تاريخ الطبري/الجزء الخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تاريخ الرسل والملوك
للطبري
  ►الجزء الرابع الجزء الخامس الجزء السادس ◄  

محتويات


بسم الله الرحمن الرحيم

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

موادعة الحرب بين علي ومعاوية

فكان في أول شهر منها - وهو المحرم - موادعة الحرب بين علي ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف الأزدي، قال: حدثني سعد أبو المجاهد الطائي، عن المحل بن خليفة الطائي، قال: لما توادع علي ومعاوية يوم صفين، اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح، فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد ابن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة إلى معاوية، فلما دخلوا حمد الله عدي بن حاتم، ثم قال: أما بعد، فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين. إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهددًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عدي، كلا والله إني لابن حرب، ما يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان رضي الله عنه، وإنك لمن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل الله عز وجل به. هيهات يا عدي بن حاتم! قد حلبت بالساعد الأشد. فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة - وتنازعا جوابًا واحدًا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال! دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا وغياك نفعه. وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وأنك راجع به إلى الألفة والجماعة. إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك؛ إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي، ولن يميلوا بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عليًا، فإنا والله ما رأينا رجلًا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.

فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان. فقال له شبث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلت معتدلا. لا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق.

وتفرق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التيمي، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًا قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت.

قال أبو مخنف: فحدثني سعد أبو المجاهد، عن المحل بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بينة من ربي وبما أنعم علي، فلن أكون ظهيرًا للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جنبه جالسًا: ليس يكلم رجل منا رجلًا منهم فيجيب إلى خير. ما لهم عضبهم الله بشر! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد.

قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد الأزدي، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود، أن معاوية بعث إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفةً مهديًا، يعمل بكتاب الله عز وجل، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه؛ فتادفع إلينا قتلة عثمان - إن زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم. فقال له علي بن أبي طالب: وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر! اسكت فإنك لست هنك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لتريني بحيث تكره. فقال علي: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي؛ أحقرةً وسوءًا! اذهب فصوب وصعد ما بدا لك.

وقال شرحبيل بن السمط: إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال علي: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله جل ثناؤه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، فأنقذ به من الضلالة، وانتاش به من الهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم، ثم استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبو بكر عمر رضي الله عنه، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا - ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك!، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتهم، فلم يرعني إلا قاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقةً في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين عدوًا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا حلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدًا. ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.

فقالا: اشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا، فقال لهما: لا أقول إنه قتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلومًا فنحن منه برآء، ثم قاما فانصرفا. فقال علي: " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن ستمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " ثم أقبل عليٌّ على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم وطاعة ربكم.

قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن حذيفة، من آل عامر بن جوين، أن عائذ بن قيس الحزمري واثب عدي بن حاتم في الراية بصفين - وكانت حزمر أكثر من بني عدي رهط حاتم - فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائي السبولاني عند علي، فقال: يا بني حزمر، على عدي تتوثبون! وهل فيكم مثل عدي أو في آبائكم مثل أبي عدي! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم روية؟ أليس بابن ذي المرباع وابن جواد العرب؟! أليس بابن المنهب ماله، ومانع جاره؟! اليس من لم يغدر ولم يفجر، ولم يجهل ولم يبخل، ولم يمنن ولم يجبن؟! هاتوا في آبائكم مثل أبيه، أو هاتوا فيكم مثله. أوليس أفضلكم في الإسلام! أوليس وافدكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر؟! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون. فقال له علي بن أبي طالب: حسبك يابن خليفة، هلم أيها القوم إلي، وعلي بجماعة طيىء، فأتوه جميعًا، فقال علي: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيىء: عدي. فقال له ابن خليفة: فسلهم يا أمير المؤمنين، أليسوا راضين مسلمين لعدي الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عدي أحقكم بالراية. فسلموها له، فقال علي - وضجت بنو الحزمر -: إني أراه رأسكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلمين له غيركم؛ فأتبع في ذلك الكثرة. فأخذها عدي. فلما كان أزمان حجر بن عدي طلب عبد الله بن خليفة ليبعث به مع حجر - وكان من أصحابه - فسير إلى الجبلين؛ وكان عدي قد مناه أن يرده، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال:

وتنسونني يوم الشريعة والقنا ** بصفين في أكتفهم قد تكسرا

جزى ربه عنى عدي بن حاتمٍ ** برفضي وخذلاني جزاءً موفرا

أتنسى بلائي سادرًا يابن حاتمٍ ** عشية ما أغنت عديك حزمرا

فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ** وكنت أنا الخصم الألد العذورا

فولوا وما قاموا مقامي كأنما ** رأوني ليثًا بالأباءة مخدرا

نصرتك إذ خام القريب وأبعط ال ** بعيد وقد أفردت نصرًا مؤزرا

فكان جزائي أن أجرد بينكم ** سجينًا، وأن أولى الهوان وأوسرا

وكم عدةٍ لي منك أنك راجعي ** فلم تغن بالميعاد عني حبترا

تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال

قال: ومكث الناس حتى إذ دنا انسلاخ المحرم أمر علي مرثد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشأم عند غروب الشمس: الا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله عز وجل، فدعوتكم إليه، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشأم إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص في الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علي ليلته كلها يعبي الناس، ويكتب الكتائب، ويدور في الناس يحرضهم.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه، أن عليًا كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدوًا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فأنتم بحمد الله عز وجل على حجة، وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترًا، ولا تدخلوا دارًا إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس.

قال أبو مخنف: وحدثني إسماعيل بن يزيد، عن أبي صادق، عن الحضرمي، قال: سمعت عليًا يحرض الناس في ثلاثة مواطن: يحرض الناس يوم صفين، ويوم الجمل، ويوم النهر، يقول: عباد الله، اتقوا الله، وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمجالدة والمعانقة والمكادمة والملازمة، فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.

فأصبح علي من الغد، فبعث على الميمنة والميسرة والرجالة والخيل. قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج الكندي أن عليًا بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر. وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم ابن عتبة ومعه رايته، ومسعر بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بديل وعمار بن ياسر.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزدي، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، أن معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميرة، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي - وكان على خيل أهل دمشق - وعمرو بن العاص على خيول أهل الشأم كلها، ومسلم بن عقبة المري على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها. وبايع رجال من أهل الشأم على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفًا، فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا. وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشأم حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جل النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسنٍ عددها وعدتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثم انصرفوا وقد كان القوم صبر بعضهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشد القتال، وأخذ عمار يقول: يا أهل العراق، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلما رأى الله عز وجل يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وهو فيما نرى راهب غير راغب؛ ثم قبض الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم! فوالله إن زال بعده معروفًا بعداوة المسلم، وهوادة المجرم. فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفىء نور الله، ويظاهر أعداء الله عز وجل.

فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وشد عمار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه. وبارز يومئذ زياد بن النضر أخًا له لأمه يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل - وكانت أمهما امرأة من بني يزيد - فلما التقيا تعارفا فتواقفا، ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس.

فلما كان من الغد خرج محمد بن علي وعبيد الله بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشد القتال. ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية: أن اخرج إلي؛ فقال: نعم، ثم خرج يمشي، فبصر به أمير المؤمنين فقال: من هذان المتبارزان؟ فقيل: ابن الحنفية وعبيد الله بن عمر؛ فحرك دابته ثم نادى محمدًا، فوقف له، فقال: أمسك دابتي، فأمسكها، ثم مشى إليه علي فقال: أبرز لك، هلم إلي؛ فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر. فأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه: يا أبت، لم منعتني من مبارزته؟ فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله، فقال: لو بارزته لرجوت أن تقتله، وما كنت آمن أن يقتلك، فقال: يا أبت أو تبرز لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه؛ فقال علي: يا بني، لا تقل في أبيه إلا خيرًا. ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا.

قال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسب بني عبد المطلب، وأخذ يقول: يابن عباس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم الله صنع بكم؟! لم تعطوا ما طلبتم، ولم تدركوا ما أملتم، والله إن شاء مهلككم وناصرٌ عليكم. فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز لي؛ فابى. وقاتل ابن عباس يومئذ قتالًا شديدًا، وغشي الناس بنفسه.

ثم خرج قيس بن سعد الأنصاري وابن ذي الكلاع الحميري فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انصرفا، وذلك في اليوم السادس.

ثم خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مسلمة اليوم السابع، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم انصرفا عند الظهر، وكلٌّ غير غالب، وذلك يوم الثلاثاء.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب، أن عليًا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في الناس عشية الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، وما أبرم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجل النقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذب الله الظالم، ويعلم الحق أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألا إنكم لاقو القوم غدًا، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله عز وجل النصر والصبر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين. ثم انصرف، ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول:

أصبحت الأمة في أمرٍ عجب ** والملك مجموعٌ غدًا لمن غلب

فقلت قولًا صادقًا غير كذب ** إن غدًا تهلك أعلام العرب

قال: فلما كان من الليل خرج عليٌّ فعبى الناس ليلته كلها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشأم، فأخذ عليٌّ يقول: من هذه القبيلة؟ ومن هذه القبيلة؟ فنسبت له قبائل أهل الشأم، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد: اكفوني الأزد، وقال لخثعم: اكفوني خثعم. وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشأم، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بجيلة لم يكن منهم بالشأم إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخم. ثم تناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالًا شديدًا نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌّ غير غالب، حتى إذا كان غداة الخميس صلى عليٌّ بغلس.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه، قال: ما رأيت عليًا غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشأم فزحف إليهم، فكان يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهني، أن عليًا خرج إليها غداة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهم رب السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مغيضًا لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكانه سبطًا من الملائكة، لا يسأمون العبادة. ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارًا للأنام، والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم. ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادًان وللخلق متاعًا؛ إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي، وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة، واعصم بقية أصحابي من الفتنة.

قال: وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عند الليل وكلٌّ غير غالب، فأصبحوا من الغد، فصلى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلس بالصلاة اشد التغليس، ثم بدأ أهل الشأم بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار ابن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بديل؛ والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار، ومعه من خزاعة عدد حسن، ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة.

ثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت، وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهني، أن ابن بديل قام في أصحابه فقال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجسًا إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربكم، وبرهان مبين. فقاتلوا الطغاة الجفاة، ولا تخشوهم، فكيف تخشوهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرًا مبرورًا! " أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين "، وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد، قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابه.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، عن أبيه ومولىً له، أن عليًا حرض الناس يوم صفين، فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تشفي بكم على الخير: الإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن. ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص؛ فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أصون للأسنة. وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار. راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذمار، والصابر عند نزول الحقائق، هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها؛ يضربون حفافيها خلفها وأمامها، ولا يضعونها أجزأ امرؤٌ وقذ قرنه - رحمكم الله - وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً، ويأتي به دناءة. وأنى لا يكون هذا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه! من يفعل هذا يمقته الله عز وجل، فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله، قال الله عز من قائل لقوم: " لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا قليلًا ". وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة. واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل الله النصر.

الجد في الحرب والقتال

قال أبو مخنف: حدثني أبو روق الهمداني، أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض الناس فقال: إن المسلم السليم من دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، وإحياء حقٍّ رأونا أمتناه، وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرةً فيه ملوكًا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورًا ولا سرورًا - لزموكم بمثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه الضال، يخبر أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجده، يقول: هذا لي ولا إثم علي، كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه، وإنما هو مال الله عز وجل، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا يأخذكم في جهادهم لوم لائم، فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم؛ وهم من قد عرفتم وخبرتم؛ وايم الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرًا.

وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالًا شديدًا حتى انتهى إلى قبة معاوية. ثم إن الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، وانجفل الناس، فأمر عليٌّ سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموعٌ لأهل الشأم عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة، وكان في الميمنة إلى موقف عليٍّ في القلب أهل اليمن، فلما كشفوا انتهت الهزيمة إلى علي، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة، وثبتت ربيعة.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني، قال: مر علي معه بنوه نحو الميسرة. ومعه ربيعة وحدها، وإني لأرى النبل يمر بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه. فيكره عليٌّ ذلك، فيتقدم عليه، فيحول بين أهل الشأم وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه، فبصر به أحمر - مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أمية - فقال علي: ورب الكعبة؛ قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى ب ني أمية، وينتهزه عليٌّ، فيقع بيده في جيب درعه، فيحبذه، ثم حمله على عاتقه؛ فكأني أنظر إلى رجيلتيه، تختلفان على عنق علي، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضديه، وشد ابنا علي عليه: حسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما، حتى بردا، فكأني أنظر إلى علي قائمًا وإلى شبليه يضربان الرجل، حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما، والحسن قائمًا قال له: يا بني، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كفياني يا أمير المؤمنين. ثم إن أهل الشأم دنوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعةً في مشيه، فقال له الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك؟ فقال: يا بني، إن لأبيك يومًا لن يعدوه ولا يبطىء به عند السعي، ولا يعجل به إليه المشي، إن أباك والله ما يبالي أوقع على الموت، أو وقع الموت عليه.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل عليٌّ نحو الميسرة، مر به الأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علي: يا مالك، قال: لبيك؛ قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه، إلى الحياة التي لن تبقى لكم! فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له عليٌّ. وقال: إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إلي أيها الناس. فأقبلت إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيها الناس، عضضتم بهن آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيها الناس، أخلصوا إلي مذحجًا، فأقبلت إليه مذحج، فقال: عضضتم بصم الجندل! ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان؛ الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن بخسفٍ، وأنتم حد أهل مصركم، وأعد حيٍّ في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم؛ فاتقوا مأثور الأحاديث غد، واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد صلى الله عليه وسلم. أنتم ما أحسنتم القراع، اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله عز وجل لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه. قالوا: خذ بنا حيث أحببت. وصمد نحو عظمهم فيما يلي الميمنة، فأخذ يزحف إليهم، ويردهم، ويستقبله شبابٌ من همدان - وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ - وقد انهزموا آخر الناس، وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسًا، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر، فكان الأول كريب بن شريح، ثم شرحبيل ابن شريح، ثم مرثد بن شريح، ثم هبيرة بن شريح، ثم يريم بن شريح، ثم سمير بن شريح، فقتل هؤلاء الإخوة الستة جميعًا. ثم أخذ الراية سفيان ابن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كريب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعًا، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتلا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية - رحمك الله - فقد قتل أشراف قومك حولها، فلا تقتل نفسك ولا من بقي من قومك؛ فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر. فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إلي أنا أحالفكم وأعاقدكم على ألا نرجع أبدًا حتى نظفر أو نهلك. فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جعيل التغلبي:

وهمدان زرقٌ تبتغي من تحالف

وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها، ولا لجمع إلا حازه ورده؛ فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر، فقال: من هذا؟ فقيل: زياد بن النضر، استلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حتى صرع، ثم لم يمكثوا إلا كلا شيء حتى مر بيزيد بن قيس الأرحبي محمولًا نحو العسكر، فقال الأشتر: من هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صرع زياد ابن النضر رفع لأهل الميمنة رايته، فقاتل حتى صرع، فقال الأشتر: هذا والله الصبر الجميل، والفعل الكريم، ألا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل، أو يشفى به على القتل! قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن الحر بن الصياح النخعي؛ أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية، إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبًا، وإذا رفعها كاد يعشي البصر شعاعها، وجعل يضرب بسيفه ويقول:

الغمرات ثم ينجلينا

قال: فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي والأشتر متقنع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيرًا منذ اليوم عن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين! فعرفه الأشتر، فقال يا بن جمهان، مثلك يتخلف عن مثل موطني هذا الذي أنا فيه! فنظر إليه ابن جمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطول - وكان في لحيته خفلةٌ قليلة - فقال: جعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة، ولا أفارقك حتى أموت. قال: ورآه منقذٌ وحمير ابنا قيس الناعطيان، فقال منقذ لحمير: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله على نيته، فقال له حمير: وهل النية إلا ما تراه يصنع! قال: إني أخاف أن يكون يحاول ملكًا قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مولىً للأشتر، أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن الميمنة حرضهم، ثم قال: عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا شدة قوم موتورين ثأرًا بآبائهم وإخوانهم، حناقًا على عدوهم، قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر، ولايلحقوا في الدنيا عارًا، وايم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة، ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة. فطيبوا عباد الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم. وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز، والغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة.

وحمل عليهم حتى كشفهم، فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلثمائة، وقد لصقوا بالأرض كأنهم جشًا فكشف عنهم أهل الشأم، فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم، فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم. وقال عبد الله بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا؛ فأرسل الأشتر إليه: ألا تفعل، اثبت مع الناس فقاتل، فإنه خيرٌ لهم وأبقى لك ولأصحابك. فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سيفان، وقد خرج فهو أمام أصحابه، فأخذ كلما دنا منه رجلٌ ضربه فقتله، حتى قتل سبعة، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتى قتل، وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة قد جرحوا منهزمين، فبعث الأشتر ابن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشأم الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر، فقال لهم: ألم يكن رأيي لكم خيرًا من رأيكم لأنفسكم! ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس! وكان معاوية قال لابن بديل وهو يضرب قدمًا: أترونه كبش القوم! فلما قتل أرسل إليه، فقال: انظروا من هو؟ فنظر إليه ناس من أهل الشأم فقالوا: لا نعرفه، فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بديل، والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلًا على رجالها لفعلت، مدوه، فمدوه، فقال: هذا والله كما قال الشاعر:

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ** وإن شمرت يومًا به الحرب شمرا

والبيت لحاتم طيىء. وإن الأشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك والأشعرين، فقال الأشتر لمذحج: اكفونا عكا، ووقف في همدان وقال لكندة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ يخرج إلى قومه فيقول: إنما هم عك، فاحملوا عليهم، فيجثون على الركب ويرتجزون:

يا ويل أم مذحجٍ من عك ** هاتيك أم مذحجٍ تبكي

فقاتلوهم حتى المساء. ثم إنه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم شد عليهم شدة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، - وكانوا معقلين بالعمائم - حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرس فركب - وكان يقول: اردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة من الأنصار - كان جاهليًا، والإطنابة امرأة من بلقين:

أبت لي عفتي وحياء نفسي ** وإقدامي على البطل المشيح

وإعطائي على المكروه مالي ** وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وقولي كلما جشأت وجاشت ** مكانك تحمدي أو تستريحي

فمنعني هذا القول من الفرار.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجني، عن زيد بن وهب، أن عليًا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين؛ ولكن هون وجدي، وشفى بعض أحاح نفسي، أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسونهم بالسيوف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة الهيم؛ فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله عز وجل باليقين، ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق نفسه؛ إن الفرار موجدة الله عز وجل عليه، والذل اللازم، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه. وإن الفار منه لا يزيد في عمره، ولا يرضي ربه، فموت المرء محقًا قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتأنيس لها، والإقرار عليها.

قال أبو مخنف: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي، أن راية بجيلة بصفين كانت في أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبي شداد - وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن علي ابن أسلم بن أحمس بن الغوث - وقالت له بجيلة: خذ رايتنا؛ فقال: غيري خيرٌ لكم مني، قالوا: ما نريد غيرك، قال: والله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا: اصنع ما شئت، فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب - وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية، وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي - فاقتتل الناس هنالك قتالًا شديدًا، فشد بسيفه نحو صاحب الترس، فتعرض له رومي، مولىً لمعاوية فيضرب قدم أبي شداد فيقطعها، ويضربه أبو شداد فيقتله، وأشرعت إليه الأسنة فقتل، وأخذ الراية عبد الله ابن قلع الأحمسي وهو يقول:

لا يبعد الله أبا شداد ** حيث أجاب دعوة المنادي

وشد بالسيف على الأعادي ** نعم الفتى كان لدى الطراد

وفي طعان الرجل والجلاد

فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس، فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسي - أخو قيس بن أبي حازم - يومئذ، وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلي يومئذ، فأتى ابن عمه وسمية نعيم بن الحارث ابن العلية معاوية - وكان معه - فقال: إن هذا القتيل ابن عمي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنه فليس لذلك أهلًا، والله ما قدرنا على دفن ابن عفان رضي الله عنه إلا سرًا. قال: والله لتأذنن في دفنه أو لألحقن بهم ولأدعنك. قال معاوية: أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورهم، فأنت تسألني في دفن ابن عمك! ادفنه إن شئت أو دع. فدفنه.

قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة الأزدي، عن أشياخ من النمر من الأزد، أن مخنف بن سليم لما ندبت الأزد للأزد، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن من الخطإ الجليل، والبلاء العظيم، أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاس جماعتنا، ولم نناصح صاحبنا كفرنا، وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا، ونارنا أخمدنا، فقال له جندب بن زهير: والله لو كنا آباءهم وولدناهم - أو كنا أبناءهم وولدونا - ثم خرجوا من جماعتنا، وطغوا على إمامنا، وإذًا هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمتنا، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم.

فقال له مخنف - وكان ابن خالته: أعز الله بك النية؛ والله ما علمت صغيرًا وكبيرًا إلا مشؤومًا، والله ما ميلنا الرأي قط أيهما نأتي أو أيهما ندع - في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا - إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما، اللهم إن تعافي أحب إلينا من أن تبتلي، فأعط كل امرىء منا ما يسألك.

وقال أبو بريدة بن عوف: اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك. يا قوم إنكم تبصرون ما يصنع الناس، وإن لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حق، وإن يكونوا صادقين فإن أسوةً في الشر - والله ما علمنا - ضررٌ في المحيا والممات.

وتقدم جندب بن زهير، فبارز رأس أزد الشأم، فقتله الشامي، وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بني ثعلبة، وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا ناجد، وعمرو وعامر ابنا عويف، وعبد الله بن الحجاج وجندب بن زهير، وأبو زينب بن عوف بن الحارث، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في الفقراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه.

قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أشياخ النمر، أن عقبة بن حديد النمري قال يوم صفين: ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيمًا، وأصبح شجرها خضيدًا، وجديدها سملًا، وحلوها مر المذاق. ألا وإني أنبئكم نبأ امرىء صادق: إني قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل جيش وغارة؛ فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم. ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟ خوفًا من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كفٍّ بالسيف! تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار! ما هذا بالرأي السديد. ثم مضى فقال: يا إخوتي، قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها لا يبرح وجوهكم، ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم. فتبعه إخوته: عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقبح الله العيش بعدك! اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك! فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا.

قال أبو مخنف: حدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: شهدت صفين مع الحي ومعنا شمر بن ذي الجوشن الضبابي، فبارزه أدهم بن محرز الباهلي، فضرب أدهم وجه شمر بالسيف، وضربه شمر ضربةً لم تضرره، فرجع شمر إلى رحله فشرب شربةً - وكان قد ظمىء - ثم أخذ الرمح، فأقبل وهو يقول:

إني زعيمٌ لأخي باهله ** بطعنةٍ إن لم أصب عاجله

أو ضربةٍ تحت القنا والوغى ** شبيهةٍ بالقتل أو قاتله

ثم حمل على أدهم فصرعه، ثم قال: هذه بتلك.

قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجشمي أن بشر بن عصمة المزني كان لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصفين بصر بشر بن عصمة بمالك بن العقدية - وهو مالك بن الجلاح الجشمي، ولكن العقدية غلبت عليه - فرآه بشر وهو يفري في أهل الشأم فريًا عجيبًا، وكان رجلًا مسلمًا شجاعًا، فغاظ بشرًا ما رأى منه، فحمل عليه فطعنه فصرعه، ثم انصرف، فندم لطعنته إياه جبارًا، فقال:

وإني لأرجو من مليكي تجاوزًا ** ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس

دلفت له تحت الغبار بطعنةٍ ** على ساعةٍ فيها الطعان تخالس

فبلغت مقالته ابن العقدية، فقال:

ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني ** شغلت وألهاني الذين أمارس

فصادفت مني غرةً وأصبتها ** كذلك والأبطال ماضٍ وخالس

ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائي على جمع لأهل الشأم، فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم - يقال له قيس بن قرة، ممن لحق بمعاوية من أهل العراق - فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل، ويعترضه يزيد ابن معاوية، ابن عم عبد الله بن الطفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميمي، فقال: والله لئن طعنته لأطعننك، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لئن رفعت السنان على ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! فقال له: نعم، لك بذلك عهد الله؛ فرفع السنان عن ابن الطفيل، ورفع يزيد السنان عن التميمي، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني عامر؛ فقال له: جعلني الله فداكم! أينما ألفكم ألفكم كرامًا، وإني لحادي عشر رجلًا من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم اليوم، وأنا كنت آخرهم. فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على يزيد بن الطفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه، فقال له:

ألم ترني حاميت عنك مناصحًا ** بصفين إذ خلاك كل حميم

ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى ** على سابحٍ ذي يمعةٍ وهزيم!

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: خرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندي، ثم الطمحي، فتجاولا ساعة. ثم إن عبد الرحمن حمل على الشأمي فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه، فإذا هو حبشي، فقال: إنا لله! لمن أخطرت نفسي! لعبد أسود! وخرج رجل من عك يسأل المبارزة، فخرج إليه قيس بن فهدان الكناني، ثم البدني، فحمل عليه العكي فضربه واحتمله أصحابه فقال قيس بن فهدان:

لقد علمت عكٌّ بصفين أننا ** إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا

ونحمل رايات الطعان بحقها ** فنوردها بيضًا ونصدرها حمرا

قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه فيقول: شدوا إذا شددتم جميعًا، وإذا انصرفتم فأقبلوا معًا، وغضوا الأبصار، وأقلوا اللفظ، واعتوروا الأقران، ولا يؤتين من قبلكم العرب. قال: وقتل نهيك بن عزير - من بني الحارث بن عدي وعمرو بن يزيد من بني ذهل، وسعيد بن عمرو - وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلى معاوية من علي، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه أخوه أبو العمرطة بن يزيد، فتعارفا، فتواقفا وانصرفا إلى الناس، فأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه.

قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائي، أن طيئًا يوم صفين قاتلت قتالًا شديدًا، فعبيت لهم جموع كثيرة، فجاءهم حمزة بن مالك الهمداني، فقال: ممن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله ابن خليفة البولاني - وكان شيعيًا شاعرًا خطيبًا: نحن طيىء السهل وطيىء الرمل، وطيىء الجبل، الممنوع ذي النخل؛ نحن حماة الجبلين، إلى ما بين العذيب والعين، نحن طيىء الرماح، وطيىء النطاح، وفرسان الصباح. فقال حمزة بن مالك: بخٍ بخٍ! إنك لحسن الثناء على قومك؛ فقال:

إن كنت لم تشعر بنجدة معشرٍ ** فأقدم علينا ويب غيرك تشعر

ثم اقتتل الناس أشد القتال، فأخذ يناديهم ويقول: يا معشر طيىء، فدىً لكم طارفي وتالدي! قاتلوا على الأحساب، وأخذ يقول:

أنا الذي كنت إذا الداعي دعا ** مصممًا بالسيف ندبًا أروعا

فأنزل المستلئم المقنعا ** وأقتل المبالط السميدعا

وقال بشر بن العسوس الطائي ثم الملقطي:

يا طيىء السهول والأجبال ** ألا انهدوا بالبيض والعوالي

وبالكماة منكم الأبطال ** فقارعوا أئمة الجهال

السالكين سبل الضلال

ففقئت يومئذ عين ابن العسوس، فقال في ذلك:

ألا ليت عيني هذه مثل هذه ** فلم أمش في الآناس إلا بقائد

ويا ليتني لم أبق بعد مطرفٍ ** وسعدٍ وبعد المستنير بن خالد

فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم ** إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد

ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها ** ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي

قال أبو مخنف: حدثني أبو الصلت التيمي، قال: حدثني أشياخ محارب، أنه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى أصحابه منهزمين، فأخذ ينادي: يا معشر قيس، أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن! الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه، والصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه، فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، ومعصيته على طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا لنفسه. وقال:

لا وألت نفس امرىءٍ ولى الدبر ** أنا الذي لا ينثني ولا يفر

ولا يرى مع المعازيل الغدر

فقاتل حتى ارتث. ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الأشجعي، فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين، فقاتلت النخع يومئذ قتالًا شديدًا، فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة وحيان بن هوذة وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع، وربيعة بن مالك بن وهبيل، وأبي بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقطعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحب أن رجلي اصح ما كانت، وإنها لمما أرجو به حسن الثواب من ربي عز وجل. وقال: لقد كنت أحب أن أرى في نومي أخي أو بعض إخواني، فرأيت أخي في النوم فقلت: يا أخي، ماذا قدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججنا عند الله عز وجل، فحججناهم، فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا.

قال أبو مخنف: حدثني سويد بن حية الأسدي، عن الحضين ابن المنذر، أن أناسًا كانوا أتوا عليًا قبل الوقعة فقالوا له: إنا لا نرى خالد بن المعمر إلا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعه. فبعث إليه علي وإلي رجال من أشرافنا، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا معشر ربيعة، فأنتم أنصاري ومجيبو دعوتي ومن أوثق حيٍّ في العرب في نفسي، وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر، وقد أتيت به، وجمعتكم لأشهدكم عليه ولتسمعوا أيضًا ما أقوله. ثم أقبل عليه، فقال: يا خالد بن المعمر، إن كان ما بلغني حقًا فإني أشهد الله ومن حضرني من المسلمين أنك آمنٌ حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنت مكذوبًا عليك، فإن صدورنا تطمئن إليك. فحلف بالله ما فعل، وقال جال منا كثير: لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه، فقال شقيق بن ثور السدوسي: ما وفق خالد بن المعمر أن نصر معاوية وأهل الشأم على علي وربيعة؛ فقال زياد بن خصفة التيمي: يا أمير المؤمنين، استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدرنك. فاستوثق منه، ثم انصرفنا. فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عالٍ جهير، كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة، فقال: بل هي رايات الله عز وجل، عصم الله أهلها، فصبرهم، وثبت أقدامهم. ثم قال لي: يا فتى، ألا تدني رايتك هذه ذراعًا؟ قلت: نعم والله وعشرة أذرع؛ فقمت بها فأدنيتها، حتى قال: إن حسبك مكانك، فثبت حيث أمرني، واجتمع أصحابي.

قال أبو مخنف: حدثنا أبو الصلت التيمي، قال: سمعت أشياخ الحي من تيم الله بن ثعلبة يقولون: إن راية ربيعة؛ أهل كوفتها وبصرتها، كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة. قال: وسمعتهم يقولون: إن خالد ابن المعمر وسفيان بن ثور السدوسي اصطلحا على أن وليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين بن المنذر الذهلي، وتنافسا في الراية، وقالا: هذا فتىً منا له حسب، نجعلها له حتى نرى من رأينا.

ثم إن عليًا ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها. قال: وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددًا منها يومئذ: على ربيعة وهمدان ومذحج، فوقع سهم حمير على ربيعة، فقال ذو الكلاع: قبحك الله من سهم! كرهت الضراب! فأقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشأم، وعلى ميمنتهم ذو الكلاع، فحملوا على ربيعة، وهم ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس، وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر حملةً شديدة بخيلهم ورجلهم، فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلًا من الأخيار والأبدال. قال: ثم إن أهل الشأم انصرفوا، فلم يمكثوا إلا قليلًا حتى كروا، وعبيد الله بن عمر يقول: يا أهل الشأم، إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنصار علي بن أبي طالب، وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك علي بن أبي طالب وأهل العراق، فشدوا على الناس شدةً، فثبتت لهم ربيعة، وصبروا صبرًا حسنًا إلا قليلًا من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ، فلم يزولوا، وقاتلوا قتالًا شديدًا. فلما رأى خالد بن المعمر ناسًا من قومه انصرفوا انصرف، ولما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرجوع، فقال: من أراد من قومه أن يتهمه؛ أراد الانصراف. فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو: لما رأيت رجالًا منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم إليكم، وأقبلت غليكم فيمن أطاعني منهم، فجاء بأمر مشبه.

قال أبو مخنف: حدثني رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عبد الرحمن العجلي، أن خالدًا قال يومئذ: يا معشر ربيعة، إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعًا لم يجمعكم مثله منذ نشرك في الأرض، فإن تمسكوا بأيديكم، وتنكلوا عن عدوكم، وتزولوا عن مصافكم لا يرض الله فعلكم، ولا تقدموا من الناس صغيرًا أو كبيرًا إلا يقول: فضحت ربيعة الذمار، وحاصت عن القتال، وأتيت من قبلها العرب، فإياكم أن يتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم. وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين فإن الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجية، واصبروا ونيتكم صادقة أن تؤجروا، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا.

فقام رجل من ربيعة فقال: ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها! تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا، وتسفك دماءنا! ألا ترى الناس قد انصرف جلهم! فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم. فقال لهم خالد: أخرجوا هذا من بينكم، فإن هذا إن بقي فيكم ضركم، وإن خرج منكم لم ينقصكم، هذا الذي لا ينقص العدد، ولا يملأ البلد، برحك الله من خطيب قوم كرام! كيف جنبت السداد! واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى، فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلي، وكان من أشد الناس بأسًا.

قال أبو مخنف: حدثني جيفر بن أبي القاسم العبدي، عن يزيد بن علقمة، عن زيد بن بدر العبدي، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع - وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب - لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالًا شديدًا، خافوا فيه الهلاك. فقال زياد بن خصفة: يا عبد القيس، لا بكر بعد اليوم. فركبنا الخيول، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثنا إلا قليلًا حتى أصيب ذو الكلاع، وقتل عبيد الله بن عمر رضي الله عنه، فقالت همدان: قتله هانىء بن خطاب الأرحبي؛ وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو التنعي، وقالت بكر ابن وائل: قتله محرز بن الصحصح من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح، فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل، فقالوا: إنما قتله رجل منا من أهل البصرة، يقال له: محرز بن الصحصح، فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف، وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو من بني تيم الله بن النمر.

قال هشام بن محمد: الذي قتل عبيد الله بن عمر رضي الله عنه محرز بن الصحصح، وأخذ سيفه ذا الوشاح، سيف عمر، وفي ذلك قول كعب بن جعيل التغلبي:

ألا إنما تبكي العيون لفارسٍ ** بصفين أجلت خيله وهو واقف

يبدل من أسماء أسياف وائلٍ ** وكان فتىً لو أخطأته المتالف

تركن عبيد الله بالقاع مسندًا ** تمج دم الخرق العروق الذوارف

وهي أكثر من هذا. وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل، والحارث بن شرحبيل، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيد الله بن عمر، ثم خلف عليها الحسن بن علي.

قال أبو مخنف: حدثني ابن أخي غياث بن لقيط البكري أن عليًا حيث انتهى إلى ربيعة، تبارت ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب علي فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علي فيكم وفيكم رجلٌ حي، وإن منعتموه فمجد الحاية اكتسبتموه. فقاتلوا قتالًا شديدًا حين جاءهم علي لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي ذلك قال علي:

لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلها ** إذا قيل قدمها حضين تقدما

يقدمها في الموت حتى يزيرها ** حياض المنايا تقطر الموت والدما

جزى الله قومًا صابروا في لقائهم ** لدى الموت قومًا ما أعف وأكرما!

وأطيب أخبارًا وأكرم شيمةً ** إذا كان أصوات الرجال تغمغما

ربيعة أعني أنهم أهل نجدة ** وبأسٍ إذا لاقوا جسيمًا عرمرما

مقتل عمار بن ياسر

قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهرت لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملًا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملًا من الأعمال هو أرض لك منه لفعلته.

قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير الأزدي، قال: سمعت عمارًا يقول: والله إني لأرى قومًا ليضربنكم ضربًا يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل.

حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا مسلم الأعور، عن حبة بن جوين العرني، قال: انطلقت أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحبًا بكما، ما خلفتما من قبائل العرب أحدًا أحب إلي منكما. فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله، حدثنا فإنا نخاف الفتن؛ فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سمية، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح من لبن ". قال حبة: فشهدته يوم صفين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال:

اليوم ألقى الأحبه ** محمدًا وحزبه

والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسل، والجنة تحت البارقة.

حدثني محمد، عن خلف، قال: حدثنا منصور بن أبي نويرة، عن أبي محنف. وحدثت عن هشام بن الكلبي، عن أبي محنف، قال: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني، أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ: أين من يبتغي رضوان الله عليه، ولا يثوب إلى مال ولا ولد! فأتته عصابة من الناس، فقال: أيها الناس، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان، ويزعمون أنه قتل مظلومًا، والله ما طلبتهم بدمه، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكًا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عمرو فقال: يا عمر، بعت دينك بمصر، تبًا لك تبًا! طالما بغيت في الإسلام عوجًا. وقال لعبيد الله ابن عمر بن الخطاب: صرعك الله! بعت دينك من عدو الإسلام وابن عدوه، قال: لا، ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ قال له: أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عز وجل؛ وإنك إن لم تقتل اليوم تمت غدًا، فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: أخبرنا عبيد بن الصباح، عن عطاء بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عمار بن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص: لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى.

حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عن الأعمش، قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي: كنا مع علي بصفين، فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلةٌ يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم، وقال: لولا أنه انثنى ما رجعت - فقال الأعمش: هذا والله ضرب غير مرتاب، فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئًا فأدوه وما كانوا بكذابين - قال: ورأيت عمارًا لا يأخذ واديًا من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ورأيته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية علي، فقال: يا هاشم، أعورًا وجبنًا! لا خير في أعور لا يغشى البأس، فإذا رجلٌ بين الصفين قال: هذا والله ليخلفن إمامه، وليخذلن جنده، وليصبرن جهده، اركب يا هاشم؛ فركب، ومضى هاشم يقول:

أعور يبغي أهله محلا ** قد عالج الحياة حتى ملا

لا بد أن يفل أو يفلا

وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين.

اليوم ألقى الأحبه ** محمدًا وحزبه

فلم يرجعا وقتلا - قال: يفيد لك علمهما من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهما كانا علما - فلما كان الليل قلت: لأدخلن إليهم حتى أعلم: هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا! وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، فركبت فرسي وقد هدأت الرجل، ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو - وهو خير الأربعة - فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال! قال: وما قال؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس ينقلون حجرًا حجرًا ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، فغشي عليه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: " ويحك يابن سمية! الناس ينقلون حجرًا حجرًا، ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبةً منك في الأجر! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! ". فدفع عمرو صدر فرسه، ثم جذب معاوية غليه، فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله! قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك! أو نحن قتلنا عمارًا! إنما قتل عمارًا من جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب؟ هو أو هم! قال أبو جعفر: وقد ذكر أن عمارًا لما قتل قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفًا، وتقدمهم عليٌّ على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشأم صف إلا انتقض، وقتلوا كل من انتهوا إليه، حتى بلغوا معاوية، وعليٌّ يقول:

أضربهم ولا أرى معاويه ** الجاحظ العين العظيم الحاويه

ثم نادى معاوية، فقال عليٌّ: علام يقتل الناس بيننا! هلم أحاكمك إلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: أنصفك الرجل، فقال معاوية: ما أنصف، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، قال له عمرو: وما يجمل بك إلا مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي.

قال هشام، عن أبي مخنف: قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن سليمان الحضرمي، قال: قلت لأبي عمرة: ألا تراهم، ما أحسن هيئتهم! يعني أهل الشأم، ولا ترانا ما أقبح رعيتنا! فقال: عليك نفسك فأصلحها، ودع الناس فإن فيهم ما فيهم.

خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير

قال أبو مخنف: وحدثني أبو سلمة؛ أن هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلي، فأقبل إليه ناسٌ كثير، فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مرارًا، فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالًا شديدًا، فقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب وصبرًا تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال، وإنكم لعلى الحق. يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل رجلٌ أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا صمدهم، وجاهدوهم محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.

ثم إنه مضى في عصابة معه من القراء، فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتىً شاب وهو يقول:

أنا ابن أرباب الملوك غسان ** والدائن اليوم بدين عثمان

إني أتاني خبرٌ فأشجان ** أن عليًا قتل ابن عفان

ثم يشد فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد الله، إن هذا الكلام، بعده الخصام، وإن هذا القتال، بعده الحساب، فاتق الله فإنك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به. قال: فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي، وأنتم لا تصلون أيضًا، وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم أردتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان! إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس، حين أحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب؛ وهم أهل الدين، وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك، وما أظن أمر هذه الأمة وأمر هذا الدين أهمل طرفة عين. فقال له: أجل، والله لا أكذب، فإن الكذب يضر ولا ينفع. قال: فإن أهل هذا الأمر أعلم به؛ فخله وأهل العلم به. قال: ما أظنك والله إلا نصحت لي؛ قال: وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي، فهو أول من صلى، مع رسول الله وأفقه خلق الله في دين الله، وأولى بالرسول. وأما كل من ترى معي فكلهم قارىء لكتاب الله لا ينام الليل تهجدًا، فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون. فقال الفتى: يا عبد الله، إني أظنك امرأً صالحًا؛ فتخبرني: هل تجد لي من توبة؟ فقال: نعم يا عبد الله؛ تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب المتطهرين. قال: فجشر والله الفتى الناس راجعًا، فقال له رجل من أهل الشأم: خدعك العراقي، خدعك العراقي، قال: لا، ولكن نصح لي. وقاتل هاشمٌ قتالًا شديدًا هو وأصحابه، وكان هاشم يدعى المرقال، لأنه كان يرقل في الحرب، فقاتل هو وأصحابه حتى أبروا على من يليهم، وحتى رأوا الظفر، وأقبلت إليهم عند المغرب كتيبةٌ لتنوخ فشدوا على الناس، فقاتلهم وهو يقول:

أعور يبغي أهله محلا ** قد عالج الحياة حتى ملا

تلهم بذي الكعوب تلا

فزعموا أنه قتل يومئذ تسعةً أو عشرة. وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط، وأرسل إليه عليٌّ: أن قدم لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو قد شق، فقال الأنصاري الحجاج بن غزية:

فإن تفخروا بابن البديل وهاشمٍ ** فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا

ونحن تركنا بعد معترك اللقا ** أخاكم عبيد الله لحمًا ملحبا

ونحن أحطنا بالبعير وأهله ** ونحن سقيناكم سمامًا مقشبا

هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد ابن وهب يشتمونه، فخبر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال: انهدوا إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيما الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة، وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حدًا في الإسلام، وهم أولى من يقومون فينقصونني ويجدبونني، وقبل اليوم قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد لله، قديمًا عاداني الفاسقون قعديهم الله ألم يقبحوا! إن هذا لهو الخطب الجليل؛ إن فساقًا كانوا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل، اللهم فافضض خدمتهم، وشتت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.

قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن الشعبي، أن عليًا مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض عليهم الناس، وذكر أنهم غسان، فقال: إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم، وضرب يفلق منه الهام، ويطيح بالعظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان. أين أهل الصبر، وطلاب الأجر! فثاب إليه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدًا؛ فقال: امش نحو أهل هذه الراية مشيًا رويدًا على هينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك رأيي. ففعل، وأعد عليٌّ مثلهم، فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر علي الذين أعد فشدوا عليهم، وأنهض محمدًا بمن معه في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالًا، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالًا شديدًا، فما صلى أكثر الناس إلا إيماء.

قال أبو مخنف: حدثني أبو بكر الكندي، أن عبد الله بن كعب المرادي قتل يوم صفين، فمر به الأسود بن قيس المرادي، فقال: يا أسود، قال: لبيك! وعرفه وهو بآخر رمق، فقال: عز والله علي مصرعك، أما والله لو شهدتك لآسيتك، ولدافعت عنك، ولو عرفت الذي أشعرك لأحببت ألا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك. ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرًا، أوصني رحمك الله! فقال: أوصيك بتقوى الله عز وجل، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحلين حتى يظهر أو تلحق بالله. قال: وابلغه عني السلام، وقل له: قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح غدًا والمعركة خلف ظهره كان العالي، ثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال رحمه الله! جاهد فينا عدونا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة.

قال أبو مخنف: حدثني محمد بن إسحاق مولى بني المطلب، أن عبد الرحمن ابن حنبل الجمحي، هو الذي أشار على علي بهذا الرأي يوم صفين.

قال هشام: حدثني عوانة، قال: جعل ابن حنبل يقول يومئذ:

إن تقتلوني فأنا ابن حنبل ** أنا الذي قد قلت فيكم نعثل

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مخنف. فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح؛ وهي ليلة الهرير، حتى تقصفت الرماح ونفد النبل، وصار الناس إلى السيوف، وأخذ علي يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كل كتيبة من القراء أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في ميمنة الناس، وابن عباس في الميسرة، وعلي في القلب، والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك يوم الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وأخذ يقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح، وهو يزحف بهم نحو أهل الشأم، فإذا فعلوا قال: ازحفوا قاد هذا القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى مل أكثر الناس الإقدام، فلما رأى ذلك الأشتر قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم، ثم دعا بفرسه، وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي، وخرج يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسه من الله عز وجل، ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر أو يلحق بالله! فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه، وحيان بن هوذة.

قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة الجرمي، قال: مر بي والله الأشتر فأقبلت معه، واجتمع إليه ناسٌ كثير، فأقبل حتى رجع إلى المكان الذي كان به الميمنة، فقام بأصحابه، فقال: شدوا شدة، - فدىً لكم عمي وخالي - ترضون بها الرب، وتعزون بها الدين، إذا شددت فشدوا، ثم نزل فضرب وجه دابته، ثم قال لصاحب رايته: قدم بها، ثم شد على القوم، وشد معه أصحابه، فضرب أهل الشأم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم؛ ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالًا شديدًا، فقتل صاحب رايته، وأخذ علي - لما رأى من الظفر من قبله - يمده بالرجال.

قال حدثني عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان: تدري ما مثلي ومثلك! مثل الأشقر إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر، لئن تأخرت لأضربن عنقك، ائتوني بقيد، فوضعه في رجليه فقال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت، ضع يدك على عاتقي، ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانًا، ويقول: لأوردنك: حياض الموت.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حكمٌ بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: بلى، ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا: بلى، نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام! ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق! فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه.

ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن عليًا قال: عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعةً ودهنًا ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله؛ فقال لهم: فإني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ونسوا عهده، ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي، في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي، أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلنانه؛ والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني تقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: إما لا فابعث إلى الأشتر فليأتك.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن رجل من النخع، أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال: كنت عند علي حين أكرهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك، قال: فأرسل علي إلى الأشتر يزيد بن هانىء السبيعي: أن ائتني؛ فأتاه فبلغه، فقال: قل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت أن يفتح لي، فلا تعجلني. فرجع يزيد بن هانىء إلى علي فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرهج، وعلت الأصوات من قبل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل؛ قال: من أين ينبغي أن تروا ذلك! رأيتموني ساررته؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية، وأنتم تسمعونني! قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك. قال له: ويحك يا يزيد! قل له: أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت، فأبلغه ذلك، فقال له: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافًا وفرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ألا ترى ما صنع الله لنا! أينبغي أن أدع هؤلاء وانصرف عنهم! وقال يزيد بن هانىء: فقلت له: أتحب أنك ظفرت ها هنا، وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه أو يسلم؟ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان. فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم ظهرًا، وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها، وسنة من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم، فلا تيجبوهم، أمهلوني عدو الفرس، فإني قد طمعت في النصر؛ قالوا: إذًا ندخل معك في خطيئتك؛ قال: فحدثوني عنكم، وقد قتل أماثلكم، وبقي أراذلكم، متى كنتم محقين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون! فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن أنتم محقون، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيرًا منكم في النار إذًا! قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله عز وجل، وندع قتالهم لله سبحانه، إنا لسنا مطيعيك ولا صاحبك، فاجتنبنا، فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلواتكم زهادةً في الدنيا وشوقًا إلى لقاء الله عز وجل، فلا أرى فلااركم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا قبحًا يا أشباه النيب الجلالة! وما أنتم برائين بعدها عزًا أبدًا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه، فسبهم، فضربوا وجه دابته بسياطهم، وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم، وصاح بهم علي فكفوا؛ وقال للناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكًا، فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال له: ما أرى الناس إلا قد رضوا، وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد، فنظرت ما يسأل؛ قال: ائته إن شئت فسله، فأتاه فقال: يا معاوية، لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في كتابه، تبعثون منكم رجلًا ترضون به، ونبعث منا رجلًا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانصرف إلى علي فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنا قد رضينا وقبلنا، فقال أهل الشأم: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص؛ فقال الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، قال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي: لا نرضى إلا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال علي: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقنين وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلا رجلًا هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، فقال علي: فإني أجعل الأشتر.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، أن الأشعث قال: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟!

قال أبو مخنف؛ عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه: إن الأشعث قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر! قال علي: وما حكمه؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضًا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد؛ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى! قالوا: نعم؛ قال: فاصنعوا ما أردتم؛ فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال، وهو بعرضٍ، فأتاه مولىً له؛ فقال: إن الناس قد اصطلحوا؛ فقال: الحمد لله رب العالمين! قال: قد جعلوك حكمًا؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر حتى أتى عليًا فقال: ألزني بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن ملأت عيني منه لأقتلنه، وجاء الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض، وبمن حار الله ورسوله أنف الإسلام، وإني قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة، قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكمًا، فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتها، ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها. فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب؛ فقال الأحنف: فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال. فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما تاضى عليه عليٌّ أمير المؤمنين.. فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم فأما أميرنا فلا، وقال له الأحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين، فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدًا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضًاح فأبى ذلك علي مليًا من النهار، ثم إن الأشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم برحه الله! فمحي وقال: علي: الله أكبر، سنة بسنة، ومثل بمثل، والله إني لكاتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ ق الوا: لست رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومثل هذا أن نشبه بالكفار ونحن مؤمنون! فقال علي: يابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين وليًا، وللمسلمين عدوًا! وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني وبينك مجلسٌ أبدًا بعد هذا اليوم؛ فقال له علي: وإني لأرجو أن يظهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب.

حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: أخبرن الأحنف، أن معاوية كتب إلى علي أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون صلح؛ فاستشار - وكانت له قبة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم - قال: ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؟ - قال مبارك: يعني أمير المؤمنين - قال: برحه الله! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب: محمد رسول الله فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله؛ فقلت له: أيها الرجل مالك وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم! إنا والله ما حابيناك ببيعتنا، وإنا لو علمنا أحدًا من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذي بايعت عليه وقاتلتهم لا يعود إليك أبدًا قال: وكان والله كما قال. قال: قلما وزن رأيه برأي رجل إلا رجح عليه.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل - وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي - عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة، ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان. وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراضٍ منهما، وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة، وهم أنصارٌ على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظلمًا. اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة.

شهد من أصحاب علي الأشعث بن قيس الكندي، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمداني، وورقاء بن سمي البجلي، وعبد الله بن محل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعبد الله بن الطفيل العامري، وعقبة ابن زياد الحضرمي، ويزيد بن حجية التيمي، ومالك بن كعب الهمداني. ومن أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان، وحبيب مسلمة الفهري، والمخارق بن الحارث الزبيدي، وزمل بن عمرو العذري، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي، وسبيع بن يزيد الأنصاري، وعلقمة بن يزيد الأنصاري، وعتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن الحر العبسي.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة الجرمي، قال: لما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر فقال: لا صحبتني يمين، ولا نفعتني بعدها شمالي، إن خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة. أولست على بينة من ربي، ومن ضلال عدوي! أولستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور! فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظفرًا ولا جورًا، هلم إلينا فإنه لا رغبة بك عنا؛ فقال: بلى والله لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خيرٌ منهم، ولا أحرم دمًا؛ قال عمارة: فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم - يعني الأشعث.

قال أبو مخنف، عن أبي جناب، قال: خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويعرضه عليهم، فيقرءونه، حتى مر به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية، وهو أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة ابن أدية: تحكمون في أمر الله عز وجل الرجال! لا حكم إلا لله؛ ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابته ضربةً خفيفة، واندفعت الدابة، وصاح به أصحابه، أن املك يدك، فرجع، فغضب للأشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى الأحنف بن قيس السعدي ومعقل بن قيس الرياحي، ومسعر بن فدكي، وناس كثيرٌ من بني تميم، فتنصلوا إليه واعتذروا؛ فقبل وصفح.

قال أبو مخنف: حدثني أبو زيد عبد الله الأودي، أن رجلًا من أود كان يقال له عمرو بن أوس، قاتل مع علي يوم صفين، فأسره معاوية في أسارى كثيرين، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس: إنك خالي، فلا تقتلني، وقامت إليه بنو أود فقالوا: هب لنا أخانا؛ فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقًا فلنستغنين عن شفاعتكم، ولئن كان كاذبًا لتأتين شفاعتكم من ورائه، فقال له: من أين أنا خالك! فوالله ما كان بيننا وبين أودٍ مصاهرة؛ قال: فإن أخبرتك فعرفته فهو أماني عندك. قال: نعم؛ قال: ألست تعلم أن أم حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: فإني ابنها، وأنت أخوها، فأنت خالي؛ فقال معاوية: لله أبوك! ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها غيره. ثم قال للأوديين: أيستغنى عن شفاعتكم! خلوا سبيله.

قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة الهمداني، عن الشعبي، أن أسارى كان أسرهم عليٌّ يوم صفين كثير، فخلى سبيلهم، فأتوا معاوية، وإن عمرًا ليقول - وقد أسر أيضًا أسارى كثيرة: اقتلهم، فما شعروا إلا بأسرائهم قد خلي سبيلهم، فقال معاوية: يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى وقعنا في قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خلي سبيل أسارانا! وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الأسارى.

قال أبو مخنف: حدثني إسماعيل بن يزيد، عن حميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله، أن عليًا قال للناس يوم صفين: لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوة، وأسقطت منة، وأوهنت وأورثت وهنًا وذلة، ولما كنتم الأعلين، وخاف عدوكم الاجتياح، واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف، ودعوكم إلى ما فيها ليفثئوكم عنهم، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربصوا بكم ريب المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجوزوا! وايم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشدًا، ولا تصيبون باب حزم.

قال أبو جعفر: فكتب كتاب القضية بين علي ومعاوية - فيما قيل - يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان، مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه.

فحدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان بن يوسن بن يزيد، عن الزهري، قال: قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمن والله لئن ظهر علي ليكونن مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق.

قال الزهري: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.

فلما انصرف علي خالفت الحرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: إن حكم بني آدم في حكم الله عز وجل، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأيًا، فيكم بقية المسلمين، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشأم قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها؛ فكتبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟ فسمه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك علي أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها "، فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال عز وجل: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا "، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار.

قال ابن شهاب: فقام معاوية عشيةً في الناس، فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلمًا في الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: فأطلقت حبوتي، فأردت أن أقول قولًا يتكلم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلي من ذلك. فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمةً تفرق بين جميع، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلي من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عصمت.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، قال: قيل لعلي بعد ما كتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال علي: وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت، فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه، فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل. وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك، ولست أخافه على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوي ما أرى، إذًا لخفت مئونتكم، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ** غويت وإن ترشد غزية أرشد

فقالت طائفة ممن معه: ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا! وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين.

