدني ذلك ... يا أيها المتعب بذل السؤال ... وطالب الحاجات من ذوي النوال ... لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال ... كلاهما موت ولكن ذا ... أعظم من ذاك لذل السؤال ... قال أبو حاتم رضى الله عنه أعظم المصائب سوء الخلف والمسألة من الناس والهم بالسؤال نصف الهرم فكيف المباشرة بالسؤال ومن عزت عليه نفسه


صغرت الدنيا في عينيه ولا ينبل الرجل حتى يعف عما في أيدي الناس ويتجاوز عما يكون منهم والسؤال من الإخوان ملال ومن غيرهم ضد النوال وأنشدني الأبرش ... أنبل بنفسك أن تكون حريصة ... إن الحريص إذا يلح يهان ... من يكثر التسآل من إخوانه ... يستثقلوه وحظه الحرمان ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... أتيت أبا عمرو أرجى عطاءه ... فزاد أبو عمرو على حزني حزنا ... فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فبات بلا أذن ولم يستفد قرنا ... حدثنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال كان أكثم بن صيفي يقول السؤال وإن قل أثمن من النوال وإن جل قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للعاقل أن يبذل وجهه لمن يكرم عليه قدره ويعظم عنده خطره فكيف بمن يهون عليه رده ولا يكرم عليه قدره وأبعد اللقاء الموت وأشد منه الحاجة إلى الناس دون السؤال وأشد منه التكلف بالسؤال لأن السؤال إذا كان بجناح الحاجة مقرونا لم يخل من أن يكون فيه ذل السؤال وإذا الحاجة لم تقض كان فيه ذلان موجودان ذل السؤال وذل الرد وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... لا يحس الصديق منك بفقر ... لا ولا والد ولا مولود ... ذاك ذل إذا سألت بخيلا ... أو سألت الذي عليك يجود ... أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ببغداد حدثنا علي بن الجعد أنبأنا شعبة عن الأعمش قال سمعت المعرور بن سويد يحدث عن عبد الله قال إن في


طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة إذا أعطاه حمد غير الذي أعطاه وإن منعه ذم غير الذي منعه قال أبو حاتم رضى الله عنه لو لم يكن في السؤال خصلة تذم إلا وجود التذلل في النفس عند الإهتمام بالسؤال وإبدائه لكان الواجب على العاقل أن لو أضطره الأمر إلى أن يستف الرمل ويمص النوى أن لا يتعرض للسؤال أبدا ما وجد إليه سبيلا فأما من دفعه الوقت إلى ذلك فسأل من يعلم أنه يقضي حاجته أو ذا سلطان لم يحرج في فعله ذلك كما لم يحرج في القبول إذا أعطى من غير مسألة ومن استغنى بالله أغناه الله ومن تعزز بالله لم يفقره كما أن من أعتز بالعبيد أذله ولقد أنبأنا سعيد بن محمد القزاز حدثنا أبو الهيثم الرازي حدثنا خالد بن يزيد حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن معمر قال قال أبو معاوية رجل من ولد كعب بن مالك لقد رأيتني أنضح أول النهار وأضرب آخر النهار على بطني بالمعول في المعدن قال قلت لقد لقيت مؤونة قال أجل إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة فوجدناها من الحجارة أسهل علينا ذكر الحث على لزوم القناعة حدثنا حسن بن سفيان الشيباني حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا محمد ابن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل


قال أبو حاتم رضى الله عنه قد مكثت برهة من الدهر متوهما أن الأعمش لم يسمع هذا الخبر من ليث بن أبي سليم فدلسه حتى رأيت على بن المديني حدث بهذا الخبر عن الطفاوي عن الأعمش قال حدثني مجاهد فعلمت حينئذ أن الخبر صحيح لا شك فيه ولا امتراء في صحته فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبة الإكثار من الثروة بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا ولقد أخبرني محمد بن عثمان العقبي حدثني جعفر بن سنيد بن داود حدثني ابي حدثني حجاج حدثنا عتبة بن سالم قال قال أكثم بن صيفي لإبنه يا بني من لم يأس على ما فاته ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه وأنشدني علي بن محمد البسامي ... من تمام العيش ما قرت به ... عين ذي النعمة أثرى أو أقل ... وقليل أنت مسرور به ... لك خير من كثيرفي دغل ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... أقول للنفس صبرا عند نائبة ... فعسر يومك موصول بيسر غد ... ما سرني أن نفسي غير قانعه ... وأن أرزق هذا الخلق تحت يدي ... أنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن عيسى بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال أربع قد فرغ منها الخلق والخلق والرزق والأجل وليس أحد بأكسب من أحد قال أبو حاتم رضى الله عنه من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرا


القناعه وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقه بالقسم ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل لكان الواجب على العاقل أ لا يفارق القناعة على حالة من الأحوال ولقد أنبأنا عمر بن حفص بن عمرو البزار حدثنا أبو مسعود حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل حدثنا عبد الله بن إبراهيم المدني حدثنا أبو بكر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال القناعة مال لا ينفذ سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول قال محمد بن حميد الأكاف ... تقنع بالكفاف تعش رخيا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف ... ففي خبز القفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات عني وكاف ... وفي الثوب المرقع ما يغطى ... به من كل عرى وانكشاف ... وكل تزين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف ... وأنشدني الكريزي ... لعمرك ما طول التعطل ضائري ... ولا كل شغل فيه للمرء منعفه ... إذا كانت أرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم راحة الدعه ... وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا رب ضيق في عواقبه سعه ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... الحمد لله حمدا دائما أبدا ... لقد تزين أهل الحرص والشين ... لا زين إلا لراض في تقلله ... إن القنوع لثوب العز والدين ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يعلم أن الإنسان لم يوضع على قدر الأحظاء وأن من عدم القناعة لم يزده المال غنى فتمكن المرء بالمال القليل مع


قلة الهم أهنأ من الكثير ذي التبعة والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع كما ينتصر من العدو بالقصاص لأن السبب المانع رزق العاقل هو السبب الجالب رزق الجاهل وأنشدني محمد بن سعيد القزاز انشدنا محمد بن خلف التيمي أنشدني رجل من خزاعه ... رأيت الغنى والفقر حظين فسما ... فأحرم محتال وذو العي كاسب ... فهذا ملح دائب غير رابح ... وهذا مريح رابح غير دائب ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... إذا المرء لم يقنع بعيش فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر ... إذا كان فضل الناس يغنيك بينهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر ... أخبرنا أحمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان حدثنا نعيم بن حماد فال سمعت ابن المبارك يقول مروءة القناعة أفضل من من مروءة الإعطاء قال أبو حاتم رضى الله عنه القناعة تكون بالقلب فمن غنى قلبه غنيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنا ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد ولقد أحسن الذي يقول ... فما كل ما حاز الفتى من تلاده ... بكيس ولا ما فاته بتوان ... فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يصطرعان ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجثمي عن المديني قال كان يقال مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء


وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي أنشدنا ابن عائشة ... غنى النفس يغني النفس حتى يعفها ... وإن مسها حتى بها يضر الفقر ... وما شدة فاصبر لها إن لقيتها ... بدائمة إلا سيتبعها يسر ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... فيارب كره جاء من حيث لم تخف ... ومسرور امر بالذي انت خائف ... ارى الناس ما لم تبل إخوان ظاهر ... وإن تبل تنكر جل ما أنت عارف ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا إبراهيم بن مهدي الأبلى حدثني محمد بن يحيى بن أبي عمر قال سمعت سفيان بن عيينه وذكر عنده الفضل ابن الربيع وضرباؤه فأنشأ سفيان يقول ... كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف ... ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف ... قال أبو حاتم رضى الله عنه من نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة بل لعجز وفشل فمثله كمثل حمار السوء الذي يعرج بخفة حمله ويحزن إذا رأى العلف يؤثر به ذو القوة والحمل الثقيل فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه والشرة اللئيم أتعب قلبه وجسمه والكرام أصبر نفوسا واللئام أصبر أجسادا وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي ... لعمرك ما الأرزاق من حيلة الفتى ... ولا سبب في ساحة الحي ثاقب ... ولكنها الأرزاق تقسم بينهم ... فما لك منها غير ما أنت شارب ... وأنشدني محمد بن سعيد أنشدني هلال بن العلاء الباهلي ... تجمل إذا ما الدهر أولاك غلظة ... فإن الغني في النفس لا في التمول ... يزين لئيم القوم كثرة ماله ... وما زين الأقوام مثل التجمل


حدثنا الحسين بن سفيان حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا بن يحيى الصائغ قال قال الخليل بن أحمد ... إن لم يكن لك لحم ... كفاك خل وزيت ... إن لا يكن ذا وهذا ... فكسرة وبييت ... تظل فيه وتأوى ... حتى يجيئك موت ... هذا لعمري كفاف ... فلا يغرك ليت ... أنبأنا كامل بن مكرم حدثنا محمد بن مروان البيروتي حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى 16 97 فلنحيينه حياة طيبة قال القناعة ذكر الحث على لزوم التوكل علىمن ضمن الآرزاق أنبأنا زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي بالبصرة أنبأنا أبو الربيع الزهراني حدثنا المقريء حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة قالا حدثنا أبو هاني حميد بن هاني الخولاني قال سمعت أبا عبد الرحمن الحبلول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قدر الله المقادير قبل ان يخلق السموات والآرض بخمسمائة سنة قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق إذ التوكل هو نظام الإيمان وقرين التوحيد وهو السبب المؤدي إلى نفى الفقر ووجود الراحة وما توكل أحد على الله جل وعلا من صحة قلبه حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله الله إلى عباده وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... توكل على الرحمن في كل حاجة ... أردت فإن الله يقضي ويقدر


متى ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخير ... وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر ... وأنشدني على بن محمد البسامي ... أحسن الظن بمن قد عودك ... كل إحسان وسوى أودك ... إن من قد كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك ... أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان حدثنا أبو مروان الأزرق حدثنا الوليد عن ابن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... لو كان في صخرة في البحر راسية ... صماء ملمومة ملس حواليها ... رزق لعبد براه الله لا نفلقت ... حتى تؤدي إليه كل ما فيها ... أو كان بين طباق السبع مطلبه ... يوما لسهل في المرقى مراقيها ... حتى ينال الذي في اللوح خط له ... إن هو أتاه وإلا فهو آتيها ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني محمد بن الحسين العمي ... سل الحاجات من سيد ... ليس له ستر ولا حاجب ... يعطى عطاياه إذا شاءها ... من غير توقيع إلى كاتب ... حدثنا محمد بن الحسين بن الخليل بنسا حدثنا القطواني حدثنا سنان حدثنا رياح القيسي قال إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم يحملون أرزاقهم على درجاتهم ثم قال أيما عبد من عبادي جعل همه هما واحدا فضمنوا السموات والأرضين وبنى آدم رزقه وأي عبد طلب رزقه أعطوه رزقه حيث أراده فإن تحرى مكاسبه بالعدل فطيبوا له رزقه وإن تعدى إلى الحرام فليأخذه من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا فلا يأخذن من حلالها ولا من حرامها فوق الدرجه التي كتبت له قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يعلم أن الأرزاق قد فرغ منها وتضمنها العلي الوفي على ان يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها والاشتغال بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسع في قصده أتاه رزقه من حيث لم يحتسب وانشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... لما رأيتك قاعدا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين ... فارفض لها وتعر عن أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين ... هون عليك وكن بربك واثقا ... فأخو التوكل شأنه التهوين ... طرح الأذى عن نفسه في أمره ... من كان يعلم أنه مضمون ... حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل قال جاء سائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت تمرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاك لو لم تأتها أتتك وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... فنحن بتوفيق الإله وامره ... على كل حال أمرنا متوسع ... عطاء مليك لا يمن عطاؤه ... خبير بما تحني عليه الأضالع ... أنبأنا محمد بن إبراهيم الشافعي حدثنا داود بن أحمد الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال سمعت الفضيل بن عياض يقول ما أهتممت برزق قط قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوى وليس بكائن ولا لما لا يهوى وهو لا محالة كائن فما كان

من هذه الدنيا أتى المرء من غير تعب فيه وما كان عليه لم يدفعه بقوته ولا يدرك بالطلب المحروم كما لا يحرم بالقعود المرزوق ولقد أحسن الذي يقول ... ينال الغنى من ليس يسعى إلى الغنى ... ويحرم من يسعى له ويداوم ... وما العجز يحرمه ولا الحرص جالب ... وما هو إلا حظوه ومقاسم ... وأنشدني عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا العتبي ... ورزق الخلق مقسوم عليهم ... مقادير يقدرها الجليل ... فلا ذو المال يرزقه بعقل ... ولا بالمال تقتسم العقول ... أنبأنا الهيثم بن خلف الدوري ببغداد قال سمعت اسحاق بن موسى الأنصاري يقول سمعت يمان النجراني وكان لا يدخر شيئا يقول مررت براهب في قارعة فلاة من الأرض وأنا جائع فقلت يا راهب هل عندك من فضل فادلى إلى زنبيلا فيه فلق من خبز فأكلت منها ورميت إليه الباقي فقال تزوده قلت الذي أطعمني في هذا الموضع وليس فيه انسى يطعمني إذا جعت ولا يكون معي شيء وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... لا تتهم ربك فيما قضى ... وهون الأمر وطب نفسا ... لكل هم فرج عاجل ... يأتي عل المصبح والممسي ... قال أبو حاتم رضى الله عنه التوكل هو قطع القلب عن العلائق برفض الخلائق وإضافته بالأفتقار إلى محول الأحوال وقد يكون المرء موسرا في ذات الدنيا وهو متوكل صادق في توكله إذا كان العدم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما يشكر عند الوجود ويرضى عند العدم وقد يكون المرء لا يملك شيئا من الدنيا بحيلة من الحيل وهو غير متوكل إذا كان الوجود أحب إليه من العدم فلا هو في العدم يرضى حالته ولا عند الوجود يشكر مرتبته

وانشدني الكريزي ... فلو كانت الدنيا تنال بفطنة ... وفضل عقول نلت أعلى المراتب ... ولكنما الأرزاق حظ وقسمه ... بملك مليك لا بحيلة طالب ... وأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق ... ألا ترى الدهر لا تفنى عجائبه ... والدهر يخلط ميسورا بمعسور ... وليس للهو إلا كل صافية ... كأنها دمعة من عين مهجور ... أنبأنا علي بن سعيد العسكري حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا سهل بن عاصم حدثنا نافع بن خالد قال دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق فخضنا فيه وهي ساكتة فلما فرغنا قالت رابعة العدوية خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت هذا الباب بالعلل والحكايات على التقصي في كتاب التوكل فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ذكر الحث على لزوم الرضا بالشدائد والصبر عليها أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا أحمد بن جميل المروزي حدثنا ابن المبارك أنبأنا عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله القلم ثم أمره فكتب ما يكون إلى يوم القيامة قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فرغ منها فمنها ما هو كائن لا محالة ومالا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يتزر بإزار له طرفان أحدهما الصبر والآخر الرضا ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك فكم من شدة قد صعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة

ولقد أنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... كم من أمر قد تضايقت به ... فأتاني الله منه بالفرج ... ولعبد مؤيس قربه ... قدر الله فعاد بالنهج ... فله الحمد على ذي سرمدا ... ما أضاء الصبح يوما وبلج ... وكذاك الله رب قادر ... يصلح الأمر الذي فيه عوج ... وله الحمد على آلائه ... يستديم اليسر منه والفلج ... حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الحجاج الأزدي قال سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر قال أذا علم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئة وما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنشدني الأبرش ... هون على نفسك من سعيها ... فليس ما قدر مردود ... وأرض بحكم الله في خلقه ... كل قضاء الله محمود ... أنبأنا عبد الله بن قحطبة الطرحي حدثنا منصور بن قدامة الواسطي حدثنا محمد بن كثير عن معمر قال لما حاصر الحجاج ابن الزبير بمكة جعلت الحجارة تضرب الحائط فقيل له لا نأمن عليك أن يصيبك منها حجر فقال ابن الزبير ... هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها ... فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها ... أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان عن مسعر أن رجلا ركب البحر فكسر به فوقع في جزيرة من جزائر البحر فمكث فيها ثلاثا لا يرى أحدا ولا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا فأيس من الحياة فتمثل ... إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب

فأجابه مجيب يقول ... عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب ... فنظر فإذا سفينة في البحر فلوح لهم فأتوه فحملوه وأصاب معهم خيرا ورجع إلى أهله سالما وأنشدني محمد بن جعفر الهمذاني بصور على ساحل بحر الروم ... لاتضيقن في الأمور فقد تكشف ... غماؤها بغير اختيال ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... عسى فرج يأتى به الله إنه له كل يوم في خليقته أمر ... عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى ... له فرجا مما ألح به العسر ... إذا اشتد عسرفارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر ... أنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال لما حدث شريك بحديث الأعمش عن سلمان عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإذا خالفوكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأببيدوا خضراءهم فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء فسعى به إلى المهدي فبعث إلى شريك فأتاه فقال حدثت بها قال قلت نعم قال عمن رويتها قلت عن الأعمش قال ويلي عليه لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار قلت إن كان لمأمونا على ما روى قال يا زنديق لأقتلنك قلت الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم قال والله لأقتلنك قلت أو يكفي الله قال فخرجنا من عنده فإستقبلني الفضل بن الربيع فقال ليس لك موضع تهرب اليه قلت بلى قال فإنه قد أمر بقتلك قال فخرجت إلى جبل فخرجت يوما أتجسس الخبر فأقبل ملاح من بغداد

فاستقبله ملاح آخر من البصرة فسأله ما الخبر قال مات أمير المؤمنين قلت يا ملاح قرب فقرب وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... وللمقادير أسباب وأبواب ... ما اشتد عسر ولا انسدت مذاهبه ... إلا تفتح من مسروره باب ... وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده ... وغمرة كرب فرجت لكظيم ... هو الدهر يوم يوم بؤس وشدة ... ويوم سرور للفتى ونعيم ... أنبأنا أبو عوانه يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الوهاب النيسابوري حدثنا بشر بن عبد الحكم عن علي بن عثام قال رئى إبراهيم بن أدهم متنفط الرجلين رافعهما على ميل وهو يقول ولنبلونكم حتى 47 31 نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم أنبأنا القطان بالرقه حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا عبد العزيز بن عمير عن عطاء الأزرق عن عبد الواحد بن زيد قال قلت للحسن يا أبا سعيد من أين أتى هذا الخلق قال من قلة الرضا عن الله قلت ومن أين أوتى قلة الرضا عن الله قال من قلة المعرقة بالله

قال أبو حاتم رضى الله عنه يجب على العاقل إذا كان مبتدئا أن يلزم عند ورود الشدة عليه سلوك الصبر فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما إذ هو بذر الخير وأساس الطاعات ولقد أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا طاهر بن الفضل بن سعيد حدثنا سفيان بن عبينه قال سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم قال أوحى الله إلى داود يا داود أصبر على المؤنة تأتك منى المعونه وأنشدني عبد الله بن الأحوص بن عمار القاضي ... صبرا جميلا على ما ناب من حدث ... والصبر ينفع أحيانا إذا صبروا ... الصبر أفضل شيء تستعين به ... على الزمان إذا مامسك الضرر ... وأنشدني إبراهيم بن محمد بن سهل أنشدني أبو يعلى الموصلي ... إني رأيت وفي الأيام تجربه ... للصبر عاقبة محموده الأثر ... وقل من جد في شيء يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... أتاك الروح والفرج القريب ... وساعدك القضاء فلا تخيب ... صبرت فنلت عقبى كل خير ... كذاك لكل مصطبر عقيب ... أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن علي قال سمعت مضر أبا سعيد يقول قال عبد الواحد بن زيد ما أحببت أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا وهو رأس المحبة قال أبو حاتم رضى الله عنه الصبر جماع الأمر ونظام الحزم ودعامة العقل وبذر الخير وحيلة من لا حيلة له وأول درجته الإهتمام ثم التيقظ ثم التثبت ثم التصبر ثم الصبر

ثم الرضا وهو النهاية في الحالات ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبى حدثنا شعيب بن عبد الله البزار حدثنا غيلان عن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال ما نال عبد شيئا من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... فما شدة يوما وإن جل خطبها ... بنازلة إلا سيتبعها يسر ... وإن عسرت يوما على المرء حاجة ... وضاقت عليه كان مفتاحها الصبر ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول ... فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل ... فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل ... ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل مالا تستطيع فتحمل ... وأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي ... إني رأيت الخير في الصبر مسرعا ... وحسبك من صبر تحوز به أجرا ... عليك بتقوى الله في كل حالة ... فإنك إن تفعل تصيب به ذخرا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الصبر على ضروب ثلاثة فالصبر عن المعاصي والصبر على الطاعات والصبر عند الشدائد المصيبات فأفضلها الصبر عن المعاصي فالعاقل يدبر أحوالة بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عن الله جل وعلا في حال العسر واليسر معا أسأل الله الوصول إلى تلك الدرجة بمنه

وأنشدني عبد الله بن الأحوص ... تعز بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم ... إذا أنت لم تسل اصطبارا وخشية ... سلوت على الأيام مثل البهائم ... وليس يذود النفس عن شهواتها ... من الناس إلا كل ماضي العزائم ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... غاية الصبر لذيذ طعمها ... وبدي الصبر منه كالصبر ... إن في الصبر لفضلا بينا ... فاحمل النفس عليه تصطبر ... وأنشدني الكريزي ... صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم ... ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يضرم ويصرم ... أنبأنا محمد بن زنجوية القشيري حدثنا عبد الأعلى عن حماد النرسي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن معاذة امرأة صلة بن أشيم قالت لما أتاها نعى زوجها وابنها جاءها النساء فقالت إن كنتن جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا الله به وإلا فإرجعن قال ثابت وكان صلة يأكل يوما فأتاه رجل فقال مات أخوك قال هيهات قد نعى إلى اجلس فكل قال الرجل ما سبقني إليك أحد فقال قال الله 39 30 إنك ميت وإنهم ميتون حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له محمد ... اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد ... وإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاذكر مصابك بالنبي محمد ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي


يعزي المعزي ثم يمضي لشأنه ... ويبقى المعزي في أحر من الجمر ... ويرمي المعزي بعد ذاك بسلوة ... ويثوى المعزى عنه في وحشة القبر ... وأنشدني المنتصر بن بلال ... من يسبق السلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر ... يا عجبي من هلع جازع ... يصبح بين الذم والوزر ... مصيبة الإنسان في دينه ... أعظم من جائحة الدهر ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... حاذرت واقعها أو لم تكن حذرا ... والعسر عن قدر يجري إلى يسر ... والصبر أفضل شيء وافق الظفرا ... سمعت إسحاق بن أحمد القطان البغدادي بتستر يقول كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم فقال لي دخلت يوما على أحمد بن حنبل فإذا هو مغموم مكروب فقلت ما لك يا أبا عبد الله قال خير قلت وما الخير قال امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني وبرأت إلا أنه بقى في صلبي موضع يوجعني هو أشد علي من ذلك الضرب قال قلت اكشف لي عن صلبك قال فكشف لي فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط فقلت ليس لي بذي معرفة ولكن سأستخبر عن هذا قال فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس وكان بيني وبينه فضل معرفة فقلت له أدخل الحبس في حاجة قال أدخل فدخلت وجمعت فتيانهم وكان معي دريهمات فرقتها عليهم وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي ثم قلت من منكم ضرب أكثر قال فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضربا وأشدهم صبرا قال فقلت له أسألك عن شىء فقال هات فقلت شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع


للقتل سياطا يسيرة إلا أنه لم يمت وعالجوه وبرأ إلا أن موضعا في صلبه يوجعه وجعا ليس له عليه صبر قال فضحك فقلت مالك قال الذي عالجه كان حائكا قلت إيش الخبر قال ترك في صلبه قطعة لحم ميته لم يقلعها قلت فما الحيله قال يبط صلبه وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته قال فخرجت من الحبس فدخلت على أحمد ابن حنبل فوجدته على حالته فقصصت عليه القصة قال ومن يبطه قلت أنا قال أو تفعل قلت نعم قال فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان وعلى كتفه فوطة فوضع إحداهما لي والأخرى له ثم قعد عليها وقال استخر الله فكشفت الفوطة عن صلبه وقلت أرني موضع الوجع فقال ضع إصبعك عليه فإني أخبرك به فوضعت إصبعي وقلت ها هنا موضع الوجع قال ههنا أحمد الله على العافيه فقلت ها هنا قال هاهنا أحمد الله على العافيه فقلت هاهنا قال هاهنا أسأل الله العافيه قال فعلمت انه موضع الوجع فال فوضعت المبضع عليه فلما أحس بحرارة المبضع وضع يده على رأسه وجعل يقول اللهم أغفر للمعتصم حتى بططته فأخذت القطعه الميتة ورميت بها وشددت العصابة عليه وهو لا يزيد على قوله اللهم أغفر للمعتصم قال ثم هدأ وسكن ثم قال كأني كنت معلقا فأصدرت قلت يا أبا عبد الله إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم ورأيتك تدعو للمعتصم قال إني أفكرت فيما تقول وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة هو مني في حل


ذكر الحث على العفو عن الجاني حدثنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز ابن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريره قال أتى رجل فقال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ويسيئون إلي وأحسن اليهم ويجهلون على وأحلم عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل ولا يزال من الله معك ظهير ما زالت على ذلك قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة وترك الخروج لمجازاة الإساءة إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الأستعمال بمثلها ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي ... سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلى الجرائم ... فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم ... فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم ... وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم ... وأما الذي مثلى فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الحلم للفضل حاكم ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا محمد بن عامر الأنطاكي حدثنا ابن توبة حدثنا محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة بن جليس قال ثلاثة يحبهم الله


من كره سوءا يأتيه إلى أخيه وصاحبه فذلك قمن ان يستحى من الله ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع لله فذلك الذي عرف عظمة الله فيخاف مقته ومن كان عفوة قريبا من إساءته فذلك تقوم به الدنيا قال أبو حاتم رضى الله عنه من أراد الثواب الجزيل واسترهان الود الأصيل وتوقع الذكر الجميل فليتحمل من ورود ثقل الردى ويتجرع مرارة مخالفة الهوى باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع والإعطاء عند المنع والحلم عند الجهل والعفو عند الظلم لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون عن داود بن الزبرقان قال قال أيوب لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان العفة عما في أيدي الناس والتجاوز عنهم وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... وإذا مذنب أتاه به الحق ... فغطاه عفوه في ستورة ... راجيا للثواب في كل زرء ... من خفى الأمور أو مشهورة ... فهو في عاجل الحياة كريم ومن الفائزين يوم نشورة ... خصلة جزلة بها خصة الله ... لزين الدنيا ويوم كروره ... أنبأنا محمد بن اسحاق بن خزيمة حدثنا عمر بن حفص الشيباني حدثنا سفيان عن رجل قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول أحب الأمور إلى الله ثلاثة العفو في القدرة والقصد في الجدة والرفق في العبادة وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال كتب الحجاج إلى عبد الملك إنك أعز ما تكون احوج ما تكون إلى الله فإذا تعززت بالله فاعف فإنك به تعز وإليه ترجع


