تفسير المراغي/سورة العلق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
سورة العلق
أحمد مصطفى المراغي



سورة العلق


هي مكية، وآياتها تسع عشرة، وهي أول ما نزل من القرآن.

ومناسبتها لما قبلها - أنه ذكر هناك خلق الإنسان في أحسن تقويم، وذكر هنا خلق الإنسان من علق، إلى أنه ذكر هنا من أحوال الآخرة ما هو كالشرح والبيان لما سلف.

[سورة العلق (96): الآيات 1 الى 5][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5)

تقدمة تاريخية[عدل]

جاء في صحيح الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي غار حراء (حراء جبل بمكة) يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الوحي وهو في الغار إذ جاءه الملك فقال له: اقرأ، قال ما أنا بقارئ، قال:

فأخذه ثانية فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال: اقرأ، قال ما أنا بقارئ. قال فأخذه ثالثة فغطّه حتى بلغ منه الجهد فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.

قال الرواة: فرجع ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زمّلونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الرّوع فأخبر خديجة الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلّا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى (ابن عم خديجة) وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على عيسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب أن توفّي، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.

ومن ذلك تعلم أن صدر هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن الكريم، وأول رحمة رحم الله بها عباده، وأول خطاب وجّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بقية السورة فهو متاخر النزول، نزل بعد شيوع بعثته صلى الله عليه وسلم، وبعد أن دعا قريشا إلى الإيمان به، وآمن به قوم منهم، وكان جمهرتهم يتحرشون بمن آمن به ويؤذونهم، ويحاولون ردهم عن تصديقه، والإيمان بما جاء به من عند ربه.

الإيضاح

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أي صر قارئا بقدرة الله الذي خلقك وإرادته بعد أن لم تكن كذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئا ولا كاتبا، وقد جاءه الأمر الإلهي بأن يكون قارئا وإن لم يكن كاتبا، وسينزل عليه كتابا يقرؤه، وإن كان لا يكتبه.

وقصارى ذلك - إن الذي خلق الكائنات وأوجدها، قادر أن يوجد فيك القراءة، وإن لم يسبق لك تعلمها.

ثم بين كيفية الخلق فقال:

(خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) العلق: الدم الجامد، أي إن الذي خلق الإنسان وهو أشرف المخلوقات كلها من العلق، وآتاه القدرة على التسلط على كل شيء مما في هذا العالم الأرضى، وجعله يسوده بعلمه، ويسخره لخدمته، قادر أن يجعل من الإنسان الكامل كالنبي صلى الله عليه وسلم قارئا وإن لم يسبق له تعلّم القراءة.

والخلاصة - إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا حيا ناطقا يسود المخلوقات الأرضية جميعها، قادر أن يجعل محمدا صلى الله عليه وسلم قارئا وإن لم يتعلم القراءة والكتابة.

(اقْرَأْ) أي افعل ما أمرت به من القراءة.

وكرر الأمر لأن القراءة لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة وتكرار الأمر الإلهي يقوم مقام تكرار المقروء، وبذلك تصير القراءة ملكة للنبي صلى الله عليه وسلم، تدبر قوله تعالى: « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ».

ثم أزاح العذر الذي بينه صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ، أي إني أمي لا أقرأ ولا أكتب فقال:

(وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أي وربك أكرم لكل من يرتجى منه الإعطاء، فيسير عليه أن يفيض عليك نعمة القراءة من بحار كرمه.

ثم أراد أن يزيده اطمئنانا بهذه الموهبة الجديدة فقال:

(الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) أي الذي جعل القلم واسطة التفاهم بين الناس على بعد الشّقّة، كما أفهمهم بواسطة اللسان والقلم آلة جامدة لا حياة فيها وليس من شأنها الإفهام، فمن جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان. أفيصعب عليه أن يجعل منك قارئا مبيّنا، وتاليا معلّما، وأنت إنسان كامل؟

وقد وصف سبحانه نفسه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علمه بالقلم ليبين أحوال هذا الإنسان، وأنه خلق من أحقر الأشياء، وبلغ في كماله الإنساني أن صار عالما بحقائق الأشياء، فكأنه قيل: تدبر أيها الإنسان تجد أنك قد انتقلت من أدنأ المراتب وأخسها، إلى أعلى الدرجات وأرفعها، ولا بد لذلك من مدبر قادر حكيم أحسن كل شيء خلقه.

ثم زاد الأمر بيانا بتعداد نعمه فقال:

(عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) أي إن من صدر أمره بأن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم قارئا، هو الذي علم الإنسان جميع ما هو متمتع به من العلم، وممتاز به عن غيره من الحيوان، وكان في بدء أمره لا يعلم شيئا، فهل من عجب أن يعلمك القراءة، ويعلمك كثيرا من العلوم سواها، ونفسك مستعدة لقبول ذلك.