فكان الكتاب في صفر والأجل في رمضان إلى ثمانية أشهر، إلى أن يلتقي الحكمان. ثم إن الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعور فنادى في الناس بالرحيل.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه؛ أخذنا على طريق البر على شاطىء الفرات، حتى انتهينا إلى هيت، ثم أخذنا على صندوداء، فخرج الأنصاريون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا عليًا، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، واقبلنا معه، حتى إذا جزنا النخيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه علي ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فرد ردًا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له علي: أرى وجهك منكفئًا فمن مه؟ أمن مرض؟ قال: نعم؛ قال: فلعلك كرهته، قال: ما أحب أنه بغير، قال: أليس احتسابًا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى، قال: فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك. من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا صالح بن سليم، قال: ممن؟ قال: أما الأصل فمن سلامان طيىء، وأما الجوار والدعوة ففي بني سليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه! هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا، والله ما شهدتها، ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحب الحمى خزلني عنها؛ فقال: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرجٌ إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيلٍ والله غفورٌ رحيمٌ ". خبرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغشاء الناس - وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نصحاء الناس لك - فذهب لينصرف فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكنه لا يدع على العبد ذنبًا إلا حطه، وإنما أجرٌ في القول باللسان والعمل باليد والرجل، وإن الله جل ثناؤه ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالمًا جمًا من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري، فدنا منه، وسلم عليه وسايره، فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له، كما قال عز وجل: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ". فقال له: فما قول ذوي الرأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون إن عليًا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه - إذ عصاه من عصاه - فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذًا كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرقت أم هم فرقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، إذًا كان ذلك الحزم، فوالله ما غبي عن رأيي ذلك، وإن كنت لسخيًا بنفسي عن الدنيا، طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين قد استقدماني - يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي - فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، فكرهت ذلك، وأشفقت على هذين أن يهلكا، وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني محمد بن علي وعبد الله بن جعفر - وايم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار. ثم مضى حتى إذا جزنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قدامة بن العجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين، إن خباب ابن الأرت توفي بعد مخرجك، فأوصى بأن يدفن في الظهر، وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم، فدفن بالظهر رحمه الله، ودفن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خبابًا، فقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلي في جسمه أحوالًا! وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ثم جاء حتى وقف عليهم فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبعٌ، بكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقكم، وفيها معادكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل! ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين، ثم قال: خشوا، ادخلوا بين هذه الأبيات.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم الفائشي، قال: مر عليٌّ بالثوريين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلى صفين، فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرًا محتسبًا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين، فسمع الأصوات، فقال مثل ذلك، ثم مضى حتى مر بالشباميين، فسمع رجةً شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهن عن هذا الرنين! فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارًا أو دارين أو ثلاثًا قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليٌّ: رحم الله قتلاكم وموتاكم! واقبل يمشي معه وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مشى مثلك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلة للمؤمن. ثم مضى حتى مر بالناعطيين - وكان جلهم عثمانية - فسمع رجلًا منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد، من بني عبيد من الناعطيين يقول: والله ما صنع علي شيئًا، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى علي أبلسوا، فقال: وجوه قومٍ ما رأوا الشأم العام. ثم قال لأصحابه: قومٌ فارقناهم آنفًا خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول:

أخوك الذي إن أجرضتك ملمةٌ ** من الدهر لم يبرح لبثك واجما

وليس أخوك بالذي إن تشعبت ** عليك الأمور ظل يلحاك لائما

ثم مضى، فلم يزل يذكر الله عز وجل حتى دخل القصر.

قال أبو مخنف: حدثنا أبو جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة، قال: خرجوا مع علي إلى صفين وهم متوادون أحباء، فرجعوا متباغضين أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيها التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله، أدهنتم في أمر الله عز وجل وحكمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامنا. وفرقتم جماعتنا. فلما دخل علي الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي. وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بعثة علي جعدة بن هبيرة إلى خراسان

وفي هذه السنة بعث عليٌّ جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان.

ذكر الخبر عن ذلك

ذكر علي بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شجيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومي بن هبيرة المخزومي إلى خراسان، فانتهى إلى أبرشهر، وقد كفروا وامتنعوا، فقدم على علي. فبعث خليد بن قرة اليربوعي، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان، فبعث بهما إلى علي، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما، قالتا: زوجنا ابنيك، فأبى، فقال له بعض الدهاقين: ادفعهما إلي، فإنه كرام تكرمني بها، فدفعهما إليه، فكانتا عنده، يفرش لهما الديباج، ويطعمهما في آنية الذهب، ثم رجعتا إلى خراسان.

اعتزال الخوارج عليا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك

وفي هذه السنة اعتزل الخوارج عليًا وأصحابه، وحكموا، ثم كلمهم عليٌّ فرجعوا ودخلوا الكوفة.

ذكر الخبر عن اعتزالهم عليا

قال أبو مخنف في حديثه عن أبي جناب، عن عمارة بن ربيعة، قال: ولما قدم عليٌّ الكوفة وفارقته الخوارج، وثبت إليه الشيعة فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ فقالت الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشأم إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشأم معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليًا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى؛ فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط عليٌّ يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته، فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضالٌّ مضل. وبعث علي ابن عباس إليهم، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله عز وجل: " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما "! فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم! فقالت الخوارج: قلنا: أما ما جعل حكمه إلى الناس، وأمر بالنظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه؛ حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا. قال ابن عباس: فإن الله عز وجل يقول: " يحكم به ذوا عدلٍ منكم "، فقالوا: أو تجعل الحكم في الصيد، والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين! وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدلٌ عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك دماءنا! فإن كان عدلًا فليس بعدول ونحن أهل حربه. وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقيل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتابًا، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة، وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية.

وبعث علي زياد بن النضر إليهم فقال: انظر بأي رءوسهم هم أشد إطافة، فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس. فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس، فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين، وأمره على إصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال: انته عن كلامهم، ألم أنهك رحمك الله! ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال: اللهم إن هذا مقامٌ من أفلج فيه كان أولى بالفح يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. قال عليٌّ: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم؛ إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالًا ورجالًا، فكانوا شر أطفال وشر رجال. امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعةً ودهنًا ومكيدة. فرددتم علي رأيي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم. فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتك إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمًا يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء. قالوا له: فخبرنا أتراه عدلًا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، قالوا: فخبرا عن الأجل، لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة. ادخلوا مصركم رحمكم الله! فدخلوا من عند آخرهم.

قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه بمثل هذا.

وأما الخوارج فيقولون: قلنا: صدقت، قد كنا كما ذكرت، وفعلنا ما وصفت، ولكن ذلك كان منا كفرًا، فقد تبنا إلى الله عز وجل منه، فتب كما تبنا نبايعك، وإلا فنحن مخالفون. فبايعنا علي وقال: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال، ويسمن الكراع، ثم نخرج إلى عدونا. ولسنا نأخذ بقولهم؛ وقد كذبوا.

وقدم معن بن يزيد بن الأخنس السلمي في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعلي: إن معاوية قد وفى. فف أنت لا يلتفتنك عن رأيك أعاريب بكر وتميم. فأمر عليٌّ بإمضاء الحكومة، وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحكمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل.

وزعم الواقدي أن سعدًا قد شهد مع من شهد الحكمين، وأن ابنه عمر لم يدعه حتى أحضره أذرح، فندم، فأحرم من بيت المقدس بعمرة.

اجتماع الحكمين بدومة الجندل

وفي هذه السنة كان اجتماع الحكمين.

ذكر الخبر عن اجتماعهما

قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، أن عليًا بعث أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانىء الحارثي، وبعث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلي بهم، ويلي أمورهم، وأبو موسى الأشعري معهم. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم، حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح، قال: فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدري بما جاء به، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهل الشام عن شيء؛ وإذا جاء رسول علي جاءوا إلى ابن عباس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين؟ فإن كتمهم ظنوا به الظنون فقالوا: ما نراه كتب إلا بكذا وكذا. فقال ابن عباس: أما تعقلون! أما ترون رسول معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به، ويرجع لا يعلم ما رجع به، ولا يسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون! قال: وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوي والمغيرة بن شعبة الثقفي؛ وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبني سليم بالبادية، فقال: ياأبت، قد بلغك ما كان بين الناس بصفين، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة، فاحضر فإنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه تكون فتنةٌ؛ خير الناس فيها الخفي التقي "، والله لا أشهد شيئًا من هذا الأمر أبدًا.

والتقى الحكمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، ألست تعلم أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا؟ قال: أشهد، قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى؛ قال: فإن الله عز وجل قال: " ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا "، فما يمنعك من معاوية ولي عثمان يا أبا موسى، وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن تخوفت أن يقول الناس: ولي معاوية وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حجة؛ تقول: إني وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير، وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صحبه، فهو أحد الصحابة. ثم عرض له بالسلطان، فقال: إن ولي أكرمك كرامةً لم يكرمها خليفة. فقال أبو موسى: يا عمرو، اتق الله عز وجل! فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان هذا الأمر لآل أبرهة بن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفًا أعطيته علي بن أبي طالب. وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فإني لم أكن لأوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي من سلطانه كله ما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله عز وجل، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، أنه كان يقول: قال أبو موسى: أما والله لئن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال له عمرو: إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه! فقال: إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة.

قال أبو مخنف: حدثني محمد بن إسحاق، عن نافع مولى ابن عمر، قال: قال عمرو بن العاص: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمر غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير: افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبدًا، وقال: يابن العاص، إن العرب أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف، وتناجزت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة.

قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح العبسي، قال: كنت مع شريح بن هانىء في غزوة سجستان، فحدثني أن عليًا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيته: إن عليًا يقول لك: إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن حن إليه وزاده، يا عمرو، والله إنك لتعلم أين موضع الحق، فلم تجاهل؟ إن أوتيت طمعًا يسيرًا كنت به لله وأوليائه عدوًا، فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك؛ ويحك! فلا تكن للخائنين خصيمًا، ولا للظالمين ظهيرًا. أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وفاتك، تمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوةً، ولم تأخذ على حكم رشوة. قال: فبلغته ذلك، فتمعر وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة علي أو أنتهي إلى أمره، أو أعتد برأيه! فقلت له: وما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته! فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه، ويعملان برأيه. فقال: إن مثلي لا يكلم مثلك، فقلت له: وبأي أبويك ترغب عني! بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة! قال: فقام عن مكانه وقمت معه.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي أن عمرًا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن مني، فتكلم وأتكلم. فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء، اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع علي. قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمرًا على عبد الله ابن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: رأيي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت، فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق، فتكلم أبو موسى فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله عز وجل به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، يا أبا موسى، تقدم فتكلم. فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فإن عمرًا غادر، ولا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك - وكان أبو موسى مغفلًا - فقال له: إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها، ولا ألم لشعثها من أمرٍ قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم. وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا؛ ثم تنحى. وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه. وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم. وكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسف آتيًا به الدهر ما أتى. والتمس أهل الشأم أبا موسى! حذرته وأمرته بالرأي فما عقل. فكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئًا على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمرًا وأبا الأعور السلمي وحبيبًا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليًا وابن عباس والأشتر وحسنًا وحسينًا.

وزعم الواقدي أن اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.

ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر

قال أبو مخنف: عن أبي المغفل، عن عون بن أبي جحيفة، أن عليًا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال لهم علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عز وجل: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون ". فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه؛ فقال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه. فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك؛ أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي: بؤسًا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تسفي عليك الريح؛ قال: وددت أن قد كان ذلك؛ فقال له علي: لو كنت محقًا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتقوا الله عز وجل؛ إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكمان.

قال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن عليًا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر! كلمة حق يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنىً عنه. اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهانٌ في أمر الله عز وجل، وذل راجع بأهله إلى سخط الله. يا علي، أبالقتل تخوفنا! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلمن أينا أولى بها صليًا. ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.

قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمة بن كهيل، عن كثير بن بهز الحضرمي، قال: قام علي في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدة رجال يحكمون، فقال علي: الله أكبر؛ كلمة حق يلتمس بها باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدءونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته.

قال أبو مخنف: وحدثنا عن القاسم بن الوليد، أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائي كان يرى رأي الخوارج، فأتى عليًا ذات يوم وهو يخطب، فقال: " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال علي: " فاصبر إن وعد الله حقٌّ ولا يستخفنك الذين لايوقنون ".

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل ابن سمعي الحنفي؛ عن أبي رزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين رجعوا مباينين له، فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، ونزلوا بحر وراء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم علي فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إن الناس قد تحدثوا أن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك. فخطب الناس في صلاة الظهر، فذكر أمرهم فعابه؛ فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلا لله. واستقبله رجل منهم واضع إصبعيه في أذنيه، فقال: " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين "، فقال علي: " فاصبر إن وعد الله حقٌّ ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ".

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل علي يقلب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حكم الله عز وجل ينتظر فيكم مرتين، إن لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا.

قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبي حرة: إن عليًا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله عبد الله بن وهب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا، التي الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار، آخر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، وإن من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته. فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة، فقال له حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فقال حمزة ابن سنان الأسدي: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، فولوا أمركم رجلًا منكم، فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها، وترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبد الله ابن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدعها فرقًا من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال - وكان يقال له ذو الثفنات - ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانًا مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي.

وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوه أنهم على اللحاق به. فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: " فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ". وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسي في نحو عشرين فارسًا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولاني. وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم، فحذر، وأخذ أبواب المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه، وسار على بغداذ، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارسًا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم، وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه، وقالوا: إن كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرهًا؛ منهم القعقاع بن قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي، وبلغ عليًا أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى.

ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليًا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصفين، ومعه راية خثعم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر؛ قال له علي: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملًا بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه، فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها، فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة.

وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر ابن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر. فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد عليٌّ ابن عباس إلى البصرة، قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ** فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

إلا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدىً من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنةٍ ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم، وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين. ثم نزل.

وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكمًا، فبرىء الله ورسوله منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. والسلام.

وكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواءٍ إن الله لا يحب الخائنين. فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم.

قال أبو مخنف، عن المعلى بن كليب الهمداني، عن جبر بن نوف أبي الوداك الهمداني: إن عليًا لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان على شفا هلكه إلا أن يتداركه الله بنعمة؛ فاتقوا الله، وقاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفىء نور الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقراء للقرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا وتهيئوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكتب علي إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس، من بني سعد بن بكر: أما بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري. والسلام.

فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف ابن قيس، فشخص معه مهم ألفٌ وخمسمائة رجل، فاستقلهم عبد الله بن عباس، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة، فإنه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي، ولا يجعلن رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم، فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه.

فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة، ورءوس الأسباع، ورءوس القبائل، ووجوه الناس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري، وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين بكم، أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، إنكم.. مخرجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا.

فقام سعيد بن قيس الهمداني، فقال: يا أمير المؤمنين، سمعًا وطاعة، وودًا ونصيحة، أنا أول الاس جاء بما سألت، وبما طلبت. وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحوًا من ذلك، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك.

ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم، وألا يتخلف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين، أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قد بلغ الحلم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذوي القوة والجلد، وأمرناهم بالشخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضياعنا وأشياء مما يصلحنا. وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسةً وستين ألفًا، وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانيةً وستين ألفًا ومائتي رجل.

قال أبو مخنف، عن أبي الصلت التيمي: إن عليًا كتب إلى سعد ابن مسعود الثقفي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثت إليك زياد ابن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.

قال: وبلغ عليًا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين! فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين؛ وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكًا، ويتخذوا عباد الله خولا.

فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. قال: فقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع. وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فأبشر بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال.

حدثني يعقوب، قال: حدثني إسماعيل، قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذعرًا يجر رداءه، فقالوا: لم ترع؟ فقال: والله لقد ذعرتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثًا يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنةً، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: " ولا تكن يا عبد الله القاتل " - قال: نعم؛ قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها.

قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حميد بن هلال: إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر، فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا روع عليك! فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لعل الله ينفعنا به! قال: حدثني أبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن فتنةً تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمنًا ويصبح فيها كافرًا، ويصبح فيها كافرًا ويمسي فيها مؤمنًا، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقًا في أولها وفي آخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيًا على دينه، وأنفذ بصيرةً. فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدًا، فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متمٌّ حتى نزلوا تحت نخلٍ مواقر، فسقطت منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها فمه، فقال أحدهم: بغير حلها، وبغير ثمن! فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم بأس، إني لمسلم؛ ما أحدثت في الإسلام حدثًا، ولقد أمنتموني، قلتم: لا روع عليك! فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبلوا على المرأة، فقالت: إني إنما أنا امرأة، ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوةٍ من طيىء، وقتلوا أم سنان الصيداوية، فبلغ ذلك عليًا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله بن خباب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتب به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم، فخرج القوم إليه فقتلوه، وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم. وقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فكلمه بمثل ذلك. وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأيهم لأنه كان يقول يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًا بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دباها، ثم على شاطىء الفرات، فلقيه في مسيره ذلك منجم، أشار عليه بسير وقتٍ من الهار، وقال له: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرًا شديدًا. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه. فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر.

قال أبو مخنف: حدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار، قدم قيس بن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره، ثم جاء مقبلًا إليهم، ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفي بالنهر، وبعث إلى أهل النهر: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم حتى ألقى أهل الشأم؛ فلعل الله يقلب قلوبكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فبعثوا إليه. فقالوا: كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم.

قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، أن قيس بن سعد بن عابدة قال لهم: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لأرى الفتنة قد غلبت عليكم! وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري؛ فقال: عباد الله، إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدًا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل.

قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن عليًا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال: أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق، وأصبحت في اللبس والخطب العظيم، إني نذيرٌ لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدًا صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بينة من ربكم، ولا برهان بين. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم! ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهل المكر والغدر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حكمت، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأول، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فقال علي: أصابكم حاصب، ولابقي منكم وابر! أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكفر! لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، ثم انصرف عنهم.

قال أبو مخنف: حدثني أبو سلمة الزهري - وكانت أمه بنت أنس ابن مالك - أن عليًا قال لأهل النهر: يا هؤلاء، إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدةً ودهنًا، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعدلتم عني عدول النكداء العاصي، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم؛ وأنتم والله معاشر أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت - لا أبا لكم - حرامًا والله ما خبلتكم عن أموركم، ولا أخفيت شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ولا دنيت لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرًا؛ فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما، وقد سبق استثاقنا عليهما في الحكم بالعدل، والصد للحق سوء رأيهما، وجور حكمهما. والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف؛ فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا؛ إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضوا الناس، تضربون رقابهم، وتسفكون دماءهم! إن هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرامٌ!

فتنادوا: لا تخاطبوهم، ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إلى الجنة! فخرج عليٌّ فعبأ الناس، فجعل على ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي - أو مغفل بن قيس الرياحي - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل - قيس بن سعد بن عبادة.

قال: وعبأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي.

قال: وبعث علي الأسود بن يزيد المرادي في ألفي فارس، حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلثمائة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ راية أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن؛ ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن؛ إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليًا! لا أرى إلا أن انصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو أتباعه. وانصرف في خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى علي منهم نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمائة، وزحفوا إلى علي. وقدم علي الخيل دون الرجال، وصف الناس وراء الخيل صفين، وصف المرامية أمام الصف الأول، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم، فإنهم لو قد شدوا عليكم - وجلهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغبين وأنتم رادون حامون. وأقبلت الخوارج، فلما أن دنوا من الناس نادوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس على إصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس، لا حكم إلا لله، وإن كرهت إصبهان! فناداهم عباس ابن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان: يا أعداء الله، أليس فيكم شريح ابن أوفى المسرف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه! قالوا: وما حجتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثم تنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة! فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم، وافترقت الخيل فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فوالله ما لبثوهم أن أناموهم.

ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي، وجاءتهم الخيل من نحو علي، فأهمدوا في الساعة.

قال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي، عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلا أن لقينا أهل البصرة، فما لبثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم، وتعظم نكايتهم.

قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب؛ أن أبا أيوب أتى عليًا، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلت زيد بن حصين، قال: فما قلت له وما قال لك؟ قال: طعنته بالرمح في صدره حتى نجم من ظهره؛ قال: وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار! قال: ستعلم أينا أولى بها صليًا؛ فسكت عليٌّ عليها.

قال أبو مخنف، عن أبي جناب: إن عليًا قال له: هو أولى لها صليًا. قال: وجاء عائذ بن حملة التميمي، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلت كلابًا، قال: أحسنت! أنت محق قتلت مبطلا. وجاء هانىء بن خطاب الأرحبي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعناه برمحينا، فقال علي: لا تختلفا، كلاكما قاتل. وشد جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكناني على حرقوص بن زهير فقتله، وشد عبد الله بن زحر الخولاني على عبد الله بن شجرة السلمي فقتله، ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار، فقاتل على ثلمة فيه طويلًا من نهار، وكان قتل ثلاثةً من همدان، فأخذ يرتجز ويقول:

قد علمت جاريةٌ عبسيه ** ناعمةٌ في أهلها مكفيه

أني سأحمي ثلمتي العشيه

فشد عليه قيس بن معاوية الدهني فقطع رجله، فجعل يقاتلهم، ويقول:

القرم يحمى شوله معقولا

ثم شد عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس:

اقتتلت همدان يومًا ورجل ** اقتتلوا من غدوة حتى الأصل

ففتح الله لهمدان الرجل

وقال شريح:

أضربهم ولو أرى عليا ** ألبسته أبيض مشرفيا

قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة، أن عليًا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة، والريان بن صبر ابن هوذة، فوجده الريان بن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطىء النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا. قال: فلما استخرج نظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة، له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الأخر، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استخرج قال علي: الله أكبر! والله ما كذبت ولا كذبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحق الذي نحن عليه. قال: ثم مر وهم صرعى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، من غرهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون. قال: وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل، فأمر بهم علي فدفعوا إلى عشائرهم، وقال: احملوهم معكم فداووهم، فإذا برئوا فوافوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء.

قال: وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم رده على أهله. وطلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده، فدفنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك. ودفن رجالٌ من الناس قتلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحلوا إذًا، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس.

قال أبو مخنف عن مجاهد، عن المحل بن خليفة: أن رجلًا منهم من بني سدوس يقال له العيزار بن الأخنس كان يرى رأي الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عدي بن حاتم ومعه الأسود بن قيس والأسود بن يزيد المراديان، فقال له العيزار حين استقبله: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عدي: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديان: ما قلت هذا إلا لشر في نفسك، وإنك لنعرفك يا عيزار برأي القوم، فلا تفارقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبره خبرك. فلم يكن بأوشك أن جاء علي فأخبراه خبره، وقالا: يا أمير المؤمنين، إنه يرى رأي القوم، قد عرفناه بذلك، فقالا: ما يحل لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عدي بن حاتم: يا أمير المؤمنين، ادفعه إلي وأنا أضمن ألا يأتيك من قبله مكروه. فدفعه إليه.

قال أبو مخنف: حدثني عمران بن حدير، عن أب مجلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله، أنه لم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة.

قال أبو مخنف، عن نمير بن وعلة اليناعي، عن أبي درداء، قال: كان علي لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله قد أحسن بكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدًا، فارجع إلى مصرنا، فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدونا. وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم، فأقموا فيه أيامًا، ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وترك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير.

قال أبو مخنف عمن ذكره، عن زيد بن وهب: إن عليًا قال للناس - وهو أول كلام قاله لهم بعد النهر: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده. حيارى في الحق، جفاة عن الكتاب، نكبٌ عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويعكسون في غمرة الضلال، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا! قال: فلا هم نفروا ولا تيسروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي ينظرهم، فمنهم المعتل، ومنهم المكرة، وأقلهم من نشط. فقام فيهم خطيبًا، فقال:

عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذل والهوان من العز! أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، ما أنتم بركب يصال بكم، ولا ذي عز يعتصم إليه. لعمر الله، لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون ولا تكيدون، وينتقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحرب اليقظان ذو عقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب. ثم قال: أما بعد، فإن لي عليكم حقًا، وإن لكم علي حقًا، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرًا انتزعتم عما أكره، وتراجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون.

وكان غير أبي مخنف يقول: كانت الوقعة بين علي وأهل النهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عليه أكثر أهل السير.

ومما يصححه أيضًا ما حدثني به عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدثني أبو مريم أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء، فأمر عليٌّ الناس أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئس ما صنعتم حين تدخلون المسجد بسلاحكم! اذهبوا إلى جبانة مراد حتى يأتيكم أمري.

قال أبو مريم: فانطلقنا إلى جبانة مراد فكنا بها ساعة من نهار، ثم بلغنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: فقلت: أنطلق أنا حتى أنظر إليهم، فانطلقت حتى أتخلل صفوفهم، حتى انتهيت إلى شبث بن ربعي وابن الكواء وهما واقفان متوركان على دابتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونهما الله لما رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل علي فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكوفة كأنه يوم فطر أو أضحى.

قال: وكان عليٌّ يحدثنا قبل ذلك أن قومًا يخرجون من الإسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد. قال: وسمعت ذلك منه مرارًا كثيرة، قال: وسمعه نافع المخدج أيضًا - حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوته برنسًا، فلقيته من الغد، فسألته: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء؟ فقال: خرجت أريدهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي، وتلعبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر، وسار علي إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله أن عليًا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسله تختلف إليهم، حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشره وقال: يا أمير المؤمنين، قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية. فقال: اقطعوا يده المخدجة، وأتوني بها، فلما أتي بها أخذها ثم رفعها، وقال: والله ما كذبت ولا كذبت.

قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر، أن الحرب التي كانت بين علي وأهل حروراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حروراء على علي التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبل، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلومًا أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين.

وذكر علي بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شجيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة ابن هبيرة المخزومي، وأم جعدة أم هانىء بنت أبي طالب - إلى خراسان، فانتهى إلى أبرشهر وقد كفروا وامتنعوا، فقدم على علي، فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو.

وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس، وكان عامل عليٍّ على اليمن ومخاليفها. وكان على مكة والطائف قثم بن العباس، وعلى المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، وقيل: كان عليها تمام ابن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي.

وقيل: إن عليًا لما شخص إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري؛ حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: سمعت ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رفيع، أنه لما خرج علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو. وأما الشام فكان بها معاوية بن أبي سفيان.

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها مقتل محمد بن أبي بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها، وقد ذكرنا سبب تولية عليٍّ إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سبب قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ونبدأ بذكرٍ من تتمة حديث الزهري الذي قد ذكرنا أوله قبل، وذلك ما حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: لما حدث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرًا، تلقاه وخلا به وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرىء لا أرى له، وليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرًا وأهل خربتا، فكايدهم به، فإنك إن تكايدهم بغيره تهلك. ووصف قيس ابن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشه محمد بن أبي بكر، وخالف كل شيء أمره به. فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا، فاقتتلوا، فهزم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمرًا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقتلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيز معاوية، حتى ظهر. وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البختري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته، وظهر إلى علي. فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليًا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي. فقدم قيس بن سعد على علي، فلما باثه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر، عرف أن قيس بن سعد كان يوازي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له.

وأما ما قال في ابتداء أمر محمد بن أبي بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف، فقد تقدم ذكرنا له، ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني، قال: ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبي الذي وجهه إليهم محمد بن أبي بكر، خرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليًا وثوب أهل مصر على محمد بن أبي بكر، واعتمادهم إياه، فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين! صاحبنا الذي عزلناه عنها - يعني قيسًا - أو مالك بن الحارث - يعني الأشتر. قال: وكان علي حين انصرف من صفين رد الأشتر على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شرطي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذربيجان؛ فإن قيسًا مقيم مع علي على شرطته. فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد، فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد به الثغر المخوف. وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حدث ليس بذي تجربة للحرب، ولا بمجرب للأشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام.

فأقبل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدثه حديث أهل مصر، وخبره خبر أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله! فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك. واستعن بالله على ما أهمك، فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة.

قال: فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله، فتهيأ للخروج إلى مصر، وأتت معاوية عيونه، فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجًا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه. فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار، فقال: هذا منزل، وهذا طعامٌ وعلف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشبة من عسل قد جعل فيها سمًا فسقاه إياه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: إن عليًا وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه. قال: فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوي فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، قطعت إحداهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم - يعني الأشتر.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مولىً للأشتر، قال: لما هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الأرض، وضرب الجور بارواقه على البر والفاجر، فلا حق يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد بعثت إليكم عبدًا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر، أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم، وشدة شكيمته على عدوكم، عصمكم الله بالهدى، وثبتكم على اليقين. والسلام.

قال: ولما بلغ محمد بن أبي بكر أن عليًا قد بعث الأشتر شق عليه، فكتب علي إلى محمد بن أبي بكر عند مهلك الأشتر، وذلك حين بلغه موجدة محمد بن أبي بكر لقدوم الأشتر عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد، ولا ازديادًا مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المئونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحًا، وعلى عدونا شديدًا، وقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب. اصبر لعدوك، وشمر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله، والاستعانة به، والخوف منه، يكفك ما أهمك، ويعنك على ما ولاك، أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته. والسلام عليك.

فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عليٍّ أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره، أما بعد، فإني قد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين، ففهمته وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضى مني برأي أمير المؤمنين، ولا أجهد على عدوه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت فعسكرت، وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربًا، وأظهر لنا خلافًا، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه، وملتجىء إليه، وقائمٌ به، والله المستعان على كل حال؛ والسلام عليك.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جهضم الأزدي - رجل من أهل الشأم - عن عبد الله بن حوالة الأزدي، أن أهل الشأم لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر، وكان لأهلها هائبًا خائفًا، لقربهم منه، وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان على ذلك علم أن بها قومًا قد ساءهم قتل عثمان، وخالفوا عليًا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي، لعظم خراجها. قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش: عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ ومن غيرهم أبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي وحمزة بن مالك الهمداني، وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم: أتدرون لم دعوتكم؟ إني قد دعوتكم لأمر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إن الله لم يطلع على الغيب أحدًا، وما يدرينا ما تريد! فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها، والكثير عددها وعدد أهلها، أهمك أمرها، فدعوتنا إذًا لتسألنا عن رأينا في ذلك، فإن كنت لذلك دعوتنا، وله جمعتنا، فاعزم وأقدم، ونعم الرأي رأيت! ففي افتتاحها عزك وعز أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الخلاف عليك. قال له معاوية مجيبًا: أهمك يا بن العاص ما أهمك - وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي - فأقبل معاوية على أصحابه فقال: إن هذا - يعني عمرًا - قد ظن ثم حقق ظنه، قالوا له: لكنا لا ندري؛ قال معاوية: فإن أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله؛ قال: إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين.

ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا يرون إلا أنهم سيقيضون بيضتكم، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم. ثم جمع لنا كلمتنا، وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض. والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول أهل مصر، فكيف ترون ارتثاءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتك عما سألتني عنه، وقد أشرت عليك بما سمعت؛ فقال معاوية: إن عمرًا قد عزم وصرم، ولم يفسر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإني أشير عليك كيف تصنع، أرى أن تبعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها، فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره عى من بها من عدونا، فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك، رجوت أن يعين الله بنصرك، ويظهر فلجك. قال له معاوية: هل عندك شيء دون هذا يعمل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلمه. قال: بلى، فإن غير هذا عندي. أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا، ومن بها من أهل عدونا، فأما شيعتنا فآمرهم بالثبات على أمرهم. ثم أمنيهم قدومنا عليهم. وأما من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا، ونمنيهم شكرنا، ونخوفهم حربنا، فإن صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربهم من وراء ذلك كله. إنك يابن العاص امرؤ بورك لك في العجلة، وأنا امرءٌ بورك لي في التؤدة؛ قال: فاعلم بما أراك الله، فوالله ما أرى أمرهم وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان. قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن حديج الكندي - وكانا قد خالفا عليًا: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما، ورفع به ذكركما، وزينكما به في المسلمين؛ طلبكما بدم الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب. وجاهدتما أهل البغي والعدوان. فأبشروا برضوان الله، وعاجل نصر أولياء الله. والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهي في ذلك ما يرضيكما. ونؤدي به حقكما إلى ما يصير أمركما إليه. فاصبروا وصابروا عدوكما، وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما، فإن الجيش قد أضل عليكما، فانقشع كل ما تكرهان. وكان كل ما تهويان. والسلام عليكما.

وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولً له يقال له سبيع.

فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصب هؤلاء الحرب بها، وهو غير متخون بها يوم الإقدام عليه. فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج، فقال مسلمة: امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه. ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن حديج إليه، فأقرأه إياه، فلما قرأه قال: إن مسلمة ابن مخلد قد أمرني أن أرد إليه الكتاب إذا قرأته لكي يجب معاوية عنك وعنه. قال: قل له فليفعل؛ ودفع إليه الكتاب، فأتاه. ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن حديج: أما بعد، فإن هذا الأمر الذي بذلنا له نفسنا، واتبعنا أمر الله فيه، أمرٌ نرجو به ثواب ربنا، والنصر ممن خالفنا، وتعجيل النقمة لمن سعى على إمامنا، وطأطأ الركض في جهادنا، ونحن بهذا الحيز من الأرض قد نفينا من كان به من أهل البغي، وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل، وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك، وبالله إن ذلك لأمرٌ ما له نهضنا، ولا إياه أردنا، فإن يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمنينا، فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين، وقد يؤتيهما الله معًا عالمًا من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلف لموعوده، قال: " فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين "، عجل علينا خيلك ورجلك، فإن عدونا قد كان علينا حربًا، وكنا فيهم قليلًا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ والسلام عليك.

قال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين، فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرأي أن تبعث جندًا من قبلك، فإنك تفتتحها بإذن الله. قال معاوية: فتجهز يا أبا عبد الله إليها - يعني عمرو بن العاص - قال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه إياه: أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأول حسنًا. قال: فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر، فاجتمعت العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتنح عني بدمك يابن أبي بكر، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين؛ والسلام: أما بعد، فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا، ومن التبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدًا كان أعظم على عثمان بغيًا، ولا أسوأ له عيبًا، ولا أشد عليه خلافًا منك؛ سعيت عليه في الساعين، وسفكت دمه في السافكين، ثم أنت تظن أني عنك نائمٌ أو ناسٍ لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري، وجل أهلها أنصاري، يرون رأيي، ويرقبون قولي، ويستصرخوني عليك. وقد بعثت إليك قومًا حناقًا عليك، يستسقون دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدًا ليمثلن بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبدًا أينما كنت. والسلام.

قال: فطوى محمد كتابيهما، وبعث بهما إلى علي، وكتب معهما: أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر، واجتمع إليه أهل البلد جلهم ممن كان يرى رأيهم، وقد جاء في جيش لجب خراب، وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والأموال؛ والسلام عليك.

فكتب إليه علي:

أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل بأداني أرض مصر في لجبٍ من جيشه خراب، وإن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروج من يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندك. وذكرت أنك قد رأيت في بعض من قبلك فشلًا، فلا تفشل، وإن فشلوا فحصن قريتك، واضمم إليك شيعتك، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس، فإني نادبٌ إليك الناس على الصعب والذلول، فاصبر لعدوك، وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيتك، وجاهدهم صابرًا محتسبًا، وإن كانت فئتك أقل الفئتين؛ فإن الله قد يعز القليل، ويخذل الكثير. وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابين في عمل المعصية، والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين في الدنيا، قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالًا ما شئت؛ والسلام.

قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاري. عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جواب كتابه: أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرًا لا أعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفين المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم، فأجتاحكم في الوقعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا، فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قتلتم ومثلتم به! وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون. والسلام.

وكتب محمد إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يابن العاص، زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر، وأشهد أنك من المبطلين. وتزعم أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظنين، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، وندموا على اتباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبنا الله رب العالمين، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم؛ والسلام.

قال: أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلال، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود. عباد الله! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله؛ انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة ابن بشر.

قال: فانتدب معه نحو من ألفي رجل، وخرج محمد في ألفي رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه، فيضربها حتى يقربها لعمرو بن العاص. ففعل ذلك مرارًا؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني، فأتاه في مثل الدهم، فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشأم عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه، ونزل أصحابه وكنانة يقول: " وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ". فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمة الله.

وأقبل عمرو بن العاص بنحو محمد بن أبي بكر، وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق، فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارع الطريق، فسألهم: هل مر بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة؛ فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصر. قال: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا! ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، " أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر ". فقال لهم محمد: اسقوني من الماء، قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا! إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائمًا محرمًا، فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك بابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق! قال له محمد: يابن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقي أولياءه، ويظمىء أعداءه؛ أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا؛ قال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فعل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها ان يجعلها الله علي بردًا وسلامًا كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذ وأوليائه، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك - يعني معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم؛ كلما خبت زادها الله سعيرًا. قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان؛ قال له محمد: وما أنت وعثمان! إن عثمان عمل بالجور، ونبذ حكم القرآن، وقد قال الله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون "، فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه، وجاعلك على مثاله. قال: فغضب معاوية فقدمه فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعًا شديدًا، وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، ثم قبضت عيال محمد إليها. فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.

وأما الواقدي فإنه ذكر لي أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت ابن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف، فيهم معاوية بن حديج، وأبو الأعور السلمي، فالتقوا بالمسناة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلًا، فانهزم، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج، فأحاط به. فخرج محمد فقاتل حتى قتل.

قال الواقدي: وكانت المسناة في صفر سنة ثمان وثلاثين، وأذرح في شعبان منها في عام واحد.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر: أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر، فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب، فرفضوا الحق، وتوركوا في الضلال، فجاهدناهم، واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر وكنانة ابن بشر وأماثل القوم، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك.

ذكر خبر قتل محمد بن أبي حذيفة

وفيها قتل محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

ذكر الخبر عن مقتله

اختلف أهل السير في وقت مقتله؛ فقال الواقدي: قتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله أن معاوية وعمرًا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعين شمس، فعالجا الدخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش، فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر، فلما خرج محمد بن أبي حذيفة إلى العريش تحصن، وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه، فأخذوا فقتلوا. قال: وذاك قبل أن يبعث عليٌّ إلى مصر قيس بن سعد.

وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه ذكر أن محمد بن أبي حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها، وزعم أن عمرًا لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبي حذيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غير كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خال معاوية - فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: من يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو، فقال رجل من خثعم - يقال له عبد الله ابن عمرو بن ظلام. وكان رجلًا شجاعًا. وكان عثمانيًا: أنا أطلبه، فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غارٍ هناك. فجاءت حمرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت، فنفرت، فقال حصادون كانوا قريبًا من الغار: والله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأنًا. فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخرجوا، ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي، فسألهم عنه، ووصفه لهم. فقالوا له: ها هو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلي سبيله. فضرب عنقه.

قال هشام، عن أبي مخنف: قال: وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم، عن جندب، عن عبد الله بن فقيم، عم الحارث بن كعب.. يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر إلى علي - ومحمد يومئذ أميرهم - فقام علي في الناس وقد أمر فنودي: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما بعد، فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله، وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعًا منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر. عباد الله، إن مصر أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخيرٌ أهلًا، فلا تغلبوا على مصر، فإن بقاء مصر في أيديكم عزٌّ لكم، وكبتٌ لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غدًا إن شاء الله. قال: فلما كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بكرةً، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد؛ فرجع. فلما كان من العشي بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضى من أمري، وقدر من فعلي، وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم! الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحق، فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرقن بين وبينكم، وأنا لصحبتكم قالٍ؛ وبكم غير ضنين، لله أنتم! لا دين يجمعكم، ولا حيمة تحميكم، إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم، ويشن الغارة عليكم. أو ليس عجبًا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء. وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النهي وبقية الناس - على المعونة وطائفةً منكم على العطاء. فتقومون عني وتعصونني، وتختلفون علي! فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثم الأرحبي، فقال: يا أمير المؤمنين، اندب الناس فإنه لا عطر بعد عروس؛ لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة. اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوه، أنا أسير إليها بأمير المؤمنين؛ قال: فأمر علي مناديه سعدًا، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب.

ثم إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سر فوالله ما إخالك تدرك القوم حتى ينقضي أمرهم؛ قال: فخرج بهم، فسار خمسًا. ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري، ثم النجاري قدم على علي من مصر، وقدم عبد الرحمن بن شبيبٍ الفزاري، فأما الفزاري فكان عينه بالشأم، وأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد، وحدثه الفزاري أنه لم يخرج من الشأم حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى، يتبع بعضها بعضًا بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر، وحتى أذن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين، قلما رأيت قومًا قط أسر، ولا سرورًا قط أظهر من سرور رأيته بالشأم حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر. فقال علي: أما إن حزننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا. قال: وسرح عليٌّ عبد الرحمن بن شريح الشبامي إلى مالك بن كعب، فرده من الطريق. قال: وحزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رئي ذلك في وجهه، وتبين فيه، وقام في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا. ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله، فعند الله نحتسبه. أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمقاساة الحر لجد خبير، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنًا، وأناديكم نداء المستغيث معربًا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار؛ دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. فأفٍّ لكم! ثم نزل. وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرًا وجهرًا، وعودًا وبدءًا، فمنهم من أتى كارهًا، ومنهم من اعتل كاذبًا، ومنهم القاعد حالا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجًا ومخرجًا، وأن يريحني منهم عاجلًا. والله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يومًا واحًا. عزم الله لنا ولك على الرشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شيء قدير. والسلام.

فكتب إليه ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبد الله بن عباس. سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر، وهلاك محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كل حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر وآجرك يا أمير المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجًا ومخرجًا، وأن يعزك بالملائكة عاجلًا بالنصرة، فإن الله صانعٌ لك ذلك، ومعزك ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوك. أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون، فارفق بهم يا أمير المؤمنين، وداجنهم ومنهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله ألمهم. والسلام.

قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مالك بن الحور، أن عليًا قال: رحم الله محمدًا! كان غلامًا حدثًا، أما والله لقد كنت على أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر، أما والله لو أنه وليها ما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه الفجرة العرصة، ولما قتل إلا وسيفه في يده، لا بلا دمٍ كمحمد. فرحم الله محمدًا، فقد اجتهد نفسه، وقضى ما عليه.

وفي هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبد الله بن عمرو ابن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحكم عمرو بن العاص فيه.

وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان عليٌّ وجهه لإخراج ابن الحضرمي من البصرة.

ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزايد وأعين وسبب قتل من قتل منهم

حدثني عمر بن شبة، قال: ححدثني علي بن محمد، قال: حدثنا أبو الذيال، عن أبي نعامة، قال: لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر، خرج ابن عباس من البصرة إلى عليٍّ بالكوفة، واستخلف زيادًا، وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حضين بن المنذر ومالك بن مسمع، فقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون، وأتاه من أتاه، فامنعوني حتى يأتيني رأي أمير المؤمنين. فقال حضين: نعم، وقال مالك - وكان رأيه مائلًا إلى بني أمية، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل: هذا أمرٌ لي فيه شركاء، أستشير وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع أن أشر علي، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحداني، فأرسل إليه زياد، فقال: ألا تجيرني! وبيت مال المسلمين فإنه فيئكم، وأنا أمين أمير المؤمنين. قال: بلى إن حملته إلي ونزلت داري. قال: فإني حامله، فحمله، وخرج زياد حتى أتى الحدان، ونزل في دار صبرة بن شيمان، وحول بيت المال والمنبر، فوضعه في مسجد الحدان، وتحول مع زياد خمسون رجلًا، منهم أبو أبي حاضر - وكان زياد يصلي الجمعة في مسجد الحدان، ويطعم الطعام - فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمد، إني لا أرى ابن الحضرمي يكف، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك فآمرهم، وانظر ما عندهم. فلما صلى زياد جلس في المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد، تميم تزعم أنهم هم الناس، وأنهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جاركم، ويخرجوه من المصر قسرًا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين! فقال صبرة بن شيمان - وكان مفخمًا: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحتات جئت، وإن جاء شبان ففينا شبان. فكان زياد يقول: إنني استضحكت ونهضت، وما كدت مكيدةً قط كنت إلى الفضيحة بها أقرب مني للفضيحة يومئذ؛ لما غلبني من الضحك. قال: ثم كتب زياد إلى علي: إن ابن الحضرمي أقبل من الشأم فنزل في دار بني تميم، ونعى عثمان، ودعا إلى الحرب، وبايعته تميم وجل أهل البصرة، ولم يبق معي من أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان، وتحولت فنزلت معهم، فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي، وفجه علي أعين بن ضبيعة المجاشعي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فانظر ما يكون منه، فإن فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد، وإن ترقت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم، فإن رأيت ممن قبلك تثاقلًا، وخفت ألا تبلغ ما تريد، فدارهم وطاولهم، ثم تسمع وأبصر، فكأن جنود الله قد أظلتك، تقتل الظالمين. فقدم أعين فأتى زيادًا، فنزل عنده، ثم أتى قومه، وجمع رجالًا ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم، فشتموه وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل أعين ابن ضبيعة، أراد زياد قتالهم، فأرسلت بنو تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم، ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا! فكرهت الأزد القتال، وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفوا عن جارنا كففنا عن جارهم. فأمسكوا. وكتب زيادٌ إلى علي: أن أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته، ثم نهض بهم بجد وصدق نية إلى ابن الحضرمي، فحثهم على الطاعة، ودعاهم إلى الكف والرجوع عن شقاقهم، ووافقتهم عامة قوم، فهالهم ذلك، وتصدع عنهم كثير ممن كان معهم، يمنيهم نصرته، وكانت بينهم مناوشة. ثم انصرف إلى أهله، فدخلوا عليه فاغتالوه فأصيب، رحم الله أعين! فأردت قتالهم عند ذلك، فلم يخف معي من أقوى به عليهم، وتراسل الحيان، فأمسك بعضهم عن بعض.

فلما قرأ عليٌّ كتابه دعا جارية بن قدامة السعدي، فوجهه في خمسين رجلًا من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور - ويقال بعث جارية خمسمائة رجل - وكتب إلى زياد كتابًا يصوب رأيه فيما صنع، وأمره بمعونة جارية ابن قدامة والإشارة عليه، فقدم جارية البصرة، فأتى زيادًا فقال له: احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك، ولا تثقن بأحد من القوم. فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي، ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل، ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعون رجلًا - ويقال أربعون - وتفرق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى علي مع ظبيان بن عمارة، وكان ممن قدم مع جارية.. وأن جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي فقتله حتى اضطره إلى دار من دور بني تميم، في عدة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار، والدعاء إلى الطاعة، فلم ينيبوا ولم يرجعوا، فأضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها، وهدمت عليهم، فبعدًا لمن طغى وعصى! فقال عمرو بن العرندس العودي:

رددنا زيادًا إلى داره ** وجار تميمٍ دخانًا ذهب

لحى الله قومًا شووا جارهم ** وللشاء بالدرهمين الشصب

ينادي الخناق وخمانها ** وقد سمطوا رأسه باللهب

ونحن أناسٌ لنا عادةٌ ** نحامي عن الجار أن يغتصب

حميناه إذ حل أبياتنا ** ولا يمنع الجار إلا الحسب

ولم يعرفوا حرمةً للجوا ** ر إذ أعظم الجار قومٌ نجب

كفعلهم قبلنا بالزبير ** عشية إذ بزه يستلب

وقال جرير بن عطية بن الخطفي:

غدرتم بالزبير فما وفيتم ** وفاء الأزد إذ منعوا زيادا

فأصبح جارهم بنجاة عزٍّ ** وجار مجاشعٍ أمسى رمادا

فلو عاقدت حبل أبي سعيدٍ ** لذاد القوم ما حمل النجادا

وأدنى الخيل من رهج المنايا ** وأغشاها الأسنة والصعادا

الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي

ومما كان في هذه السنة - أعني سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخريت بن راشد في بني ناجية الخلاف على علي وفراقه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن الحارث الأزدي، عن عمه عبد الله بن فقيم، قال: جاء الخريت بن راشد إلى علي - وكان مع الخريت ثلثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة، قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفين والنهروان - فجاء إلى علي في ثلاثين راكبًا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدي علي، فقال له: والله يا علي لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وإني غدًا لمفارقك. وذلك بعد تحكيم الحكمين. فقال له علي: ثكلتك أمك! إذًا تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك. خبرني لم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقم، ولكم جميعًا مباين. فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، وأفاتحك أمورًا من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل. قال: فإني عائد إليك؛ قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهل، ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد.

فخرج من عنده منصرفًا إلى أهله، فعجلت في أثره مسرعًا. وكان لي من بني عمه صديق، فأدرت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته، ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي. قال: فوالله ما جزم شيئًا مما قال، ومما رد عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء، إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أراني إلا مفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيه، فإن أتاك بأمرٍ تعرفه قبلت منه، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه. فقال لهم: فنعم ما رأيتم. قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلت فقلت: أنشدك الله أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلًا، وأن تقتل من أرى عشيرتك! إن عليًا ليعلي الحق. قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجته، وأنظر ما يعرض علي به ويذكر، فإن رأيت حقًا ورشدًا قبلت، وإن رأيت غيًا وجورًا تركت. قال: فخلوت بابن عمه ذلك - قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الريان، وكان من رجال العرب - فقلت له: إن لك علي حقًا لإخائك وودك ذلك علي بعد حق المسلم على المسلم. إن ابن عمك كان منه ماقد ذكر لك، فأجد به، فاردد عليه رأيه، وعظم عليه ما أتى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته. فقال: جزاك الله خيرًا من أخ! فقد نصحت وأشفقت، إن أراد صاحبي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته، وكنت أشد الناس عليه. وأنا بعد فإني خالٍ به، ومشيرٌ عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والإقامة معه، وفي ذلك حظه ورشده.

فقمت من عنده، وأردت الرجوع إلى أمير المؤمنين لأعلمه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيت أمير المؤمنين، فجلست عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدثه بالذي كان من قوله لي على خلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناس إلا كثرةً، فدنوت منه، فجلست وراءه، فأصغى إلي بأذنيه، فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد، وبما قلت له، وبما رد علي. وبما كان من مقالتي لابن عمه، وبما رد علي، فقال: دعه، فإن عرف الحق وأقبل إليه عرفنا ذلك وقبلنا منه، وإن أبى طلبناه. فقلت: يا أمير المؤمنين، ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملأنا سجننا منهم، ولا أراه - يعني الوثوب على الناس والحبس والعقوبة - حتى يظهروا لنا الخلاف. قال: فسكت عنه، وتنحيت، فجلست مع القوم.

ثم مكث ما شاء الله. ثم إنه قال: ادن مني؛ فدنوت منه، فقال لي مسرًا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة. فأتيت منزله، فإذا ليس في منزله منهم ديار، فدعوت على أبواب دور أخر كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب، فرجعت. فقال لي حين رآني: وطنوا فأمنوا، أم جنبوا فظعنوا! فقلت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بعدًا لهم كما بعدت ثمود! أما لو قد أشرعت لهم الأسنة وصببت على هامهم السيوف، لقد ندموا. إن الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلهم، وهو غدًا متبرىء منهم، ومخلٍّ عنهم.

فقام إليه زياد بن خصفة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عليهم، فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله. فقال له علي: وهل تدري أن توجه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى، ثم لا تتوجه حتى يأتيك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة، فإن عمالي ستكتب إلي بذلك، وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمالي فيهم. فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمال: أما بعد، فإن رجالًا خرجوا هرابًا ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة، فسل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك، واكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم؛ والسلام.

فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أمره مهم له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حيٍّ من الأحياء في نفسه، فانتدبوا معي الساعة، واعجلوا. قال: فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلًا أو ثلاثون؛ فقال: اكتفينا، لا نريد أكثر من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين.

قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل التيمي، قال: والله إني لعند أمير المؤمنين إذ جاءه فيج، كتابٌ بيديه، من قبل قرظة بن كعب الأنصاري: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلًا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهةً نحو نفر، وإن رجلًا من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له: زاذان فروخ، أقبل من قبل أخواله بناحية نفر، فعرضوا له، فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولك في علي؟ قال: أقول فيه خيرًا، أقول: إنه أمير المؤمنين، وسيد البشر، فقالوا له: كفرت يا عدو الله! ثم حملت عليه عصابةٌ منهم فقطعوه، ووجدوا معه رجلًا من أهل الذمة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذمة، قالوا: أما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر، وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحدٌ عنهم بشيء، فليكتب إلي أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه. والسلام.

فكتب إليه: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التي مرت بك فقتلت البر المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر، وإن أولئك قومٌ استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنةٌ فعموا وصموا، فأسمع بهم وابصر يوم تخبر أعمالهم. والزم عملك، وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك؛ والسلام.

قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور التيمي عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب عليٌّ رضي الله عنه معي كتابًا إلى زياد بن خصفة، وأنا يومئذ شاب حدث: أما بعد، فإني كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك لأني لم أكن علمت إلى أي وجه توجه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها نفر، فاتقع آثارهم، وسل عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلًا من أهل السواد مصليًا، فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلي، فإن أبوا فناجزهم، واستعن بالله عليهم، فإنهم قد فارقوا الحق، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل. والسلام.

قال: فأخذت الكتاب منه، فمضيت به غير بعيد، ثم رجعت به، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خصفة إذا دفعت إليه كتابك إلى عدوك؟ فقال: يابن أخي، افعل، فوالله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين؛ فقلت له: أنا والله يا أمير المؤمنين كذلك ومن أولئك، وإنا حيث تحب.

قال ابن وأل: فوالله ما أحب أن لي بمقالة علي تلك حمر النعم.

قال: ثم مضيت إلى زياد بن خصفة بكتاب عليٍّ وأنا على فرس لي رائع كريم، وعلي السلاح، فقال لي زياد: يابن أخي، والله ما لي عنك من غناء، وإني لأحب أن تكون معي في وجهي هذا؛ فقلت له: قد استأذنت في ذلك أمير المؤمنين فأذن لي، فسر بذلك.

قال: ثم خرجنا حتى أتينا نفر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جرجرايا، فاتبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذا، فلحقناهم وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يومًا وليلة، وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون، فأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا، فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقفناهم، ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد: يا عميان القلوب والأبصار، أمع الله أنتم وكتابه وسنة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خصفة: بل نحن مع الله ومن الله وكتابه ورسوله آثر عنده ثوابًا من الدنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيها العمي الأبصار، الصم القلوب والأسماع. فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجربًا رفيقًا: قد ترى ما بنا من اللغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يصلحه الكلام علانيةً على رءوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرنا هذا جميعًا وننظر، فإن رأيت ما جئناك فيه حظًا لنفسك قبلته، وإن رأيت فيما أسمعه منك أمرًا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك. قال: فانزل بنا؛ قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء؛ قال: فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا، ثم تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة. يضعون طعامهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون. وقال لنا زياد: علقوا على خيولكم، فعلقنا عليها مخاليها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرقنا وتحلقنا قال: سبحان الله، أنتم أهل حرب؟ والله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها. اعجلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعنا، فتحشحشنا فمنا من ينتفض، ثم يتوضأ، ومنا من يشرب، ومنا من يسقي فرسه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله، أتانا زياد وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتين أو ثلاثًا، وأتى بأداوة فيها ماءٌ، فشرب منه، ثم ألقى العرق من يده. ثم قال: يا هؤلاء، إنا قد لقينا القوم، ووالله إن عدتكم كعدتهم، ولقد حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفر، وإني والله ما أرى أمرهم وأمركم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجز الفريقين. ثم قال لنا: ليأخذ كل امرىء منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم، وادعوا إلي صاحبهم فأكلمه، فإن بايعتني على ما أريد وإلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون الخيل، ثم أقبلوا إلي معًا غير متفرقين.