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته ولقد أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن داود التمار قال سمعت مردويه الصائغ يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول احتمل لأخيك إلى سبعين زلة قيل له وكيف ذلك يا أبا علي قال لأن الأخ الذي آخيته في الله ليس يزل سبعين زلة أنشدني علي بن محمد البسامي ... إذا لم تجاوز عن أخ لك عثرة ... فلست غدا من عثرتي متجاوزا ... وكيف يرجيك البعيد لنفعه ... إذا كان عن مولاك برك عاجزا ... أنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا الرمادي حدثنا الجعفي يحيى بن سليمان حدثنا ابن ابجر حدثني ابي قال أقبل الشعبي يوما فإذا هو برجلين من قومه من وراء جدار قصير قال فاستمع عليهما فإذا هما يقعان فيه ويشتمانه وينتقصانه حتى أكثرا فلما أطالا أشرف عليهما الشعبي فقال ... هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت ... فقالا والله يا أبا عمرو لا نقع فيك بعد اليوم وأنشدني بعض أهل العلم ... ولربما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حره بتأوه ... ولربما خزن الحليم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه ... وأنبأنا أبو عوانه يعقوب بن إبراهيم أنبأنا عبد الله بن الحسين المصيصي


أنبأنا يعقوب بن أبي عباد قال قال الفضيل بن عياض من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ قال أبو حاتم رضى الله عنه أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء اليه فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق فلربما استعملها البهائم في الأوقات ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم بالمجازاة على الإساءة إساءة ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء وإن لم يكن بادئا كما أنشدني الكريزي ... أسأت وأنكرت أني أسأت ... فأفضل ولا تك عين المسي ... لك الفضل بالعفو عما عفوت ... وإلا فأنت القرين السوى ... وعفوك مقتدرا نعمة ... وعفو المندد غير الهني ... سمعت محمد بن عثمان العقبي قال سمعت هلال بن العلاء الباهلي يقول جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة أن لا أكافيء أحدا بسوء وذهبت إلى هذه الأبيات ... لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت قلبي من غم العداوات ... إني أحيى عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات ... وأظهر البشر للأنسان أبغضه ... كأنما قد حشى قلبي محبات ... أنبأنا ابن قتيبة حدثنا ابن أبي السرى قال سمعت أبا عمر الصنعاني يقول حدثنا زيد بن أسلم قال قال لقمان لابنه كذب من قال إن الشر يطفيء الشر فإن كان صادقا فليوقد نارا إلى جنب نار فلينظر هل تطفيء إحداهما الأخرى وإلا فإن الخير يطفيء الشر كما يطفيء الماء النار


حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن خلف البسامي حدثنا محمد بن عبيد الله الداري حدثنا محمد بن عمران الضبي قال قال ابن السماك لن لمن يجفو فقل من يصفو وأنشدني الأبرش ... توخ من السبل أوساطها ... وعد عن الحائر المشتبه ... وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به ... فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه ... فكم أزعج الحرص من طالب ... فوافى المنية في مطلبه ... أنبأنا عمر بن جفص البزاز بجنديسابور حدثنا جعفر بن محمد بن حبيب الذراع حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا مجاعة بن الزبير قال قال لقمان لابنه أي بني أي شيء أقل وأي شيء أكثر وأي شيء أحلى وأي شيء أبرد وأي شيء آنس وأي شيء أوحش وأي شيء أقرب وأي شيء أبعد قال أما أقل شيء فاليقين وأما أي شيء أكثر فالشك وأما أي شيء أحلى فروح الله بين العباد يتحابون بها وأما أي شيء أبرد فعفو الله عن عباده وعفو الناس بعضهم عن بعض وأي شيء آنس حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد وأي شيء أوحش جسد إذا مات فليس شيء أوحش منه وأي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا وأي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يحسن عند الجفوة ويغضي عن المجازاة عليها بمثلها وقد قيل إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة وهو عندي والله أعلم غضب لا يخرجه إلى المعاصي ولا إلى الانتقام من الجاني كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة منه كما يعقل ورود النعمة عليه وما


أقبح قدرة اللئيم إذا قدر ومن أساء سمعا أساء إجابة ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ لأن الشرور تبدو صغارا ثم تعود كبارا ولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا محمد بن إدريس الرازي حدثنا عبد الرحمن بن يحيى وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي قالا حدثنا عبد الأعلى ابن مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول لبنيه يا بني أكرموا من أكرمكم وإن كان عبدا حبشيا وأهينوا من أهانكم وإن كان رجلا قرشيا قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا الذي قال إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير فأما من ارتفع عن حد الجهال واتضع عن حد العقلاء فالإغضاء عن مثله في الأوقات أحمد مخافة الازدياد منه ولان يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الإنتقام مما يستجلب عليه بما هو أحر وأمر مما مضى لأن من الكلام ما هو أشد من الحجر وأنفذ من الإبر وأمر من الصبر ولقد أحسن الذي يقول ... لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي تصدع ... فأبدي لمن أبداه منى بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمع ... وما ذاك عن عجز به غير أنني ... أرى ان ترك الشر للشر أقطع ... أنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا أحمد بن مقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن ابيه عن أبي عمرو في هذه الآية ( 7 199 ) خذ العفو وأمر بالعرف قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أخلاق الناس ذكر صفة الكريم واللئيم أنبأنا محمد بن الحسن بن الخليل بنسا حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة


ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله أي الناس أكرم قال أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألونني قالوا نعم قال خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا قال أبو حاتم رضى الله عنه أكرم الناس من اتقى الله والكريم التقي والتقوى هي العزم على إتيان المأمورات والأنزجار عن جميع المزجورات فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم ومن ترى عن استعمالها أو أحدهما أو شعبه من شعبهما فقد نقص من كرمه مثله ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا عيسى بن محمد بن سهل الأزدي عن أبيه عن المدائني قال قال قال زيد بن ثابت ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملالة وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... رأيت الحق يعرفه الكريم ... لصاحبه وينكره اللئيم ... إذا كان الفتى حسنا كريما ... فكل فعاله حسن كريم ... إذا ألفيته سمحا لئيما ... فكل فعاله سمج لئيم ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الكريم لا يكون حقودا ولا حسودا ولا


شامتا ولا باغيا ولا ساهيا ولا لاهيا ولا فاجرا ولا فخورا ولا كاذبا ولا ملولا ولا يقطع إلفه ولا يؤذي إخوانه ولا يضيع الحفاظ ولا يجفو في الوداد يعطي من لا يرجو ويؤمن من لا يخاف ويعفو عن قدرة ويصل عن قطيعة أخبرني محمد بن أبي على الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن علي بن محمد المرحبي عن محمد بن إبراهيم العباسى عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي عن إبراهيم بن شكله قال إن لكل شيء حياة وموتا وإن مما يحيى الكرم مواصلة الكرماء وإن مما يحيى اللؤم معاشرة اللئام وأنشدني الكريزي ... وما بال قوم لئام ليس عندهم ... عهد وليس لهم دين إذا أئتمنوا ... إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منا وما سمعوا من صالح دفنوا ... صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا ألطف والكريم يجل الكرام ولا يهين اللئام ولا يؤذي العاقل ولا يمازح الأحمق ولا يعاشر الفاجر مؤثرا إخوانه على نفسه باذلا لهم ما ملك إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء كما أنشدني الخلادي أنشدنا أحمد بن أبي على القاضي قال أنشدنا محمد بن مقيس الأزدي ... فإن الذي بيني وبين عشيرتي ... وبين بني عمي لمختلف جدا ... إذا قدحوا لى نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا


وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ... ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ... وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا ... أنبأنا ابن حوصا حدثنا النحاسي حدثنا ضمرة عن إبراهيم بن أبي عليه قال رأيت سالم بن عبد الله ومحمد بن عبد العزيز يتسايران بأرض الروم فأبال أحدهما دابته فأمسك عليه الآخر حتى لحقه أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا أحمد بن أبي بكر بن خالد اليزيدي عن قطبة ابن العلاء بن المنهال قال سمعت المبارك بن سعيد يقول سمعت الأعمش يقول قال الشعبي إن كرام الناس أسرعهم مودة وأبطؤهم عداوة مثل الكوب من الفضة يبطيء الإنكسار ويسرع الإنجبار وإن لئام الناس أبطؤهم مودة وأسرعهم عداوة مثل الكوب من الفخار يسرع الإنكسار ويبطيء الإنجبار قال أبو حاتم رضى الله عنه الكريم من أعطاه شكره ومن منعه عذره ومن قطعه وصله ومن وصله فضله ومن سأله أعطاه ومن لم يسأله أبتدأه وإذا أستضعف أحدا رحمه وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها ولقد أنبأنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم كريم النفس يخالط الناس بأخلاقهم ويأكل معهم قال فربما اتخد لهم الشواء والجواذبات والخبيص وربما خلا وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون قال وكان يعمل عمل رجلين وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا


قال أبو حاتم رضى الله عنه أجمع أهل التجارب للدهر وأهل الفضل في الدين والراغبون في الجميل على أن أفضل ما أقتنى الرجل لنفسه في الدنيا وأجل ما يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم ومعاشرة الكرام لأن الكرم يحسن الذكر ويشرف القدر وهو طباع ركبها الله في بني آدم فمن الناس من يكون أكرم من أبيه وربما كان الأب أكرم من ابنه وربما كان المملوك أكرم من مولاه ورب مولى أكرم من مملوكه ولقد أحسن الذي يقول ... رب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرم ... فهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يهجي ويذم ... وتراه كيف يعلو دائما ... وترى مولاه من تحت القدم ... وفتى تلقى أباه دونه ... وأبا تلقاه أعلى وأتم ... من بنيه ثم لا يعتل إن ... طلب المعروف منه بالصمم ... وكذلك الناس فاعلم ربنا ... قدر الأخلاق فيهم وقسم ... وأنشدني الأبرش ... رأيت اللين لا يرضى بضيم ... لأن الضيم يسخطه الكريم ... وإن اللين أكرم كل شيء ... فليس يحيه خلق لئيم ... فإن نزل الأذى واللين قلبا ... فإن اللين يرحل لا يقيم ... ويبقى للأذى في القلب صحب ... من البغضاء يلبث لا يريم ... حدثنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبي يقول ما من أحد إلا وله توبه إلا سيء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه قال أبو حاتم رضى الله عنه الكريم محمود الأثر في الدنيا مرضى العمل


في العقبى يحبه القريب والقاصي ويألفه المتسخط والراضي يفارقه الأعداء واللئام ويصحبه العقلاء والكرام وما رأيت شيئا أكثر عملا في نقص كرم الكريم من الفقر سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود ولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... نسيبا وإن الفقر بالمرء قد يزري ... ولا رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر ... حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن زكريا بن أبي زائدة عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة قال جالسوا الكبراء وخالطوا الحكماء وسائلوا العلماء ذكر الزجر عن قبول قول الوشاة أنبأنا أبو يعلي حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث فقال حذيفه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة نمام قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على الناس كافة مجانبة الإفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنه بين الناس والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شملهم والعاقل لا يخوض في الإفكار فيما ذكرنا ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله ذلك ولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال قال سليمان بن داود لابنه يا بني إياك والنميمة فإنها أحد من السيف


وأنشدني الكريزي ... من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه ... كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه ... فالويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفتيه ... أخبرنا أحمد بن إسحاق الناقد بواسط حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي اسحاق عن عمرو بن ميمون قال لما تعجل موسى ابن عمران إلى ربه رأى رجلا تحت العرش فغبطه بمكانه فسأل ربه أن يخبره باسمه قال لكنني أخبرك من عمله بثلاث خصال كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ولا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن يعقوب الربعي حدثنا محمد بن إدريس المعدل عن العتبي قال سمعت أعرابيه توصي ابنا لها فقالت عليك بحفظ السر وإياك والنميمه فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا ضغينه إلا أوقدتها ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحترس من مجالسته وأن لا يوثق بمودته وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته ولذلك يقول أخو ربيعة ... تمشيت فينا بالنميم وإنما ... تفرق بين الأصفياء النمائم ... وما زلت منسوبا إلى كل آفة ... وما زال منسوبا إليك الملائم ... لأنك لم تندم لشر فعلته ... وما تأت من خير فإنك نادم ... أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي حدثنا علي بن محمد المدائني قال وشى واش بعبد الله بن همام السلولي إلى زياد قال فبعث زياد إلى ابن همام فجاء فأدخل الرجل بيتا فقال له زياد يا ابن همام بلغني أنك هجوتني فقال له كلا اصلحك الله ما فعلت وما أنت لذلك


أهل قال فإن هذا أخبرني وأخرج الرجل فأطرق ابن همام هنيهة ثم أقبل على الرجل فقال ... وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم ... فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم ... قال فأعجب زياد بجوابه وأدناه وأقصى الساعي ولم يقبل منه وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يمشون في الناس يبغون العيوب لمن ... لا عيب فيه لكي يستشرف العطب ... إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا ... أخبرني محمد بن أبي علي حدثنا ابن أبي شيبه أبو جعفر حدثنا الحسن بن صالح قال سمعت حجين بن المثنى يقول سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر فبعث إليه فدعاه فلما دخل عليه قال له يا أبا الحارث إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا فقال له الليث سله أصلح الله الأمير عما أبلغك أهو شيء ائتمناه عليه فخاننا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من خائن أو شيء كذب علينا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب فقال الوالي صدقت يا أبا الحارث أخبرنا ابن حوصا حدثنا عبد الله بن هانيء بن عبد الرحمن عن ابن ابي عليه عن أبيه عن عمه إبراهيم بن أبي عبله قال كنت جالسا مع أم الدرداء فأتاها آت فقال يا أم الدرداء إن رجلا نال منك عند عبد الملك بن مروان فقالت إن نؤبن بما ليس فينا فطالما زكينا بما ليس فينا قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة وصرف جميعها إلى الإحسان وترك الخروج إلى مالا يليق بأهل العقل مع ترك الإفكار فيما يزري بالعقل لأن من وشى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر به لمشافهته إياه بالشيء الذي يشق عليه


علمه وسماعه ولقد أحسن الذي يقول ... من يخبرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك ... ذاك شيء لم يشافهك به ... إنما اللوم على من أعلمك ... كيف لم ينصرك إن كان أخا ... ذا وفاء عند من قد ظلمك ... إنما رام بإبلاغ الذي ... نم فيه فاعلمن أن يرغمك ... فأهنه إنه من لؤمه ... إن تهنه بهوان أكرمك ... لكن الحر إذا أكرمته ... لم يصغرك ولكن فخمك ... أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن عبد الله السويدي قال سمعت العباس ابن ميمون يقول شيع المأمون الحسن بن سهل ذا الوزارتين فلما بلغا غاية التشييع قال له المأمون يا حسن ألك حاجة قال نعم يا أمير المؤمنين تحفظ على من قلبك مالا أستطيع إدراكه إلا بك ويكون بيني وبينك قول كثير عزة ... وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب ... أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا محمد بن خزيمه البصري حدثنا حذيفة حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير قال الذي يعمله النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر أخبرنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا محمد بن الحسن الهلالي حدثنا أبو عوانه البصري حدثنا داود بن شبيب حدثنا حماد بن سلمة قال باع رجل من رجل غلاما له وقال أبرأ اليك من النميمة فاشتراه على ذلك فجاء إلى مولاته فقال إن زوجك ليس يحبك وهو يتسرى عليك ويتزوج أفتر يدين أن يعطف عليك قالت نعم قال خذي موسى فاحلقي به شعرات من باطن لحيته وبخريه بها وجاء إلى الرجل فقال إن إمراتك تبغي وتصادق وهي قاتلتك أفتريد أن يبين لك ذلك قال نعم قال تناوم لها قال فتناوم لها


فجاءت بموسى تحلق الشعر فأخذها فقتلها فأخذه أولياؤها فقتلوه قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا وأمثاله من ثمرة النميمه لأنها تهتك الأستار وتفشي الأسرار وتورث الضغائن وترفع المودة وتجدد العداوة وتبدد الجماعة وتهيج الحقد وتزيد الصد فمن وشى اليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت وقبول العذر إذا إعتذر وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ وعلى الصبر عند الضياع وعلى المعاتبة عند الإساءة وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... كاف الخليل على المودة مثلها ... وإذا اساء فكافه بعتابه ... وإذا عتبت على امريء أحببته ... فتوق ظاهر عيبه وسبابه ... وألن جناحك ما استلان لوده ... وأجب أخاك إذا دعا بجوابه ... وأنشدني على بن محمد البسامي ... أعاتب إخواني وأبقى عليهم ... ولست لهم بعد العتاب بقاطع ... وأغفر ذنب المرء إن زل زلة ... إذا ما أتاها كارها غير طائع ... وأجزع من لوم الحليم وعذله ... وما أنا من جهل الجهول بجازع ... أخبرني محمد بن علي الخلادي أخبرني محمد بن يزيد النحوي عن العتبي عن أبيه قال عتب ابن الزبير على معاوية في شيء فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين اسمع ابياتا أعتبتك فيها قال هات فأنشده ... لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول ... وإني على اشياء منك تريبني ... كثيرا لذو صفح على ذاك مجمل ... إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران لو كان يعقل ... فقال له معاويه لقد شعرت بعدي يا أبا بكر فدخل عليه معن بن أوس


المزني بعد ذلك فقال له معاويه هل أحدثت بعدنا شيئا قال نعم ثم أنشده ... لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... فقال علي بابن الزبير فقال أليس هذا لك فيما زعمت قال أنا ألفت المعنى وهو ألف القوافي وهو بعد ظئري ومهما قال من شيء فأنا قلته فضحك معاوية وكان معن بن أوس مسترضعا في مزينة سمعت الحسين بن إسحاق الأصفهاني يقول كتب علي بن حجر السعدي إلى بعض إخوانه ... أحن إلى عتابك غير أني ... أجلك عن عتاب في كتاب ... ونحن إذا التقينا قبل موت ... شفيت غليل صدري من عتابي ... وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتب تحت التراب ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان ألأبرش ... صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب يطول ... كتاب لعمري لا بنان يخطه ... وسوف يؤديه اليك رسول ... سأكتب إن لم يجمع الله بيننا ... وإن نجتمع يوما فسوف أقول ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن لا يقصر عن معاتبة أخيه على زلته لأن من لم يعاتب على الزله لم يكن بحافظ للخلة ومن أعتب لم يذنب كما أن من اغتفر لم يعاقب وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد ورب عتب أنفع من صفح ولذلك أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... إذا ما امرؤ ساءتك منه خليقة ... فكاتمته فالوهن في ذاك تركب ... لعلك لو عاتبته ثم لمته ... لسرك حتى لم تكن تتعتب ... وأنشدني الكريزي ... فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحق لها التعبى لدينا وقلت


وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... مفاوز لو سارت بها العيس كلت ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار مخافة أن يعود المعاتب إلى ما عوتب عليه لأن من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق أن يمله ويقلاه وإن من سوء الأدب كثرة العتاب كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب والإكثار في المعاتبة يقطع الود ويورث الصد ولقد أنشدني عبد الله بن أحمد النقيب البغدادي لابن المعتز ... معاتبة الإلفين تحسن مرة ... فإن أكثروا إدمانها أفسد الحبا ... إذا شئت أن تقلى فزر متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا ... وأنشدني محمد بن أبي علي الصيداوي ... إذا كنت في كل الأمور معابتا ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه ... فعش واحد أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه ... إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه ... أخبرنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه لا تكثر العتاب فإن العتاب يورث الضغينه والبغضة وكثرته من سوء الأدب قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة الإخوان فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ذكر استحباب قبول الاعتذار من المعتذر أنبأنا علي بن الحسن بن عبد الجبار بنصيبين حدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا وكيع عن الثوري عن ابن جريج عن العباس بن عبد الرحمن بن مينا عن


جودان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعتذر إلى أخيه فلم يقبل كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس قال أبو حاتم رضى الله عنه أنا خائف ان يكون ابن جريج رحمه الله ورضوانه عليه دلس هذا الخبر بأن سمعه من العباس بن عبد الرحمن فهو حديث حسن فالواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه لجرم مضى أو لتقصير سبق أن يقبل عذره ويجعله كمن لم يذنب لأن من تنصل إليه فلم يقبل أخاف أن لا يرد الحوض على المطفى صلى الله عليه وسلم ومن فرط منه تقصير في سبب من الأسباب يجب عليه الإعتذار في تقصيره إلى أخيه ولقد أنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... إذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقر ... فصنه عن جفائك واعف عنه ... فإن الصفح شيمة كل حر ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... شفيع من أسلمه جرمه ... إقراره بالجرم والذنب ... وتوبة المذنب من ذنبه ... إعتاب من أصبح ذا عتب ... أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال غضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله فلما دخل عليه قال يا أمير المؤمنين القدرة تذهب الحفيظة وأنت تجل عن العقوبه فإن تعف فأهل ذاك أنت وإن تعاقب فأهل ذاك أنا فال فعفا عنه قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للمرء أن يعتذر بحيله إلى من لا يحب أن يجد له عذرا ولا يجب أن يكثر من الإعتذار إلى أخيه فإن الإكثار من الإعتذار هو السبب المؤدي إلى التهمة وإني أستحب الإقلال من الإعتذار على الأحوال كلها لعلمي أن المعاذير يعتريها الكذب وقل ما رأيت أحدا


أعتذر إلا شاب أعتذاره بالكذب ومن اعترف بالزلة استحق الصفح عنها لأن ذل الإعتذار عن الزلة يوجب تسكين الغضب عنها والمعتذر إذا كان محقا خضع في قوله وذل في فعله كما أنشدني المنتصر بن بلال ... أيارب قد أحسنت عودا وبدأة ... الي فلم ينهض بإحسانك الشكر ... فمن كان ذا عذر اليك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر ... وأنشدني الكريزي ... وإني وإن أظهرت لي منك جفوة ... وألزمتني ذنبا وإن كنت مجرما ... لراض لنفسى ما رضيت لها به ... أراك بها منى أبر وأرحما ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا الفيض بن الجهم التميمي حدثنا عبد الله ابن خبيق قال كان يقال احتمل من دل عليك واقبل ممن اعتذر اليك أنبأنا بكر بن محمد بن الوهاب القزاز بالبصرة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو بشر قال سمعت أبي قال حدثنا مبارك بن فضالة عن حميد الطويل عن أبي قلابه قال إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا فإن لم تجد له عذرا فقل لعل له عذرا لا أعلمه قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للمرء أن يعلن عقوبة من لم يعلن ذنبه ولا يخلو المعتذر في اعتذاره من أحد رجلين إما أن يكون صادقا في اعتذاره أو كاذبا فإن كان صادقا فقد استحق العفو لأن شر الناس من لم يقل العثرات ولا يستر الزلات وإن كان كاذبا فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته وخضوع الإعتذار وذلته أن لا يعاقبه على الذنب السالف


بل يشكر له الإحسان المحدث الذي جاء به في اعتذاره وليس يعيب المعتذر إن ذل وخضع في إعتذاره إلى أخيه وأنشدني الأبرش ... هبني أسأت كما زعمت فأين عاطفة الأخوة ... أو إن أسأت كما أسأت ... فأين فضلك والمروة ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... هبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفو جميل كي يكون لك الفضل ... فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما ... أتيت به أهلا فأنت له أهل ... وأنشدني محمد بن أبي علي أنشدنا الربعي عن الأصمعي ... أتيتك تائبا من كل ذنب ... وخير الناس من أخطأ فتابا ... أليس الله يستعفي فيعفو ... وقد ملك العقوبة والثوابا ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربه آدم ... فقل قول يوسف لا تثربا ... لكم يغفر الغافر الراحم ... أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن عبد الله الجرزي عن حميد ابن سنان الخالدي وكان نديما لأبي دلف قال دخلت على أبي دلف يوما وبين يديه كتاب وهو يضحك فقال هذا كتاب عبد الله بن طاهر وفيه أبيات أحب أن أنشدك إياها وذلك أني كنت استبطأته في بعض المؤامرات فكتبت إليه


أرى ودكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد ... وودي بكم كالآس حسنا وبهجة ... له نضرة تبقى إذا فنى الورد ... فكتب الي بهذه الأبيات ... شبهت ودى الورد فهو مشاكلي ... وهل زهر إلا وسيدها الورد ... وشبهت منك الود بالآس في البقا ... ولم تخلف التشبيه فيك ولم تعد ... فودك كالآس المرير مذاقه ... وليس له في الريح قبل ولا بعد ... أخبرنا عبد الكبير بن عمر الخطابي بالبصرة حدثنا أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي قال حدثنا عيسى بن عمر قال كان لأبي الأسود الدؤلي صديق فرأى منه بعض ما يكره فقال أبو الأسود ... رأيت امرءا لم أكن أبله ... أتاني فقال أتخذني خليلا ... فخاللته ثم صافيته ... فلم ينقص الود منه فتيلا ... فراجعته ثم عاتبته ... عتابا رفيقا وقولا جميلا ... فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا ... ألست حقيقا بتوديعه ... وأتبع ذلك هجرا طويلا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الأعتذار يذهب الهموم ويجلى الأحزان ويدفع الحقد ويذهب الصد والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمه والذنوب الكثيرة والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفى التعجب عن النفس في الحال لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الإعتذار عند كل زلة ولقد أنشدني الكريزي ... فانظر إلى بطرف غير ذي مرض ... فطال ما صح لي من طرفك النظر


أدرك بفضلك عظما كنت تجبره ... واجمع برفقك ما قد كاد ينتشر ... أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق حدثنا عطاء بن مصعب قال قدم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد على معن بن زائدة باليمن وكانت بينهما عداوة فلما رآه قال له يا عبد الرحمن بأي وجه أتيتني ولأي خير أملتني قال أصلح الله الأمير أسمع مني حتى أنشدك بيتين قالهما نصيب في عبد العزيز بن مروان قال وما هما فأنشده ... لو كان فوق الأرض حي فعاله ... كفعلك أو للفعل منك مقارب ... لقلت له هذا ولكن تعذرت ... سواك على المستعتبين المذاهب ... فقال أقم فإني لا اواخذك فيما مضى ولا أعنفك فيما بقى أنبأنا الخلادي حدثنا محمد بن موسى السمري عن حماد بن إسحاق قال ابن السماك لمحمد بن سليمان أو حماد بن موسى لكاتبه ورآه كالمعرض عنه مالي أراك كالمعرض عني قال بلغني عنك شيء كرهته قال إذا لا أبالي قال ولم قال لأنه إن كان ذنبا غفرته وإن كان باطلا لم تقبله قال فعاد إلى المؤانسة قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما يشا كل هذه الحكايات في كتاب مراعاة العشرة فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ذكر الحث على لزوم كتمان السر أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي حدثنا الهيثم بن أيوب العطار السلمي حدثنا سهل بن عبد الرحمن عن محمد بن مطرف أبي غسان عن محمد بن المنكدر عن عروة عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينوا على الحوائج بكتمان السر فإن لكل نعمة حاسدا


قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا إساند حسن وطريق غريب إن كان عروة هذا هو ابن الزبير بن العوام وسعيد بن سلام ما أرى حفظ حديثه فلذلك تنكبت عن ذكره فالواجب على من سلك سبيل ذوي الحجى لزوم ما أنطوى عليه الضمير بتركه إبداء المكنون فيه لا إلى ثقة ولا إلى غيره فإن الدهر لا بد من أن يضرب ضرباته فيوقع ضد الوصل بينهما بحالة من الأحوال فيخرجه وجود ضد ما أنطوى عليه قديما من وفائه إلى صحة الخروج بالكلية إلى جفائه بإبداء مكتوماته والكشف عن مخبآته ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثني محمد بن عبد الكريم العبدي حدثنا بكر بن يونس بن بكير حدثني موسى بن علي عن أبيه عن عمرو بن العاص أنه قال عجبت من الرجل يفر من القدر وهو مواقعه ومن الرجل يرى القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه ومن الرجل يحرج الضغن من موضع ويدع الضغن في نفسه وما ندمت على أمر قط فلمت نفسي على تندمي عليه وما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه كيف ألومه وقد حنقت به وأنشدني علي بن محمد البسامي ... تبيح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم ... وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافنه أحزم ... إذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت وإن لمته ألوم ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان ... إذا ضاق صدر المرء عن بعض سره ... فألقاه في صدري فصدري أضيق ... ومن لامني في أن أضيع سره ... وضيعه قبلي فذو السر أخرق


أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أحمد بن محمد الصيداوي حدثنا حماد بن إسحاق عن المدائني قال كان يقال أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه وأنشدني البغدادي ... صن السر بالكتمان يرضيك غبه ... فقد يظهر المرء المضيع فيندم ... فلا تلجئن سرا إلى غير حرزه ... فيظهر حرز السوء ما كنت تكتم ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه ... وكان لسر الأخ غير كتوم ... فبعدا له من ذي أخ ومودة ... وليس على ود له بمقيم ... قال أبو حاتم رضى الله عنه من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامه من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عن كل مستودع فإن أضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانه وإفشاؤه خيانه والقلب له وعاؤه فمن الأوعيه ما يضيق بما يودع ومنها ما يتسع لما أستودع وأنشدني الكريزي ... اجعل لسرك من فؤادك منزلا ... لا يستطيع له اللسان دخولا ... إن اللسان إذا أستطاع إلى الذي ... كتم الفؤاد من الشئون وصولا ... ألفيت سرك في الصديق وغيره ... من ذي العداوة فاشيا مبذولا ... وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عليه كريم ... حليم فيفشي أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم ... أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثني علي بن عيسى عن محمد عن ابن الأعرابي قال كان يقال العاقل من حذر صديقه


وأنشدني بعض إخواننا ... لعمرك كتمان الفتى سر ما نوى ... أعف وأدنى للرشاد وأكرم ... وأجمل في بث الحديث مقالة ... وأحسن في الأخلاق دوما وأحزم ... وأنشدني الكريزي ... إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فأنت إذا حملته الناس أضيع ... ويضحك في وجهي إذا ما لقيته ... وينهشني بالغيب يوما ويلسع ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه وكفى لذوي الألباب عبرا ما جربوا ومن استودع حديثا فليستر ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمى سرا لأنه لا يفشى فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن إسماعيل بن يعقوب الأعلم قال أنشدني محمد بن سليمان بن سلام الجمحي لرجل من عبد شمس ... إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشاه الرجال فمن تلوم ... إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم ... وإني يوم أسأم حمل سري ... وقد ضمنته صدري سؤوم ... فلست محدثنا سري خليلي ... ولا نفسي إذا حضرت هموم ... وأطوي السر دون الناس إني ... لما أستودعت من سر كتوم ... وأنشدني علي بن حيدة الكاتب قال أنشدنا عبد الرحمن بن بندار لشيطان الطاق ... أمت السر بكتمان ولا ... يسمعن منك إذا استودعت سر ... فإذا ضقت به ذرعا فلا ... تضعن سرك إلا عند حر ... أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الرمادي حدثنا مسدد قال سمعت ابن


داود يقول سمعت الأعمش يقول يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول اكتمه علي وأنشدني إبراهيم بن علي الظفري أنشدني الحسين بن عبيد الله ... لا يكتم السر إلا من له شرف ... والسر عند كرام الناس مكتوم ... السر عندي في بيت له غلق ... ضلت مفاتيحه والباب مختوم ... أنبأنا الخلادي حدثنا أحمد بن عبد الله بن شجاع البياضي قال أنشدنا عبد الرحمن بن محمد ... وإني لأنسى السر كيما أصونه ... فيامن رأى شيئا يصان بأن ينسى ... مخافة أن يجري ببالي ذكره ... فيخلسه قلبي إلى منطقي خلسا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كتم سره كانت الخيرة في يده ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه ولقد أحسن الذي يقول ... خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي فكان أمينا ... فقلت ليخفى دون شخصي وناظري ... أيا حركاتي كن في سكونا ... أنبأنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدثنا محمد بن سليمان المصيصي حدثنا ابن عيينه عن ابن شبرمه عن الحسن في قوله تعالى ( 3 159 ) وشاورهم في الأمر قال ما كان يحتاج إليهم ولكن أحب أن يستن به من بعده قال أبو حاتم رضى الله عنه المستشار مؤتمن وليس بضامن والمستشير متحصن من السقط متخير للرأي


والواجب على العاقل السالك سبيل ذوي الحجى أن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه وإرشاد المشير المستشير قضاء حق النعمة في الرأي والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نعته ولقد أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال قال الحسن ما حزب قوما قط أمر فاجتمعوا فتشاوروا فيه إلا أرشدهم الله لأصوبه وأنشدني الكريزي ... دبر إذا ما رمت أمرا بفكرة ... لتعلم ما تأتي وما تتجنب ... وشاور نقي الرأي عند التباسه ... لكي يضح الأمر الذي هو أصوب ... وأنشدني المنتصر بن بلال ... لا تسبقن الناس بالرأي واتئد ... فإنك إن تعجل إلى القول تزلل ... ولكن تصفح رأي من كان حاضرا ... وقل بعدهم رسلا وبالحق فاعمل ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثني يحيى بن زيد بن محمد الأبلي حدثني إسماعيل بن حبيب أبو حميد الأبلي عن عبد الله بن الايلمي عن وهب بن منبه أنه قال في التوراة أربعة أحرف مكتوبه من لم يشاور يندم ومن استغنى استأثر والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان قال أبو حاتم رضى الله عنه لا أنس آنس من استشارة عاقل ودود ولا وحشة أوحش من مخالفته لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمة من استشير فليشر بالنصيحة وليجتهد بالرأي وليلزم الحق وقصد السبيل وليجعل المستشير كنفسه بترك الخيانه وبذل النصيحه وليكن كما أنشدني على ابن محمد البسامي


ومن الرجال إذا زكت أحلامهم ... من يستشار إذا أستشير فيطرق ... حتى يجول بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول وينطق ... إن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفي عليه من الأمور الأوفق ... أنبأنا أبو يعلي حدثنا غسان بن الربيع حدثنا يزيد بن ثابت عن إياس ابن دغفل عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما شاور قوم قط إلا هدوا إلى رشدهم أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن خالد السيرافي حدثنا شيبان حدثنا أبو الأشهب قال قال الحسن لا يندم من شاور مرشدا قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل إذا أستشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير لأنه أمكن من الفكر وأبعد من الزلل وأقرب من الحزم وأسلم من السقط ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزا كما أن الحازم لا يستعين كسلا وفي الاستشارة عين الهداية ومن استشار لم يعدم رشدا ومن ترك المشاورة لم يعدم غيا ولا يندم من شاور مرشدا وقد أنشدني الواسطي ... الهم مالم تمضه لسبيله ... سقم القلوب وآفة الأبدان ... ومعول الرجل الموفق رأيه ... عند اعتراض طوارق الأحزان ... وإذا الحوادث سددت أسبابه ... كان التبصر أنجد الأعوان ... وإذا أضل سبيله تدبيره ... طلب الهدى بتشاور الإخوان ... أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا مطروح بن شاكر حدثنا أصبغ عن ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط عن ابن أبي حسين قال كان يقال ما هلك امرؤ عن مشورة ولا سعد بتوحد قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من شيم العاقل عند النائبة تنوبه أن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي ثم يطيعه وليعترف للحق عند المشورة ولا يتمادى في الباطل بل يقبل الحق ممن جاء به ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه به الرجل الحقير لأن


اللؤلؤة الخطيرة لا يشينها قلة خطر غائصها الذي استخرجها ثم ليستخر الله وليمض فيما أشار عليه وقد أنشدني البغدادي ... أطع الحليم إذا الحليم عصاكا ... إن الحليم إذا عصاك هداكا ... وإذا أستشارك من تود فقل له ... أطع الحليم إذا الحليم نهاكا ... ولئن أبيت لتأتين خلافه ... أربا يحوطك أو يكون هلاكا ... وأعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... سبل الرشاد إذا أطعت هواكا ... أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد المؤمن بجرجان حدثنا محمد بن حميد البزاز حدثنا جرير عن ابن المقفع عن وزير كسرى قال ثلاثة ليس لهم رأي فلا تستشيروهم صاحب الخف الضيق وحاقن البول وصاحب المرأة السوء السليطة ذكر الحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافة أنبأنا الحسين بن محمد بن أبي معشر بحران حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي حدثنا زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة وترك الخيانة لهم بالإضمار والقول والفعل معا إذ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يشترط على من بايعه من أصحابه النصح لكل مسلم مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأخبرني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن أبي السائب قال قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه لا تعمل بالخديعة فانها خلق اللئام وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحه وزل معه حيث زال


وأنشدني الكريزي ... قل للنصيح الذي أهدى نصيحته ... سرا إلينا وسامته التكاليف ... النصح ليس له حد فتعرفه ... والنصح مستوحش منه ومألوف ... حتى إذا صرحت عنا عواقبه ... كانت لنا عظة منه وتعنيف ... لو كان للنصح حد يستبان به ... ما نالنا حسرة منه وتلهيف ... لكن له سبل شتى مخالفة ... بعض لبعض فمجهول ومعروف ... والناس غاو وذو رشد ومختلط ... والنصح ممضي ومردود وموقوف ... قال أبو حاتم رضى الله عنه خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة كما أن خير الأعمال أحمدها عاقبه وأحسنها إخلاصا وضرب الناصح خير من تحية الشانىء ويجب أن يكون للعاقل نصيحة مبذولة للعامة مكتوما من العام والخاص ما قدر عليه وليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له وأنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي حدثني أبي قال لما قدم على الكوفة لقيه المغيره بن شعبه فقال له إني أشير عليك برأي فاقبله قال هات قال أقر معاويه على الشام يسمح لك طاعته فإن أهل الشام قد ذاقوه فاستعذبوه ووليهم عشرين سنه لم يعتبوا عليه ولم يعتبوه في عرض ولا مال فقال والله لو سألني قرية ماوليته إياها قال فقال المغيرة أراه سيلى أرضين وقريات أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا ابن ابي شيبة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال المؤمن شعبة من المؤمن وهو مرآة أخيه إن رأى منه مالا يعجبه سدده وقومه ونصحه السر والعلانية وأنشدني علي بن محمد البسامي ... أمنت على السر أمرءا غير حازم ... ولكنه في النصح غير مريب


فذاع به في الناس حتى كأنما ... بعلياء نار أوقدت بثقوب ... فما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب ... ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعه بنصيب ... سمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول سمعت أبا داود السنجى يقول سمعت ابن الأعرابي يقول رجل أهديت له النصيحه فاتخذها ذنبا ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعا قال أبو حاتم رضى الله عنه النصيحة محاطة بالتهمه وليست النصيحة إلا لمن قبلها كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها ولا الآخرة إلا لمن طلبها وليس على كل ذي نصح إلا الجهد ولو لم يقبل من نصحائه ما يثقل عليه لم يحمد غب رأيه ومشاورة الأصم أحمد من الناصح المعرض عنه ومن بذل نصيحة لمن لا يشكر كان كالباذر في السباخ وأكثر ما يوجد ترك قبول النصيحة من المعجب برأيه وأنشدني الأبرش ... إذا نصحت لذي عجب لترشده ... فلم يطعك فلا تنصح له أبدا ... فإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ... ولا يجيب إلى إرشاده أحدا ... وما عليك وإن غاو غوى حقبا ... إن لم يكن لك قربى أو يكن ولدا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه النصيحة تجب على الناس كافة على ما ذكرنا قبل ولكن إبداؤها لا يجب إلا سرا لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه ومن وعظه سرا فقد زانه فابلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا الرمادي حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان قال قلت لمسعر تحب أن يخبرك رجل بعيوبك قال أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا وأما أن يجيء ناصح فنعم أخبرنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن المغيرة النوفلي حدثنا محمد بن


علي الشقيقي حدثنا أبي عن ابن المبارك قال كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر ونهاه في ستر فيؤجر في ستره ويؤجر في نهيه فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره أستغضب أخاه وهيتك ستره أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا محمد بن منصور حدثني علي بن المديني عن سفيان قال جاء طلحه إلى عبد الجبار بن وائل وعنده قوم فساره بشيء ثم أنصرف فقال أتدرون ما قال لي قال رأيتك التفت أمس وأنت تصلي قال أبو حاتم رضى الله عنه النصيحة إذا كانت على نعت ما وصفنا تقيم الألفة وتؤدي حق الأخوة وعلامة الناصح إذا أراد زينة المنصوح له أن ينصحه سرا وعلامة من أراد شينه أن ينصحه علانية فليحذر العاقل نصحه الأعداء في السر والعلانية ولقد أنشدني ابن زنجي البغدادي ... فكم من عدو معلن لك نصحه ... علانية والغش تحت الأضالع ... وكم من صديق مرشد قد عصيته ... فكنت له في الرشد غير مطاوع ... وما الأمر إلا بالعواقب إنها ... سيبدو عليها كل سر وذائع ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... وصاحب غير مأمون غوائله ... يبدي لي النصح منه وهو مشتمل ... على خلاف الذي يبدي ويظهره ... وقد أحطت بعلمي أنه دغل ... عفوت عنه انتظارا أن يثوب له ... عقل إليه من الزلات ينتقل ... دهرا فلما بدا لي أن شيمته ... غش وليس له عن ذاك منتقل ... تركته ترك قال لا رجوع له ... إلى مودته ما حنت الإبل ... أخبرنا عبد الله بن محمد القيراطي حدثنا محمد بن يزيد الملقب يحمش حدثنا يعلي بن عبيد حدثنا أبو حيان عن أبيه قال كتب الربيع بن خيثم وصيه


بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصي به الربيع بن خيثم وأشهد عليه وكفى بالله شهيدا وجازيا لعباده الصالحين مثيبا إني رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وأن يعبد الله من أطاعني في العابدين ويحمده في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين وصية الخطاب بن المعلى المخزومي ابنه أخبرني محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي حدثني عبد الرحمن بن أبي عطية الحمصي عن الخطاب بن المعلى المخزومي القرشي أنه وعظ ابنه فقال يا بني عليك بتقوى الله وطاعته وتجنب محارمه باتباع سنته ومعالمه حتى تصح عيوبك وتقر عينك فانها لا تخفي على الله خافيه واني قد وسمت لك وسما ووضعت لك رسما ان انت حفظته ووعيته وعملت به ملأت أعين الملوك وانقاد لك به الصعلوك ولم تزل مرتجى مشرفا يحتاج اليك ويرغب إلى ما في يديك فأطع اباك واقتصر على وصيةابيك وفرغ لذلك ذهنك واشغل به قلبك ولبك واياك وهذر الكلام وكثرة الضحكك والمزا ح ومهازلة الإخوان فإن ذلك يذهب البهاء ويوقع الشحناء وعليك بالرزانة والتوقر من غير كبر يوصف منك ولا خيلاء تحكي عنك والق صديقك وعدوك بوجه الرضى وكف الأذى من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم وكن في جميع أمورك في أوسطها فإن خير الأمور أوساطها وقلل الكلام وأفش السلام وامش متمكنا قصدا ولا تخط برجلك ولا تسحب ذيلك ولا تلو عنقك ولا ردائك ولا تنظر في عطفك ولا تكثر الالتفاف ولا تقف على الجماعات ولا تتخذ السوق مجلسا ولا الحوانيت متحدثا ولا تكثر المراء ولا تنازع السفهاء فإن تكلمت فاختصر وإن مزحت فاقتصر واذا جلست فتربع وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها والعبث بلحيتك وخاتمك وذؤابة سيفك


وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك وكثرة طرد الذباب عنك وكثرة التثاؤب والتمطى وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك ويغتمزون به فيك وليكن مجلسك هاديا وحديثك مقسوما وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك بغير إظهار عجب منك ولا مسألة إعادة وغض عن الفكاهات من المضاحك والحكايات ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا عن فرسك ولا عن سفيك واياك وأحاديث الرؤيا فإنك إن أظهرت عجبا بشيء منها طمع فيها السفهاء فولدوا لك الأحلام واغتمزوا في عقلك ولا تصنع تصنع المرأة ولا تبذل تبذل العبد ولا تهلب لحيتك ولا تبطنها وتوق كثرة الحف ونتف الشيب وكثرة الكحل والإسراف في الدهن وليكن كحلك غبا ولا تلح في الحاجات ولا تخشع في الطلبات ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم عدد مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم وإن كان كثيرا لم تبلغ به رضاهم وأخفهم في غير عنف ولن لهم قي غير ضعف ولا تهازل أمتك واذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عن عجلتك وتفكر في حجتك وأر الحاكم شيئا من حلمك ولا تكثر الأشارة بيدك ولا تحفز على ركبتيك وتوق حمرة الوجه وعرق الجبين وإن سفه عليك فاحلم وإذا هدأ غضبك فتكلم وأكرم عرضك وألق الفضول عنك وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنان وإن أسترسل اليك فلا تأمن من انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهي ولا يحملنك ما ترى من الطافه إياك وخاصته بك أن تدخل بينه وبين أحد من ولده وأهله وحشمه وإن كان لذلك منك مستمعا وللقول منك مطيعا فإن سقطه الداخل بين الملك وأهله صرعة لا تنهض وزلة لا تقال وإذا وعدت


فحقق وإذا حدثت فاصدق ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم ولا تخافت به كتخافت الأخرس وتخير محاسن القول بالحديث المقبول وإذا حدثت بسماع فانسبه إلى أهله وإياك الأحاديث العابرة المشنعه التي تنكرها القلوب وتفق لها الجلود وإياك ومضعف الكلام مثل نعم نعم ولا لا وعجل عجل وما أشبه ذلك وإذا توضأت فأجد عرك كفيك وليكن وضعك الحرض من الأشنان في فيك كفعلك بالسواك ولا تنخع في الطست وليكن طرحك الماء من فيك مترسلا ولا تمج فتنضح على أقرب جلسائك ولا تعض نصف اللقمه ثم تعيد ما بقى منها منصبغا فإن ذلك مكروه ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملك ولا تعبث بالمشاش ولا تعب شيئا مما يقرب اليك على مائدة بقلة خل أو تابل أو عسل فإن السحابة قد صيرت لنفسها مهابة ولا تمسك إمساك المثبور ولا تبذر تبذير السفيه المغرور واعرف في مالك واجب الحقوق وحرمة الصديق واستغن عن الناس يحتاجوا اليك واعلم ان الجشع يدعو إلى الطبع والرغبة كما قيل تدق الرقبة ورب أكله تمنع أكلات والتعفف مال جسيم وخلق كريم ومعرفة الرجل قدره تشرف ذكره ومن تعدى القدر هوى في بعيد القعر والصدق زين والكذب شين ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عليه قائله ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق ولزوم الكريم على الهوان خير من صحبة اللئيم على الإحسان ولقرب ملك جواده خير من مجاورة بحر طراد وزوجة السوء الداء العضال ونكاح العجوز يذهب بماء الوجه وطاعة النساء تزرى بالعقلاء تشبه بأهل العقل تكن منهم وتصنع للشرف تدركه


وأعلم أن كل امريء حيث وضع نفسه وإنما ينسب الصانع إلى صناعته والمرء يعرف بقرينه وإياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ويحزنون من صادقهم وقربهم أعدى من الجرب ورفضهم من استكمال الأدب واستخفار المستجير لؤم والعجله شؤم وسوء التدبير وهن والإخوان اثنان فمحافظ عليك عند البلاء وصديق لك في الرخاء فاحفظ صديق البلاء وتجنب صديق العافية فإنهم أعدى الأعداء ومن اتبع الهوى مال به الردى ولا يعجبنك الجهم من الرجال ولا تحقر ضئيلا كالخلال فإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ولا ينتفع به بأكثر من أصغريه وتوق الفساد وإن كنت في بلاد الأعادي ولا تفرش عرضك لمن دونك ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك ولا تكثر الكلام فتثقل على الأقوام وامنح البشر جليسك والقبول ممن لاقاك وإياك وكثرة التبريق والتزليق فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث وإياك والتصنع لمغازلة النساء وكن متقربا متعززا منتهزا في فرصتك رفيقا في حاجتك متثبتا في حملتك والبس لكل دهر ثيابه ومع كل قوم شكلهم واحذر ما يلزمك اللائمة في آخرتك ولا تعجل في امر حتى تنظر في عاقبته ولا ترد حتى ترى وجه المصدر وعليك بالنورة في كل شهر مرة وإياك وحلاق الإبط بالنورة وليكن السواك من طبيعتك وإذا استكت فعرضا وعليك بالعمارة فإنها أنفع التجارة وعلاج الزرع خير من اقتناء الضرع ومنازعتك اللئيم تطمعه فيك ومن أكرم عرضه أكرمه الناس وذم الجاهل إياك أفضل


من ثنائه عليك ومعرفة الحق من أخلاق الصدق والرفيق الصالح ابن عم ومن أيسر أكبر ومن افتقر احتقر قصر في المقالة مخافة الإجابة والساعي إليك غالب عليك وطول السفر ملالة وكثرة المنى ضلالة وليس للغائب صديق ولا على الميت شفيق وأدب الشيخ عناء وتأديب الغلام شقاء والفاحش أمير والوقاح وزير والحليم مطية الأحمق والحمق داء لا شفاء له والحلم خير وزير والدين أزين الأمور والسماجه سفاهة والسكران شيطان وكلامه هذيان والشعر من السحر والتهدد هجر والشح شقاء والشجاعة بقاء والهدية من الأخلاق السرية وهي تورث المحبة ومن ابتدأ المعروف صار دينا ومن المعروف ابتداء من غير مسألة وصاحب الرياء يرجع إلى السخاء ولرياء بخير خير من معالنة بشر والعرق نزاع والعادة طبيعة لازمة إن خير فخير وإن شرا فشر ومن حل عقدا احتمل حقدا ومراجعة السلطان خرق بالإنسان والفرار عار والتقدم مخاطرة وأعجل منفعه إيسار في دعة وكثرة العلل من البخل وشر الرجال الكثير الاعتلال وحسن اللقاء يذهب بالشحناء ولين الكلام من أخلاق الكرام يا بني إن زوجة الرجل سكنة ولا عيش له مع خلافها فإذا هممت بنكاح امرأة فسل عن أهلها فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة واعلم أن النساء أشد اختلافا من أصابع الكف فتوق منهن كل ذات بذا مجبولة على الأذى فمنهن المعجبة بنفسها المزرية ببعلها إن أكرمها رأته لفضلها عليه لا تشكر على جميل ولا ترضى منه بقليل لسانها عليه سيف صقيل قد كشفت القحة ستر الحياء عن وجهها فلا تستحي من إعوارها ولا تستحي من جارها كلبة هرارة مهارشة عقارة فوجه زوجها مكلوم


وعرضه مشتوم ولا ترعى عليه لدين ولا الدنيا ولا تحفظه لصحبة ولا لكثرة بنين حجابه مهتوك وستره منشور وخيره مدفون يصبح كئيبا ويمسي عاتبا شرابه مر وطعامه غيظ وولده ضياع وبيته مستهلك وثوبه وسخ ورأسه شعث إن ضحك فواهن وإن تكلم فمتكاره نهاره ليل وليله ويل تلدغه مثل الحية العقارة وتلسعه مثل العقرب الجرارة ومنهن شفشليق شعشع سلفع ذات سم منقع وإبراق واختلاق تهب مع الرياح وتطير مع كل ذي جناح إن قال لا قالت نعم وإن قال نعم قالت لا مولدة لمخازيه محتقرة لما في يديه تضرب له الأمثال وتقصر به دون الرجال وتنقله من حال إلى حال حتى قلا بيته ومل ولده وغث عيشه وهانت عليه نفسه وحتى أنكره إخوانه ورحمه جيرانه ومنهن الورهاء الحمقاء ذات الدل في غير موضعها الماضغه للسانها الآخذة في غير شأنها قد قنعت بحبه ورضيت بكسبه تأكل كالحمار الراتع تنتشر الشمس ولما يسمع لها صوت ولم يكنس لها بيت طعامها بائت وإناؤها وضر وعجينها حامض وماؤها فاتر ومتاعها مزروع وماعونها ممنوع وخادمها مضروب وجارها محروب ومنهن العطوف الودود المباركة الولود المأمونه على غيبها المحبوبة في جيرانها المحمودة في سرها وإعلانها الكريمة التبعل الكثيرة التفضل الخافضة صوتا النظيفة بيتا خادمها مسمن وابنها مزين وخيرها دائم وزوجها ناعم موموقه مالوفه وبالعفاف والخيرات موصوفة


جعلك الله يا بني ممن يقتدي بالهدى ويأتم بالتقى ويجتنب السخط ويحب الرضى والله خليفتي عليك والمتولي لأمرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد نبي الهدى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا ذكر الزجر عن تهاجر المسلمين كافة حدثنا أبو يعلي الموصلي حدثنا وهب بن بقية الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن اسحاق عن الزهري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تباغضوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يحل التباغض ولا التنافس ولا التحاسد ولا التدابر بين المسلمين والواجب عليهم أن يكونوا إخوانا كما أمرهم الله ورسوله فإذا تألم واحد منهم تألم الآخر بألمه وإذا فرح فرح الآخر بفرحه ينفي الغش والدغل مع استسلام الأنفس لله عز وجل مع الرضا بما يوجب القضاء في الأحكام كلها ولا يجب الهجران بين المسلمين عند وجود زلة من أحدهما بل يجب عليهما صرفها إلى الإحسان والعطف عليه بالإشفاق وترك الهجران ولقد حدثني محمد بن المهاجر حدثني موسى بن محمد الأخباري عن النميري حدثني محمد بن يحيى النكتاني قال أنشدني أبو غزية لمعاوية بن عبد الله بن جعفر ... لا يزهدنك في أخ ... لك أن تراه زل زله ... والمرء يطرحه الذين ... يلونه في شر أله ... ويخونه من مأمن ... أهل البطانة والدخلة


والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة ... أنشدني محمد بن الحسن بن قتيبة أنشدني حميد بن عياش ... ولا تك في حب الأخلاء مفرطا ... فإن أنت أبغضت البغيض فأجمل ... فإنك لا تدري متى أنت مبغض ... حبيبك أو تهوى البغيض فأعقل ... وأنشدني عمرو بن محمد بن عبد الله النسوى لثعلب ... وما صدود ذوات الدل يرمضني ... لكنما الموت عندي صد إخواني ... إني لأصبر من عود به جلب ... عند الملمات إلا عند هجران ... إذا رأيت أزورارا من أخي ثقة ... ضاقت على برحب الأرض أوطانى ... وأنشدني الأبرش ... أبل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد ... فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقي ... فبه اليدين قرير عين فاشدد ... فمتى يزل ولا محالة زلة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد ... وإذا الخنى نقض الحبى في مجلس ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للمرء أن يدخل في جملة العوام والهمج بإحداث الود لإخوانه وتكديره لهم بالخروج بالسبب الذي يؤدي إلى الهجران الذي نهى المصطفى صلى الله عليه وسلم عنه بينهم بل يقصد قصده الإغضاء عن ورود الزلات ويتحرى ترك المناقشة على الهفوات ولا سيما إذا قيل في أحدهم الشيء الذي يحتمل أن يكون حقا وباطلا معا فإن الناس ليس يخلو وصلهم من رشق أسهم العذال فيه ولقد سمعت محمد بن عثمان العقبي يقول سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول قال محمد بن حميد ... ومن ذا من عيوب الناس ناج ... بحق قيل فيه أو قراف


قبيح بي إذا خاللت خلا ... ولازم خلتي أن لا أكافي ... وكل مودة لا خير فيها ... إذا لم تحتمل حق المصافي ... فأما في الكلام فكم وفي ... ولكن في الشدائد لا يوافي ... إذا أحببت لم أنقض إخائي ... ولم أبن الإخاء على اعتساف ... ولكن امنح الكرماء ودا ... ولا أدعو اللئام إلى العطاف ... متى تقطع صديقك بعد وصل ... ولا تثبت فعهدك غير واف ... إذا ما المرء أدبر لم تطقه ... وصار المستقيم إلى خلاف ... سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت محمد بن عبد الرحمن يقول سمعت أبا عمار الحسين بن حريث يقول قيل لرجل ألك عيوب قال لا قيل له فلك من يلتمسها قال نعم قال فما أكثر عيوبك قال أبو حاتم رضى الله عنه السبب المؤدي إلى الهجران بين المسلمين ثلاثة أشياء إما وجود الزلة من أخيه ولا محالة يزل فلا يغضي عنها ولا يطلب لها ضدها وإبلاغ واش يقدح فيه ومشى عاذل بثلب له فيقبله ولا يطلب لتكذيبه سببا ولا لأخيه عذرا وورود ملل يدخل على أحدهما فإن الملالة تورث القطع ولا يكون لملول صديق ولقد أخبرني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن إبراهيم اليعمري حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم الأصبهاني أنشدني بعض أهل الأدب ... إن الملولة وده ... مثل السراب يذم ورده ... أو كالسحاب الزائد البراق ... لم يصدقك وعده ... أو كالحسام هززته ... عند الضراب فكل حده ... لا تقبلن إخاءه ... فوعيده كذب ووعده ... بينا يودك رأى ... عينيك إذ بدا لك منه صده


وتغيرت أخلاقه ... وازور حتى مال خده ... أنبأنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز حدثنا معمر بن سهل حدثنا إبراهيم ابن بشار عن سفيان قال كان لابن شبرمة أخ فجفاه فكتب اليه ... كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يحل لمسلم ان يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام فمن فعل ذلك كان مرتكبا لنهى النبي صلى الله عليه وسلم وخيرهما الذي يبدأ بالسلام والسابق بالسلام يكون السابق إلى الجنه ومن هجر أخاه سنة كان كسفك دمه ومن مات وهو مهاجر أخاه دخل النار إن لم يتفضل الله عليه بعفو منه ورحمة وغاية ما أبيح من الهجران بين المسلمين ثلاثة أيام ولقد أنشدني عبيد الله بن محمد الأنماطي قال أنشدني محمد بن الحسن ... يا سيدي عندك لي مظلمة ... فاستفت فيها ابن أبي خيثمة ... فإنه يرويه عن شيحه ... قال روى الضحاك عن عكرمة ... عن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالمرحمه ... إن صدود الخل عن خله ... فوق ثلاث ربنا حرمه ... وأنشدني محمد بن شاه الأبيوردي بالموصل ... ماودني أحد إلا بذلت له ... صفو المودة منى آخر الأبد ... ولا جفاني وإن كنت المحب له ... إلا دعوت له الرحمن بالرشد ... ولا ائتمنت على سر فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي ... ولا أخون خليلي في خليلته ... حتى أغيب في الأكفان واللحد ... أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا أحمد بن عبد الله بن شجاع حدثنا محمد بن سماعة


قال جئت يوما إلى أبي على المصري أسلم عليه قال فبش بي واحتملني في حجرة ثم قال ... حسبي بوصلك في حياتي لذة ... ورضيت في ذاك المعاد ثوابا ... لو كنت رزقي ما أردت زيادة ... ولقلت أحسن خالقي وأطابا ... ذكر الحث على لزوم الحلم عند الأذى أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا حليم إلا ذو عثرة ولا حليم إلا ذو تجربة قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا الخبر في الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن بأن العرب تضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام وتنفي الاسم عن الشيء للنقص من الكمال فلما كان الغالب على المرء أن لا يكون حليما حتى يكون ذا عثرة نفي النبي صلى الله عليه وسلم اسم الحليم عمن لم يكن بذي عثرة لنقصه عن الكمال فالحليم عظيم الشأن رفيع المكان محمود الأمر مرضي الفعل والحلم اسم يقع على زم النفس عن الخروج عند الورود عليها ضد ما تحب إلى ما نهى عنه فالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والإناة والتثبت ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام ولقد حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد حدثنا يحيى ابن معين قال حدثنا الحسن بن واقع عن ضمرة قال الحلم أرفع من العقل لأن الله تبارك وتعالى تسمى به


وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... ألم تر أن الحلم زين مسود ... لصاحبه والجهل للمرء شائن ... فكن دافنا للشر بالخير تسترح ... من الهم إن الخير للشر دافن ... وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... إذا شئت يوما أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم ... وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشر سن من الظلم ... وأنشدني علي بن محمد البسامي ... فارض بما حم من قضاء ... يصبك من ذلك الخيار ... وعش حميدا رخى بال ... ما زانك الحلم والوقار ... قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من نفاسة اسم الحلم وارتفاع قدرة أن الله جل وعلا تسمى به ثم لم يسم بالحلم في كتابه أحدا إلا إبراهيم خليله وإسحاق ذبيحه حيث قال إن إبراهيم لآواه حليم وقال فبشرناه بغلام حليم ولو لم يكن في الحلم خصلة تحمد إلا ترك أكتساب المعاصي والدخول في المواضع الدنسة لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق الحلم ما وجد إلى استعماله سبيلا والحلم سجية أو تجربة أو هما


حدثنا أبو حمزة محمد بن عمر بن يوسف حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا أبو أسامه عن هشام بن عروة عن أبيه قال سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول لا حلم إلا بالتجربة وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... صاف الصديق بوده ... وإذا دنا شبرا فزده ... واحلم إذا نطق السفيه ... فمن يرد جهلا يجده ... أنبأنا محمد بن علي الصيرفي بالبصرة حدثنا ابن أبي الشوارب حدثنا أبو عوانه عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتوخ الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه وأنشدني الكريزي ... إذا أنا كافيت الجهول بفعله ... فهل أنا إلا مثله إذ أحاوره ... ولكن إذا ما طاش بالجهل طائش ... على فإني بالتحلم قاهره ... أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا يحيى بن معين حدثنا عثمان ابن صالح حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن رجلا كتب إلى أخ له أعلم ان الحلم لباس العلم فلا تعرين منه قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يلزم الحلم عن الناس كافة فإن صعب ذلك عليه فليتحالم لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم وأول الحلم المعرفة ثم التثبت ثم العزم ثم التصبر ثم الصبر ثم الرضا ثم الصمت والإغضاء وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء فأما من أحسن إلى المحسن وحلم عمن لم يؤذه فليس ذلك بحلم ولا إحسان


ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا إسحاق بن زكريا حدثنا عبد الصمد ابن حسان حدثنا أو عمر المازني عن وهب بن منبه أنه قال يا بني لا تجادلن العلماء فتهون عليهم فيرفضوك ولا تمارين السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأى رأيهم وينجو من السفهاء من صمت وسكت عنهم ولا تحسبن أنك إذا ماريت الفقيه إلا زدته غيظا دائبا ولا تحمين من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه ولا تفضح نفسك لتشفى غيظك فإن جهل عليك جاهل فلينفعن إياك حلمك وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرك وما فضلك على غيرك فإذا أردت الفضيلة فأحسن إلى من أساء اليك واعف عمن ظلمك وانفع من لم ينفعك وانتظر ثواب ذلك من قبل الله فإن الحسنة الكاملة التي لا يريد صاحبها عليها ثوابا في الدنيا وأنشدني محمد بن حبيب الواسطي ... إذا المرء لم يصرف عذابا من الأذى ... حياء ولم يغفر لأخرق مذنب ... فلم يصطنع إلا قليلا صديقه ... ومن يدفع العوراء بالحلم يغلب ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... احفظ لسانك إن لقيت مشاتما ... لا تجرين مع اللئيم إذا جرى ... من يشترى عرض اللئيم بعرضه ... يحوي الندامة حين يقبض ما اشترى ... أنبأنا إبراهيم بن نصر العنبري حدثنا علي بن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم ابن رستم قال سمعت ابن المبارك يقول دعانا عبد الله بن عون إلى طعامه فكنا نأكل فجاءت الخادم ومعها صحفة فعثرت في ثوبها فسقطت الصحفة من يدها فقال لها ابن عون مترس آزادي حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال قال محمد بن


السعدى لابنه عروة لما ولى اليمن إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك والى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي والناس على ضروب ثلاثة رجل أعز منك ورجل أنت أعز منه ورجل ساواك في العز فالتجاهل على من أنت أعز منه لؤم وعلى من هو أعز منك جنف وعلى من هو مثلك هراش كهراش الكلبين ونقار كنقار الديكين ولا يفترقان إلا عن الخدش والعقر والهجر ولا يكاد يوجد التجاهل وترك التحالم إلا من سفيهين ولقد أحسن الذي يقول ... ما تم حلم ولا علم بلا أدب ... ولا تجاهل في قوم حليمان ... وما التجاهل إلا ثوب ذي دنس ... وليس يلبسه إلا سفيهان ... وأنشدني أبن زنجي البغدادي ... وما شيء أسر إلى لئيم ... إذا شتم الكرام من الجواب ... متاركة اللئيم بلا جواب ... أشد عليه من مر العذاب ... وأنشدني الكريزي ... تجرد ما استطعت من السفيه ... بحسن الحلم إن العز فيه ... فقد يعصي السفيه مؤدبيه ... ويبرم باللجاجه منصفيه ... تلين له فيغلظ جانباه ... كعير السوء يرمح عالقيه ... أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الحسن بن محمد الأزدي الكوفي حدثنا عمر بن حفص بن غياث عن أبيه قال كنت جالسا عند جعفر بن محمد ورجل


يشكو رجلا عنده قال لي كذا و فعل لى كذا فقال له جعفر من أكرمك فأكرمه ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه قال أبو حاتم رضى الله عنه ما ضم شيء إلى شيء هو أحسن من حلم إلى علم وما عدم شيء في شيء هو أوحش من عدم الحلم في العالم ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت وربما يدفع العاقل إلى الوقت بعد الوقت إلى من لا يرضيه عنه الحلم ولا يقنعه عنه الصفح فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم ولقد حدثني محمد بن المنذر حدثنا يزيد بن عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن ابن إبراهيم حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز أن رجلا استطال على سليمان بن موسى فسكت له سليمان وانتصر له أخوه قال فقال مكحول ذل من لا سفيه له حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه قال قال أبو حنيفة لشيطان الطاق ما تقول في المتعة قال حلال قال فيسرك أن أمك تزوجت متعه فسكت عنه ساعة ثم قال يا أبا حنيفه ما تقول في النبيذ قال حلال قال وشربه وبيعه وشاؤه قال نعم قال فيسرك أن أمك نباذه قال فسكت عنه أبو حنيفه أنشدني علي بن محمد البسامي ... إذا كنت بين الحلم والجهل قاعدا ... وخيرت أني شئت فالحلم أفضل ... ولكن إذا انصفت من ليس منصفا ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أفضل ... وأنشدني محمد بن حبيب الواسطي ... إذا أمن الجهال جهلك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم ... فعم عليه الجهل والحلم والقه ... بمرتبة بين العداوة والسلم


فيرجوك تارات ويخشاك تارة ... وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم ... حدثنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا يزيد بن عبد الصمد الدمشقي حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال لا حلم لمن لا جاهل له وحدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق قال قال المأمون يحسن بالملوك الحلم عن كل أحد إلا عن ثلاثة قادح في ملك أو مذيع لسر أو متعرض لحرمة قال أبو حاتم رضى الله عنه الحلم على ضربين أحدهما ما يرد على النفس من قضاء الله من المصائب التي امتحن الله بها عباده فيصبر العاقل تحت ورودها ويحلم عن الخروج إلى ما لا يليق بأهل العقل والآخر ما يرد على النفس بضد ما تشتهيه من المخلوقين فمن تعود الحلم فليس بمحتاج إلى التصبر لاستواء العدم والوجود عنده كما حدثنا أبو حمزة محمد بن يوسف بن عمر بنسا حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا عبد الله بن صالح العجلي قال سمعت ابن أبي عتبة يقول قيل للأحنف بن قيس التميمي ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم التميمي أتاه آت وهو محتب فقال ابن أخيك قتل أبنك قال عصى ربه وفت عضده وقطع رحمه جهزوه وما حل حبوته فمنه تعلمت الحلم حدثنا محمد بن شاذل الهاشمي حدثنا أحمد بن الخليل البغدادي حدثنا علي بن الحسين بن شقيق أخبرنا عبد الله عن جعفر بن سليمان قال كانت امرأة بالبصرة متعبدة تصيبها المصائب فننكر من صبرها حتى أصابتها مصيبة موجعه فصبرت فذكرت ذلك لها فقالت ما من مصيبة تصيبني فأذكر معها النار إلا صارت في عيني مثل التراب حدثنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي بالبصرة حدثنا عمرو بن إسحاق بن خلاد الجهضمي حدثنا خالد بن خداش حدثنا ابن وهب عن بكر بن مضر


قال كان أبو الهيثم مات ولده وبقى له بني صغير فمات فأتاه إخوانه يعزونه وهو في ناحية المسجد فقال لهم تركني حزن يوم القيامة لا آسى على شيء فاتني ولا أفرح لما أتاني حدثنا محمد بن اسحاق الثقفي حدثنا القاسم بن الحسن الزبيدي حدثنا اسحاق بن إبراهيم قال مات ابن لشريح فلم يصيحوا عليه ولم يشعر به أحد فقيل له يا أبا آمنه كيف هو قال قد سكن علزه ورجاه أهله ولم يكن منذ اشتكى أسكن منه الليلة ذكر الحث على لزوم الرفق في أمور وكراهية العجلة فيها حدثنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أبن أبي مليكة عن يعلي بن مملكة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير ومن منع حظه من الرفق فقد منع حظه من الخير قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها وترك العجله والخفة فيها إذ الله تعالى يحب الرفق في الأمور كلها ومن منع الرفق منع الخير كما أن من أعطى الرفق أعطى الخير ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... الرفق ممن سيلقى اليمن صاحبه ... والخرف منه يكون العنف والزلل ... والحزم أن يتأنى المرء فرصته ... والكف عنها إذا ما أمكنت فشل


والبر لله خير الأمر عاقبة ... والله للبر عون ماله مثل ... خير البريه قولا خيرهم عملا ... لا يصلح القول حتى يصلح العمل ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ... الرفق أيمن شيء أنت تتبعه ... والخرق أشأم شيء يقدم الرجلا ... وذو التثبت من حمد إلى ظفر ... من يركب الرفق لا ليستحقب الزللا ... حدثنا محمد بن أبي على الخلادي حدثنا محمد بن خلف البسامي عن أحمد ابن موسى الأزرق أنه أنشده ... وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدى العقول أو العيوب المنطق ... لا ألفينك ثاويا في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق ... لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يلزم الرفق في الأوقات والإعتدال في الحالات لأن الزيادة على المقدار في المبتغي عيب كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف ولا دليل أمهر من رفق كما لا ظهير أوثق من العقل ومن الرفق يكون الاحتراز وفي الاحتراز ترجي السلامة وفي ترك الرفق يكون الخرق وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة ولقد أنشدني الأبرش ... عليك بوجه القصد فاسلك سبيله ... ففي الجور إهلاك وفي القصد مسلك ... إذا أنت لم تعرف لنفسك قدرها ... تحملها مالا تطيق فتهلك ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الرافق لا يكاد يسبق كما أن العجل لا يكاد يلحق وكما أن من سكت لا يكاد يندم كذلك من نطق لا يكاد يسلم والعجل يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويحمد قبل أن يجرب ويذم بعد ما يحمد يعزم قبل أن يفكر ويمضي قبل أن يعزم والعجل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة وكانت العرب تكنى العجله أم الندامات


ولقد أنشدني بعض أهل العلم ... العجز ضر وما بالحزم من ضرر ... وأحزم الحزم سوء الظن بالناس ... لا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أمنت فما بالحزم من باس ... أخبرنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب قال كان يقال لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الحر حريصا ولا الكريم حسودا ولا الشره غنيا ولا الملول ذا إخوان وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... تصعب حتى لا ترى فيه مرتقى ... وإن الذي يصطاده الفخ إن عتا ... على الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العجله تكون من الحدة وصاحب العجله إن اصاب فرصته لم يكن محمودا وإن أخطأها كان مذموما والعجل لا يسير إلا مناكبا للقصد منحرفا عن الجادة يلتمس ما هو أنكد وأوعر وأخفى مسارا يحكم حكم الورهاء ويناسب أخلاق النساء ولقد حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا مهدى بن سابق قال قال خالد بن برمك من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه العجله واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وثمرة اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضة وثمرة التواني الذل قال أبو حاتم رضى الله عنه العجلة موكل بها الندم وما عجل أحد إلا اكتسب ندامة واستفاد مذمة لأن الزلل مع العجل والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه ولا يكون العجول محمودا أبدا والعاقل يعلم أن العجز في الأمور يقوم في النقص مقام الإفراط في السعي فيتجنبهما معا ويجعل لنفسه مسلكا بينهما ولقد حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب


حدثني إبراهيم بن عاصم قال سمعت صدقة يقول سمعت الشمردل يقول نكح العجز التواني فولد الندامة قال أبو حاتم رضى الله عنه سبب النجاح ترك التواني ودواعي الحرمان الكسل لأن الكسل عدو المروءة وعذاب على الفتوة ومن التواني والعجز أنتجت الهلكة وكما أن الأناة بعد الفرصة أعظم الخطأ كذلك العجله قبل الإمكان نفس الخطأ والرشيد من رشد عن العجله والخائب من خاب عن الأناة والعجل مخطيء أبدا كما أن المتثبت مصيب أبدا حدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا محمد بن الحسن المصري حدثني نعيم ابن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر قال كتب عمرو إلى معاوية يعاتبه في التأني أما بعد فإن التفهم في الخير زيادة ورشد وإنه من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعاني أو قال المعالي ولا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وتصبره شهوته ولا يدرك ذلك إلا بقوة الحلم وأنشدني محمد بن حبيب الواسطي ... بني إذا ما ساقك الضر فاتئد ... فللرفق أولى بالأريب واحرز ... فلا تحمين عند الأمور تعززا ... فقد يورث الذل الطويل التعزز ... أخبرني محمد بن المنذر حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب قال قال أكثم بن صيفي ما يسرني أني نزلت بدار معجزة فأسمنت وألبنت قيل له لم قال لأني أخاف أن أتخذ العجز عادة وأنشدني المنتصر بن بلال ... وعليك في بعض الأمور صعوبة ... والرفق للمستصعبات مدان ... وبحسن عقل المرء يثبت حاله ... وعلى المغارس تثمر العيدان


حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عبد الله ابن عياش عن أبيه قال شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال معاويه كذبت فقال الأعرابي إن الكاذب للمتزمل في ثيابك فقال معاوية هذا جزاء من يعجل ذكر الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحة حدثنا الحسين بن إدريس الأنصاري أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن زيد بن أسلم عن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا قال أبو حاتم رضى الله عنه قد شبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر البيان بالسحر إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس اليه بحسن فصاحته ونظم كلامه فالأنفس تكون اليه تائقة والأعين إليه رامقه ولقد حدثنا أبو خليفة حدثنا أبو محمد التوزي النحوي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا حبان بن علي قال سمعت ابن شبرمه يقول ما رأيت لباسا على رجل أحسن من فصاحة ولا على أمرأة من شحم وإن الرجل ليتكلم فيعرب فكأن عليه الخز الأدكن وإن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عليه أسمالا إن احببت أن يصغر في عينك الكبير ويكبر في عينك الصغير فتعلم النحو وانشدني الكريزي ... أكرم بذى أدب أكرم بذي حسب ... فإنما العزم في الأحساب والأدب ... والناس صنفان ذو عقل وذو أدب ... كمعدن الفضة البيضاء والذهب ... وسائر الناس من بين الورى همج ... كانوا موالى أو كانوا من العرب ... وأنشدني البسامي


ليس المسود بالمال سؤدده ... بل المسود من قد ساد بالأدب ... لأن من ساد بالأموال سؤدده ... ما دام في جمع ذا الأموال والنشب ... إن قل يوما له مال يصير إلى ... هون من الأمر في ذل وفي تعب ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتزر به العاقل والأدب صاحب في الغربه ومؤنس في القلة وزين في المحافل وزيادة في العقل ودليل على المروءة ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره لأن من غرس فسيلا يوشك أن يأكل رطبها وما يستوي عند أولى النهى ولا يكون سيان عند ذوي الحجى رجلان أحدهما يلحن والأخر لا يلحن وقد حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب السمجي حدثنا أبو داود حدثنا عبد الله بن بكر بن حبيب حدثنا أبي عن سالم بن قتيبة قال كنت عند ابن هبيرة فجرى الحديث حتى ذكروا العربيه فقال والله ما استوى رجلان حسبهما واحد ومروءتهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يحلن إلا ان أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن قال فقلت أصلح الله الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها قال أنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه ويخرج منه ما هو فيه قال قلت صدق الأمير وبر وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... أيها الطالب فخرا بالنسب ... إنما الناس لأم ولأب ... هل تراهم خلقوا من فضة ... أو حديد أو نحاس أو ذهب ... أو ترى فضلهم في خلقهم ... هل سوى لحم وعظم وعصب ... إنما الفضل بحلم راجح ... وبأخلاق كرام وأدب


ذاك من فاخر في الناس به ... فاق من فاخر منهم وغلب ... وأنشدني محمد بن نصر بن نوفل أنشدني عبد العزيز بن أحمد بن بكار إمام مسجد مكه ... ما حلة نسجت بالدر والذهب ... إلا وأحسن منها المرء بالأدب ... حدثنا محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا أحمد بن محمد المسروقي حدثنا محمد بن الحسين البرجلاني حدثنا أبو عمر العمري حدثني عبد الله بن سلمة بن مرداس عن أبيه قال قال لي رجل من حكماء الفرس أقرب القرابة المودة الدائمة وأفضل ما ورث الأباء الأبناء حسن الأدب قال أبو حاتم رضى الله عنه أفضل ما ورث أب أبنا ثناء حسن وأدب نافع والخرس عندي خير من البيان بالكذب كما أن الحصور خير من العاهر فيجب على العاقل ان يذكى قلبه بالأدب كما يذكى النار بالحطب لأن من لم يذك قلبه ران حتى يسود ومن تعلم الأدب فلا يتخذه للمماراة عدة ولا للمباراة ملجأ ولكن يقصد قصد الانتفاع بنفسة وليستعين به على ما يقر به إلى بارئه ولقد انشدنى عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... ادب المرء كلحم ودم ... ما حواة رجل الا صلح ... لو وزنتم رجلا ذا أدب ... بألوف من ذوى الجهل رجح ... انبأنا احمد بن بشر الكرجى حدثنا محمود بن الخطاب حدثنا رستة عبد الرحمن بن عمر قال سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول ما ندمت على شىء ندامتى انى لم انظر في العربية سمعت اسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل القاضى يقول سمعت ابن اخى الأصمعى يقول سمعت عمى يقول تعلموا النحو فإن بنى إسرائيل كفروا بكلمة


واحدة كانت مشددة فخففوها قال الله يا عيسى إني ولدتك فقرأوا يا عيسى إني ولدتك مخفف فكفروا حدثنا الحسن بن إسحاق الإصبهاني حدثنا أبو أمية حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا أبو زيد النحوى قال جاء رجل إلى الحسن فقال ما تقول في رجل ترك ابيه وأخيه فقال الحسن ترك أباه و أخاه قال الرجل فما لأباه ولأخاه فقال الحسن فما لأبيه ولأخيه فقال الرجل كلما تابعتك خالفت قال أبو حاتم رضي الله عنه لا زينة أحسن من زينة الحسب كما أن من أجمل الجمال استعمال الأدب ولا حسن لمن لا أدب له ومن كان من اهل الأدب ممن لا حسب له يبلغ به أدبه مراتب أهل الأحساب لأن حسن الأدب خلف من الحسب وليست الفصاحة إلا إصابة المعنى والقصد ولا البلاغة إلا تصحيح الأقسام واختيار الكلام ومن أحمد الفصاحة الأقتدار عند البداهة والغزارة عند الإطالة وأحسن البلاغة وضوح الدلالة وحسن الإشارة ولقد سمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول سمعت أبا داود السنجي يقول سمعت الأصمعي يقول ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة وإن أبلغ الكلام ما لم يكن بالقروي المجدع ولا البدوي المعرب وأنشدني الكريزي ... ولم أر فضلا تم إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على أدب ... ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب ... حدثنا عمر بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي قال قال المدائني ذكر عند على بن عبد الله بن عباس بلاغة رجل فقال إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله


قال أبو حاتم رضى الله عنه الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر إلا أن بعضه أفضل من بعض ومنه ما يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم لكثرة قراءتهم الأحاديث وخوضهم في أنواع العلوم ولقد سمعت محمد بن نصر بن نوفل يقول سمعت أبا داود السنجي أو حدثني سهل بن هاني عنه قال سمعت الأصمعي يقول إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن لحانا ولم يلحن في حديثه فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه ... وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه ... حتف امريء لسانه ... في جده أو لعبه ... بين اللهي مقتله ... ركب في مركبه ... سمعت أحمد بن الخطاب بن مهران بتستر يقول سمعت عثمان بن خرزاد يقول سمعت علي بن الجعد يقول سمعت شعبة يقول مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابة عليها المخلاة ليس فيها شيء ذكر إباحة جمع المال للقائم بحقوقه حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين ابن بنت الحسن بن عيسى بن ماسرجس حدثنا جدي حدثنا ابن المبارك أنبأنا موسى بن على بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عمرو نعما المال الصالح للرجل الصالح


قال أبو حاتم رضى الله عنه هذا الخبر يصرح عن النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة جمع المال من حيث يجب ويحل للقائم فيه بحقوقه لأن في تقرينه الصلاح بالمال والرجل معا بيانا واضحا لأنه إنما أباح في جمع المال الذي لا يكون بمحرم على جامعه ثم يكون الجامع له قائما بحقوق الله فيه ولقد ذكرت هذه المسألة بتمامها بالعلل والحكايات في كتاب الفضل بين الغنى والفقر بما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب أنشدني منصور بن محمد الكريزي ... إذا كان ما جمعت ليس بنافع ... فأنت واقصى الناس فيه سواء ... على أن هذا خارج من أثامه ... وأنت الذي تجزي به وتساء ... أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو عياد حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته فقال عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم ويستغني به عن اللئيم وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من أحسن ما ينتفع المرء به في عمره وبعد الممات تقوى الله والعمل الصالح فالواجب على العاقل أن يعمل في شبابه فيما يقيم به أوده كالشيء الذي لا يفارقه أبدا وفيما يصلح به دينه كالشيء الذي لا يجده غدا وليكن تعاهده لماله ما يصلح به معاشه ويصون به نفسه وفي دينه ما يقدم به لآخرته ويرضى به خالقه والفاقه خير من الغنى بالحرام والغنى الذي لا مروءة له أهون من الكلب وإن هو طوق وخلخل حدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا عمران بن موسى بن أيوب حدثني أبي


حدثني عيسى بن يونس عن محمد بن سوقه عن محمد بن المنكدر قال نعم العون على تقوى الله الغني وانشدني على بن محمد البسامي ... أرى كل ذي مال يسود بماله ... وإن كان لا أصل هناك ولا فصل ... وآخر منسوبا إلى الرأي خاملا ... وأنوك مجهولا له الجاه والنبل ... فلا ذا بفضل الرأي أدرك بلغة ... ولم أر هذا ضره النوك والجهل ... وأنشدني منصور بن محمد الكريزي ليحيى بن أكثم ... إذا قل مال المرء قل بهاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه ... وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه ... ولم يمض في وجه من الأرض واسع ... من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه ... وأصبح مردودا عليه مقالا وكان به قد يقتدى خطباؤه ... وإن يبق لم يضرر عدوا بقاؤه ... وإن يفن لم يفقد لخير فناؤه ... حدثني محمد بن المهاجر حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري عن سليمان بن أبي شيخ حدثني الزبيري قال مر عمر بن الخطاب بمحمد بن مسلمة وهو يغرس وديا فقال ما تصنع يا ابن مسلمة قال ما ترى أستغنى عن الناس كما قال صاحبكم أحيحه بن الجلاح ... استغن أومت فلا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عم ولا خال ... إني أظل على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال ... أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا علي بن عبد الرحمن عن عبدان قال دخلت على عبد الله المبارك وهو يبكي فقلت له مالك يا أبا عبد الرحمن قال بضاعة لي ذهبت قال قلت أو تبكي على المال قال إنما هو قوام ديني قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من اسعد الناس من كان في غناه عفيفا


وفي مسكنته قنعا لأن من نزل به الفقر لم يجد بدا من ترك الحياء والفقر يذهب العقل والمروءة ويذهب العلم والأدب وكاد الفقر أن يكون كفرا ومن عرف بالفقر صار معدنا للتهمه ومجمعا للبلايا اللهم إلا أن يرزق المرء قلبا نقيا قنعا يرى الثواب المدخر من الضجر الشديد فحينئذ لا يبالي بالعالم بأسرهم والدنيا وما فيها والفقر داعية إلى المهانه كما أن الغني داعية إلى المهابه ولقد أحسن الذي يقول ... يغطي عيوب المرء كثرة ماله ... وصدق فيما قال وهو كذوب ... ويزري بعقل المرء قلة ماله ... يحمقه الأقوام وهو لبيب ... أنبأنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي حدثنا النمر بن قادم حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال قال لي أبو قلابة يا أيوب الزم سوقك فإنك لا تزال كريما على إخوانك ما لم تحتج إليهم وأنشدني العقبي أنشدني محمد بن خلف التيمي بالكوفة ... كأن مقلا حين يغدو لحاجة ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب ... وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب ... وأنشدني الكريزي ... لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... نسيبا وإن الفقر بالمرء قد يزري ... ولا رفع النفس الدنيئة كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر ... حدثنا محمد بن يحيى العمى ببغداد حدثنا الصلت بن مسعود حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب قال قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافيه قال أبو حاتم رضى الله عنه ليس خلة هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان الفقير حليما قيل بليد وإن كان عاقلا قيل مكار وإن كان بليغا قيل مهذار وإن كان ذكيا قيل حديد وإن كان صموتا قيل عيي وإن


كان متأنيا قيل جبان وإن كان عارما قيل جريء وإن كان جوادا قيل مسرف وإن كان مقدار قيل ممسك وشر المال ما اكتسب من حيث لا يحل وأنفق فيما لا يجمل ووجوده وعدمه ليسا بتجلد ولا بكثرة حيلة ولكنه اقسام ومواهب من الخلاق العليم ولقد أنشدني الأبرش ... يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام ... وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدود بأرزاق وأقسام ... كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرامي ... حدثني محمد بن سعيد القزاز حدثنا أحمد بن داود بن موسى العطار حدثنا أحمد بن نصر العدني حدثنا المندني قال قال أبو قيس بن معد يكرب وكان له أحد عشر ذكرا يا بني اطلبوا هذا المال أجمل الطلب واصرفوه في أحسن مذهب صلوا به الأرحام واصطنعوا به الأقوام واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم فإن جمعه كمال الأدب وبذله كمال المروءة حتى إنه ليسود غير السيد ويقوى غير الأيد وحتى إنه ليكون في أنفس الناس نبيها وفي أعينهم مهيبا ومن جمع مالا فلم يصن عرضا ولم يعط سائلا بحث الناس عن أصله فإن كان مدخولا هتكوه وان كان صحيحا نسبوه إما إلى عرض دنيه وإما إلى لوص لئيم حتى يهجنوه


حدثني مطهر بن يحيى بن ثابت بواسط حدثنا سنان القطان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال سمع رجل صوتا في غمام اذهبي إلى أرض فلان فاسقيه قال فقال الرجل لآتين فلانا هذا فلأنظرن ما يعمل في أرضه فأتاه وقد مطر فيها وهو قائم يفتح الأواعي فسلم عليه وقال يا عبد الله أخبرني ما تعمل في أرضك هذه قال أنظر إلى ما أخرج الله منها فأرد فيها ثلثه وأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه قال علقمه فكان ابن مسعود يبعثني إلى أرض له بزازان أفعل فيها مثل ذلك قال أبو حاتم رضى الله عنه إن شر المال مالا يخرج منه حقوقه وإن شرا منه ما أخذ من غير حله ومنع من حقه وأنفق في غير حله واستثمار المال قوام المعاش ولا بد للمرء من إصلاح ماله وما ارتفع أحد قط عن إصلاح ماله صالحا كان أو طالحا ولا يجب للعاقل أن يعتمد على مجاورة نعم الله عنده فلا يقضي منها حقوقها لأن من اساء مجاورة نعم الله أساءت مجاورته وتحولت عنه إلى غيره ولقد أنشدني ابن زنجي البغدادي ... فإن كنت في خير فلا تغترر به ... ولكن قل اللهم سلم وتمم ... فمن لم يصن عرضا إذا ما استفاده ... ويشكر لأهل الخير يسلب ويذمم ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق ... ورب مملك مالا كثيرا ... ولكن حظه منه قليل ... يعيش بفضله هذا وهذا ... وقد سالت به فيه سيول ... له منه الذي يحيا عليه ... بعيشته وسائره فضول


حدثنا أحمد بن الحسين الحرازي بالموصل حدثنا أحمد بن سنان القطان حدثنا كثير بن هشام عن عيسى بن إبراهيم عن معاوية بن عبد الله عن كعب قال أول من ضرب الدينار والدرهم آدم وقال لا تصلح المعيشة إلا بهما قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات في كتاب السخاء والبذل فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ذكر الحث على إقامة المروءات حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل القاضي وعبد الله بن محمود بن سليمان السعدي قالا حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله العتكي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم كرم الرجل دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه قال أبو حاتم رضى الله عنه صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر بأن المروءة هي العقل والعقل اسم يقع على العلم بسلوك الصواب واجتناب الخطأ فالواجب على العاقل أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومه وقد نبغت نابغة اتكلوا على آبائهم واتكلوا على أجدادهم في الذكر والمروءات وبعدوا عن القيام بإقامتها بأنفسهم ولقد أنشدني منصور بن محمد في ذم من هذا نعته ... إن المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المروءة عن أب فأضاعها ... أمرته نفس بالدناءة والخنا ... ونهته عن طلب العلى فأطاعها ... فإذا أصاب من الأمور عظيمة ... يبني الكريم بها المروءة باعها ... وأنشدني محمد بن اسحاق ... خساسة أخلاق الرجال تشينهم ... وقل غناء عنهم النسب المحض


يصولون بالآباء في كل مشهد ... وقد غيبت آباءهم عنهم الأرض ... طويل تبديهم بمجد أبيهم ... وما لهم في المجد طول ولا عرض ... وأنشدني الحسين بن أحمد البغدادي ... ليس الكريم بمن يدنس عرضه ... ويرى مروءته تكون بمن مضى ... حتى يشيد بناءه ببنانه ... ويزين صالح ما أتوه بما أتى ... قال أبو حاتم رضى الله عنه ما رأيت أحدا أخسر صفقة ولا أظهر حسرة ولا أخيب قصدا ولا أقل رشدا ولا أحمق شعارا ولا ادنس دثارا من المفتخر بالآباء الكرام واخلاقهم الجسام مع تعريه عن سلوك أمثالهم وقصد أشباههم متوهما أنهم ارتفعوا بمن قبلهم وسادوا بمن تقدمهم وهيهات أني يسود المرء على الحقيقه إلا بنفسه واني ينبل في الدارين إلا بكده ولقد أنشدني البسامي ... وكم قائل إني ابن بيت هو ابنه ... وقد هدم البيت الذي مات عامره ... فأودى عموداه ورثت حباله ... وأصلح أولاه وأفسد آخراه ... وأنشدني الأبرش ... فإن قلت لي آباء صدق ومنصب ... كريم وإخوان مضت وجدود ... صدقت ولكن أنت هدمت ما بنوا ... بكفك عمدا والبناء جديد ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... إن لم تكن بفعال نفسك ساميا ... لم يغن عنك سمو من تسمو به ... ليس القديم على الحديث براجع ... إن لم تجده آخذا بنصيبه ... ولربما اقترب البعيد بوده ... وغدا القريب مباعدا لقريبه ... أنبأنا الحسين بن محمد بن مصعب السنجي حدثنا أبو داود السنجي حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن قال لا دين إلا بمروءة قال أبو حاتم رضى الله عنه اختلف الناس في كيفية المروءة


فمن قائل قال المروءة ثلاثة إكرام الرجال إخوان أبيه وإصلاحه ماله وقعوده على باب داره ومن قائل قال المروءة إتيان الحق وتعاهد الضعيف ومن قائل قال المروءة تقوى الله وإصلاح الضيعة والغداء والعشاء في الأفنية ومن قائل قال المروءة إنصاف الرجل من هو دونه والسمو إلى من هو فوقه والجزاء بما أتى إليه ومن قائل قال مروءة الرجل صدق لسانه واحتماله عثرات جيرانه وبذله المعروف لأهل زمانه وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه ومن قائل قال إن المروءة التباعد من الخلق الدنى فقط ومن قائل قال المروءة أن يعتزل الرجل الريبة فإنه إذا كان مريبا كان ذليلا وأن يصلح ماله فإن من أفسد ماله لم يكن له المروءة والإبقاء على نفسه في مطعمه و مشربه ومن قائل قال المروءة حسن العشرة وحفظ الفرج واللسان وترك المرء ما يعاب منه ومن قائل قال المروءة سخاوة النفس وحسن الخلق ومن قائل قال المروءة العفة والحرفه أي يعف عما حرم الله ويحترف فيما أحل الله ومن قائل قال المروءة كثرة المال والولد ومن قائل قال المروءة إذا أعطيت شكرت وإذا ابتليت صبرت وإذا قدرت غفرت وإذا وعدت أنجزت ومن قائل قال المروءة حسن الحيلة في المطالبة ورقة الظرف في المكاتبة ومن قائل قال المروءة اللطافة في الأمور وجودة الفطنة


ومن قائل قال المروءة مجانبة الريبة فإنه لا ينبل مريب وإصلاح المال فإنه لا ينبل فقير وقيامه بحوائج أهل بيته فإنه لا ينبل من احتاج أهل بيته إلى غيره ومن قائل قال المروءة النظافة وطيب الرائحة ومن قائل قال المروءة الفصاحة والسماحة ومن قائل قال المروءة طلب السلامة واستعطاف الناس ومن قائل قال المروءة مراعاة العهود والوفاء بالعقود ومن قائل قال المروءة التذلل للأحباب بالتملق ومداراة الأعداء بالترفق ومن قائل قال المروءة ملاحة الحركة ورقة الطبع ومن قائل قال المروءة هي المفاكهه والمباسمه حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مسلم بن عبيد أبو فراس قال قال ربيعه المروءه مروئتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله وقراءة القرآن قال أبو حاتم رضى الله عنه اختلفت ألفاظهم في كيفية المروءة ومعاني ما قالوا قريبة بعضها من بعض والمروءة عندي خصلتان اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال واستعمال ما يحب الله والمسلمون من الخصال وهاتان الخصلتان يأتيان على ما ذكرنا قبل من اختلافهم واستعمالهما هو العقل نفسه كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم إن مروءة المرء عقله ومن أحسن ما يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح


ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي ... احتل لنفسك أيها المحتال ... فمن المروءة أن يرى لك مال ... كم ناطق وسط الرجال وإنما ... عنهم هناك تكلم الأموال ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يقيم مروءته بما قدر عليه ولا سبيل إلى إقامة مروءته إلا باليسار من المال فمن رزق ذلك وضن بإنفاقه في إقامة مورءته فهو الذي خسر الدنيا والآخرة ولا آمن أن تفجأه المنيه فتسلبه عما ملك كريها وتودعه قبرا وحيدا ثم يرث المال بعد من يأكله ولا يحمده وينفقه ولا يشكره فأي ندامة تشبه هذه وأي حسرة تزيد عليها ولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... يا جامع المال في الدنيا لوارثه ... هل أنت بالمال قبل الموت منتفع ... قدم لنفسك قبل الموت في مهل ... فإن حظك بعد الموت منقطع ... أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري حدثنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين قال ثلاثة ليست من المروءة الأكل في الأسواق والادهان عند العطار والنظر في مرآة الحجام حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا هشيم عن مغيرة عن الشعبي قال ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام حدثنا محمد بن يحيى بن الحسن العمي ببغداد حدثنا الصلت بن مسعود حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب قال سمعت أبا قلابة يقول ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه وأنشدني البسامي ... اعلم بأنك لا أبالك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن ... إن المنيه لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا تستأذن ... أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال كان


يقال مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلب صدأ الذنوب ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق ومجالسة العلماء تذكي القلوب حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري عن سليمان بن أبي شيخ حدثنا محمد بن الحكم عن عوانه قال قال معاويه بن أبي سفيان آفة المروءة إخوان السوء قال أبو حاتم رضى الله عنه والواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم مروءته فإن المحقرات من ضد المروءات تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقري إلى مراتب العوام وأوباش الناس ولقد حدثنا جعفر بن محمد الهمداني بصور قال سمعت طلحه بن إسحاق ابن يعقوب قال سمعت موسى بن إسحاق الأنصاري يقول سمعت علي بن حكيم الأودي يقول سمعت شريكا يقول ذل الدنيا خمسة دخول الحمام سحرا بلا كرنيب وعبور المعبر بلا قطعه وحضور مجلس العلم بلا نسخه وحاجة الشريف إلى الدني وحاجة الرجل إلى امرأته حدثنا أبو شعبة الحسن بن محمد الإصطخري حدثنا عبد الرحمن بن محمد ابن منصور حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي حدثنا رشدين بن سعد حدثنا طلحة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال من قلة مروءة الرجل نظره في بيت الحائك وحمله الفلوس في كمه


باب الحث على لزوم السخاء ومجانبة البخل أنبأنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر حدثنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي حدثنا سعيد بن محمد الوراق حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الناس والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس ولسخي جاهل أحب إلى الله من بخيل عابد قال أبو حاتم رضى الله عنه إن كان حفظ سعيد بن محمد إسناد هذا الخبر فهو غريب غريب فالواجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى من حطام هذه الدنيا الفانية وعلم زوالها عنه وانقلابها إلى غيره وأنه لا ينفعه في الآخرة إلا ما قدم من الأعمال الصالحة أن يبلغ مجهوده في أداء الحقوق في ماله والقيام بالواجب في أسبابه مبتغيا بذلك الثواب في العقبى والذكر الجميل في الدنيا إذ السخاء محبة ومحمدة كما أن البخل مذمه ومبغضة ولا خير في المال إلا مع الجود كما لا خير في المنطق إلا مع المخبر ولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... الجود مكرمة والبخل مبغضة ... لا يستوي البخل عند الله والجود ... والفقر فيه شخوص والغنى دعه ... والناس في المال مرزوق ومحدوده ... حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي حدثنا محمد ابن يوسف السدوسي حدثنا أحمد بن خالد القثمي حدثنا سليمان مولى عبد الصمد بن علي أن المنصور أمير المؤمنين قال لابنه المهدي اعلم ان رضاء الناس غاية لا تدرك فتحبب إليهم بالإحسان جهدك وتودد إليهم بالإفضال وأقصد بإفضالك موضع الحاجه منهم


وأنشدني محمد بن اسحاق الواسطي ... أعاذلتي اليوم ويحكما مهلا ... وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا ... دعاني تجد كفى بما ملكت يدي ... سأصبح يوما أترك الجود والبخلا ... إذا وضعوا فوق الضريح جنادلا ... علي وخلفت المطية والرحلا ... فلا أنا مختار إذا ما نزلته ... ولا أنا لاق ما ثويت به أهلا ... أنبأنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدثنا لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال كان أبي يقول مال قوم قط أقاموا على ماء عذب حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا بكر بن عامر العتري حدثنا هشام ابن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال من آتاه الله منكم مالا فليصل به القرابه وليحسن فيه الضيافة وليفك فيه العاني والأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين وليصبر فيه على النائبة فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخره قال أبو حاتم رضى الله عنه أجود الجود من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره ومن جاد ساد كما أن من بخل رذل والجود حارس الأعراض كما أن العفو زكاة العقل ومن أتم الجود أن يتعرى عن المنة لأن من لم يمتن بمعروفه وفره والامتنان يهدم الصنائع وإذا تعرت الصنيعة عن إزار له طرفان أحدهما الامتنان والآخر طلب الجزاء كان من أعظم الجود وهو الجود على الحقيقة ولقد أنشدني ابن زنجي ... يا رب عاذلة في الجود قلت لها ... قلى على الله فيما أنفق الخلفا ... هل من بخيل رأيت المال أخلده ... أم هل رأيت جوادا ميتا عجفا ... لما رأتني أوتي المال طالبه ... ولا أبالي تلادا كان ام طرفا ... عدت سماحي تبذيرا ولست أرى ... ما يكسب الحمد تبذيرا ولا سرفا


أنبأنا الحسين بن سفيان حدثنا حبان بن موسى قال قسم ابن المبارك يوما بين إخوانه وأصحاب الحديث ألف درهم ثم أنشأ يقول ... لا خير في المال لكنازه ... إلا جواد الكف وهابه ... يفعل أحيانا بزواره ... ما تفعل الخمر بشرابه ... حدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا الحسن بن محمد عن ابن السماك قال يا عجبي لمن يشتري المماليك بالثمن ولا يشتري الأحرار بالمعروف قال أبو حاتم رضى الله عنه إن من أحسن خصال المرء الجود من غير امتنان ولا طلب ثواب والحلم من غير ضعف ولا مهانة وأصل الجود ترك الضن بالحقوق عن أهلها كما أن أصل تربية الجسد أن لا يحمل عليه في الأكل والشرب والباه فكما لا تنفع المروءة بغير تواضع ولا الحفظ بغير كفاية كذلك لا ينفع العيش بغير مال ولا المال بغير جود وكما ان القرابه تبع للمودة كذلك المحمدة تبع للإنفاق أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا يحيى بن معين حدثنا المبارك ابن سعيد الثوري قال كان يقال ثلاث هن احسن شيء فيمن وجدت فيه تؤدة في غير ذل وجود لغير ثواب ونصب لغير الدنيا حدثنا أيو يعلي بالموصل حدثنا محمد بن الصباح الدولابي حدثنا إسماعيل ابن زكريا عن عاصم الأحول قال قلت للحسن ما معنى قوله صلى لله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى قال يد المعطي خير من يد المانع حدثنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان وعبد الله بن مرة عن كعب قال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان وأنشدني الكريزي ليحيى بن أكثم ... ويظهر عيب المرء في الناس نحله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه ... تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاءه


وأنشدني أحمد بن محمد بن عبد الله اليماني لبعض القرشيين ... سأبذل مالي كلما جاء طالب ... وأجعله وقفا على القرض والفرض ... فإما كريما صنت بالجود عرضه ... وإما لئيما صنت عن لؤمه عرضي ... وأنشدني كامل بن مكرم أبو العلاء أنشدني هلال بن العلاء بن عمر الباهلي ... ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي ... وما وجبت على زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الجواد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها جره إلى النار كما أن الجود شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من أغصانها جره إلى الجنة والجنه دار الأسخياء والبخيل يقال له في أول درجته البخيل فإذا عتا وطغى في الإمساك يقال له الشحيح فإذا ذم الجود والأسخياء يقال له لئيم فإذا صار يحتج للبخلاء ويعذرهم في فعالهم يقال له الملائم وما اتزر رجل بإزار أهتك لعرضه ولا أثلم لدينه من البخل ولقد أنشدني محمد بن أسحاق الواسطي ... لكل هم من الهموم سعه ... والبخل واللؤم لا فلاح معه ... قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه ... أقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه ... سمعت الخطابي بالبصرة يقول سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سأل كسرى أي شيء أضر على ابن آدم قالوا الفقر قال الشح أضر منه إن الفقير إذا وجد اتسع وإن الشحيح لا يتسع إذا وجد أنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب حدثنا ابن أبي القعقاع قال قال أبو الهذيل كنت عند يحيى بن خالد البرمكي فدخل عليه رجل هندي ومعه مترجم له


فقال المترجم إن هذا رجل شاعر قد حاول مدحتك فقال يحيى لينشد فقال الهندي ... أره أصره ككرا كي كره مندره ... فقال يحيى للمترجم ما يقول قال يقول ... إذا المكارم في آفاقنا ذكرت ... فإنما بك فيها يضرب المثل ... قال فأمر له بألف دينار وأنشدني عبد الرحمن بن محمد المقاتلي ... إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل ... إذا قلت لا في كل شيء سئلته ... فليس إلى حسن الثناء سبيل ... وأنشدني عمرو بن محمد الأنصاري أنشدني الغلابي أنشدني مهدي بن سابق ... يا مانع المال كم تضن به ... تطمع بالله في الخلود معه ... هل حمل المال ميت معه ... أما تراه لغيره جمعه ... أنبأنا عمران بن موسى السختياني حدثنا سليمان بن معبد المروزي حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن وهب اخبرني يحيى بن أيوب عن أبي علي الغافقي سمع عامر بن عبد الله اليحصبي قال كان ابن منبه يقول أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله وإن رآه الناس بخيلا بما سوى ذلك وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله وإن رآه الناس كريما جوادا بما سوى ذلك وأنشدني علي بن محمد البسامي ... رب مال سينعم الناس فيه ... وهو عن ربه قليل الغناء ... كان يشقى به وينصب فيه ... ثم أضحى لمعشر غرباء ... ماله عندهم جزاء إذا ما ... نعموا فيه غير سوء الثناء


رب مال يكون ذما وغما ... وغنى يعد في الفقراء ... حدثنا أحمد بن الحسن بن أبي الصغير المدائني حدثنا الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول كان أبو حاتم يعني الطائي سخيا وكان يضع الأشياء مواضعها وكان حاتم مبذرا فاجتمع يوما عند أبيه أصحابه وشكا إليهم حاتما قال والله ما أدري ما اصنع لا يأخذ شيئا إلا بذره فاجتمع رأيهم على أن لا يعطيه شيئا سنه قال فأقام أبوه ولم يمكنه من شيء سنة مع ما هو فيه من الضر فلما مضت السنة أمر له بمائة ناقة حمراء قال فلما وقفت عليه قال حاتم من أحب شيئا فهو له حتى أخذوها كلها فدعاه أبوه فقال له أي بني ماذا تصنع قال والله يا أبي لقد بلغ الجوع مني شيئا لا يسألني أحد شيئا إلا أعطيته إياه وأنشدني عبد العزيز بن سليمان ... تجود بالمال على وارث ... ولا ترى أهلا له نفسكا ... قدم حسن الظن بالله من ... جاد وسوء الظن من أمسكا ... أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال كان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل بهذا الشعر ويعجبه ... وما تزود مما كان يجمعه ... إلا حنوطا غداة البين مع خرق ... وغير نفحة أعواد تشد له ... وقل ذلك من زاد لمنطلق ... أنبأنا أبو يعلي حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال مرض ابن عمر بالمدينه فاشتهى عنبا في غير زمانه قال فطلبوا فلم يجدوا إلا عند رجل فاشترى سبع حبات بدرهم فجاء سائل فأمر له به ولم يذقه قال أبو حاتم رضى الله عنه ما رأيت أحدا من الشرق إلى الغرب أرتدى برداء الجود واتزر بإيزار ترك الأذى إلا رأس أشكاله وأضداده وخضع له


الخاص والعام فمن أراد الرفعه العالية في العقبى والمرتبه الجليله في الدنيا فليلزم الجود بما ملك وترك الأذى إلى الخاص والعام ومن أراد ان يهتك عرضه ويثلم دينه ويمله إخوانه ويستثقله جيرانه فليلزم البخل ولقد ذم البخل أهل العقل في الجاهلية والإسلام إلى يومنا هذا فمنه ما أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... كأنما نقرت كفاه من حجر ... فليس بين يديه والندى عمل ... يرى التيمم في بحر وفي بلد ... مخافة أن يرى في كفه بلل ... وأنشدني عمرو بن محمد أنشدني الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق ... لو أن دارك أنبتت لك واحتشت ... إبرا يضيق بها فناء المنزل ... وأتاك يوسف يستعيرك إبره ... ليخيط قد قميصه لم تفعل ... وأنشدني أحمد بن محمد بن أيوب ... وكفاك لم يخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه ... فكف عن الخير مقبوضه ... كما حط من مائه سبعه ... وأخرى ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه ... سمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول سمعت محمد بن صالح الوركاني يقول قيل للنضر بن شميل أي بيت قالته العرب اسخى قال الذي يقول ... فلو لم تكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله ... قال وأي بيت قالته العرب أبخل فقال ... لو جعل الخردل في كفه ... ما سقطت من كفه خردله ... قال وأي بيت قالته العرب أهجى قال ... العجرفيون لا يوفون ما وعدوا ... والعجرفيات ينجزن المواعيدا


قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل إذا لم يعرف بالسماحة أن لا يعرف بالبخل كما لا يجب إذا لم يعرف بالشجاعه أن يعرف بالجبن ولا إذا لم يعرف بالشهامة أن يعرف بالمهانه ولا إذا لم يعرف بالأمانه أن يعرف بالخيانه إذ البخل بئس الشعار في الدنيا والآخرة وشر ما يدخر من الأعمال في العقبى حدثنا أحمد بن عمرو بن جابر بالرمله حدثنا أبو عتبة الحمصي أحمد بن الفرج حدثنا ضمرة حدثنا إبراهيم بن أبي عبله قال سمعت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز تقول أف للبخل والله لو كان طريقا ما سلكته ولو كان ثوبا ما لبسته حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا العباس بن بكار الهذلي قال قال الحسن من أيقن الخلف جاد بالعطية ذكر الزجر عن ترك قبول الهدايا من الأخوان حدثنا محمد بن صالح الطبري حدثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني بالري حدثنا يحيى بن ضريس حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين قال أبو حاتم رضى الله عنه زجر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر عن ترك قبول الهدايا بين المسلمين فالواجب على المرء إذا أهديت إليه هدية أن يقبلها ولا يردها ثم يثيب عليها إذا قدر ويشكر عنها وإني لأستحب للناس بعث الهدايا إلى الإخوان بينهم إذ الهدية تورث المحبة وتذهب الضغينه ولقد حدثنا محمد بن المهاجر حدثنا الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح


أنبأنا الليث قال سمعت عبد الملك بن رفاعه الفهمي يقول الهدية هو السحر الظاهر حدثني إبراهيم بن أبي أميه بطرسوس حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا سفيان قال لما قعد أبو حنيفة قال للناس مساور الوراق ... كنا من الدين قبل اليوم في سعة ... حتى بلينا بأصحاب المقاييس ... قوم إذا اجتمعوا صاحوا كأنهم ... ثعالب ضبحت بين النواويس ... قال فبلغ ذلك أبا حنيفة فبعث اليه بمال فقال مساور حين قبض المال ... إذا ما الناس يوما قايسونا ... بآبده من الفتيا طريفة ... أتيناهم بمقياس صحيح ... مصيب من طراز أبي حنيفة ... إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفه ... وأنشدني الكريزي ... إن الهدية حلوة ... كالسحر تختلب القوبا ... تدني البعيد من الهوى ... حتى تصيره قريبا ... وتعيد مضطغن العداوة ... بعد بغضته حبيبا ... تنفي السخيمة من ذوي الشحنا ... وتمتحق الذنوبا ... أنبأنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج وإبراهيم بن محمد الدستوائي بتستر قالا حدثنا محمد بن عبيد بن عتبه الكندي حدثنا بكار بن أسود العامري حدثنا إسماعيل بن أبان قال بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه فبعث اليه بكسوة فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش فقيل له كيف تذمه ثم تمدحه قال إن خيثمة حدثني عن عبد الله قال إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء اليها قال أبو حاتم رضى الله عنه قال لنا هذان الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أهابه قال والبشر مجبولون على محبة الإحسان وكراهية


الأذى واتخاذ المحسن اليهم حبيبا واتخاذ المسيء اليهم عدوا فالعاقل يستعمل مع أهل زمانه لزوم بعث الهدايا بما قدر عليه لاستجلاب محبتهم إياه ويفارقه تركه مخافة بغضهم ولقد أنشدني الأبرش ... هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا ... وتزرع في الضمير هوى وودا ... وتكسوك المهابة والجلالا ... مصايد للقلوب بغير لغب ... وتمنحك المحبة والجمالا ... حدثني محمد بن سعيد القزاز حدثنا عبد الله بن لقمان البهراني النجراني حدثنا موسى بن أيوب حدثنا خداش بن المهاجر عن الحسن بن دينار عن ابن سيرين قال كانوا يتهادون الدراهم في الجوالقات والأطباق قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يستعمل الأشياء على ما يوجب الوقت ويرضي بنفاذ القضاء ولا يتمنى ضد ما زرق وإن كان عنده الشيء التافه لا يجب أن يمتنع من بذله لاستحقاره واستقلاله لأن أهون ما فيه لزوم البخل والمنع ومن حقر شيء منعه بل يكون عنده الكثرة والقلة في الحالة سيان لأن ما يورث الكثير من الخصال أورث الصغير بقدره من الفعال حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا أبراهيم بن عمر بن حبيب عن الأصمعي قال دخلنا على كهمس العابد فجاء بخمسة وعشرون بسره حمراء فقال هذا الجهد من أخيكم والله المستعان وأنشدني ابن زنجي ... إن المنى عجب لله صاحبها ... لعل حتف امريء فيما تمناه ... فإن ترى عبرا فيهن معتبر ... يجري بها قدر فالله أجراه



لاتحقرن من الإحسان محقرة ... أحسن فعاقبة الإحسان حسناه ... حدثنا محمد بن أيوب بن مشكان بطبريه قصبة الأردن حدثنا أبو عتبه حدثنا سلمة بن عبد الملك العرضي حدثنا المعافي بن عمران قال سمعت ميمون يقول من رضى من خلة الإخوان بلا شيء فليواخ أهل القبور حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان العقيلي حدثنا نعيم بن حماد قال أنشدني ابن المبارك ... ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا ... والعرف من يأته يحمد عواقبه ... ما ضاع عرف ولو أوليته حجرا ... سمعت يوسف بن يونس الفرغاني يقول بعث أبو السنور الشاعر إلى الأمير أبي الأشعث بطبق ورد يوم النيروز هدية وبعث اليه بهذه الأبيات ... بعثنا ببر تافه دون قدركم ... وما تبعث الألطاف للقل والكثر ... ولكن ظرفا أن تزيد مودة ... فهل تكرمنا بالقبول وبالعذر ... فلو كان بري حسب ما أنت أهله ... أتاك إذا روحي على طبق البر ... سمعت عمر بن محمد الهمداني يقول سمعت وزيره بن محمد الغساني يقول قدم بعض الكتاب العسكر فأهدى اليه إخوانه وكان فيهم من قعدت به الحال فوجه إليه بدقه وأشنان وكتب اليه لو تمت الإرادة جعلت فداءك ببلوغ النية فيه وملكتني الجدة بسط القدرة لأتعبت السابقين إلى برك ولبرزت أمام المجتهدين في فضلك ولكن البضاعة قعدت بالهمة وقصرت عن مساماة أهل النعمة وكرهت أن تطوي صحيفة البر وليس لي فيها ذكر فوجهت اليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته وبالمختتم به لطيبه ونفعه مقتصرا عن ألم التقصير فيه فأما ما سوى ذلك فالمعبر عني فيه قول الله91 191 ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج والسلام حدثنا محمد بن يوسف الأرمني حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز الموصلي حدثنا


محمد بن علي بن الفضل المديني حدثنا عبد الله بن شعيب الزبيري حدثنا محمد ابن اسحاق المسيبي عن القاسم بن المعتمر عن حميد بن معيوف عن أبيه قال كنت ممن شهد الحكم بن حنطب بمنبج وهو يريد أن يموت وقد كان لقي من الموت شدة فقلت أو قال رجل اللهم هون عليه الموت فلقد كان ولقد كان فأثنى عليه فأفاق من غشيته قال من المتكلم قال المتكلم أنا قال إن ملك الموت يقول أني بكل رجل سخي رفيق قال ثم كأن فتيله أطفئت فمات فبلغ ابن هرمه الشاعر موته فأنشأ يقول ... سألا عن المجد والمعروف أين هما ... فقلت إنهما ماتا مع الحكم ... ماتا مع الرجل الموفى بذمته ... يوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم ... ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من التهدم بالمعروف والكرم ... حدثنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن موسى السمري عن حماد بن إسحاق ابن إبراهيم عن أبيه قال قيل للمغيرة بن شعبه ما بقي من لذتك قال الإفضال على إلإخوان قيل فمن أحسن الناس عيشا قال من عاش بعيشه غيره قيل فمن أسوأ الناس عيشا قال من لا يعيش بعيشه أحد ذكر أستحباب التفريج عن الناس بقضاء الحوائج حدثنا أبو عمرو محمد بن محمود النسائي حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا محاضر بن المورع عن الأعمش عن ابي صالح عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفس عن أخيه كربه من كرب الدنيا نفس الله عنه كربه من كرب يوم القيامه ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على المسلمين كافة نصيحة المسلمين والقيام بالكشف عن همومهم وكربهم لأن من نفس كربة من كرب الدنيا عن مسلم


نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن تحرى قضاء حاجته ولم يقض قضاؤها على يديه فكأنه لم يقصر في قضائها وأيسر ما يكون في قضاء الحوائج استحقاق الثناء والإخوان يعرفون عند الحوائج كما أن الأهل تختبر عند الفقر لأن كل الناس في الرخاء أصدقاء وشر الإخوان الخاذل لإخوانه عند الشدة والحاجة كما أن شر البلاد بلدة ليس فيها خصب ولا أمن وأنشدني الكريزي ... خير أيام الفتى يوم نفع ... واصطناع العرف أبقى مصطنع ... ما ينال الخير بالشر ولا ... يحصد الزارع إلا مازرع ... ليس كل الدهر يوما واحدا ... ربما انحط الفتى ثم ارتفع ... حدثنا محمد بن سليمان بن فارس حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا بشر ابن عمر حدثنا الربيع قال كان الحسن يقول قضاء حاجة أخ مسلم أحب الي من اعتكاف شهرين وأنشدني علي بن محمد البسامي ... سابق إلى الخير وبادر به ... فإن من خلفك ما تعلم ... وقدم الخير فكل امريء ... على الذي قدمه يقدم ... حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن موسى البصري حدثنا الأصمعي حدثنا أبو معمر شبيب بن شيبه الخطيب قال لما حضرت ابن سعيد ابن العاص الوفاة قال لبنيه يا بني ايكم يقبل وصيتي فقال ابنه الأكبر أنا قال إن فيها قضاء ديني قال وما دينك يا أبت قال ثمانون ألف دينار قال يا أبت فيم أخذتها قال يا بني في كريم سددت خلته ورجل جائني في حاجة وقد رأيت السوء في وجهه من الحياء فبدأت بحاجته قبل أن يسألها قال أبو حاتم رضى الله عنه حقيق على من علم الثواب أن لا يمنع ما ملك


من جاه أو مال إن وجد السبيل اليه قبل حلول المنيه فيبقى عن الخيرات كلها ويتأسف على ما فاته من المعروف والعاقل يعلم أن من صحب النعمة في دار الزوال لم يخل من فقدها وأن من تمام الصنائع وأهناها إذا كان ابتداء من غير سؤال حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي قال دخل أبو العتاهية على الرشيد فقال سل يا أبا العتاهية فقال ... إذا كان المنال ببذل وجه ... فلا قربت من ذاك المنال ... وأنشدني عبد العزيز بن سليمان ... يبقى الثناء وتنفذ الأموال ... ولكل دهر دولة ورجال ... ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الصبور عليهم المفضال ... حدثني محمد بن عبدل بن المهدي الشعراني حدثنا محمد بن يزيد الطرسوسي حدثنا ابن عائشة قال قال أبي جاء رجل إلى يحيى بن طلحة بن عبيد الله فقال له هب لي شيئا قال يا غلام أعطه ما معك فأعطاه عشرين ألفا فأخذها ليحملها فثقلت عليه فقعد يبكي فقال ما يبكيك لعلك استقللتها فازيدك قال لا والله ما استقللتها ولكن بكيت على ما تأكل الأرض من كرمك فقال له يحيى هذا الذي قلت لنا أكثر مما أعطيناك قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب الإلحاف عند السؤال في الحوائج لأن شدة الأجتهاد ربما كانت سببا للحرمان والمنع والطالب للفلاح كالضراب بالقداح سهم له وسهم عليه فإن أعطى وجب عليه الحمد وإن منع لزمه الرضاء بالقضاء ولا يجب أن يكون السؤال إلا في ديار القوم ومنازلهم لا في المحافل والمساجد والملأ لأن محمد بن محمود النسائي حدثنا قال حدثنا علي بن خشرم حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي عن حنيف المؤذن قال قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لا تسألوا الناس في مجالسهم ومساجدهم


فتفحشوهم ولكن سلوهم في منازلهم فمن أعطى أعطى ومن منع منع قال أبو حاتم رضى عنه الذي قاله عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه إذا كان المسئول كريما فإنه أن سئل الحاجة في نادي قومه ولم يكن عنده قضاؤها تشور وخجل وأما إذا كان المسئول لئيما ودفع المرء إلى مسألته في الحاجة تقع له فإنه إن سأله في مجلسه ومسجده كان ذلك أقضى لحاجته لأن اللئيم لا يقضي الحاجة ديانة ولا مروءة وإنما يقضيها إذا قضاها طلبا للذكر والمحمدة في الناس على أني أستحب للعاقل أن لو دفعه الوقت إلى أكل القد ومص الحصى ثم صبر عليه لكان أحرى به من أن يسأل لئيما حاجة لأن إعطاء اللئيم شين ومنعه حتف ولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... إذا أعطى القليل فتى شريف ... فإن قليل ما يعطيك زين ... وإن تكن العطية من دني ... فإن كثير ما يعطيك شين ... أنبأنا أحمد بن محمد بن الفضل السجستاني بدمشق حدثنا علي بن خشرم قال سمعت سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي يقول خرجت حاجا فمللت المحمل فنزلت أساير القطرات فقال أتانا أعرابي فقال لي يا فتى لمن الجمال بما عليها قلت لرجل من باهله قال يا لله أن يعطى الله باهليا كل ما أرى قال فأعجبني ازدراؤه بهم ومعي صرة فيها مائة دينار فرميت بها اليه فقال جزاك الله خيرا وافقت مني حاجة فقلت يا أعرابي أيسرك أن تكون الجمال بما عليها لك وأنت من باهلة قال لا قلت أفيسرك أن تكون من أهل الجنة وأنت باهلي قال بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهله فقلت يا أعرابي الجمال بما عليها لى وأنا من باهلة قال فرمى بالصرة إلي فقلت سبحان الله ذكرت أنها وافقت منك حاجة قال ما يسرني


أن القي الله ولباهلي عندى يد فحدثت بها المأمون فجعل يتعجب ويقول ويحك ياسعيد ما كان أصبرك عليه حدثنا محمد بن الرقام بتستر حدثنا أو حاتم السجستاني حدثنا الأصمعي حدثنا هاشم بن القاسم قال سألت سالم بن قتيبة حاجة فقضاها ثم سألته أخرى فانتهرني وقال حاجتين في حاجة أو قال على الريق ثم دعا بالطعام فلما تغدى قال هات حاجتك أما سمعت قول الصبيان ... إذا تغديت وطابت نفسي ... فليس في الحق غلام مثلي ... إلا غلام قد تغدى قبلي ... أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عطاء بن مصعب قال قال أبو عمرو المنذري أتيت مسلم بن قتيبة في حاجة وكان له صديق من أهل الشام فكلمته أن يكلمه في حاجتي فجعل يقول اليوم غدا فطال علي فتراءيت له وقد كان يعرفني فدعاني فقال أبا عمرو إنك لههنا قلت نعم أطالبك بحاجة منذ كذا وكذا وسيلتى فيها فلان فضحك وقال قد كنت أراك قد احكمت الآدب لا تستعن إلى من تطلب اليه حاجة بمن له عنده طعمه فإنه لا يؤثرك على طعمته ولا تستعن بكذاب فإنه يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب ولا تستعن بأحمق فإن الأحمق يجهد لك نفسه ولا يكون عنده شيء ولا يبلغ لك ما تريد فانصرفت فقلت يكفيني هذا قال لا ولكن تقضى لك حاجتك فقضاها قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للعاقل أن يتوسل في قضاء حاجته بالعدو ولا بالأحمق ولا بالفاسق ولا بالكذاب ولا بمن له عند المسئول طعمه ولا يجب أن يجعل حاجتين في حاجة ولا أن يجمع بين سؤال وتقاض ولا يظهر شدة الحرص في اقتضاء حاجته فإن الكريم يكفيه العلم بالحاجة دون المطالبة والأقتضاء


ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي ... وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فاصبر ولا تك للمطال ملولا ... لا تظهرن شره الحريص ولا تكن ... عند الأمور إذا نهضت ثقيلا ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي العرزمي ... وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فحضوره يكفيك والتسليم ... فإذا رآك مسلما عرف الذي ... حملته فكأنه ملزوم ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا يتسخط ما أعطى وإن كان تافها لأن من لم يكن له شيء فكل شيء يستفيده ربح ولا يجب أن يسأل الحاجة كل إنسان فرب مهروب منه أنفع من مستغاث اليه ولا يجب أن يكون السائل متشفعا لآخر لأن من لم يقدر على أن يسبح فلا يجب أن يحمل على عنقه آخر ومن سئل فليبذل لأن مال المرء نصفان له ما قدم ولوارثه ما خلف وأقرب الأشياء في الدنيا زوالا المال والولاية والتعاهد للصنيعة بالتحفظ عليها أحسن من ابتدائها ومن غرس غراسا فلا يضنن بالنفقة على تربيته فتذهب النفقة الأولى ضياعا حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثني محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا عبد الكريم بن محمد الموصلي حدثنا أبي قال سمعت أبا تمام حبيب بن أوس الطائي يقول وقفت على باب مالك بن طوق الرحبي أشهرا فلم أصل اليه ولم يعلم بمكاني فلما أردت الانصراف قلت للحاجب أتأذن لي إليه أم أنصرف قال أما الآن فلا سبيل إليه قلت فإيصال رقعه قال لا ولا يمكن هذا ولكن هو خارج اليوم إلى بستان له فاكتب الرقعه وارم بها في موضع أرانيه الحاجب فكتبت ... لعمري لئن حجبتني العبيد عنك ... فلم تحجب القافيه ... سأرمي بها من وراء الجدار ... شنعاء تأتيك بالداهيه


تصم السميع وتعمي البصير ... ومن بعدها تسأل العافيه ... فكتبت بها ورميت بها من المكان الذي أرانيه الحاجب فوقعت بين يديه فأخرجها فنظر فيها فقال علي بصاحب الرقعة فخرج الخادم فقال من صاحب الرقعه قلت أنا فأدخلت عليه فقال لي أنت صاحب الرقعه قلت نعم فاستنشدني فأنشدته فلما بلغت ومن بعدها تسأل العافيه قال لا بل نسأل العافية من قبلها ثم قال حاجتك فأنشأت أقول ... ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي ... ماذا أصبت من الجواد المفصل ... وإن قلت أغناني كذبت وإن أقل ... ضن الجواد بماله لم يجمل ... فأختر لنفسك ما أقول فإنني ... لا بد أخبرهم وإن لم أسأل ... فقال إذا والله لا أختار إلا أحسنها كم أقمت ببابي قلت أربعة أشهر قال يعطى بعدد أيامه ألوفا فقبضت مائة وعشرين ألف درهم سمعت محمد بن نصر بن نوفل بقوقل يقول سمعت أبا داود السنجي يقول كان ببغداد رجل يقال له ابن الهفت فمر يوما على سائل واقف على الجسر وهو يقول اللهم ارزق المسلمين حتى يعطوني فقال له تسأل ربك الحوالة ذكر الحث على إعطاء السؤال وطلب المعالي حدثنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا ولا ضرب بيده شيئا قط قال أبو حاتم رضى الله عنه إني لأستحب للمرء طلب المعالي من الأخلاق مع ترك رد السؤال لأن عدم المال خير من عدم محاسن الأخلاق والندامة موكلة بترك معالجة الفرصة وإن الحر حق الحر من أعتقته الأخلاق الجميله كما أن أسوأ العبيد من أستعبدته الأخلاق الدنيه ومن أفضل الزاد في


المعاد أعتقاد المحامد الباقيه ومن لزم معالي الأخلاق أنتج له سلوكها فراخا تطير بالسرور ولقد حدثني محمد بن سعيد القزاز حدثنا هارون بن صدقة القاضي حدثنا المسيب بن واضح يقول سمعت يوسف بن أسباط يقول ما كان المال مذ كانت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... بادر هواك إذا هممت بصالح ... خوف العوائق أن تجيء فتغلب ... وإذا هممت بسيء فتعده ... وتجنب الأمر الذي يتجنب ... قال أبو حاتم رضى الله عنه ما ضاع مال ورث صاحبه مجدا ولولا المتفضلون مات المتجملون وليس يستحق المرء اسم الكرم بالكف عن الأذى إلا أن يقرنه بالإحسان إليهم فمن كثر في الخير رغبته وكان اصطناع المعروف همته قصده الراجون وتأمله المتأملون ومن كان عيشه وحده ولم يعش بعيشه غيره فهو وإن طال عمره قليل العمر والبائس من طال عمره في غير الخير ومن لم يتأس بغيره في الخير كان عاجزا كما أن من استحسن من نفسه ما يستقبحه من غيره كان كالغاش لمن تجب عليه نصيحته ومن لم يكن له همة إلا بطنه وفرجه عد من البهائم والهمة تبلغ الرتبة العالية لأن الناس بهمتهم ولقد حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان كان لي خال من كلب فكان يقول لي يا عبيد الله هم فإن الهمة نصف المروءة وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... قد بلونا الناس في أخلاقهم ... فرأيناهم لذي المال تبع ... وحبيب الناس من أطمعهم ... إنما الناس جميعا بالطمع ... حدثنا عمر بن حفص البزار بجنديسابور حدثنا إسحاق بن الضيف


حدثنا الحسن بن واقع الرملي حدثنا ضمرة بن ربيعة قال سمعت كديرا أبا سليمان الضبي يقول كان لقصر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ثمانية أبواب من حيث جاء السائل أعطى حدثنا محمد بن أحمد الرقام بتستر حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم سمع رجلا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه وأنشدني الكريزي ... لا تحقرن صنيع الخير تفعله ... ولا صغير فعال الشر من صغره ... فلو رأيت الذي استصغرت من حسن ... عند الثواب أطلت العجب من كبره ... سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله اليماني يقول سمعت صالح بن آدم يقول أنشد إنسان عند عبد الله بن جعفر هذين البيتين ... إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع ... فإذا صنعت صنيعه فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أودع ... فقال عبد الله بن جعفر إن هذين البيتين يبخلان الناس ينبغي لمن عمل بهذا أن يدعو لمن طلب حاجة بالبينة بل تبث الصنائع ويرمي بها مواضع القطر حيث حلت وفي مثله يقول العتابي ... له في ذوي المعروف نعمى كأنه ... مواقع ماء القطر في البلد القفر ... إذا ما أتاه السائلون لحاجة ... علته مصابيح الطلاقة والبشر ... حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي حدثنا أحمد بن مسروق حدثني ابن أبي سعيد عن شيخ له قال رأيت ابن المبارك يعض يد خادم له فقلت له تعض يد خادمك قال كم آمره أن لا يعد الدراهم على السؤال أقول له أحث لهم حثوا


حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال قال إبراهيم بن أبي البلاد حدثني أخي قال رأيت الحجاج بمنى في عمله على العراق وقام اليه رجال من أهل الحجاز يسألونه فقال توهمتم بنا أنا بغير بلادنا وما لكم مترك من ههنا من أهل العراق فقام إليه تجار أهل العراق فقال هل من سلف فقالوا نعم فحملوا إليه ألف ألف درهم فقسمها فلما قدم العراق ردها وأكثر ظني أنها ومثلها معها قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يبدأ بالصنائع والإحسان الأفرض فالأفرض يبدأ بأهل بيته ثم بإخوانه وجيرانه ثم الأقرب فالأقرب ويتحرى المعروف والإحسان في أهل الدين والعلم منهم ويجتنب ضد ما قلنا لأن مثل من لم يفعل ما أومأنا إليه كما أنشدني الحسين بن أحمد البغدادي ... تصول على الأدنى وتجتنب العدا ... وما هكذا تبنى المكارم يا يحيى ... فكنت كفحل السوء ينزو بأمه ... ويترك باقي الخيل سائمة ترعى ... وأنشدني البسامي ... وكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق ماء فوق رابية صلد ... كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال من القصد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل يبتديء بالصنائع قبل أن يسأل لأن الأبتداء بالصنيعة أحسن من المكافأة عليها والإمساك عن التعرض خير من البذل والصنائع إنما تحسن بإتمامها والتحافظ عليها بعدها لأن بصلاح الخواتم تزكو الأوائل والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية والناس في الصنائع على ضربين شاكر وكافر ولقد أنشدني بعض إخواننا ... وما الناس في حسن الصنيعة عندهم ... وفي كفرهم إلا كبعض المزارع


فمزرعة طابت وأضعف ريعها ... ومزرعة أكدت على كل زارع ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... ومن يضع المعروف في غير أهله ... يكن ضائعا في غير حمد ولا أجر ... وحسب أمريء من كفر نعمى جحودها ... إذا وقعت عند امريء غير ذي شكر ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... لعمرك ما المعروف في غير أهله ... وفي أهله إلا كبعض الودائع ... فمستودع ضاع الذي كان عنده ... ومستودع ما عنده غير ضائع ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الهمج من الناس إذا أحسن إليه يرى ذلك استحقاقا منه له ثم يرى الفضل لنفسه على المحسن إليه فلا يحمد عند الخير ولا يشكر عند البر ويتعجب ممن يشكر ويذم من يحمد وإذا امتحن العاقل بمثل من هذا نعته استعمل معه ما أنشدني الكريزي ... إن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حسب الإكرام حقا لزمك ... فأهنه بهوان إنه ... إن تهنه بهوان أكرمك ... وأنشدني الأبرش ... إذا أوليت معروفا لئيما ... يعدك قد قتلت له قتيلا ... فكن من ذاك معتذرا إليه ... وقل إني أتبتك مستقيلا ... فإن تغفر فمجترمى عظيم ... وإن عاقبت لم تظلم فتيلا ... ولست بعائد أبدا لهذا ... وقد حملتني حملا ثقثيلا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه أهنأ الصنائع وأحسنها في الحقائق وأوقعها بالقلوب وأكثرها استدامة للنعم واستدفاعا للنقم ما كانت خالية عن المنن في البداءة والنهاية متعرية عن الأمتنان وهو الغاية في الصنيعة والنهاية في الإحسان


ولقد أنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... أحسن من كل حسن ... في كل وقت وزمن ... صنيعه مربوبه خالية من المنن ... حدثنا محمد بن غدار بن محمد الحارثي بالبصرة حدثنا سهل بن زادويه حدثنا محمد بن أبي الدواهي عن أبيه قال قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه ... ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع الله من نالها ... من لم يواس الناس من فضلها ... عرض للإدبار إقبالها ... فاحذر زوال الفضل يا حائرا ... واعط من الدنيا لمن سالها ... فإن ذا العرش سريع الجزا ... يخلف بالحبة أمثالها ... حدثنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن أحمد بن النضر المعنى حدثني سعيد حدثني أبوك - يعنى أباه أحمد بن النضر - قال كان بالكوفة قوم من العرب فأصابت رجلا منهم حاجة فكان عياله يغزلون ويبيعون وكان يشركهم فقالوا لا تعود علينا بشيء وما نكسب تشركنا فيه فأنف من قولهم فخرج يؤم بغداد ولم يدخل بغداد قبل ذلك وليس له حميم ولا قريب بها فدخلها ومر على وجهه فمر على باب يعقوب بن داود كاتب المهدي فرأى قوما جلوسا عليهم بزة فقال ما أخلق هؤلاء دعوا إلى وليمة لو دخلت معهم لعلي أصيب شبعه فاندس معهم فخرج الإذن فقال ادخلوا فدخلوا إلى دار قوراء كبيرة وإذا بهو في صدر الدار فجلسوا في البهو يمنة ويسرة وأخلوا الصدر فجاء يعقوب فسلم عليهم وقعد ثم قال يا غلام هات فجاء بصوان عليها مناديل مغطى بها وإذا فيها أكياس فقال أعطهم فوضعوا في حجر كل رجل مهم كيسا ووضعوا في حجري كيسا حتى فرغ منهم ثم قال أعد عليهم فوضع في حجر كل رجل منهم كيسا ووضعوا في حجري كيسا حتى والى بين خمسة أكياس ثم قال قوموا مبارك لكم وقد تعينه الخدم وليس


له عندهم أسم ولم يعرفوه فلما بلغ الدهليز ربطوه فصاح وصاحوا وسمع يعقوب الصوت فقال ما هذا فقالوا رجل دخل مع هؤلاء القوم لا نعرفه فقال علي به فقال له يا عبد الله ما أدخلك هذه الدار فقص عليهم القصة والسبب الذي دخل له فقال له من أين أنت قال من أهل الكوفة قال من يعرفك بالكوفة قال يعرفني فلان وفلان فسمى له قوما يعرفهم فقال خلوا عن الرجل إنا كاتبون إلى هؤلاء القوم فإن كان الأمر على ما ذكرت فتعال كل سنة في هذا الوقت ولك عندنا مثل هذا وكتب إلى القوم فسألهم فكتبوا بمعرفته فكان يجيء أيام حياته فيأخذ خسمة آلاف وينصرف ذكر الحث على الضيافة وإطعام الطعام حدثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي ببغداد حدثنا منصور بن ابي مزاحم حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فيلكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره قال أبو حاتم رضى الله عنه إني لأستحب للعاقل المداومه على إطعام الطعام والمواظبة على قرى الضيف لأن إطعام الطعام من أشرف أركان الندى ومن أعظم مراتب ذوي الحجى ومن أحسن خصال أولى النهي ومن عرف بإطعام الطعام شرف عند الشاهد والغائب وقصده الراضي والعاتب وقرى الضيف يرفع المرء وإن رق نسبه إلى منتهى بغيته ونهاية محبته ويشرفه برفيع الذكر وكمال الذخر حدثنا محمد بن زنجوية القشيري حدثنا أبو مصعب حدثنا الدراوردي عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول كان إبراهيم الخليل أول من أضاف الضيف


حدثنا الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب حدثنا الأصمعي أخبرني نافع بن أبي نعيم قال قال رجل ممن قد أدرك الجاهلية قدمت المدينة فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم وهو جد سعد ابن عبادة بن دليم سيد الخزرج ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمت المدينه فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبادة ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمتها فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار سعد قال أبو حاتم رضى الله عنه كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد وانقاد له قومه ورحل اليه القريب والقاصي لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف والعرب لم تكن تعد الجود إلا قرى الضيف وإطعام الطعام ولا تعد السخي من لم يكن فيه ذلك حتى إن أحدهم ربما سار في طلب الضيف الميل والميلين ولقد حدثني محمد بن المنذر حدثنا علي بن الحسن الفلسطيني حدثنا أبو بكر السني حدثنا محمد بن سليمان القرشي قال بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف على الطريق في أذنيه قرطان وفي كل قرطه جوهرة يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة وهو يمجد ربه بأبيات من شعر فسمعته يقول ... مليك في السماء به افتخاري ... عزيز القدر ليس به خفاء ... فدنوت إليه فسلمت عليه فقال ما أنا براد عليك سلامك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك قلت وما حقك قال أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف فأجبته إلى ذلك قال فرحب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر فلما قربنا من الخيمة صاح يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة يا لبيكاه قال قومي إلى ضيفنا هذا قال فقالت الجارية أصبر حتى أبدأ بشكر المولى الذي سبب لنا هذا الضيف قال فقامت وصلت ركعتين شكر لله قال


فأدخلني الخيمة فأجلسني فأخذ الغلام الشفرة وأخذ عناقا له ليذبحها فلما جلست في الخيمة نظرت إلى جارية أحسن الناس وجها فكنت أسارقها النظر ففطنت لبعض لحظاتي فقالت لي مه أما علمت أنه قد نقل إلينا عن صاحب يثرب تعنى النبي صلى الله عليه وسلم أن زنا العينين النظر أما إني ما أردت بهذا أن أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لكيلا تعود لمثل هذا فلما كان وقت النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية في الخيمة قال فكنت أسمع دوي القرآن الليل كله أحسن صوت يكون وأرقه فلما أن أصبحت قلت للغلام صوت من كان ذلك قال فقال تلك أختي تحيى الليل كله إلى الصباح قال فقلت يا غلام أنت أحق بهذا العمل من أختك أنت رجل وهي أمرأة قال فتبسم ثم قال ويحك يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي ... إذا ما أتاك الضيف فابدأ بحقه ... قبل العيال فإن ذلك أصوب ... وعظم حقوق الضيف واعلم بأنه ... عليك بما توليه مثن وذاهب ... أنبأنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي عن الحسن بن عيسى بن ماسرجس قال صحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكل وحده حدثنا محمد بن عثمان العقبى حدثنا أبو أمية حدثنا عصام بن عمرو أبو حميد الطائي حدثنا عمرة بن هانىء قال كان رافع بن عميرة بن عمرو السنبسي فخذ من طيىء يغدي أهل ثلاثة مساجد ويعشيهم يوما بثرائد ويوما برطبه يعني الحيس وماله قميص إلا قميص هو لجمعته وهو للبيت


قال أبو حاتم رضى الله عنه يجب على العاقل ابتغاء الأضياف وبذل الكسر لأن نعمة الله إذا لم تصن بالقيام في حقوقها ترجع من حيث بدأت ثم لا ينفع من زالت عنه التلهف عليها ولا الإفكار في الظفر بها وإذا أدى حق الله فيها استجلب النماء والزيادة واستذخر الأجر في القيامة واستقصر إطعام الطعام وعنصر قرى الضيف هو ترك استحقار القليل وتقديم ما حضر للأضياف لأن من حقر منع مع إكرام الضيف بما قدر عليه وترك الادخار عنه ولقد حدثني كامل بن مكرم حدثنا محمد بن يعقوب الفرجى حدثنا الوليد ابن شجاع حدثنا عقبة بن علقمة ومبشر بن إسماعيل أنهما سألا الأوزاعي ما إكرام الضيف قال طلاقة الوجه وطيب الكلام وأنشدني الكريزي في قوم لم يكونوا يضيفون ... أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان ... إذا أبصرت شخصا من بعيد ... فصفق بالبنان على البنان ... تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلون الصلاة بلا أذان ... قال أبو حاتم رضى الله عنه أبخل البخلاء من بخل بإطعام الطعام كما أن من أجود الجود بذله ومن ضن بما لا بد للجثه منه ولا تربو النفس إلا عليه كان بغيره أبخل وعليه أشح ومن إكرام الضيف طيب الكلام وطلاقة الوجه والخدمة بالنفس فإنه لا يذل من خدم أضيافه كما لا يعز من استخدمهم أو طلب لقراه أجرا وأنشدني كامل بن مكرم أنشدني محمد بن سهيل ... وإني لطلق الوجه للمبتغي القرى ... وإن فنائي للقرى لرحيب ... أضاحك ضيفي عند إنزال رحله ... فيخصب عندي والمحل جديب


وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب ... وأنشدني الأبرش ... لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف ... وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف ... أنبأنا الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا العقبى عن أبي محنف لوط بن يحيى حدثني هشام بن عروة عن أبيه أن قيس بن سعد بن عبادة خرج من مصر فمر بأهل بيت من القين فنزل بهم فنحر لهم صاحب المنزل جزورا وأتاهم به فقال دونكم فلما كان من الغد نحر لهم آخر ثم حبستهم السماء اليوم الثالث فنحر لهم مثله فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل وخرج قيس فما سار إلا قليلا حتى أتاه صاحب البيت على فرس كريم ورمح طويل وقدامه الثياب والدراهم فقال يا هؤلاء خذوا بضاعتكم عني قال قيس انصرف أيها الرجل فإنا لم نكن لنأخذها فقال الرجل لتأخذنها أو لا ينفذ منكم رجل أو تذهب نفسي فعجب قيس منه وقال لم لله أبوك ألم تكرمنا وتحسن إلينا فكافأناك ما في هذا من بأس فقال الرجل إنا لا نأخذ لقرى ابن السبيل وقرى الضيف ثمنا لا والله لا أفعل أبدا قال لهم قيس أما إذ أبى فخذوها منه فأخذوها ثم قال قيس ما فضلني رجل غير هذا حدثني أحمد بن عمرو الزنبقي بالبصرة حدثنا الحسن بن مدرك السدوسي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله القرشي حدثنا سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال لأن أشبع كبدا جائعة أحب الي من حجة بعد حجة حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثني عيسى بن أبي موسى الأنصاري حدثني أبي حدثنا أحمد بن بشير عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان من دعاء قيس


ابن سعد بن عبادة اللهم ارزقني مالا وفعالا فإنه لا يصلح الفعال إلا المال ذكر الحث على المجازاة على الصنائع حدثنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع ابن مسلم قال سمعت الربيع بن مسلم يقول سمعت محمد بن زياد يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى لله عليه وسلم من لا يشكر الناس لا يشكر الله قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على من أسدى اليه معروفا أن يشكره بأفضل منه أو مثله لأن الإفضال على المعروف في الشكر لا يقوم مقام ابتدائه وإن قل فمن لم يجد فليثن عليه فإن الثناء عند العدم يقوم مقام الشكر للمعروف وما استغنى أحد عن شكر أحد ولقد أنشدني محمد بن زنجي البغدادي ... فلو كان يستغنى عن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علو مكان ... لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان ... وأنشدني الكريزي ... إذا المرء لم يشكر قليلا أصابه ... فليس له عند الكثير شكور ... ومن يشكر المخلوق يشكر لربه ... ومن يكفر المخلوق فهو كفور ... وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... حافظ على الشكر كي تستجزل القسما ... من ضيع الشكر لم يستكمل النعما ... الشكر لله كنز لا نفاد له ... من يلزم الشكر لم يكسب به ندما ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا العقبي قال مر سعيد بن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه ثم مر بعد ذلك بالدار ومناد ينادى عليها فيمن يزيد فقال لمولاه سل لم تباع هذه فرجع اليه فقال على صاحبها دين قال فارجع إلى الدار فرجع فوجد صاحبها جالسا وغريمه معه فقال لم تبيع


دارك قال لهذا علي أربعة آلاف دينار فنزل وتحدث معهما وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف ودفع الباقي إلى صاحب الدار وركب ومضى وأنشدني المنتصر بن بلال ... ومن يسد معروفا اليك فكن له ... شكورا يكن معروفه غير ضائع ... ولا تبخلن بالشكر والقرض فاجزه ... تكن خير مصنوع إليه وصانع وأنشدني بعض أهل العلم ... فكن شاكرا للمنعمين لفضلهم ... وأفضل عليهم إذ قدرت وأنعم ... ومن كان ذا شكر فأهل زيادة ... وأهل لبذل العرف من كان ينعم ... وأنشدني الكريزي ... أحق الناس منك بحسن عون ... لمن سلفت لكم نعم عليه ... وأشكرهم أحقهم جميعا ... بحسن صنيعة منكم إليه ... قال أبو حاتم رضي الله عنه الحر لا يكفر النعمة ولا يتسخط المصيبة بل عند النعم يشكر وعند المصائب يصبر ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه والنعم لا تستجلب زيادتها ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا ولمن أسداها إليه ولقد حدثني أحمد بن محمد القيسي حدثني محمد بن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم القرشي قال سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول ماتت لعبيد بن معمر بنت فقعد في المأتم في مسجده في سكة سبانوش فجاء عبيد الله بن أبي بكرة معزيا وإذا الأشراف قد أخذوا مواضعهم فنظر اليه رجل قد كان سبق إلى مجلسه مع اتلأشراف قد عرفه فقام قائما وجعل يقول له ههنا حتى أخذ بيده فأقعده في مجلسه ثم ذهب فقعد في أخريات الناس فأمر عبيد الله غلاما كان معه أن يتعاهده إلى قيامه فلما قام دعا الرجل فقال أتعرفني قال نعم قال من أنا قال أنت عبيد الله بن أبي بكرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم


قال فما حملك على تركك مجلسك لي قال إجلال لولد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أوجب الله على أمثالي خصوصا من التبجيل فقال له عبيد الله هل لك على أن تصحبنا إلى ضيعة نريد أن نصير اليها قال نعم قال فصحبه الرجل إلى تلك الضيعة في نهر مكحول ضيعة فيها ثلاثمائة جريب نخل وعلى وجه الضيعة قصر بني بآجر وجص وخشب ساج فلما دخل الضيعة أخذ عبيد الله بيد الرجل وجعل يدور به في تلك النخيل فقال للرجل كيف ترى هذه الضيعة قال تالله ما رأيت نخيلا أحسن منها ولا أكثر ثمرة ولا أسرى ضيعة منها قال قد جعلناها لك بما فيها من الخدم والآلة نبعث اليك بصكها قال فاستطار الرجل فرحا وبكاء وقال انعشتني وانعشت عيالي فقال عبيد الله وكم لك من العيال قال ثلاثة عشر نفسا قال فإني قد جعلت اسم عيالك في اسم عيالي أنفق عليهم ما عشت فقال له عبيد الله من تكون له مثل هذه الضيعه يحتاج أن يكون منزله في سرة البصرة إذا صرنا إلى منزلنا فاغد علينا نأمر لك بشراء دار تشبه هذه الضيعة ورأس مال وخدم تصلح لدارك تعيش بها إن شاء الله قال فغدا الرجل عليه فأمر له بشراء دار بخمسة آلاف دينار وأعطاه عشرة آلاف دينار ودفع اليه صك الضعية وأمر له بدابة وبغل وسائس وكسوة وصرفه وأنشدني الأبرش ... الشكر يفتح أبوابا مغلقه ... لله فيها على من رامه نعم ... فبادر الشكر واستغلق وثائقه ... واستدفع الله ما تجري به النقم ... حدثنا أحمد بن الحسن المدائني بمصر قال سمعت الربيع بن سليمان يقول أخذ رجل بركاب الشافعي فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير قال فأعطيته إياها وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب ... ومن يشكر العرف الصغير فإنه ... سينمي ويجتر المزيد أصاغره


ومن يشكر المعروف يحمد إلهه ... ويضعف أضعافا على الحمد شاكره ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... وإذا اصطنعت إلى أخيك ... صنيعة فانس الصنيعة ... والشكر من كرم الفتى ... والكفر من لؤم الطبيعة ... والصبر أكرم صاحب ... فاصحبه إن نزلت فجيعه ... حدثنا أحمد بن قريش بن بشر بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي حدثنا أحمد بن خليل حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم إذا صنع اليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه أو يتفضل عليه قال أبو عيسى فلقينى وأنا على حمار وأنا أريد بيت المقدس جائيا من الرملة قال وقد اشترى بأربعة دوانيق تفاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال يا أبا عيسى أحب أن تحمل هذا قال وإذا عجوز يهودية في كوخ لها فقال أحب أن توصل هذا إليها فإنني مررت وأنا ممس فبيتتنى عندها فأحب أن أكافئها على ذلك وأنشدني الكريزي ... يد المعروف غنم حيث تسدى ... تحملها شكور أم كفور ... كفى شكر الشكور لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور ... وأنشدني بعض أهل العلم ... رهنت يدي للعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد ... ولو كان شيء يستطاع استطعته ... ولكن مالا يستطاع شديد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على المرء أن يشكر النعمة ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته إن قدر فبالضعف وإلا فبالمثل وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده مع بذل الجزاء له بالشكر وقوله جزاك الله خيرا فمن قال له ذلك عند العدم فكأنه أبلغ في الثناء


ومن الناس من يكفر النعم وكفران النعم يكون من أحد رجلين إما رجل لا معرفة له بأسباب النعم والمجازاة عليها لما لم يركب فيه من التفقد لمراعاة العشرة فإذا كان كذلك وجب الإغضاء عنه وترك المناقشة على فعله والرجل الآخر أن يكون ذا عقل لم يشكر النعمة استخفافا بالمنعم واستحقارا للنعمة وتهاونا في نفسه لهما أو لآحدهما فإذا كان كذلك يجب على العاقل ترك العود إلى فعل مثله والخروج باللآئمة على نفسه إذا كان له خبرة به وأنشدني على بن محمد ... علامة شكر المرء إعلان حمده ... فمن كتم المعروف منهم فما شكر ... إذا ما صديقي نال خيرا فخانني ... فما الذنب عندي للذي خان أو فجر ... ولكن إذا أكرمته بعد كفره ... فإني ملوم حيث أكرم من كفر ... وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب ... إذا أنا أعطيت القليل شكرتم ... وإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر ... وما لمت نفسي في قضاء حقوقكم ... وقد كان لي فيما اعتذرت به عذر ... قال أبو حاتم رضى الله عنه إني لأستحب للمرء أن يلزم الشكر للصنائع والسعى فيها من غير قضائها إذا كان المنعم من ذوي القدر فيه والأهتمام بالصنائع لأن الاهتمام ربما فاق المعروف وزاد على فعل الإحسان إذ المعروف يعمله المرء لنفسه والأحسان يصطنعه إلى الناس وهو غير مهتم به ولا مشفق عليه وربما أفعله الإنسان وهو مكاره والإهتمام لا يكون إلا من فرط عناية وفضل ود فالعاقل يشكر الإهتمام أكثر من شكره للمعروف أنشدني عبد العزيز بن سليمان ... لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ... ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المجلوب مصروف ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي


بطر النعمة من ضيعها ... ومضيع الشكر مستدعي الغير ... فاجعل الشكر عليها حارسا ... ربما ابتز الفتى النعمى البطر ... حدثني عمرو بن محمد حدثنا محمد بن زكريا حدثنا محمد بن عبد الله الجشمي حدثنا علي بن محمد قال مر عمر بن هبيرة لما انصرف في طريقه فسمع امرأة من قيس تقول لا والذي ينجي عمر بن هبيرة فقال يا غلام أعطها ما معك وأعلمها أني قد نجوت ذكر الحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعية حدثنا عبد الله بن قحطبة حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا مؤمل ابن إسماعيل حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالآمير راع على رعيته ومسئول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه قال أبو حاتم رضى الله عنه صرحت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن كل راع مسئول عن رعيته فالواجب على كل من كان راعيا لزوم التعاهد لرعيته فرعاة الناس العلماء وراعي الملوك العقل وراعي الصالحين تقواهم وراعي المتعلم معلمه وراعي الولد والده كما أن حارس المرأة زوجها وحارس العبد مولاه وكل راع من الناس مسئول عن رعيته وأكثر ما يجب تعاهد الرعية للملوك إذ هم رعاة لها وهم أرفع الرعاه لكثرة نفاذ أمورهم وعقد الأشياء وحلها من ناحيتهم فإذا لم يراعوا أوقاتهم ولم يحتاطوا لرعيتهم هلكوا وأهلكوا وربما كان هلاك عالم في فساد ملك واحد ولا يدوم ملك ملك إلا بأعوان تطيعه ولا يطيعه الأعوان إلا بوزير ولا يتم ذلك إلا أن يكون الوزير ودودا نصوحا ولا يوجد ذلك من الوزير إلا بالعفاف


والرأي لا يتم قوام هؤلاء إلا بالمال ولا يوجد المال إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بإقامة العدل فكأن ثبات الملك لا يكون إلا بلزوم العدل وزواله لا يكون إلا بمفارقته فالواجب على الملك أن يتفقد أمور عماله حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء لأنه إذا جنى عليه أعمال عماله لم يكن قائما بالعدل ولقد أنشدني علي بن محمد البسامي ... إذا أسست قوما فاجعل العدل بينهم ... وبينك تأمن كل ما تتخوف ... وإن خفت من أهواء قوم تشتتا ... فبالجود فاجمع بينهم يتألفوا ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب القاضي حدثنا الأصمعي قال قال ملك طخارستان لنصر بن سيار ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء وزير يثق به ويفضي إليه بسره وحصان يلجأ اليه إذا فزع أنجاه يعني فرسا وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه وذخيرة خفيفه المحمل إذا نابته نائبة أخذها وامرأة إذا دخل إليها أذهبت همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشتهيه قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للسلطان أن يفرط البشاشة والهشاشه للناس ولا أن يقل منهما فإن الإكثار منهما يؤدي إلى الخفة والسخف والإقلال منهما يؤدي إلى العجب والكبر ولا ينبغي له أن يغضب لأن قدرته من وراء حاجته ولا أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه ولا له أن يبخل لأنه لا عذر له في منع الأموال والجاه معا ولا له أن يحقد لأنه يجب أن يترفع عن المجازاة فأفضل السلطان مالم يخالطه البطر وأعجزهم آخذهم بالهوينا وأقلهم نظرا في العواقب وخير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيف حولها النسور ويجب عليه استبقاء الرياسة وما فيه من نعمه الله عليه بلزوم تقوى الله وتفقد


أمور الرعية وإنصاف بعضهم بعضا لأنه ما من قوي في الدنيا إلا وفوقه أقوى منه فمتى ما عرف السلطان فضل قوته على الضعفاء فغره ذلك من قوة الأقوياء كانت قوته حينا عليه وهلاكا له والضعيف المحترس أقرب إلى السلامة من القوي المغتر لأن صرعة الاسترسال لا تكاد تستقال ولا يجب أن يعجل في سلطانه بعقاب من يخاف أن يندم عليه ولا يثقن بمن عاقبه من غير جرم وما أشبه السلطان إلا بالنار إن قصرت بطل نفعها وإن جاوزت عظم ضرها فخير السلطان من أشبه الغيث في أحيائه في نفع من يليه لا من أشبه النار في أكلها ما يليها والسلطان إذا كان عادلا خير من المطر إذا كان وابلا وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم والناس إلى عدل سلطانهم أحوج منهم إلى خصب زمانهم ولقد حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مرجى بن المؤمل بن المثنى المري عن أبيه قال قال الأحنف بن قيس الولي من الرعية مكان الروح من الجسد الذي لا حياة له إلا به وموضع الرأس من أركان الجسد الذي لا بقاء له إلا معه وأنشدني ابن زنجي البغدادي للأفوه الأودي ... لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا ... والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد ... فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن أدركوا الأمر الذي كادوا ... تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على السلطان قبل كل شيء أن يبدأ بتقوى الله وإصلاح سريرته بينه وبين خالقه ثم يتفكر فيما قلده الله من أمر إخوانه ورفعه عليهم ليعلم أنه مسئول عنهم في دق الأمور وجلها ومحاسب على قليلها وكثيرها ثم يتخذ وزيرا صالحا عاقلا عفيفا نصوحا وعمالا صالحين


بررة راشدين وأعوانا مستورين وخدما معلومين ثم يقلد عماله مالا غنى له عنهم ويشترط عليهم تقوى الله وطاعته وأخذ المال من حله ويفرقه في أهله ثم يتفقد أمر بيت المال بأن لا يدخله حبة فما فوقها من قهر أو جور أو سلب أو نهب أو رشوة فإنه مسئول عن كل ذرة منه ومحاسب على كل حبة فيه ثم لا يخرجه إلا في المواضع التي أمر الله جل وعلا في سورة الأنفال ثم يتفقد أمور الحرمين وطريق الحاج ومجاوري بيت الله وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتفقد ثغور المسلمين ولا يولي على الثغور من عماله إلا من يعلم أن القتل في سبيل الله يكون آثر عنده من البقاء في الدنيا ليغزي الناس ولا يعطل الثغر ثم يتفقد ثغور المسلمين ومراقبهم والأبرجه التي بين المسلمين وبين عدوهم بأن يعمرها ويقيم فيها أعينا من المسلمين تتجسس أخبار العدو ويجري عليهم من بيت مالهم ثم يتفقد أولاد المهاجرين والأنصار بعطاياهم ويعرف فضيلتهم وسابقة آبائهم وأنه إنما نال ما نال بهم ثم يتفقد أمور الحكام بأن لا يولي أحدا على قضاء المسلمين إلا من يعلم منه العفاف والعلم وترك الميل إلى الهوى والحكم بغير ما يوجبه العلم ثم يتفقد أهل العلم والقراء والمؤذنين والصالحين وضعفاء المسلمين وليكن لمن هو أصغر سنا منه أبا ولمن هو أكبر منه أبنا ولأترابه أخا فيكون في تفقد أمورهم ولصلاح اسبابهم أكثر من تفقدهم بأنفسهم


ثم يختار من الرعية أقواما أمناء يبعث بهم في كل سنة إلى المدن ليشرفوا على العمال والحكام ويتفقدوا أسبابهم وسيرهم ويخبروه بها فيعزل من استحق منهم العزل ويقر من اتبع الحق ثم يجعل لنفسه موضعا لا يمنع منه لطرح القصص ويبرز للرعية في كل يوم مرة أو في كل ثلاثة أيام أو في كل أسبوع ليرفعوا اليه حوائجهم وليجتنب الحدة وليلزم الحلم الدائم فيما يرد عليه من أسبابهم ولقد حدثنا عبد الله بن قحطبة حدثنا محمد بن زنبور حدثنا أبو بكر ابن عياش أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسودون عليهم أحدا لشجاعة ولا لسخاء إنما كانوا يسودون من إذا شتم حلم وإذا سئل حاجة قضاها أو قام معهم فيها وأنشدني الأبرش ... وقد يبغض الحيات أولاد آدم ... وأبغض ما فيها إليهم رءوسها ... وما ابتليت يوما بشر قبيلة ... أضر عليها من سفيه يسوسها ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يستحق أحد اسم الرياسة حتى يكون فيه ثلاثة اشياء العقل والعلم والمنطق ثم يتعرى عن ستة أشياء عن الحدة والعجلة والحسد والهوى والكذب وترك المشاورة ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء الرفق في في الأمور والصبر على الأشياء وطول الصمت فمن تعرى عن هذه الأشياء وهو ذو سلطان عمى عليه قلبه وتشتتت عليه أموره ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال نقص من ضوء بصر قلبه مثلها الخلل في أموره نحوها وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد فإن لم يكن


ذلك القائد أحد الناس بصرا والطفهم نظرا كان خليقا أن يوقعهم وإياه في وهدة تندق أعناقهم وعنقه معهم والواجب على السلطان أن لا يغفل عن الأشياء الأربعة التي صلاحه في دينه ودنياه فيها وهي ما حدثنا به عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي حدثنا المدائني قال خرج الزهري يوما من عند هشام بن عبد الملك فقال ما رأيت كاليوم ولا سمعت به كأربع كلمات تكلم بهن رجل آنفا عند هشام بن عبد الملك فقيل له وما هن قال قال له رجل يا أمير المؤمنين احفظ عني أربع كلمات فيهن صلاح ملكك واستقامة رعيتك قال هاتهن قال لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا واعلم أن للأعمال جزاءا فاتق العواقب وأن للأمور بغتات فكن على حذر وأنشدني المنتصر بن بلال ... بلاء الناس مذ كانوا ... إلى أن تأتي الساعه ... بحب الأمر والنهي ... وحب السمع والطاعه ... قال أبو حاتم رضى الله عنه لا يجب للعاقل طلب الأمارة لأن من أوتيها عن مسألة وكل اليها ومن اعطيها من غير مسألة أعين عليها ومن اشتهر بالرياسة فليحترز لأن الريح الشديدة لا تحطم الكلأ وهي تحطم دوح الشجر ومشيد البنيان وليلزم المشورة فإن في المشورة صلاح الرعية ومادة الرأي وليصنع إلى الناس كافة في الوقت الذي يقدر على الصنائع والمعروف قبل ان يجيئه الوقت الذي يفقد فيه القدرة عليها وليعتبر بمن كان قبله من الملوك والأمراء والسادة والوزراء لأن من ظفر بأمر جسيم فأضاعه فاته ومن أمكنته الفرصه فأخر العمل فيها لا تكاد تعود اليه


والسلطنة إنما هي قول الحق والعمل بالعدل لا التفاخر في الدنيا واستعمال البذل ولقد حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال قال أبو عمرة بن العلاء كانو لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال وتمامهن في الإسلام السابعة السخاء والنجدة والصبر والحلم والبيان والتواضع وتمامهن في الأسلام الحياء وأنشدني الكريزي ... إذا نلت الإمارة فاسم فيها ... إلى العلياء بالعمل الوثيق ... بمحض خليقة لا عيب فيها ... وليس المحض كاللبن المذيق ... ولا تك عندها حلوا فتحسى ... ولا مرا فتنشب في الحلوق ... وكل إمارة إلا قليلا ... مغيرة الصديق عن الصديق ... قال أبو حاتم رضى الله عنه من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته لأن من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان بشه فقد خان نفسه ومن يصحب السلطان لا ينجو من الآثام كما أن راكب العجل لا يأمن العثار ولا يجب أن يأمن غضب السلطان إن صدقه ولا عقوبته إن كذبه ولا يجتريء عليه وإن أدناه لأن الحازم العاقل لا يشرب السم اتكالا على ما عنده من الترياق والأدويه وإني لأستحب لمن امتحن بصحبة السلطان أن يعلمه لزوم تقوى الله والعمل الصالح كأنه يتعلم منه ويؤدبه كأنه يتأدب به ويتقي سخطاته والسخط إذا كان من علة كان الرضا عنه موجودا وإذا كان من غير علة ينقطع حينئذ الرجاء ولا يجب أن يعلم كل ما تأتي الملوك من أمورها لأن في معرفتهم إياها بعض الفتنة


وهيهات من ذا صحب السلطان فلم يفتتن ومن اتبع الهوى فلم يعطب إن الشجرة الحسنة ربما كان سبب هلاكها طيب ثمرتها وربما كان ذنب الطاووس الذي في جماله سبب حتفه لأنه يثقله حتى يمنعه من الهرب ومن صحب السلطان لم يأمن التغيير على نفسه لأن الأنهار إنما تكون عذبه ما لم تنصب إلى البحور فإذا وقعت في البحور ملحت على أن قعود العلماء عن أبواب الملوك زيادة في نور علمهم وكثرة غشيانهم إياهم غشاوة على قلوبهم ومن صحب الملوك لم يأمن تغيرهم ومن زايلهم لم يأمن تفقدهم وإن قطع الأمور دونهم لم يأمن فيها مخالفتهم وإن عزم على شيء لم يجد بدا من مؤامرتهم وأسمج شيء بالملوك الحدة ولقد حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا يحيى بن معين حدثنا المبارك بن سعيد الثوري قال كان يقال خمس خلال هن أقبح شيء بمن كن فيه الحدة في السلطان والكبر في ذي الحسب والبخل في الغنى والحرص في العالم والفتوة في الشيخ قال أبو حاتم رضى الله عنه رؤساء القوم أعظمهم هموما وأدومهم غموما وأشغلهم قلوبا وأشهرهم عيوبا وأكثرهم عدوا وأشدهم أحزانا وأنكاهم أشجانا وأكثرهم في القيامة حسابا وأشدهم إن لم يعف الله عنهم عذابا ومن أحسن ما يستعين به السلطان على أسبابه اتخاذ وزير عفيف ناصح على ما تقدم ذكرنا له فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكره وإن ذكر أعانه وإن سولت له نفسه سيئة صده وإن أراد طاعة نشطه فهو المحبب له إلى الناس والمستجلب له دعائهم ولقد أنشدني علي بن محمد البسامي ... إذا نسى الأمير قضاء حق ... فإن الذنب فيه للوزير ... لأن على الوزير إذا تولى ... أمور الناس تذكير الأمير ... قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على كل من يغشى السلطان وامتحن


بصحبته أن لا يعد شتمه شتما ولا إغلاظه أغلاظا ولا التقصير في حقه ذنبا لأن ريح العزة بسطت لسانه ويده بالغلظة فإن أنزله الوالي منزلة رفيعة من نفسه فلا يثقن بها وليجانب معه كلام الملق والأكثار من الدعاء في كل وقت وكثرة الانبساط فرب كلمة أثارت الوحشه بل يجتهد في توقيره وتعظيمه عند الناس فإن غضب فليحتل في تسكين غضبه باللين والمداراة ولا يكون سببا لتهييجه ولقد حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال بعث أبو جعفر إلى جعفر بن محمد قال إني أستشيرك في أمر إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد أخرى فلا أراهم يرجعون ولا يعتبون وقد رأيت أن أبعث فأحرق نخلها وأغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال مالك لا تكلم قال إن إذنت لي تكلمت قال قل قال يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر وإن أيوب أبتلى فصبر وإن يوسف قدر فغفر وقد جعلك الله من النسل الذي يعفون ويصفحون قال فطفيء غضبه وسكن حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن أبراهيم بن سعيد عن محمد ابن حميد بن فروة عن أبيه قال لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن مهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال أنت المتوثب عليها تدعى الخلافة فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين أنت ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن أخذت أخذت بحق وإن عفوت عفوت بفضل ولقد حضرت أبي وهو جدك أتى برجل كان جرمه أعظم من جرمي فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بن فضالة فقال المبارك بن فضالة إن رأى أمير المؤمنين أن يستأنى في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن يحدث به عن رسول الله


صلى الله عليه وسلم قال إيه يا مبارك قال حدثني الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد مناد من بطنان العرش الاليقم العافون من الخلفاء فلا يقوم إلا من عفا فقال الخليفة له يا مبارك قد قبلت الحديث وعفوت عنه أخرج أيها الرجل فلا سبيل لأحد عليك فقال المأمون يا عم ههنا يا عم ها هنا قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى الله جل وعلا في كل لحظة وطرفة لئلا يطغيه ما هو فيه من تسلطه بل يذكر عظمة الله وقدرته وسلطانه وأنه هو المنتقم ممن ظلم والمجازي لمن أحسن فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله فإنه لا محالة مسئول عن شكر ما هو فيه كما هو لا محالة مسئول عن حسابه إذا المصطفى صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة ألم أحملك على الخير ورزقتك النساء وجعلتك ترأس وتربع فيقول بلى فيقول فأين شكر ذلك وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يدبر أسباب الرجال مؤمر ... إذا صلحت في الصدر أشفى وأبين ... من العقل أن تحتاط فيما وليته ... وتحسم ما تخشاه والأمر ممكن ... ذكر الدنيا وتقلبها بأهلها حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام حدثنا عبد الله بن هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عبله حدثنا أبي عن عمه إبراهيم بن أبي عبله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا يا ابن


جعشم يكفيك منها ما سد جوعتك ووارى عورتك فإن يكن ثوبا تلبسه فذاك وإن كانت دابة تركبها فبخ فلق الخبز وما الحب وما فوق الإزار حساب عليك قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها وحسنها وبهجتها فيشتغل بها عن الآخرة الباقية والنعم الدائمة بل ينزلها حيث أنزلها الله لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء يخرب عمرانها ويموت سكانها وتذهب بهجتها وتبيد خضرتها فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر ولا فقير مسكين محتقر إلا ويجري عليهم كأس المنايا ثم يصيرون إلى التراب فيبلون حتى يرجعون إلى ما كانوا عليه في البداية إلى الفناء ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب فالعاقل لا يركن إلى دار هذا نعتها ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها وقد ادخر له ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيضن بترك هذا القليل ويرضى بفوت ذلك الكثير حدثنا محمد بن المسيب بن إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال سمعت بشر بن الحارث يقول ... لا تأس في الدنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه ... إن فات أمر كنت تسعى له ... ففيهما من فائت كافيه ... وأنشدني الكريزي أنشدني شعيب بن أحمد لسليمان بن يزيد العدوى ... ألم تر أن المرء يودي شبابه ... وأن المنايا للرجال تشعب ... فمن ذائق كأسا من الموت مرة ... وآخر أخرى مثلها يترقب ... لها منهم زاد حثيث وسائق ... وكل بكأس الموت يوما سيشرب ... وما وارث إلا سيورث ماله ... ولا سالب إلا وشيكا سيسلب


ولا آلف إلا سيتبع إلفه ... ولا نعمه إلا تبيد وتذهب ... وما من معان والمصائب جمة ... يعاورها العصران إلا سيعطب ... أرى الناس أصنافا أقاموا بعربة ... تقلبهم أيامها وتقلبوا ... بدار غرور حلوة يعمرونها ... وقد عاينوا فيها زوالا وجربوا ... يذمون دنيا لا يريحون درها ... فلم أر كالدنيا تذم وتحلب ... تسرهم طورا وطورا تذيقهم ... مضيض مكاو حرها يتلهب ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله قال عاد رجل مريضا فسمع قائلا يقول من ناحية البيت ... ناد رب الدار ذا المال الذي ... جمع الدنيا بحرص ما فعل ... فأجابه مجيب ... كان في الدار سوها داره ... عللته بالمنى ثم انتقل ... لم يمتع بالذي كان حوى ... من حطام المال إذا حل الأجل ... إنما الدنيا كظل زائل ... طلعت شمس عليه فاضمحل ... قال أبو حاتم رضى الله عنه رأيت على حجر بطبرستان مكتوب ... العيش لونان فحلو ومر ... والدهر نصفان فريف وضر ... والنطق جزآن فبعر ودر ... والناس اثنان فنذل وحر ... يومك يومان فخير وشر ... نهار يزول وليل يكر ... وكذاك الزمان على من مضى ... وكل السنين على ذا تمر ... وأنشدني الأبرش ... إنما الدنيا نهار ... ضوئها ضوء معار ... بينما غصنك عض ... ناعم فيه أخضرار


إذ رماه زمناه ... فإذا فيه اصفرار ... وكذلك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يا لائم الدهر إذا ما نبا ... لا تلم الدهر على غدره ... الدهر مأمور له آمر ... ينصرف الدهر إلى أمره ... كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره ... ومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيمانا على فقره ... لا خير فيمن لم يكن عاقلا ... يبسط رجليه على قدره ... وأنشدني الكريزي ... ما الدهر إلا ليلة ويوم ... والعيش إلا يقظة ونوم ... يعيش قوم ويموت قوم ... والدهر قاض ما عليه لوم ... أنبأنا عبد الله بن محمد بن سلم حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا إسحاق الموصلي قال قال أبو حازم بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثر منها في أوان كسادها فإنه لو جاء أوان نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير قال أبو حاتم رضى الله عنه الدنيا بحر طفاح والناس في امواجها يعومون وفي أمثال تضربها الأيام للأنام وما أكثر أشباهها منها لأن كل ما يصير إلى فناء منها يشبهها فمن أوتى من الدنيا أشياء ثلاثة فقد أوتى الدنيا بحذافيرها الأمن والقوت والصحة لا يغتر بشيء منها إلا كل خداع ولا يركن إليها إلا كل مناع فالعاقل يعلم أن ما لم يبقى لغيره عليه غير باق وأن ما سلب عن غيره لا يترك عليه فالقصد إلى ما يعود بالنفع في الآخرة للعاقل من الدنيا أحرى من السلوك في قصد الضن بها والجمع لها من غير تقديم ما يقدم عليه في الآخرة من الأعمال الصالحة وتركك الأغترار بها والأعتبار بتقلبها بأهلها ولا شيء أعظم خطرا من


الحياة ولا غبن أعظم من إفنائها لغير حياة الأبد ومن اشتهى أن يكون حرا فليجتنب الشهوات وإن كانت لذيذة وليعلم أن كل لذيذ ليس بنافع ولكن كل نافع هو الذيذ وكل الشهوات مملوله إلا الأرباح فإنها لا تمل وأعظم الأرباح الجنة والأستغناء بالله عن الناس ولقد أنشدني علي بن محمد البسامي ... فأعظم بصبر للزمان فإنه ... على حالة المكروه ليس بدائم ... تدور لنا أفلاكه بعجائب ... إذا ما انقضت كانت كأحلام نائم ... سرور وهم وانتعاش وسقطة ... إلى أجل دان لذلك هادم ... وبالله دون الناس فاستغن واستعن ... إذا أنزلت إحدى الأمور العظائم ... وأنشدني وأنشدني المنتصر بن بلال ... فيوم علينا ويوم لنا ... ويوما نساء ويوما نسر ... كذاك التقارض بين الأنام ... فخير بخير وشر بشر ... أنبأنا محمد بن عبد الله بن الجنيد حدثنا عبد الوارث بن عبد الله عن عبد الله من مسعر عن معن بن عون قال كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا لا يدركه لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره قال أبو حاتم رضى الله عنه السبب المؤدي للعاقل إلى إنزاله الدنيا منزلتها ترك الركون إليها مع تقديم ما قدر منها للعيش الدائم والنعيم المقيم هو ترك طول الأمل وراقبة ورود الموت عليه في كل لحظة وطرفة لأن طول الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب أخلف من رجاه وخاب من رآه فالعاقل يلزم تركها مع الاعتبار الدائم بمن مضى من الأمم السالفة والقرون


الماضية كيف عفت آثارهم واضمحلت أنباؤهم فما بقى منهم إلا الذكر ولا من ديارهم إلا الرسم فسبحان من هو قادر على بعثهم وجمعهم للجزاء والعقاب ولقد أنشدنا عمرو بن محمد قال أنشدنا الغلابي قال أنشدني مهدي بن سابق ... كنا على ظهرها والعيش ذو مهل ... والدهر يجمعنا والدار والوطن ... ففرق الدهر ذو التصريف ألفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن ... كذلك الدهر لا يبقى على أحد ... تأتي بأقداره الأيام والزمن ... وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... حتى متى يبقى حليف الأسى ... مستشعرا للدهر أحزانا ... فلا يرد الحزن شيئا ... ولا يعتب هذا الدهر إنسانا ... قد يقبل الدهر بسرائه ... طورا وقد يدبر أحيانا ... فاصبر على ما جر من حادث ... ما زال غدارا وخوانا ... وأحسن الظن بمن لم يزل ... عليك مفضالا ومنانا وأنشدني عمرو بن محمد قال أنشدنا الغلابي لابن أبي عيينة المهلبي ... ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيها إن اعتبرا ... ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت ... حتى توثر في قوم لها غيرا ... إن الليالي والأيام أنفسها ... عن غيب أنفسها لم تكتب الخبرا ... أنبأنا علي بن سعيد العسكري حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا الحسن بن سعيد الجرجاني قال سمعت أبا مريم الصلت بن كلثم يقول كانت أمرأة من بنى إسرائيل متعبدة وكانت تفطر كل سبت فبينما هي ذات يوم قد وضعت إفطارها بين يديها جعلت تقول محب يحب حبيبه يتشاغل بالأكل عن خدمه محبه فيوشك أن يقدم عليه رسول حبيبه وهو متشاغل بأكله عن خدمته فلا تقر عينه في لقائه فمكثت كذلك مدة لا تفطر قال ثم وضعت إفطارها بين يديها وجعلت تقول مثل ما كانت تقول وإذا شاب من ناحية البيت جميل


الوجه طيب الريح فقال سلام عليك ورحمة الله يا حبيبة الله أو يا ولية الله قالت وعليك السلام من أنت قال أنا ملك الموت قالت يا ملك الموت أتأذن لي أن أسجد سجدة أناجي فيها ربي فإذا رأيتنى قد فعلت ذلك قبضت روحي قال لك ذلك قال فنحت إفطارها ثم وثبت فسجدت فقبض روحها في اجتهادها رضى الله عنها ذكر الحث على لزوم ذكر الموت وتقديم الطاعات حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان السعدي حدثنا يحيى بن أكثم ومحمود ابن غيلان قالا حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت قال أبو حاتم رضى الله عنه الواجب على العاقل أن يضم إلى رعاية ما ذكرنا من شعب العقل في كتابنا هذا لزوم ذكر الموت على الأوقات كلها وترك الأغترار بالدنيا في الأسباب كلها إذ الموت رحى دواره بين الخلق وكأس يدار بها عليهم لا بد لكل ذي روح أن يشربها ويذوق طعمها وهو هاذم اللذات ومنغص الشهوات ومكدر الأوقات ومزيل العاهات ولقد أنشدني عبد العزيز بن سليمان ... أيا هاذم اللذات ما منك مهرب ... تحازر نفسي منك ما سيصيبها ... أرأيت المنايا قسمت بين أنفس ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها ... وأنشدني الكريزي ... إن من عاش آمنا في سرور ... قاعد من سروره في غرور ... ما لمن يذكر المقابر والموت ... إذا كان عاقلا من سرور ... حدثنا عمرو بن محمد الغلابي حدثنا مهدي بن سابق قال قرىء على قصر هذه الأبيات


هذى منازل أقوام عهدتهم ... في ظل عيش عجيب ماله خطر ... صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر ... حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا عبد الله بن محمد حدثني إبراهيم ابن عبد الملك حدثني علي بن سلمة الحلبي قال سمعت أبي يقول كان معاوية يقول أنا والله من زرع قد أستحصد ونعى له عبد الله بن عامر بن كريز والوليد بن عقبة وكان أحدهما أكبر منه والآخر دونه فقال ... إذا سار من خلف امريء وأمامه ... وأفرد من إخوانه فهو سائر ... حدثنا أحمد بن محمد بن مصعب الشافعي حدثنا عبد الله بن محمد قال سمعت عبيد الله بن مسلم بن زياد الهمداني قال سمعت عمر بن ذر يقول ورث فتى من الحي دارا عن آبائه وأجداده فهدمها ثم إبتناها وشيدها فأتى في منامه فقيل له ... إن كنت تطمع في الحياة فقد ترى ... أرباب دارك ساكنوا الأموات ... أني تحس من الأكرام ذكرهم ... خلت الديار وبادت الأصوات ... قال فأصبح الفتى مغتاظا قد أمسك عن كثير مما كان يصنع وأقبل على نفسه حدثنا عمر ن حفص البزاز حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا جعفر بن عون قال سمعت مسعرا يقول ... ومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور وداره لم يسكن ... وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... لوأنني أعطيت سؤلي لما ... سألت إلا العفو والعافيه ... فكم فتى قد بات في نعمة ... فسل منها الليله الثانية ... حدثنا حمزة بن داود بن سليان بالأبلة حدثنا ذهل بن أبي شراعة القيسي قال حدثتني سكينه وكانت علامة قالت قال لي أبو العتاهية دخلت


على هارون أمير المؤمنين فلما بصر بي قال أبو العتاهية قلت أبو العتاهية قال الذي يقول الشعر قلت الذي يقول الشعر قال عظني بأبيات شعر وأوجز فأنشدته ... لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ... ولو تمنعت بالحجاب والحرس ... واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس ... ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس ... قال فخر مغشيا عليه أو كما قال حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا أبو جعفر البغدادي قال قرأت على باب قصر بالسند ... نزل الموت منزلا ... سلب القوم وارتحل ... فقلت ما هذا فقالوا مات أهل القصر كلهم فأصبحوا وهذا الكتاب على الباب لا يدري من كتبه وأنشدني البسامي ... قد يصح المريض بعد إياس ... كان منه ويهلك العواد ... يصاد القطا فينجو سليما ... بعد هلك ويهلك الصياد ... قال أبو حاتم رضى الله عنه العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مترقب له ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم ومن لحظة إلى شزره فكم من مكرم في أهله معظم في قومه مبجل في جيرته لا يخاف الضيق في المعيشة ولا الضنك في المصيبة إذ ورد عليه مذلل الملوك وقاهر الجبابرة وقاصم الطغاة فألقاه صريعا بين الأحبة وجيرانه مفارقا لأهل بيته وإخوانه لا يملكون له نفعا ولا يستطيعون عنه دفعا فكم من أمة قد أبادها الموت وبلدة قد عطلها وذات بعل قد أرملها وذي أب أيتمه وذي إخوة أفرده فالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى ما قلنا ولا يركن إلى عيش مغبته ما ذكرنا ولا ينسى حالة لا محالة هو مواقعها وما لا شك يأتيه إذ الموت طالب لا يعجزه المقيم ولا ينفلت منه الهارب


ولقد حدثنا محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا عبد الله بن محمد حدثني سلمة ابن شبيب حدثنا سهل بن عاصم قال سمعت الوضاح بن حسان يقول سمعت ابن السماك يحدث قال بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك إذ رمى بشبكة في البحر فخرج فيها جمجمه إنسان فجعل الصياد ينظر أليها ويبكي ويقول عزيز فلم تترك لعزك غنى فلم تترك لغناك فقير فلم تترك لفقرك جواد فلم تترك لجودك شديد فلم تترك لشدتك عالم فلم تترك لعلمك يردد هذا الكلام ويبكي وأنشدني الكريزي ... أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ... والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك ما فيها ... فلا الإقامة تنجي النفس من تلف ... ولا الفرار من الأحداث ينجيها ... وكل نفس لها زور يصبحها ... من المنية يوما أو يمسيها ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي قال سمعت ابن واقد المديني قال حدثنا عبد المنعم الرياحي قال فقد مالك بن دينار يوما فقالوا أين كنت يا أبا يحيى قال خرجت إلى الأبلة قالوا ما أحسن ما رأيت قال ما رأيت شيئا أعجبت به إلا أني رأيت امرأة تصلى فقالوا له يا أبا يحيى فما أعجب شيء رأيت قال رأيت بالبحرين قصرا مشيدا وإذا على بابه مكتوب ... طلبت العيش أسعد ناعميه ... وعشت من المعايش والنعيم ... فلم ألبث ورب الناس طورا ... سلبت من الأقارب والحميم ... وأنشدني الأبرش ... وللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها ... والمرء يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها ... أنبأنا حمزة بن داود بن سليمان بالأبلة حدثنا الهاديء حدثنا جليس الكلبي


عن سعيد بن أبي عروبه عن قتادة قال لقيني عمران بن حطان فقال لي يا أعمى إنني عالم بخلافك ولكنك رجل تحفظ فاحفظ عني هذه الأبيات ... حتى متى تسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاه ترتع ... أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى ... والى المنية كل يوم تدفع ... أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع ... فتزودن ليوم فقرك دائبا ... واجمع لنفسك لا لغيرك تجمع ... حدثنا محمد بن نصر بن نوفل المروزي قال سمعت أبا داود السنجي يقول خرج أبو معاذ النحوي يوما مع أصحابه فقال إنه قد نعيت إلى نفسي البارحة أتاني آت فقال ... يا أيها الإنسان إنك ميت ... عما قليل ثم لنفسك وأقعد ... فكان ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن فكأن قد ... حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا حرمله بن يحيى قال سمعت الشافعي كثيرا ما ينشد ... تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد ... فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد ... حدثنا أحمد بن محمد الشافعي حدثنا عبد الله بن محمد حدثني إسماعيل ابن عبد الله العجلي قال أنشدنا رجل ونحن في المقابر ... ألا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى ... أجابوا الدعوة الصغرى ... وهم منتظروا الكبرى ... يحثون على الزاد ... وما زاد سوى التقوى ... يقولون لكم جدوا ... فهذا آخر الدنيا ... قال أبو حاتم رضى الله عنه إن الله جل وعلا خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها فأكلوا من ثمارها وشربوا من أنهارها ثم لا محالة تنزل


المنية بهم وتغنيهم عن السعي والحركات مع تعطل الجثث والآلات ثم تعيدهم إلى الأرض التي منها خلقهم حتى تأكل لحومهم كما أكلوا أثمارها وتشرب دماءهم كما شربوا من أنهارها وتقطع أوصالهم كما مشوا على ظهرها فالقبر أول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا فطوبى لمن مهد في دنياه لقبره وقدم منها لآخرته فكم عفرت الأرض من عزيز وأفقدت الغير من أنيس حدثني محمد بن إبراهيم الخالدي حدثنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن عباس حدثنا إبراهيم بن يزيد قال رأيت أعرابيا وقف على مقبرة وهو يقول ... لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد ... وما إن ترى دارا لحي قد أقفرت ... وقبرا لميت بالفناء جديد ... فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما المتقى فبعيد ... وأنشدني أحمد بن عبد الله الكرجي لعمر بن شبه في نفسه ... يا ابن سبعين وعشر ... وثمان كاملات ... غرضا للموت مشغولا ... بخد منى وهات ... ويك لا تعلم ماتلقى ... به بعد الممات ... من صغار موبقات ... وكبار مهلكات ... يا ابن من قد مات ... من آبائه والأمهات ... هل ترى من خالد ... من ذي طغاة وعتاة ... إن من يبتاع ... بالدين خسيسات الحياة ... لغبي الرأي محفوف ... بطول الحسرات ... حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا شعيب بن واقد المري عن عبد المنعم الرياحي قال سمعت صالح المري يقول دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت فقلت يا سبحان الله من يجمع بين أرواحكم وأجسامكم بعد إفتراقها ثم يحييكم وينشئكم من طول البلى قال


فناداني مناد من بين تلك الحفر يا صالح ( 30 25 ) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون قال فسقطت والله مغشيا علي قال أبو حاتم رضى الله عنه قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار والقليل من الجسيم من الأخبار في كتابنا هذا بما نرجوا أن القاصد إلى سلوك سبيل ذوي الحجى والسالك مقصد سبيل أولى النهى يكون له فيها غنية إن تدبرها واستعملها وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد وتخريج الحكايات وأناشيد الأشعار إلا ما لم نجد بدا من إخراجها كالإيماء إلى الشيء والإشارة إلى القصد جعلنا الله ممن دعته تباشير التوفيق إلى القيام بحقائق التحقيق إنه منتهى الغاية عند رجاء المؤمنين والمان على أوليائه بمنازل المقربين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين الطيبين والحمد لله رب العالمين وجد في النسخة الأصلية ما صورته فرغ من نسخه بعون الله ورحمته العبد الفقير إلى عفو ربه أحمد بن محمد ابن سالم بن جناب المنبجى بالرها المحروسة يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة ختم الله بخير ولوالديه ولجميع المسلمين