وفي الآية دليل على فضل القراءة والكتابة والعلم.

ولعمرك لولا القلم ما حفظت العلوم، ولا أحصيت الجيوش، ولضاعت الديانات، ولا عرف الأواخر معارف الأوائل، وعلومهم ومخترعاتهم وفنونهم، ولما سجّل تاريخ السابقين: المسيئين منهم والمحسنين، ولا كان علمهم نبراسا يهتدى به الخلف، ويبنى عليه ما به ترقى الأمم، وتتقدم المخترعات.

كما أن فيها دليلا على أن الله خلق الإنسان الحي الناطق مما لا حياة فيه ولا نطق، ولا شكل ولا صورة، وعلمه أفضل العلوم وهي الكتابة، ووهبه العلم ولم يكن يعلم شيئا، فما أعجب غفلتك أيها الإنسان!.

[سورة العلق (96): الآيات 6 الى 19][عدل]

كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْدًا إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)

شرح المفردات

المراد بالإنسان: أي فرد من هذا النوع، يطغى: أي يتكبر ويتمرد: استغنى: أي صار ذا مال وأعوان يغنى بهما، والرجعى والمرجع والرجوع: المصير والعودة، أرأيت: أي أخبرني والمراد من الاستخبار إنكار الحال المستخبر عنها وتقبيحها على نحو ما جاء في قوله تعالى: « أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟ » والسفع: الجذب بشدة والناصية: شعر الجبهة والمراد بذلك القهر والإذلال بأشد أنواع العذاب، والنادي: المكان الذي يجتمع فيه القوم، ولا يسمى ناديا حتى يكون فيه أهله قال زهير:

وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل

والزبانية: واحدهم زبنية (بكسر فسكون) وزبنى (بالكسر)، والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله على تعذيب العصاة من خلقه.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه في مطلع السورة دلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وعلامات الحكمة، ودقة الصنع، وكان ذلك كله بحيث يبتعد من العاقل ألا يلتفت إليه، أتبعه جل شأنه ببيان السبب الحقيقي في طغيان الإنسان وتكبر وتماديه، وهو حبه للدنيا، واشتغاله بها، وجعلها أكبر همه، وذلك يعمى قلبه، ويجعله يغفل عن خالقه، وما يجب له في عنقه من إجلال وتعظيم، وقد كان ينبغي أن يكون حين الغنى والميسرة، وكثرة الأعوان، واتساع الجاه، أشد حاجة إلى الله منه في حال الفقر والمسكنة، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه وأعضائه، أما في حال الغنى فيتمنى ذلك ويتمنى سلامة مماليكه وأتباعه وأمواله.

ألا يعلم أنه راجع إلى ربه فمجازيه على ما يعمل؟ وقد بلغ من حمقه أن يأمر وينهى، وأنه يوجب على غيره طاعته، ثم هو بعد ذلك يعرض عن طاعة ربه.

أما ينبغي له أن يهتدى ويشتغل بأمر نفسه؟ فمن كان ذا عقل ورأى وثروة وجاه وأعوان، واختار الهدى، وتخلق بأخلاق المصلحين، كان ذلك خيرا له، وأجدى.

وإنا لننكلنّ به نكالا شديدا في العاجلة، ونهيننّه يوم العرض والحساب، وليدع أمثاله من المغرورين، فإنهم لن يمنعوه، ولن ينصروه ثم ختم السورة بأمره بالتوفر على عبادة ربه فعلا وإبلاغا للناس، مبتغيا بذلك القربى منه.

الإيضاح

(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أي حقا إن أمر الإنسان لعجيب فإنه متى أحسّ من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعا، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة يتعاونون في السراء والضراء.

ويحب الخير لهم كما يحب لنفسه.

روى البخاري: « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ».

وروي عن علي في نصيحته لابنه الحسن: أحب الخير لغيرك كما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها.

وقد حكم على الإنسان باعتبار الأعم الأغلب في أفراده، وإلا فإن الغنى والقوة في أيدي الأتقياء من وسائل الخير، وأفضل أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، لأنهم يستعملونهما فيما يرضى ربهم، ويعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم.

ثم حذر من الطغيان وأنذر من عاقبته، وأبان أن ما بيد الطاغي عارية، وليست نفسه بباقية، وأن مرجع الأمر كله لله فقال:

(إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) أيإن المرجع إلى ربك وحده، وهو مالك أمرك وما تملك، وسيتبين لك عظيم غرورك حينما تخرج من هذه الحياة، وتظهر في مظهر الذل، وتحاسب على كل ما اجترحته في حياتك الأولى، قلّ أو كثر، عظم أو حقر كما قال: « وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ».