قال: فاستقدم أمامنا وأنا معه، فأسمع رجلًا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالون معيون، وأنتم جامون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوء الرأي! والله لا يرجع الأمر بكم وبهم إلا إلى القتال. فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خصفة صاحبهم، فقال: اعتزل بنا فلننظر في أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إلي زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاهم في عدتهم؛ فقال لي: ادع من أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثًا، فكنا خمسةً وخمسةً. فقال له زياد: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إمامًا، ولم أرض سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الأمة رضًا كنت مع الناس. فقال له زياد: ويحك! وهل يجتمع الناس على رجلٍ منهم يداني صاحبك الذي فارقته علمًا بالله وبسنن الله وكتابه، مع قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم وسابقته في الإسلام! فقال له: ذلك ما أقول لك؛ فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلته، إنما قتلته طائفةٌ من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا؛ قال: ما إلى ذلك سبيل؛ قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع؛ قال: فدعونا أصحابنا ودعا أصحابه، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالًا مثله منذ خلقني ربي، قال: اطعنا والله بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح، ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقتل منا رجلان: مولى زياد كانت معه رايته يدعى سويدًا، ورجلٌ من الأبناء يدعى وافد بن بكر، وصرعنا منهم خمسةً، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرهناهم، وقد جرح زياد وجرحت.

قال: ثم إن القوم تنحوا وبتنا في جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم إنهم ذهبوا واتبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلغنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم بالكوفة، ولم يكن لهم من القوة ما ينهضهم معهم حتى نهضوا فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم. وكتب زياد بن خصفة إلى علي: أما بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجي بالمذار، فدعوناهم إلى الهدى والحق وإلى كلمة السواء، فلم ينزلوا على الحق، وأخذتهم العزة بالإثم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فقصدوا لنا، وصمدنا صمدهم، فاقتتلنا قتالًا شديدًا ما بين قائم الظهيرة إلى دلوك الشمس، فاستشهد منا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسة نفر، وخلوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إلى أرض الأهواز، فبلغنا أنهم نزلوا منها جانبًا ونحن بالبصرة نداوي جراحنا، وننتظر أمرك رحمك الله؛ والسلام عليك. فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال: أصلحك الله يا أمير المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم، هم قومٌ عرب، والعدة تصبر للعدة، وتنتصف منها. فقال: تجهز يا معقل بن قيس إليهم. وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المغفل الأزدي. وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فابعث رجلًا من قبلك صليبًا شجاعًا معروفًا بالصلاح في ألفي رجل، فليتبع معقلًا، فإذا مر ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلًا، فإذا لقي معقلًا فمعقلٌ أمير الفريقين، وليسمع من معقل وليطعه، ولا يخالفه، ومر زياد بن خصفة فليقبل، فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله! قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن أبي سعيد العقيلي، قال: كتب علي إلى زياد بن خصفة:

أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت من أمر الناجي وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ووصفت ما بلغ بك وبهم الأمر، فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم، وعلى الله تعالى جزاؤكم! فأبشر بثواب الله خيرٌ من الدنيا التي يقتل الجهال أنفسهم عليها، فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. وأما عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال، وارتكابهم فيه، وردهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم يعمهون، فتسمع وتبصر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل. أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء؛ والسلام.

ونزل الناجي جانبًا من الأهواز، واجتمع إليه علوجٌ من أهلها كثير أرادوا كسر الخراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه.

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو احسن، عن علي بن مجاهد، قال: قال الشعبي: لما قتل عليٌّ رضي الله عنه أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة، وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، ثم أخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عامل عليٍّ عليها، فقال ابن عباس لعلي: أكفيك فارس بزياد، فأمره عليٌّ أن يوجهه إليها، فقدم ابن عباس البصرة، ووجهه إلى فارس في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، فأدوا الخراج.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم الأزدي، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع معقل بن قيس، فلما أراد الخروج أقبل إلى علي فودعه فقال: يا معقل، اتق الله ما استطعت، فإنها وصية الله للمؤمنين. لا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين. فقال: الله المستعان؛ فقال له علي: خير مستعان؛ قال: فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهل البصرة، وقد ابطئوا علينا، فقام فينا معقل بن قيس فقال: يأيها الناس، إنا قد انتظرنا أهل البصرة، وقد أبطئوا علينا، وليس بحمد الله بنا قلةٌ ولا وحشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل، فإني أرجو أن ينصركم الله وأن يهلكهم.

قال: فقام إليه أخي كعب بن فقيم، فقال: أصبت - أرشدك الله - رأيك! فوالله إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا. فقال: سيروا على بركة الله؛ قال: فسرنا ووالله ما زال معقل لي مكرمًا وادًا، ما يعدل بي من الجند أحدًا؛ قال ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحق تعزية عن الدنيا؟ صدقت والله وأحسنت ووفقت! فوالله ما سرنا يومًا حتى أدركنا فيج يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت فيه مقيمًا، أو أدركك وقد شخصت منه، فلا تبرح المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك، فإني قد بعثت إليك خالد بن معدان الطائي، وهو من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له؛ والسلام.

فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحمد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائي علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلم عليه بالإمرة، واجتمعا جميعًا في عسكر واحد. قال: ثم إنا خرجنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعةً بها حصينة وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك، فخرجتا في آثارهم نتبعهم، فلحقناهم وقد دنوا من الجبل، فصففنا لهم، ثم أقبلنا إليهم، فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، وصف الخريت بن راشد الناجي من معه من العرب، فكانوا ميمنةً، وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة. قال: وسار فينا معقل بن قيس يحرضن ويقول لنا: عباد الله! لا تعدلوا القوم بأبصاركم، غضوا الأبصار، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقةً مرقت من الدين، وعلوجًا منعوا الخراج وأكرادًا، انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل حتى وقف وسط الصف في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع! فحرك رايته تحريكتين، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولوا، وشدخنا منهم سبعين عربيًا من بني ناجية، ومن بعض من اتبعهم من العرب، وقتلنا نحوًا من ثلثمائة من العلوج والأكراد. قال كعب بن فقيم: ونظرت فيمن قتل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلًا، وخرج الخريت ابن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي، ويتبين لهم فراقه، ويخبرهم أن الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى علي معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمت عليه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علي أمير المؤمنين، من معقل بن قيس. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقينا المارقين، وقد استظهروا علينا بالمشركين، فقتلناهم قتل عاد وإرم، مع أنا لم نعد فيهم سيرتك، ولم نقتل من المارقين مدبرًا ولا أسيرًا، ولم نذفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.

قال: فقدمت عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثر الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. قال: فردني إليه، وكتب معي: أما بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيرًا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسل عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنه لن يزال للمسلمين عدوًا، وللقاسطين وليًا، ما بقي؛ والسلام عليك.

فسأل معقل عن مستقره، والمكان الذي انتهى إليه، فنبىء بمكانه الأسياف، وأنه قد رد قومه عن طاعة علي، وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضًا، فكان عليهم عقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارس حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره إليه أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج، فأسر لهم: إني أرى رأيكم، فإن عليًا لن ينبغي له أن يحكم الرجال في أمر الله، وقال للآخرين منددًا لهم: إن عليًا حكم حكمًا ورضي به، فخلعه حكمه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. وقال سرًا لمن يرى رأي عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلومًا، فأرضى كل صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس بينهم قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خيرٌ وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه؛ ما ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، وإخافة السبيل، وأخذ الأموال. فرجعوا إلى دينهم، فلقي الخريت أولئك، فقال لهم: ويحكم! أتدرون حكم علي فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته. لا والله ما يسمع لهم قولًا، ولا يرى لهم عذرًا، ولا يقبل منهم توبة ولايدعوهم إليها، وإن حكمه فيهم لضرب العنق ساعة يستمكن منهم.

فما زال حتى جمعهم وخدعهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناسٌ كثير.

فحدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحر، عن عمار الدهني، قال: حدثني أبو الطفيل، قال: كنت في الجيش الذي بعثهم علي بن أبي طالب إلى بني ناجية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاث فرق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ نصارى، لم نر دينًا أفضل من ديننا، فثبتنا عليه، فقال لهم: اعتزلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنا نصارى فأسلمنا، فثبتنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزلوا؛ ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ كنا نصارى، فأسلمنا، فلم نر دينًا هو أفضل من ديننا الأول؛ فقال لهم: أسلموا، فأبوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم، فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية. فجيء بالذرية إلى علي، فجاء مصقلة بن هبيرة، فاشتراهم بمائتي ألف، فجاء بمائة ألف فلم يقبلها علي، فانطلق بالدراهم، وعمد إليهم مصقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية، فقيل لعلي: ألا تأخذ الذرية؟ فقال: لا، فلم يعرض لهم.

رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث ابن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابًا من علي: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنصارى والمرتدين. سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين. أما بعد، فإني أدعوكم إل كتاب الله، وسنة نبيه، والعمل بالحق، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكف يده واعتزل هذا الهالك الحارب الذي جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فسادًا، فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنا بالله عليه، وجعلنا الله بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرًا! وأخرج معقل راية أمانٍ فنصبها، وقال: من أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدءونا أول مرة. فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه، وعبأ معقل بن قيس أصحابه، فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبي، ثم زحف بهم نحو الخريت، وحضر معه قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم.

قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن أبي الصديق الناجي، أن الخريت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم.

فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جنته علينا يداك ولسانك. فقال: قاتلوا لله أنتم! سبق السيف العذل، إيهًا والله لقد أصابت قومي داهية! قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم، قال: سار فينا معقل فحرض الناس فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيها الناس المسلمون، ما تزيدون أفضل مما سيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم؛ إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلمًا وعدوانًا، فأشهد لمن قتل منكم بالجنة، ومن عاش فإن الله مقرٌّ عينه بالفتح والغنيمة. ففعل ذلك حتى مر بالناس كلهم. ثم إنه جاء حتى وقف في القلب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة: أن احمل عليهم، فحمل عليهم، فثبتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا. ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذي كان به في الميمنة، ثم إنه بعث إلى منجاب ابن راشد الضبي وهو في الميسرة. ثم إن منجابًا حمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا طويلًا، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلًا بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملت فاحملوا بأجمعكم. فحرك رايته وهزها، ثم إنه حمل وحمل أصحابه جميعًا، فصبروا ساعةً لهم. ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عليه، فطعنه فصرعه عن دابته، ثم نزل وقد جرحه فأثخنه، فاختلفا ضربتين، فقتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة، وذهبوا يمينًا وشمالًا، وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم، فسبى من أدرك منهم، فسبى رجالًا كثيرًا ونساءً وصبيانًا. ثم نظر فيهم؛ فأما من كان مسلمًا فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام. فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخًا منهم نصرانيًا يقال له: الرماحس بن منصور؛ قال: والله ما زللت منذ عقلت إلا في خروجي من ديني، دين الصدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع ديني، ولا أقرب دينكم ما حييت. فقدمه فضرب عنقه، وجمع معقل الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة، فأخذ من المسلمين عقالين، وعمد إلى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلًا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فأمر معقل بردهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض. قال: فأشهد أني رحمتهم رحمةً ما رحمتها أحدًا قبلهم ولا بعدهم.

قال: وكتب معقل بن قيس إلى علي: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوه؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة وجد، وقد جمعت لنا، وتحزبت علينا، فدعوناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين، ورفعنا لهم راية أمان، فمالت إلينا منهم طائفة، وبقيت طائفةٌ أخرى منابذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصمدنا صمدًا للتي أدبرت، فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم؛ فأما من كان مسلمًا فإنا مننا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتد فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام وإلا قتلناه. فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه؛ وأما النصارى فإنا سبيناهم، وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالًا لمن بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهل القبلة، وهم أهل الصغار والذل، رحمك الله يا أمير المؤمنين، وأوجب لك جنات النعيم؛ والسلام عليك!

ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل علي على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان، وصاح الرجال: يا أبا الفضل، يا حامي الرجال، وفكاك العناة، امنن علينا فاشترنا وأعتقنا؛ فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليهم، إن الله يجزي المتصدقين. فبلغها عنه معقل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجعًا لهم، وزراءً عليكم، لضربت عنقه، ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر بن وائل. ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل بن قيس فقال له: بعني بني ناجية؛ فقال: نعم، أبيعكم بالف ألف ودفعهم إليه، وقال له: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين؛ فقال: أا باعث الآن بصدر، ثم أبعث بصدر آخر كذلك؛ حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى. وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنت وأصبت، وانتظر عليٌّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ عليًا أن مصقلة خلى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالةً؛ ألا أراكم سترونه عن قريب ملبدًا. ثم إنه كتب إليه: أما بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف، فابعث بها إلي ساعةً يأتيك رسولي، وإلا فأقبل حين تنظر في كتابي، فإني قد تقدمت إلى رسولي إليك ألا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال؛ والسلام عليك.

وكان الرسول أبو جرة الحنفي، فقال له أبو جرة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشخص إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة، فمكث بها أيامًا. ثم إن ابن عباس سأله المال، وكان عمال البصرة يحملون من كور البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى علي؛ فقال له: نعم، أنظرني أيامًا، ثم أقبل حتى أتى عليًا فأقره أيامًا، ثم سأله المال، فأدى إليه مائتي ألف، ثم إنه عجز فلم يقدر عليه.

قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن ذهل بن الحارث، قال: دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاؤه، فطعمنا منه، ثم قال: والله إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدر عليه، فقلت: والله لو شئت ما مضت عليك جمعة حتى تجم جميع المال؛ فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال: أما والله لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لي؛ ألم تر ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف في كل سنة! فقلت له: إن هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئًا كنت أخذته، فسكت ساعةً، وسكت عنه، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. وبلغ ذلك عليًا فقال: ما له برحه الله؛ فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئًا أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه. ثم سار إلى داره فنقضها وهدمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيًا، ولعليٍّ مناصحًا، فكتب إليه مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال له حلوان: أما بعد، فإني كلمت معاوية فيك، فوعدك الإمارة، ومناك الكرامة، فأقبل إلي ساعة يلقاك رسولي إن شاء الله؛ والسلام.

فأخذه مالك بن كعب الأرحبي، فسرح به إلى علي، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يد النصراني، فمات، وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة:

لا ترمين هداك الله معترضًا ** بالظن منك فما بالي وحلوانا!

ذاك الحريص على ما نال من طمعٍ ** وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا

ماذا أردت إلى إرساله سفهًا ** ترجو سقاط امرىءٍ لم يلف وسنانا

عرضته لعليٍّ إنه أسدٌ ** يمشي العرضنة من آساد خفانا

قد كنت في منظرٍ عن ذا ومستمعٍ ** تحمي العراق وتدعى خير شيبانا

حتى تقحمت أمرًا كنت تكرهه ** للراكبين له سرًا وإعلانا

لو كنت أديت ما للقوم مصطبرًا ** للحق أحييت أحيانًا وموتانا

لكن لحقت بأهل الشأم ملتمسًا ** فضل ابن هندٍ وذاك الرأي أشجانا

فاليوم تقرع سن الغرم من ندمٍ ** ماذا تقول وقد كان الذي كانا!

أصبحت تبغضك الأحياء قاطبةً ** لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا

فلما وقع الكتاب إليه علم أن رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيون إلا قليلًا حتى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان، فأتوا مصقلة فقالوا: إنك بعثت صاحبنا فأهلكته، فإما أن تحييه وإما أن تديه، فقال: أما أن أحييه فلا أستطيع، ولكني سأديه؛ فواداه.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: حدثني أبي، قال: لما بلغ عليًا مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: هوت أمه! ما كان أنقص عقله، وأجرأه على ربه! فإن جائيًا جاءني مرة فقال لي: في أصحابك رجالٌ قد خشيت أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له: إني لا آخذ على التهمة، ولاأعاقب على الظن، ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله، وناجزناه. فكف عني ما شاء الله. ثم جاءني مرة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب الراسي وزيد بن حصين، إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أو توبقهما، فلا تفارقهما من حبسك أبدًا، فقلت: إني مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإني آمرك أن تدعو بهما، فتضرب رقابهما، فعلمت أنه لا ورعٌ ولا عاقل، فقلت: والله ما أظنك ورعًا ولا عاقلًا نافعًا، والله لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتق الله، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدًا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك! وحج بالناس في هذه السنة قشم بن العباس من قبل علي رضي الله عنه. حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان قثم يومئذ عامل علي على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عبد الله بن العباس.

واختلف في عامله على خراسان فقيل: كان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل: كان ابن أبزى؛ وأما الشأم ومصر فإنه كان بهما معاوية وعماله.

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فما كان فيها من الأحداث المذكورة:

تفريق معاوية جيوشه في أطراف علي

فوجه النعمان بن بشير - فيما ذكر علي بن محمد بن عوانة - في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحةً لعلي في ألف رجل، فأذن لهم، فأتوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبق معه إلا مائة رجل، فكتب مالكٌ إلى علي يخبره بأمر النعمان ومن معه، فخطب عليٌّ الناس، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، والنعمان في ألفي رجل ومالك في مائة رجل، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جدر القرية في ظهورهم، واقتتلوا. وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمده وهو قريب منه، فقاتلهم مالك ابن كعب في العصابة التي معه كأشد القتال، ووجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلًا، فانتهوا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفون سيوفهم، واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشأم وذلك عند المساء، ظنوا أن لهم مددًا وانهزموا، وتبعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، ومضوا على وجوههم.

حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني سليمان، عن عبد الله، قال: حدثني عبد الله بن أبي معاوية، عن عمرو بن حسان، عن شيخ من بني فزارة، قال: بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين، فأتوا عين التمر، فأغاروا عليها، وبها عامل لعلي يقال له ابن فلان الأرحبي في ثلثمائة، فكتب إلى علي يستمده، فأمر الناس أن ينهضوا إليه، فتثاقلوا، فصعد المنبر، فانتهيت إليه وقد سبقيني بالتشهد وهو يقول: يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم وأغلق بابه انجحر كل امرىء منكم في بيته انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها؛ المغرور من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. لا أحرارٌ عند النداء، ولا إخوان ثقةٍ عند النجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم! عميٌ لا تبصرون، وبكمٌ لا تنطقون، وصمٌّ لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون.

رجع الحديث إلى حديث عوانة. قال: ووجه معاوية في هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، وأن يغير عليها، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحدًا، ثم أتى الأنبار وبها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلهم، فصبر لهم أصحاب علي مع قلتهم، ثم حملت عليهم الخيل والرجالة، فقتلوا صاحب المسلحة، وهو أشرس بن حسان البكري في ثلاثين رجلًا، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها، ورجعوا إلى معاوية. وبلغ الخبر عليًا، فخرج حتى أتى النخيلة، فقال له الناس: نحن نكفيك؛ قال: ما تكفونني ولا أنفسكم؛ وسرح سعيد ابن قيس في أثر القوم، فخرج في طلبهم حتى جاز هيت، فلم يلحقهم فرجع.

قال: وفيها وجه معاوية أيضًا عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله، ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز، يفعل ذلك، واجتمع إليه بشرٌ كثير من قومه، فلما بلغ ذلك عليًا وجه المسيب ابن نجبة الفزاري، فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالًا شديدًا، وحمل المسيب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات، كل ذلك لا يلتمس قتله ويقول له: النجاء النجاء! فدخل ابن مسعدة وعامة من معه الحصن، وهرب الباقون نحو الشأم، وانتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره ومن كان معه المسيب ثلاثة أيام، ثم ألقى الحطب على الباب، وألقى النيران فيه، حتى احترق، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على المسيب فقالوا: يا مسيب، قومك! فرق لهم، وكره هلاكهم، فأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيون فأخبروني أن جندًا قد أقبل إليكم من الشأم، فانضموا في مكان واحد. فخرج ابن مسعدة في أصحابه ليلًا حتى لحقوا بالشأم، فقال له عبد الرحمن بن شبيب: سر بنا في طلبهم، فأبى ذلك عليه، فقال له: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم.

وفيها أيضًا وجه معاوية الضحاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل من لقي من الأعراب، ومر بالثعلبية فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة، فأتى عمرو بن عميس بن مسعود، وكان في خيل لعلي وأمامه أهله، وهو يريد الحج، فأغار على من كان معه، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك عليًا سرح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلًا، وقتل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه.

وفيها سار معاوية بنفسه إلى دجلة حتى شارفها، ثم نكص راجعًا، ذكر ذلك ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: لما كانت سنة تسع وثلاثين أشرف عليها معاوية.

وحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر مثله.

واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حج بالناس فيها عبيد الله بن عباس من قبل علي. وقال بعضهم: حج بهم عبد الله ابن عباس؛ فحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: يقال إن عليًا وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين، وبعث معاوية يزيد ابن شجرة الرهاوي.

قال: وزعم أبو الحسن أن ذلك باطل، وأن ابن عباس لم يشهد الموسم في عمل حتى قتل علي رضي الله عنه؛ قال: والذي نازعه يزيد بن شجرة قشم ابن العباس، حتى إنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان، فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين.

وكالذي حكيت عن أبي زيد عن أبي الحسن، قال أبو معشر في ذلك: حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى عنه.

وقال الواقدي: بعث علي على الموسم في سنة تسع وثلاثين عبيد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم للناس الحج، فلما اجتمعا بمكة تنازعا، وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه، فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة.

وكانت عمال عليٍّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرنا أنهم كانوا عماله في سنة ثمان وثلاثين غير ابن عباس، كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة، واستخلف زيادًا - الذي كان يقول له: زياد بن أبيه - على الخراج، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء.

ذكر توجيه ابن عباس زيادا إلى فارس وكرمان

وفي هذه السنة وجه ابن عباس زيادًا عن أمر علي إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند علي من الكوفة إلى البصرة.

ذكر سبب توجيهه إياه إلى فارس

حدثني عمر، قال: حدثنا علي؛ قال: لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على علي، طمع أهل فارس وأهل كرمان في كسر الخراج، فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم، وأخرجوا عمالهم.

حدثني عمر، قال: حدثنا أبو القاسم، عن سلمة بن عثمان، عن علي بن كثير، أن عليًا استشار الناس في رجل يوليه فارس حين امتنعوا من أداء الخراج، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأي، عالم بالسياسة، كافٍ لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: زياد؛ قال: هو لها؛ فولاه فارس وكرمان، ووجهه في أربعة آلاف، فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا.

حدثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن علي بن مجاهد، قال: قال الشعبي: لما انتقض أهل الجبال وطمع أهل الخراج في كسره، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملًا عليها لعلي - قال ابن عباس لعلي: أكفيك فارس؛ فقدم ابن عباس البصرة، ووجه زيادًا إلى فارس في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، فأدوا الخراج.

حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، عن أيوب بن موسى، قال: حدثني شيخٌ من أهل إصطخر قال: سمعت أبي يقول: أدركت زيادًا وهو أميرٌ على فارس وهي تضرم نارًا، فلم يزل بالمداراة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، لم يقف موقفًا للحرب، وكان أهل فارس يقولون: ما رأينا سيرةً أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي.

قال: ولما قدم زياد فارس بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومناه، وخوف قومًا وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضًا، وصفت له فارس، فلم يلق فيها جمعًا ولا حربًا، وفعل مثل ذلك بكرمان، ثم رجع إلى فارس، فسار في كورها ومناهم، فسكن الناس إلى ذلك، فاستقامت له البلاد، وأتى إصطخر فنزلها وحصن قلعةً بها ما بين بيضاء إصطخر وإصطخر، فكانت تسمى قلعة زياد، فحمل إليها الأموال، ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي اليوم تسمى قلعة منصور.

ثم دخلت سنة أربعين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز.

فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عوانة، قال: أرسل معاوية ابن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة - وهو رجلٌ من بني عامر بن لؤي في جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعامل علي على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب، فأتى عليًا بالكوفة، ودخل بسر المدينة؛ قال: فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجار، ويا زريق، شيخي شيخي! عهدي به بالأمس، فأين هو! يعني عثمان، ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلمًا إلا قتلته. ثم بايع أهل المدينة، وأرسل إلى بني سلمة، فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ماذا تريدين؟ إني قد خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايع، فإني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، وأمرت ختني عبد الله بن زمعة - وكانت ابنتها زينب ابنة أبي سلمة عند عبد الله بن زمعة - فأتاه جابرٌ فبايعه، وهدم بسر دورًا بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتله، فقال له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فخلى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن: إن خيلًا مبعوثةً من عند معاوية تقتل الناس، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة. ثم مضى بسر إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملًا لعلي، فلما بلغه مسيره فر إلى الكوفة حتى أتى عليًا، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس. وفيه ابنان له صغيران، فذبحهما. وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبيد الله بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قال: أفعل؛ فبدأ بالكناني فقتله، ثم قتلهما ثم رجع بسر إلى الشأم. وقد قيل: إن الكناني قاتل عن الطفلين حتى قتل، وكان اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر: عبد الرحمن، والآخر قشم. وقتل بسر في مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من شيعة عليٍّ باليمن. وبلغ عليًا خبر بسر، فوجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها، وأخذ ناسًا من شيعة عثمان فقتلهم، وهرب بسر وأصحابه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعونا؛ فقالوا: قد هلك أمير المؤمنين، فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علي، فتثاقلوا، ثم بايعوا. ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم، فهرب منه، فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي؛ فبايعوه وأقام يومه، ثم خرج منصرفًا إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلى بهم.

وفي هذه السنة - فيما ذكر - جرت بين عليٍّ وبين معاوية المهادنة - بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وضع الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاوية الشأم، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو.

قال زياد بن عبد الله؛ عن أبي إسحاق: لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى علي: أما إذا شئت فلك العراق ولي الشأم، وتكف السيف عن هذه الأمة، ولا تهريق دماء المسلمين؛ ففعل ذلك، وتراضيا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يجبيها وما حولها، وعليٌّ بالعرق يجيبها ويقسمها بين جنوده.

خروج ابن عباس من البصر إلى مكة

وفيها خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم، وزعم أنه لم يزل بالبصرة عاملًا عليها من قبل أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام حتى قتل، وبعد مقتل علي حتى صالح الحسن معاوية، ثم خرج حينئذ إلى مكة.

ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني جماعة عن أبي مخنف، عن سليمان ابن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: مر عبد الله بن عباس على أبي الأسود الدؤلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملًا، ولو كنت راعيًا ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي. قال: فكتب أبو الأسود إلى علي:

أما بعد، فإن الله جل وعلا جعلك واليًا مؤتمنًا، وراعيًا مستوليًا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحًا للرعية، توفر لهم فيئهم، وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم. وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إلي برأيك فيما أحببت أنته إليك. والسلام.

فكتب إليه علي: أما بعد، فمثلك نصح الإمام والأمة، وأدى الأمانة، ودل على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه من أمره، ولم أعلمه أنك كتبت، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاحٌ، فإنك بذلك جدير، وهو حقٌّ واجب عليك؛ والسلام.

وكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدق الظنون؛ والسلام.

قال: فكتب إليه علي: أما بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟ قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أن رزأته من مال أهل هذا البلد، فابعث إلى عملك من أحببت، فإني ظاعنٌ عنه. والسلام.

ثم دعا ابن عباس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمر والهلاليان، ثم اجتمعت معه قيس كلها فحمل مالًا.

قال أبو زيد: قال أبو عبيدة: كانت أرزاقًا قد اجتمعت، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطف، فتواقفوا يريدون أخذ المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إلى ذلك وفينا عينٌ تطرف. وقال صبرة بن شيمان الحداني: يا معشر الأزد، والله إن قيسًا لإخواننا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدو، وإن الذي يصيبكم من هذا المال لو رد عليكم لقليل، وهم غدًا خيرٌ لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم ودعوهم، فأطاعوه فانصرفوا؛ فقالت بكر وعبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة لقومه، فاعتزلوا أيضًا، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم؛ نقاتلهم عليه. فقال الأحنف: قد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحمًا؛ فقالوا: والله لنقاتلنهم؛ فقال: إذًا لا أساعدكم عليهم، فاعتزلهم؛ قال: فرأسوا عليهم ابن المجاعة من بني تميم، فقاتلوهم، وحمل الضحاك على ابن المجاعة فطعنه، واعتنقه عبد الله بن رزين، فسقطا إلى الأرض يعتركان، وكثرت الجراح فيهم، ولم يكن بينهم قتيل؛ فقالت الأخماس: ما صنعنا شيئًا، اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون، فضربوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: لنحن أسخى منكم أنفسًا حين تركنا هذا المال لبني عمكم، وأنتم تقاتلونهم عليه، إن القوم قد حملوا وحموا، فخلوهم، وإن أحببتم فانصرفوا. ومضى ابن عباس ومعه نحو من عشرين رجلًا حتى قدم مكة.

وحدثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدة - ولم أسمعه منه - أن ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل علي رضي الله عنه، فشخص إلى الحسن، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثقله بها، فحمله ومالًا من بيت المال قليلًا؛ وقال: هي أرزاقي.

قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أن عليًا قتل وابن عباس بمكة، وأن الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عباس.

ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب

وفي هذه السنة قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واختلف في وقت قتله، فقال أبو معشر ما حدثني به أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل علي في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه سنة أربعين، وكذلك قال الواقدي، حدثني بذلك الحارث، عن ابن سعد عنه، وأما أبو زيد فحدثني عن علي بن محمد أنه قال: قتل علي بن أبي طالب بالكوفة يوم الجمعة لإحدى عشرة. قال: ويقال: لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين. قال: وقد قيل في شهر ربيع الآخر سنة أربعين.

ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله

حدثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا عبد الرحمن الحراني أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا! إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا! فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب - وكان من أهل مصر - وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان؛ وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه. فأخذوا أسيافهم، فسموها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب.

فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئًا من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحابًا من تيم الرباب - وكان عليٌّ قتل منهم يوم النهر عشرةً - فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأةً من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنة - وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال - فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها؛ ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفى لي قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاث آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهرٌ لك، فأما قتل عليٍّ فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خيرٌ من الدنيا وزينتها وزينة أهلها؛ قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سالت. قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلًا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب؛ قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئًا إدًا، كيف تقدر على علي! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان غير عليٍّ لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أن أنشرح لقتله. قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه - فجاءوا قطام - وهي في المسجد الأعظم معتكفة - فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي؛ قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي سنة أربعين - فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيبٌ بالسيف. فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف، وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم فأخذوه، إلا أن رجلًا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، ثم قال علي: علي بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك! قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحًا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه؛ فقال رضي الله عنه: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا من شر خلقه.

وذكروا أن ابن ملجم قال قبل أن يضرب عليًا - وكان جالسًا في بني بكر ابن وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار، وكان نصرانيًا، والنصارى حوله، وأناس مع حجار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق ابن ثور - فقال ابن ملجم: ما هؤلاء؟ فأخبر الخبر، فأنشأ يقول:

لئن كان حجار بن أبجر مسلمًا ** لقد بوعدت منه جنازة أبجر

وإن كان حجار بن أبجر كافرًا ** فما مثل هذا من كفورٍ بمنكر

أترضون هذا أن قيسًا ومسلمًا ** جميعًا لدى نعشٍ، فيا قبح منظر!

فلولا الذي أنوي لفرقت جمعهم ** بأبيض مصقول الدياس مشهر

ولكنني أنوي بذاك وسيلةً ** إلى الله أو هذا فخذ ذاك أو ذر

وذكر أن محمد بن الحنفية، قال: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم، في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبًا من السدة، ما هم إلا قيام وركوعٌ وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة! فما أدري أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا! فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفًا، ثم رأيت ثانيًا، ثم سمعت عليًا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب. قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليًا يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي.؟ وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوفٌ بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد.

وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك - ولا نفقدك - فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. فرد عليه مثلها، فدعا حسنًا وحسينًا، فقال: أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصمًا، وللمظلوم ناصرًا، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذ كما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمرًا دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه. وقال للحسن: أوصيك أي بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش.

فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين؛ ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام "! انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم. والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه. والله الله في القرآن؛ فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفىء غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم. وقولوا للناس حسنًا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم. أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله.

ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه، وذلك في شهر رمضان سنة أربعين، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات، ثم ولي الحسن ستة أشهر.

وقد كان عليٌّ نهى الحسن عن المثلة، وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين! ألا لا يقتلن إلا قاتلي. انظر يا حسن، إن أنامت من ضربته هذه فاضربه ضربةً بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: " إياكم والمثلة، ولو أنها بالكلب العقور ". فلما قبض رضي الله عنه بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهدًا إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهدًا عند الحطيم أن أقتل عليًا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك الله علي إن لم أقتل - أو قتلته ثم بقيت - أن آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار فلا. ثم قدمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري، ثم أحرقوه بالنار.

وأما البرك بن عبد الله فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها عليٌّ قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خيرًا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم؛ قال: إن أخًا لي قتل عليًا في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى، إن عليًا يخرج ليس معه من يحرسه؛ فأمر به معاوية فقتل. وبعث معاوية إلى الساعدي - وكان طبيبًا - فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدةً فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربةً تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد.

وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو؛ قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله، فبلغ ذلك معاوية، فكتب إليه:

وقتلٌ وأسباب المنايا كثيرةٌ ** منية شيخٍ من لؤي بن غالب

فيا عمرو مهلًا إنما أنت عمه ** وصاحبه دون الرجال الأقارب

نحوت وقد بل المرادي سيفه ** من ابن أبي شيخ الأباطح طالب

ويضربني بالسيف آخر مثله ** فكانت علينا تلك ضربة لازب

وأنت تناغي كل يوم وليلةٍ ** بمصرك بيضًا كالظباء السوارب

ولما انتهى إلى عائشة قتل علي - رضي الله عنه - قالت:

فألقت عصاها واستقرت بها النوى ** كما قر عينًا بالإياب المسافر

فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد؛ فقالت:

فإن يك نائيًا فلقد نعاه ** غلامٌ ليس في فيه التراب

فقالت زينب ابنة أبي سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى، فإذا نسيت فذكروني. وكان الذي ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري. وقال ابن أبي مياس المرادي في قتل علي:

ونحن ضربنا يا لك الخير حيدرًا ** أبا حسنٍ مأمومةً فتفطرا

ونحن خلعنا ملكه من نظامه ** بضربة سيفٍ إذعلا وتجبرا

ونحن كرامٌ في الصباح أعزةٌ ** إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا

وقال أيضًا:

ولم أر مهرًا ساقه ذو سماحةٍ ** كمهر قطامٍ من فصيحٍ وأعجم

ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ ** وضرب علي بالحسام المصمم

فلا مهر أغلى من عليٍّ وإن غلا ** ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم

وقال أبو الأسود الدؤلي:

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ** فلا قرت عيون الشامتينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا ** بخير الناس طرًا أجمعينا!

قتلتم خير من ركب المطايا ** ورحلها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها ** ومن قرأ المثاني والمبينا

إذا استقبلت وجه أبي حسينٍ ** رأيت البدر راع الناظرينا

لقد علمت قريشٌ حيث كانت ** بأنك خيرها حسبًا ودينا

واختلف في سنه يوم قتل، فقال بعضهم: قتل وهو ابن تسع وخمسين سنة.

وحدثت عن مصعب بن عبد الله، قال: كان الحسن بن علي يقول: قتل أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

وحدثنا عن بعضهم، قال: قتل وهو ابن خمس وستين سنة.

وحدثني أبو زيد، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثني أيوب بن عمر بن أبي عمرو، عن جعفر بن محمد، قال: قتل عليٌّ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال: وذلك أصح ما قيل فيه.

حدثني عمر، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: قتل علي رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وقال هشام: ولي عليٌّ وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأشهر؛ وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، ثم قتله ابن ملجم - واسمه عبد الرحمن ابن عمرو - في رمضان لسبع عشرة مضت منه، وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر، وقتل سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وحدثني الحارث، قال: حدثني ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: قتل علي رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ودفن عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: ضرب علي رضي الله عنه ليلة الجمعة، فمكث يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن عمر وأبو بكر السبري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين هذه ولي خمسٌ وستون سنة، قد جاوزت سن أبي؛ قيل: وكم كانت سنه يوم قتل؟ قال: قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وقال الحارث: قال ابن سعد: قال محمد بن عمر كذلك، وهو الثبت عندنا.

ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته

حدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت خلافة علي خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.

وحدثني الحارث، قال: حدثني ابن سعد قال: قال محمد بن عمر: كانت خلافة علي خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.

حدثني أبو زيد، قال: قال أبو الحسن: كانت ولاية علي أربع سنين وتسعة أشهر، ويومًا أو غير يوم.

ذكر الخبر عن صفته

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي، قلت: ما كانت صفة علي رضي الله عنه؟ قال: رجلٌ آدم شديد الأدمة ثقل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، هو إلى القصر أقرب.

ذكر نسبه عليه السلام

هو علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده

فأول زوجةٍ تزوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان لها منه من الولد: الحسن والحسين، ويذكر أنه كان لها منه ابنٌ آخر يسمى محسنًا توفي صغيرًا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى.

ثم تزوج بعد أم البنين بنت حزام - وهو أبو المجل بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب - فولد لها منه العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، قتلوا مع الحسين رضي الله عنه بكربلاء، ولا بقية لهم غير العباس.

وتزوج ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمي بن جندل ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فولدت له عبيد الله وأبا بكر. فزعم هشام بن محمد أنهما قتلا مع الحسين بالطف. وأما محمد بن عمر فإنه زعم أن عبيد الله بن علي قتله المختار بن أبي عبيد بالمذار، وزعم أنه لا بقية لعبيد الله ولا لأبي بكر ابني علي رضي الله عنه.

وتزوج أسماء ابنة عميس الخثعمية، فولدت له - فيما حدثت عن هشام بن محمد - يحيى ومحمدًا الأصغر، وقال: لا عقب لهما.

وأما الواقدي فإنه قال فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا الواقدي أن أسماء ولدت لعليٍّ يحيى وعونًا ابني علي. ويقول بعضهم: محمد الأصغر لأم ولد، وكذلك قال الواقدي في ذلك؛ وقال: قتل محمد الأصغر مع الحسين.

وله من الصهباء - وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة ابن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن مرو ابن غنم بن تغلب بن وائل، وهي أم ولد من السبي الذين أصابهم خالد ابن الوليد حين أغار على عين التمر على بني تغلب بها - عمر بن علي، ورقية ابنة علي، فعمر عمر بن علي حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث علي رضي الله عنه، ومات بينبع.

وتزوج أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ابن عبد مناف، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له محمدًا الأوسط.

وله محمد بن علي الأكبر، الذي يقال له: محمد بن الحنفية، أمه خولة ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول ابن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، توفي بالطائف فصلى عليه ابن عباس.

وتزوج أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى.

وكان له بنات من أمهات شتى لم يسم لنا أسماء أمهاتهن؛ منهن أم هانىء، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة بنات علي رضي الله عنه؛ أمهاتهن أمهات أولادٍ شتى.

وتزوج محياة ابنة امرىء القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب ابن عليم من كلب، فولدت له جارية، هلكت وهي صغيرة. قال الواقدي: كانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول وه، وه - تعني كلبًا.

فجميع ولد علي لصلبه أربعة عشر ذكرًا، وسبع عشرة امرأة.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد عن الواقدي، قال: كان النسل من ولد علي الخمسة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية.

ذكر ولاته

وكان واليه على البصرة في هذه السنة عبد الله بن العباس، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، وإليه كانت الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد بينت قبل.

وكان على قضائها من قبل علي أبو الأسود الدؤلي، وقد ذكرت ما كان من توليته زيادًا عليها، ثم إشخاصه إياه إلى فارس لحربها وخراجها، فقتل وهو بفارس، وعلى ما كان وجهه عليه.

وكان عامله على البحرين وما يليها واليمن ومخاليفها عبدي الله بن العباس، حتى كان من أمره وأمر بسر بن أبي أرطاة ما قد مضى ذكره.

وكان عامله على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم بن العباس.

وكان عامله على المدينة أبو أيوب الأنصاري، وقيل: سهل بن حنيف، حتى كان من أمره عند قدوم بسر ما قد ذكر قبل.

ذكر بعض سيره عليه السلام

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن عباس بن الفضل مولى بني هاشم، عن أبيه، عن جده ابن أبي رافع، أنه كان خازنًا لعلي رضي الله عنه على بيت المال، قال: فدخل يومًا وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤةً من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها؛ قال: فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها! فسكت.

حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية القرشي، عن عمه يزيد بن عدي بن عثمان، قال: رأيت عليًا رضي الله عنه خارجًا من همدان، فرأى فئتين يقتتلان، ففرق بينهما، ثم مضى فسمع صوتًا. يا غوثا بالله! فخرج يحضر نحوه حتى سمعت خفق نعله وهو يقول: أتاك الغوث؛ فإذا رجل يلازم رجلًا، فقال: يا أمير المؤمنين، بعت هذا ثوبًا بتسعة دراهم، وشرطت عليه ألا يعطيني مغموزًا ولا مقطوعًا - وكان شرطهم يومئذ - فأتيته بهذه الدراهم ليبدلها لي فأبى، فلزمته فلطمني، فقال: أبد له؛ فقال: بينتك على اللطمة؛ فأتاه بالبينة، فأقعده ثم قال: دونك فاقتص؛ فقال: إني قد عفوت يا أمير المؤمنين، قال: إنما أردت أن أحتاط في حقك، ثم ضرب الرجل تسع درأت، وقال: هذا حق السلطان.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: حدثنا المسعودي، عن ناجية، عن أبيه، قال: كنا قيامًا على باب القصر، إذ خرج عليٌّ علينا، فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبةً له، فلما جاز صرنا خلفه، فبينا هو كذلك إذ نادى رجل يا غوثا بالله! فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثم قال لهما: تنحيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين، إن هذا اشترى مني شاةً، وقد شرطت عليه ألا يعطيني مغموزًا ولا محذفًا، فأعطاني درهمًا مغموزًا، فرددته عليه فلطمني؛ فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: فأعطه شرطه، ثم قال للاطم: اجلس، وقال للملطوم: اقتص. قال: أو أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إليك؛ قال: فلما جاز الرجل قال علي: يا معشر المسلمين، خذوه؛ قال: فأخذوه، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضربه خمس عشرة درة، ثم قال: هذا نكالٌ لما انتهكت من حرمته.

حدثني ابن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سكين ابن عبد العزيز، قال: أخبرنا حفص بن خالد، قال: حدثني أبي خالد بن جابر قال: سمعت الحسن يقول: لما قتل علي رضي الله عنه وقد قام خطيبًا، فقال: لقد قتلتم الليلة رجلًا في ليلة فيها نزل القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم عليه السلام، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام. والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده، واله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة - أو سبعمائة - أرصدها لخادمه.

ذكر بيعة الحسن بن علي

وفي هذه السنة - أعني سنة أربعين - بويع للحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة؛ وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه، وقتال المحلين؛ فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط؛ فبايعه وسكت، وبايعه الناس.

وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا سليمان، قال: حدثا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: جعل علي رضي الله عنه قيس بن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل أذربيجان، وعلى أرضها وشرطة الخميس الذي ابتدعه من العرب، وكانوا أربعين ألفًا، بايعوا عليًا رضي الله عنه على الموت، ولم يزل قيس يدارىء ذلك البعث حتى قتل علي رضي الله عنه؛ واستخلف أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه على الخلافة، وكان الحسن لا يرى القتال، ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمر عبيد الله بن عباس، فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن رضي الله عنه أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها، فشرط ذلك له معاوية.

وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الحراني الخزاعي أبو عبد الرحمن، قال: حدثنا إسماعيل بن راشد، قال: بايع الناس الحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفًا، وأقب معاوية في أهل الشأم حتى نزل مسكن، فبينا الحسن في المدائن إذ نادى منادٍ في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قد قتل، فانفروا، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن رضي الله عنه حتى نازعوه بساطًا كان تحته، وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملًا على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن، وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنة الله، أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه! بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح، وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما على الحسن بالمدائن، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها. ثم قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي.

ودخل الناس في طاعة معاوية، ودخل معاوية الكوفة، فبايعه الناس.

قال زياد بن عبد الله، عن عوانة؛ وذكر نحو حديث المسروقي، عن عثمان بن عبد الرحمن هذا، وزاد فيه: وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح، وطلب الأمان، وقال الحسن للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني قد كتبت إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان؛ فقال له الحسين: نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية، وتكذب أحوثة علي! فقال له الحسن: اسكت، فأنا أعلم بالأمر منك. فلما انتهى كتاب الحسن بن علي رضي الله عنه إلى معاوية، أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما المدائن، وأعطيا الحسن ما أراد، فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثني عشر ألفًا يأمره بالدخول في طاعة معاوية، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: يأيها الناس، اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة، أو القتال مع غير إمام؛ قالوا: لا، بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة. فبايعوا لمعاوية، وانصرف عنهم قيس بن سعد، وقد كان صالح الحسن معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دارابجرد عل ألا يشتم عليٌّ وهو يسمع. فأخذ ما في بيت ماله بالكوفة، وكان فيه خمسة آلاف ألف.

وحج بالناس في هذه السنة المغيرة بن شعبة. حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال: لما حضر الموسم - يعني في العام الذي قتل فيه علي رضي الله عنه - كتب المغيرة بن شعبة كتابًا افتعله على لسان معاوية، فأقام للناس الحج سنة أربعين، ويقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر يوم عرفة، خوفًا أن يفطن بمكانه. وقد قيل: إنه إنما فعل ذلك المغيرة لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه واليًا على الموسم، فعجل الحج من أجل ذلك.

وفي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء؛ حدثني بذلك موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل ابن راشد - وكان قبل يدعى بالشأم أميرًا - وحدثت عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كان علي رضي الله عنه يدعى بالعراق أمير المؤمنين، وكان معاوية يدعى بالشأم: الأمير، فلما قتل علي رضي الله عنه دعي معاوية: أمير المؤمنين.

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر إلى معاوية ودخول معاوية الكوفة، وبيعة أهل الكوفة معاوية بالخلافة.

ذكر الخبر بذلك

حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: بايع أهل العراق الحسن بن علي بالخلافة، فطفق يشترط عليهم الحسن: إنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت، فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد هذا القتال؛ فلم يلبث الحسن رضي الله عنه بعد ما بايعوه إلا قليلًا حتى طعن طعنةً أشوته، فازداد لهم بغضًا، وازداد منهم ذعرًا، فكاتب معاوية، وأرسل إليه بشروط، قال: إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفي لي به. وقعت صحيفة الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك.

فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن رضي الله عنه التي كتب إليه يسأله ما فيها، فلما التقى معاوية والحسن رضي الله عنه، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، فقال: لك ما كنت كتبت إلي أو لا تسألني أن أعطيكه، فإني قد أعطيتك حين جاءني كتابك. قال الحسن رضي الله عنه: وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك، وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه. فاختلفا في ذلك، فلم ينفذ للحسن رضي الله عنه من الشروط شيئًا، وكان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إلى أن يخطب الناس! فقال عمرو: لكني أريد أن يبدو وعيه للناس؛ فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية فخطب الناس، ثم أمر رجلًا فنادى الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه؛ فقال: قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد في بديهة أمرٍ لم يرو فيه، ثم قال: أما بعد، يأيها الناس، فإن الله قد هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين "؛ فلما قالها قال معاوية: اجلس، فلم يزل ضرمًا على عمرو، وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن رضي الله عنه بالمدينة.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: سلم الحسن بن علي رضي الله عنه إلى معاوية الكوفة، ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين.

ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد

وفي هذه السنة جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته.

ذكر الخبر بذلك

حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان ابن الفضل، قال: حدثني عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: لما كتب عبيد الله بن عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الأمان لنفسه إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، فشرط ذلك له معاوية، بعث إليه معاوية ابن عامر في خيلٍ عظيمة، فخرج إليهم عبيد الله ليلًا حتى لحق بهم، ونزل وترك جنده الذي هو عليه لا أمير لهم، فيهم قيس بن سعد، واشترط الحسن رضي الله عنه لنفسه، ثم بايع معاوية، وأمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي رضي الله عنه ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم. وما أصابوا في الفتنة؛ فخلص معاوية حين فرغ من عبيد الله ابن عباس والحسن رضي الله عنه إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدةً، ومعه أربعون ألفًا، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشأم، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول: على طاعة من تقاتل، وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك؟ فأبى قيس أن يلين له، حتى أرسل إليه معاوية بسجلٍّ قد ختم عليه في أسفله، فقال: اكتب في هذا السجل ما شئت، فهو لك. قال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا، وقاتله، فقال معاوية: على رسلك! فإنا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم، فما خير العيش بعد ذلك! وإني والله لا أقاتله أبدًا حتى لا أجد من قتاله بدًا. فلما بعث إيه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالًا، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومن معه في طاعته، وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط، فقالوا: ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بديل الخزاعي؛ وكان قيس وابن بديل مع علي رضي الله عنه، وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية، إلا أن المغيرة كان معتزلًا بالطائف حتى حكم الحكمان، فاجتمعوا بأذرح.

وقيل: إن الصلح تم بين الحسن رضي الله عنه ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دخلها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقدي.

دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة

وفي هذه السنة دخل الحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنه منصرفين من الكوفة إلى المدينة.

ذكر الخبر بذلك

ولما وقع الصلح بين الحسن رضي الله عنه وبين معاوية بمسكن، قام - فيما حدثت عن زياد البكائي، عن عوانة - خطيبًا في الناس فقال: يا أهل العراق، إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. قال: ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حتى أتوا الوفة، فلما قدمها الحسن وبرأ من جراحته، خرج إلى مسجد الكوفة فقال: يا أهل الكوفة، اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم، وفي أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا. فجعل الناس يبكون، ثم تحملوا إلى المدينة. قال: وحال أهل البصرة بينه وبين خراج دارابجرد؛ وقالوا: فيئنا، فلما خرج إلى المدينة تلقاه ناسٌ بالقادسية فقالوا: يا مذل العرب!

ذكر خروج الخوارج على معاوية

وفيها خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام علي رضي الله عنه بشهرزور على معاوية.

ذكر خبرهم

حدثت عن زياد، عن عوانة، قال: قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة، فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة، فأرسل إليهم معاوية خيلًا من خيل أهل الشأم، فكشفوا أهل الشأم، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفوا بوائقكم؛ فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم! ما تبغون منا! أليس معاوية عدونا وعدوكم! دعونا حتى نقاتله، وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتلكم؛ فقالوا: رحم الله إخواننا من أهل النهر، هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة. وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل - وكان سيد القوم - واستعملوا عليهم عبد الله بن أبي الحر - رجلًا من طيىء - فقاتلوهم، فقتلوا، واستعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة وقال لمعاوية: استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة وعمرًا على مصر، فتكون أنت بين لحيى الأسد! فعزل عبد الله، واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، وبلغ عمرًا ما قال المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الكوفة؟ فقال: نعم؛ فقال: أجعلته على الخراج؟ فقال: نعم؛ قال: تستعمل المغيرة على الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئًا؛ استعمل على الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئًا؛ استعمل على الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك. فعزل المغيرة عن الخراج، واستعمله على الصلاة، فلقي المغيرة عمرًا فقال: أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت به في عبد الله؟ قال: نعم؛ قال: هذه بتلك؛ ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاص مضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها.

ذكر ولاية بسر بن أبي أرطاة على البصرة

وفي هذه السنة غلب حمران بن أبان على البصرة، فوجه إليه معاوية بسرًا، أمره بقتل بني زياد.

ذكر الخبر عما كان من أمره في ذلك

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: لما صالح الحسن بن علي رضي الله عنه معاوية أول سنة إحدى وأربعين، وثب حمران ابن أبان على البصرة فأخذها، وغلب عليها، فأراد معاوية أن يبعث رجلًا من بني القين إليها، فكلمه عبيد الله بن عباس ألا يفعل ويبعث غيره، فبعث بسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمره بقتل بني زياد.

فحدثني مسلمة بن محارب، قال: أخذ بعض بني زياد فحبسه - وزياد يومئذ بفارس، كان علي رضي الله عنه بعثه إليها إلى أكراد خرجوا بها، فظفر بهم زياد، وأقام بإصطخر - قال: فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فاستأجل بسرًا، فأجله أسبوعًا ذاهبًا وراجعًا، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابتين، فكلمه، فكتب معاوية بالكف عنهم.

قال: وحدثني بعض علمائنا؛ أن أبا بكرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس، وأخرج بسر بني زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت، فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة، إذ رفع علم على نجيب أو برذون يكده ويجهده، فقام عليه، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبر وكبر الناس، فأقبل يسعى على رجليه حتى أدرك بسرًا قبل أن يقتلهم، فدفع إليه كتاب معاوية، فأطلقهم.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: خطب بسر على منبر البصرة، فشتم عليًا رضي الله عنه، ثم قال: نشدت الله رجلًا علم أني صادق إلا صدقني، أو كاذب إلا كذبني! قال: فقال أبو بكرة: اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبًا؛ قال: فأمر به فخنق، قال: فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فأقطعه أبو بكرة بعد ذلك مائة جريب. قال: وقيل لأبي بكرة: ما أردت إلى ما صنعت! قال: أيناشدنا بالله ثم لا نصدقه! قال: فأقام بسر بالبصرة ستة أشهر، ثم شخص لا نعلمه ولى شرطته أحدًا.

حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن الجارود بن أبي سبرة، قال: صالح الحسن رضي الله عنه معاوية، وشخص إلى المدينة، فبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى البصرة في رجب سنة إحدى وأربعين وزياد متحصن بفارس، فكتب معاوية إلى زياد: إن في يديك مالًا من مال الله، وقد وليت ولاية فأد ما عندك من المال. فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء من المال، وقد صرفت ما كان عندي في وجهه، واستودعت بعضه قومًا لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه. فكتب إليه معاوية: أن أقبل إلي ننظر فيما وليت، وجرى على يديك، فإن استقام بيننا أمرٌ فهو ذاك، وإلا رجعت إلى مأمنك؛ فلم يأته زياد، فأخذ بسر بني زياد الأكابر منهم، فحبسهم: عبد الرحمن، وعبيد الله، وعبادًا، وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك. فكتب إليه زياد: لست بارحًا من مكاني الذي أنا به حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، فإن قتلت من في يديك من ولدي فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائكم الحساب، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون ". فهم بقتلهم، فأتاه أبو بكرة فقال: أخذت ولدي وولد أخي غلمانًا بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب علي حيث كانوا، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل؛ قال: إن على أخيك أموالًا قد أخذها فامتنع من أدائها؛ قال: ما عليه شيء، فاكفف عن بني أخي حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم. فأجله أيامًا، قال له: إن أتيتني بكتاب معاوية بتخليتهم وإلا قتلتهم أو يقبل زيادٌ إلى أمير المؤمنين؛ قال: فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه في زياد وبنيه، وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنه وتخلية سبيلهم، فخلاهم.

حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا علي، قال: أخبرني شيخٌ من ثقيف، عن بسر بن عبيد الله، قال: خرج أبو بكرة إلى معاوية بالكوفة فقال له معاوية: يا أبا بكرة، أزائرًا جئت أم دعتك إلينا حاجة؟ قال: لا أقول باطلًا، ما أتيت إلا في حاجة! قال: تشفع يا أبا بكرة ونرى لك بذلك فضلًا، وأنت لذلك أهل، فما هو؟ قال: تؤمن أخي زيادًا، وتكتب إلى بسر بتخلية ولده وبترك التعرض لهم؛ فقال: أما بنو زياد فنكتب لك فيهم ما سألت؛ وأما زياد ففي يده مالٌ للمسلمين، فإذا أداه فلا سبيل لنا عليه؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن يكن عنده شيء فليس يحبسه عنك إن شاء الله. فكتب معاوية لأبي بكرة إلى بسر ألا يتعرض لأحد من ولد زياد، فقال معاوية لأبي بكرة: أتعهد إلينا عهدًا يا أبا بكرة؟ قال: نعم، أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك، وتعمل صالحًا فإنك قد تقلدت عظيمًا، خلافة الله في خلقه، فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها، ومن ولاائك طالب حثيث، فأوشك أن تبلغ المدى، فيلحق الطالب، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله عز وجل شيئًا.

حدثني أحمد، قال: حدثنا علي، عن سلمة بن عثمان، قال: كتب بسر إلى زياد: لئن لم تقدم لأصلبن بنيك. فكتب إليه: إن تفعل فأهل ذلك أنت، إنما بعث بك ابن آكلة الأكباد. فركب أبو بكرة إلى معاوية، فقال: يا معاوية، إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال، قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل أولاد زياد، فكتب معاوية إلى بسر: أن خل من بيدك من ولد زياد.

وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل علي رضي الله عنه يتوعده. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي، عن حبان بن موسى، عن المجالد، عن الشعبي، قال: كتب معاوية حين قتل علي رضي الله عنه إلى زياد يتهدده، فقام خطيبًا فقال: العجب من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب؛ كتب إلي يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ابن عباس والحسن بن علي - في تسعين ألفًا، واضعي سيوفهم على عواتقهم، لا ينثنون، لئن خلص إلي الأمر ليجدني أحمز ضرابًا بالسيف. فلم يزل زياد بفارس واليًا حتى صالح الحسن رضي الله عنه معاوية، وقدم معاوية الكوفة، فتحصن زيادٌ في القلعة التي يقال لها قلعة زياد.

ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان

وفي هذه السنة ولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان.

ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها

حدثني أبو زيد، قال: حدثنا علي قال: أراد معاوية توجيه عتبة ابن أبي سفيان على البصرة، فكلمه ابن عامر وقال: إن لي بها أموالًا وودائع، فإن لم توجهني عليها ذهبت. فولاه البصرة، فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين وإليه خراسان وسجستان، فأراد زيد بن جبلة على ولاية شرطته فأبى، فولى حبيب بن شهاب الشامي شرطته - وقد قيل: قيس ابن الهيثم السلمي - واستقضى عميرة بن يثربي الضبي، أخا عمرو بن يثربي الضبي.

حدثني أبو زيد، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيد مالك الباهلي، وهو الخطيم، وإنما سمي الخطيم لضربة أصابته على وجهه - فخرج هو وسهم بن غالب الهجيمي فأصبحوا عند الجسر، فوجدوا عبادة بن قرص الليثي أحد بني بجير - وكانت له صحبة - يصلي عند الجسر، فأنكروه فقتلوه، ثم سألوه الأمان بعد ذلك، فآمنهم ابن عامر، وكتب إلى معاوية: قد جعلت لهم ذمتك. فكتب إليه معاوية: تلك ذمةٌ لو أخفرتها لا سئلت عنها، فلم يزالوا آمنين حتى عزل ابن عامر.

وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس - وقيل: ولد في سنة أربعين قبل أن يقتل علي رضي الله عنه، وهذا قول الواقدي.

وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان في قول أبي معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

وأما الواقدي فإنه ذكر عنه أنه كان يقول: حج بالناس في هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - عنبسة بن أبي سفيان.

ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

ففيها غزا المسلمون اللان، وغزوا أيضًا الروم، فهزموهم هزيمةً منكرة - فيما ذكروا - وقتلوا جماعةً من بطارقتهم.

وقيل: في هذه السنة ولد الحجاج بن يوسف.

وولى معاوية في هذه السنة مروان بن الحكم المدينة، فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل. وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وكان على الكوفة من قبله المغيرة بن شعبة، وعلى القضاء شريح، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى قضائها عمرو بن يثربي، وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر.

وذكر علي بن محمد، عن محمد بن الفضل العبسي، عن أبيه، قال: بعث عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم على خراسان حين ولاه معاوية البصرة وخراسان، فأقام قيس بخراسان سنتين.

وقد قيل في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن أبي صالح السلمي، عن زياد بن صالح، قال: بعث معاوية حين استقامت له الأمور قيس ابن الهيثم إلى خراسان، ثم ضمها إلى ابن عامر، فترك قيسًا عليها.

ذكر الخبر عن تحرك الخوارج

وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان، فبرءوا، وعفا عنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ذكر الخبر عما كان منهم في هذه السنة

ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح ابن حبيب، عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، عن أبي بن عمارة العبسي، أن حيان بن ظبيان السلمي كان يرى رأي الخوارج، وكان ممن ارتث يوم النهروان، فعفا عنه علي رضي الله عنه في الأربعمائة الذين عفا عنهم من المرتثين يوم النهر، فكان في أهله وعشيرته، فلبث شهرًا أو نحوه. ثم إنه خرج إلى الري في رجال كانوا يرون ذلك الرأي، فلم يزالوا مقيمين بالري حتى بلغهم قتل علي كرم الله وجهه، فدعا أصحابه أولئك - وكانوا بضعة عشر رجلًا، أحدهم سالم بن ربيعة العبسي - فأتوه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الإخوان من المسلمين، إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل علي بن أبي طالب عند أغباش الصبح مقابل السدة التي في المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكدًا ينتظر خروجه حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة صلاة الصبح، فشد عليه فضرب رأسه بالسيف، فلم يبق إلا ليلتين حتى مات، فقال سالم بن ربيعة العبسي: لا يقطع الله يمينًا علت قذاله بالسيف؛ قال: فأخذ القوم يحمدون الله على قتله رضي الله عنه ولا رضى عنهم ولا رحمهم! قال النضر بن صالح: فسألت بعد ذلك سالم بن ربيعة في إمارة مصعب ابن الزبير عن قوله ذلك في علي رضي الله عنه، فأقر لي به، وقال: كنت أرى رأيهم حينًا، ولكن قد تركته؛ قال: فكان في أنفسنا أنه قد تركه؛ قال: فكان إذا ذكروا له ذلك يرمضه. قال: ثم إن حيان بن ظبيان قال لأصحابه: إنه والله ما يبقى على الدهر باقٍ، وما تلبث الليالي والأيام والسنون والشهور على ابن آدم حتى تذيقه الموت، فيفارق الإخوان الصالحين، ويدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا العجزة، ولم تزل ضارةً لمن كانت له همًا وشجنًا؛ فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا، فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم، ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحةً لنا، ولنا بأسلافنا أسوة. فقالوا له: كلنا قائل ما ذكرت، وحامدٌ رأيك الذي رأيت، فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك؛ فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة، فذلك حين يقول:

خليلي ما بي من عزاءٍ ولا صبر ** ولا إربةٍ بعد المصابين بالنهر

سوى نهضاتٍ في كتائب جمةٍ ** إلى الله ما تدعو وفي الله ما تفري

إذا جاوزت قسطانة الري بغلتي ** فلست بسارٍ نحوها آخر الدهر

ولكنني سارٍ وإن قل ناصري ** قريبًا فلا أخزيكما مع من يسري

قال: وأقبل حتى نزل الكوفة، فلم يزل بها حتى قدم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة واليًا على الكوفة، فأحب العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إن فلانًا يرى رأي الشيعة، وإن فلانًا يرى رأي الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضًا، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن في الإقامة الغبن والوكف، وأن في جهاد أهل القبلة الفضل والأجر.

قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن أبي بن عمارة، أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورد بن علفة، فخرج في ثلاثة رجل مقبلًا نحو جراجرايا على شاطىء دجلة.

قال أبو مخنف: وحدثني جعفر بن حذيفة الطائي من آل عامر بن جوين، عن المحل بن خليفة، أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وإلى حيان بن ظبيان السلمي، وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي - وهو ابن عم زيد بن حصين، وكان زيد ممن قتله علي رضي الله عنه يوم النهروان، وكان معاذ بن جوين هذا في الأربعمائة الذين ارتشوا من قتلى الخوارج، فعفا عنهم علي رضي الله عنه - فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، فتشاوروا فيمن يولون عليهم. قال: فقال لهم المستورد: يأيها المسلمون والمؤمنون، أراكم الله ما تحبون، وعزل عنكم ما تكرهون، ولوا عليكم من أحببتم، فوالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ما أبالي من كان الوالي علي منكم! وما شرف الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود. فقال حيان بن ظبيان: أما أنا فلا حاجة لي فيها وأنا بك وبكل امرىءٍ من إخواني راضٍ، فانظروا من شئتم منكم فسموه، فأنا أول من يبايعه. فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين: إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيدا المسلمين وذوا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما، فمن يرئس المسلمين، وليس كلكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقههم في الدين، وأشدهم اضطلاعًا بما حمل، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر، فليتوله أحدكما. قالا: فتوله أنت، فقد رضيناك، فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسن مني، فليتوله أحدكما، فقال حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج: قد رضينا بكم أيها الثلاثة، فولوا أيكم أجبتم؛ فليس في الثلاثة رجل إلا قال لصاحبه: تولها أنت، فإني بك راضٍ، وإني فيها غير ذي رغبة. فلما كثر ذلك بينهم قال حيان بن ظبيان، فإن معاذ بن جوين قال: إني لا ألى عليكما وأنتما أسن مني، وأنا أقول لك مثل ما قال لي ولك، لا ألى عليك وأنت أسن مني، ابسط يدك أبايعك. فبسط يده فبايعه، ثم بايعه معاذ بن جوين، ثم بايعه القوم جميعًا، وذلك في جمادى الآخرة. فاتعد القوم أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا، ثم يخرجوا في غرة الهلال هلال شعبان سنة ثلاث وأربعين، فكانوا في جهازهم وعدتهم.

وقيل: في هذه السنة سار بسر بن أبي أرطاة العامري إلى المدينة ومكة واليمن، وقتل من قتله في مسيره ذلك من المسلمين.

وذلك قول الواقدي، وقد ذكرت من خالفه في وقت مسيره هذا السير.

وزعم الواقدي أن داود بن حيان حدثه، عن عطاء بن أبي مروان، قال: أقام بسر بن أبي أرطاة بالمدينة شهرًا يستعرض الناس، ليس أحدٌ ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قتله.

وقال عطاء بن أبي مروان: أخبرني حنظلة بن علي الأسلمي، قال: وجد قومًا من بني كعب وغلمانهم على بئرٍ لهم فألقاهم في البئر.

ذكر قدوم زياد على معاوية

وفي هذه السنة قدم زيادٌ - فيما حدثني عمر - قال: حدثنا أبو الحسن، عن سليمان بن أرقم، قدم على معاوية من فارس، فصالحه على مال يحمله إليه.

وكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس، ما حدثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن، عن مسلمة بن محارب، قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكرة يلي ما كان لزياد بالبصرة، فبلغ معاوية أن لزياد أموالًا عند عبد الرحمن، وخاف زيادٌ على أشياء كانت في يد عبد الرحمن لزياد، فكتب إليه يأمره بإحرازها، وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد، فقدم المغيرة، فأخذ عبد الرحمن، فقال: لئن كان أساء إلي أبوك لقد أحسن زياد. وكتب إلى معاوية: إني لم أصب في يد عبد الرحمن شيئًا يحل لي أخذه. فكتب معاوية إلى المغيرة أن عذبه. قال: وقال بعض المشيخة: إنه عذب عبد الرحمن بن أبي بكرة إذ كتب إليه معاوية، وأراد أن يعذر ويبلغ معاوية ذلك، فقال: احتفظ بما أمرك به عمك، فألقى على وجهه حريرةً ونضحها بالماء، فكانت تلتزق بوجهه، فغشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم خلاه، وكتب إلى معاوية: إني عذبته، فلم أصب عنده شيئًا، فحفظ لزياد يده عنده.

حدثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عبد الملك بن عبد الله الثقفي، عن أشياخ من ثقيف، قالوا: دخل المغيرة بن شعبة على معاوية، فقال معاوية حين نظر إليه:

إنما موضع سر المرء إن ** باح بالسر أخوه لمنتصح

فإذا بحت بسرٍّ فإلى ** ناصحٍ يستره أو لا تبح

فقال: يا أمير المؤمنين، إن تستودعني تستودع ناصحًا شفيقًا ورعًا وثيقًا، فما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت زيادًا واعتصامه بأرض فارس، وامتناعه بها، فلم أنم ليلتي؛ فأراد المغيرة أن يطأطىء من زياد، فقال: ما زياد هناك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: بئس الوطء العجز، داهية العرب معه الأموال، متحصن بقلاع فارس، يدبر ويربص الحيل، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت. فإذا هو قد أعاد علي الحرب خدعة فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه! قال: نعم، فأته وتلطف له، فأتى المغيرة زيادًا، فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة: ما قدم إلا لأمر، ثم أذن له، فدخل عليه وهو في بهوٍ له مستقبل الشمس، فقال زياد: أفلح رائد! فقال: إليك ينتهي الخبر أبا المغيرة، إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك، ولم يكن يعلم أحدًا يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التوطين، فيستغني عنك معاوية، قال: أشر علي، وارم الغرض الأقصى، ودع عنك الفضول، فإن المستشار مؤتمن؛ فقال المغيرة: في محض الرأي بشاعة، ولا خير في المذيق، أرى أن تصل حبلك بحبله، وتشخص إليه؛ قال: أرى ويقضي الله.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن مسلمة بن محارب، قال: أقام زياد في القلعة أكثر من سنة، فكتب إليه معاوية: علام تهلك نفسك؟ إلي فأعلمني علم ما صار إليك مما اجتبيت من الأموال، وما خرج من يديك، وما بقي عندك، وأنت آمن، فإن أحببت المقام عندنا أقمت، وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت. فخرج زياد من فارس، وبلغ المغيرة بن شعبة أن زيادًا قد أجمع على إتيان معاوية، فشخص المغيرة إلى معاوية قبل شخوص زياد من فارس، وأخذ زياد من إصطخر إلى أرجان، فأتى ماه بهزاذان، ثم أخذ طريق حلوان حتى قدم المدائن، فخرج عبد الرحمن إلى معاوية يخبره بقدوم زياد، ثم قدم زياد الشأم، وقدم المغيرة بعد شهر، فقال له معاوية: يا مغيرة، زياد أبعد منك بمسيرة شهر، وخرجت قبله وسبقك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأريب إذا كلم الأريب أفحمه؛ قال: خذ حذرك، واطو عني سرك، فقال: إن زيادًا قدم يرجو الزيادة، وقدمت أتخوف النقصان، فكان سيرنا على حسب ذلك؛ قال: فسأل معاوية زايدًا عما صار إليه من أموال فارس، فأخبره بما حمل منها إلى علي رضي الله عنه، وما أنفق منها في الوجوه التي يحتاج فيها إلى النفقة، فصدقه معاوية على ما أنفق، وما بقي عنده، وقبضه منه، وقال: قد كنت أمين خلفائنا.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو مخنف وأبو عبد الرحمن الأصبهاني وسلمة بن عثمان وشيخ من بني تميم وغيرهم ممن يوثق بهم، قال: كتب معاوية إلى زياد وهو بفارس يسأله القدوم عليه، فخرج زيادٌ من فارس مع المنجاب بن راشد الضبي وحارثة بن بدر الغداني، وسرح عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس، فقال: لعلك تلقى زيادًا في طريقك فتأخذه. فسار ابن خازم إلى فارس، فقال بعضهم: لقيه بسوق الأهواز، وقال بعضهم: لقيه بأرجان، فأخذ ابن خازم بعنان زياد، فقال: انزل يا زياد، فصاح به المنجاب بن راشد: تنح يابن سوداء، وإلا علقت يدك بالعنان. قال: ويقال: انتهى إليهم ابن خازم وزياد جالس، فأغلظ له ابن خازم، فشتم المنجاب بن خازم، فقال له زياد: ما تريد يابن خازم؟ قال: أريد أن تجيء إلى البصرة؛ قال: فإني آتيها؛ فانصرف ابن خازم استحياءً من زياد.

وقال بعضهم: التقى زياد وابن خازم بأرجان، فكانت بينهم منازعة، فقال زياد لابن خازم قد أتاني أمان معاوية، فأنا أريده، وهذا كتابه إلي. قال: فإن كنت تريد أمير المؤمنين فلا سبيل عليك، فمضى ابن خازم إلى سابور، ومضى زياد إلى ماه بهزاذان، وقدم على معاوية، فسأله عن أموال فارس، فقال: دفعتها يا أمير المؤمنين في أرزاق وأعطيات وحمالات، وبقيت بقية أودعتها قومًا، فمكث بذلك يردده، وكتب زياد كتبًا إلى قوم منهم شعبة بن القلعم: قد علمتم ما لي عندكم من الأمانة، فتدبروا كتاب الله عز وجل؛ " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال.. " الآية، فاحتفظوا بما قبلكم. وسمي في الكتب بالمبلغ الذي أقر به لمعاوية، ودس الكتب مع رسوله، وأمره أن يعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية، فتعرض رسوله حتى انتشر ذلك، وأخذ فأتى به معاوية، فقال معاوية لزياد: لئن لم تكن مكرت بي إن هذه الكتب من حاجتي. فقرأها، فإذا هي بمثل ما أقر به؛ فقال معاوية: أخاف أن تكون قد مكرت بي، فصالحني على ما شئت، فصالحه على شيء مما ذكره أنه عنده، فحمله، وقال زياد: يا أمير المؤمنين، قد كان لي مال قبل الولاية، فوددت أن ذلك المال بقي، وذهب ما أخذت من الولاية. ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له في نزول الكوفة فأذن له، فشخص إلى الكوفة، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه، فكتب معاوي إلى المغيرة: خذ زيادًا وسليمان بن صرد وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة؛ فكانوا يحضرون معه في الصلاة.

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، عن سليمان بن أرقم، قال: بلغني أن زيادًا قدم الكوفة، فحضرت الصلاة، فقال له المغيرة: تقدم فصل؛ فقال: لا أفعل، أنت أحق مني بالصلاة في سلطانك. قال: ودخل عليه زياد وعند المغيرة أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فأجلسها بين يديه، وقال: لا تستري من أبي المغيرة، فلما مات المغيرة تزوجها زياد وهي حدثة، فكان زياد يأمر بفيل كان عنده، فيوقف، فتنظر إليه أم أيوب، فسمي باب الفيل.

وحج بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك غزوة بسر بن أبي أرطاة الروم ومشتاه بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية - فيما زعم الواقدي - وقد أنكر ذاك قومٌ من أهل الأخبار، فقالوا: لم يكن لبسر بأرض الروم مشتى قط.

وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وقبل كان عمل عليها لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرًا.

وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر بعد موت أبيه، فوليها له - فيما زعم الواقدي - نحوًا من سنتين.

وفيها مات محمد بن مسلمة في صفر بالمدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم.

خبر قتل المستورد بن علفة الخارجي

وفيها قتل المستورد بن علفة الخارجي، فيما زعم هشام بن محمد. وقد زعم بعضهم أنه قتل في سنة اثنتين وأربعين.

ذكر الخبر عن مقتله

قد ذكرنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا راتثوا يوم النهر، ومن كان منهم انحاز إلى الري وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سميت قبل، الذين حدهم المستورد بن علفة، وذكرنا بيعتهم المستورد، واجتماعهم على الخروج في غرة هلال شعبان من سنة ثلاث وأربعين.

فذكر هشام، عن أبي مخنف؛ أن جعفر بن حذيفة الطائي حدثه عن المحل بن خليفة، أن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة - وكان على شرطته - فقال: إن شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، وقد اتعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمون - وهو حليف لثقيف، وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف: سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به، وهم لا يرون إلا أنه أمير تلك الخوارج. فسار قبيصة في الشرطة وفي كثير من الناس، فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار، وإذا معه معاذ بن جوين ونحوٌ من عشرين رجلًا من اصحابهما، وثارت امرأته؛ أم ولد له فأخذت سيوفًا كانت لهم، فألقتها تحت الفراش، وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها، فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة ابن شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين؟ فقالوا: ما أردنا من ذلك شيئًا؛ قال: بلى، قد بلغني ذلك عنكم، ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم؛ قالوا له: أما اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيان ابن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه. فقال: اذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحوًا من سنة، وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد بن علفة فنزل دارًا بالحيرة إلى جنب قصر العدسيين من كلب، فبعث إلى إخوانه، وكانوا يختلفون إليه ويتجهزون، فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورد بن علفة التيمي: تحولوا بنا عن هذا المكان، فإني لا آمن أن يطلع عليكم. فإنهم في ذلك يقول بعضهم لبعض: نأتي مكان كذا وكذا، ويقول بعضهم: نأتي مكان كذا وكذا؛ إذ أشرف عليهم حجار بن أبجر من دار كان هو فيها وطائفة من أهله، فإذا هم بفارسين قد أقبلا حتى دخلا تلك الدار التي فيها القوم، ثم لم يكن بأسرع من أن جاء آخران فدخلا، ثم لم يكن إلا قليل حتى جاء آخر فدخل، ثم آخر فدخل، وكان ذلك يعنيه، وكان خروجهم قد اقترب، فقال حجار لصاحبة الدار التي كان فيها نازلًا وهي ترضع صبيًا لها: ويحك! ما هذه الخيل التي أراها تدخل هذه الدار؟ قالت: والله ما أدري ما هم! إلا أن الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالًا وفرسانًا لا ينقطعون، ولقد أنكرنا ذلك منذ أيام، ولا ندري من هم! فركب حجار فرسه، وخرج معه غلام له، فأقبل حتى انتهى إلى باب دارهم، فإذا عليه رجلٌ منهم، فكلما أتى إنسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه فأعلمه، فأذن له، فإن جاءه رجل من معروفيهم دخل ولم يستأذن، فلما انتهى إليه حجار لم يعرفه الرجل، فقال: من أنت رحمك الله؟ وما تريد؟ قال: أردت لقاء صاحبي، قال له: وما اسمك؟ قال له: حجار بن أبجر؛ قال: فكما أنت حتى أوذنهم بك. ثم أخرج إليك. فقال له حجار: ادخل راشدًا! فدخل الرجل، واتبعه حجار مسرعًا، فانتهى إلى باب صفة عظيمة فيها، وقد دخل إليهم الرجل فقال: هذا رجل يستأذن عليك أنكرته فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا حجار بن أبجر، فسمعهم يتفزعون ويقولون: حجار بن أبجر! والله ما جاء حجار بن أبجر بخير. فلما سمع القول منهم أراد أن ينصرف ويكتفي بذلك من الاسترابة بأمرهم، ثم أبت نفسه أن ينصرف حتى يعاينهم، فتقدم حتى قام بين سجفي باب الصفة وقال: السلام عليكم، فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة، وإذا سلاحٌ ظاهر ودروع، فقال حجار: اللهم اجمعهم على خير، من أنتم عافاكم الله؟ فعرفه علي بن أبي شمر ابن الحصين، من تيم الرباب - وكان أحد الثمانية الذين انهزموا من الخوارج يوم النهر، وكان من فرسان العرب ونساكهم وخيارهم - فقال له: يا حجار ابن أبجر، إن كنت إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدته، وإن كنت إنما جاء بك أمرٌ غير ذلك فادخل، وأخبرنا ما أتى بك؛ فقال: لا حاجة لي في الدخول، فانصرف، فقال بعضهم لبعض: أدركوا هذا فاحبسوه، فإنه مؤذنٌ بكم، فخرجت منهم جماعةٌ في أثره - وذلك عند تطفيل الشمس للإياب - فانتهوا إليه وقد ركب فرسه، فقالوا له: أخبرنا خبرك، وما جاء بك؟ قال: لم آت لشيء يروعكم ولا يهولكم، فقالوا له: انتظر حتى ندنو منك ونكلمك، أو تدنو منا؛ أخبرنا فنعلمك أمرنا، ونذكر حاجتنا، فقال لهم: ما أنا بدانٍ منكم، ولا أريد أن يدنو مني منكم أحد؛ فقال له علي بن أبي شمر بن الحصين: أفمؤمننا أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت محسن؛ فإن لنا قرابةً وحقًا؟ قال: نعم، أنتم آمنون من قبلي هذه الليلة وليالي الدهر كلها؛ ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه. وقال الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه؛ قال: فصلوا المغرب، ثم خرجوا من الحيرة متفرقين، فقال لهم صاحبهم: الحقوا بي في دار سليم بن محدوج العبدي من بني سلمة، فخرج من الحيرة، فمضى حتى أتى عبد القيس، فأتى بني سلمة، فبعث إلى سليم بن محدوج - وكان له صهرًا - فأتاه، فأدخله وأصحابًا له خمسةً أو ستة، ورجع حجار بن أبجر إلى رحله، فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس، فما ذكرهم عند أحد منهم، ولا بلغهم عنه في ذلك شيء يكرهونه. ننا أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت محسن؛ فإن لنا قرابةً وحقًا؟ قال: نعم، أنتم آمنون من قبلي هذه الليلة وليالي الدهر كلها؛ ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه. وقال الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه؛ قال: فصلوا المغرب، ثم خرجوا من الحيرة متفرقين، فقال لهم صاحبهم: الحقوا بي في دار سليم بن محدوج العبدي من بني سلمة، فخرج من الحيرة، فمضى حتى أتى عبد القيس، فأتى بني سلمة، فبعث إلى سليم بن محدوج - وكان له صهرًا - فأتاه، فأدخله وأصحابًا له خمسةً أو ستة، ورجع حجار بن أبجر إلى رحله، فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس، فما ذكرهم عند أحد منهم، ولا بلغهم عنه في ذلك شيء يكرهونه.

فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجةٌ عليه في أيامه تلك، وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم، فقام المغيرة بن شعبة في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وأني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفائكم، فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم الله لقد خشيت ألا أجد بدًا من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل، فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم. وقد ذكر لي أن رجالًا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حيٍّ من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالًا لمن بعدهم، فنظر قومٌ لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار.

فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير، هل سمي لك أحدٌ من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا، فأتتك كل قبيلة بسفهائها، فقال: ما سمي لي أحد منهم، ولكن قد قيل لي: إن جماعةً يريدون أن يخرجوا بالمصر؛ فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي، وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرىء من الرؤساء قومه. فنزل المغيرة بن شعبة، وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعتم، فليكفني كل امرىء من الرؤساء قومه، وإلا فوالذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون، فلا يلم لائمٌ إلا نفسه، وقد أعذر من أنذر. فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنةً، أو يفارق جماعةً؛ وجاء صعصعة بن صوحان فقام في عبد القيس.

قال هشام: قال ابن مخنف: فحدثني الأسود بن قيس العبدي، عن مرة بن النعمان، قال: قام فينا صعصعة بن صوحان وقد والله جاءه من الخبر بمنزل التيمي وأصحابه في دار سليم بن محدوج، ولكنه كره على فراقه إياهم وبغضه لرأيهم، أن يؤخذوا في عشيرته، وكره مساءة أهل بيت من قومه، فقال: قولًا حسنًا، ونحن يومئذ كثيرٌ أشرافنا، حسنٌ عددنا، قال: فقام فينا بعد ما صلى العصر، فقال: يا معشر عباد الله، إن الله - وله الحمد كثيرًا - لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره الله لنفسه، وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة، وارتدت طائفة، وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيمانًا به وبرسوله، وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين، وأهلك الله الظالمين، فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرًا في كل شيء، وعلى كل حال، حتى اختلفت الأمة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي، راسب الأزد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة، تسديدًا من الله لكم وتوفيقًا، فلم تزالوا على الحق لازمين له، آخذين به، حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر - وسكت عن ذكر أهل الشأم، لأن السلطان كان حينئذ سلطانهم - ولا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة، الذين فارقوا إمامنا، واستحلوا دماءنا، وشهدوا علينا بالكفر؛ فإياكم أن تؤووهم في دوركم، أو تكتموا عليهم، فإنه ليس ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد والله ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحثٌ عن ذلك وسائل، فإن كان حكي لي ذلك حقًا تقربت إلى الله تعالى بدمائهم، فإن دماءهم حلال. ثم قال: يا معشر عبد القيس، إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلًا، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى أمثالكم. ثم تنحى فجلس، فكل قومه قال: لعنهم الله! وقال: برىء الله منهم، فلا والله فلا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم؛ غير سليم بن محدوج، فإنه لم يقل شيئًا، فرجع إلى قومه كئيبًا واجمًا، يكره أن يخرج أصحابه من منزله فيلوموه، وقد كانت بينهم مصاهرة، وكان لهم ثقة، ويكره أن يطلبوا في داره فيهلكوا ويهلك. وجاء فدخل رحله، وأقبل أصحاب المستورد يأتونه، فليس منهم رجلٌ غلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم، وقاموا فيهم، وقالوا له: اخرج بنا، فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا. قال: فقال لهم: أما ترون رأس عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساء العشائر في عشائرهم؟ قالوا: بلى والله نرى. قال: فإن صاحب منزلي لم يذكر لي شيئًا؛ قالوا: نرى والله أنه استحيا منك، فدعاه فأتاه، فقال: يابن محدوج؛ إنه قد بلغني أن رؤساء العشائر قاموا إليهم، وتقدموا إليهم في وفي أصحابي، فهل قام فيكم أحدٌ يذكر لكم شيئًا من ذلك؟ قال: فقال: نعم؛ قد قام فينا صعصعة بن صوحان، فتقدم إلينا في ألا نؤوي أحدًا من طلبتهم، وقالوا أقاويل كثيرةً كرهت أن أذكرها لكم فتحسبوا أنه ثقل علي شيء من أمركم؛ فقال له المستورد: قد أكرمت المثوى، وأحسنت الفعل، ونحن إن شاء الله مرتحلون عنك؛ ثم قال: أما والله لو أرادوك في رحلي ما وصلوا إليك ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموت دونكم، قال: أعاذك الله من ذلك! وبلغ الذين في محبس المغيرة ما أجمع عليه أهل المصر من الرأي في نفي من كان بينهم من الخوارج وأخذهم، فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك:

ألا أيها الشارون قد حان لامرىءٍ ** شرى نفسه لله أن يترحلا

أقمتم بدار الخاطئين جهالةً ** وكل امرىءٍ منكم يصاد ليقتلا

فشدوا على القوم العداة فإنما ** أقامتكم للذبح رأيًا مضللا

ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي ** إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا

فيا ليتني فيكم على ظهر سابحٍ ** شديد القصيرى دارعًا غير أعزلا

ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ** فيسقيني كأس المنية أولا

يعز علي أن تخافوا وتطردوا ** ولما أجرد في المحلين منصلا

ولما يفرق جمعهم كل ماجدٍ ** إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا

مشيحًا بنصل السيف في حمس الوغى ** يرى الصبر ي بعض المواطن أمثلا

وعز علي أن تضاموا وتنقصوا ** وأصبح ذا بثٍّ أسيرًا مكبلا

ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ** أثرت إذًا بين الفريقين قسطلا

فيا رب جمعٍ قد فللت وغارةٍ ** شهدت وقرنٍ قد تركت مجدلا

فبعث المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من هذه القبيلة لا يصب امأ مسلمًا في سببنا بغير علمٍ معرةٌ. وكان فيهم بعض من يرى رأيهم، فاتعدوا سورًا، فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة، فتتاموا بها ثلثمائة رجل، ثم ساروا إلى الصراة، فباتوا بها ليلةً.

ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم، فدعا رؤساء الناس، فقال: إن هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي، فمن ترون أبعث إليهم؟ قال: فقام إليه عدي بن حاتم، فقال: كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم.

فقام معقل بن قيس، فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدًا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعًا مطيعًا، ولهم مفارقًا، ولهلاكهم محبًا، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدًا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني، فابعثني إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله؛ فقال: اخرج على اسم الله؛ فجهز معه ثلاثة آلاف رجل.

وقال المغيرة لقبيصة بن الدمون: الصق لي بشيعة عليٍّ، فأخرجهم مع معقل بن قيس، فإنه كان من رءوس أصحابه، فإذا بعثت بشيعته الذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعًا، استأنس بعضهم ببعض وتناصحوا، وهم أشد استحلالًا لدماء هذه المارقة، وأجرأ عليهم من غيرهم، وقد قاتلوا قبل هذه المرة.

قال ابن مخنف: فحدثني الأسود بن قيس، عن مرة بن منقذ بن النعمان، قال: كنت فيمن ندب معه يومئذ؛ قال: لقد كان صعصعة ابن صوحان قام بعد معقل بن قيس وقال: ابعثني إليهم أيها الأمير، فأنا والله لدمائهم مستحل، وبحملها مستقل؛ فقال: اجلس؛ فإنما أنت خطيب، فكان أحفظه ذلك، وإنما قال ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويكثر ذكر علي ويفضله، وقد كان دعاه، فقال: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئًا من فضل عليٍّ علاينةً، فإنك لست بذاكر من فضل عليٍّ شيئًا أجهله، بل أنا أعلم بذلك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرًا مما أمرنا به، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدًا، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية، فإن كنت ذاكرًا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفي منازلكم سرًا، وأما علانيةً في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا، ولا يعذرنا به، فكان يقول له: ابعثني إليهم، وجد المغيرة قد حقد عليه خلافه إياه، فقال: اجلس فإنما أنت خطيب، فأحفظه، فقال له: أوما أنا إلا خطيب فقط! أجل والله، إني للخطيب الصليب الرئيس، أما والله لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حيث اختلفت القنا، فشئون تفرى، وهامةٌ تختلى، لعلمت أني أنا الليث الهزبر؛ فقال: حسبك الآن، لعمري قد أوتيت لسانًا فصيحًا، ولم يلبث قبيصة بن الدمون أن أخرج الجيش مع معقل، وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم.

قال ابن مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن سالم بن ربيعة، قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس: إني قد بعثت معك فرسان أهل المصر، أمرت بهم فانتخبوا انتخابًا، فسر إلى هذه العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا، وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم، واستعن بالله عليهم.

فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل، هل بلغك - أصلحك الله - أين منزل القوم؟ قال: نعم، كتب إلي سماك بن عبيد العبسي - وكان عاملًا له على المدائن - يخبرني أنهم ارتحلوا من الصراة، فأقبلوا حتى نزلوا بهرسير، وأنهم أرادوا أن يعبروا إلى المدينة العتيقة التي بها منازل كسرى وأبيض المدائن، فمنعهم سماك أن يجوزوا، فنزلوا بمدينة بهرسير مقيمين، فاخرج إليهم، وانكمش في آثارهم حتى تلحقهم، ولا تدعهم والإقامة في بلد ينتهي إليهم فيه أكثر من الساعة التي تدعوهم فيها، فإن قبلوا وإلا فناههضهم، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا افسدوا كل من خالطهم. فخرج من يومه فبات بسورا، فأمر المغيرة مولاه واردًا، فخرج إلى الناس في مسجد الجماعة، فقال: أيها الناس، إن معقل بن قيس قد سار إلى هذه المارقة، وقد بات الليلة بسورا، فلا يتخلفن عنه أحد من أصحابه. ألا وإن الأمير يخرج على كل رجل من المسلمين منهم، ويعزم عليهم أن يبيتوا بالكوفة، ألا وأيما رجل من هذا البعث وجدناه بعد يومنا بالكوفة فقد أحل بنفسه.

قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: كنت فيمن خرج مع المستورد بن علفة، وكنت أحدث رجلٍ فيهم. قال: فخرجنا حتى أتينا الصراة، فأقمنا بها حتى تتامت جماعتنا، ثم خرجنا حتى انتهينا إلى بهرسير، فدخلناها ونذر بنا سماك بن عبيد العبسي، وكان في المدينة العتيقة، فلما ذهبنا لنعبر الجسر إليهم قاتلنا عليه، ثم قطعه علينا، فأقمنا ببهرسير. قال: فدعاني المستورد بن علفة، فقال: أتكتب يابن أخي؟ قلت: نعم، فدعا لي برقٍّ ودواة، وقال: اكتب: من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد، أما بعد، فقد نقمنا على قومنا الجور في الأحكام، وتعطيل الحدود، والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وولاية أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمان وعلي، لإحداثهما في الدين، وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإلا تقبل فقد بالغنا في الإعذار إليك، وقد آذناك بحرب، فتبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. قال: فقال المستورد: انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعه إليه، واحفظ ما يقول لك، والقني.

قال: وكنت فتىً حدثًا حين أدركت، لم أجرب الأمور، ولا علم لي بكثير منها، فقلت: أصلحك الله! لو أمرتني أن أستعرض دجلة فألقي نفسي فيها ما عصيتك، ولكن تأمن علي سماكًا أن يتعلق بي، فيحبسني عنك، فإذا أنا قد فاتني ما أترجاه من الجهاد! فتبسم وقال: يابن أخي، إنما أنت رسولٌ، والرسول لا يعرض له، ولو خشيت ذلك عليك لم أبعثك، وما أنت على نفسك بأشفق مني عليك. قال: فخرجت حتى عبرت إليهم في معبر، فأتيت سماك بن عبيد، وإذا الناس حوله كثير. قال: فلما أقبلت نحوهم أبدوني أبصارهم، فلما دنوت منهم ابتدرني نحوٌ من عشرة، وظننت والله أن القوم يريدون أخذي، وأن الأمر عندهم ليس كما ذكر لي صاحبي، فانتضيت سيفي، وقلت: كلا، والذي نفسي بيده، لا تصلون إلي حتى أعذر إلى الله فيكم، قالوا لي: يا عبد الله، من أنت؟ قلت: أنا رسول أمير المؤمنين المستورد بن علفة؛ قالوا: فلم انتضيت سيفك؟ قلت: لابتداركم إلي، فخفت أن توثقوني وتغدروا بي. قالوا: فأنت آمن، وإنما أتيناك لنقوم إلى جنبك، ونمسك بقائم سيفك، وننظر ما جئت له، وما تسأل؛ قال: فقلت لهم: ألست آمنًا حتى تردوني إلى أصحابي؟ قالوا: بلى، فشمت سيفي، ثم أتيت حتى قمت على رأس سماك بن عبيد وأصحابه قد ائتشبوا بي، فمنهم ممسك بقائم سيفي، ومنهم ممسكٌ بعضدي، فدفعت إليه كتاب صاحبي، فلما قرأه رفع رأسه إلي، فقال: ما كان المستورد عندي خليقًا لما كنت أرى من إخباته وتواضعه أن يخرج على المسلمين بسيفه، يعرض على المستورد البراءة من علي وعثمان، ويدعوني إلى ولايته! فبئس والله الشيخ أنا إذًا! قال: ثم نظر إلي فقال: يا بني، اذهب إلى صاحبك فقل له: اتق الله وارجع عن رأيك، وادخل في جماعة المسلمين، فإن أردت أن أكتب لك في طلب الأمان إلى المغيرة فعلت، فإنك ستجده سريعًا إلى الإصلاح، محبًا للعافية: قال: قلت له، وإن لي فيهم يومئذ بصيرة، هيهات! إنما طلبنا بهذا الأمر الذي أخافنا فيكم في عاجل الدنيا الأمن عند الله يوم القيامة؛ فقال لي: بؤسًا لك! كيف أرحمك! ثم قال لأصحابه: إنهم خلوا بهذا. ثم جعلوا يقرءون عليه القرآن ويتخضعون ويتباكون، فظن بهذا أنهم على شيء من الحق، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلًا، والله ما رأيت قومًا كانوا أظهر ضلالة، ولا أبين شؤمًا، من هؤلاء الذين ترون! قلت: يا هذا إنني لم آتك لأشاتمك ولا أسمع حديثك وحديث أصحابك، حدثني، أنت تجيبني إلى ما في هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع إلى صاحبي؟ فنظر إلي ثم قال لأصحابه: ألا تعجبون إلى هذا الصبي! والله إني لأراني أكبر من أبيه، وهو يقول لي: أتجيبني إلى ما في هذا الكتاب! انطلق يا بني إلى صاحبك، إنما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل، وأشرعت في صدوركم الرماح، هناك تمني لو كنت في بيت أمك! قال: فانصرفت من عنده فعبرت إلى أصحابي، فلما دنوت من صاحبي قال: ما رد عليك؟ قلت: ما رد خيرًا؛ قلت له: كذا وقال لي: كذا، فقصصت عليه القصة؛ قال: فقال المستورد: " إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ ".

قال: فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة أيام، ثم استبان لنا مسير معقل ابن قيس إلينا. قال: فجمعنا المستورد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن هذا الخرق معقل بن قيس قد وجه إليكم وهو من السبئية المفترين الكاذبين، وهو لله ولكم عدو، فأشيروا علي برأيكم. قال: فقال له بعضنا: والله ما خرجنا نريد إلا الله، وجهاد من عادى الله، وقد جاءونا فأين نذهب عنهم! بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين. وقالت طائفة أخرى: بل نعتزل ونتنحى، ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء.

فقال: يا معشر المسلمين، إني والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا ذكرها ولا فخرها ولا البقاء، وما أحب أنها لي بحذافيرها، وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال نعلي! وما خرجت إلا التماس الشهادة، وأن يهديني الله إلى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة، وإني قد نظرت فيما استشرتكم فيه فرأيت ألا أقيم لهم حتى يقدموا علي وهم جامون متوافرون، ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن، فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا، فتقطعوا وتبددوا، فعلى تلك الحال ينبغي لنا قتالهم، فاخرجوا بنا على اسم الله عز وجل.

قال: فخرجنا فمضينا على شاطىء دجلة حتى انتهينا إلى جرجرايا، فعبرنا دجلة، فمضينا كما نحن في أرض جوخى حتى بلغنا المذار، فأقمنا فيها، وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذي كنا فيه، فسأل عن المغيرة بن شعبة، كيف صنع في الجيش الذي بعث إلى الخوارج؟ وكم عدتهم؟ فأخبر بعدتهم، وقيل له: إن المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتل الخوارج مع علي رضي الله عنه، وكان مع أصحابه، فبعثه وبعث معه شيعة عليٍّ لعداوتهم لهم، فقال: أصاب الرأي، فبعث إلى شريك بن الأعور الحارثي - وكان يرى عليٍّ رضي الله عنه - فقال له: اخرج إلى هذه المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل من الناس، ثم أتبعهم حتى تخرجهم من أرض البصرة أو تقتلهم. وقال له بينه وبينه: اخرج إلى أعداء الله بمن يستحل قتالهم من أهل البصرة، فظن شريك به إنما يعني شيعة علي رضي الله عنه، ولكنه يكره أن يسميهم، فانتخب الناس، وألح على فرسان ربيعة الذين كان رأيهم في الشيعة، وكان تجيبه العظماء منهم. ثم إنه خرج فيهم مقبلًا إلى المستورد بن علفة بالمذار.

قال ابن مخنف: وحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: كنت في الذين خرجوا مع معقل بن قيس، فأقبلت معه، فوالله ما فارقته ساعةً من نهار منذ خرجت، فكان أول منزل نزلنا سورا.

قال: فمكثنا يومًا حتى اجتمع إليه جل أصحابه، ثم خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا، فبعثنا طليعةً، فارتحلنا فنزلنا كوثى، فأقمنا بها يومًا حتى لحق بنا من تخلف، ثم أدلج بنا من كوثى، وقد مضى من الليل هزيع، فأقبلنا حتى دنونا من المدائن، فاستقبلنا الناس فأخبرونا أنهم قد ارتحلوا، فشق علينا والله ذلك، وأيقنا بالعناء وطول الطلب.

قال: وجاء معقل بن قيس حتى نزل باب مدينة بهرسير، ولم يدخلها، فخرج إليه سماك بن عبيد، فسلم عليه، وأمر غلمانه ومواليه فأتوه بالجزر والشعير والقت، فجاءوه من ذلك بكل ما كفاه وكفى الجند الذين كانوا معه.

ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثًا جمع أصحابه فقال: إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم، فتقطعوا وتبددوا، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم، وأنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله، فخرج بنا من المدائن، فقدم بين يديه أبو الرواغ الشاكري في ثلثمائة فارس، فأتبع آثارهم، فخرج معقل في أثره، فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم، ويركب الوجه الذي أخذوا فيه، حتى عبروا جرجرايا في آثارهم، ثم سلك الوجه الذي أخذوا فيه، فاتبعهم، فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين، فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه، فقال له بعضهم: أقدم بنا عليهم فلنقاتلهم، وقال بعضهم: والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا، ونلقاهم بجماعتنا.

قال ابن مخنف: فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشي أن أباه كان معه يومئذ. قال: فقال لنا أبو الرواغ: إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرني أن أتبع آثارهم، فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني.

قال: فقال له جميع أصحابه: فالرأي الآن بين، تنح بنا فلنكن قريبًا منهم حتى يقدم علينا صاحبنا، فتنحينا - وذلك عند المساء - قال: فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا، فارتفع الضحى، وخرجوا علينا، قال: فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة ونحن ثلثمائة، فلما اقتربوا شدوا علينا، فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان؛ قال: فانهزمنا ساعة، ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال: يا فرسان السوء، قبحكم الله سائر اليوم! الكرة الكرة! قال: فحمل وحملنا معه، حتى إذا دنونا من القوم كر بنا، فانصرفنا وكروا علينا، وكشفونا طويلًا، ونحن على خيل معلمة جيادٍ، ولم يصب منا أحد، وقد كانت جراحات يسيرة، فقال لنا أبو الرواغ: ثكلتكم أمهاتكم! انصرفوا بنا فلنكر قريبًا منهم، لا نزايلهم حتى يقدم علينا أمرينا، فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش، وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى. قال: فقال رجل منا يجيبه: إن الله لا يستحيي من الحق، قد والله هزمونا، قال أبو الرواغ: لا أكثر الله فينا ضربك! إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم، وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبًا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش، ولم نرجع عن وجهنا، إنه والله لو كان يقال: انهزم أبو حرمان حمير بن بجير الهمداني، ما باليت، إنما يقال: انهزم أبو الرواغ؛ فقفوا قريبًا، فإن أتوكم فعجزتم عن قتالهم فانحازوا، فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم، وكونوا قريبًا منهم، فإن الجيش آتيكم إلى ساعة. قال: فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية، وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم، فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم، وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى. فلما حضرت صلاة الظهر نزل المستورد للصلاة، واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين، ونزل أصحابه فصلوا الظهر، وأقاموا رجلين ربيئةً، وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر. ثم إن فتىً جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبي الرواغ، وكان أهل القرى وعابرو السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون، فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذي يأتي من قبله معقل استقبل معقلًا فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج، فيقول: كيف رأيتموهم يصنعون؟ فيقولون: رأينا الحرورية تطرد أصحابك، فيقول: أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلونهم؟ فيقولون: بلى، يعطفون عليهم وينهزمون: فقال: إن كان ظني بأبي الرواغ صادقًا لا يقدم عليكم منهزمًا أبدًا. ثم وقف عليهم، فدعا محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له: تخلف في ضعفة الناس، ثم سر بهم على مهل، حتى تقدم بهم علي، ثم ناد في أهل القوة: ليتعجل كل ذي قوة معي، اعجلوا إلى إخوانكم، فإنهم قد لاقوا عدوهم، وإني لأرجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم.

قال: فاستجمع من أهل القوة والشجاعة وأهل الخيل الجياد نحو من سبعمائة، وسار فأسرع، فلما دنا من أبي الرواغ قال أبو الرواغ: هذه غبرة الخيل، تقدموا بنا إلى عدونا حتى يقدم علينا الجند، ونحن منهم قريب، فلا يرون أننا تنحينا عنهم ولا هبناهم. قال: فاستقدم أبو الرواغ حتى وقف مقابل المستورد وأصحابه، وغشيهم معقل في أصحابه، فلما دنا منهم غربت الشمس، فنزل فصلى بأصحابه، ونزل أبو الرواغ فصلى بأصحابه في جانب آخر، وصلى الخوارج أيضًا. ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه في جانب آخر، وصلى الخوارج أيضًا. ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه حتى إذا دنا من أبي الرواغ دعاه فأتاه، فقال له: أحسنت يا أبا الرواغ! هكذا الظن بك، الصبر والمحافظة. فقال: أصلحك الله! إن لهم شدات منكراتٍ، فلا تكن أنت تليها بنفسك، ولكن قدم بين يديك من يقاتلهم، وكن أنت من وراء الناس ردءًا لهم؛ فقال: نعم ما رأيت! فوالله ما كان إلا ريثما قالها حتى شدوا عليه وعلى أصحابه، فلما غشوه انجفل عنه عامة أصحابه، وثبت ونزل، وقال: الأرض الأرض يا أهل الإسلام! ونزل معه أبو الرواغ الشاكري وناسٌ كثيرٌ من الفرسان وأهل الحفاظ نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد وأصحابه استقبلوهم بالرماح والسيوف، وانجفلت خيل معقل عنه ساعة، ثم ناداهم مسكين بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عداس - وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدهم بأسًا - فقال: يا أهل الإسلام، أين الفرار، وقد نزل أميركم! ألا تستحيون! إن الفرار مخزاةٌ وعار ولؤم، ثم كر راجعًا، ورجعت معه خيلٌ عظيمة، فشدوا عليهم ومعقل بن قيس يضاربهم تحت رايته مع ناس نزلوا معه من أهل الصبر، فضربوهم حتى اضطروهم إلى البيوت، ثم لم يلبثوا إلا قليلًا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن تخلف من الناس، فلما أتوهم أنزلهم ثم صف لهم، وجعل ميمنةً وميسرة، فجعل أبا الرواغ على ميمنته ومحرز بن بجير بن سفيان على ميسرته ومسكين بن عامر على الخيل، ثم قال لهم: لا تبرحوا مصافكم حتى تصبحوا، فإذا أصبحتم ثرنا إليهم فناجزناهم، فوقف الناس مواقفهم على مصافهم.

قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد: لا تدعوا معقلًا حتى يعبي لكم الخيل والرجل، شدوا عليهم شدةً صادقةً، لعل الله يصرعه فيها. قال: فشددنا عليهم شدة صادقة، فانكشفوا فانفضوا ثم انجفلوا ووثب معقل عن فرسه حين رأى إدبار اصحابه عنه. فرفع رايته، ونزل معه ناس من أصحابه، فقاتلوا طويلًا، فصبروا لنا، ثم إنهم تداعوا علينا، فعطفوا علينا من كل جانب، فانحزنا حتى جعلنا البيوت في ظهورنا، وقد قاتلناهم طويلًا، وكانت بيننا جراحةٌ وقتلٌ يسير.

قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه أن عمير بن أبي أشاءة الأزدي قتل يومئذ، وكان فيمن نزل مع معقل بن قيس، وكان رئيسًا. قال: وكنت أنا فيمن نزل معه، فوالله ما أنسى قول عمير بن أبي أشاءة ونحن نقتتل وهو يضاربهم بسيفه قدمًا:

قد علمت أني إذا ما أقشعوا ** عني والتاث اللئام الوضع

أحوس عند الروع ندبٌ أروع

وقاتل قتالًا شديدًا ما رأيت أحدًا قاتل مثله، فجرح رجالًا كثيرًا، وقتل وما أدري أنه قتل، ما عدا واحدًا وقد علمت أنه اعتنقه، فخر على صدره فذبحه، فما حز رأسه حتى حمل عليه رجلٌ منهم فطعنه بالرمح في ثغرة نحره، فخر عن صدره، وانجدل ميتًا، وشددنا عليهم، وحزناهم إلى القرية، ثم انصرفنا إلى معركتنا، فأتيته وأنا أرجو أن يكون به رمق، فإذا هو قد فاظ، فرجعت إلى أصحابي فوقفت فيهم.

قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: إنا لمتواقفون أول الليل إذ أتانا رجل كنا بعثناه أول الليل، وكان بعض من يمر الطريق قد أخبرنا أن جيشًا قد أقبل إلينا من البصرة، فلم نكترث، وقلنا لرجل من أهل الأرض وجعلنا له جعلًا، اذهب فاعلم هل أتانا من قبل البصرة جيش؟ فجاء ونحن مواقفو أهل الكوفة، وقال لنا: نعم، قد جاءكم شريك بن الأعور، وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الأولى، ولا أرى القوم إلا نازلين بكم الليلة، أو مصبحيكم غدوة. فأسقط في أيدينا.

وقال المستورد لأصحابه: ماذا ترون؟

قلنا: نرى ما رأيت، قال: فإني لا أرى أن أقيم لهؤلاء جميعًا، ولكن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن أهل البصرة لا يتبعونا إلى أرض الكوفة، ولا يتبعنا حينئذ إلا أهل مصرنا، فقلنا له: ولم ذاك؟ فقال: قتال أهل مصرٍ واحد أهون علينا من قتال أهل المصرين؛ قالوا: سر بنا حيث أحببت، قال: فانزلوا عن ظهور دوابكم فأريحوا ساعة، وأقضموها، ثم انظروا ما آمركم به؛ قال: فنزلنا عنها، فأقضمناها؛ قال: وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيتهم؛ قال: فلما أرحناها وأقضمناها أمرنا فاستوينا على متونها، ثم قال: ادخلوا القرية، ثم اخرجوا من ورائها، وانطلقوا معكم بلعجٍ يأخذ بكم من ورائها، ثم يعود بكم حتى يردكم إلى الطريق الذي منه أقبلتم، ودعوا هؤلاء مكانهم، فإنهم لم يشعروا بكم عامة الليل، أو حتى تصبحوا. قال: فدخلنا القرية وأخذنا علجًا، ثم خرجنا به أمامنا، فقلنا: خذ بنا من وراء هذا الصف حتى نعود إلى الطريق الذي منه أقبلنا. ففعل ذلك، فجاء بنا حتى أقامنا على الطريق الذي منه أقبلنا، فلزمناه راجعين، ثم أقبلنا حتى نزلنا جرجرايا.

قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: إني أول من فطن لذهابهم؛ قال: فقلت: أصلحك الله! لقد رابني أمر هذا العدو منذ ساعة طويلة، إنهم كانوا مواقفين نرى سوادهم، ثم لقد خفي علي ذلك السواد منذ ساعة، وإني لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس؛ فقال: وما تخاف أن يكون من كيدهم؟ قلت: أخاف أن يبيتوا الناس، قال، والله ما آمن ذلك؛ قال: فقلت له: فاستعد لذلك، قال: كما أنت حتى أنظر. يا عتاب، انطلق فيمن أحببت حتى تدنو من القرية فتنظر هل ترى منهم أحدًا أو تسمع لهم ركزا! وسل أهل القرية عنهم.

فخرج في خمس الغزاة يركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحدًا يكلمه، وصاح بأهل القرية، فخرج إليه منهم ناسٌ، فسألهم عنهم، فقالوا: خرجوا فلا ندري كيف ذهبوا! فرجع إليه عتاب فأخبره الخبر، فقال معقل: لا آمن البيات، فأين مضر؟ فجاءت مضر فقال: قفوا ها هنا، وقال: أين ربيعة؟ فجعل ربيعة في وجه وتميمًا في وجه وهمدان في وجه، وبقية أهل اليمن في وجه آخر، وكان كل ربع من هؤلاء في وجه وظهره مما يلي ظهر الربع الآخر، وجال فيهم معقل حتى لم يدع ربعًا إلا وقف عليه، وقال: أيها الناس، لو أتوكم فبدؤا بغيركم فقاتلوهم فلا تبرحوا أنتم مكانكم أبدًا حتى يأتيكم أمري، وليغن كل رجل منكم الوجه الذي هو فيه، حتى نصبح فنرى رأينا. فمكثوا متحارسين يخافون بياتهم حتى أصبحوا، فلما أصبحوا نزلوا فصلوا، وأتوا فأخبروا أن القوم قد رجعوا في الطريق الذي أقبلوا منه عودهم على بدئهم، وجاء شريك بن الأعور في جيش من أهل البصرة حتى نزلوا بمعقل بن قيس فلقيه، فتساءلا ساعة، ثم إن معقلًا قال لشريك: أنا متبع آثارهم حتى ألحقهم لعل الله أن يهلكهم، فإني لا آمن إن قصرت في طلبهم أن يكثروا. فقام شريك فجمع رجالًا من وجوه أصحابه، فيهم خالد بن معدان الطائي وبيهس بن صهيب الجرمي، فقال لهم: يا هؤلاء، هل لكم في خير؟ هل لكم في أن تسيروا مع إخواننا من أهل الكوفة في طلب هذا العدو الذي هو عدو لنا ولهم حتى يستأصلهم الله ثم نرجع؟ فقال خالد بن معدان وبيهس الجرمي: لا والله، لا نفعل، إنما أقبلنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا، ونمنعهم من دخولها، فإن كفانا الله مؤنتهم فإنا منصرفون إلى مصرنا، وفي أهل الكوفة من يمنعون بلادهم من هؤلاء الأكلب؛ فقال لهم: ويحكم! أطيعوني فيهم، فإنهم قوم سوء، لكم في قتالهم أجرٌ وحظوة عند السلطان، فقال له بيهس الجرمي: نحن والله إذًا كما قال أخو بني كنانة:

كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعت ** بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا

أما بلغك أن الأكراد قد كفروا بجبال فارس! قال: قد بلغني، قال: فتأمرنا أن ننطلق معك نحمي بلاد أهل الكوفة، ونقاتل عدوهم، ونترك بلادنا، فقال له: وما الأكراد! إنما يكفيهم طائفة منكم؛ فقال له: وهذا العدو الذي تندبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة، إنهم لعمري لو اضطروا إلى نصرتنا لكان علينا نصرتهم، ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد، وفي بلادنا فتقٌ مثل الفتق الذي في بلادهم، فليغنوا ما قبلهم، وعلينا أن نغني ما قبلنا، ولعمري لو أنا أطعناك في اتباعهم فاتبعتهم كنت قد اجترأت على أميرك، وفعلت ما كان ينبغي لك أن تطلع فيه رأيه، ما كان ليحتملها لك. فلما رأى ذلك قال لأصحابه: سيروا فارتحلوا، وجاء حتى لقي معقلًا - وكانا متحابين على رأي الشيعة متوادين عليه - فقال: أما والله لقد جهدت بمن معي أن يتبعوني حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبوني، فقال له معقل: جزاك الله من أخ خيرًا! إنا لم نحتج إلى ذلك، أما والله إني أرجو أن لو قد جهدوا لا يفلت منهم مخبر.

قال ابن مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن أبي أمامة عبيد الله ابن جنادة، عن شريك بن الأعور، قال: حدثنا بهذا الحديث شريك ابن الأعور. قال: فلما قال: والله إني لأرجو أن لو جهدوا لا يفلت منهم مخبر، كرهتها والله له، وأشفقت عليه، وحسبت أن يكون شبه كلام البغي؛ قال: وايم الله ما كان من أهل البغي.

قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الحارث الأزدي، قال: لما أتانا أن المستورد بن علفة وأصحابه قد رجعوا عن طريقهم سررنا بذلك، وقلنا: نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن، وإن دنوا من الكوفة كان أهلك لهم؛ ودعا معقل بن قيس أبا الرواغ فقال له: اتبعه في أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه علي حتى ألحقك؛ فقال له: زدني منهم فإنه أقوى لي عليهم إن هم أرادوا مناجزتي قبل قدومك، فإنا كنا قد لقينا منهم برحا، فزاده ثلثمائة، فاتبعهم في ستمائة، وأقبلوا سراعًا حتى نزلوا جرجرايا، وأقبل أبو الرواغ في إثرهم مسرعًا حتى لحقهم بجرجرايا، وقد نزلوا، فنزل بهم عند طلوع الشمس، فلما نظروا إذا هم بأبي الرواغ في المقدمة، فقال بعضهم لبعض: إن قتالكم هؤلاء أهون من قتال من يأتي بعدهم.

قال: فخرجوا إلينا، فأخذوا يخرجون لنا العشرة فرسان منهم والعشرين فارسًا، فنخرج لهم مثلهم، فتطارد الخيلان ساعةً ينتصف بعضنا من بعض، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدوا علينا شدةً واحدة صدقوا فيها الحملة.

قال: فصرفونا حتى تركنا لهم العرصة. ثم إن أبا الرواغ نادى فيهم، فقال: يا فرسان السوء، يا حماة السوء، بئس ما قاتلتم القوم! إلي إلي! فعالج نحوًا من مائة فارس، فعطف عليهم، وهو يقول:

إن الفتى كل الفتى من لم يهل ** إذا الجبان حاد عن وقع الأسل

قد علمت أني إذا الباس نزل ** أروع يوم الهيج مقدامٌ بطل

ثم عطف عليهم فقاتلهم طويلًا، ثم عطف أصحابه من كل جانب، فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذي كانوا فيه، فلما رأى ذلك المستورد وأصحابه ظنوا أن معقلًا إن جاءهم على تفئة ذلك لم يكن دون قتله لهم شيء؛ فمضى هو وأصحابه حتى قطعوا دجلة، ووقعوا في أرض بهرسير، وقطع أبو الرواغ في آثارهم فاتبعهم، وجاء معقل بن قيس فاتبع إثر أبي الرواغ، فقطع في إثره دجلة، ومضى المستورد نحو المدينة العتيقة، وبلغ ذلك سماك بن عبيد، فخرج حتى عبر إليها، ثم خرج بأصحابه وبأهل المدائن، فصف على بابها، وأجلس رجالًا رماةً على السور، فبلغهم ذلك، فانصرفوا حتى نزلوا ساباط، وأقبل أبو الرواغ في طلب القوم حتى مر بسماك ابن عبيد بالمدائن، فخبره بوجههم الذي أخذوا فيه، فاتبعهم حتى نزل بهم ساباط.

قال ابن مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: لما نزل بنا أبو الرواغ دعا المستورد أصحابه، فقال: إن هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبي الرواغ هم حر أصحاب معقل، ولا والله ما قدم إليكم إلا حماته وفرسانه، والله لو أعلم أني إذا بادرت أصحابه هؤلاء إليه أدركته قبل أن يفارقوه بساعة لبادرتهم إليه، فليخرج منكم خارج فيسأل عن معقل أين هو؟ وأين بلغ؟ قال: فخرجت أنا فاستقبلت علوجًا أقبلوا من المدائن، فقلت لهم: ما بلغكم عن معقل بن قيس؟ قالوا: جاء فيج لسماك بن عبيد من قبله كان سرحه ليستقبل معقلًا فينظر أين انتهى؟ وأين يريد أن ينزل؟ فجاءه فقال: تركته نزل ديلمايا - وهي قرية من قرى إستان بهرسير إلى جانب دجلة، كانت لقدامة بن العجلان الأزدي - قال: له: كم بيننا وبينهم من هذا المكان؟ قالوا: ثلاثة فراسخ، أو نحو ذلك.

قال: فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، فقال لأصحابه: اركبوا، فركبوا، فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر ساباط - وهو جسر نهر الملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة - وأبو الرواغ وأصحابه مما يلي المدائن، قال: فجئنا حتى وقفنا على الجسر، قال: ثم قال لنا: لتنزل طائفةٌ منكم: قال: فنزل منا نحوٌ من خمسين رجلًا، فقال: اقطعوا هذا الجسر، فنزلنا فقطعناه، قال: فلما رأونا وقوفًا على الخيل ظنوا أنا نريد أن نعبر إليهم؛ قال: فصفوا لنا، وتعبوا، واشتغلوا بذلك عنا في قطعنا الجسر. ثم إنا أخذنا من أهل ساباط دليلًا فقلنا له: احضر بين أيدينا حتى ننتهي إلى ديلمايا، فخرج بين أيدينا يسعى، وخرجنا تلمع بنا خيلنا، فكان الخبب والوجيف، فما كان إلا ساعة حتى أطللنا على معقل وأصحابه وهم يتحملون، فما هو إلا أن بصر بنا وقد تفرق أصحابه عنه، ومقدمته ليست عنده، وأصحابه قد استقدم طائفةً منهم، وطائفة تزحل، وهم غارون لا يشعرون. فلما رآنا نصب رايته، ونزل ونادى: يا عباد الله، الأرض الأرض! فنزل معه نحو من مائتي رجل؛ قال: فأخذنا نحمل عليهم فيستقبلونا بأطراف الرماح جثاةً على الركب فلا نقدر عليهم. فقال لنا المستورد: دعوا هؤلاء إذا نزلوا وشدوا على خيلهم حتى تحولوا بينها وبينهم، فإنكم إن أصبتم خيلهم فإنهم لكم عن ساعة جزرٌ؛ قال: فشددنا على خيلهم، فحلنا بينهم وبينها، وقطعنا أعنتها، وقد كانوا قرنوها، فذهبت في كل جانب؛ قال: ثم ملنا على الناس المتزحلين والمتقدمين، فحملنا عليهم حتى فرقنا بينهم، ثم أقبلنا إلى معقل بن قيس وأصحابه جثاة على الركب على حالهم التي كانوا عليها، فحملنا عليهم، فلم يتحلحلوا، ثم حملنا عليهم أخرى، ففعلوا مثلها، فقال لنا المستورد: نازلوهم، لينزل إليهم نصفكم، فنزل نصفنا، وبقي نصفنا معه على الخيل، وكنت في أصحاب الخيل، قال: فلما نزل إليهم رجالتنا قاتلتهم، وأخذنا نحمل عليهم بالخيل، وطمعنا والله فيهم. قال: فوالله إنا لنقاتلهم ونحن نرى أن قد علوناهم إذ طلعت علينا مقدمة أصحاب أبي الرواغ، وهم حر أصحابه وفرسانهم، فلما دنوا منا حملوا علينا، فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا وصاحبهم. قال: فما علمته نجا منهم يومئذ أحدٌ غيري. قال: وإني أحدثهم رجلًا فيما أرى.

قال ابن مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: وحدثنا بهذا الحديث مرتين من الزمن، مرة في إمارة مصعب ابن الزبير بباجميرا، ومرةً ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم. قال: فقتل والله يومئذ بدير الجماجم يوم الهزيمة، وإنه لمقبل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه؛ قال: فقلت له بدير الجماجم: إنك قد حدثتني بهذا الحديث بباجميرا مع مصعب بن الزبير، فلم أسألك كيف نجوت من بين أصحابك؟ قال: أحدثك، والله إن صاحبنا لما أصيب قتل أصحابه إلا خمسة نفر أو ستة؛ قال: فشددنا على جماعة من أصحابه نحو من عشرين رجلًا، فانكشفوا.

قال: وانتهيت إلى فرس واقف عليه سرجه ولجامه، وما أدري ما قصة صاحبه أقتل أم نزل عنه صاحبه يقاتل وتركه! قال: فأقبلت حتى أخذت بلجامه، وأضع رجلي في الركاب وأتسوي عليه. قال: وشد والله أصحابه علي، فانتهوا إلي، وغمزت في جنب الفرس، فإذا هو والله أجود ما سخر، وركض منهم ناس في أثري فلم يعلقوا بي، فأقبلت أركض الفرس، وذلك عند المساء، فلما علمت أني قد فتهم وأمنت، أخذت أسير عليه خببًا وتقريبًا. ثم إني سرت عليه بذلك من سيره، ولقيت علجًا فقلت له: اسع بين يدي حتى تخرجني الطريق الأعظم، طريق الكوفة؛ ففعل، فوالله ما كانت إلا ساعة حتى انتهيت إلى كوثى، فجئت حتى انتهيت إلى مكان من النهر واسع عريض، فأقحمت الفرس فيه، فعبرته، ثم أقبلت عليه حتى آتي دير كعب، فنزلت فعقلت فرسي وأرحته وهومت تهويمة، ثم إني هببت سريعًا، فحلت في ظهر الفرس، ثم سرت في قطع من الليل فاتخذت بقية الليل جملًا، فصليت الغداة بالمزاحمية على رأس فرسخين من قبين، ثم أقبلت حتى أدخل الكوفة حين متع الضحى، فآتي من ساعتي شريك بن نملة المحاربي، فأخبرته خبري وخبر أصحابه، وسألته أن يلقى المغيرة بن شعبة فيأخذ لي منه أمانًا، فقال لي: قد أصبت الأمان إن شاء الله، وقد جئت ببشارة، والله لقد بت الليلة وإن أمر الناس ليهمني.

قال: فخرج شريك بن نملة المحاربي حتى أتى المغيرة مسرعًا فاستأذن عليه، فأذن له، فقال: إن عندي بشرى، ولي حاجة، فاقض حاجتي حتى أبشرك ببشارتي، فقال له: قضيت حاجتك، فهات بشراك؛ قال: تؤمن عبد الله بن عقبة الغنوي، فإنه كان مع القوم، قال: قد آمنته، والله لوددت أنك أتيتني بهم كلهم فآمنتهم. قال: فأبشر، فإن القوم كلهم قد قتلوا، كان صاحبي مع القوم، ولم ينج منهم فيما حدثني غيره. قال: فما فعل معقل بن قيس؟ قال: أصلحك الله! ليس له بأصحابنا علم. قال: فما فرغ من منطقة حتى قدم عليه أبو الرواغ ومسكين بن عامر بن أنيف مبشرين بالفتح، فأخبروا أن معقل بن قيس والمستورد بن علفة مشى كل واحد منهما إلى صاحبه، بيد المستورد الرمح وبيد معقل السيف، فالتقيا، فأشرع المستورد الرمح في صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره، فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيف أم الدماغ، فخرا ميتين.

قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما رأينا المستورد بن علفة وقد نزلنا به ساباط أقبل إلى الجسر فقطعه، كنا نظن أنه يريد أن يعبر إلينا. قال: فارتفعنا عن مظلم ساباط إلى الصحراء التي بين المدائن وساباط فتعبأنا وتهيأنا، فطال علينا أن نراهم يخرجون إلينا. قال: فقال أبو الرواغ: إن لهؤلاء لشأنًا، ألا رجل يعلم لنا علم هؤلاء؟ فقلت: أنا ووهيب بن أبي أشاءة الأزدي: نحن نعلم لك علم ذلك، ونأتيك بخبرهم، فقربنا على فرسينا إلى الجسر فوجدناه مقطوعًا، فظننا القوم لم يقطعوه إلا هيبةً لنا ورعبًا منا، فرجعنا نركض سراعًا حتى انتهينا إلى صاحبنا، فأخبرناه بما رأينا، فقال: ما ظنكم؟ قال: فقلنا: لم يقطعوا الجسر إلا لهيبتنا ولما أدخل الله في قلوبهم من الرعب منا. قال: لعمري ما خرج القوم وهم يريدون الفرار، ولكن القوم قد كادوكم، أتسمعون! والله ما أراهم إلا قالوا: إن معقلًا لم يبعث إليكم أبا الرواغ إلا في حر أصحابه، فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا، وجدوا في السير نحو معقل وأصحابه، فإنكم تجدونهم غارين آمنين إن تأتوهم؛ فقطعوا الجسر لكيما يشغلوكم به عن لحاقكم إياهم حتى يأتوا أميركم على غرة، النجاء النجاء في الطلب! قال: فوقع في أنفسنا أن الذي قال لنا كما قال. قال: فصحنا بأهل القرية؛ قال: فجاءوا سراعًا: فقلنا لهم: عجلوا عقد الجسر، واستحثناهم فما لبثوا أن فرغوا منه، ثم عبرنا عليه، فاتبعناهم سراعًا ما نلوي على شيء، فلزمنا آثارهم، فوالله ما زلنا نسأل عنهم، فيقال: هم الآن أمامكم، لحقتموهم، ما أقربكم منهم، فوالله ما زلنا في طلبهم حرصًا على لحاقهم حتى كان أول من استقبلنا من الناس فلهم وهم منهزمون لا يلوي أحدٌ على أحد. فاستقبلهم أبو الرواغ، ثم صاح بالناس: إلي إلي؛ فأقبل الناس إليه، فلاذوا به، فقال: ويلكم! ما وراءكم؟ فقالوا: لا ندري، لم يرعنا إلا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرقون، فشدوا علينا، ففرقوا بيننا، قال: فما فعل الأمير؟ فقائل يقول: نزل وهو يقاتل؛ وقائل يقول: ما نراه إلا قتل؛ فقال لهم: أيها الناس، ارجعوا معي، فإن ندرك أميرنا حيًا نقاتل معه، وإن نجده قد هلك قاتلناهم، فنحن فرسان أهل المصر المنتخبون لهذا العدو، فلا يفسدن فيكم رأي أميركم بالمصر، ولا رأى أهل المصر، وايم الله لا ينبغي لكم إن عاينتموه وقد قتلوا معقلًا أن تفارقوهم حتى تبيروهم أو تباروا، سيروا على بركة الله. فساروا وسرنا، فأخذ لا يستقبل أحدًا من الناس إلا صاح به ورده، ونادى وجوه أصحابه وقال: اضربوا وجوه الناس وردوه. قال: فأقبلنا نرد الناس حتى انتهينا إلى العسكر، فإذا نحن براية معقل بن قيس منصوبة، فإذا معه مائتا رجل أو أكثر فرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل، وإذا هم يقتتلون أشد قتال سمع الناس به، فلما طلعنا عليهم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلون أصحابنا، وإذا أصحابنا على ذلك صابرون يجالدونهم، فلما رأونا كروا ثم شدوا على الخوارج، فارتفعت الخوارج عنهم غير بعيد، وانتهينا إليهم، فنظر أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمر أصحابه ويحرضهم، فقال له: أحيٌّ أنت فداك عمي وخالي! قال: نعم؛ فشد القوم، فنادى أبو الرواغ أصحابه: ألا ترون أميركم حيًا، شدوا على القوم، قال: فحمل وحملنا على القوم بأجمعنا؛ قال: فصدمنا خيلهم صدمةً منكرة، وشد عليهم معقل وأصحابه، فنزل المستورد، وصاح بأصحابه: يا معشر الشراة، الأرض الأرض، فإنها والله الجنة! والذي لا إله غيره لمن قتل صادق النية في جهاد هؤلاء الظلمة وجلاحهم، فتنازلوا من عند آخرهم، فنزلنا من عند آخرنا، ثم مضينا إليه منصلتين بالسيوف، فاضطربنا بها طويلًا من النهار كأشد قتال اقتتله الناس قط، غير أن المستورد نادى معقلًا فقال: يا معقل، ابرز لي، فخرج إليه معقل، فقلنا له: ننشدك أن تخرج إلى هذا الكلب الذي قد آيسه الله من نفسه! قال: لا والله لا يدعوني رجل إلى مبارزة أبدًا فأكون أنا الناكل؛ فمشى إليه بالسيف، وخرج الآخر إليه بالرمح، فناديناه أن القه برمح مثل رمحه، فأبى، وأقبل عليه المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره، وضربه معقلٌ بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ، فوقع ميتًا، وقتل معقل، وقال لنا حين برز إليه: إن هلكت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب السعدي ثم المنقري: قال: فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو: إن قتلت فعليكم أبو الرواغ، فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف، وإنه يومئذ لفتىً حدث، ثم شد برايته، وأمر الناس أن يشدوا عليهم؛ فما لبثوهم أن قتلوهم. هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو: إن قتلت فعليكم أبو الرواغ، فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف، وإنه يومئذ لفتىً حدث، ثم شد برايته، وأمر الناس أن يشدوا عليهم؛ فما لبثوهم أن قتلوهم.

ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان

ومما كان في هذه السنة تولية عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم بن ظبيان خراسان وانصراف قيس بن الهيثم عنه، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر أبو مخنف عن مقاتل بن حيان - أن ابن عامر استبطأ قيس بن الهيثم بالخراج، فأراد أن يعزله، فقال له ابن خازم: ولني خراسان فأكفيكها وأكفيك قيس بن الهيثم. فكتب له عهده أو هم بذلك، فبلغ قيسًا أن ابن عامر وجد عليه، وإمساكه عن الهدية، وأنه قد ولي ابن خازم، فخاف ابن خازم أن يشاغبه ويحاسبه، فترك خراسان، وأقبل فازداد عليه ابن عامر غضبًا، وقال: ضيعت الثغر! فضربه وحبسه، وبعث رجلًا من بني يشكر على خراسان.

قال ابن مخنف: بعث ابن عامر أسلم بن زرعة الكلابي حين عزل قيس ابن الهيثم؛ قال علي بن محمد: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفي، عن أشياخه، أن ابن عامر استعمل قيس بن الهيثم على خراسان أيام معاوية، فقال له ابن خازم: إنك وجهت إلى خراسان رجلًا ضعيفًا، وإني أخاف إن لقي حربًا أن ينهزم بالناس، فتهلك خراسان، وتفتضح أخوالك. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهدًا: إن هو انصرف عن عدوك قمت مقامه. فكتب له، فجاشت جماعةٌ من طخارستان، فشاور قيس ابن الهيثم فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه؛ فانصرف، فلما سار من مكانه مرحلةً أو مرحلتين أخرج ابن خازم عهده، وقام بأمر الناس، ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر المصرين والشأم فغضب القيسية وقالوا: خدع قيسًا وابن عامر؛ فأكثروا في ذلك حتى شكوا إلى معاوية، فبعث إليه فقدم، فاعتذر مما قيل فيه؛ فقال له معاوية: قم فاعتذر إلى الناس غدًا؛ فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال: إني قد أمرت بالخطبة، ولست بصاحب كلام، فاجلسوا حول المنبر، فإذا تكلمت فصدقوني، فقام من الغد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمامٌ لا يجد منها بدًا، أو أحمق يهمر من رأسه لا يبالي ما خرج منه، ولست بواحد منهما؛ وقد علم من عرفني أني بصير بالفرس وثاب عليها، وقاف عند المهالك، أنفذ بالسرية، وأقسم بالسوية؛ أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك مني لما صدقني! قال أصحابه حول المنبر: صدقت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ممن نشدت فقل بما تعلم؛ قال: صدقت.

قال علي: أخبرنا شيخٌ من بني تميم يقال له معمر، عن بعض أهل العلم أن قيس بن الهيثم قدم على ابن عامر من خراسان مراغمًا لابن خازم، قال: فضربه ابن عامر مائةً وحلقه وحبسه، قال: فطلبت إليه أمه، فأخرجه.

وحج بالناس في هذه السنة - فيما قيل - مروان بن الحكم، وكان على المدينة، وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة وفارس وسجستان وخراسان عبد الله بن عامر، وعلى قضائها عمير بن يثربي.

ثم دخلت سنة أربع وأربعين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك دخول المسلمين مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومشتاهم بها، وغزو بسر بن أبي أرطاة البحر.

عزل عبد الله بن عامر عن البصرة

وفي هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة.

ذكر الخبر عن سبب عزله

كان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلًا لينًا كريمًا، لا يأخذ على أيدي السفهاء، ففسدت البصرة بسبب ذلك أيام عمله بها لمعاوية فحدثني عمر بن شبة، قال: أخبرنا يزيد الباهلي، قال: شكا ابن عامر إلى زياد فساد الناس وظهور الخبث، فقال: جرد فيهم السيف، فقال: إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي.

حدثني عمر، قال: قال أبو الحسن: كان ابن عامر لينًا سهلًا، سهل الولاية، لا يعاقب في سلطانه، ولا يقطع لصًا، فقيل له في ذلك؛ فقال: أنا أتألف الناس، فكيف أنظر إلى رجل قد قطعت أباه وأخاه!

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة بن محارب، قال: وفد ابن الكواء، واسم ابن الكواء عبد الله بن أبي أوفى إلى معاوية، فسأله عن الناس، فقال ابن الكواء: أما أهل البصرة فقد غلب عليها سفهاؤها، وعاملها ضعيف، فبلغ ابن عامر قول ابن الكواء، فاستعمل طفيل ابن عوف اليشكري على خراسان، وكان الذي بينه وبين ابن الكواء متباعدًا، فقال ابن الكواء: إن ابن دجاجة لقليل العلمفي، أظن أن ولاية طفيل خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق في الأرض يشكريٌّ إلا عاداني، وأنه ولاهم. فعزل معاوية ابن عامر، وبعث الحارث بن عبد الله الأزدي. قال: وقال القحذمي: قال ابن عامر: أي الناس أشد عداوةً لابن الكواء؟ قالوا: عبد الله بن أبي شيخ، فولاه خراسان؛ فقال ابن الكواء ما قال.

وذكر عن عمر، عن أبي الحسن، عن شيخ من ثقيف وابي عبد الرحمن الإصبهاني، أن ابن عامر أوفد إلى معاوية وفدًا، فوافقوا عنده وفد أهل الكوفة، وفيهم ابن الكواء اليشكري، فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل البصرة خاصة؛ فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين، إن أهل البصرة أكلهم سفهاؤهم، وضعف عنهم سلطانهم، وعجز ابن عامر وضعفه. فقال له معاوية: تكلم عن أهل البصرة وهم حضور! فلما انصرف الوفد إلى البصرة بلغوا ابن عامر ذلك، فغضب، فقال: أي أهل العراق أشد عداوةً لابن الكواء! فقيل له: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، وبلغ ابن الكواء ذلك فقال ما قال.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: لما ضعف ابن عامر عن عمله، وانتشر الأمر بالبصرة عليه، كتب إليه معاوية يستزيره، قال عمر: فحدثني أبو الحسن أن ذلك كان في سنة أربع وأربعين، وأنه استخلف على البصرة قيس ابن الهيثم، فقدم على معاوية، فرده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: إني سائلك ثلاثًا، فقل: هن لك. قال: هن لك وأنا ابن أم حكيم، قال: ترد علي عملي. ولا تغضب، قال: قد فعلت؛ قال: وتهب لي مالك بعرفة؛ قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة؛ قال: قد فعلت، قال: وصلتك رحم! قال: فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين، إني سائلك ثلاثًا فقل: هن لك؛ قال: هن لك وأنا ابن هند؛ قال: ترد علي مالي بعرفة، قال: قد فعلت، قال: ولا تحاسب لي عاملًا، ولا تتبع لي أثرًا. قال: قد فعلت، قال: وتنكحني ابنتك هندًا؛ قال: قد فعلت.

قال: ويقال: إن معاوية قال له: اختر بين أن أتتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك، وأردك إلى عملك، وبين أن أسوغك ما أصبت، وتعتزل، فاختار أن يسوغه ذلك ويعتزل.

استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه

وفي هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل.

حدثني عمر بن شبة، قال: زعموا أن رجلًا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يدًا، فإن أذنت لي أتيته، قال: على أن تحدثني ما يجري بينك وبينه؛ قال: نعم، فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري، ويعرض بعمالي! لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم ير سمية؛ قال: فلما رجع سأله زياد، فأبى أن يخبره، فلم يدعه حتى أخبره، فأخبر ذلك زيادٌ معاوية، فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك به، فأتى ابن عامر يزيد، فشكا إليه ذلك، فقال له: هل ذكرت زيادًا؟ قال: نعم، فركب معه يزيد حتى أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وفي يده قضيبٌ يضرب به الأبواب، ويتمثل:

لنا سياقٌ ولكم سياق ** قد علمت ذلكم الرفاق

ثم قعد فقال: يابن عامر، أنت القائل في زياد ما قلت! أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية، وإن الإسلام لم يزدني إلا عزًا، وأني لم أتكثر بزيادٍ من قلة، ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقًا له فوضعته موضعه، فقال: يا أمير المؤمنين، نرجع إلى ما يحب زياد، قال: إذًا نرجع إلى ما تحب؛ فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه.

حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هاشم، عن عمر بن بشير الهمداني، عن أبي إسحاق، أن زيادًا لما قدم الكوفة، قال: قد جئتكم في أمرٍ ما طلبته إلا إليكم، قالوا: ادعنا إلى ما شئت، قال: تلحقون نسبي بمعاوية؛ قالوا: أما بشهادة الزور فلا؛ فأتى البصرة، فشهد له رجل.

وحج بالناس في هذه السنة معاوية.

وفيها عمل مروان المقصورة، وعملها - أيضًا فيما ذكر - معاوية بالشأم. وكانت العمال في الأمصار فيها العمال الذين ذكرنا قبل أنهم كانوا العمال في سنة ثلاث وأربعين.

ثم دخلت سنة خمس وأربعين

ذكر الأحداث المذكورة التي كانت فيها

فمن ذلك استعمال معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي فيها على البصرة. فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: عزل معاوية ابن عامر وولى الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أول سنة خمس وأربعين، فأقام بالبصرة أربعة أشهر، ثم عزله. قال: وقد قيل: هو الحارث بن عمرو وابن عبد عمرو، وكان من أهل الشأم، وكان معاوية عزل ابن عامر ليولي زيادًا، فولى الحارث كالفرس المحلل، فولى الحارث شرطته عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ثم عزله معاوية وولاها زيادًا.

ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة

حدثني عمر، قال: حدثنا عليٌّ، قال: حدثنا بعض أهل العلم أن زيادًا لما قدم الكوفة ظن المغيرة أنه قدم واليًا على الكوفة، فأقام زياد في دار سلمان بن ربيعة الباهلي، فأرسل إليه المغيرة وائل بن حجر الحضرمي أبا هنيدة، وقال له: اعلم لي علمه. فأتاه فلم يقدر منه على شيء، فخرج من عنده يريد المغيرة، وكان زاجرًا، فرأى غرابًا ينعق، فرجع إلى زياد فقال: يا أبا المغيرة، هذا الغراب يرحلك عن الكوفة. ثم رجع إلى المغيرة، وقدم رسول معاوية على زياد من يومه: أن سر إلى البصرة.

وأما عبد الله بن أحمد المروزي فحدثني، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن إسحاق - يعني ابن يحيى - عن معبد بن خالد الجدلي، قال: قدم علينا زيادٌ - الذي يقال له ابن أبي سفيان - من عند معاوية، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي ينتظر أمر معاوية. قال: فبلغ المغيرة بن شعبة - وهو أميرٌ على الكوفة - أن زيادًا ينتظر أن تجيء إمارته على الكوفة، فدعا قطن بن عبد الله الحارثي فقال: هل فيك من خير؟ تكفيني الكوفة حتى آتيك من عند أمير المؤمنين؛ قال: ما أنا بصاحب ذا، فدعا عتيبة بن النهاس العجلي، فعرض عليه فقبل، فخرج المغيرة إلى معاوية، فلما قدم عليه سأله أن يعزله، وأن يقطع له منازل بقرقيسيا بين ظهري قيس، فلما سمع بذلك معاوية خاف بائقته، وقال: والله لترجعن إلى عملك يا أبا عبد الله. فأبى عليه، فلم يزده ذلك إلا تهمة، فرده إلى عمله، فطرقنا ليلًا، وإني لفوق القصر أحرسه، فلما قرع الباب أنكرناه، فلما خاف أن ندلي عليه حجرًا تسمى لنا، فنزلت إليه فرحبت له وسلمت، فتمثل:

بمثلي فافزعي يا أم عمرٍو ** إذا ما هاجني السفر النعور

اذهب إلى ابن سمية فرحله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر. فخرجنا فأتينا زيادًا، فأخرجناه حتى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يصبح.

فحدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة والهذلي وغيرهما أن معاوية استعمل زيادًا على البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، وقدم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر - أو غرة جمادى الأولى - سنة خمس، والفسق بالبصرة ظاهر، فاشٍ، فخطب خطبةً بتراء لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد الله فقال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه، اللهم كما رزقتنا نعمًا، فألهمنا شكرًا على نعمتك علينا.

أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والفجر الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تسمعوا بآي الله، ولم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا به؛ من ترككم هذه المواخير المنصوبة، والضعيفة المسلوبة، في النهر المبصر، والعدد غير قليل! ألم تكن منكم نهاةٌ تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغطون على المختلس، كل امرىءٍ منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عقابًا، ولا يرجو معادًا. ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، ولم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسًا في مكانس الريب. حرم علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لينٌ في غير ضعف، وشدة في غير جبرية وعنف. وإني اقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر تبقى مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في واعلموا أن عندي أمثالها من بيت منكم فأنا ضامنٌ لما ذهب له. إياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إلي. وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدًا ادعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قومًا غرقته، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتًا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفنته فيه حيًا؛ فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف يدي وأذاي، لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه.

وقد كانت بيني وبين أقوام إحن، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان مسيئًا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره؛ فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئسٍ بقدومنا سيسر، ومسرورٍ بقدومنا سيبتئس.

أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم. واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل؛ ولا حابسًا رزقًا ولا عطاءً عن إبانه، ولا مجمرًا لكم بعثًا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا يصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم كان شرًا لكم.

أسأل الله أن يعين كلًا على كل؛ وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىءٍ منكم أن يكون من صرعاي.

قال: فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود عليه السلام.

قال الأحنف: قد قلت فأحسنت أيها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلى؛ فقال زياد: صدقت.

فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس وهو يقول: أنبأ الله بغير ما قلت، قال الله عز وجل: " وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى "؛ فأوعدنا الله خيرًا مما واعدت يا زياد، فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلًا حتى نخوض إليها الدماء.

حدثني عمر، قال: حدثنا خلاد بن يزيد، قال: سمعت من يخبر عن الشعبي، قال: ما سمعت متكلمًا قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفًا أن يسيء إلا زيادًا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلامًا.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، قال: استعمل زيادٌ على شرطته عبد الله بن حصن، فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة، وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلي ثم يصلي؛ يأمر رجلًا فيقرأ سورة البقرة، ومثلها، يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانًا يبلغ الخريبة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج ولا يرى إنسانًا إلا قتله. قال: فأخذ ليلةً أعرابيًا، فأتى به زيادًا فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله، قدمت بحلوبة لي، وغشيني الليل، فاضطررتها إلى موضع، فأقمت لأصبح، ولا علم لي بما كان من الأمير. قال: أظنك والله صادقًا، ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة؛ ثم أمر به فضربت عنقه.

وكان زياد أول من شد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وألزم الناس الطاعة، وتقدم في العقوبة، وجرد السيف، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس في سلطانه خوفًا شديدًا، حتى أمن الناس بعضهم بعضًا، حتى كان الشيء يسقط من الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها، وساس الناس سياسةً لم ير مثلها، وهابه الناس هيبةً لم يهابوها أحدًا قبله، وأدر العطاء، وبنى مدينة الرزق.

قال: وسمع زياد جرسًا من دار عمير، فقال: ما هذا؟ فقيل: محترس. قال: فليكف عن هذا، أنا ضامنٌ لما ذهب له، ما أصاب من إصطخر.

قال: وجعل زياد الشرط أربعة آلاف، عليهم عبد الله بن حصن، أحد بني عبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن، والجعد بن قيس النميري صاحب طاق الجعد، وكانا جميعًا على شرطه، فبينا زياد يومًا يسير وهما بين يديه يسيران بحربتين، تنازعا بين يديه، فقال زياد: يا جعد، ألق الحربة، فألقاها، وثبت ابن حصن على شرطه حتى مات زياد.

وقيل: إنه ولي الجعد أمر الفساق، وكان يتتبعهم؛ وقيل لزياد: إن السبل مخوفة؛ فقال: لا أعاني شيئًا سوى المصر حتى أغلب على المصر وأصلحه، فإن غلبني المصر فغيره أشد غلبة؛ فلما ضبط المصر تكلف ما سوى ذلك فأحكمه. وكان يقول: لو ضاع حبلٌ بيني وبين خراسان علمت من أخذه.

وكت خمسمائة من مشيخة أهل البصرة في صحابته، فرزقهم ما بين الثلثمائة إلى الخمسمائة، فقال فيه حارثة بن بدر الغداني:

ألا من مبلغٌ عني زيادًا ** فنعم أخو الخليفة والأمير!

فأنت إمام معدلةٍ وقصدٍ ** وحزمٍ حين تحضرك الأمور

أخوك خليفة الله ابن حربٍ ** وأنت وزيره، نعم الوير!

تصيب على الهوى منه وتأتي ** محبك ما يجن لنا الضمير

بأمر الله منصورٌ معانٌ ** إذا جار الرعية لا تجور

يدر على يديك لما أرادوا ** من الدنيا لهم حلبٌ غزير

وتقسم بالسواء فلا غنيٌّ ** لضيمٍ يشتكيك ولا فقير

تقاسمت الرجال به هواها ** فما تخفي ضغائنها الصدور

وخاف الحاضرون وكل بادٍ ** يقيم على المخافة أو يسير

فلما قام سيف الله فيهم ** زيادٌ قام أبلج مستنير

قويٌّ لا من الحدثان غرٌّ ** ولا جزعٌ ولا فانٍ كبير

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: استعان زيادٌ بعدةٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمران بن الحصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان، وسمرة ابن جندب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة؛ فاستعفاه عمران فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصم بن فضالة، ثم زرارة بن أوفى الحرشي، وكانت أخته لبابة عند زياد.

وقيل: إن زيادًا أول من سير بين يديه بالحراب، ومشى بين يديه بالعمد، واتخذ الحرس رابطة خمسمائة، واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان، من بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: جعل زيادٌ خراسان أرباعًا، واستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكري، وعلى أبرشهر خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وقادس وبوشنج نافع بن خالد الطاحي.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة بن محارب وابن أبي عمرو؛ شيخ من الأزد، أن زيادًا عتب على نافع بن خالد الطاحي، فحبسه، وكتب عليه كتابًا بمائة ألف، وقال بعضهم: ثمانمائة ألف، وكان سبب موجدته عليه أنه بعث بخوان بازهر قوائمه منه، فأخذ نافع قائمة، وجعل مكانها قائمة من ذهب، وبعث بالخوان إلى زياد مع غلام له يقال له زيد، كان قيمه على أمره كله، فسعى زيدٌ بنافع، وقال لزياد: إنه قد خانك، وأخذ قائمةً من قوائم الخوان، وجعل مكانها قائمة من ذهب، قال: فمشى رجال من وجوه الأزد إلى زياد، فيهم سيف بن وهب المعولي، وكان شريفًا، وله يقول الشاعر:

اعمد بسيفٍ للسماحة والندى ** واعمد بصبرة للفعال الأعظم

قال: فدخلوا على زياد وهو يستاك، فتمثل زيادٌ حين رآهم:

اذكر بنا موقف أفراسنا ** بالحنو إذ أنت إلينا فقير

قال: وأما الأزد فيقولون: بل تمثل سيف بن وهب أبو طلحة المعولي بهذا البيت حين دخل على زياد، فقال: نعم. قال: وإنما ذكره أيام أجاره صبرة، فدعا زياد بالكتاب فمحاه بسواكه وأخرج نافعًا.

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، أن زيادًا عزل نافع بن خالد الطاحي وخليد بن عبد الله الحنفي وأمير بن أحمر اليشكري، فاستعمل الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليك - ونعيلة أخو غفار بن مليك - ولكنهم قليل، فصاروا إلى غفار.

قال مسلمة: أمر زيادٌ حاجبه فقال: ادع لي الحكم - وهو يريد الحكم ابن أبي العاص الثقفي - فخرج الحاجب فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فأدخله، فقال: زيادٌ: رجل له شرف وله صحبةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقد له على خراسان، ثم قال له: ما أردتك، ولكن الله عز وجل أرادك.

حدثني عمر قال: حدثنا علي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفي ومحمد بن الفضل، عن أبيه؛ أن زيادًا لما ولي العراق استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، وجعل معه رجالًا على كورٍ، وأمرهم بطاعته، فكانوا على جباية الخراج، وهم أسلم بن زرعة، وخليد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن خالد الطاحي، وربيعة بن عسل اليربوعي، وأمير بن أحمر اليشكري، وحاتم بن النعمان الباهلي؛ فمات الحكم بن عمرو، وكان قد غزا طخارستان، فغنم غنائم كثيرة، واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم، وكان كتب إلى زياد: إني قد رضيته لله وللمسلمين ولك، فقال زياد: اللهم إني لا أرضاه لدينك ولا للمسلمين ولا لي. وكتب زيادٌ إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي إلى خراسان في خمسين ألفًا؛ من البصرة خمسة وعشرين ألفًا، ومن الكوفة خمسةً وعشرين ألفًا، على أهل البصرة الربيع، وعلى أهل الكوفة عبد الله ابن أبي عقيل، وعلى الجماعة الربيع بن زياد.

وقيل: حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو على المدينة، وكانت الولاة والعمال على الأمصار في هذه السنة من تقدم ذكره قبل؛ المغيرة ابن شعبة على الكوفة، وشريح على القضاء بها، وزياد على البصرة، والعمال من قد سميت قبل.

وفي هذه السنة كان مشتى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرض الروم.

ثم دخلت سنة ست وأربعين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل بل كان مالك بن هبيرة السكوني.

خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه

وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربةً مسمومةً - فيما قيل - فشربها فقتلته.

ذكر الخبر عن سبب هلاكه

وكان السبب في ذلك ما حدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة ابن محارب؛ أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشأم، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفًا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربةً مسمومةً مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه.

قال: وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة، فجلس يومًا إلى عروة بن الزبير، فسلم عليه، فقال له عروة: من أنت؟ قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقام خالد من عنده، وشخص متوجهًا إلى حمص، ثم رصد بها ابن أثال، فرآه يومًا راكبًا، فاعترض له خالد بن عبد الرحمن، فضربه بالسيف، فقتله، فرفع إلى معاوية، فحبسه أيامًا، وأغرمه ديته، ولم يقده منه. ورجع خالدٌ إلى المدينة، فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة. وقال خالد بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال:

أنا ابن سيف الله فاعرفوني ** لم يبق إلا حسبي وديني

وصارمٌ صل به يميني

ذكر خروج سهم والخطيم

وفيها خرج الخُطيم وسهم بن غالب الهجيمي، فحكما، وكان من أمرهما ما حدثني به عمر، قال: حدثنا علي، قال: لما ولي زياد خافه سهم ابن غالب الهجيمي والخطيم - وهو يزيد بن مالك الباهلي - فأما سهم فخرج إلى الأهواز فأحدث وحكم، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمنه زياد، وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه. وأما الخطيم فإن زيادًا سيره إلى البحرين، ثم أذن له فقدم، فقال له: الزم مصرك؛ وقال لمسلم ابن عمرو: اضمنه؛ فأبى وقال: إن بات عن بيته أعلمتك. ثم أتاه مسلم فقال: لم يبت الخطيم الليلة في بيته، فأمر به فقتل، وألقي في باهلة.

وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وكان العمال والولاة فيها العمال والولاة في السنة التي قبلها.

ثم دخلت سنة سبع وأربعين

ذكر الأحداث التي كانت فيها

ففيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى أبي عبد الرحمن القيني بأنطاكية.

ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن خديج وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر، ووليها معاوية ابن حديج، وسار - فيما ذكر الواقدي - في المغرب، وكان عثمانيًا. قال: ومر به عبد الرحمن بن أبي بكر وقد جاء من الإسكندرية، فقال له: يا معاوية، قد لعمري أخذت من معاوية جزاءك، قتلت محمد بن أبي بكر لأن تلي مصر، فقد وليتها. قال: ما قتلت محمد بن أبي بكر إلا بما صنع بعثمان؛ فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنع عمرو بن العاص بالأشعري ما صنع، فوثبت أول الناس فبايعته.

ذكر غزو الغور

وقال بعض أهل السير: وفي هذه السنة وجه زياد الحكم بن عمرو الغفاري إلى خراسان أميرًا، فغزا جبال الغور وفراونده، فقهرهم بالسيف عنوةً ففتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة وسبايا؛ وسأذكر من خالف هذا القول بعد إن شاء الله تعالى.

وذكر قائل هذا القول أن الحكم بن عمرو قفل من غزوته هذه، واختلفوا فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال الواقدي: أقام الحج في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وقال غيره: بل الذي حج في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان.

وكانت الولاة والعمال على الأمصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمال والولاة في السنة التي قبلها.

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين

ذكر الأحداث التي كانت فيها

وكان فيها مشتى أبي عبد الرحمن القيني أنطاكية، وصائفة عبد الله ابن قيس الفزاري وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر، وغزوة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر البحر، وبأهل المدينة، وعلى أهل المدينة المنذر بن الزهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

وقال بعضهم: فيها وجه زيادٌ غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم في قول عامة أهل السير، وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجاعه منه فدك، وقد كان وهبها له.

وكانت ولاة الأمصار وعمالها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التي قبلها.

ثم دخلت سنة تسع وأربعين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فكان فيها مشتى مالك بن هبيرة السكوني بأرض الروم.

وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة، وشتا بجربة، وفتحت على يديه، وأصاب فيها سبيًا كثيرًا.

وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي.

وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر، فشتا بأهل الشأم.

وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر، فشتا بأهل مصر.

وفيها كانت غزوة يزيد بن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري.

وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في شهر ربيع الأول.

وأمر فيها سعيد بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر؛ وقيل في شهر ربيع الأول.

وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين.

وكان على قضاء المدينة لمروان - فيما زعم الواقدي - حين عزل عبد الله بن الحارث بن نوفل، فلما ولي سعيد بن العاص عزله عن القضاء، واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.

وقيل: في هذه السنة وقع الطاعون بالكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعت إلى الكوفة! فقدمها فطعن فمات؛ وقد قيل: مات المغيرة سنة خمسين، وضم معاوية الكوفة إلى زياد، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة.

وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.

وكانت الولاة والعمال في هذه السنة التي قبلها، إلا عامل الكوفة فإن في تاريخ هلاك المغيرة اختلافًا، فقال: بعض أهل السير: كان هلاكه في سنة تسع وأربعين؛ وقال بعضهم: في سنة خمسين.

ثم دخلت سنة خمسين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

ففيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم.

وقيل: كانت فيها غزوة فضالة بن عبيد الأنصاري البحر.

ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة وفيها - في قول الواقدي والمدائني - كانت وفاة المغيرة بن شعبة. قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن أبي موسى الثقفي، عن أبيه، قال: كان المغيرة بن شعبة رجلًا طوالًا، مصاب العين، أصيب باليرموك، توفي في شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة.

وأما عوانة فإنه قال - فيما حدثت عن هشام بن محمد، عنه: هلك المغيرة سنة إحدى وخمسين.

وقال بعضهم: بل هلك سنة تسع وأربعين.

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: كان زيادٌ على البصرة وأعمالها إلى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها، فكتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة، فاستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وشخص إلى الكوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة، وستة أشهر بالبصرة.

حدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة بن محارب، قال: لما مات المغيرة جمعت العراق لزياد، فأتى الكوفة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق، وأن حقكم طالما دفع الباطل، فأتيتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا.. حتى فرغ من الخطبة، فصحب على المنبر، فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قومًا من خاصته، وأمرهم، فأخذوا أبواب المسجد، ثم قال: ليأخذ لك رجل منكم جليسه، ولا يقولن: لا أدري من جليسي؟ ثم أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعةً أربعةً يحلفون بالله ما منا من حصبك، فمن حلف خلاه، ومن لم يحلف حبسه وعزله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا ثمانين، فقطع أيديهم على المكان.

قال الشعبي: فوالله ما تعلقنا عليه بكذبة، وما وعدنا خيرًا ولا شرًا إلا أنفذه.

حدثني عمر قال: حدثنا علي، عن سلمة بن عثمان، قال: بلغني عن الشعبي أنه قال: أول رجل قتله زيادٌ بالكوفة أوفى بن حصن، بلغه عنه شيء فطلبه فهرب، فعرض الناس زياد، فمر به، فقال: من هذا؟ قالوا أوفى بن حصن الطائي؛ فقال زياد: أتتك بحائن رجلاه، فقال أوفى:

إن زيادًا أبا المغيرة لا ** يعجل والناس فيهم عجله

خفتك والله فاعلمن حلفي ** خوف الحفافيث صولة الأصلة

فجئت إذ ضاقت البلاد فلم ** يكن عليها لخائفٍ وأله

قال: ما رأيك في عثمان؟ قال ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه، ولم أنكره، ولي محصور رأي، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: جواد حليم؛ قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلت بالبصرة: والله لآخذن البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر؛ قال: قد قلت ذاك، قال: خبطتها عشواء؛ قال زياد: ليس النافخ بشر الزمرة، فقتله؛ فقال عبد الله بن همام السلولي:

خيب الله سعي أوفى بن حصنٍ ** حين أضحى فروجة الرقاء

قاده الحين والشقاء إلى لي ** ث عرينٍ وحيةٍ صماء

قال: ولما قدم زياد الكوفة أتاه عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فقال: إن عمرو بن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبي تراب، فقال له عمرو بن حريث: ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقنه ولا تدري ما عاقبته! فقال زياد: كلاكما لم يصب، أنت حيث تكلمني في هذا علانيةً وعمرو حين يردك عن كلامك، قوما إلى عمرو بن الحمق فقولا له: ما هذه الزرافات التي تجتمع عندك! من أرادك أو أردت كلامه ففي المسجد.

قال: ويقال: إن الذي رفع على عمرو بن الحمق وقال له: قد أنغل المصرين، يزيد بن رويم، فقال عمرو بن الحريث: ما كان قط أقبل على ما ينفعه منه اليوم؛ فقال زياد ليزيد بن رويم: أما أنت فقد أشطت بدمه، وأما عرمو فقد حقن دمه، ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ماهجته حتى يخرج علي.

واتخذ زيادٌ المقصورة حين حصبه أهل الكوفة.

وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سمرة بن جندب. فحدثني عمر، قال: حدثني إسحاق بن إدريس، قال: حدثني محمد ابن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحدًا؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب! استخلفه زيادٌ على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلافٍ من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدًا بريئًا؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت - أو كما قال.

حدثني عمر، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحداني، عن أبي سوار العدوي، قال: قتل سمرة من قومي في غداةٍ سبعة وأربعين رجلًا قد جمع القرآن.

حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، عن جعفر الصدفي، عن عوف، قال: أقبل سمرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم، ففجأ أوائل الخيل، فحمل عليه رجلٌ من القوم فأوجره الحربة. قال: ثم مضت الخيل، فأتى عليه سمرة بن جندب، وهو متشحط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: اصابته أوائل خيل الأمير؛ قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا.

خروج قريب وزحاف حدثني عمر قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن زيد، قال: خرج قريب وزحاف، وزياد بالكوفة، وسمرة بالبصرة، فخرجا ليلًا، فنزلا بني يشكر، وهم سبعون رجلًا، وذلك في رمضان، فأتوا بني ضبيعة وهم سبعون رجلًا، فمروا بشيخ منهم يقال له حكام، فقال حين رآهم: مرحبًا بأبي الشعثاء! فرآه ابن حصين فقتلوه، وتفرقوا في مساجد الأزد، وأتت فرقةٌ منهم رحبة بني علي، وفرقة مسجد المعادل، فخرج عليهم سيف بن وهب في أصحاب له، فقتل من أتاه، وخرج على قريب وزحاف شبابٌ من بني علي وشبابٌ من بني راسب، فرموهم بالنبل. قال قريب: هل في القوم عبد الله بن أوس الطاحي؟ وكان يناضله؛ قيل: نعم؛ قال: فهلم إلى البراز؛ فقتله عبد الله وجاء برأسه، وأقبل زيادٌ من الكوفة فجعل يؤنبه، ثم قال: يا معشر طاحية، لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتكم إلى السجن. قال: وكان قريب من إياد، وزحاف من طيىء، وكانا ابني خالة، وكانا أول من خرج بعد أهل النهر.

قال غسان: سمعت سعيدًا يقول: إن أبا بلال قال: قريب لا قربه الله، وايم الله لأن أقع من السماء أحب إلي من أن أصنع ما صنع - يعني الاستعراض.

حدثني عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثني وهب، قال: حدثني أبي أن زيادًا اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف، فقتلهم وأمر سمرة بذلك، وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة، فقتل سمرة منهم بشرًا كثيرًا.

حدثني عمر، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: قال زياد يومئذ على المنبر: يا أهل البصرة، والله لتكفني هؤلاء أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت منهم رجلٌ لا تأخذون العام من عطائكم درهمًا، قال: فثار الناس بهم فقتلوهم.

ذكر إرادة معاوية نقل المنبر إلى المدينة

قال محمد بن عمر: وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحمل إلى الشأم، فحرك، فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم باديةً يومئذ، فأعظم الناس ذلك، فقال: لم أرد حمله، إنما خفت أن يكون قد أرض، فنظرت إليه. ثم كساه يومئذ.

وذكر محمد بن عمر، أنه حدثه بذلك خالد بن القاسم، عن شعيب بن عمرو الأموي.

قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: قال معاوية: إني رأيت أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: يا أمير المؤمنين؛ نذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصلح، تخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه، وتخرج عصاه إلى الشأم؛ فانقل المسجد؛ فأقصر وزاد فيه ست درجات، فهو اليوم ثماني درجات، واعتذر إلى الناس مما صنع.

قال محمد بن عمر: وحدثني سويد بن عبد العزيز، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كان عبد الملك قد هم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا، وأن تحوله! إن أمير المؤمنين معاوية حركه فكسفت الشمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف على منبري آثمًا فليتبوأ مقعده من النار "، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة! فأقصر عبد الملك عن ذلك، وكف عن أن يذكره. فلما كان الوليد وحج هم بذلك وقال: خبراني عنه، وما أراني إلا سأفعل: فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: كلم صاحبك يتق الله عز وجل ولا يتعرض لله سبحانه ولسخطه، فكلمه عمر بن عبد العزيز، فأقصر وكف عن ذكره، فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان الوليد هم به وإرسال سعيد بن المسيب إليه، فقال سليمان: ما كنت أحب أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد، هذا مكابرة، وما لنا ولهذا! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه، فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما لا يصلح.

وفيها عزل معاوية بن حديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية، وكان معاوية بن أبي سفيان قد بعث قبل أن يولي مسلمة مصر وإفريقية عقبة بن نافع الفهري إلى إفريقية، فافتتحها، واختط قيروانها، وكان موضعه غيضةً - فيما زعم محمد بن عمر - لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الداب. فدعا الله عز وجل عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربًا، حتى إن السباع كانت تحمل أولادها.

قال محمد بن عمر: حدثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: نادى عقبة بن نافع:

إنا نازلونا ** فاظعنوا عزينا

فخرجن من جحرتهن هوارب.

قال: وحدثني المفضل بن فضالة، عن زيد بن أبي حبيب، عن رجل من جند مصر، قال: قدمنا مع عقبة بن نافع، وهو أول الناس اختطها وأقطعها للناس مساكن ودورًا، وبنى مسجدها. فأقمنا معه حتى عزل، وهو خير والٍ وخير أمير.

ثم عزل معاوية في هذه السنة - أعني سنة خمسين - معاوية بن حديج عن مصر، وعقبة بن نافع عن إفريقية، وولى مسلمة بن مخلد مصر والمغرب كله، فهو أول من جمع له المغرب كله ومصر وبرقة وإفريقية وطرابلس، فولى مسلمة بن مخلد مولىً له يقال له: أبو المهاجر أفريقية، وعزل عقبة ابن نافع، وكشفه عن أشياء، فلم يزل واليًا على مصر والمغرب، وأبو المهاجر على إفريقية من قبله حتى هلك معاوية بن أبي سفيان.

وفي هذه السنة مات أبو موسى الأشعري، وقد قيل: كانت وفاة أبي موسى سنة اثنتين وخمسين.

واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حج بهم معاوية، وقال بعضهم: بل حج بهم ابنه يزيد، وكان الوالي في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى البصرة والكوفة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد.

ذكر هرب الفرزدق من زياد

وفي هذه السنة طلب زيادٌ الفرزدق، واستعدت عليه بنو نهشل وفقيم، فهرب منه إلى سعيد بن العاص - وهو يومئذ والي المدينة من قبل معاوية - مستجيرًا به، فأجاره.

ذكر الخبر عن ذلك

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو عبيدة وأبو الحسن المدائني وغيرهما، أن الفرزدق لما هجا بني نهشل وبني فقيم. لم يزد أبو زيد في إسناد خبره على ما ذكرت؛ وأما محمد بن علي فإنه حدثني عن محمد بن سعد، عن أبي عبيدة، قال: حدثني أعين بن لبطة بن الفرزدق، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: لما هاجيت الأشهب بن رميلة والبعيث فسقطا، استعدت علي بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أبي سفيان. وزعم غيره أن يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمي بن جندل بن نهشل استعدى أيضًا عليه. فقال أعين: فلم يعرفه زياد حتى قيل له: الغلام الأعرابي الذي أنهب ورقه وألقى ثيابه؛ فعرفه.

قال أبو عبيدة: أخبرني أعين بن لبطة، قال: أخبرني أبي، عن أبيه، قال: بعثني أبي غالبٌ في عير له وجلبٍ أبيعه وأمتار له وأشتري لأهله كسًا، فقدمت البصرة، فبعت الجلب، فأخذت ثمنه فجعلته في ثوبي أزاوله، إذ عرض لي رجل أراه كأنه شيطان، فقال: لشد ما تستوثق منها! فقلت: وما يمنعني! قال: أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صبر عليها؛ فقلت: وما هو؟ قال: غالب بن صعصعة؛ قال: فدعوت أهل المربد فقلت: دونكموها - ونثرتها عليهم - فقال لي قائل: ألق رداءك يابن غالب، فألقيته. وقال آخر: ألق قميصك؛ فألقيته، وقال آخر: ألق عمامتك فألقيتها حتى بقيت في إزارٍ، فقالوا: ألق إزارك، فقلت: لن ألقيه وأمشي مجردًا، إني لست بمجنون. فبلغ الخبر زيادًا، فأرسل خيلًا إلى المربد ليأتوه بي، فجاء رجل من بني الهجيم على فرس؛ قال: أتيت فالنجاء! وأردفني خلفه، وركض حتى تغيب، وجاءت الخيل وقد سبقت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة - وكانا في الديوان على ألفين ألفين، وكانا معه - فحبسهما فأرسلت إليهما: إن شئتما أتيتكما، فبعثا إلي: لا تقربنا، إنه زياد! وما عسى أن يصنع بنا، ولم نذنب ذنبًا! فمكثا أيامًا. ثم كلم زياد فيهما، فقالوا: شيخان سامعان مطيعان، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابي من أهل البادية؛ فخلى عنهما؛ فقالا لي: أخبرنا بجميع ما أمرك أبوك من ميرةٍ أو كسوة؛ فخبرتهما به أجمع، فاشترياه وانطلقت حتى لحقت بغالب، وحملت ذلك معي أجمع، فأتيته وقد بلغه خبري، فسألني: كيف صنعت؟ فأخبرته بما كان؛ قال: وإنك لتحسن مثل هذا! ومسح رأسي. ولم يكن يومئذ يقول الشعر، وإنما قال الشعر بعد ذلك، فكانت في نفس زياد عليه.

ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة، من بني ربيعة بن كعب ابن سعد والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل، أحد بني حوى بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبي سفيان، فأعطى كل رجل منهم مائة ألف، وأعطى الحتات سبعين ألفًا، فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضًا، فأخبروه بجوائزهم، فكان الحتان أخذ سبعين ألفًا، فرجع إلى معاوية، فقال: ما ردك يا أبا منازل؟ قال: فضحتني في بني تميم، أما حسبي بصحيح! أو لست ذا سن! أو لست مطاعًا في عشيرتي! فقال معاوية: بلى؛ قال: فما بالك خسست بي دون القوم! فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانيًا - فقال: وأنا فاشتر مني ديني، فأمر له بتمام جائزة القوم. وطعن في جائزته، فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك:

أبوك وعمي يا معاوي أورثا ** تراثًا فيحتاز التراث أقاربه

فما بال ميراث الحتات أخذته ** وميراث حربٍ جامدٌ لك ذائبه!

فلو كان هذا الأمر في جاهليةٍ ** علمت من المرء القليل حلائبه

ولو كان في دينس سوى ذا شنئتم ** لنا حقنا أو غص بالماء شاربه

ولو كان إذ كنا وفي الكف بسطةٌ ** لصممٌ غضبٌ فيك ماضٍ مضاربه

- وأنشد محمد بن علي وفي الكف مبسط

وقد رمت شيئًا يا معاوي دونه ** خياطف علودٍّ صعاب مراتبه

وما كنت أعطي النصف من غير قدرةٍ ** سواك، ولو مالت علي كتائبه

ألست أعز الناس قومًا وأسرةً ** وأمنعهم جارًا إذا ضيم جانبه

وما ولدت بعد النبي وآله ** كمثلي حصانٌ في الرجال يقاربه

أبى غالبٌ والمرء ناجية الذي ** إلى صعصعٍ ينمى، فمن ذا يناسبه!

وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ** ومن دونه البدر المضيء كواكبه

أنا ابن الجبال الصم في عدد الحصى ** وعرق الثرى عرقي، فمن ذا يحاسبه!

أنا ابن الذي أحيا الوئيد وضامنٌ ** على الدهر إذ عزت لدهرٍ مكاسبه

وكم من أبٍ لي يا معاوي لم يزل ** أغر يباري الريح ما ازور جانبه

نمته فروع المالكين ولم يكن ** أبوك الذي من عبد شمسٍ يقاربه

تراه كنصل السيف يهتز للندى ** كريمًا يلاقي المجد ما طر شاربه

طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن ** قصيٌّ وعبد الشمس ممن يخاطبه

فرد ثلاثين ألفًا على أهله، وكانت أيضًا قد أغضبت زيادًا عليه. قال: فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبًا، فطلبه فهرب، فأتى عيسى بن خصيلة بن معتب بن نصر بن خالد البهزي، ثم أحد بني سليم، والحجاج بن علاط بن خالد السلمي.

قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى ابن خصيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدق جاء إلى عمي عيسى بن خصيلة ليلًا فقال: يا أبا خصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني، وإن صديقي وجميع من كنت أرجو قد لفظوني، وإني قد أتيتك لتغيبني عندك؛ قال: مرحبًا بك! فكان عنده ثلاث ليالٍ، ثم قال: إنه قد بدا لي أن ألحق بالشام، فقال: ما أحببت؛ إن أقمت معي ففي الرحب والسعة؛ وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها. قال: فركب بعد ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال الفرزدق في ذلك:

حباني بها البهزي حملان من أبي ** من الناس والجاني تخاف جرائمه

ومن كان يا عيسى يونب ضيفه ** فضيفك محبورٌ هنيٌّ مطاعمه

وقال تعلم أنها أرحبيةٌ ** وأن لها الليل الذي أنت جاشمه

فأصبحت والملقى ورائي وحنبلٌ ** وما صدرت حتى علا النجم عاتمه

تزاور عن أهل الحفير كأنها ** ظليمٌ تبارى جنح ليلٍ نعائمه

رأت بين عينيها دوية وانجلى ** لها الصبح عن صعلٍ أسيلٍ مخاطمه

كأن شراعًا فيه مجرى زمامها ** بدجلة إلا خطمه وملاغمه

إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي ** وأعرض من فلجٍ ورائي مخارمه

وقال أيضًا:

تداركني أسباب عيسى من الردى ** ومن يك مولاه فليس بواحد

وهي قصيدة طويلة.

قال: وبلغ زيادًا أنه قد شخص، فأرسل علي بن زهدم، أحد بني نولة بن فقيم في طلبه.

قال أعين: فطلبه في بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار، من بني قيس ابن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة؛ قال: فسلته من كسر بيتها، فلم يقدر عليه؛ فقال في ذلك الفرزدق:

أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغي ** وما يبتغى تحت السوية أمثالي

ولكن بغائي لو أردت لقاءنا ** فضاء الصحارى لا ابتغاءٌ بأدغال

وقيل: إنها ربيعة بنت المرار بن سلامة العجلي أم أبي النجم الراجز.

قال أبو عبيدة: قال مسمع بن عبد الملك: فأتى الروحاء، فنزل في بكر بن وائل، فأمن، فقال يمدحهم:

وقد مثلت أين المسير فلم تجد ** لفورتها كالحي بكر بن وائل

أعف وأوفى ذمةً يعقدونها ** إذا وازنت شم الذرا بالكواهل

وهي قصيدة طويلة. ومدحهم بقصائد أخر غيرها.

قال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر، فبلغ زيادًا ما صنع الفرزدق، فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن ابن عبيد: إنما الفرزدق فحل الوحوش يرعى القفار، فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع؛ فاطلبه حتى تظفر به. قال الفرزدق: فطلبت أشد طلب، حتى جعل من كان يؤويني يخرجني من عنده، فضاقت علي الأرض، فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق، إذ مر بي الذي جاء في طلبي، فلما كان الليل أتيت بعض أخوالي من بني ضبة وعندهم عرس - ولم أكن طعمت قبل ذلك طعامًا، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادي فرسٍ وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلًا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه، فخرجت منه، وألقوا الحائط فعاد مكانه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثوا ساعةً ثم خرجوا، فلما أصبحنا جاءوني فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلموا لي مقاعسًا أحد بني تيم الله ابن ثعلبة - وكان دليلًا يسافر للتجار - قال: فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل، فلم يفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة، فقلت: يا مقاعس، أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالًا، أيقدرون علينا؟ قال: نعم، يرصدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم - قال: فقلت: ما تقول العرب؟ قال: يقولون: أمهله يومًا وليلة ثم خذه. فارتحل؛ فقال إني أخاف السباع، فقلت: السباع أهون من زياد، فارتحلنا لا نرى شيئًا إلا خلفناه، ولزمنا شخصٌ لا يفارقنا، فقلت: يا مقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمرر بشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة. قال: هذا السبع، قال: فكأنه فهم كلامنا، فنقدم حتى ربض على متن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا بثنايين وأخذت قوسي. وقال مقاعس: يا ثعلب، أتدري ممن فررنا إليك؟ من زياد، فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشي ناقتينا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لا تهجه، فإنه إذا أصبح ذهب؛ قال: فجعل يرعد ويبرق ويزئر، ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح، فلما رآه ولى، وأنشا الفرزدق يقول:

ما كنت أحسبني جبانًا بعد ما ** لاقيت ليلة جانب الأنهار

ليثًا كأن على يديه رحالةً ** شئن البراثن مؤجد الأظفار

لما سمعت له زمازم أجهشت ** نفسي إلي وقلت أين فراري!

وربطت جروتها وقلت لها اصبري ** وشددت في ضيق المقام إزاري

فلأنت أهون من زيادٍ جانبًا ** اذهب إليك مخرم الأسفار

قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أعين بن لبطة، قال: حدثني أبي، عن شبث بن ربعي الرياحي، قال: فأنشدت زيادًا هذه الأبيات فكأنه رق له، وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته، فبلغ ذلك الفرزدق؛ فقال:

تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا ** تذكر شوقًا ليس ناسيه عصرا

تذكر ظمياء التي ليس ناسيا ** وإن كان أدنى عهدها حججًا عشرا

وما مغزلٌ بالغور غور تهامةٍ ** ترعى أراكًا في منابته نضرا

من الأدم حواء المدامع ترعوي ** إلى رشإٍ طفلٍ تخال به فترا

أصابت بوادي الولولان حبالةً ** فما استمسكت حتى حسبن بها نفرا

بأحسن من ظمياء يوم تعرضت ** ولا مزنةٌ راحت غمامتها قصرا

وكم دونها من عاطفٍ في صريمة ** وأعداء قومٍ ينذرون دمي نذرا!

إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها ** وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا

دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن ** لآتيه ما ساق ذو حسبٍ وفرا

وعند زيادٍ لو يريد عطاءهم ** رجالٌ كثيرٌ قد يرى بهم فقرا

قعودٌ لدى الأبواب طلاب حاجةٍ ** غوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا

فلما خشيت أن يكون عطاؤه ** أداهم سودًا أو محدرجةً سمرا

نميت إلى حرفٍ أضر بنيها ** سرى الليل واستعراضها البلد القفرا

تنفس في بهوٍ من الجوف واسعٍ ** إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا

تراها إذا صام النهار كأنما ** تسامى فنيقًا أو تخالسه خطرا

تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعةٍ ** من الليل ملتجًا غياطله خضرا

فإن أعرضت زوراء أو شمرت بها ** فلاةٌ ترى منها مخارمها غبرا

تعاودين عن صهب الحصى وكأنما ** طحن به من كل رضراضةٍ جمرا

وكم من عدوٍّ كاشحٍ قد تجاوزت ** مخافته حتى تكون لها جسرا

يؤم بها الموماة من لا يرى له ** إلى ابن أبي سفيان جاهًا ولا عذرا

ولا تعجلاني صاحبي فربما ** سبقت بورد الماء غاديةً كدرا

وحضنين من ظلماء ليلٍ سريته ** بأغيد قد كان النعاس له سكرا

رماه الكرى في الرأس حتى كأنه ** أميم جلاميدٍ تركن به وقرا

من السير والإدلاج تحسب أنما ** سقاه الكرى في كل منزلة خمرا

جررنا وفديناه حتى كأنما ** يرى بهوادي الصبح قنبلةً شقرا

قال: فمضينا وقدمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أمية عليها، فكان في جنازة، فتبعته فوجدته قاعدًا والميت يدفن حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مقام العائذ من رجل لم يصب دمًا ولا مالًا! فقال: قد أجرت إن لم تكن أصبت دمًا ولا مالًا؛ وقال: من أنت؟ قلت: أنا همام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيت على الأمير، فإن رأي أن يأذن في فأسمعه فليفعل؛ قال: هات، فأنشدته:

وكومٍ تنعم الأضياف عينًا ** وتصبح في مباركها ثقالا

حتى أتيت إلى آخرها؛ قال: فقال مروان:

قعودًا ينظرون إلى سعيد

قلت: والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك.

قال: وقال كعب بن جعيل: هذه والله الرؤيا التي رأيت البارحة؛ قال سعيد: وما رأيت؟ قال: رأيت كأني أمشي في سكة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قترة في جحر، فكأنه أراد أن يتناولني، فاتقيته، قال: فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين حتى تجاوز إلي، فقال: قل ما شئت فقد أدركت من مضى، ولا يدركك من بقي. وقال لسعيد: هذا والله الشعر، لا يعلل به منذ اليوم. قال: فلم نزل بالمدينة مرة وبمكة مرة. وقال الفرزدق في ذلك:

ألا من مبلغٌ عني زيادًا ** مغلغلةً يخب بها البريد

بأني قد فررت إلى سعيدٍ ** ولا يسطاع ما يحمي سعيد

فررت إليه من ليثٍ هزبرٍ ** تفادي عن فريسته الأسود

فإن شئت انتسبت إلى النصارى ** وإن شئت انتسبت إلى اليهود

وإن شئت انتسبت إلى فقيمٍ ** وناسبني وناسبت القرود

ويروى:

وناسبني وناسبت اليهود

وأبغضهم إلي بنو فقيمٍ ** ولكن سوف آتي ما تريد

وقال أيضًا:

أتاني وعيدٌ من زيادٍ فلم أنم ** وسيل اللوى دوني فهضب التهائم

فبت كأني مشعرٌ خيبريةً ** سرت في عظامي أو سمام الأراقم

زياد بن حربٍ لن أظنك تاركي ** وذا الضغن قد خشمته غير ظالم

قال: وأنشدنيه عمرو:

وبالضغن قد خشمتني غير ظالم

وقد كافحت مني العراق قصيدةٌ ** رجومٌ مع الماضي رءوس المخارم

خفيفة أفواه الرواة ثقيلة ** على قرنها نزالةٌ بالمواسم

وهي طويلة. فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد.

وفي هذه السنة كانت وفاة الحكم بن عمرو الغفاري بمرو منصرفه من غزوة أهل جبل الأشل.

ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الأشل وسبب هلاكه

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني حاتم بن قبيصة، قال: حدثنا غالب بن سليمان، عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كنت مع الحكم بن عمرو بخراسان، فكتب زيادٌ إلى عمرو: إن أهل جبل الأشل سلاحهم اللبود، وآنيتهم الذهب. فغزاهم حتى توسطوا، فأخذوا بالشعاب والطرق، فأحدقوا به، فعي بالأمر، فولي المهلب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيمًا من عظمائهم، فقال له: اختر بين أن أقتلك، وبين أن تخرجنا من هذا المضيق؛ فقال له: أوقد النار حيال الطريق من هذه الطرق، ومر بالأثقال فلتوجه نحوه، حتى إذا ظن القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فإنهم يستجمعون لكم، ويعرون ما سواه من الطرق، فبادرهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه. ففعلوا ذلك، فنجا وغنموا غنيمةً عظيمة.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد؛ قال: لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الأشل ولى المهلب ساقته، فسلكوا في شعاب ضيقة، فعارضه الترك فأخذوا عليهم بالطرق، فوجدوا في بعض تلك الشعاب رجلًا يتغنى من وراء حائط ببيتين:

تعز بصبرٍ لا وجدك لا ترى ** سنام الحمى أخرى الليالي الغوابر

كأن فؤادي من تذكري الحمى ** وأهل الحمى يهفو به ريش طائر

فأتى به الحكم، فسأله عن أمره، فقال: غايرت ابن عم لي، فخرجت ترفعني أرض وتخفضني أخرى، حتى هبطت هذه البلاد. فحمله الحكم إلى زياد بالعراق.

قال: وتخلص الحكم من وجهه حتى أتى هراة، ثم رجع إلى مرو.

حدثني عمر، قال: حدثني حاتم بن قبيصة، قال: حدثنا غالب ابن سليمان، عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كتب إليه زياد: والله لئن بقيت لك لأقطعن منك طابقًا سحتا، وذلك أن زيادًا كتب إليه لما ورد بالخبر عليه بما غنم: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفي له صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئًا حتى تخرج ذلك.

فكتب إليه الحكم: أما بعد، فإن كتابك ورد، تذكر أن أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء والروائع، ولا تحركن شيئًا؛ فإن كتاب الله عز وجل قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والأرض رتقًا على عبدٍ اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجًا.

وقال للناس: اغدوا على غنائمكم؛ فغدا الناس، وقد عزل الخمس، فقسم بينهم تلك الغنائم، قال: فقال الحكم: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني؛ فمات بخراسان بمرو.

قال عمر: قال علي بن محمد: لما حضرت الحكم الوفاة بمرو، استخلف أنس بن أبي أناس، وذلك في سنة خمسين.

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطاة الصائفة، ومقتل حجر بن عدي وأصحابه.

ذكر مقتل حجر بن عدي وأصحابه

ذكر سبب مقتله

قال هشام بن محمد؛ عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقعب ابن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عقبة المرادي، قال: كلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث حجر ابن عدي الكندي وأصحابه: إن معاوية بن أبي سفيان لما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ** وما علم الإنسان إلا ليعلما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتمادًا على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني، ويصلح به رعيتي، ولست تاركًا إيصاءك بخصلة: لا تتحم عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم. فقال المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم. قال: بل نحمد إن شاء الله.

قال ابن مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعت الشعبي يقول: ما ولينا والٍ بعده مثله، وإن كان لاحقًا بصالح من كان قبله من العمال.

وأقام المغيرة على الكوفة عاملًا لمعاوية سبع سنين وأشهرًا، وهو من أحسن شيء سيرةً، وأشده حبًا للعافية، غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان، واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له، والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذمم الله ولعن! ثم قام فقال: إن الله عز وجل يقول: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله "، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم فيقول المغيرة: يا حجر، لقد رمي بسهمك، إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك! اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان أحيانًا مما يهلك أمثالك كثيرًا. ثم يكف عنه ويصفح.

فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه، وأجزه بأحسن عمله، فإنه عمل بكتابك، واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وجمع كلمتنا، وحقن دماءنا، وقتل مظلومًا؛ اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه! ويدعو على قتلته. فقام حجر بن عدي فنعر نعرةً بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجًا منه، وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هرمك! أيها الإنسان، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنك قد حبستها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعًا بذم أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين. قال: فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئًا؛ وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه. فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومه، فأذن لهم، فقالوا: علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة، ويجترىء عليك في سلطانك هذه الجرأة! إنك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أولهما فتهوين سلطانك، وأما الأخرى فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه - وكان أشدهم له قولًا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله أبي عقيل الثقفي - فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته؛ إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثل فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة؛ إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا أحب أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم، وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة؛ ولكني قابلٌ من محسنهم، وعافٍ عن مسيئهم، وحامدٌ حليمهم، وواعظٌ سفيههم، حتى يفرق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جربوا العمال بعدي.

قال ابن مخنف: سمعت عثمان بن عقبة الكندي، يقول: سمعت شيخًا للحي يذكر هذا الحديث يقول: قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم، أحمده للبرىء، وأغفرهم للمسيء، وأقبلهم للعذر.

قال هشام: قال عوانة: فولي المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين في جمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنا قد جربنا وجربنا، وسسنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله، بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها، وغيب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر. ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم، وذكر قتلته ولعنهم. فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولي الوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبلغه أن حجرًا يجتمع إليه شيعة علي، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن الحريث، فشخص إلى الكوفة حتى دخلها، فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر، قد فرق شعره، وحجر جالسٌ في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترءوا علي، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالًا لمن بعده! ويل أمك يا حجر! سقط العشاء بك على سرحان، ثم قال:

أبلغ نصيحة أن راعي إبلها ** سقط العشاء به على سرحان

وأما غير عوانة، فإنه قال في سبب أمر حجر ما حدثني علي بن حسن قال: حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا مخلد بن الحسن، عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يومًا في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثر عليه.

فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد، ثم احمله إلي. فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعة، فشد في الحديد، ثم حمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرج من عنده، فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين؛ فقالوا: صل؛ فصلى ركعتين خفف فيهما، ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما في هاتين خير؛ ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ألاقي معاوية غدًا على الجادة. ثم قدم فضربت عنقه.

قال مخلد: قال هشام: كان محمد إذا سئل عن الشهيد يغسل، حدثهم حديث حجر.

قال محمد: فلقيت عائشة أم المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنه بمكة - فقالت: يا معاوية، أين كان حلمك عن حجر! فقال لها: يا أم المؤمنين، لم يحضرني رشيد! قال ابن سيرين: فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول: يومي منك يا حجر يومٌ طويل!

قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني إسماعيل بن نعيم النمري، عن حسين بن عبد الله الهمداني، قال: كنت في شرط زياد، فقال زياد: لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه؛ قال: فقال لي أمير الشرطة - وهو شداد ابن الهيثم الهلالي: اذهب إليه فادعه؛ قال: فأتيته، فقلت: أجب الأمير؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحب الشرطة أن يبعث معي رجالًا، قال: فبعث نفرًا؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبونا وشتمونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة، أتشجون بيدٍ وتأسون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حجر! هذا الهجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر! هذا والله من دحسكم وغشكم! والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم! فوثبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ها هنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكل ما ظننا أن فيه رضاك، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به، قال: فليقم كل امرىء منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه. ففعلوا ذلك، فأقاموا جل من كان مع حجر بن عدي، فلما رأى زياد أن جل من كان مع حجر أقيم عنه، قال لشداد بن الهيثم الهلالي - ويقال: هيثم بن شداد أمير شرطته -: انطلق إلى حجر، فإن تبعك فأتني به، وإلا فمر من معك فلينتزعوا عمد السوق، ثم يشدوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونه. فأتاه الهلالي فقال: أجب الأمير؛ قال: فقال أصحاب حجر: لا ولا نعمة عين! لا نجيبه. فقال لأصحابه: شدوا على عمد السوق، فاشتدوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيد الكندي من بني هند - وهو أبو العمرطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك. فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعمد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له بكر ابن عبيد - رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع، وأتاه أبو سفيان بن عويمر والعجلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزد - فحملاه؛ فأتيا به دار رجل من الأزد - يقال له عبيد الله بن مالك - فخبأه بها، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها.

قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجميرا قبل مقتل مصعب بعام، فإذا أنا بأحمري يسايرني - ووالله ما رأيته من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحمق، وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه - فلما رأيته ظننت أنه هو هو؛ وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة، فكرهت أن أسأله: أنت الضارب عمرو بن الحمق؟ فيكابرني، فقلت له: ما رأيتك من اليوم الذي ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتك الآن حين رأيتك؛ فقال لي: لا تعدم بصرك، ما أثبت نظرك! كان ذلك أمر الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحًا، ولقد ندمت على تلك الضربة، فأستغفر الله. فقلت له: ألا ترى والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التي ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدني الله وسألني الله، فأبيت عليه، ودعوت غلامًا لي يدعى رشيدًا من سبي أصبهان معه قناة له صلبة، فأخذتها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابته، وألحقه حين استوت قدماه بالأرض، فأصفع بها هامته، فخر لوجهه، ومضيت وتركته، فبرأ بعد؛ فلقيته مرتين من الدهر، كل ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله عز وجل بينك وبين عمرو بن الحمق! ثم رجع إلى أول الحديث. قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمله ذانك الرجلان، انحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، ويضرب رجلٌ من جذام كان في الشرطة رجلًا يقال له عبد الله بن خليفة الطائي بعمود، فضربه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز:

قد علمت يوم الهياج خلتي ** أني إذا ما فئتي تولت

وكثرت عداتها أو قلت ** أني قتالٌ غداة بلت

وضربت يد عائذ بن حملة التميمي وكسرت نابه، فقال:

إن تكسروا نابي وعظم ساعدي ** فإن في سورة المناجد

وبعض شغب البطل المبالد

وينتزع عمودًا من بعض الشرطة، فقاتل به وحمى حجرًا وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كندة، وبغلة حجر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أب لغيرك! فوالله ما أراك إلا قد قتلت نفسك، وقتلتنا معك؛ فوضع حجر رجله في الركاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرطة على بغلته، ووثب أبو العمرطة على فرسه؛ فما هو إلا أن استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسلي - وكان يغمز - فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخر لوجهه. ثم إنه برأ بعد، فله يقول عبد الله بن همام السلولي:

ألؤم ابن لؤمٍ ما عدا بك حاسرًا ** إلى بطلٍ ذي جرأةٍ وشكيم!

معاود ضرب الدارعين بسيفه ** على الهام عند الروع غير لئيم

إلى فارس الغارين يوم تلاقيا ** بصفين قرمٍ خير نجل قروم

حسبت ابن برصاء الحتار قتاله ** قتالك زيدًا يوم دار حكيم

وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس. ومضى حجر وأبو العمرطة حتى انتهيا إلى دار حجر، واجتمع إلى حجر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له يسير في مجالس كندة، يقول:

يا قوم حجرٍ دافعوا وصاولوا ** وعن أخيكم ساعةً فقاتلوا

لا يلفيا منكم لحجرٍ خاذل ** أليس فيكم رامحٌ ونابل

وفارسٌ مستلئمٌ وراجل ** وضاربٌ بالسيف لا يزايل!

فلم يأته من كندة كثير أحد. وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همدان وتميم وهوازن وأبناء أعصر ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبانة كندة، فليمضوا من ثم إلى حجر فليأتوني به. ثم إنه كره أن يسير طائفةً من مضر مع طائفة من أهل اليمن فيقع بينهم شغب واختلاف، وتفسد ما بينهم الحمية، فقال: لتقم تميم وهوازن وأبناء أعصر وأسد وغطفان، ولتمض مذحج وهمدان إلى جبانة كندة، ثم لينهضوا إلى حجر فليأتوني به، وليسر سائر أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديين فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به. فخرجت الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة وقضاعة، فنزلوا جبانة الصائديين، ولم تخرج حضرموت مع أهل اليمن لمكانهم من كندة، وذلك أن دعوة حضرموت مع كندة، فكرهوا الخروج في طلب حجر.

قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن سعيد بن مخنف، عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليمن في جبانة الصاديين إذ اجتمع رءوس أهل اليمن يتشاورون في أمر حجر، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: أنا مشير عليكم برأيٍ إن قبلتموه رجوت أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تلبثوا قليلًا فإن سرعان شباب همدان ومذحج يكفونكم ما تكرهون أن تلوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحج وهمدان قد دخلوا فأخذوا كل من وجدوا من بني جبلة. قال: فمر أهل اليمن في نواحي دور كندة معذرة، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنى على مذحج وهمدان وذم سائر أهل اليمن. وإن حجرًا لما انتهى إلى داره فنظر إلى قلة من معه من قومه، وبلغه أن مذحج وهمدان نزلوا جبانة كندة وسائر أهل اليمن جبانة الصائديين قال لأصحابه: انصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحب أن أعرضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان. فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدي وعبد الرحمن بن محرز الطمحي وقيس ابن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرحوا، وأسر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبا لكم! تفرقوا لا تقاتلوا فإني آخذ في بعض السكك. ثم آخذ طريقًا نحو بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد، فدخل داره، وجاء القوم في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته؛ فقال له حجر: ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك؛ فقال حجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلت به إذًا على بناتك! قال: إني والله ما أمونهن، ولا رزقهن إلا على الحي الذي لا يموت؛ ولا أشتري العار بشيء ابدًا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدًا وأنا حي أملك قائم سيفي، فإن قتلت دونك فاصنع ما بدا لك. قال حجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خوخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله عز وجل منهم ويسلمك، فإذا القوم لم يقدروا علي عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مر ببني ذهل، فقالوا له: مر القوم آنفًا في طلبك يقفون أثرك. فقال: منهم أهرب؛ قال: فخرج ومعه فتية منه يتقصون به الطريق، ويسلكون به الأزقة حتى أفضي إلى النخع، فقال لهم عند ذلك: انصرفوا رحمكم الله! فانصرفوا عنه، وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنه لكذلك قد ألقى له الفرش عبد الله، وبسط له البسط، وتلقاه ببسط الوجه، وحسن البشر، إذ أتى فقيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع - وذلك أن أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتهم، فقالت: من تطلبون؟ قالوا: نطلب حجرًا؛ قالت: ها هو ذا قد رأيته في النخع، فانصرفوا نحو النخع - فخرج من عند عبد الله متنكرًا، وركب معه عبد الله بن الحارث ليلًا حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الأزدي في الأزد، فنزلها يومًا وليلة، فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا ميثاء، أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلةً إلا قطعتها، ولا دارًا إلا هدمتها ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربًا إربًا؛ قال: أمهلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكى. وأخرج محمد نحو السجن منتقع اللون يتل تلًا عنيفًا، فقال حجر بن يزيد الكندي لزياد: ضمنيه وخل سبيله يطلب صاحبه؛ فإنه مخلىً سربه - أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا. فقال أتضمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاص عنك لأزيرنك شعوب، وإن كنت الآن علي كريمًا. قال: إنه لا يفعل، فخلى سبيله.

ثم إن حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أتي به أسيرًا، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان، وبلاءه يوم صفين مع أمير المؤمنين، ثم أرسل إليه فأتي به، فقال له: إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر؛ أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك، وحسن بلائك؛ ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير؛ قال: أجيئك به إن شاء الله؛ قال: فهات من يضمنه لي معك، قال: هذا حجر بن يزيد يضمنه لك معي؛ قا حجر بن يزيد: نعم أضمنه لك، على أن تؤمنه على ماله ودمه، قال: ذلك لك، فانطلقا فأتيا به وهو جريح، فأمر به فأوقر حديدًا، ثم أخذته الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سررها ألقوه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه وألقوه، ففعلوا به ذلك مرارًا، فقام إليه حجر بن يزيد فقال: ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك الله! قال: بلى، قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دمًا، ولا آخذ له مالًا. قال: أصلحك الله! يشفى به على الموت؛ ودنا منه وقام من كان عنده من أهل اليمن، فدنوا منه وكلموه، فقال: أتضمنوه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثًا أتيتموني به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لي أرش ضربة المسلى، قالوا: ونضمنها؛ فخلى سبيله.

ومكث حجر بن عدي في منزل ربيعة بن ناجد الأزدي يومًا وليلة، ثم بعث حجر إلى محمد بن الأشعث غلامًا له يدعى رشيدًا من أهل إصبهان: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره، فإني خارج إليك؛ أجمع نفرًا من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى في رأيه.

فخرج ابن الأشعث إلى حجر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلموه وطلبوا إليه أن يؤمنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ففعل، فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه أن قد أخذنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي؛ فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد: مرحبًا بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تجني براقش. قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لعلى بيعتي؛ فقال: هيهات هيهات يا حجر! تشج بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذ أمكن الله منك أن نرضى! كلا والله. قال: ألم تؤمني حتى آتي معاوية فيرى في رأيه! قال: بلى قد فعلنا، انطلقوا به إلى السجن، فلما قفي به من عنده قال زياد: أما والله لولا أمانه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه.

قال هشام بن عروة: حدثني عوانة، قال: قال زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته.

قال هشام بن محمد؛ عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي وزكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق؛ أن حجرًا لما قفي به من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم إني على بيعتي، لا أقيلها ولا أستقيلها، سماع الله والناس. وكان عليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليال، وزيادٌ ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حجر، فخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن، ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلًا فكمنا فيه، وبلغ عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما - وهو رجل من همدان يقال له عبد الله بن أبي بلتعة - فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضًا، وكان بطنه قد سقى، فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاعة بن شداد - وكان شابًا قويًا - فوثب على فرس له جواد، فقال له: أقاتل عنك؟ قال: وما ينفعني أن تقاتل! انج بنفسك إن استطعت، فحمل عليهم، فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه، وخرجت الخيل في طلبه - وكان راميًا - فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا رماه فجرحه أو عقره، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق، فسألوه: من أنت؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر لكم؛ فسألوه: فأبى أن يخبرهم، فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل - وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي - فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان ابن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسع طعنات، فمات في الأولى منهن أو الثانية.

قال أبو مخنف: وحدثني المجالد، عن الشعبي وزكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق. قال: وجه زياد في طلب أصحاب حجر، فأخذوا يهربون منه، ويأخذ من قدر عليه منهم، فبعث إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب الشرطة - وهو شداد بن الهيثم - فدعا قبيصة في قومه، وأخذ سيفه، فأتاه ربعي بن خراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير، فأراد أن يقاتل، فقال له صاحب الشرطة: أنت آمن على دمك ومالك، فلم تقتل نفسك؟ فقال له أصحابه: قد أومنت، فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك! قال: ويحكم! إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدًا أو يقتلني؛ قالوا: كلا، فوضع يده في أيديهم، فأقبلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحي عبسٍ تعزوني على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلًا عن تلقيح الفتن، والتوثب على الأمراء؛ قال: إني لم آتك إلا على الأمان؛ قال: انطلقوا به إلى السجن، وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرأً منا من بني همام يقال له: صيفي بن فسيل من رءوس أصحاب حجر، وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه زياد، فأتي به، فقال له زياد: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب؛ قال: ما أعرفك به! قال: ما أعرفه، قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك! علي بالعصا، فأتي بها، فقال: ما قولك في علي؟، قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله أقوله في المؤمنين، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزم الأرض. ثم قال: أقلعوا عنه، إيهٍ، ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني؛ قال لتلعننه أو لأضربن عنقك؛ قال: إذًا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله، وشقيت أنت؛ قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقروه حديدًا، وألقوه في السجن.

ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائي - وكان شهد مع حجر وقاتلهم قتالًا شديدًا - فبعث إليه زيادٌ بكير بن حمران الأحمري - وكان تبيع العمال - فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم، فأخرجوه، فلما أرادوا أن يذهبوا به - وكان عزيز النفس - امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم، فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط، فنادت ميثاء أخته: يا معشر طيىء، أتسلمون ابن خليفةٍ لسانكم وسنانكم! فلما سمع الأحمري نداءها خشي أن تجتمع طيىء فيهلك، فهرب وخرج نسوةٌ من طيىء فأدخلنه دارًا، وينطلق الأحمري حتى أتى زيادًا، فقال: إن طيئًا اجتمعت إلي فلم أطقهم، فأتيتك، فبعث زيادٌ إلى عدي - وكان في المسجد - فحبسه وقال: جئني به - وقد أخبر عدي بخبر عبد الله - فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم؟ قال: جئني حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتل له وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي، فأتوا زيادًا فكلموه فيه، وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر، فأرسل إلى عدي: إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت؛ فبعث إليه عدي: والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك. فدعا زياد عديًا، فقال له: إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة، ولتسير به إلى الجبلين؛ قال: نعم، فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخرج، فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله؛ فخرج إلى الجبلين.

وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي فقال: ما اسمك؟ قال: أنا كريم ابن عفيف؛ قال: ويحك، أو ويلك! ما أحسن اسمك واسم أبيك، وأسوأ عملك ورأيك! قال: أما والله إن عهدك برأيي لمنذ قريب، ثم بعث زيادٌ إلى أصحاب حجر حتى جمع اثني عشر رجلًا في السجن. ثم إنه دعا رءوس الأرباع، فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه - وكان رءوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على مذحج وأسد - فشهد هؤلاء الأربعة أن حجرًا جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين؛ وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رءوس أصحابه، وعلى مثل رأيه وأمره. ثم أمر بهم ليخرجوا، فأتاه قيس بن الوليد فقال: إنه قد بلغني أن هؤلاء إذا خرج بهم عرض لهم. فبعث زياد إلى الكناسة فابتاع إبلًا صعابًا، فشد عليها المحامل، ثم حملهم عليها في الرحبة أول النهار، حتى إذا كان العشاء قال زياد: من شاء فليعرض، فلم يتحرك من الناس أحد، ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظن هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة.

قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن حصيرة، عن أبي الكنود - وهو عبد الرحمن بن عبيد - وأبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبي راشد، عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين؛ شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عز وجل كفرةً صلعاء.

فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشهد رءوس الأرباع الثلاثة الآخرون على مثل شهادته - وكانوا أربعة - ثم إن زيادًا دعا الناس فقال: اشهدا على مثل شهادة رءوس الأرباع. فقرأ عليهم الكتاب، فقام أول الناس عناق بن شرحبيل بن أبي دهم التيمي تيم الله بن ثعلبة، فقال: بينوا اسمي، فقال زياد: ابدءوا بأسامي قريش، ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود، ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة. فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن طلحة ابن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الرحمن ابن هناد، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وعامر بن مسعود بن أمية بن خلف، ومحرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم ابن شعبة الحضرمي، وعناق بن شرحبيل بن أبي دهم، ووائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب بن حصين الحارثي، وقطن بن عبد الله بن حصين، والسري بن وقاص الحارثي - وكتب شهادته وهو غائب في عمله - والسائب بن الأقرع الثقفي، وشبث بن ربعي، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ومصقلة بن هبيرة الشيباني، والقعقاع بن شور الذهلي، وشداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي - وكان يدعى ابن بزيعة، فقال: ما لهذا أبٌ ينسب إليه! القوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحضين، وهو ابن المنذر؛ قال: فانسبوه إلى أبيه، فبلغت شدادًا، فقال: ويلي على ابن الزانية! أوليست أمه أعرف من أبيه! والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية. وحجار بن أبجر العجلي فغضبت ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتم على أوليائنا وحلفائنا! فقالوا: ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير - وعمرو بن الحجاج الزبيدي ولبيد بن عطارد التميمي، ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي، وسويد بن عبد الرحمن التميمي من بني سعد، وأسماء بن خارجة الفزاري - كان يعتذر من أمره - وشمر بن ذي الجوشن العامري، وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان، ومحفز بن ثعلبة من عائذة قريش، والهيثم بن الأسود النخعي - وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسدي، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهمدانيان، ثم الوادعيان، وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وزحر بن قيس الجعفي، وقدامة بن العجلان الأزدي وعزرة بن عزرة الأحمسي - ودعا المختار بن أبي عبيد وعروة بن المغيرة بن شعبة ليشهدوا عليه، فراغا - وعمر بن قيس ذي اللحية وهانىء بن أبي حية الوادعيان.

فشهد عليه سبعون رجلًا، فقال زياد: ألقوهم إلا من قد عرف بحسب وصلاح في دينه، فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة، وألقيت شهادة عبد الله بن الحجاج الثعلبي، وكتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثم دعفها إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثي، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم. وكتب في الشهود شريح ابن الحارث القاضي وشريح بن هانىء الحارثي؛ فأما شريح فقال: سألني عنه، فأخبرته أنه كان صوامًا قوامًا، وأما شريح بن هانىء الحارثي فكان يقول: ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي، فأكذبته ولمسته، وجاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشية، وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة.

فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عزرم، فإذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: ائذنا لي فأوصي أهلي، فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين، سكت عنهن ساعة ثم قال: اسكتن؛ فسكتن، فقال: اتقين الله عز وجل، واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين: إما الشهدة، وهي السعادة؛ وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى - وهو حي لا يموت - أرجو ألا يضيعكن وأن يحفظني فيكن ثم انصرف فمر بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية، فقال: إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي. يقول: حيث لا ينصرونني، وكان رجا أن يتخلصوه.

قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح العبسي، عن عبيد الله بن الحر الجعفي، قال: والله إني لواقف عند باب السري بن أبي وقاص حين مروا بحجر وأصحابه، قال: فقلت: ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء! ألا خمسة! قال: فجعل يتلهف، قال: فلم يجبني أحدٌ من الناس؛ قال: فمضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغريين، فلحقهم شريح بن هانىء معه كتاب، فقال لكثير: بلغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، قال: ما فيه؟ قال: لا تسألني فيه حاجتي؛ فأبى كثير وقال: ما أحب أن آتي أمير المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألا يوافقه! فأتى به وائل بن حجر فقبله منه. ثم مضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء، وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلًا.

تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية

حجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، من بني عامر بن شهران ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمى البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم؛ فمضوا حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها. ثم إن زيادًا أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي؛ بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، فتموا أربعة عشر رجلًا، فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما، وفض كتابهما، فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان. أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوه، وكفاه مؤنة من بغى عليه. إن طواغيت من هذه الترابية السبئية، رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السن والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا.

فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم، قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها.

ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانىء إلى معاوية، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانىء أما بعد؛ فإنه بلغني أن زيادًا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه. فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير، فقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم.

فحبس القوم بمرج عذراء، وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة من قبلك عليهم، فنظرت في ذلك، فأحيانًا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانًا ارى العفو عنهم أفضل من قتلهم. والسلام.

فكتب إليه زيادٌ مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمي: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المصر فلا تردن حجرًا وأصحابه إلي.

فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء. فقال: يا هؤلاء، أما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح، فمروني بما أحببتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به. فقال حجر: أبلغ معاوية أنا على بيعتنا، لا نستقيلها ولا نقيلها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء. فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية فقرأه، وبلغه يزيد مقالة حجر؛ فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر؛ فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي - ويقال: عثمان بن عمير الثقفي: جذاذها جذاذها؛ فقال له معاوية: لا تعن أبرًا. فخرج أهل الشأم ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن، فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم، فقال النعمان: قتل القوم، واقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه علم الرجلين اللذين بعث بهما زياد، فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود، فقال: يا عمر، اسمع مني، أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه، فليتق الله، ولينظر في أمرنا. فقال له نحوًا من هذا الكلام، فأعاد عليه حجر مرارًا، فكان الآخر عرض، فقال قد فهمت لك - أكثرت، فقال له حجر: إني ما سمعت بعيب، وعلى أيةٍ تلوم! إنك والله تحبي وتعطي، وإن حجرًا يقدم ويقتل، فلا ألومك أن تستثقل كلامي، اذهب عني، فكأنه استحيا، فقال: لا والله ما ذلك بي، ولأبلغن ولأجهدن، وكأنه يزعم أنه قد فعل، وأن الآخر أبى.

فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين. قال: وقام يزيد بن أسد البجلي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ابني عمي - وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما: إن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن، سعى بهما ساعٍ ظنين إلى زياد، فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يحدث حدثًا في الإسلام ولا بغيًا على الخليفة، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين - فلما سالهما يزيد ذكر معاوية كتاب جرير، فقال: قد كتب إلي ابن عمك فيهما جرير، محسنًا عليهما الثناء، وهو أهلٌ أن يصدق قوله، وتقبل نصيحته، وقد سألتني ابني عمك، فهما لك. وطلب وائل بن حجر في الأرقم فتركه له، وطلب أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فوهبه له، وطلب حمرة بن مالك الهمداني في سعيد ابن نمران الهمداني فوهبه له، وكلمه حبيب بن مسلمة في ابن حوية، فخلى سبيله.

وقام مالك بن هبيرة السكوني، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، دع لي ابن عمي حجرًا، فقال: إن ابن ابن عمك حجرًا رأس القوم، وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصري، فيضطرنا غدًا إلى أن نشخصك وأصحابك إليه بالعراق. فقال له: والله ما أنصفتني يا معاوية، قاتلت معك ابن عمك فتلقاني منهم يومٌ كيوم صفين، حتى ظفرت كفك، وعلا كعبك ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فسطوت وبسطت من القول بما لا أننفع به؛ وتخوفت فيما زعمت عاقبة الدوائر! ثم انصرف فجلس في بيته، فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي من بني سلامان بن سعد والحصين ابن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي، فأتوهم عند المساء، فقال الخثعمي حين رأى الأعور مقبلًا: يقتل نصفنا وينجو نصفنا؛ فقال سعيد بن نمران: اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راضٍ؛ فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن يكرم بهوانهم وأنت عني راضٍ؛ فطالما عرضت نفسي للقتل، فابى الله إلا ما أراه!

فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك، فابرءوا من هذا الرجل نخل سبيلكم. قالوا: اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك. فأر بقبورهم فحفرت، وأدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون، فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق؛ فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم؛ ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرءون من هذا الرجل! قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه؛ فأخذ كل رجل منهم رجلًا ليقتله، ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي، فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك أمنٌ، فليقتلني سواك؛ فقال له: برتك رحم! فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي قبيصة بن ضبيعة.

قال: ثم إن حجرًا قال لهم: دعوني أتوضأ، قالوا له: توضأ، فلما أن توضأ قال لهم: دعوني أصل ركعتين فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين؛ قالوا: لتصل؛ فصلى، ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاةً قط أقصر منها، ولولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشأم يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها. فمشى إليه الأعور هدبة بن فياض بالسيف، فأرعدت خصائله، فقال: كلا، زعمت أنك لا تجزع من الموت؛ فأنا أدعك فابرأ من صاحبك، فقال: ما لي لا أجزع وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا؛ وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتله؛ وأقبلوا يقتلونهم واحدًا واحدًا حتى قتلوا ستة. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته؛ فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن آئتوني بهما.

فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية، فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤل عما أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا؛ فقال معاوية: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك، قال: أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به؟ فسكت، وكره معاوية أن يجيبه.

وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ابن عمي؛ قال: هو لك؛ غير أني حابسه شهرًا، فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه، وقال له: إني لأنفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك. ثم إن شمرًا عاوده فيه الكلام؛ فقال: نمرك على هبة ابن عمك، فدعاه فخلى سبيله على ألا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان، فقال: تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن أسيرك إليها؛ فاختار الموصل، فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر، فمات قبل معاوية بشهر.

ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال: إيهٍ يا أخا ربيعة! ما قولك في علي؟ قال؛ دعني ولا تسألني فإنه خيرٌ لك؛ قال: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه؛ قال: اشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس؛ قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم، وأرتج أبواب الحق؛ قال: قتلت نفسك؛ قال: بل إياك قتلت؛ ولا ربيعة بالوادي - يقول حين كلم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي، ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلمه فيه - فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: أما بعد، فإن هذا العنزي شر من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها، واقتله شر قتلة. فلما قدم به على زياد بعث به زياد إلى قس الناطف، فدفن به حيًا.

قال: ولما حمل العنزي والخثعمي إلى معاوية قال العنزي لحجر: يا حجر، لا يبعدنك الله، فنعم أخو الإسلام كنت! وقال الخثعمي: لا تبعد ولا تفقد، فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثم ذهب بهما وأتبعهما بصره، وقال: كفى بالموت قطاعًا لحبل القرائن! فذهب بعتبة بن الأخنس وسعيد بن نمران بعد حجر بأيام، فخلى سبيلهما.

تسمية من قتل من أصحاب حجر رحمه الله

حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي؛ فبعث به إلى زياد فدفن حيًا بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا وكفنوا وصلي عليهم.

قال: فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم، وكفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة، قالوا: نعم؛ قال: حجوهم ورب الكعبة!

تسمية من نجا منهم

كريم بن عفيف الخثعمي، وعبد الله بن حوية التميمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمى البجلي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس، من بني سعيد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمداني فهم سبعة.

وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجرًا وقد اجتمع إليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير، فقال: والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا، وإنا لنجد في قومه منه بدلًا، ولا يجد منا في الناس خلفًا، سيروا إلى هذا الرجل فلنخله من أيديهم؛ فأقبلوا يسيرون ولم يشكوا أنهم بعذراء لم يقتلوا، فاستقبلتهم قتلتهم قد خرجوا منها، فلما رأوه في الناس ظنوا أنما جاء بهم ليخلص حجرًا من فسكت عنهم، ومضى نحو عذراء، فاستقبله بعض من جاء منها فأخبره أن القوم قد قتلوا، فقال: علي بالقوم! وتبعتهم الخيل وسبقوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبر ما أتى له مالك بن هبيرة ومن معه من الناس، فقال لهم معاوية: اسكنوا، فإنما هي حرارةٌ يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئت، ورجع مالك حتى نزل في منزله، ولم يأت معاوية، فأرسل إليه معاوية فأبى أن يأتيه، فلما كان الليل بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال له: إن أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفعك في ابن عمك إلا شفقة عليك وعلى أصحابك أن يعيدوا لكم حربًا أخرى، وإن حجر بن عدي لو قد بقي خشيت أن يكلفك وأصحابك الشخوص إليه، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر؛ فقبلها، وطابت نفسه، وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضي عنه.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أن عائشة رضي الله عنها بعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: غاب عني حين غاب مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت.

قال أبو مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: كانت عائشة تقول: لولا أنا لم تغير شيئًا إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان ما علمت لمسلمًا حجاجًا معتمرًا.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل، عن سعيد المقبري، أن معاوية حين حج مر على عائشة - رضوان الله عليها - فاستأذن عليها، فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية، أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: لست أنا قتلتهم، إنما قتلهم من شهد عليهم.

قال أبو مخنف: حدثني زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، قال: أدركت الناس وهم يقولون: إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد.

قال أبو مخنف: وزعموا أن معاوية قال عند موته: يومٌ لي من ابن الأدبر طويلٌ! ثلاث مرات - يعني حجرًا.

قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، عن الحسن، قال: أربع خصال كن في معاوية؛ لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتراؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة؛ واستخلافه ابنه بعده سكيرًا خميرًا، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير؛ وادعاؤه زيادًا؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر "، وقتله حجرًا، ويلًا له من حجرٍ! مرتين.

وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصارية، وكانت تشيع ترثي حجرًا:

ترفع أيها القمر المنير ** تبصرهل ترى حجرًا يسير

يسير إلى معاوية بن حربٍ ** ليقتله كما زعم الأمير

تجبرت الجبابر بعد حجرٍ ** وطاب لها الخورنق والسدير

وأصبحت البلاد بها محولًا ** كأن لم يحيها مزنٌ مطير

ألا يا حجر حجر بني عديٍّ ** تلقتك السلامة والسرور

أخاف عليك ما أردي عديًا ** وشيخًا في دمشق له زئير

يرى قتل الخيار عليه حقًا ** له من شر أمته وزير

ألا يا ليت حجرًا مات موتًا ** ولم ينحر كما نحر البعير!

فإن تهلك فكل زعيم قومٍ ** من الدنيا إلى هلكٍ يصير

وقالت الكندية ترثي حجرًا - ويقال: بل قائلها هذه الأنصارية:

دموع عيني ديمةٌ تقطر ** تبكي على حجرٍ وما تفتر

لو كانت القوس على أسره ** ما حمل السيف له الأعور

وقال الشاعر يحرض بني هند من بني شيبان على قيس بن عباد حين سعى بصيفي بن فسيل:

دعا ابن فسيل يال مرة دعوةً ** ولاقى ذباب السيف كفًا ومعصما

فحرض بني هند إذا ما لقيتهم ** وقل لغياثٍ وابنه يتكلما

لتبك بني هندٍ قتيلة مثل ما ** بكت عرس صيفيٍّ وتبعث مأتما

غياث بن عمران بن مرة بن الحارث بن دب بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان شريفًا، وقتيلة أخت قيس بن عباد، فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه، فقال حوشب للحجاج بن يوسف: إن منا امرأ صاحب فتن ووثوب على السلطان، لم تكن فتنةٌ في العراق قط إلا وثب فيها، وهو ترابي، يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث فشهد معه في مواطنه كلها، يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله، جاء فجلس في بيته، فبعث إليه الحجاج فضرب عنقه، فقال بنو أبيه لآل حوشب: إنما سعيتم بنا سعيًا، فقالوا لهم: وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعيًا.

فقال أبو مخنف: وقد كان عبد الله بن خليفة الطائي شهد مع حجر ابن عدي، فطلبه زياد فتوارى، فبعث إليه الشرط، وهم أهل الحمراء يومئذ، فأخذوه، فخرجت أخته النوار فقالت: يا معشر طيىء، أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة! فشد الطائيون على الشرط فضربوهم وانتزعوا منهم عبد الله بن خليفة، فرجعوا إلى زياد، فأخبروه، فوثب على عدي ابن حاتم وهو في المسجد، فقال: ائتني بعبد الله بن خليفة؛ قال: وما له! فأخبره، قال: فهذا شيء كان في الحي لا علم لي به؛ قال: والله لتأتيني به؛ قال: لا، والله لا آتيك به أبدًا، أجيئك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه. قال: فأمر به إلى السجن؛ قال: فلم يبق بالكوفة يمانيٌّ ولا ربعيٌّ إلا أتاه وكلمه، وقالوا: تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: فإني أخرجه على شرط، قالوا: ما هو؟ قال: يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان. فأتى عدي فأخبر بذلك، فقال: نعم، فبعث عدي إلى عبد الله ابن خليفة فقال: يابن أخي، إن هذا قد لج في أمرك، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك ما دام له سلطان، فالحق بالجبلين، فخرج؛ فجعل عبد الله ابن خليفة يكتب إلى عدي، وجعل عديٌّ يمينه، فكتب إليه:

تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا ** وذكر الصبا برحٌ على من تذكرا

وولى الشباب فافتقدت غصونه ** فيا لك من وجد به حين أدبرا!

فدع عنك تذكار الشباب وفقده ** وآثاره إذ بان منك فأقصرا

وبك على الخلان لما تخرموا ** ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا

دعتهم مناياهم ومن حان يومه ** من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا

أولئك كانوا شيعةً لي وموئلًا ** إذا اليوم ألفى ذا احتدام مذكرا

وما كنت أهوى بعدهم متعللًا ** بشيءٍ من الدنيا ولا أن أعمرا

أقول ولا والله أنسى ادكارهم ** سجيس الليالي أو أموت فأقبرا

على أهل عذراء السلام مضاعفًا ** من الله وليسق الغمام الكنهورا

ولاقى بها حجرٌ من الله رحمةً ** فقد كان أرضى الله حجرٌ وأعذرا

ولا زال تهطال ملثٌّ وديمة ** على قبر حجرٍ أو ينادى فيحشرا

فيا حجر من للخيل تدمى نحورها ** وللملك المغزى إذا ما تغشمرا

ومن صادعٌ بالحق بعدك ناطق ** بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا

فنعم أخو الإسلام كنت وإنني ** لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا

وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه ** وتعرف معروفًا وتنكر منكرا

فيا أخوينا من هميمٍ عصمتما ** ويسرتما للصالحات فأبشرا

ويا أخوي الخندقيين أبشرا ** فقد كنتما حييتما أن تبشرا

ويا إخوتا من حضرموت وغالبٍ ** وشيبان لقيتم حسابًا ميسرا

سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم ** حجاجًا لدى لموت الجليل وأصبرا

سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال ** حمام ببطن الواديين وقرقرا

فقلت ولم أظلم أغوث بن طيىءٍ ** متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا!

هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم ** وقد ذب حتى مال ثم تجورا

ففرجتم عني فغودرت مسلمًا ** كأني غريب في إيادٍ وأعصرا

فمن لكم مثلي لدى كل غارةٍ ** ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا

ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت ** وأوضع فيها المستميت وشمرا

فها أنا ذا داري بأجبال طيىءٍ ** طريدًا ولو شاء الإله لغيرا

نفاني عدوي ظالمًا عن مهاجري ** رضيت بما شاء الإله وقدرا

وأسلمني قومي لغير جنايةٍ ** كأن لم يكونوا لي قبيلًا ومعشرا

فإن ألف في دارٍ بأجبال طيىءٍ ** وكان معانًا من عصير ومحضرا

فما كنت أخشى أن أرى متغربا ** لحا الله من لاحى عليه وكثرا

لحا الله قتل الحضرميين وائلا ** ولاقى الفنا من السنان الموفرا

ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ** علينا وقالوا قول زورٍ ومنكرا

فلا يدعني قومٌ لغوث بن طيىءٍ ** لأن دهرهم أشقى بهم وتغيرا

فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر ** عليهم عجاجًا بالكويفة أكدرا

فبلغ خليلي إن رحلت مشرقًا ** جديلة والحيين معنًا وبحترا

ونبهان والأفناء من جذم طيىءٍ ** ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا!

ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ** أمامكم ألا أرى الدهر مدبرا!

وكرى على مهران والجمع حاسر ** وقتلي الهمام المستميت المسورا

ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ** ويوم نهاوند الفتوح وتسترا

وتنسونني يوم الشريعة والقنا ** بصفين في أكتافهم قد تكسرا

جزى ربه عني عدي بن حاتمٍ ** برفضي وخذلاني جزاءً موفرا

أتنسى بلائي سادرًا يابن حاتمٍ ** عشية ما أغنت عديك حزمرا!

فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ** وكنت أنا الخصم الألد العذورا

فولوا وما قاموا مقامي كأنما ** رأوني ليثًا بالأباءة مخدرا

نصرتكم إذخام القريب وأبعط ال ** بعيد وقد أفردت نصرًا مؤزرا

فكان جزائي أن أجرد بينكم ** سجينًا وأن أولي الهوان وأوسرا

وكم عدةٍ لي منك أنك راجعي ** فلم تغن بالميعاد عني حبترا

فأصبحت أرعى النيب طورًا وتارة ** أهرهر إن راعي الشويهات هرهرا

كأني لم أركب جوادًا لغارةٍ ** ولم أترك القرن الكمي مقطرا

ولم أعترض بالسيف خيلًا مغيرةً ** إذا النكس مشى القهقرى ثم جرجرا

ولم أستحث الركض في إثر عصبةٍ ** ميممةٍ عليا سجاسٍ وأبهرا

ولم أذعر الإبلام مني بغارةٍ ** كورد القطاثم انحدرت مظفرا

ولم أر في خيل تطاعن بالقنا ** بقزوين أو شروين أو أغز كندرا

فذلك دهرٌ زال عني حميده ** وأصبح لي معروفه قد تنكرا

فلا يبعدن قومي وإن كانت غائبًا ** وكنت المضاع فيهم والمكفرا

ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ** وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا

فمات بالجبلين قبل موت زياد.

وقال عبيدة الكندي ثم البدي، وهو يعير محمد بن الأشعث بخذلانه حجرًا:

أسلمت عمك لم تقاتل دونه ** فرقًا ولولا أنت كان منيعا

وقتلت وافد آل بيت محمدٍ ** وسلبت أسيافًا له ودروعا

لو كنت من أسدٍ عرفت كرامتي ** ورأيت لي بيت الحباب شفيعا

ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان

وفي هذه السنة وجه زيادٌ الربيع بن زياد الحارثي أميرًا على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري، وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن عمرو الغفاري، وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن أبي أناس، وأنس هو الذي صلى على الحكم حين مات فدفن في دار خالد بن عبد الله أخي خليد بن عبد الله الحنفي، وكتب بذلك الحكم إلى زياد، فعزل زيادٌ أنسًا، وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي.

فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: لما عزل زيادٌ أنسًا وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي قال أنسٌ:

ألا من مبلغٌ عني زيادًا ** مغلغلةً يخب بها البريد

أتعزلني وتطعمها خليدًا ** لقد لاقت حنيفة ما تريد

عليكم باليمامة فاحرثوها ** فأولكم وآخركم عبيد

فولى خليد شهرًا ثم عزله، وولى خراسان ربيع بن زياد الحارثي في أول سنة إحدى وخمسين، فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان، ووطنوا بها، ثم عزل الربيع.

فحدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن ابن أبان القرشي، قالا: قدم الربيع خراسان ففتح بلخ صلحًا، وكانوا قد أغلقوها بعد ما صالحهم الأحنف بن قيس، وفتح قهستان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقتلهم وهزمهم، وكان ممن بقي منهم نيزك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فروخ وجاريته شريفة، فغنم وسلم، فأعتق فروخا، وكان قد قطع النهر قبله الحكم بن عمرو في ولايته ولم يفتح.

فحدثني عمر، عن علي بن محمد، قال: كان أول المسلمين شرب من النهر مولىً للحكم، اغترف بترسه فشرب، ثم ناول الحكم فشرب، وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين، وكان أول الناس فعل ذلك، ثم قفل.

وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي.

وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربي.

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين

فزعم الواقدي أن فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأزدي، ومشتاه بأرض الروم، وأنه توفي بها، واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري.

وقال غيره: بل الذي شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بسر بن أبي أرطاة، ومعه سفيان بن عوف الأزدي، وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفي.

وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر والواقدي وغيرهما.

وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال عليها كانوا في سنة إحدى وخمسين.

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم.

وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، ففتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي، فنزلها المسلمون - فيما ذكر محمد بن عمر - وزرعوا واتخذوا بها أموالًا ومواشي يرعونها حولها، فإذا أمسوا أدخلوها الحصن، ولهم ناطورٌ يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد، فكانوا على حذرٍ منهم، وكانوا أشد شيء على الروم، فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم الأرزاق والعطاء، وكان العدو قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية.

وفيها كانت وفاة زياد بن سمية؛ حدثني عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزبير، عن فيل مولى زياد، قال: ملك زياد العراق خمس سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين.

حدثني عمر، قال، حدثنا علي بن محمد، قال: لما نزل زياد على العراق بقي إلى سنة ثلاث وخمسين، ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سمرة بن جندب.

ذكر سبب مهلك زياد بن سمية

حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثنا أبي، قال حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني عبد الله بن شوذب، عن كثير بن زياد، أن زيادًا كتب إلى معاوية: إني ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة. فضم إليه معاوية العروض - وهي اليمامة وما يليها - فدعا عليه ابن عمر، فطعن ومات. فقال ابن عمر حين بلغه الخبر: اذهب إليك ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت.

حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: كتب زيادٌ إلى معاوية: قد ضبطت لك العراق بشمالي ويمين فارغة، فاشغلها بالحجاز، وبعث في ذلك الهيثم بن الأسود النخعي، وكتب له عهده مع الهيثم، فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يكفيكموه، فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا، فخرجت طاعونةٌ على أصبعه، فأرسل إلى شريح - وكان قاضيه - فقال: حدث بي ما ترى، وقد أمرت بقطعها، فاشر علي؛ فقال له شريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألم على قلبك، وأن يكون الأجل قد دنا، فتلقى الله عز وجل أجذم، وقد قطعت يدك كراهيةً للقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم وتعر ولدك. فتركها؛ وخرج شريح فسألوه، فأخبرهم بما أشار به، فلاموه وقالوا: هلا أشرت عليه بقطعها! فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن ".

حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: قال عبد الله: سمعت بعض من يحدث أنه أرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده، فقال: لا تفعل؛ إنك إن عشت صرت أجذم، وإن هلكت إياك جانيًا على نفسك، قال: أنام والطاعون في لحاف! فعزم أن يفعل، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وترك ذلك.

حدثني عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال: حدثني ابن أبي زياد، قال: لما حضرت زيادًا الوفاة قال له ابنه: يا أبت، قد هيأت لك ستين ثوبًا أكفنك فيها؛ قال: يا بني، قد دنا من أبيك لباسٌ خيرٌ من لباسه هذا، أو سلبٌ سريع؛ فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة، وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليًا عليها، فقال مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم:

رأيت زيادة الإسلام ولت ** جهارًا حين ودعنا زياد

وقال الفرزدق لمسكين - ولم يكن هجا زيادًا حتى مات:

أمسكين أبكى الله عينك إنما ** جرى في ضلالٍ دمعها فتحدرا

بكيت امرأً من آل ميسان كافرًا ** ككسرى على عدانه أو كقيصرا

أقول له لما أتاني نعيه ** به لا بظبيٍ بالصريمة أعفرا

فأجابه مسكين، فقال:

ألا أيها المرء الذي لست ناطقًا ** ولا قاعدًا في القوم إلا انبرى ليا

فجئني بعمٍّ مثل عمي أو أبٍ ** كمثل أبي أو خال صدقٍ كخاليا

كعمرو بن عمرٍو أو زرارة والدًا ** أو البشر من كلٍّ فرعت الروابيا

وما زال بي مثل القناة وسابحٍ ** وخطارةٍ غب السري من عياليا

فهذا لأيام الحفاظ وهذه ** لرحلي وهذا عدة لارتحاليا!

وقال الفرزدق:

أبلغ زيادًا إذا لاقيت مصرعه ** أن الحمامة قد طارت من الحرم

طارت فما زال ينميها قوادمها ** حتى استغاثت إلى الأنهار والأجم

حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، عن سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن جرير بن حازم، عن جرير بن يزيد، قال: رأيت زيادًا فيه حمرةٌ، في عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص مرقوع، وهو على بغلة عليها لجامها قد أرسنها.

ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي

وفي هذه السنة كانت وفاة الربيع بن زيا الحارثي، وهو عامل زياد على خراسان.

ذكر الخبر عن سبب وفاته

حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: ولي الربيع بن زياد خراسان سنتين وأشهرًا، ومات في العام الذي مات فيه زياد، واستخلف ابنه عبد الله بن الربيع، فولي شهرين، ثم مات عبد الله. قال: فقدم عهده من قبل زياد على خراسان وهو يدفن، واستخلف عبد الله بن الربيع على خراسان خليد بن عبد الله الحنفي.

قال علي: وأخبرين محمد بن الفضل، عن أبيه، قال: بلغني أن الربيع ابن زياد ذكر يومًا بخراسان حجر بن عدي، فقال: لا تزال العرب تقتل صبرًا بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرًا، ولكنها أقرت فذلت، فمكث بعد هذا الكلام جمعةًن ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة، فقال: أيها الناس، إني قد مللت الحياة، وإني داعٍ بدعوة فأمنوا. ثم رفع يده بعد الصلاة، وقال: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك عاجلًا. وأمن الناس فخرج، فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه، فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفي، فأقره زياد، فمات زياد وخليد على خراسان، وهلك زياد وقد استخلف على عمله على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة بن جندب الفزاري.

فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي، قال: مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرًا.

قال عمر: وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي، قال: أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر، ثم عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدًا.

حدثني عمر، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثني سليمان ابن مسلم العجلي، قال: سمعت أبي يقول: مررت بالمسجد، فجاء رجلٌ إلى سمرة فأدى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه، فإذا رأسه في المسجد، وبدنه ناحيةً، فمر أبو بكرة، فقال: يوق الله سبحانه: " قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى "، قال أبي: فشهدت ذاك، فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة، قال: وشهدته وأتي بناسٍ كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله وأني بريءٌ من الحرورية، فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعةٌ وعشرون.

وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر الواقدي وغيرهما.

وكان العامل فيها على المدينة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سمرة بن جندب، وعلى خراسان خليد بن عبد الله الحنفي.

ثم دخلت سنة أربع وخمسين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

ففيها كان مشتى محمد بن مالك أرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي.

وفيها - فيما زعم الواقدي - فتح جنادة بن أبي أمية جزيرةً في البحر قريبةً من قسطنطينية يقال لها أرواد.

وذكر محمد بن عمر أن المسلمين أقاموا بها دهرًا، فيما يقال سبع سنين، وكان فيها مجاهد بن جبر. قال: وقال تبيع ابن امرأة كعب: ترون هذه الدرجة؟ إذا انقلعت جاءت قفلتنا. قال: فهاجت ريحٌ شديدة فقلعت الدرجة، وجاء نعي معاوية وكتاب يزيد بالقفل فقفلنا، فلم تعمر بعد ذلك وخربت، وأمن الروم.

ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان

وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة، واستعمل عليها مروان بن الحكم.

ذكر سبب عزل معاوية سعيدا واستعمال مروان

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، عن جويرة بن أسماء، عن أشياخه، أن معاوية كان يغري بين مروان وسعيد بن العاص، فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة: اهدم دار مروان؛ فلم يهدمها، فأعاد عليه الكتاب بهدمها، فلم يفعل، فعزله وولى مروان.

وأما محمد بن عمر؛ فإنه ذكر أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافيةً، ويقبض فدك منه - وكان وهبها له، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، وقال: قرابته قريبة. فكتب إليه ثانية يأمره باصطفاء أموال مروان، فأبى، وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند جارية، فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان، كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز، وارسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك، فخبره أنه لو كان شيئًا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت، فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله، فذهب بهما إلى مروان، فقال: هو كان أوصل لنا منا له! وكف عن قبض أموال سعيد.

وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا، أن يضغن بعضنا على بعض! فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبين، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا بما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم، واجتماع كلمتنا، لكان حقًا علينا أن نرعى ذلك، والذي أدركنا به خير. فكتب إليه يتنصل من ذلك، وأنه عائدٌ إلى أحسن ما يعهده.

عاد الحديث إلى حديث عمر، عن علي بن محمد، قال: فلما ولى مروان كتب إليه: اهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة، وركب ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري! قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب في هدم داري لفعلت؛ قال: ما كنت لأفعل؛ قال: بلى، والله لو كتب إليك لهدمتها، قال: كلا أبا عبد الملك. وقال لغلامه: انطلق فجئني بكتاب معاوية؛ فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مروان بن الحكم، قال: مروان كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري، فلم تهدم ولم تعلمني. قال: ما كنت لأهدم دارك، ولا أمن، عليك؛ وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأمي! أنت والله أكثر منا ريشًا وعقبًا. ورجع مرون ولم يهدم دار سعيد.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو محمد بن ذكوان القرشي، قال: قدم سعيد بن العاص على معاوية، فقال له: يا أبا عثمان، كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطًا لعملك، منفذًا لأمرك. قال: إنه كصاحب الخبزة كفى نضجها فأكلها، قال: كلا، والله يا أمير المؤمنين، إنه لمع قوم لا يحمل بهم السوط، ولا يحل لهم السيف، يتهادون كوقع النبل، سهمٌ لك وسهمٌ عليك؛ قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني على شرفه، وخفته على شرفي، قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره غائبًا، وأسره شاهدًا؛ قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتحملت الثقل، وكفيت الحزم، وكنت قريبًا لو دعوت أجبت، ولو ذهبت رفعت.

وفي هذه السنة كان عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد قال: عزل معاوية سمرة وولي عبد الله بن عمرو بن غيلان، فأقره ستة أشهر، فولي عبد الله بن عمرو شرطته عبد الله بن حصن.

ذكر تولية معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان

وفي هذه السنة ولي معاوية عبيد الله بن زياد خراسان.

ذكر سبب ولاية ذلك

حدثني عمر؛ قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن محارب ومحمد بن أبان القرشي، قالا: لما مات زيادٌ وفد عبيد الله إلى معاوية فقال له: من استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قال: عبد الله بن خالد ابن أسيد، قال: فمن استعمل على البصرة؟ قال: سمرة بن دندب الفزاري، فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال له عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها إلي أحدٌ بعدك: لو ولاك أبوك وعمك لوليتك! قالا: وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلًا من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى منه خيرًا وما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قيامًا حسنًا جمع له معهما المدينة، فكان إذا ولى الطائف رجلًا قيل: هو في أبي جاد، فإذا ولاه مكة قيل: هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل: هو قد حذق.

قالا: فلما قال عبيد الله ما قال ولاه خراسان، ثم قال له حين ولاه: إني قد عهدت إليك مثل عهدي إلى عمالي، ثم أوصيك وصية القرابة لخاصتك عندي، لا تبيعن كثيرًا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤونة وعلينا منك، وافتح بابك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء، وإذا عزمت على أمر فأخرجه إلى الناس، ولا يكن لأحد فيه مطمع، ولا يرجعن عليك وأنت تستطيع، وإذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيهم بنفسك فآسهم.

حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرنا علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، قال: استعمل معاوية عبيد الله بن زياد وقال:

استمسك الفسفاس إن لم يقطع

وقال له: اتق الله ولا تؤثرن على تقوى الله شيئًا، فإن في تقواه عوضًا، وق عرضك من أن تدنسه، وإذا أعطيت عهدًا فف به، ولا تبيعن كثيرًا بقليل، ولا تخرجن منك أمرًا حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت عدوك فكن أكثر من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تطمعن أحدًا في غير حقه، ولا تؤيسن أحدًا من حق له. ثم ودعه.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة، قال: سار عبيد الله إلى خراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وعشرين سنة من الشأم وقدم إلى خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فخرج، فخرج معه من الشأم الجعد بن قيس النمري يرجز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها: وحدثني عمر مرة أخرى في كتابه الذي سماه كتاب أخبار أهل البصرة، فقال: حدثني أبو الحسن المدائني قال: لما عقد معاوية لعبيد الله بن زياد على خراسان خرج وعليه عمامةٌ - وكان وضيئًا - والجعد بن قيس ينشده مرثية زياد:

أبق علي عاذلي من اللوم ** فيما أزيلت نعمتي قبل اليوم

قد ذهب الكريم والظل الدوم ** والنعم المؤثل الدثر الحوم

والماشيات مشيةً بعد النوم ** ليت الجياد كلها مع القوم

سقين سم ساعةٍ قبل اليوم ** لأربع مضين من شهر الصوم

ومنها:

يوم الثلاثاء الذي كان مضى ** يومٌ قضى فيه المليك ما قضى

وفاة برٍّ ماجدٍ جلد القوى ** حر به نوال جعدٍ والتظى

كان زيادٌ جبلًا صعب الذرى ** شهمًا إذا شئتم نقيصاتٍ أبى

لا يبعد الله زيادًا إذ ثوى

وبكى عبيد الله يومئذ حتى سقطت عمامته عن رأسه؛ قال: وقدم عبيد الله خراسان ثم قطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان هو أول من قطع إليهم جبال بخارى في جند، ففتح راميثن ونصف بيكند - وهما من بخارى - فمن ثم أصاب البخارية.

قال علي: أخبرنا الحسن بن رشيد، عن عمه، قال: لقي عبيد الله بن زياد الترك ببخارى ومع ملكهم امرأته قبج خاتون، فلما هزمهم الله أعجلوها عن لبس خفيها، فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأصابه المسلمون، فقوم الجورب بمائتي ألف درهم.

قال: وحدثني محمد بن حفص، عن عبيد الله بن زياد بن معمر، عن عبادة بن حصن، قال: ما رأيت أحدًا أشد بأسًا من عبيد الله بن زياد، لقينا زحفٌ من الترك بخراسان، فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنا، ثم يرفع رايته تقطر دمًا.

قال علي: وأخبرنا مسلمة أن البخارية الذين قدم بهم عبيد الله بن زياد البصرة ألفان، كلهم جيد الرمي بالنشاب.

قال مسلمة: كان زحف الترك ببخارى أيام عبيد الله بن زياد من زحوف خراسان التي تعد؛ قال: وأخبرنا الهذلي، قال: كانت زحوف خراسان خمسةً: أربعة لقيها الأحنف بن قيس؛ الذي لقيه بين قهستان وأبرشهر، والزحوف الثلاثة التي لقيها بالمرغاب، والزحف الخامس زحف قارن، فضه عبد الله بن خازم.

قال علي: قال مسلمة: أقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين.

وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم، كذلك حدثني أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره.

وكان على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم، وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد؛ وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان.

ثم دخلت سنة خمس وخمسين

ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث

فمما كان فيها من ذلك مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم في قول الواقدي.

وقال بعضهم: بل الذي كان شتا بأرض الروم في هذه السنة عمرو ابن محرز.

وقال بعضهم: بل الذي شتا بها عبد الله بن قيس الفزاري.

وقال بعضهم: بل ذلك مالك بن عبد الله.

وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيد الله بن زياد.

ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة

حدثني عمر، قال: حدثنا الوليد بن هشام وعلي بن محمد - قال: واختلفا في بعض الحديث - قالا: خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة، فحصبه رجل من بني ضبة - قال عمر: قال أبو الحسن: يدعى جبير بن الضحاك أحد بني ضرار - فأمر به فقطعت يده، فقال:

السمع والطاعة والتسليم ** خيرٌ وأعفى لبني تميم

فأتته بنو ضبة، فقالوا: إن صاحبنا جنى ما جنى على نفسه، وقد بالغ الأمير في عقوبته، ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين، فيأتي من قبله عقوبة تخص أو تعم، فإن رأى الأمير أن يكتب لنا كتابًا يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يضح، فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية، فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة - وقال أبو الحسن: لم يزد على ستة أشهر - فوجه إلى معاوية، ووافاه الضبيون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه قطع صاحبنا ظلمًا، وهذا كتابه إليك، وقرأ الكتاب، فقال: أما القود من عمالي فلا يصح، ولا سبيل إليه، ولكن إن شئتم وديت صاحبكم؛ قالوا: فده؛ فواداه من بيت المال، وعزل عبد الله، وقال لهم: اختاروا من تحبون أن أولي بلدكم؛ قالوا: يتخير لنا أمير المؤمنين، وقد علم رأي أهل البصرة في ابن عامر؛ فقال: هل لكم في ابن عامر؟ فهو من قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته، قالوا: أمير المؤمنين أعلم، فجعل يردد ذلك عليهم ليسبرهم، ثم قال: قد وليت عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد.

قال عمر: حدثني علي بن محمد، قال: عزل معاوية عبد الله بن عزرو وولى عبيد الله بن زياد البصرة في سنة خمسٍ وخمسين وولى عبيد الله أسلم ابن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئًا، وولى شرطه عبد الله بن حصن، والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله، وولى القضاء ابن أذينة العبدي.

وفي هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهري.

وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم؛ حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.

ثم دخلت سنة ست وخمسين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

ففيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم؛ وقيل: عبد الرحمن ابن مسعود.

وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة الرهاوي، وفي البر عياض ابن الحارث.

وحج بالناس - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

وفيها اعتمر معاوية في رجب.

ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد

وفيها دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده، وجعله ولي العهد.

ذكر السبب في ذلك

حدثني الحارث، قال: حدثا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وعلي بن مجاهد، قالا: قال الشعبي: قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضعف، فأعفاه، وأراد أن يولي سعيد بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك، فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة - أو الربيع - من خزاعة، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة، ما أرى أمير المؤمنين إلا قد قلاك، رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد ابن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة، قال المغيرة: أفلا يقول كما قال الأعشى:

أم غاب ربك فاعترتك خصاصةٌ ** ولعل ربك أن يعود مؤيدا

رويدًا! ادخل على يزيد؛ فدخل عليه فعرض له بالبيعة، فأدى ذلك يزيد إلى أبيه، فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة، فأمره أن يعمل في بيعة يزيد، فشخص المغيرة إلى الكوفة، فأتاه كاتبه ابن خنيس، فقال: والله ما غششتك ولا خنتك، ولا كرهت ولايتك، ولكن سعيدًا كانت له عندي يدٌ وبلاء، فشكرت ذلك له، فرضي عنه وأعاده إلى كتابته، وعمل المغيرة في بيعة يزيد، وأوفد في ذلك وافدًا إلى معاوية.

حدثني الحارث، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، قال: لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقال: إن لكل مستشير ثقة، ولك سرٍّ مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخره يرجو ثوابًا، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد عجمتهما منك، فأحمدت الذي قبلك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف؛ إن أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس، ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤديًا عني؛ فأخبره عن فعلات يزيد؛ فقال له: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركًا في تأخير خيرٌ من تعجيل عاقبته الفوت. فقال عبيد له: أفلا غير هذا! قال: ما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تمقت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سرًا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوف خلاف الناس لهناتٍ ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين؛ فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يعلم. فقدم على يزيد فذاكره ذلك. وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة، وألا يعجل، فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة.

حدثني الحارث، قال: حدثنا علي، قال: لما مات زياد دعا معاوية بكتابٍ فقرأه على الناس باستخلاف يزيد، إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهد، فاستوسق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر.

فحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عون، قال: حدثني رجل بنخلة، قال: بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عباس؛ فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علي، فقال: يابن أخي، قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم؛ يابن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم؛ قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوا كنت رجلًا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم؛ قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدًا قال: فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلًا بالطريق قال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئًا.

ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير، فقال له: قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم؛ يابن أخي! فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم؛ قال: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلًا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم؛ قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدًا؛ قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حرم الله عز وجل، وعهد الله سبحانه ثقيل، فأبى عليه، وخرج.

ثم ارسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه، فقال: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها، وقد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إربك إلى الخلاف! قال: هل لك في أمرٍ يذهب الذم، ويحقن الدم، وتدرك به حاجتك؟ قال: وددت! قال: تبرز سريرك، ثم أجيء فأبايعك، على أني أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم، ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه، وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم.

فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: يابن أبي بكر، بأية يدٍ أو رجل تقدم على معصيتي! قال: أرجو أن يكون ذلك خيرًا لي؛ فقال: والله لقد هممت أن أقتلك؛ قال: لو فعلت لأتبعك الله به لعنةً في الدنيا، وأدخلك به في الآخرة النار.

قال: ولم يذكر ابن عباس.

ذكر عزل ابن زياد عن خراسان

واستعمال سعيد بن عثمان وكان العامل على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم، وعلى الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد ابن عثمان.

وكان سبب ولايته خراسان ما حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرني محمد بن حفص، قال: سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله بن زياد، فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى، فما شكرت بلاءه، ولا جازيته بآلائه، وقدمت علي هذا - يعين يزيد بن معاوية - وبايعت له؛ ووالله لأنا خير منه أبًا وأمًا ونفسًا؛ فقال: فقال معاوية: أما بلاء أبيك فقد يحق علي الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور، ولست بلائم لنفسي في التشمير؛ وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خيرٌ مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما فضل أمك على أمه فما ينكر، امرأةٌ من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالًا مثلك. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، ابن عمك، وأنت أحق من نظر في أمره، وقد عتب عليك فأعتبه، قال: فولاه حرب خراسان، وولي إسحاق ابن طلحة خراجها، وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمه أم أبان ابنة عتبة ابن ربيعة، فلما صار بالري مات إسحاق بن طلحة فولي سعيد خراج خراسان وحربها.

حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرنا مسلمة، قال: خرج سعيد إلى خراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التيمي صاحب قصر أوس؛ وطلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي والمهلب بن أبي صفرة وربيعة بن عسل أحد بني عمرو بن يربوع؛ قال: وكان قومٌ من الأعراب يقطعون الطريق على الحاج ببطن فلج، فقيل لسعيد: إن ها هنا قومًا يقطعون الطريق على الحاج ويخيفون السبيل، فلو أخرجتهم معك! قال: فأخرج قومًا من بني تميم، منهم مالك بن الريب المازني في فتيان كانوا معه، وفيهم يقول الراجز:

الله أنجاك من القصيم ** ومن أبي حردبة الأثيم

ومن غويثٍ فاتح العكوم ** ومالكٍ وسيفه المسموم

قال علي: قال مسلمة: قدم سعيد بن عثمان، فقطع النهر إلى سمرقند، فخرج إليه أهل الصغد، فتواقفوا يومًا إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال، فقال مالك بن الريب يذم سعيدًا:

ما زلت يوم الصعد ترعد واقفًا ** من الجبن حتى خفت أن تتنصرا

وما كان في عثمان شيءٌ علمته ** سوى نسله في رهطه حين أدبرا

ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم ** بطون العظايا من كسيرٍ وأعورا

قال: فلما كان الغد خرج إليهم سعيد بن عثمان، وناهضه الصغد، فقاتلهم فهزمهم وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنًا منهم خمسين غلامًا يكونون في يده من أبناء عظمائهم، وعبر فأقام بالترمذ، ولم يف لهم، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة.

قال: وقدم سعيد بن عثمان خراسان وأسلم بن زرعة الكلابي بها من قبل عبيد الله بن زياد، فلم يزل أسلم بن زرعة بها مقيمًا حتى كتب إليه عبيد الله بن زياد بعهده على خراسان الثانية، فلما قدم كتاب عبيد الله على أسلم طرق سعيد بن عثمان ليلًا، فأسقطت جاريةٌ له غلامًا، فكان سعيد يقول: لأقتلن به رجلًا من بني حرب؛ وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه، وغضبت البيسية؛ قال: فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين، فقال: يا همام، إن عينيك لمحمرتان؛ قال همام: كانتا يوم صفين أشد حمرة؛ فغم معاوية ذلك، فلما رأى ذلك سعيد كف عن أسلم، فأقام أسلم بن زرعة على خراسان واليًا لعبيد الله بن زياد سنتين.

ثم دخلت سنة سبع وخمسين

وكان فيها مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم.

وفيها صرف مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول الواقدي؛ وقال غيره: كان مروان إليه المدينة في هذه السنة.

وقال الواقدي: استعمل معاوية على المدينة حين صرف عنها مروان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

وكالذي قال الواقدي قال أبو معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان.

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

ففيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول أبي معشر، وأمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عليها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم.

وفيها قتل يزيد بن شجرة في البحر في السفن في قول الواقدي. قال: ويقال عمرو بن يزيد الجهني، وكان الذي شتا بأرض الروم، وقد قيل: إن الذي غزا في البحر في هذه السنة جنادة بن أبي أمية.

وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره.

عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم

وفي هذه السنة ولي معاوية الكوفة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبي سفيان، وعزل عنها الضحاك بن قيس، ففي عمله في هذه السنة خرجت الطائفة الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم في السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن علفة، فظفر بهم فاستودعهم السجن، فلما مات المغيرة خرجا من السجن.

فذكر هشام بن محمد أن أبا مخنف، حدثه عن عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي أن حيان بن ظبيان السلمي جمع إليه أصحابه، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم: أما بعد، فإن الله عز وجل كتب علينا الجهاد، فمنا من قضى نحبه، ومنا من ينتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين.

قال معاذ بن جوين الطائي: يا أهل الإسلام، إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور، كان لنا به عند الله عذر، لكان تركه أيسر علينا، وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم، ونغير الجور، ونجاهد الظالمين؛ ثم قال: ابسط يدك نبايعك، فبايعه وبايعه القوم، فضربوا على يد حيان بن ظبيان، فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أم الحكم، وكان على شرطته زائدة بن قدامة الثقفي.

ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي. فقال لهم حيان بن ظبيان: عباد الله، أشيروا برايكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها، فإنها كورةٌ بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر - يعني بالثغر الري - فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا. فقال له حيان: عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم، ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا، فإني الله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم، ولا أن تشتد نكايتكم فيهم؛ ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم. قالوا: رأينا رأيك، فقال لهم عتريس ابن عرقوب أبو سليمان الشيباني: ولكن لا أرى رأي جماعتكم، فانظروا في رأي لكم، إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب، وتجربتي بالأمور، فقالوا له: أجل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قال: ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر، إنكم قليل في كثير، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم؛ وتقروا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن تخرجوا على قومكم، فكيدوا عدوكم ما يضرهم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: تسيرون إلى الكورة التي أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين - يعني حلوان - أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها، فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانبٍ وأوب؛ فقال له حيان بن ظبيان: إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر، فأنى تشفون أنفسكم! فوالله ما عدتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين، فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله، ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة، وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة. قالوا: أما إذا كان لابد لنا فإنا لن نخالفك، فاخرج حيث أحببت.

فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن أم الحكم في أول السنة - وهو أول يوم من شهر ربيع الآخر - اجتمع أصحاب حيان بن ظبيان إليه، فقال لهم: يا قوم، إن الله قد جمعكم لخير وعلى خيرٍ، والله الذي لا إله غيره ما سررت بشيء قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الأثمة، فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حرمني في مخرجي هذا الشهادة. وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم. فقال عتريس بن عرقوب البكري: أما أن نقاتلهم في جوف المصر فإنه يقاتلنا الرجال، وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة؛ فقال لهم رجل منهم: انزلوا بنا إذًا من وراء المصر الجسر - وهو موضع زرارة، وإنما بنيت زرارة بعد ذلك إلا أبياتًا يسيرة كانت منها قبل ذلك - فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائي: لا، بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم، فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا، وجعلنا البيوت في ظهورنا، فقاتلناهم من وجه واحد. فخرجوا، فبعث إليهم جيش، فقتلوا جميعًا.

ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة، فحدثت عن هشام ابن محمد، قال: استعمل معاوية ابن أم الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم، فطردوه، فلحق بمعاوية وهو خاله، فقال له: أوليك خيرًا منها؛ مصر؛ قال: فولاه، فتوجه إليها، وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر، فخرج فاستقبله على مرحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالج فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة.

قال: فرجع إلى معاوية، وأقبل معاوية بن حديج وافدًا؛ قال: وكان إذا جاء قلست له الطريق - يعني ضربت له قباب الريحان - قال: فدخل على معاوية وعنده أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخٍ! هذا معاوية بن حديج؛ قالت: لا مرحبًا به! تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه؛ فقال: على رسلك يا أم الحكم! أما والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في أخواننا من أهل الكوفة؛ ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضربًا يطأطىء منه، وإن كره ذلك الجالس. فالتفت إليها معاوية، فقال: كفى.

ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج

وفي هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعةً كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية.

ذكر سبب قتله إياهم

حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عيسى بن عاصم الأسدي، أن ابن زياد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كن في الأمم قبلنا، فقد صرن فينا: " أتبنون بكل ريعٍ آيةً تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين ". وخصلتين أخريين لم يحفظهما جرير. فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترىء على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام وركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ما صنعت! تعلمن والله ليقتلنك. قال: فتوارى، فطلبه ابن زياد، فأتى الكوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: أرى أنك أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك؛ فقتله، وأرسل إلى ابنته فقتلها.

وأما مرداس بن أدية فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حبسه - فيما حدثني عمر، قال: حدثني خلاد بن زيدي الباهلي، قال -: حبس ابن زياد - فيمن حبس - مرداس ابن أدية، فكان السجان يرى عبادته واجتهاده، وكان يأذن له في الليل، فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، وكان صديقٌ لمرداس يسامر ابن زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلةً فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم، وقال: أرسلوا إلى أبي بلال في السجن فليتعهد فإنه مقتول، فسمع ذلك مرداس، وبلغ الخبر صاحب السجن، فبات بليلة سوء إشفاقًا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع، فقال له السجان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم؛ قال: ثم غدوت! قال: نعم، ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي؛ وأصبح عبيد الله فجعل يقتل الخوارج، ثم دعا بمرداس، فلما حضر وثب السجان - وكان ظئرًا لعبيد الله - فأخذ بقدمه، ثم قال: هب هذا؛ وقص عليه قصته، فوهبه له وأطلقه.

حدثني عمر، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني يونس بن عبيد؛ قال: خرج مرداس أبو بلال - وهو من بني ربيعة بن حنظلة - في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فبعث إليهم ابن زياد جيشًا عليهم ابن حصن التميمي، فقتلوا في أصحابه وهزموه، فقالرجلٌ من بني تيم الله بن ثعلبة:

أألفا مؤمنٍ منكم زعمتم ** ويقتلهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ** ولكن الخوارج مؤمنونا

هي الفئة القليلة قد علمتم ** على الفئة الكثيرة ينصرونا

قال عمر: البيت الأخير ليس في الحديث، أنشدنيه خلاد بن يزيد الباهلي.

وقيل: مات في هذه السنة عميرة بن يثربي قاضي البصرة، واستقضى مكانه عليها هشام بن هبيرة.

وكان على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أم الحكم. وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس الفهري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح.

وحج بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة، كذلك قال أبو معشر والواقدي.

ثم دخلت سنة تسع وخمسين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

ففيها كان مشتى عمرو بن مرة الجهني أرض الروم في البر؛ قال الواقدي: لم يكن عامئذٍ غزوٌ في البحر. وقال غيره: بل غزا في البحر جنادة بن أبي أمية.

وفيها عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة، واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري؛ وقد ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفة.

ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان

وفي هذه السنة ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد بن سمية خراسان.

ذكر سبب استعمال معاوية إياه على خراسان

حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو عمرو، قال: سمعت أشياخنا يقولون: قدم عبد الرحمن بن زياد وافدًا على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، أما لنا حقٌّ؟ قال: بلى؛ قال: فماذا توليني؟ قال: بالكوفة النعمان رشيدٌ، وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعبيد الله بن زياد على البصرة وخراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولست أرى عملًا يشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيد الله؛ قال أشركني، فإن عمله واسع يحتمل الشركة، فولاه خراسان.

قال علي: وذكر أبو حفس الأزدي، قال: حدثني عمر، قال: قدم علينا قيس بن الهيثم السلمي، وقد وجهه عبد الرحمن بن زياد، فأخذ أسلم بن زرعة فحبسه، ثم قدم عبد الرحمن، فأغرم أسلم بن زرعة ثلثمائة ألف درهم.

قال: وذكر مصعب بن حيان، عن أخيه مقاتل بن حيان، قال: قدم عبد الرحمن بن زياد خراسان، فقدم رجلٌ سخيٌّ حريصٌ ضعيفٌ لم يغز غزوةً واحدةً، وقد أقام بخراسان سنتين.

قال علي: قال عوانة: قدم عبد الرحمن بن زياد على يزيد بن معاوية من خراسان بعد قتل الحسين رضي الله عنه، واستخلف على خراسان قيس ابن الهيثم.

قال: وحدثني مسلمة بن محارب وأبو حفص، قالا: قال يزيد لعبد الرحمن ابن زياد: كم قدمت به معك من المال من خراسان؟ قال: عشرين ألف ألف درهم؛ قال: إن شئت حاسبناك وقبضناها منك، ورددناك على عملك، وإن شئت سوغناك وعزلناك، وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم؛ قال: بل تسوغني ما قلت، ويستعمل عليها غيري. وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف من قبلي.

ذكر وفود عبيد الله بن زياد على معاوية

وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البصرة، فعزله عن البصرة، ثم رده عليها وجدد له الولاية.

ذكر من قال ذلك

حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: وفد عبيد الله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له: ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم، فأذن لهم، ودخل الأحنف في آخرهم، وكان سيىء المنزلة من عبيد الله، فلما نظر إليه معاوية رحب به، وأجلسه معه على سريريه، ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله، والأحنف ساكت، فقال: ما لك يا أبا بحر لا تتكلم! قال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال: انهضوا فقد عزلته عنكم، واطلبوا واليًا ترضونه، فلم يبق في القوم أحد إلا أتى رجلًا من بني أمية أو من أشراف أهل الشأم، كلهم يطلب، وقعد الأحنف في منزله، فلم يأت أحدًا، فلبثوا أيامًا، ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم، فلما دخلوا عليه قال: من اخترتم؟ فاختلفت كلمتهم، وسمى كل فريق منهم رجلًا والأحنف ساكتٌ، فقال له معاوية: ما لك يا ابا بحر لا تتكلم! قال: إن وليت علينا أحدًا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدًا، وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك، قال معاوية: فإني قد أعدته عليكم، ثم أوصاه بالأحنف، وقبح رأيه في مباعدته، فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف.

ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد

وفي هذه السنة كان ما كان من أمر يزيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بني زياد.

ذكر سبب ذلك

حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري كان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، فاستبطأه، فأصاب الجند مع عباد ضيقٌ في أعلاف دوابهم، فقال ابن مفرغ:

ألا ليت اللحى عادة حشيشًا ** فنعلفها خيول المسلمينا!

وكان عباد بن زياد عظيم اللحية، فأنهى شعره إلى عباد؛ وقيل: ما أراد غيرك، فطلبه عباد، فهرب منه، وهجاه بقصائد كثيرة، فكان مما هجاه به قوله:

إذا أودى معاوية بن حربٍ ** فبشر شعب قعبك بانصداع

فأشهد أن أمك لم تباشر ** أبا سفيان واضعة القناع

ولكن كان أمرًا فيه لبسٌ ** على وجلٍ شديدٍ وارتياع

وقوله:

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ** مغلغلةً من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ ** وترضى أن يقال أبوك زان!

فأشهد أن رحمك من زيادٍ ** كرحم الفيل من ولد الأتان

فحدثني أبو زيد، قال: لما هجا ابن المفرغ عبادًا فارقه مقبلًا إلى البصرة، وعبيد الله يومئذ وافدٌ على معاوية، فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به، فلما قرأ عبيد الله الشعر دخل على معاوية فأنشده إياه، واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فأبى عليه أن يقتله، وقال: أدبه ولا تبلغ به القتل، وقدم ابن مفرغ البصرة، فاستجار بالأحنف بن قيس، فقال: إنا لا نجير على ابن سمية، فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم؛ قال: ذاك ما لا أبالي أن أكفاه، فأتى خالد بن عبد الله فوعده، وأتى أمية فوعده، ثم أتى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده، ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره، وأدخله داره، وكانت بحرية بنت المنذر عند عبيد الله، فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ عند المنذر، وأتى المنذر عبيد الله مسلمًا، فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرغ، فلم يشعر المنذر وهو عند عبيد الله إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه، فقام إلى عبيد الله وقال: أيها الأمير، إني قد أجرته، قال: والله يا منذر ليمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي، ثم تجيره علي! فأمر به فسقي دواءً، ثم حمل على حمار عليه إكافٌ فجعل يطاف به وهو يسلح في ثيابه، فيمر به في الأسواق، فمر به فارسي فرآه، فسأل عنه، فقال: إين جيست؟ ففهمها ابن مفرغ، فقال:

آب است نبيذ ات ** عصارات زبيب است

سمية روسبيد است

ثم هجا المنذر ابن الجارود:

تركت قريشًا أن أجاور فيهم ** وجاورت عبد القيس أهل المشقر

أناسٌ أجارونا فكان جوارهم ** أعاصير من فسو العراق المبذر

فأصبح جاري من جذيمة نائمًا ** ولا يمنع الجيران غير المشمر

وقال لعبيد الله:

يغسل الماء ما صنعت وقولي ** راسخٌ منك في العظام البوالي

ثم حمله عبيد الله إلى عباد بسجستان، فكلمه اليمانية فيه بالشأم معاوية، فأرسل رسولًا إلى عباد، فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية، فقال في طريقة:

عدس ما لعبادٍ عليك إمارةٌ ** نجوت وهذا تحملين طليق

لعمري لقد نجاك من هوة الردى ** إمامٌ وحبلٌ للأنام وثيق

سأشكر ما أوليت من حسن نعمةٍ ** ومثلي بشكر المنعمين حقيق

فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جريرة! قال: أولست القائل:

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ** مغلغلةً من الرجل اليماني!

القصيدة - قال: لا والذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا؛ قال: أفلم تقل:

فأشهد أن أمك لم تباشر ** أبا سفيان واضعة القناع

في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد! اذهب فقد عفونا لك عن جرمك، أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء، فانطلق؛ وفي أرض شئت فانزل. فنزل الموصل، ثم إنه ارتاح إلى البصرة، فقدمها، ودخل على عبيد الله فآمنه.

وأما أبو عبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرغ الموصل عن الذي أخبرني به أبو زيد، قال: ذكر أن معاوية لما قال له: ألست القائل:

ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ** مغلغلةً من الرجل اليماني

الأبيات، حلف ابن مفرغ أنه لم يقله، وأنه إنما قاله عبد الرحمن بن أم الحكم أخو مروان، واتخذني ذريعةً إلى هجاء زياد، وكان عتب عليه قبل ذلك، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن أم الحكم وحرمه عطاءه، حتى أضربه، فكلم فيه، فقال: لا أرضى عنه حتى يرضى عبيد الله؛ فقدم العراق على عبيد الله، فقال عبد الرحمن له:

لأنت زيادةٌ في آل حربٍ ** أحب إلي من إحدى بناني

أراك أخًا وعمًا وابن عمٍّ ** ولا أدري بغيبٍ ما تراني

فقال: أراك والله شاعر سوء! فرضي عنه، فقال معاوية لابن مفرغ: ألست القائل:

فأشهد أن أمك لم تباشر ** أبا سفيان واضعة القناع

الأبيات! لا تعودن إلى مثلها، عفونا عنك. فأقبل حتى نزل الموصل، فتزوج امرأة، فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصيد، فلقي ذهانًا أو عطارًا على حمار له، فقال له ابن مفرغ: من أين أقبلت؟ قال: من الأهواز؛ قال: وما فعل ماء مسرفان؟ قال: على حاله؛ قال: فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل البصرة، ولم يعلم أهله بمسيره، ومضى حتى قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة، فدخل عليه فآمنه، ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كرمان، فأذن له في ذلك، وكتب إلى عامله هنالك بالوصاة والإكرام له، فخرج إليها. وكان عامل عبيد الله يومئذ على كرمان شريك ابن الأعور الحارثي.

وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره.

وكان الوالي على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور من قبل عبيد الله بن زياد.

ثم دخلت سنة ستين

ذكر ما كان فيها من الأحداث

ففي هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة ابن أبي أمية رودس، وهدمه مدينتها، في قول الواقدي.

ذكر عهد معاوية لابنه يزيد

وفيها كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيد الله بن زياد البيعة لابنه يزيد، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة.

وكان عهده الذي عهد، ما ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة؛ أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها دعا يزيد ابنه، فقال: يا بني، إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتب لك إلا اربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فأما عبد الله بن عمر فرجلٌ قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحدٌ غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإن له رحمًا ماسة وحقًا عظيمًا؛ وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئًا صنع مثلهم، ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإذا أمكنته فرصةٌ وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربًا إربًا.

قال هشام: قال عوانة: قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت - وذلك في سنة ستين - وكان يزيد غائبًا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري - وكان صاحب شرطته - ومسلم بن عقبة المري، فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملًا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم؛ وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة: حسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير؛ فأما ابن عمر فرجل وقذه الدين، فليس ملتمسًا شيئًا قبلك، وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه، وإن له رحمًا ماسة، وحقًا عظيمًا، وقرابةً من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أني صاحبه عفوت عنه، وأما ابن الزبير فإنه خبٌّ ضبٌّ، فإذا شخص لك فالبد له، إلا أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك ما استطعت.

ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان

وفي هذه السنة هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق، فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة، وفي رجب منها، فقال هشام بن محمد: مات معاوية لهلال رجب من سنة ستين.

وقال الواقدي: مات معاوية للنصف من رجب.

وقال علي بن محمد: مات معاوية بدمشق سنة ستين يوم الخميس لثمانٍ بقين من رجب؛ حدثني بذلك الحارث عنه.

ذكر الخبر عن مدة ملكه

حدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثني من سمع إسحاق بن عيسى يذكر عن أبي معشر، قال: بويع لمعاوية بأذرح، بايعه الحسن بن علي في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفي معاوية في رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار السعدي، عن أبيه، قالوا: توفي معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يومًا.

وحدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة في سنة سبع وثلاثين في ذي القعدة حين تفرق الحكمان، وكانوا قبل بايعوه على الطلب بدم عثمان، ثم صالحه الحسن بن علي، وسلم له الأمر سنة إحدى وأربعين، لخمس بقين من شهر ربيع الأول، فبايع الناس جميعًا معاوية، فقيل: عام الجماعة؛ ومات بدمشق سنة ستين، يوم الخميس لثمان بقين من رجب. وكانت ولايته تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر وسبعةً وعشرين يومًا.

قال: ويقال: كان بين موت علي رضي الله عنه وموت معاوية تسع عشرة سنةً وعشرة أشهر وثلاث ليالٍ.

وقال هشام بن محمد: بويع لمعاوية بالخلافة في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فولي تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر إلا أيامًا، ثم مات لهلال رجب من سنة ستين.

ذكر مدة عمره

واختلفوا في مدة عمره، وكم عاش؟ فقال بعضهم: مات يوم مات وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة.

ذكر من قال ذلك

حدثني عمر، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: أخبرني هشام بن الوليد، قال: قال ابن شهاب الزهري: سألني الوليد عن أعمار الخلفاء، فأخبرته أن معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ فقال: بخٍ بخٍ! إن هذا لعمر.

وقال آخرون: مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.

ذكر من قال ذلك

حدثني عمر، قال: حدثني أحمد بن زهير قال: قال علي بن محمد: مات معاوية وهو ابن ثلاث وسبعين؛ قال: ويقال ابن ثمانين سنة.

وقال آخرون: توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

ذكر من قال ذلك

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: توفي معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

وقال آخرون: توفي وهو ابن خمس وثمانين سنة، حدثت بذلك عن هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه.

ذكر العلة التي كانت فيها وفاته

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا أبو عبيدة، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: لما ثقل معاوية وحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني إثمدًا، وأوسعوا رأسي دهنًا، ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له، فجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا قيامًا، ولا يجلس أحدٌ، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائمًا فيراه مكتحلًا مدهنًا فيقول: يقول الناس: هو لمآبه، وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية:

وتجلدي للشامتين أريهم ** أني لريب الدهر لا أتضعضع

وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع

قال: وكان به النفاثات، فمات من يومه ذلك.

حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن أيوب، عن عبد الملك بن ميناس الكلبي، قال: قال معاوية، لابنتيه في مرضه الذي مات فيه وهما تقلبانه: تقلبان حولًا قلبًا، جمع المال من شب إلى دب إن لم يدخل النار، ثم تمثل:

لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ** وقد كفيتكم التطواف والرحلا

ويقال: من جمع ذي حسب.

حدثني أحمد بن زهير، عن علي، عن سليمان بن أيوب، عن الأوزاعي وعلي بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن ميمون، عن أبيه؛ أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصًا فرفعته. وقلم أظفاره يومًا، فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة، واستحقوها وذروها في عيني، وفي في، فعسى الله أن يرحمني ببركتها! ثم قال متمثلًا بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع:

إذا مت مات الجود وانقطع الندى ** من الناس إلا من قليل مصرد

وردت أكف السائلين وأمسكوا ** من الدين والدنيا بخلفٍ مجدد

فقالت إحدى بناته - أو غيرها: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك؛ فقال متمثلًا:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع

ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره من أهله: اتقوا الله عز وجل، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله؛ ثم قضى.

حدثنا أحمد، عن علي، عن محمد بن الحكم، عمن حدثه أن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كان أراد أن يطيب له الباقي، لأن عمر قاسم عماله.

ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين مات

حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: صلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائبًا حين مات معاوية.

وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك ابن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة، قال: لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية بين يديه تلوح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان عود العرب، وحد العرب، قطع الله عز وجل به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد. ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية، فقال يزيد في ذلك:

جاء البريد بقرطاسٍ يخب به ** فأوجس القلب من قرطاسه فزعا

قلنا: لك الويل ماذا في كتابكم؟ ** قالوا: الخليفة أمسى مثبتًا وجعا

فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ** كأن أغبر من أركانها انقطعا

من لا تزل نفسه توفي على شرفٍ ** توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا

لما انتهينا وباب الدار منصفقٌ ** وصوت رملة ريع القلب فانصدعا

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن إسحاق بن خليد، عن خليد ابن عجلان مولى عباد، قال: مات معاوية ويزيد بحوارين، وكانوا كتبوا إليه حين مرض، فأقبل وقد دفن، فأتى قبره فصلى عليه، ودعا له، ثم أتى منزله، فقال: جاء الريد بقرطاس.. الأبيات.

ذكر الخبر عن نسبه وكنيته

أما نسبه فإنه ابن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمه هند بنت عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكنيته أبو عبد الرحمن.

ذكر نسائه وولده

من نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي ابن زهير بن حارثة بن جناب الكلبي، ولدت له يزيد بن معاوية. قال علي: ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمةً - رب المشارق - فماتت صغيرة، ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية.

ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. ولدت له عبد الرحمن وعبد الله بني معاوية، وكان عبد الله محمقًا ضعيفًا، وكان يكنى أبا الخير. حدثني أحمد، عن علي بن محمد، قال: مر عبد الله بن معاوية يومًا بطحان قد شد بغله في الرحا للطحن، وجعل في عنقه جلاجل، فقال له: لم جعلت في عنق بغلك هذه الجلاجل؟ فقال الطحان: جعلتها في عنقه لأعلم إن قد قام فلم تدر الرحا، فقال له: أرأيت إن هو قام وحرك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحا؟ فقال له الطحان: إن بغلي هذا - أصلح الله الأمير - ليس له عقل مثل عقل الأمير! وأما عبد الرحمن فإنه مات صغيرًا.

ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية، تزوجه؛ فحدثني أحمد، عن علي قال: لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون: انطلقي فانظري إلى ابنة عمك، فنظرت إليها، فقال: كيف رأيتها؟ فقالت: جميلة كاملة، ولكن رأيت تحت سرتها خالًا ليوضعن رأس زوجها في حجرها، فطلقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن بشير الأنصاري، فقتل، ووضع رأسه في حجرها.

ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة، فغزا قبرس وهي معه، فماتت هنالك.

ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره

حدثني أحمد بن زهير، عن علي، قال: لما بويع لمعاوية بالخلافة صير على شرطته قيس بن حمزة الهمداني، ثم عزله، واستعمل زميل بن عمرو العذري - ويقال السكسكي. وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي، وعلى حرسه رجلٌ من الموالي يقال له المختار؛ وقيل: رجل يقال له مالك، ويكنى أبا المخارق، مولىً لحمير. وكان أول من اتخذ الحرس، وكان على حجابه سعد مولاه، وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري، فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني. إلى ها هنا حديث أحمد، عن علي.

وقال غير علي: وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري، وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم. قال: وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم، وكتب بذلك إلى زياد بن سمية وهو على العراق، ففض عمرو الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية، فأخذ عمرًا بردها وحبسه، فأداها عنه أخوه عبد الله بن الزبير، فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وخزم الكتب، ولم تكن تخزم.

حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية! حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله، عن فليح، قال: أخبرت أن عمرو ابن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: انظروا: إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم في عينه، وصغروه ما استطعتم. فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه: إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف. فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط، فدخل وقد تعتع، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة، فسلمتم عليه بالنبوة! قال: ولبس معاوية يومًا عمامته الحرقانية واكتحل، وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك. شك عبد الله فيه سمعه أو لم يسمعه.

حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: حدثنا أبو محمد الأموي، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم، فرأى معاوية في موكب يتلقاه، وراح إليه في موكب، فقال له عمر: يا معاوية، تروح في موكب وتغدو في مثله؛ وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك! قال: يا أمير المؤمنين، إن العدو بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزًا؛ فقال له عمر: إن هذا لكيد رجل لبيب، أو خدعة رجل أريب؛ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، مرني بما شئت أصر إليه؛ قال: ويحك! ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدري آمرك أم أنهاك! حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن معمر، عن جعفر بن برقان، أن المغيرة كتب إلى معاوية: أما بعد، فإني قد كبرت سني، ودق عظمي، وشنفت لي قريش، فإن رأيت أن تعزلني فاعزلني.

فكتب إليه معاوية: جاءني كتابك تذكر فيه أنه كبرت سنك، فلعمري ما أكل عمرك غيرك، وتذكر أن قريشًا شنفت لك، ولعمري ما أصبت خيرًا إلا منهم. وتسألني أن أعزلك، فقد فعلت؛ فإن تك صادقًا فقد شفعتك، وإن تك مخادعًا فقد خدعتك.

حدثني أحمد، عن علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، قال: قال معاوية: إذا لم يكن الأموي مصلحًا لما له، حليمًان لم يشبه من هو منه، وإذا لم يكن الهاشمي سخيًا جوادًا لم يشبه من هو منه، ولا يقدمك من الهاشمي اللسان والسخاء والشجاعة.

حدثني أحمد، عن علي، عن عوانة وخلاد بن عيدة، قال: تغدى معاوية يومًا وعنده عبيد الله بن أبي بكرة، ومعه ابنه بشير - ويقال: غير بشير - فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله بن أبي بكرة، فأراد أن يغمز ابنه، فلم يمكنه، ولم يرفع رأسه حتى فرغ، فلما خرج لامه على ما صنع، ثم عاد إليه وليس معه ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى؛ فقال: قد علمت أن أكله سيورثه داءً.

حدثني أحمد، عن علي، عن جويرية بن أسماء، قال: قدم أبو موسى على معاوية، فدخل عليه في برنسٍ أسود، فقال: السلام عليك يا أمين الله، قال: وعليك السلام؛ فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه، ولا والله لا أوليه.

حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبو صالح سليمان بن صالح قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته، فقال: هلم يابن أخي، نحوي فانظر، فنظرت فإذا هي قد سبرت، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد فقال معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئًا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره.

حدثني أحمد، عن علي، عن شهاب بن عبيد الله، عن يزيد بن سويد، قال: أذن معاوية للأحنف وكان يبدأ بإذنه، ثم دخل محمد بن الأشعث فجلس بين معاوية والأحنف، فقال معاوية: إنا لم نأذن له قبلك فتكون دونه، وقد فعلت فعال من أحسن من نفسه ذلًا، إنا كما نملك أموركم نملك إذنكم، فأريدوا منا ما نريد منكم، فإنه أبقى لكم.

حدثني أحمد، عن علي، عن سحيم بن حفص، قال: خطب ربيعة بن عسل اليربوعي إلى معاوية، فقال معاوية: اسقوه سويقًا؛ وقال له معاوية: يا ربيعة، كيف الناس عندكم؟ قال: مختلفون على كذا وكذا فرقةً؛ قال: فمن أيهم أنت؟ قال: ما أنا على شيء من أمرهم؛ فقال معاوية: أراهم أكثر مما قلت؛ قال: يا أمير المؤمنين، أعني في بناء داري باثني عشر ألف جذع؛ قال معاوية: أين دارك؟ قال بالبصرة، وهي أكثر من فرسخين في فرسخين؛ قال: فدارك في البصرة، أو البصرة في دارك! فدخل رجلٌ من ولده على ابن هبيرة فقال: أصلح الله الأمير! أنا ابن سيد قومه، خطب أبي إلى معاوية، فقال ابن هبيرة لسلم بن قتيبة: ما يقول هذا؟ هذا ابن أحمق قومه؛ قال ابن هبيرة: هل زوج أباك معاوية؟ قال: لا، قال: فلا أرى أباك صنع شيئًا.

حدثني أحمد، عن علي، عن أبي محمد بن ذكوان القرشي، قال: تنازع عتبة وعنبسة ابنا أبي سفيان - وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبي أزيهر الدوسي - فأغلظ معاوية لعنبسة، وقال عنبسة: وأنت أيضًا يا أمير المؤمنين؟! فقال: يا عنبسة، إن عتبة ابن هند، فقال عنبسة:

كنا بخير صالحًا ذات بيننا ** قديمًا فأمست فرقت بيننا هند

فإن تك هندٌ لم تلدني فإنني ** لبيضاء ينميها غطارفةٌ نجد

أبوها أبو الأضياف في كل شتوة ** ومأوى ضعافٍ لا تنوء من الجهد

جفيناته ما إن تزال مقيمة ** لمن خاف من غوري تهامة أو نجد

فقال معاوية: لا أعيدها عليك أبدًا.

حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن حرملة بن عمران، قال: أتى معاوية في ليلة أن قيصر قصد له في الناس، وأن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها، وأن المصريين الذين كان سجنهم هربوا، وأن علي بن أبي طالب قصد له في الناس، فقال لمؤذنه: أذن هذه الساعة - وذلك نصف الليل - فجاءه عمرو بن العاص، فقال: لم أرسلت إلي؟ قال: أنا ما أرسلت إليك؛ قال: ما أذن المؤذن هذه الساعة إلا من أجلي؛ قال: رميت بالقسي الأربع؛ قال عمرو: أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك، فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله عز وجل، وهم قوم شراةٌ لا رحلة بهم، فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديته، فإنك ستؤتى بهم، وانظر قيصر فوادعه، وأعطه مالًا وحللًا من حلل مصر، فإنه سيرضى منك بذاك، وانظر ناتل ابن قيس، فلعمري ما أغضبه الدين، ولا أراد إلا ما أصاب، فاكتب إليه، وهب له ذلك، وهنئه إياه، فإن كانت لك قدرةٌ عليه، وإن لم تكن لك فلا تأس عليه، واجعل حدك وحديدك لهذا الذي عنده دم ابن عمك. قال: وكان القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح، قال معاوية: ما منعك من أن تخرج مع أصحابك؟ قال: ما منعني منه بغضٌ لعلي، ولا حبٌّ لك، ولكني لم أقدر عليه؛ فخلى سبيله.

حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم، قال: سمعت محمد بن الزبير يحدث، قال: حدثني عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري من بني آل بدر، قال: انتقل معاوية من بعض كور الشأم إلى بعض عمله، فنزل منزلًا بالشأم، فبسط له على ظهر إجار مشرف على الطريق، فأذن لي، فقعدت معه، فمرت القطرات والرحائل والجواري والخيول، فقال: يابن مسعدة، رحم الله أبا بكر! لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا، وأما عمر - أو قال: ابن خنتمة - فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه؛ وأما نحن فتمرغنا فيها؛ ثم كأنه ندم فقال: والله إنه لملك آتانا الله إياه.

حدثني أحمد، عن علي بن محمد، عن علي بن عبيد الله، قال: كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبد الله بن عمرو ما كان أعطاه أباه من مصر، فقال معاوية: أراد أبو عبد الله أن يكتب فهدر، أشهدكم أني إن بقيت بعده فقد خلعت عهده. قال: وقال عمرو بن العاص: ما رأيت معاوية متكئًا قط واضعًا إحدى رجليه على الأخرى كاسرًا عينه يقول لرجل: تكلم، إلا رحمته.

قال أحمد: قال علي بن محمد: قال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين، ألست أنصح الناس لك؟ قال: بذلك نلت ما نلت.

قال أحمد: قال علي: عن جويرية بن أسماء، أن بسر بن أبي أرطاة نال من عليٍّ عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس، فعلاه بعصًا فشجه، فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشأم فضربته! وأقبل على بسر فقال: تشتم عليًا وهو جده وابن الفارق على رءوس الناس، أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك! ثم أرضاهما جميعًا. قال: وقال معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، وجهلٌ أكثر من حلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسترى، أو إساءةٌ أكثر من إحساني. قال: وقال معاوية: زين الشريف العفاف؛ قال: وقال معاوية: ما من شيء أحب إلي من عين خرارة، في أرض خوارة، فقال عمرو بن العاص: ما من شيء أحب إلي من أن أبيت عروسًا بعقيلةٍ من عقائل العرب؛ فقال وردان مولى عمرو بن العاص: ما من شيء أحب إلي من الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أحق بهذا منك؛ قال: ما تحب فافعل.

حدثني أحمد، عن علي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يبرد بريدًا إلى معاوية أمر مناديه فنادى: من له حاجةٌ يكتب إلى أمير المؤمنين؛ فكتب زر بن حبيش - أو أيمن بن خريم - كتابًا لطيفًا ورمى به في الكتب، وفيه:

إذا الرجال ولدت أولادها ** واضطربت من كبر أعضادها

وجعلت أسقامها تعتادها ** فهي زروعٌ قد دنا حصادها

فلما وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب؛ قال: نعى إلي نفسي.

قال: وقال معاوية: ما من شيء ألذ عندي من غيظ أتجرعه.

قال: وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: يابن أخي، إنك قد لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة، والهجاء فتعر كريمًا، وتستثير لئيمًا، والمدح، فإنه طعمة الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأمثال ما تزين به نفسك، وتؤدب به غيرك.

حدثني أحمد، عن علي، قال: قال الحسن بن حماد: نظر معاوية إلى الثما في عباءة، فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها.

حدثني أحمد، عن علي، عن سليمان، قال: قال معاوية: رجلان إن ماتا لم يموتا، ورجلٌ إن مات مات، أنا إن مت خلفني ابني، وسعيد إن مات خلفه عمرو، وعبد الله بن عامر إن مات مات؛ فبلغ مروان، فقال: أما ذكر ابني عبد الملك؟ قالوا: لا؛ قال: ما أحب أن لي بابني ابنيهما.

حدثني أحمد، عن علي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: قال رجل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: أشدهم لي تحبيبًا إلى الناس. قال: وقال معاوية: العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد، فإذا ذكر ذكر، وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز.

حدثني أحمد، عن علي، عن عبد الله، وهشام بن سعد، عن عبد الله ابن عمير، قال: أغلظ رجلٌ لمعاوية فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لاأحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.

حدثني أحمد، عن علي، عن محمد بن عامر، قال: لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء، فدخل يومًا على معاوية ومعه بديحٌ، ومعاوية واضع رجلًا على رجل، فقال عبد الله لبديح: إيهًا يا بديح! فتغنى، فحرك معاوية رجله، فقال عبد الله: مه يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: إن الكريم طروب.

قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر - وكان مولىً لبني ليث، وكان فاجرًا - فقا له: ارفع حوائجك؛ ففعل، ورفع فيها حاجة سائبخاثر؛ فقال معاوية: من هذا؟ فخبره؛ فقال: أدخله، فلما قام على باب المجلس غنى:

لمن الديار رسومها قفر ** لعبت بها الأرواح والقطر!

وخلالها من بعد ساكنها ** حججٌ خلون ثمان أو عشر

والزعفران على ترائبها ** شرقًا به اللبات والنحر

فقال أحسنت، وقضى حوائجه.

حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت أحدًا أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب، ولم يكن كالضيق الخضخض، الحصر - يعني ابن الزبير.

حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشبعي، عن قبيصة بن جابر الأسدي قال: ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلًا افقه فقهًا، ولا أحسن مدارسة منه؛ ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رايت رجلًا أعطى للجزيل من غير مسألة منه؛ ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أحب رفيقًا، ولا أشبه سريرةً بعلانية منه، ولو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها.

خلافة يزيد بن معاوية

وفي هذه السنة بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: لثمانٍ بقين منه - على ما ذكرنا قبل من وفاة والده معاوية - فأقر عبيد الله بن زياد على البصرة، والنعمان بن بشير على الكوفة.

وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف؛ ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان ابن بشير الأنصاري، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته، وأنه ولي عهده بعده، والفراغ من أمرهم، فكتب إلى الوليد: بسم الله الرحمن الرحيم. من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإن معاوية كان عبدًا من عباد الله، أكرمه الله واستخلفه، وخوله، ومكن له، فعاش بقدر، ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودًا، ومات برًا تقيًا، والسلام.

وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة:

أما بعد، فخذ حسينًا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا؛ والسلام.

فلما أتاه نعي معاوية فظع به، وكبر عليه، فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه - وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارهًا - فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان، فجلس عنه وصرمه، فلم يزل كذلك حتى جاء نعي معاوية إلى الوليد، فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة، فزع عند ذلك إلى مروان، ودعاه، فلما قرأ عليه كتاب يزيد، استرجع وترحم عليه، واستشاره الوليد في الأمر وقال: كيف ترى أن نصنع؟ قال: فإني أرى أن تبعث إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن فعلوا قبلت منهم، وكففت عنهم، وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرىء منهم في جانب، وأظهر الخلاف والمابذة، ودعا إلى نفسه لا أدري؛ أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، ولا يحب أن يولى على الناس، إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوًا. فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو إذ ذاك غلامٌ حدث - إليهما يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلي فيها للناس، ولا يأتيانه في مثلها، فقال: أجيبا، الأمير يدعوكما، فقال له: انصرف؛ الآن نأتيه. ثم أقبل أحدهما على الآخر، فقال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها! فقال حسين: قد ظننت، أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر؛ فقال: وأنا ما أظن غيره. قال: فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمع فتياني الساعة، ثم أمشي إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه، ثم دخلت عليه. قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت؛ قال: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر. فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه: إني داخلٌ، فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم، فدخل فسلم عليه بالإمرة ومروان جالسٌ عنده، فقال حسين؛ كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية: الصلة خيرٌ من القطيعة، أصلح الله ذات بينكما! فلم يجيباه في هذا بشيء، وجاء حتى جلس، فأقرأه الوليد الكتاب، ونعى له معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون! ورحم الله معاوية، وعظم لك الأجر! أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرًا، ولا أراك تجتزىء بها مني سرًا دون أن نظهرها على رءوس الناس علانية؛ قال: أجل، قال: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا؛ فقال له الوليد - وكان يحب العافية: فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس؛ فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل، ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه؛ فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو! كذبت والله وأثمت، ثم خرج فمر بأصحابه، فخرجوا معه حتى أتى منزله. فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدًا؛ قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان، إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها، وأني قتلت حسينًا، سبحان الله! أقتل حسينًا أن قال: لا أبايع! والله إني لا أظن امرأً يحاسب بدم حسين الخفيف الميزان عند الله يوم القيامة. فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه.

وأما ابن الزبير، فقال: الآن آتيكم، ثم أتى داره فكمن فيها، فبعث الوليد إليه فوجده مجتمعًا في أصحابه متحرزًا، فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في إثر الرجال؛ فأما حسين فقال: كف حتى تنظر وننظر، وترى ونرى؛ وأما ابن الزبير فقال: لا تعجلوني فإني آتيكم، أمهلوني، فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأول ليلهما، وكانوا على حسين أشد إبقاءً، وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالي له فشتموه وصاحوا به: يابن الكاهلية، والله لتأتين الأمير أو ليقتلنك، فلبث بذلك نهاره كله وأول ليلة يقول: الآن أجيء، فإذا استحثوه قال: والله لقد استربت بكثرة الإرسال، وتتابع الرجال، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه وأمره، فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال: رحمك الله! كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك، وهو آتيك غدًا إن شاء الله، فمر رسلك فلينصرفوا عنا. فبعث إليهم فانصرفوا، وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر، ليس معهما ثالث، وتجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب، وتوجه نحو مكة، فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج، فقال مروان: والله إن أخطأ مكة فسرح في أثره الرجال، فبعث راكبًا من موالي بني أمية في ثمانين راكبًا، فطلبوه فلم يقدروا عليه، فرجعوا، فتشاغلوا عن حسين بطلب عبد الله يومهم ذلك حتى أمسوا، ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال: أصبحوا ثم ترون ونرى، فكفوا عنه تلك الليلة، ولم يلحوا عليه، فخرج حسين من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقين من رجب سنة ستين.

وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، خرج لية السبت فأخذ طريق الفرع، فبينا عبد الله بن الزبير يساير أخاه جعفرًا إذ تمثل جعفرٌ بقول صبرة الحنظلي:

وكل بني أمٍّ سيمسون ليلةً ** ولم يبق من أعقابهم غير واحد

فقال عبد الله! سبحان الله، ما أردت إلى ما أسمع يا أخي! قال: والله يا أخي ما أردت به شيئًا مما تكره؛ فقال: فذاك والله أكره إلي أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد - قال: وكأنه تطير منه - وأما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته، إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له: يا أخي، أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار وتأتي جماعةً من الناس، فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا، وأمًا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا؛ قال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي؛ قال: فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيلٌ ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال، وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأيًا وأحزمه عملًا حين تستقبل الأمور استقبالًا، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا؛ قال: يا أخي، قد نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا.

قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعد المقبري، قال: نظرت إلى الحسين داخلًا مسجد المدينة وإنه ليمشي وهو معتمد على رجلين، يعتمد على هذا مرةً وعلى هذا مرة، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ:

لا ذعرت السوام في فلق الصب ** ح مغيرًا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي من المهابة ضيمًا ** والمنايا يرصدنني أن أحيدا

قال: فقلت في نفسي: والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشيء يريد، قال: فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة.

ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت؛ فقال رجل: ما يمنعك أن تبايع؟ إنما تريد أن يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا، فإذا جهدهم ذلك قالوا: عليكم بعبد الله بن عمر، لم يبق غيره، بايعوه! قال عبد الله: ما أحب أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا، ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت؛ قال: فتركوه وكانوا لا يتخوفونه.

قال: ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد، فلما دخل مكة قال: إنما أنا عائذ، ولم يكن يصلي بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، كان يقف هو وأصحابه ناحيةً، ثم يفيض بهم وحده، ويصلي بهم وحده، قال: فلما سار الحسين نحو مكة، قال: " فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ". فلما دخل مكة قال: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ".

ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد

وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله في شهر رمضان، فأقر عليها عمرو بن سعيد الأشدق.

وفيها قدم عمرو بن سعيد بن العاص المدينة في رمضان، فزعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابن عباس وابن عمر جائيين من مكة، فسألاهما، ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد؛ فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين؛ وأما ابن عمر فقدم فأقام أيامًا، فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان، فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه، وبايعه ابن عباس.

وفي هذه السنة وجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله بن الزبير لحربه.

ذكر الخبر عن ذلك

ذكر محمد بن عمر أن عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قدم المدينة في رمضان سنة ستين فدخل عليه أهل المدينة، فدخلوا على رجل عظيم الكبر مفوه.

قال محمد بن عمر: حدثنا هشام بن سعيد، عنن شيبة بن نصاح، قال: كانت الرسل تجري بين يزيد بن معاوية وابن الزبير في البيعة، فحلف يزيد ألا يقبل منه حتى يؤتى به في جامعة، وكان الحارث بن خالد المخزومي على الصلاة، فمنعه ابن الزبير، فلما منعه كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد؛ أن ابعث جيشًا إلى ابن الزبير، وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولى شرطته عمرو بن الزبير، لما كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البضغاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربًا شديدًا.

قال محمد بن عمر: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: نظر إلى كل من كان يهوى هوى ابن الزبير فضربه، وكان ممن ضرب المنذر ابن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد ابن عمار بن ياسر، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة، فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: من رجلٌ نوجه إلى أخيك؟ قال: لا توجه إليه رجلًا أبدًا أنكأ له مني، فأخرج لأهل الديوان عشرات، وخرج من موالي أهل المدينة ناسٌ كثير، وتوجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة، فوجهه في مقدمته، فعسكر بالجرف، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال: لا تغز مكة، واتق الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر، هذا له بضعٌ وستون سنةً، وهو رجلٌ لجوج، والله لئن لم تقتلوه ليموتن، فقال عمرو بن الزبير: والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم؛ فقال مروان: والله إن ذلك لسيوءني؛ فسار أنيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طوى، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح، فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه: بر يمين الخليفة، واجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى، لا يضرب الناس بعضهم بعضًا، واتق الله فإنك في بلد حرام.

قال ابن الزبير: موعدك المسجد؛ فأرسل ابن الزبير عبد الله بن صفوان الجمحي إلى أنيس بن عمرو من قبل ذي طوىً، وكان قد ضوى إلى عبد الله ابن صفوان قومٌ ممن نزل حول مكة، فقاتلوا أنيس بن عمرو، فهزم أنيس ابن عمرو أقبح هزيمة، وتفرق عن عمرو جماعة أصحابه، فدخل دار علقمة، فأتاه عبيده بن الزبير فأجاره، ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال: إني قد أجرته؛ فقال: أتجير من حقوق الناس! هذا ما لا يصلح.

قال محمد بن عمر: فحدثت هذا الحديث محمد بن عبيد بن عمير فقال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو ابن سعيد: أن استعمل عمرو بن الزبير على جيش، وابعثه إلى ابن الزبير، وابعث معه أنيس بن عمرو؛ قال: فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصفا، ونزل أنيس بن عمرو بذي طوىً، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي خلفه عبد الله بن الزبير، فإذا انصرف شبك أصابعه في أصابعه، ولم يبق أحدٌ من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير، وقعد عبد الله بن صفوان فقال: مالي لا أرى عبد الله بن صفوان! أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بني جمح ومن ضوى إليه من غيرهم قليل، فبلغ عبد الله بنصفوان كلمته هذه، فحركته، فقال لعبد الله بن الزبير: إني أراك كأنك تريد البقيا على أخيك؛ فقال عبد الله: أنا أبقى عليه يا ابا صفوان! والله لو قدرت على عون الذر عليه لاستعنت بها عليه؛ فقال ابن صفوان: فأنا أكفيك أنيس بن عمرو، فاكفني أخاك؛ قال ابن الزبير: نعم؛ فسار عبد الله ابن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذي طوىً، فلاقاه في جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الأعوان، فهزم أنيس بن عمرو ومن معه، وقتلوا مدبرهم، وأجهزوا على جريحهم، وسار معصب بن عبد الرحمن إلى عمرو، وتفرق عنه أصحابه حتى تخلص إلى عمرو بن الزبير، فقال عبيدة بن الزبير لعمرو: تعال أنا أجيرك. فجاء عبد الله بن الزبير، فقال: قد أجرت عمرًا، فأجره لي، فأبى أن يجيره، وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة، وحبسه بسجن عارم.

قال الواقدي: قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير، وكتبت كل ذلك.

حدثني خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، قال: لما قدم عمرو بن سعيد المدينة واليًا، قدم في ذي القعدة سنة ستين، فولى عمرو ابن الزبير شرطته، وقال: قد أقسم أمير المؤمنين ألا يقبل بيعة ابن الزبير إلا أن يؤتى به في جامعة، فليبر يمين أمير المؤمنين، فإني أجعل جامعة خفيفةً من ورق أو ذهب، ويلبس عليها برنسًا، ولا ترى إلا أن يسمع صوتها، وقال:

خذها فليست للعزيز بخطةٍ ** وفيها مقالٌ لامرىءٍ متذلل

أعامر إن القوم ساموك خطةً ** ومالك في الجيران عذل معذل

قال محمد: وحدثني رياح بن مسلم، عن أبيه، قال: بعث إلى عبد الله بن الزبير عمرو بن سعيد، فقال له أبو شريح: لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أذن الله لي في القتال بمكة ساعةً من نهار، ثما عادت كحرمتها "؛ فابى عمرو أن يسمع قوله، وقال: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ؛ فبعث عمرو جيشًا مع عمرو ومعه أنيس ابن عمرو الأسلمي، وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام، - وكانوا نحو ألفين - فقاتلهم أهل مكة، فقتل أنيس بن عمرو والمهاجر مولى القلمس في ناس كثير، وهزم جيش عمرو، فجاء عبيدة بن الزبير، فقال لأخيه عمرو: أنت في ذمتي، وأنا لك جار، فانطلق به إلى عبد الله، فدخل على ابن الزبير فقال: ما هذا الدم الذي في وجهك يا خبيث! فقال عمرو:

لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ** ولكن على أقدامنا تقطر الدما

فحبسه وأخفر عبيدة، وقال: أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله؛ ثم أقاد عمرًا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه، فإنهما أبيا أن يستقيدا، ومات تحت السياط. قال: وإنما سمي سجن عارم لعبد كان يقال له: زيد عارم، فسمي السجن به، وحبس ابن الزبير أخاه عمرًا فيه.

قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى، عن أبيه، قال: كان مع أنيس بن عمرو ألفان.

وفي هذه السنة وجه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين رضي الله عنه وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه.

ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين عليه السلام للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل رضي الله عنه

حدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أحمد بن جناب المصيصي - ويكنى أبا الوليد - قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسري، قال: حدثنا عمار الدهني، قال: قلت لأبي جعفر: حدثني بمقتل الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته، فقال له: أخرني وارفق، فأخره، فخرج إلى مكة، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فاقدم علينا - وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة؛ قال: فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فقال له: سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي، فإن كان حقًا خرجنا إليهم. فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منهما دليلين، فمرا به في البرية، فأصابهم عطشٌ، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين: أن امض إلى الكوفة.

فخرج حتى قدمها، ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة؛ قال: فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه دبوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا. قال: فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعف؛ قد فسد البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفًا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويًا في معصية الله، وما كنت لأهتك سترًا ستره الله.

فكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعا مولىً له يقال له: سرجون؛ - وكان يستشيره - فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلًا من معاوية لو كان حيًا؟ قال: نعم؛ قال: فاقبل مني؛ فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله ابن زياد، فولها إياه - وكان يزيد عليه ساخطًا، وكان هم بعزله عن البصرة - فكتب إليه برضائه، وأنه قد ولاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده.

قال: فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متثلمًا، ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا: عليك السلام يابن بنت رسول الله - وهم يظنون أنه الحسين بن علي رضي الله عنه - حتى نزل القصر، فدعا مولىً له فأعطاه ثلاثة آلاف، وقال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوى. فلم يزل يتلطف ويرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة، فلقيه فأخبره، فقال له الشيخ: لقد سرني لقاؤك إياي، وقد ساءني؛ فأما ما سرني من ذلك فما هداك الله له، وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد. فأدخله إليه، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبره.

فتحول مسلم حين قدم عبيد الله بن زياد من الدار التي كان فيها إلى منزل هانىء بن عروة المرادي، وكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين بن علي رضي الله عنه يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم. وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما لي أرى هانىء بن عروة لم يأتني فيمن أتاني! قال: فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره، فقالوا: إن الأمير قد ذكرك واستبطأك، فانطلق إليه، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضي، فلما نظر إليه قال لشريح: أتتك بحائنٍ رجلاه؛ فلما سلم عليه قال: يا هانىء، أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه، فلما رآه قطع به، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي؛ قال: ائتني به؛ قال: والله لو كانت تحت قدمي ما رفعتهما عنه؛ قال: أدنوه إلي، فأدني فضربه على حاجبه فشجه، قال: وأهوى هانىءٌ إلى سيف شرطي ليسله، فدفع عن ذلك، وقال: قد أحل الله دمك، فأمر به فحبس في جانب القصر.

وقال غير أبي جعفر: الذي جاء بهانىء بن عروة إلى عبيد الله بن زياد عمرو بن الحجاج الزبيدي:

ذكر من قال ذلك

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، قال: حدثنا عمارة بن عقبة ابن أبي معيط، فجلس في مجلس ابن زياد فحدث، قال: طردت اليوم حمرًا فأصبت منها حمارًا فعقرته، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: إن حمارًا تعقره أنت لحمارٌ حائن؛ فقال: ألا أخبرك بأحين من هذا كله! رجل جيء بأبيه كافرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به أن يضرب عنقه، فقال: يا محمد فمن للصبية؟ قال: النار، فأنت من الصبية، وأنت في النار؛ قال: فضحك ابن زياد.

رجع الحديث إلى حديث عمار الدهني؛ عن أبي جعفر. قال: فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلى مذحج، فإذا على باب القصر جلبة سمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مذحج، فقال لشريح: اخرج إليهم فأعلمهم أني إنما حبسته لأسائله، ورعث عينًا عليه من مواليه يسمع ما يقول، فمر بهانىء بن عروة، فقال له هانىء: اتق الله يا شريح، فإنه قاتلي، فخرج شريح حتى قام على باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنما حبسه الأمير ليسائله، فقالوا: صدق، ليس على صاحبكم بأس، فتفرقوا، فأتى مسلمًا الخبر، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، فقدم مقدمته، وعبى ميمنته وميسرته، وسار في القلب إلى عبيد الله، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر، فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى أمسى في خمسمائة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا.

فلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده يتردد في الطرق أتى بابًا فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقني، فسقته، ثم دخلت فمكثت ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب؛ قالت: يا عبد الله، إن مجلسك مجلس ريبة، فقم؛ قال: إني أنا مسلم بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم، ادخل، وكان ابنها مولىً لمحمد بن الأشعث، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره، فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره، فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطه - إليه، ومعه عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث، فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار، فلما رأى ذلك مسلمٌ خرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلى عبيد الله، فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه، وألقى جثته إلى الناس، وأمر بهانىء فسحب إلى الكناسة، فصلب هنالك، وقال شاعرهم في ذلك:

فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ** إلى هانىء في السوق وابن عقيل

أصابهما أمر الإمام فأصبحا ** أحاديث من يسعى بكل سبيل

أيركب أسماء الهماليج آمنًا ** وقد طلبته مذحجٌ بذحول!

وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصةً هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر الذي ذكرناه؛ ما حدثت عن هشام بن محمد، عنه، قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: حدثني عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرىء القيس الكلبية امرأة حسين - وكانت مع سكينة ابنة حسين، وهو مولىً لأبيها، وهي إذ ذاك صغيرة - قال: خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم، فقال للحسين أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب؛ قال: لا، والله لا افارقه حتى يقضي الله ما هو أحب إليه، قال: فاستقبلنا عبد الله بن مطيع فقال للحسين: جعلت فداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فإني أستخير الله، قال: خار الله لك، وجعلنا فداك؛ فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدةٌ مشئومة، بها قتل أبوك، وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه؛ الزم الحرم؛ فإنك سيد العرب، لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدًا، ويتداعى إليك الناس من كل جانب؛ لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك.

فأقبل حتى نزل مكة، فأقبل أهلها يختلفون إليه وياتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة، فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف، ويأتي حسينًا فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة، ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدًا ما دام حسين بالبلد، وأن حسينًا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه.

فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية ارجف أهل العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسين وابن الزبير، ولحقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين، وعليهم النعمان بن بشير.

قال أبو مخنف: فحدثني الحجاج بن علي، عن محمد بن بشر الهمداني، قال: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد، فذكرنا هلاك معاوية، فحمدنا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صرد: إن معاوية قد هلك، وإن حسينًا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه؛ قال: فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب ابن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلامٌ عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضًا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدًا له كما بعدت ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. والنعمان ابن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله؛ والسلام ورحمة الله عليك.

قال: ثم سرحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، وأمرناهما بالنجاء؛ فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة، ثم لبثنا يومين، ثم سرحنا إليه قيس ابن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة بن عبيد السلولي، فحملوا معهم نحوًا من ثلاثة وخمسين صحيفةً؛ الصحيفة من الرجل والاثنين والأربعة.

قال: ثم لبثنا يومين آخرين، ثم سرحنا إليه هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكتبنا معهما: بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فحيهلا، فإن الناس ينتظرونك، ولا أرى لهم في غيرك، فالعجل العجل؛ والسلام عليك.

وكتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي: أما بعد، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جندٍ لك مجند؛ والسلام عليك.

وتلاقت الرسل كلها عنده، فقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثم كتب مع هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكانا آخر الرسل: بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين؛ أما بعد، فإن هانئًا وسعيدًا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكًا إن شاء الله؛ فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام.

قال أبو مخنف: وذكر أبو المخارق الراسبي، قال: اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد - أو منقذ - أيامًا، وكانت تشيع، وكان منزلها لهم مألفًا يتحدثون فيه، وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق.

قال: فأجمع يزيد بن نبيط الخروج - وهو من عبد القيس - إلى الحسين، وكان له بنون عشرة، فقال: أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد؛ فقال: إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان علي طلب من طلبني.

قال: ثم خرج فتقدى في الطريق حتى انتهى إلى حسين رضي الله عنه، فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسين مجيئه، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رحل الحسين، فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثره، ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالسًا، فقال: " بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " قال: فسلم عليه، وجلس إليه، فخبره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثم اقبل معه حتى أتى فقاتل معه، فقتل معه هو وابناه. ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، فأمره بتقوى الله وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك.

فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وودع من أحب من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان: هذا الطريق حتى تنتهي إلى الماء، وقد كادا أن يموتوا عطشًا. فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين، وذلك بالمضيق من بطن الخبيت: أما بعد، فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك أن الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت؛ وقد تطيرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه، وبعثت غيري، والسلام.

فكتب إليه حسين: أما بعد، فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك له؛ والسلام عليك.

فقال مسلم لمن قرأ الكتاب: هذا ما لست أتخوفه على نفسي؛ فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيىء، فنزل بهم، ثم ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر إليه قد رمى ظبيًا حين أشرف له، فصرعه، فقال مسلم: يقتل عدونا إن شاء الله؛ ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار ابن أبي عبيد - وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب - وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعةٌ منهم قرأ عليهم كتاب حسين، فأخذوا يبكون.

فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، والله لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.

فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي؛ فقال: رحمك الله! قد قضيت ما في نفسك، بواجز من قولك؛ ثم قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه.

ثم قال الحنفي مثل ذلك. فقال الحجاج بن علي: فقلت لمحمد بن بشر: فهل كان منك أنت قولٌ؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب.

واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بشير.

قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قال: خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال - وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية - قال: إني لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا أشاتمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر. أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل.

قال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال: إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين؛ فقال: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله؛ ثم نزل.

وخرج عبد الله بن مسلم، وكتب إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلًا قويًا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعف. فكان أول من كتب إليه.

ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بن سعد ابن أبي وقاص بمثل ذلك.

قال هشام: قال عوانة: فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلا يومان، دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال: ما رأيك؟ وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقولٌ سيء - وأقرأه كتبهم - فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبًا على عبيد الله بن زياد؛ فقال سرجون: أرأيت معاوية لو نشر لك، أكنت آخذًا برأيه؟ قال: نعم؛ فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال: هذا رأي معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة.

ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي - وكان عنده - فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه: أما بعد، فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين؛ فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه؛ والسلام.

فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد.

وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتابًا؛ قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب حسين مع مولىً لهم يقال له: سليمان، وكتب بنسخة إلى رءوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف؛ فكتب إلى مالك بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس ابن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها: أما بعد، فإن الله اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله.

فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه، غير المنذر بن الجارود، فإنه خشي بزعمه أن يكون دسيسًا من قبل عبيد الله، فجاءه بالرسول من العشية التي يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابه، فقدم الرسول فضرب عنقه. وصعد عبيد الله منبر البصرة فحمد الله واثنى عليه ثم قال:

أما بعد، فوالله ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، وإني لنكلٌ لمن عاداني، وسمٌّ لمن حاربني، أنصف القارة من راماها. يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق، أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطىء الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم.

ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء، وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحبًا بك يابن رسول الله! قدمت خير مقدم، فرأى من تباشيرهم بالحسين رضي الله عنه ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فأخذ حين أقبل على الظهر؛ وإنما معه بضعة عشر رجلًا، فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيد الله بن زياد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد، وغاظ عبيد لله ما سمع منهم، وقال: ألا أرى هؤلاء كما أرى.

قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني المعلى بن كليب، عن أبي وداك، قال: لما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة؛ قال: فاجتمع الناس، فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤٌ على نفسه. الصدق ينبىء عنك لا الوعيد؛ ثم نزل.

فأخذ العرفاء والناس أخذًا شديدًا، فقال: اكتبوا إلى الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا فبرىء، ومن لم يكتب لنا أحدًا، فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه، وايما عريفٍ وجد في عرافته من بيغة أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألقيت تلك العرافة من العطاء، وسير إلى موضع بعمان الزارة.

وأما عيسى بن يزيد الكناني فإنه قال - فيما ذكر عمر بن شبة، عن هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عنه - قال: لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، انتخب من أهل البصرة خمسمائة، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور - وكان شيعةً لعلي، فكان أول من سقط بالناس شريك، فيقال: إنه تساقط غمرةً ومعه ناس - ثم سقط عبد الله ابن الحارث وسقط معه ناس، ورجوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فجعل لا يلتفت إلى من سقط، ويمضي حتى ورد القادسية، وسقط مهران مولاه، فقال: أيا مهران، على هذه الحال، إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف، قال: لا، والله ما أستطيع. فنزل عبيد الله فأخرج ثيابًا مقطعة من مقطعات اليمن، ثم اعتجر بمعجرة يمانية، فركب بغلته، ثم انحدر راجلًا وحده، فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين، فيقولون: مرحبًا بك يابن رسول الله! وجعل لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته، وانتهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين، ومعه الخلق يضجون، فكلمه النعمان، فقال: أنشدك الله إلا تنحيت عني! ما أنا بمسلم إليك أمانتي، وما لي في قتلك من أرب؛ فجعل لا يكلمه. ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين، فجعل يكلمه فقال: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، فسمعها إنسانٌ خلفه، فتكفى إلى القوم، فقال: أي قوم، ابن مرجانة، والذي لا إله غيره! فقالوا: ويحك! إنما هو الحسين، ففتح له النعمان، فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس، فانفضوا، وأصبح فجلس على المنبر فقال: أيها الناس، إني لأعلم أنه قد سار معي، وأظهر الطاعة لي من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه، والله ما عرفت منكم أحدًا؛ ثم نزل.

وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة، وأنه بناحية الكوفة، فدعا مولىً لبني تميم فأعطاه مالًا، وقال: انتحل هذا الأمر، وأعنهم بالمال، واقصد لهانىء ومسلم وانزل عليه؛ فجاء هانئًا فأخبره أنه شيعة، وأن معه مالًا. وقدم شريك بن الأعور شاكيًا، فقال لهانىء: مر مسلمًا يكن عندي، فإن عبيد الله يعودني؛ وقال شريك لمسلم: أرأيتك إن أمكنتك من عبيد الله أضاربه أنت بالسيف؟ قال: نعم والله. وجاء عبيد الله شريكًا يعوده في منزل هانىء - وقد قال شريك لمسلم: إذا سمعتني أقول: اسقوني ماءً فاخرج عليه فاضربه - وجلس عبيد الله على فراش شريك، واقم على رأسه مهران، فقال: اسقوني ماء، فخرجت جاريةٌ بقدح، فرأت مسلمًا، فزالت، فقال شريك: اسقوني ماءً؛ ثم قال الثالثة: ويلكم تحموني الماء! اسقونيه ولو كانت فيه نفسي؛ ففطن مهران فغمز عبيد الله، فوثب، فقال شريك: أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك؛ قال: أعود إليك، فجعل مهران يطرد به؛ وقال: أراد والله قتلك؛ قال: وكيف مع إكرامي شريكًا وفي بيت هانىء ويد أبي عنده يد! فرجع فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث فقال: ائتياني بهانىء، فقالا له: إنه لا يأتي إلا بالأمان؛ قال: وما له وللأمان! وهل أحدث حدثًا! انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه، فأتياه فدعواه، فقال: إنه إن أخذني قتلني، فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيد الله يخطب يوم الجمعة، فجلس في المسجد، وقد رجل هانىء غديرتيه، فلما صلى عبيد الله، قال: يا هانىء، فتبعه، ودخل فسلم، فقال عبيد الله: يا هانىء، أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحدًا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر، وكان من حجر ما قد علمت، ثم لم يزل يحسن صحبتك، ثم كتب إلى أمير الكوفة: إن حاجتي قبلك هانىء؟ قال: نعم، قال: فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلًا يقتلني! قال: ما فعلت، فأخرج التميمي الذي كان عينًا عليهم، فلما رآه هانىء علم أن قد أخبره الخبر، فقال: أيها الأمير، قد كان الذي بلغك، ولن أضيع يدك عني، فأنت آمنٌ وأهلك، فسر حيث شئت.

فكبا عبيد الله عندها، ومهران قائم على رأسه في يده معكزة، فقال: واذلاه! هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك! فقال: خذه؛ فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتي هانىء، ثم أقنع بوجهه، ثم أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجه هانىء، وندر الزج، فارتز في الجدار، ثم ضرب وجهه حتى كسر أنفه وجبينه، وسمع الناس الهيعة، وبلغ الخبر مذحج، فأقبلوا، فأطافوا بالدار، وأمر عبيد الله بهانىء فألقي في بيت، وصيح المذحجيون، وأمر عبيد الله مهران أن يدخل عليه شريحًا، فخرج، فأدخله عليه، ودخلت الشرط معه، فقال: يا شريح، قد ترى ما يصنع بي! قال: أراك حيًا؛ قال: وحيٌّ أنا مع ما ترى! أخبر قومي أنهم إن انصرفوا قتلني؛ فخرج إلى عبيد الله فقال: قد رأيته حيًا، ورأيت أثرًا سيئًا؛ قال: وتنكر أن يعاقب الوالي رعيته! اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم، فخرج، وأمر عبيد الله الرجل فخرج معه، فقال لهم شريح: ما هذه الرعة السيئة! الرجل حيٌّ، وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا.

وذكر هشام، عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: نزل شريك بن الأعور على هانىء بن عروة المرادي، وكان شريك شيعيًا، وقد شهد صفين مع عمار.

وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله ومقالته التي قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، فخرج من دار المختار - وقد علم به - حتى انتهى إلى دار هانىء بن عروة المرادي، فدخل بابه، وأرسل إليه أن اخرج، فخرج إليها هانىء، فكره هانىء مكانه حين رآه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني؛ فقال: رحمك الله! لقد كلفتني شططا، ولولا دخولك داري وثقتك لأحببت ولسألتك أن تخرج عني، غير أنه يأخذني من ذلك ذمامٌ، وليس مردود مثلي على مثلك عن جهل؛ ادخل.

فآواه، وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانىء بن عروة، ودعا ابن زياد مولىً له يقال له معقل، فقال له: خذ ثلاثة آلاف درهم، ثم اطلب مسلم ابن عقيل، واطلب لنا أصحابه، ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف؛ فقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم، وأعلمهم أنك منهم، فإنك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئًا من أخبارهم؛ ثم اغد عليهم ورح. ففعل ذلك، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون: إن هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبد الله، إني امرؤ من أهل الشأم، مولىً لذي الكلاع، أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجلٍ منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدًا يدلني عليه ولا يعرف مكانه، فإني لجالسٌ آنفًا في المسجد إذ سمعت نفرًا من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علم بأهل هذا البيت؛ وإني أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك لتنال ما تحب، ولينصر الله بك أهل بيت نبيه، ولقد ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته.

فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن، فأعاه من ذلك ما رضي به، ثم قال له: اختلف إلي أيامًا في منزلي، فأنا طالبٌ لك الإذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن. فمرض هانىء بن عروة، فجاء عبيد الله عائدًا له، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية، فقد أمكنك الله منه فاقتله؛ قال هانىء: ما أحب أن يقتل في داري، فخرج فما مكث إلا جمعةً حتى مرض شريك بن الأعور - وكان كريمًا على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع - فأرسل إليه عبيد الله: إني رائحٌ إليك العشية؛ فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر، ليس أحدٌ يحول بينك وبينه، فإن برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها.

فلما كان من العشي أقبل عبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، وقال له شريك: لا يفوتنك إذا جلس؛ فقام هانىء بن عروة إليه فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري - كأنه استقبح ذلك - فجاء عبيد الله ابن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكًا عن وجعه، ما الذي تجد؟ ومتى اشتكيت؟ فلما طال سؤاله إياه، ورأى أن الآخر لا يخرج، خشي أن يفوته، فأخذ يقول:

ما تنتظرون بسلمى أن تحيوها

اسقنيها وإن كانت فيها نفسي، فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا؛ فقال عبيد الله، ولا يفطن ما شأنه: أترونه يهجر؟ فقال له هانىء: نعم أصلحك الله! ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه. ثم إنه قام فانصرف، فخرج مسلم، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خصلتان: أما إحداهما فكراهة هانىء أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديثٌ حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن "؛ فقال هانىء: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقًا فاجرًا كافرًا غادرًا، ولكن كرهت أن يقتل في داري. ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثًا ثم مات، فخرج ابن زياد فصلى عليه، وبلغ عبيد الله بعد ما قتل مسلمًا وهانئًا أن ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرض مسلمًا، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك؛ فقال عبيد الله: والله لا أصلي على جنازة رجل من أهل العراق أبدًا، ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكًا.

ثم إن معقلًا مولى ابن زياد الذي دسه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه، اختلف إلى مسلم بن عوسجة أيامًا ليدخله على ابن عقيل، فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور، فأخبره خبره كله، فأخذ ابن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي، فقبض ماله الذي جاء به - وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضًا، يشتري لهم السلاح، وكان به بصيرًا، وكان من فرسانالعرب ووجوه الشيعة - وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج، يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، ثم ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد. قال: وكان هانىء يغدو ويروح إلى عبيد الله، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض، فجعل لا يخرج، فقال ابن زيد لجلسائه: ما لي لا أرى هانئًا! فقالوا: هو شاكٍ، فقال: لو علمت بمرضه لعدته! قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد، قال: دعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة.

قال أبو مخنف: حدثني الحسن بن عقبة المرادي أنه بعث معهما عمرو بن الحجاج الزبيدي.

قال أبو مخنف: وحدثني نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قال: كانت روعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانىء بن عروة، وهي أم يحيى بن هانىء. فقال لهم: ما يمنع هانىء بن عروة من إتياننا؟ قالوا: ما ندري أصلحك الله! وإنه ليشتكي؛ قال: قد بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه حتى وقفوا عليه عشيةً وهو جالسٌ على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنه قد ذكرك، وقد قال: لو أعلم أنه شاكٍ لعدته؟ فقال لهم: الشكوى تمنعني، فقالوا له: يبلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك، وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلة فركبها حتى إذا دنا من القصر؛ كأن نفسه أحست ببعض الذي كان، فقال لحسان ابن أسماء بن خارجة: يابن أخي، إني والله لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ قال: أي عم، والله ما أتخوف عليك شيئًا، ولم تجعل على نفسك سبيلًا وأنت بريءٌ؟ وزعموا أن أسماء لم يعلم في أي شيء بعث إليه عبيد الله؛ فأما محمد فقد علم به؛ فدخل القوم على ابن زياد، ودخل معهم، فلما طلع قال عبيد الله: أتتك بحائنٍ رجلاه! وقد عرس عبيد الله إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة؛ فلما دنا من ابن زايد وعنده شريح القاضي التفت نحوه، فقال:

أريد حباءه ويريد قتلي ** عذيرك من خليلك من مراد

وقد كان له أول ما قدم مكرمًا ملطفًا، فقال له هانىء: وما ذاك أيها الأمير؟ قال: إيه يا هانىء بن عروة! ما هذه الأمور التي تربص في دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين! جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي لك! قال: ما فعلت، وما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت؛ قال: ما فعلت؛ قال: بلى، فلما كثر ذلك بينهما، وأبى هانىءٌ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلًا ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، وعلم هانىءٌ عند ذلك أنه كان عينًا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم، فسقط في خلده ساعةً. ثم إن نفسه راجعته، فقال له: اسمع مني، وصدق مقالتي، فوالله لا أكذبك، والله الذي لا إله غيره ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشيء من أمره، حتى رأيته جالسًا على بابي، فسألني النزول علي، فاستحييت من رده، ودخلني من ذلك ذمام، فأدخلته داري وضفته وآويته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئت أعطيت الآن موثقًا مغلظًا وما تطمئن إليه ألا أبغيك سوءًا، وإن شئت أعطيتك رهينةً تكون في يدك حتى آتيك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره؛ فقال: لا والله لا تفارقني أبدًا حتى تأتيني به؛ فقال: لا، والله لا أجيئك أبدًا، أنا أجيئك بضيفي تقتله! قال: والله لتأتيني به، قال: والله لا آتيك به.

فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي - وليس بالكوفة شأمي ولا بصري غيره - فقال: أصلح الله الأمير! خلني وإياه حتى أكلمه، لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلمًا، فقال لهانىء: قم إلي ها هنا حتى أكلمك؛ فقام فخلا به ناحيةً من ابن زياد، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما؛ إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان، وإذا خفضا خفي عليه ما يقولان؛ فقال له مسلم: يا هانىء، إني أنشدك الله أن تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك! فوالله إني لأنفس بك عن القتل، وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم، وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، قال: بلى، والله إن علي في ذلك للخزي والعار، أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا واحدًا ليس لي ناصرٌ لم أدفعه حتى أموت دونه. فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه إليه أبدًا؛ فسمع ابن زياد ذلك، فقال: أدنوه مني، فأدنوه منه، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك؛ قال: إذًا تكثر البارقة حول دارك، فقال: والهفا عليك! أبالبارقة تخوفني! وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه؛ فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدني، فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبيه وخده حتى كسر أنفه، وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الرجال، وجابذه الرجل ومنع، فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم! أحللت بنفسك، قد حل لنا قتلك، خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، واجعلوا عليه حرسًا، ففعل ذلك به، فقام إليه أسماء ابن خارجة فقال: أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه، وسيلت دمه على لحيته، وزعمت أنك تقتله! فقال له عبيد الله: وإنك لهاهنا! فأمر به فلهز وتعتع به، ثم ترك فحبس.

وأما محمد بن الأشعث فقال: قد رضينا بما رأى الأمير؛ لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب. وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئًا قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثم نادى: أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها، لم تخلع طاعةً، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل، فأعظموا ذلك؛ فقيل لعبيد الله: هذه مذحج بالباب، فقال لشريح القاضي: ادخل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، وأنك قد رأيته، فدخل إليه شريح فنظر إليه.

فقال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن شريح، قال: سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة، قال: دخلت على هانىء، فلما رآني قال: يالله يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟ فأين أهل الدين! وأين أهل المصر! تفاقدوا! يخلوني، وعدوهم وابن عدوهم! والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الرجة على باب القصر، وخرجت واتبعني، فقال: يا شريح، إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني؛ قال: فخرجت إليهم ومعي حميد بن بكير الأحمري - أرسله معي ابن زياد، وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه - وايم الله لولا مكانه معي لكنت أبلغت أصحابه ما أمرني به؛ فلما خرجت إليهم قلت: إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه، فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم، وأن أعلمكم أنه حي، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلًا. فقال عمرو وأصحابه: فأما إذ لم يقتل فالحمد لله؛ ثم انصرفوا.

قال أبو مخنف: حدثني الحجاج بن علي، عن محمد بن بشر الهمداني، قال: لما ضرب عبيد الله هانئًا وحبسه خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر.

قال: ثم ذهب لينزل، فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل! قد جاء ابن عقيل! فدخل عبيد الله القصر مسرعًا، وأغلق أبوابه.

قال أبو مخنف: حدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن خازم، قال: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمر هانىء؛ قال: فلما ضرب وحبس ركبت فرسي وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوةٌ لمراد مجتمعات ينادين: يا عثرتاه! يا ثكلاه! فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ منهم الدور حوله، وقد بايعه ثمانية عشر ألفًا، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي: ناد: يا منصور أمت؛ فناديت: يا منصور أمت؛ وتنادي أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال: سر أمامي في الخيل، ثم عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل في الرجال فأنت عليهم؛ وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، ثم أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر، وغلق الأبواب.

قال أبو مخنف: وحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن عباس الجدلي قال: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلا ونحن ثلثمائة. قال: وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر، ثم إن الناس تداعوا إلينا واجتمعوا، فوالله ما لبثنا إلا قليلًا حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق، وما زالوا يثوبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله ذرعه، وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلًا من الشرط وعشرون رجلًا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من بالبصر مع ابن زياد يشرفون عليهم، فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يفترون عن عبيد الله وعلى أبيه. ودعا عبيد الله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثي فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيسير بالكوفة، ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقالمثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربيع التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشًا إليهم لقلة عدد من معه من الناس، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل.

قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب الكلبي أن كثيرًا ألفى رجلًا من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره، فقال لابن زياد: إنما أردتك؛ قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك؛ فأمر به فحبس، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عماره بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن ابن شريح الشبامي، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرة من أتاه، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمد بن الأشعث: قد جلت على ابن عقيل من العرار، فتأخر عن موقفه، فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين، فلما اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد: أصلح الله الأمير! معك في القصر ناسٌ كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله، وعقد لشبث بن ربعي لواءً، فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم.

قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن خازم الكثيري من الأزد، من بني كثير، قال: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشأم على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقي، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها؛ وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا؛ فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، وأخذوا ينصرفون.

قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد؛ أن المرأة كانت تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف؛ الناس يكفونك؛ ويجيء الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول: غدًا يأتيك أهل الشأم، فما تصنع بالحرب والشر! انصرف. فيذهب به؛ فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسًا في المسجد، حتى صليت المغرب، فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسًا. فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجهًا نحو أبواب كندة، وبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسانٌ، والتفت فإذا هو لا يحس أحدًا يدله على الطريق، ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوٌّ، فمضى على وجهه يتلدد ف أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب! حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة - أم ولد كانت للأشعث بن قيس، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالًا، وكان بلالٌ قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره - فسلم عليها ابن عقيل، فردت عليه، فقال لها: يا أمة الله، اسقيني ماءً، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب! قال: بلى، قالت: فاذهب إلى أهلك؛ فسكت؛ ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت؛ ثم قالت له: في الله، سبحان الله يا عبد الله! فمر إلى أهلك عافاك الله؛ فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي، ولا أحله لك؛ فقام فقال: يا أمة الله، ما لي في هذا المصر منزلٌ ولا عشيرة؛ فهل لك إلى أجر ومعروف، ولعلي مكافئك به بعد اليوم! فقالت: يا عبد الله، وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني؛ قالت: أنت مسلم! قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتًا في دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه، فقال: والله إنه ليريبني كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه! إن لك لشأنًا، قالت: يا بني، اله عن هذا؛ قال لها: والله لتخبرني: قالت: أقبل على شأنك ولا تسألني عن شيء، فألح