ثم أعقب ما تقدم بالوعيد والتهديد والتعجيب فقال:

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْدًا إِذا صَلَّى) أي أخبرني عن حال هذا الأحمق، فإن أمره لعجب، فقد بلغ به الكبر والتمرد والعناد أن ينهى عبدا من عبيد الله عن صلاته ويعتقد أنه يجب عليه طاعته، وهو ليس بخالق ولا رازق، فكيف يستسيغ ذلك لنفسه، ويعرض عن طاعة الخالق الرازق.

وقد روي أن عليا كرم الله وجهه رأى قوما يصلون قبل صلاة العيد فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى: « أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى ».

(أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أي أخبرني عن حال ذلك الطاغية لو تخلق بأخلاق المصلحين، ودعا إلى البر وتقوى الله، أما كان ذلك خيرا له من الكفر به والنهي عن طاعته، فإن ذلك يفوّت عليه أعلى المراتب، ويجعله في أحط الدركات وأدناها.

والخلاصة - أما كان الأفضل له أن يهتدى ويهدى غيره إلى خصال البر والخير، وقد كانت هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم فعمله كان إما في إصلاح نفسه بالعبادات من صلاة وصيام وغيرهما، وإما في إصلاح غيره بأمره بالتقوى ودعائه إليها.

(أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أي أنبئنى عن حال هذا الكافر، إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة. وأمارات القدرة الباهرة، وأعرض عن دعوتك والاستماع لهديك، ودعا الناس إلى مثل ذلك أفلا يخشى أن تحل به قارعة، ويصيبه من عذاب الله ما لا قبل له باحتماله؟ ألا عقل له يرشده إلى أن خالق هذا الكون مطلع على عمله، وأنه حكيم لا يهمل عقابه، وأنه سيؤاخذه بكل ما اقترف من جرم؟

ولا يخفى ما في هذا من تهديد وتخويف للعصاة والمذنبين.

ثم زاد في الزجر والوعيد فقال:

(كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) أي لا يستمرنّ بهذا الكافر جهله وغروره وطغيانه، قسما لئن لم ينته عن هذا الطغيان، ويكفّ عن نهى المصلى عن صلاته لنأخذن بناصيته ولنذيقنه العذاب الأليم.

ألا إن تلك الناصية لكاذبة لغرورها بقوتها، مع أنها في قبضة خالقها، فهي تزعم ما لا حقيقة له، وإنها لخاطئة، لأنها طغت وتجاوزت حدها، وعتت عن أمر ربها.

ونسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية، والكاذب والمخطئ صاحبها، من قبل أنها مصدر الغرور والكبرياء.

وقد أمر هذا الكافر على ضرب من التهكم والتوبيخ بأن يدعو أهل الدفاع من قومه وذوي النجدة والبطش لينقذوه مما سيحل به فقال:

(فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) أي فليجمع أمثاله ممن ينتدى معهم ليمنع المصلين المخلصين، ويؤذي أهل الحق الصالحين، فإنه إن فعل ذلك تعرض لسخط ربه والتنكيل به، وسندعو له من جنودنا كل قوي متين لا قبل له بمغالبته فيهلكه في الدنيا، أو يرديه في النار في الآخرة.

والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله على تعذيب العصاة من خلقه، وسمّوا زبانية لأنهم يزبنون الكفار في النار أي يدفعونهم ويسوقونهم إليها.

روي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين أغلظ له في القول: يا محمد بمن تهددنى؟ وإني لأكبر هذا الوادي ناديا.

وروي أنه قال: لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة لأطأن عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو فعل لأخذته الملائكة.

ثم بالغ في زجر الكافر عن صلفه وكبريائه، ونفى قدرته علي ما تهدد به فقال:

(كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أي إنه لن يصل إلى زعمه وأن يدعو نادى قومه، ولئن دعاهم لا ينفعونه ولا ينصرونه، فإنه أذل وأحقر من أن يقاومك، فلا تطعه إذا نهاك عن عبادة ربك كما قال: « فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ » وتوفر على عبادته بالفعل وإبلاغ الرسالة للناس، وتقرّب بذلك إليه، ولا تبتعد عنه بتركها، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

وصلّ وسلم ربنا على من أمرته بالتقرب إليك، ونهيته عن طاعة عدوك الصّلف المتكبر.

مقاصد هذه السورة[عدل]

تشتمل هذه السورة على المقاصد الآتية:

(1) حكمة الله في خلق الإنسان، وكيف رقاه من جرثومة صغيرة إلى أن بسط سلطانه على جميع العوالم الأرضية.

(2) إنه لكرمه وعظيم إحسانه علمه من البيان ما لم يعلم، وأفاض عليه من العلوم ما جعل له القدرة على غيره مما في الأرض.

(3) بيان أن هذه النعم على توافرها قد غفل عنها الإنسان، فإذا رأى نفسه غنيا صلف وتجبر واستكبر.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء