تاريخ الخلفاء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
(حولت الصفحة من تاريخ الخلفا)
اذهب إلى: تصفح، بحث
تاريخ الخلفاء
للسيوطي
  ►ويكي مصدر:كتب مصورة ◄  

محتويات


بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد حمد الله الذي وعد فوفى وأوعد فعفا والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء ومسود الخلفاء وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم الأول فالأول وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة.

والداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة ولذوي المعارف محبوبة وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة وأسهل في التحصيل فأفردت كتابا في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وكتابا في الصحابة ملخصا من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر وكتابا حافلا في طبقات المفسرين وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله وكتابا في طبقات الأصوليين وكتابا جليلا في طبقات الأولياء وكتابا في طبقات الفرضيين وكتابا في طبقات البيانيين وكتابا في طبقات الكتاب أعنى أرباب الإنشاء وكتابا في طبقات أهل الخط المنسوب وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية وهذه تجمع غالب أعيان الأمة واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم فأفردت لهم هذا الكتاب ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين.

ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور: منها: أنهم غير قرشيين وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام وإلا فجدهم مجوسي قال القاضي عبد الجبار البصري اسم جد الخلفاء المصريين سعيد كان أبوه يهوديا حدادا نشابة وقال القاضي أبو بكر الباقلاني القداح جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا ودخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي ولم يعرفه أحد من علماء النسب وسماهم جهلة الناس الفاطميين وقال ابن خلكان أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر حتى إن العزيز بالله ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:

إنا سمعنا نسبا منكرا ** يتلى على المنبر في الجامع

إن كنت فيما تدعى صادقا ** فاذكر أبا بعد الأب السابع

وإن ترد تحقيق ما قلته ** فانسب لنا نفسك كالطائع

أولا دع الأنساب مستورة ** وادخل بنا في النسب الواسع

فإن أنساب بني هاشم ** يقصر عنها طمع الطامع

وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابا سبه فيه وهجاه فكتب إليه الأموي أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك فاشتد ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب يعني أنه دعي لا تعرف قبيلته قال الذهبي المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدى ليس بعلوي وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة وقد سأله إن طباطبا العلوي عن نسبهم فجذب نصف سيفه من الغمد وقال هذا نسبى ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال هذا حسبي.

ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام ومنهم من أظهر سب الأنبياء ومنهم من أباح الخمر ومنهم من أمر بالسجود له والخير منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة رضي الله عنهم ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد الله باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج وأشاعوا الرفض.

وقال الذهبي: كان القائم بن المهدي شرا من أبيه زنديقا ملعونا أظهر سب الأنبياء وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التتر.

الفصل الأول [تعديل]

وقال أبو الحسن القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف ورجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت فيا حبذا لو كان رافضيا فقط ولكنه زنديق.

وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني خلفاء مصر على الدخول في دعوتهم أو يقتل قال يختار القتل ولا يعذر أحد في هذا الأمر كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.

وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة لما أظهروا من خلاف الشريعة.

وقال ابن خلكان: وقد كانوا يدعون علم المغيبات وأخبارهم في ذلك مشهورة حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب:

بالظلم والجور قد رضينا ** وليس بالكفر والحماقه

إن كنت أعطيت علم غيب ** بين لنا كاتب البطاقة

وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا والنصارى بابن نسطور وأذل المسلمين بك إلا نظرت في أمري وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام وابن نسطور النصراني بمصر.

ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة فلا تصح إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد والصحيح المتقدم.

ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدي فعلم أن من تسمى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ.

فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته وعقد بيعته وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي والعهدة في أمره عليه والله المستعان.

فصل في بيان كون النبي لم يستخلف صلى الله عليه وسلم وسر ذلك [تعديل]

قال البزار في مسنده: حدثنا عبد الله بن وضاح الكوفي حدثنا يحيى بن اليماني حدثنا إسرائيل عن أبي اليقظان عن أبي وائل عن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علينا قال: " إني إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب " أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو اليقظان ضعيف.

وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: " إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال لما ظهر علي يوم الجمل قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ثم أن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها.

وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل عن أبي وائل قال: قيل لعلي: ألا تستخلف علينا قال ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.

قال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمر على علي وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزام أخرجه ابن سعد والبيهقي في الدلائل وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا عمن رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لديننا فقدمنا أبا بكر.

وقال البخاري في تاريخه: روى عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان هؤلاء الخلفاء بعدي قال البخاري: ولم يتابع على هذا لأن عمر وعليا وعثمان قالوا لم يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.

والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الجماني حدثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع في النباء حجرا وقال لأبي بكر ضع حجرك إلى جنب حجري ثم قال لعمر ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدي قال أبو زرعة إسناده لا بأس به وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل وغيرهما.

قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي أنه لم يستخلف لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد وهذا إشارة وقعت قبل ذلك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية وكقوله صلى الله عليه وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.

فصل في بيان أن الأئمة من قريش والخلافة فيهم [تعديل]

قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيار ابن سلامة عن أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا ووعدوا فوفوا واسترحموا فرحموا " أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني.

وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة " إسناده صحيح.

وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة " رجاله موثقون.

وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الفيض بن الفضل حدثنا مسعر عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأمراء من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ".

فصل في مدة الخلافة في الإسلام [تعديل]

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك " أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره.

قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن.

وقال البزار: حدثنا محمد بن سكين حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة ثم يكون ملكا وجبرية " حديث حسن.

وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن الشعبي عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يزال هذا الأمر عزيزا ينصرون على من ناوأهم عليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " أخرجه الشيخان وغيرهما وله طرق وألفاظ منها: " لا يزال هذا الأمر صالحا " ومنها " لا يزال الأمر ماضيا " رواهما أحمد ومنها عند مسلم " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ومنها عنده " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة " ومنها عنده " لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة " ومنها عند البزار " لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " ومنها عند أبي داود زيادة فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج ومنها عنده " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع الأمة عليه " وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود " أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل ".

قال القاضي عياض: لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلا أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.

قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة " كلهم يجتمع عليه الناس " وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسن أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولى نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان ولما مات يزيد ولى أخوه إبراهيم فقتله مروان ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ثم ولى أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد بعد أن كان في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة.

ومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد خارجا عمن كان يدعى الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج.

قال: فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الفاشي عن الفتن وقوعا فاشيا ويستمر ويزداد وكذا كان.

وقيل: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير عن أبي الخلد أنه قال: لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالمراد بقوله " ثم يكون الهرج " أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال وما بعده انتهى.

فلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز هؤلاء ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية وكذلك الطاهر لما أوتيه من العدل وبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم.

فصل في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية [تعديل]

قال الترمذي: حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا القاسم ابن الفضل المدني عن يوسف بن سعد قال قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر " ونزلت " إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر " " القدر: 1 - 3 " يملكها بعدك بنو أمية يا محمد قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة ولكن شيخه مجهول وأخرج هذا الحديث الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره: قال الحافظ أبو الحجاج المزي: وهو حديث منكر وكذا قال ابن كثير وقال ابن جرير في تفسيره: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثت عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات وأنزل الله في ذلك " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " " الإسراء: 60 " إسناده ضعيف لكن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر ويعلى بن مرة والحسين ابن علي وغيرهم وقد أوردتها بطرقها في كتاب التفسير والمسند وأشرت إليها في كتاب أسباب النزول.

فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس [تعديل]

قال البزار: حدثنا يحيى بن يعلى بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس " فيكم النبوة والمملكة " العامري ضعيف وقد أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة وابن عدى في الكامل وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك.

وقال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس " إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك فغدا وغدونا معه وألبستنا كساء ثم قال اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده " هكذا أخرجه الترمذي في جامعه وزاد رزين العبدري في آخره " واجعل الخلافة باقية في عقبه ".

قلت: هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب.

وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك ".

وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر حدثنا عمر بن الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبيد حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا ابن جعفر التميمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي أخبرني على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاه العباس فقال ألا أبشرك يا أبا الفضل قال بلى يا رسول الله قال إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه " إسناده ضعيف.

وقد ورد من حديث علي بإسناد أضعف من هذا أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن يونس الكديمي وهو وضاع عن إبراهيم بن سعيد الأشقر عن خليفة عن أبي هاشم عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: " إن الله فتح هذا الأمر بي ويختمه بولدك " وورد أيضا من حديث ابن عباس أخرجه الخطيب في التاريخ ولفظه " بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم " وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي بالله وورد أيضا من حديث عمار بن ياسر أخرجه الخطيب.

وقال في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر حدثنا نصر بن محمد حدثنا علي ابن أحمد السواق حدثنا عمر بن راشد حدثنا عبد الله بن محمد بن صالح عن أبيه عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي يعز الله بهم الدين " عمر بن راشد ضعيف.

وقال أبو نعيم في الدلائل حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر حدثنا احمد بن راشد بن خثيم ثنا عمي سعيد بن خثيم عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل رضي الله عنها قالت مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال " إنك حامل بغلام فإذا ولدت فأتيني به فلما ولدته أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله وقال اذهبي بأبي الخلفاء فأخبرت العباس وكان رجلا لباسا فلبس ثيابه ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما بصر به قام فقبل بين عينيه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو ما أخبرتك هو أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح حتى يكون منهم المهدي حتى يكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم عليه السلام ".

وقال الديلمي في مسند الفردوس أخبرنا عبدوس بن عبد الله كتابة أخبرنا الحسن بن فتحويه حدثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقري حدثنا العباس ابن علي النسائي حدثنا يحيى بن يعلى الرازي حدثنا سهل بن تمام حدثنا الحارث بن شبل حدثتنا أم النعمان عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا سيكون لبني العباس راية ولن يخرج من أيديهم ما أقاموا الحق.

وقال الدار قطني في الأفراد حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي حدثنا محمد بن هارون السعدي حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي قال سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس " إذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد وكان شيعتهم أهل خراسان لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم ".

أحمد بن إبراهيم ليس بشيء وشيخه مجهول والحديث ضعيف حتى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكي عن محمد بن إسماعيل بن عون النبلي عن الحارث بن معاوية ابن الحارث عن أبيه عن جده أبي أمه عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعا الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموه إلى المسيح وأخرجه الديلمي من وجه آخر عن أم سلمة رضي الله عنها.

وقال العقيلي في كتاب الضعفاء: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري حدثنا عبد العزيز بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا " يلي ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين ومن كل شهر شهرين ".

هذا حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعله ببكار وليس كما قال فإن بكارا لم يتهم بكذب ولا وضع بل قال فيه ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ثم قال وأرجو أنه لا بأس به ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا ما عدا أقصى المغرب كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين حتى تولى المقتدر وفي أيامه انخرم النظام وخرجت المغرب بأسرها عن أمره ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي فكانت أيام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعا وستين سنة وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير فصفت ثلاثا وثمانين سنة وكسرا وهي ألف شهر سواء.

ثم وجدت للحديث شاهدا قال الزبير بن بكار في الموفقيات: حدثني علي ابن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لمعاوية لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين وقال الزبير في الموفقيات حدثني علي بن المغيرة عن ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الرايات السود لنا أهل البيت وقال لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب.

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أنبأنا أبو القاسم بن بنان أخبرنا أبو علي بن شاذان حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا محمد بن يونس الكديمي حدثنا عبد الله بن سوار العنبري حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حيان عن أبي رجاء العطاردي عن عبد الله بن عباس عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " اللهم انصر العباس وولد العباس " قالها ثلاثا ثم قال " يا عم أما شعرت أن المهدي من ولدك موفقا راضيا مرضيا " الكديمي وضاع.

وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر حدثنا عمر بن عقبة الليثي عن شعبة مولى ابن العباس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أرسل العباس ابن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب فجمعهم عنده وكان علي عنده بمنزلة لم يكن أحد بها فقال العباس: يا ابن أخي إني قد رأيت رأيا لم أحب أن أقطع فيه شيئا حتى أستشيرك فقال علي ما هو قال يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم تسأله إلى من هذا الأمر من بعده فإن كان فينا لم نسلمه والله ما بقى في الأرض من طارق وأن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبدا قال علي يا عم وهل هذا الأمر إلا إليك وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟.

فصل

قال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبو منصور ابن خيرون حدثنا أحمد بن علي حدثنا بشرى بن عبد الله الرومي حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي يعرف بغندر قال قرئ على أبي شاكر مسرة بن عبد الله حدثنا الحسن بن يزيد حدثنا ابن المبارك حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري حدثنا أنس بن مالك مرفوعا: " إذا أراد الله أن يخلق خلقا للخلافة مسح على ناصيته بيمينه ".

مسرة ذاهب الحديث متروك وقد ورد من حديث أبي هريرة أخرجه الديلمي من ثلاث طرق عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

فصل في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت [تعديل]

أخرج السلفي في الطوريات بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن زهير رضي الله عنه لما أنشد النبي صلى الله عيه وسلم قصيدته بانت سعاد رمى إليه ببردة كانت عليه فلما كان زمن معاوية رضي الله عنه كتب إلى كعب: بعنا بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس وهكذا قاله خلائق آخرون.

وأما الذهبي فقال في تاريخه أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك: " إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار ".

قلت: فكانت التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية.

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر في إسناده ابن لهيعة وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم وأظن أنها فقدت في فتنة التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فصل في فوائد منثورة تقع في التراجم ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد [تعديل]

قال ابن الجوزي: ذكر الصولي أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع قال: فتأملت هذا فرأيته عجبا اعتقد الأمر لنبينا صلى الله عليه وسلم ثم قام به بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن فخلع ثم معاوية ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك ابن مروان وابن الزبير فخلع ثم الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام والوليد فخلع ثم لم ينتظم لبني أمية أمر فولى السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين فخلع ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فخلع ثم المعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر فخلع مرتين ثم قتل ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع هذا آخر كلام ابن الجوزي قال الذهبي وما ذكره ينخرم بأشياء.

أحدها: قوله وعبد الملك وابن الزبير وليس الأمر كذلك بل ابن الزبير خامس وبعده عبد الملك أو كلاهما خامس أو أحدهما خليفة والآخر خارج لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير.

والثاني: تركه لعد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ومروان فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا.

قلت: قد تقدم أن مروان ساقط من العدد لأنه باغ ومعاوية بن يزيد كذلك لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر فإن قوما بايعوه بالخلافة وآخرين لم يبايعوه وقوم كانوا يدعونه بالإمارة دون الخلافة ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما فعلى هذا مروان الحمار سادس لأنه الثاني عشر من معاوية والأمين بعده سادس.

والثالث: أن الخلع ليس مقتصرا على كل سادس فإن المعتز خلع وكذا القاهر والمتقي والمستكفي.

قلت: لا انخرام بهذا فإن المقصود أن السادس لا بد من خلعه ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع.

ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي ولي بعد الراشد المقتفى والمستنجد والمستضيء والناصر والظاهر والمستنصر وهو السادس فلم يخلع ثم المستعصم وهو الذي قتله التتار وكان آخر دولة الخلفاء وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة بل بويع بمصر وسار إلى العراق فصادف التتار فقتل أيضا وتعطلت الخلافة بعده سنة ثم أقيمت الخلافة بمصر فأولهم الحاكم ثم المستكفي ثم الواثق ثم الحاكم ثم المعتضد ثم المتوكل وهو السادس فخلع وولى المعتصم ثم خلع بعده بخمسة عشر يوما وأعيد المتوكل ثم خلع وبويع الواثق ثم المعتصم ثم خلع وأعيد المتوكل فاستمر إلى أن مات ثم المستعين ثم المعتضد ثم المستكفي ثم القائم وهو السادس من المعتصم الأول ومن المعتصم الثاني فخلع ثم المستنجد خليفة العصر وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس.

فوائد [تعديل]

يقال: لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة فالفاتحة المنصور والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد.

خلفاء بني العباس كلهم أبناء سراري إلا السفاح والمهدي والأمين.

ولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنه الحسن والأمين قال الصولي.

ولم يل الخلافة من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب وعلي المكتفي.

قال الذهبي: قلت غالب أسماء الخلفاء أفراد والمثنى منهم قليل والمتكرر كثير: عبد الله وأحمد ومحمد وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر خلفاء العراقيين ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين فكرر المستنصر والمستكفي والواثق والحاكم والمعتضد والمتوكل والمستعصم والمستعين والقائم والمستنجد وكلها لم يتكرر غير مرة واحدة إلا المستكفي والمعتضد فكررا مرة أخرى فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة ولم يتلقب أحد من خلفاء بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم والحاكم والظاهر والمستنصر وأما المهدي والمنصور فسبق التلقب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد.

قال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح لا من الخلفاء ولا من الملوك.

قلت: وكذا المستكفي والمستعين لقب بكل منهما اثنان من بني العباس فخلعا ونفيا والمعتضد من أجل الألقاب وأبركها لمن يلقب به.

ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفي بعد الراشد والمستنصر بعد المعتصم قاله الذهبي.

قال: ولم يل الخلافة ثلاثة أخوة إلا أولاد الرشيد الأمين والمأمون والمعتصم وأولاد المتوكل المستنصر والمعتز والمعتمد وأولاد المقتدر: الراضي والمقتفي والمطيع.

قال: وولى الأمر من أولاد عبد الملك أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك.

قلت: بل له نظير في الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم فولي الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة: بل خمسة المستعين والمعتضد والمستكفي والقائم والمستنجد خليفة العصر.

ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق وأبو بكر الطائع بن المطيع حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا.

قال العلماء: أول من ولى الخلافة وأبوه حي أبو بكر وهو أول من عهد بها وأول من أتخذ بيت المال وأول من سمى المصحف مصحفا وأول من سمى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو أول من اتخذ الدرة وأول من أرخ من الهجرة وأول من أمر بصلاة التراويح وأول من وضع الديوان وأول من حمى الحمى عثمان وهو أول من أقطع الإقطاعات أي أكثر من ذلك وأول من زاد الأذان في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة وأول من اتخذ صاحب شرطة وأول من استخلف ولي العهد في حياته معاوية وهو أول من أتخذ الخصيان لخدمته وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير وأول من ضرب اسمه على السكة عبد الملك بن مروان وأول من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك وأول ما حدثت الألقاب لبني العباس.

وقال ابن فضل الله زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس قلت وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية الناصر لدين الله ولقب يزيد المستنصر ولقب معاوية ابنه الراجع إلى الحق ولقب مروان المؤتمن بالله ولقب عبد الملك الموفق لأمر الله ولقب ابنه الوليد المنتقم بالله ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم بالله ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع الله ولقب يزيد الناقص الشاكر لأنعم الله.

أول ما تفرقت الكلمة في دولة السفاح أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم المنصور وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين المهدي أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة الهادي أول من لعب بالصوالجة في الميدان الرشيد أول من دعي وكتب للخليفة بلقبه في أيامه الأمين وأول من أدخل الأتراك الديوان المعتصم وأول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم المتوكل أول من تحكمت الأترك في قتله المتوكل وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتركوا الترك ما تركوكم فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ". أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس المستعين أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب المعتز أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به المعتمد أول من ولي الخلافة من الصبيان المقتدر.

آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الراضي وهو آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما وآخر خليفة جالس الندماء وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولية وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء.

أول ما كررت الألقاب من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم.

في الأوائل للعسكري: أول خليفة ولي في حياة أمه عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المتوكل ثم المنتصر ثم المستعين ثم المعتز ثم المعتضد ثم المطيع ولم يل الخلافة في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزيد عليه الطائع.

وقال الصولي: لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك وشاهين أم يزيد الناقص وإبراهيم ابني الوليد والخيزران أم الهادي والرشيد.

قلت: ويزاد أم العباس وحمزة وأم داود وسليمان أولاد المتوكل الأخير.

فائدة: المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر ثلاثة بالمغرب المهدي والقائم والمنصور وأحد عشر بمصر المعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين وانقراضها في سنة سبع وستين وخمسمائة قال الذهبي وهي الدولة المجوسية واليهودية لا العلوية والباطنية لا الفاطمية وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا انتهى.

فائدة: المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير إسلاما وسنة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا وهم كثير حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة.

فائدة: أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين منها تاريخ الخلفاء لنفطويه النحوي مجلدان انتهى إلى أيام القاهر والأوراق للصولي ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إليه قلت: وقد وقفت عليه وتاريخ خلفاء بني العباس لابن الجوزي رأيته أيضا انتهى إلى أيام الناصر وتاريخ الخلفاء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشعراء مات في سنة ثمانين ومائتين وتاريخ خلفاء بني العباس للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي.

فائدة: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عبادة قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه والمأمون.

قلت: وهذا الحصر ممنوع بل حفظه أيضا الصديق رضي الله عنه على الصحيح وصرح به جماعة منهم النووي في تهذيبه وعلى رضي الله عنه ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

فائدة: قال ابن الساعي حضرت مبايعة الخليفة الظاهر فكان جالسا في شباك القبة بثياب بيض وعليه الطرحة وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم والوزير قائم بين يديه على منبر وأستاذ الدار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس ولفظ المبايعة أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أمير المؤمنين وأن لا خليفة سواه انتهى.

أبو بكر الصديق [تعديل]

أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة.

قال النووي في تهذيبه وما ذكرناه من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور وقيل اسمه عتيق والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقا لقب له لا اسم ولقب عتيقا لعتقه من النار كما ورد في حديث رواه الترمذي وقيل لعتاقة وجهه أي حسنه وجماله قاله مصعب ابن الزبير والليث بن سعد وجماعة وقيل لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.

قال مصعب بن الزبير وغيره: وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازم الصدق فلم تقع منه هناة ما ولا وقفة في حال من الأحوال وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة منها قصته يوم ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك وهجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وسائر الطريق ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة ثم بكاؤه حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ثم ثباته يوم وفاة رسول الله صلى الله وسلم وخطبته الناس وتسكينهم ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق وهو قتال أهل الردة ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم بالأمداد ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه على المسلمين عمر رضي الله عنه وتفرسه فيه ووصيته له واستيداعه الله الأمة فخلفه الله عز وجل فيهم أحسن الخلافة وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام وإعزاز الدين وتصديق وعد الله تعالى بأنه يظهره على الدين كله وكم للصديق من مناقب وموافق وفضائل لا تحصى هذا كلام النووي.

وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصديق بعض البسط ذاكرا فيه جملة كثيرة مما وقفت عليه من حاله وأرتب ذلك فصولا.

فصل في اسمه ولقبه [تعديل]

تقدمت الإشارة إلى ذلك قال ابن كثير: اتفقوا على أن اسمه عبد الله ابن عثمان إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق والصحيح أنه لقبه ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه فقيل: لعتاقة وجهه أي لجماله قاله الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير وقيل: لعتاقة نسبه أي طهارته إذا لم يكن في نسبه شيء يعاب به وقيل: سمي به أولا ثم سمى بعبد الله وروى الطبراني عن القاسم بن محمد أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن اسم أبي بكر فقالت: عبد الله فقال إن الناس يقولون عتيق قالت إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم عتيقا ومعتقا ومعيتقا وأخرج ابن منده وابن عساكر عن موسى بن طلحة قال: قلت لأبي طلحة قال قلت لأبي طلحة: لم سمي أبو بكر عتيقا قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت اللهم إن هذا عتيق من الموت فهبه لي وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: إنما سمي عتيقا لحسن وجهه وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق وفي لفظ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سماه عتيقا أخرج أبو يعلى في مسنده وابن سعد والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت والله إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذا أقبل أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر " وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله فغلب عليه اسم عتيق وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقا وأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر عبد الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنت عتيق الله من النار " فسمي عتيقا.

وأما الصديق فقيل كان يلقب به في الجاهلية لما عرف منه من الصدق ذكره ابن مسدي وقيل لمبادرته إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يخبر به قال ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال أو قال ذلك؟ قالوا نعم فقال لقد صدق إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة فلذلك سمي الصديق إسناده جيد وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة أسندهما ابن عساكر وأم هانئ أخرجه الطبراني.

قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به فكان بذي طوى قال يا جبريل إن قومي لا يصدقوني قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق وأخرجه الطبراني في الأوسط موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة.

وأخرج الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة قال: قلنا لعلي يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر قال ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا إسناده جيد.

وأخرج الدراقطني والحاكم عن أبي يحيى قال لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقا.

وأخرجه الطبراني بسند جيد صحيح عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليا يقول ويحلف لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق وفي حديث أحد " اسكن فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ".

وأم أبي بكر بنت عم أبيه اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب وتكنى أم الخير قاله الزهري أخرجه ابن عساكر.

فصل في مولده ومنشئه [تعديل]

ولد بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر فإنه مات وله ثلاثة وستون سنة.

قال ابن كثير: وأما ما أخرجه خليفة بن الخياط عن يزيد بن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ قال أنت أكبر وأنا أسن منك فهو مرسل غريب جدا والمشهور خلافه وإنما صح ذلك عن العباس.

وكان منشؤه بمكة لا يخرج منها إلا لتجارة وكان ذا مال جزيل في قومه ومروءة تامة وإحسان وتفضل فيهم كما قال ابن الدغنة: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر وتقري الضيف.

قال النووي: وكان من رؤوساء قريش في الجاهلية وأهل مشاورتهم ومحببا فيهم وأعلم لمعالمهم فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخل فيه أكمل دخول وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خربوذ قال: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحد عشر من قريش اتصل بهم شرف الجاهلية والإسلام فكان إليه أمر الديات والغرم وذلك أن قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلها إليه بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة ومعنى ذلك أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة أي لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا لا يكون اجتماعهم إلا بدار الندوة ولا ينفذ إلا بها وكانت لبني عبد الدار.

‘’’فصل

كان أبو بكر أعف الناس في الجاهلية

أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية ولا إسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.

وأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها قالت: لقد كان حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال: ما قال أبو بكر شعرا قط.

وأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله فقيل ولم؟ قال: كنت أصون عرضي واحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر كان مضيعا في عرضه ومروءته قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أبو بكر صدق أبو بكر مرتين مرسل غريب سندا ومتنا.

فصل في صفته رضي الله عنه [تعديل]

أخرج ابن سعد عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها: صفي لنا أبا بكر فقالت رجل أبيض نحيف خفيف العارضين أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة عاري الأشاجع هذه صفته.

وأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم.

وأخرج عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر فلفها بالحناء والكتم.

فصل في إسلامه رضي الله عنه [تعديل]

أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها أي الخلافة ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟.

وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي رضي الله عنه قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر.

وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق.

وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي رضي الله عنه قال: أول من أسلم أبو بكر الصديق.

وأخرج الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما قال أبو بكر الصديق ألم تسمع قول حسان:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها ** إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده ** وأول الناس منهم صدق الرسلا

وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب: قال: سألت ميمون بن مهران قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما لله درهما كانا رأس الإسلام قلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم علي قال والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا الراهب حين مر به واختلف فيما بنيه وبين خديجة حتى أنكحها إياه وذلك كله قبل أن يولد علي وقد قال إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم بل ادعى بعضهم الإجماع عليه وقيل أول من أسلم علي وقيل خديجة وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال وعلى أول من أسلم من الصبيان وخديجة أول من أسلمت من النساء وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة رحمه الله أخرجه عنه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمد بن الحنفية هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما قال لا قلت: فيم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال لأنه كان أفضلهم إسلاما من حين أسلم حتى لحق بربه.

وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاما قال لا ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة ولكن كان خيرنا إسلاما.

قال ابن كثير والظاهر أن أهل بيته صلى الله عليه وسلم آمنوا قبل كل أحد: زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجة زيد أم أيمن وعلى وورقة انتهى.

وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر الصديق: كنت جالسا بفناء الكعبة وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا فمر به أمية ابن أبي الصلت فقال كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال بخير قال وهل وجدت قال لا فقال:

كل دين يوم القيامة إلا ** ما قضى الله في الحقيقة بور

أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم قال ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر ويبعث قال فخرجت إلى ورقة بن نوفل وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث فقال نعم يا ابن أخي إنا أهل الكتب والعلوم إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا ولي علم بالنسب وقومك أوسط العرب نسبا قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال يقول ما قيل له إلا أنه لا يظلم ولا يظلم ولا يظالم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقته.

وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته وما تردد فيه " عتم: أي لبث قال البيهقي: وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان قد سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع من يناديه يا محمد فإذا سمع الصوت ولى هاربا فأسر ذلك إلى أبي بكر وكان صديقا له في الجاهلية.

وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كلمت في الإسلام أحدا إلا أبى علي وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه:.

وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي إني قلت: أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت ".

فصل في صحبته ومشاهده [تعديل]

قال العلماء صحب أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم من حين أسلم إلى حين توفي لم يفارقه سفرا ولا حضرا إلا فيما أذن له صلى الله عليه وسلم في الخروج فيه من حج وغزو وشهد معه المشاهد كلها وهاجر معه وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو رفيقه في الغار قال تعالى " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " " التوبة: 40 " وقام بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير موضع وله الآثار الجميلة في المشاهد وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس كما سيأتي في فصل شجاعته.

أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر فقالوا أما ترون الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وأحمد عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ولأبي بكر " مع أحد كما جبريل ومع الآخر ميكائيل ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر فانصرفت عنك ولم أقتلك فقال أبو بكر لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك.

قال ابن قتيبة: معنى أهدفت أشرفت ومنه قيل للبناء المرتفع هدف.

فصل في شجاعته وأنه أشجع الصحابة رضي الله عنه [تعديل]

أخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال: أخبروني من أشجع الناس؟ فقالوا أنت قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم فمن قال أبو بكر إنه لما كان يوم بدر فجعلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه فهو أشجع الناس قال علي رضي الله عنه ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجبأه وهذا يتلتله وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال ألا تجيبونني فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه.

وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟.

وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده عن أبي بكر قال لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أول من فاء وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه.

وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين وضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر رضي الله عنه.

وأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

فصل في إنفاقه ماله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أجود الصحابة [تعديل]

قال الله تعالى: " وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى " " الليل: 18 " إلى آخر السورة قال ابن الجوزي أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر.

وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر " فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟.

وأخرج أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا مثله.

قال ابن كثير وروى أيضا من حديث علي وابن عباس وأنس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلا وزاد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه.

وأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة رضي الله عنها وعروة بن الزبير " أن أبا بكر رضي الله عنه أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار وفي لفظ أربعون ألف درهم فأنفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أسلم أبو بكر رضي الله عنه يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وماله غير خمسة آلاف كل ذلك بنفقة في الرقاب والعون على الإسلام.

وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله.

وأخرج ابن شاهين في السنة والبغوي في تفسيره وابن عساكر عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال يا محمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال يا جبريل أنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله تعالى يقرأ عليه السلام ويقول قل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو بكر أسخط على ربي أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض غريب وسنده ضعيف جدا.

وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة وابن مسعود مثله وسندهما ضعيف أيضا.

وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس.

وأخرج الخطيب بسند واه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هبط على جبريل عليه السلام وعليه طنفسة وهو متخلل بها: فقلت له: يا جبريل ما هذا قال إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض.

قال ابن كثير: وهذا منكر جدا وقال ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى.

وأخرج أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي قلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله وأتي أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسبقه في شيء أبدا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن البصري: أن أبا بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فأخفاها فقال: يا رسول الله هذه صدقتي ولله عندي معاد وجاء عمر بصدقته فأظهرها فقال يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله معاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما " إسناده جيد لكنه مرسل.

واخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر ".

وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: جئت بأبي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هلا تركت الشيخ حتى آتيه قال بل هو أحق أن يأتيك قال إنا نحفظه لأيادي ابنه عندنا ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته ".

فصل في علمه وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم [تعديل]

قال النووي في تهذيبه ومن خطه نقلت استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله رضي الله عنه في الحديث الثابت في الصحيحين: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.

وروينا عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعلم غيرهما.

وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: إن الله تبارك وتعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله تعالى فبكى أبو بكر وقال نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من آمن الناس على في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخدت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر " هذا كلام النووي.

وقال ابن كثير: كان الصديق رضي الله عنه أقرأ الصحابة أي أعلمهم بالقرآن لأنه صلى الله عليه وسلم قدمه إماما للصلاة بالصحابة رضي الله عنه مع قوله " يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله ".

وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره ".

وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أول البعثة إلى الوفاة وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مدته وسرعة وفاته بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.

وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه آله وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأى قضى به وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.

وكان الصديق رضي الله عنه مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب لا سيما قريش أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة وكان يقول إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب.

وكان الصديق مع ذلك غاية في علم تعبير الرؤيا وقد كان يعبر الرؤيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال محمد بن سيرين وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن سعد.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أؤول الرؤيا وأن أعلمها أبا بكر ".

قال ابن كثير وكان من أفصح الناس وأخطبهم قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر رضي الله عنه وكان من أعلم الناس بالله وأخوفهم له وسيأتي من كلامه في ذلك وفي تعبير الرؤيا ومن خطبه جملة في فصل مستقل.

ومن الدلائل على أنه أعلم الصحابة حديث صلح الحديبية حيث سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال: علام نعطى الدنية في ديننا؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه كما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء أخرجه البخاري وغيره.

وكان مع ذلك أشد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا أخرج تمام الرازي في فوائد وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر " وأخرج الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يسرح معاذا إلى اليمن استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ قالت أرى ما قال أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر ورواه ابن أبي أسامة في مسنده " إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض " وأخرج الطبراني في الوسط عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر " رجاله ثقات.

‘’’فصل

قال النووي في تهذيبه الصديق أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله وذكر هذا أيضا جماعة منهم ابن كثير في تفسيره وأما حديث أنس " جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة " فمراده من الأنصار كما أوضحته في كتاب الإتقان وأما ما أخرجه ابن أبي داود عن الشعبي قال مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يجمع القرآن كله فهو مدفوع أو مؤول على أن المراد جمعه في المصحف على الترتيب الذي صنعه عثمان رضي الله عنه. فصل في أنه أفضل الصحابة وخيرهم

أهل السنة أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر ثم باقي أهل أحد ثم باقي أهل البيعة ثم باقي الصحابة هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي.

وروى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ابن الخطاب ثم عثمان ابن عفان رضي الله عنهم وزاد الطبراني في الكبير فيعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: كنا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا.

وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن متوافرون نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت.

وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذاك فلقد سمعته يقول: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر.

وأخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال عمر وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال ما أنا إلا رجل من المسلمين.

وأخرج أحمد وغيره عن علي قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر قال الذهبي: هذا متواتر عن علي فلعن الله الرافضة ما أجهلهم.

وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ثم قال: ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري.

وأخرج أيضا عن ابن أبي ليلى قال: قال علي: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.

وأخرج عبد الرحمن بن حميد في مسنده وأبو نعيم وغيرهما من طرق عن أبي الدرداء " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبي " وفي لفظ " على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ".

وقد ورد أيضا من حديث جابر ولفظه ما طلعت الشمس على أحد منكم أفضل منه أخرجه الطبراني وغيره وله شواهد من وجوه أخر تقضى له بالصحة أو الحسن وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحته.

وأخرج الطبراني عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبو بكر الصديق خير الناس إلا أن يكون نبي " وفي الأوسط عن سعد بن زرارة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن روح القدس جبريل أخبرني أن خير أمتك بعدك أبو بكر ".

وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة قلت: من الرجال قال أبوها قلت ثم من؟ قال ثم عمر بن الخطاب وقد ورد هذا الحديث بدون ثم عمر في رواية أنس وابن عمرو وابن عباس.

وأخرج الترمذي والنسائي والحاكم عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أبو بكر قلت ثم من قالت ثم عمر قلت ثم من؟ قالت أبو عبيدة بن الجراح.

وأخرج الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين " وأخرج مثله عن علي.

وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر: وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمار بن ياسر قال من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أزرى على المهاجرين والأنصار.

وأخرج ابن سعيد عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال نعم فقال قل وأنا أسمع فقال:

والثاني اثنين في الغار المنيف وقد ** طاف العدو به إذ صعد الجبلا

وكان حب رسول الله قد علموا ** من البرية لم يعدل به رجلا

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: صدقت يا حسان هو كما قلت.

فصل

روى أحمد والترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم الحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه " وأقضاهم علي " وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث شداد بن أوس وزاد " وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها " وقد سئل شيخنا العلامة الكافيجي عن هذه التفضيلات: هل تنافي التفضيل السابق فأجاب بأنه لا منافاة.

فصل فيما أنزل من الآيات في مدحه أو تصديقه أو أمر من شأنه [تعديل]

اعلم أني رأيت لبعضهم كتابا في أسماء من نزل فيهم القرآن غير محرر ولا مستوعب وقد ألفت في ذلك كتابا حافلا مستوعبا محررا وأنا ألخص هنا ما يتعلق منه بالصديق رضي الله عنه.

قال تعالى " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه " " التوبة:40 " أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور أبو بكر وسيأتي فيه أثر عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى " فأنزل الله سكينته عليه " " التوبة: 40 " قال على أبي بكر إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله فأنزل الله " والليل إذا يغشى " " الليل: 1 " إلى قوله " إن سعيكم لشتى " " الليل: 4 " سعي أبي بكر وأمية وأبي.

وأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال أبوه أي بنى أراك تعتق أناسا ضعافا فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك قال أي أبت أنا أريد ما عند الله قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه " فأما من أعطى واتقى " " الليل: 5 " إلى آخرها.

وأخرج أبن أبي حاتم والطبراني عن عروة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعتق سبعة كلهم يعذب في الله وفيه نزلت " وسيجنبها الأتقى " " الليل: 17 " إلى آخر السورة.

وأخرج البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية " وما لأحد عنده من نعمة تجزى " " الليل: 19 " إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين.

وأخرج البزار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان وكانت له صحبة قال: قال علي: والذي جاء بالحق محمد وصدق به أبو بكر الصديق قال ابن عساكر هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى " وشاورهم في الأمر " " آل عمران: 159 " قال: نزلت في أبي بكر وعمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: نزلت " ولمن خاف مقام ربه جنتان " " الرحمن: 46 " في أبي بكر رضي الله عنه وله طرق أخرى ذكرتها في أسباب النزول.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وابن عباس في قوله تعالى: " وصالح المؤمنين " " التحريم: 4 " قال نزلت في أبي بكر وعمر.

وأخرج عبد الله بن أبي حميد في تفسيره عن مجاهد قال لما نزلت " إن الله وملائكته يصلون على النبي " " الأحزاب: 56 " قال أبو بكر يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيرا إلا أشركنا فيه فنزلت هذه الآية " هو الذي يصلى عليكم وملائكته " " الأحزاب: 43 ".

وأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " " الحجر: 47 ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر الصديق " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا " " الأحقاف: 15 " إلى قوله " وعد الصدق الذي كانوا يوعدون " " الأحقاف: 16 ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار " " التوبة: 40 ".

فصل في الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر سوى ما تقدم [تعديل]

أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث قال الناس سبحان الله بقرة تتكلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر وما ثم أبو بكر وعمر أي لم يكونا في المجلس شهد لهما بالإيمان بذلك لعلمه بكمال إيمانها.

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر " وأخرج أصحاب السنن وغيرهم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة " وذكر تمام العشرة.

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلي ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأخرجه الطبراني من حديث جابر ابن سمرة وأبو هريرة.

وأخرج الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما ".

وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال: هكذا نبعث يوم القيامة " وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.

وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ".

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال " هذان السمع والبصر " وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو.

وأخرج البزار والحاكم عن أبي أروى الدوسي قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر فقال: الحمد لله الذي أيدني بكما وورد أيضا من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في الأوسط.

وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل آنفا فقلت يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب فقال لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر ".

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر " لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما " وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب.

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما ".

وأخرج عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لكل نبي خاصة من أمته وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر ".

وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرا تركه الحق وماله من صديق رحم الله عثمان تستحييه الملائكة رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار ".

وأخرج الطبراني عن سهل رضي الله عنه قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عنه وعن عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين فاعرفوا ذلك لهم ".

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كمنزلتهما منه الساعة.

وأخرج ابن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر " لا يتأمر عليكما أحد بعدي ".

وأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا " حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر ".

وأخرج عن ابن مسعود قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة.

وأخرج عن أنس مرفوعا " إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول: لا إله إلا الله.

فصل في الأحاديث الواردة في فضله وحده سوى ما تقدم [تعديل]

أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان فقال أبو بكر ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال نعم فأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر ".

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي " وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من أمن الناس علي في صحبته وما له أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ".

وقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود وجندب بن عبد الله والبراء وكعب بن مالك وجابر بن عبد الله وأنس وأبي واقد الليثي وأبي المعلى وعائشة وأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم وقد سردت طرقهم في الأحاديث المتواترة.

وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر فسلم وقال إنه كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى على فأقبلت إليك فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم منه مرتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها ".

وأخرج ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنه نحوه وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تؤذوني في صاحبي فإن الله بعثني بالهدى ودين الحق فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت ولو لا أن الله سماه صاحبا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام ".

وأخرج ابن عساكر عن المقدام قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر قال: وكان أبو بكر نسابا غير أنه تحرج من قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال " ألا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه فوالله ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة إلا باب أبي بكر فإن على بابه النور فوالله لقد قلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وأمسكتم الأموال وجادلي بماله وخذلتموني وواساني واتبعني ".

وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنك لست تصنع ذلك خيلاء ".

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا قال: فمن عاد اليوم منكم مريضا قال أبو بكر أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ".

وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي بكر فحديث أنس أخرجه البيهقي في الأصل وفي آخره " وجبت لك الجنة وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار ولفظه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: من أصبح منكم اليوم صائما فقال عمر يا رسول الله لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرا فقال أبو بكر ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائما فقال هل أحد منكم اليوم عاد مريضا فقال عمر يا رسول الله لم نبرح فكيف نعود المريض فقال أبو بكر بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح فقال هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا فقال عمر صلينا يا رسول الله ثم لم نبرح فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه فقال أنت فأبشر بالجنة ثم قال كلمة أرضى بها عمر وزعم عمر أنه لم يرد خيرا قط إلا سبقه إليه أبو بكر ".

أبو يعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنت في المسجد أصلى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر فوجدني أدعو فقال سل تعطه ثم قال " من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأ بقراءة ابن أم عبد " فرجعت إلى منزلي فأتاني أبو بكر فبشرني ثم أتى عمر فوجد أبا بكر خارجا قد سبقه فقال إنك لسباق بالخير.

وأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم فقال لي يا ربيعة رد على مثلها حتى يكون قصاصا قلت: لا أفعل قال أبو بكر لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت أتلوه وجاء أناس من أسلم فقالوا لي رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال؟ فقلت أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق هذا ثاني اثنين وهذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا ما تأمرنا؟ قال ارجعوا وانطلق أبو بكر رضي الله عنه وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث كما كان فرفع إلي رأسه فقال يا ربيعة ما لك والصديق فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل لا ترد عليه ولكن قل قد غفر الله لك يا أبا بكر فقلت غفر الله لك يا أبا بكر قال الحسن قولي أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي.

وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: " أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار ".

وأخرج عبد الله بن أحمد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار " إسناده حسن.

وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي قال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها " وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس.

وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي " إسناده ضعيف لكنه ورد أيضا من حديث ابن عباس وابن عمر وأنس وأبي سعيد وأبي الدرداء رضي الله عنهم بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم " يا أيتها النفس المطمئنة " فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذا لحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما إن الملك سيقولها لك عند الموت ".

وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال لما نزلت " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم " الآية قال أبو بكر: يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال " صدقت ".

وأخرج أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمر حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غديرا فقال: ليسبح كل رجل إلى صاحبه قال: فسبح كل رجل حتى بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى اعتنقه وقال: " لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه صاحبي " تابعه وكيع عن عبد الجبار بن الورد أخرجه ابن عساكر وعبد الجبار ثقة شيخه ابن أبي ملكية إمام إلا أنه مرسل وهو غريب جدا.

قلت: أخرجه الطبراني في الكبير وابن شاهين في السنة من وجه آخر موصولا عن ابن عباس.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وابن عساكر من طريق صدقة بن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خصال الخير ثلاثمائة وستون خصلة إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه خصلة منها يدخل بها الجنة " قال أبو بكر: يا رسول الله أفي شيء منها قال " نعم جمعا من كل ".

وأخرج ابن عساكر من طريق أخرى عن صدقة القرشي عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خصال الخير ثلاثمائة وستون فقال أبو بكر يا رسول الله لي منها شيء قال: كلها فيك فهنيئا لك يا أبا بكر ".

وأخرج ابن عساكر من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: إن كانت حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشتبك حتى تصير كالأسوار وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس وأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه وألقى إليه حديثه وسمع الناس.

وأخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي ".

وأخرج مثله في حديث سهل بن سعد.

وأخرج عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا " الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر ".

فصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في فضله [تعديل]

أخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.

وأخرج ابن أبي خيثمة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمر رضي الله عنه قال: إن أبا بكر كان سابقا مبرزا.

وقال عمر: لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر أخرجه مسدد في مسنده.

وقال: وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر.

وقال: لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك أخرجه أبو نعيم.

وأخرج ابن عساكر عن علي أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال: ما أحد لقي الله بصحيفته أحب إلى من هذا المسجى.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثني عمر بن الخطاب أنه ما سبق أبا بكر إلى خير قط إلا سبقه به.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر.

وأخرج في الأوسط أيضا عن جحيفة قال: قال علي خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن.

وأخرج في الكبير عن ابن عمر قال: ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوها وأحسنها أخلاقا وأثبتها جنانا إن حدثوك لم يكذبوك وإن حدثتهم لم يكذبوك أبو بكر الصديق وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن عفان.

وأخرج ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال: كان أبو بكر يسمى الأواه لرأفته ورحمته.

وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول: مثل أبي بكر الصديق مثل القطر أينما وقع نفع.

وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل أبي بكر الصديق.

وأخرج عن الزهري قال: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة قط.

وأخرج عن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

وأخرج عن أبي حصين قال: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء.

فصل

أخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر عن الشعبي قال خص الله تبارك وتعالى أبا بكر بأربع خصال لم يخص بها أحدا من الناس سماه الصديق ولم يسم أحدا الصديق غيره وهو صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والمسلمون شهود.

وأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يراه.

وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره وكان ثانيه في الإسلام وثانيه في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم عليه أحدا.

فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته وكلام الأئمة في ذلك [تعديل]

أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ".

وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود ورضي الله عنه.

وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلا قليلا " صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب وفي الصحيحين في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم لما خطب قرب وفاته وقال: " إن عبدا خيره الله " الحديث وفي آخره " ولا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر وفي لفظ لهما " لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه ولفظه " سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر " أخرجه ابن عدي ومن حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الترمذي وغيره ومن حديث ابن عباس في زوائد المسند ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني ومن حديث أنس أخرجه البزار.

وأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن أبيه قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت قال صلى الله عليه وسلم " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".

وأخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال " إلى أبي بكر ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله شيئا فقال لها تعودين فقالت: يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت فقال: " إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي ".

وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه " ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ".

وأخرج أحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي فيه مات: " ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي ثم قال: دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر ".

وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف قالت: أبو بكر قيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح.

وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة: يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث متواتر ورد أيضا من حديث عائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبي سعيد وعلي بن أبي طالب وحفصة رضي الله عنها وقد سقت طرقهم في الأحاديث المتواترة وفي بعضها عن عائشة رضي الله عنها: لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر.

وفي حديث ابن زمعة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة وكان أبو بكر غائبا فتقدم عمر فصلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا لا لا يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر يصلي بالناس أبو بكر ".

وفي حديث ابن عمر " كبر عمر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فأطلع رأسه مغضبا فقال أين ابن أبي قحافة ".

قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة قال الأشعري: قد علم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصديق أن يصلى بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن انتهى.

وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة منهم عمر وسيأتي قوله في فصل المبايعة ومنهم علي.

وأخرج ابن عساكر عنه قال لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس وإني أشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا.

قال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم وقال: يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى.

وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر قال: " لست أنا أقدمه ولكن الله يقدمه ".

وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " سألت الله أن يقدمك ثلاثا فأبى على إلا تقديم أبي بكر ".

وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال أبو بكر " يا رسول الله ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس قال: لتكونن من الناس بسبيل قال ورأيت في صدري كالرقمتين قال: سنتين ".

وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: أتيت عمر وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصرة في مؤخر القوم إلى رجل فقال ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب قال: خليفة النبي صلى الله عليه وسلم صديقه.

وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له اشفني فيما اختلف الناس فيه هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر فاستوى الحسن قاعدا وقال أو في شك هو لا أبا لك أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفته ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره.

وأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق قلت يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون قال والله ما زدتني إلا غما قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال يا رسول الله من يصلي بالناس قال مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسكوت الله وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه فقال بارك الله فيك.

وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " " المائدة: 54 " قال هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام.

وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " " المائدة: 54 ".

وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد " " الفتح: 16 " قال: هم بنو حنيفة قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم.

وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية قال لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه الإدعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة قال فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذابا أليما قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق وقال تعالى " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " " النور: 55 " الآية قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق.

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال: إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب الله يقول الله " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " " النور: 55 " الآية.

وأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن لأن الله تعالى يقول " للفقراء المهاجرين " إلى قوله " أولئك هم الصديقون " " الحديد: 16 " فمن سماه الله صديقا فليس يكذب وهم قالوا يا خليفة رسول الله قال ابن كثير استنباط حسن.

وأخرج البيهقي عن الزعفران قال: سمعت الشافعي يقول أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم.

وأخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرة قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يجتمعون على خطأ ولا ضلال.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر.

وأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال جاء أبو سفيان ابن حرب إلى علي فقال ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلا يعني أبا بكر والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا قال: فقال علي: لطالما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا.

فصل في مبايعته [تعديل]

روى الشيخان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين قلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها وأفضل منها حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها وكان والله إن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش وكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخلفهم فيكون فيه فساد.

وأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.

وأخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر فقام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فترى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره ثم أخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار وصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه.

وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطب أبو بكر فقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط ولا كنت راغبا فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله فقال علي والزبير ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي.

وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال أبسط يدك لأبايعك إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة لعمر ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين الفهة: ضعف الرأي.

وأخرج ابن سعد أيضا عن محمد أن أبا بكر قال لعمر أبسط يدك لأبايعك فقال له عمر أنت أفضل مني فقال له أبو بكر أنت أقوى مني ثم كرر ذلك فقال عمر فإن قوتي لك مع فضلك فبايعه.

وأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة فجاء فكشف عن وجهه فقال: وقال فداء لك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا مات محمد ورب الكعبة فذكر الحديث قال وانطلق أبو بكر وعمر يتفاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " وأنت قاعد " قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم " فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء واخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: لما بويع أبو بكر رأى من الناس بعض الانقباض فقال أيها الناس ما يمنعكم ألست أحقكم بهذا الأمر ألست أول من أسلم ألست ألست فذكر خصالا.

وأخرج أحمد عن رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر عن بيعته وما قالته الأنصار وما قاله عمر قال فبايعوني وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة.

وأخرج ابن إسحاق وابن عايد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين قال لم أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة.

وأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر فذكر قصته فنودي في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس لوددت أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها إن كان لمعصوما من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء.

وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال لما بويع أبو بكر قام خطيبا فقال أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أقم به كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.

وأخرج ابن سعد والخطيب في رواية مالك عن عروة قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكنه نزل القرآن وسن النبي صلى الله عليه وسلم السنن وعلمنا فعلمنا فاعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وأعجز العجز الفجور وأن أقواكم عندي الضيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإذا أحسنت فأعينوني وإن أنا زغت فقوموني أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

قال مالك: لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط.

وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت مكة فسمع أبو قحافة ذلك فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمر جلل فمن قام بالأمر بعده قالوا ابنك قال فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت.

وأخرج الواقدي من طرق عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم رضي الله عنهم أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر حتى لقي الله ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله.

فصل فيما وقع في خلافته [تعديل]

والذي وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة وقتال أهل الردة وما نعي الزكاة ومسيلمة الكذاب وجمع القرآن.

أخرج الإسماعيلي عن عمر رضي الله عنه قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتد من ارتد من العرب وقالوا نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام بماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات مضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤونتهم حين وليتهم.

وأخرج أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرأب النفاق وارتدت العرب وانحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها وفضلها قالوا أين يدفن النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدنا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسمل يقول ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه قالت واختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ".

قال الأصمعي: الهيض الكسر للعظم والاشرئباب رفع الرأس.

قال بعض العلماء: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة رضي الله عنهم فقال بعضهم ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها وقال آخرون بل بمسجده وقال آخرون بل بالبقيع وقال آخرون بل في بيت المقدس مدفن الأنبياء حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم.

قال ابن زنجويه: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها.

وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال والذي لا إله إلا هو لولا إن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة فقيل له مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتد العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حللت لواء عقده فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوهم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.

وأخرج عن عروة قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول لا تعجل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل فلم يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوف أن تكفر العرب وإن كفرت كانوا أول من يقاتل وإن لم تكفر مضيت فإن معي سروات الناس وخيارهم فخطب أبو بكر الناس ثم قال والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه.

وقال الذهبي: لما اشتهرت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالنواحي ارتدت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة فنهض أبو بكر الصديق لقتالهم فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم فقال: والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله " فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها قال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق أخرجه الشيخان وغيرهما.

وعن عروة قال: خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعا حذاء نحد وهربت الأعراب بذراريهم فكلم الناس أبا بكر وقالوا ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء وأمر رجلا على الجيش ولم يزالوا به حتى رجع وأمر خالد ابن الوليد وقال له إذا أسلموا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع ورجع أبو بكر إلى المدينة.

وأخرج الدار قطني عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا.

وعن حنظلة بن علي الليثي أن أبا بكر بعث خالدا وأمره أن يقاتل الناس على خمس من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وسار خالد ومن معه في جمادى الآخرة فقاتل بني أسد وغطفان وقتل من قتل وأسر من أسر ورجع الباقون إلى الإسلام واستشهد بهذه الواقعة من الصحابة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم.

وفي رمضان من هذه السنة ماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين وعمرها أربع وعشرون سنة.

قال الذهبي: وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب إلا منها فإن عقب ابنته زينب انقرضوا قاله الزبير بن بكار وماتت قبلها بشهر أم أيمن.

وفي شوال مات عبد الله بن أبي بكر الصديق.

ثم سار خالد بمجموعه إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب في أواخر العام والتقى الجمعان ودام الحصار أياما ثم قتل الكذاب لعنه الله قتله وحشي قاتل حمزة واستشهد فيها خلق من الصحابة أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولى أبي حذيفة وشجاع بن وهب وزيد بن الخطاب وعبد الله بن سهل ومالك بن عمرو والطفيل بن عمرو الدوسي ويزيد بن قيس وعامر بن البكير وعبد الله بن مخرمة والسائب بن عثمان بن مظعون وعباد بن بشر ومعن بن عدي وثابت بن قيس بن شماس وأبو دجانة سماك بن حرب وجماعة آخرون تتمة سبعين وكان لمسيلمة يوم قتل مائة وخمسون سنة ومولده قبل مولد عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي سنة اثنتي عشرة بعث الصديق العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وكانوا قد ارتدوا فالتقوا بجواثى فنصر المسلمون وبعث عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا قد ارتدوا وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى أهل النجير وكانوا قد ارتدوا وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة وفيها مات أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصعب بن جثامة الليثي وأبو مرثد الغنوي وفيها بعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد إلى أرض البصرة فغزا الأبلة فافتتحها وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحا وحربا وفيها أقام الحج أبو بكر الصديق ثم رجع فبعث عمرو بن العاص والجنود إلى الشام فكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ونصر المسلمون وبشر بها أبو بكر وهو بآخر رمق واستشهد بها عكرمة بن أبي جهل وهشام بن العاصي في طائفة.

وفيها كانت وقعة مرج الصفر وهزم المشركون واستشهد بها الفضل بن العباس في الطائفة.

ذكر جمع القرآن [تعديل]

أخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال: أبو بكر: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه وإني لأرى أن يجمع القرآن قال أبو بكر فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري فرأيت الذي رأى عمر قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن فقلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " " التوبة: 128 " إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها.

وأخرج أبو يعلى عن علي قال: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين.

ذكر فصل في أولياته [تعديل]

منها أنه أول من أسلم وأول من جمع القرآن وأول من سماه مصحفا وتقدم دليل ذلك وأول من سمي خليفة.

أخرج أحمد عن أبي بكر بن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به.

ومنها أنه أول من ولى الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء.

أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين.

وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أيراد وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر: أين تريد قال إلى السوق قال تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي فقال انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن.

وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزاده خمسمائة.

وأخرج الطبراني في مسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: لما احتضر أبو بكر قال يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبغ فيها والقطيعة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا مت فاردديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال: قال أبو بكر لما احتضر لعائشة رضي الله عنها: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر.

ومنها أنه أول من اتخذ بيت المال.

أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد فقيل له ألا تجعل عليه من يحرسه قال عليه قفل فكان يعطى ما فيه حتى يفرغ فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوى بين الناس في القسم وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله واشترى قطائف أتى بها من البادية ففرقها في أرامل المدينة فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت مال أبي بكر منهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا ولا دينارا ولا درهما.

قلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر وإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال ولا لأبي بكر رضي الله عنه وقد رددته عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر.

منها قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقب أبي بكر رضي الله عنه عتيق.

فصل

أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا " فلما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتنا فجئت وأخبرته فقال: خذ فأخذت فوجدتها خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة.

فصل في نبذ من حلمه وتواضعه [تعديل]

أخرج ابن عساكر عن أنيسة قالت: نزل فينا أبو بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن.

وأخرج أحمد في الزهد عن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال السلام عليك يا خليفة رسول الله قال: من بين هؤلاء أجمعين.

وأخرج ابن عساكر عن أبي صالح الغفاري: أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيسقي لها ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة فقال عمر أنت هو لعمري.

وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال جاء الحسن ابن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: انزل عن مجلس أبي فقال صدقت إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى فقال علي: والله ما هذا عن أمري فقال: صدقت والله ما أتهمك.

فصل

أخرج ابن سعد عن ابن عمر قال: استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج في أول حجة كانت في الإسلام ثم حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة المقبلة فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر استعمل عمر بن الخطاب على الحج ثم حج أبو بكر من قابل فلما قبض أبو بكر واستخلف عمر استعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ثم لم يزل عمر يحج سنيه كلها حتى قبض فاستخلف عثمان واستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج.

فصل في مرضه ووفاته ووصيته واستخلافه عمر [تعديل]

أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمد فما زال جسمه يجري حتى مات يجري أي ينقص.

وأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.

وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسم أبو بكر؟.

وأخرج الواقدي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة.

وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلي فقالوا ما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.

وأخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر وإن فقال عبد الرحمن هو والله أفضل من رأيك فيه ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال أنت أخبرنا به فقال على ذلك فقال اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد اللهم أعلمه الخير بعدك يرضى للرضا ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.

ودخل عليه بعض الصحابة فقال له قائل منهم ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته فقال أبو بكر بالله تخوفني أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت وراءك ثم دعا عثمان فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا فإن عدل فلذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم أمر بالكتاب فختمه ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما فبايع الناس ورضوا به ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه بما أوصاه ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه وقال اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته.

وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين استخلف عمر وصاحبة موسى حين قالت: استأجره والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه.

وأخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهدا أفترضون به فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله فقام علي فقال لا نرضى إلا أن يكون عمر قال فإنه عمر.

وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال أي يوم هذا قالوا يوم الاثنين قال فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي لغد فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مالك عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال يا بنية والله ما من الناس أحد أحب إلي غنى منك ولا أعز علي فقرا بعدي منك وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا فلو كنت جددته واحترزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقسموه على كتاب الله فقالت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى قال ذو بطن ابنة خارجة أراها جارية وأخرجه ابن سعد وقال في آخره ذات بطن ابنة خارجة قد ألقى في روعي أنها جارية فاستوصى بها خيرا فولدت أم كلثوم.

وأخرج ابن سعد عن عروة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين.

وأخرج من وجه آخر عنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن وصى بالربع وأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئا.

وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الضحاك أن أبا بكر وعليا أوصيا بالخمس من أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما ضرب الله سكته.

وأخرج ابن سعد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فكشف عن وجهه وقال ليس كذلك ولكن قولي " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " " ق: 19 " انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.

وأخرج أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على أبي بكر وهو في الموت فقلت:

من لا يزال دمعه مقنعا ** فإنه في مرة مدفوق

فقال: لا تقولي هذا ولكن قولي " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " " ق: 19 " ثم قال: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يوم الاثنين قال: أرجو فيما بيني وبين الليل فتوفي ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن بكر بن عبد الله المزني قال لما احتضر أبو بكر قعدت عائشة رضي الله عنها عند رأسه فقالت:

وكل ذي إبل يوما موردها ** وكل ذي سلب لا بد مسلوب

ففهمها أبو بكر فقال ليس كذلك يا ابنتاه ولكنه كما قال الله " وجاءت سكرة الموت " " ق: 19 " الآية.

وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

فقال أبو بكر: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال لعائشة اغسلي ثوبي هذين وكفنيني بهما فإنما أبوك أحد رجلين إما مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب.

وأخرج ابن أبي الدينا عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر.

وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر بين القبر والمنبر وكبر عليه أربعا.

وأخرج عن عروة والقاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي حفر له وجعل رأسه عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عن ابن عمر قال: نزل في حفرة أبي بكر: عمر وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن أبي بكر.

وأخرج من طرق عدة: أنه دفن ليلا.

وأخرج عن ابن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة فقال أبو قحافة ما هذا؟ قالوا: مات ابنك قال: رزء جليل من قام بالأمر بعده؟ قالوا عمر قال: صاحبه.

وأخرج عن مجاهد أن أبا قحافة رد ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياما ومات في المحرم سنته أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة.

قال العلماء: لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر ولم يرث خليفة أبوه إلا أبا بكر.

وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: ولى أبو بكر سنتين وسبعة أشهر.

وفي تاريخ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال: قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر:

ليس لحي فاعلمنه بقا ** وكل دنيا أمرها للفنا

والملك في الأقوام مستودع ** عارية فالشرط فيه الأدا

والمرء يسعى وله راصد ** تندبه العين ونار الصدا

يهرم أو يقتل أو يقهره ** يشكوه سقم ليس فيه شفا

إن أبا بكر هو الغيث إن ** لم تزرع الجوزاء بقلا بما

تالله لا يدرك أيامه ** ذو مئزر ناش ولا ذو ردا

من يسع كي يدرك أيامه ** مجتهدا شذ بأرض فضا

فصل فيما روي عنه من الحديث المسند [تعديل]

قال النووي في تهذيبه: روي الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنين وأربعين حديثا وسبب قلة روايته مع تقدم صحبته وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها.

قلت: وقد ذكر عمر رضي الله عنه في حديث البيعة السابق أن أبا بكر لم يترك شيئا أنزل في الأنصار أو قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وهذا أدل دليل على كثرة محفوظة من السنة وسعة علمه بالقرآن وروى عنه عمر وعلي وابن عوف وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وابن عباس وأنس وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة وعقبة بن الحارث وعبد الرحمن ابنه وزيد بن أرقم وعبد الله بن مغفل وعقبة بن عامر الجهني وعمران بن حصين وأبو برزة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري وأبو الطفيل الليثي وجابر بن عبد الله وبلال وعائشة ابنته وأسماء ابنته ومن التابعين أسلم مولى عمر وواسط البجلي وخلائق.

وقد رأيت أن أسرد أحاديثه هنا على وجه وجيز مبينا عقب كل حديث من خرجه وسأفردها بطرقها في مسند إن شاء الله تعالى.

الأول: حديث الهجرة الشيخان وغيرهما.

الثاني: حديث البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " الدارقطني.

الثالث: حديث " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " أحمد.

الرابع: حديث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفا ثم صلى ولم يتوضأ " البزار وأبو يعلى.

الخامس: حديث لا " يتوضأن أحدكم من طعام أكله حل له أكله " البزار.

السادس: حديث " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين " أبو يعلى والبزار. السابع: حديث " أن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد " أبو يعلى.

الثامن: حديث " من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " أحمد. التاسع: حديث " أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " البخاري ومسلم.

العاشر: حديث " من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفروا الله في عهده فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه " ابن ماجة.

الحادي عشر: حديث " ما قبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته " البزار.

الثاني عشر: حديث " ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له " أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان.

الثالث عشر: حديث " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " الترمذي.

الرابع عشر: حديث " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " أبو يعلى.

الخامس عشر: حديث " إن الميت ينضح عليه الحميم ببكاء الحي " أبو يعلى.

السادس عشر: " اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان " أبو يعلى.

السابع عشر: حديث فرائض الصدقات بطوله البخاري وغيره.

الثامن عشر: حديث عن ابن أبي مليكة قال " كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته فينيخها فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ فقال: " إن حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا اسأل الناس شيئا؟ " أحمد.

التاسع عشر: حديث " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر أن تغتسل وتهل " البزار والطبراني.

العشرون: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الحج أفضل فقال: العج والثج " الترمذي وابن ماجه.

الحادي والعشرون: حديث " أنه قبل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك " الدارقطني.

الثاني والعشرون: حديث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان " الحديث أحمد.

الثالث والعشرون: حديث " ما بين بيتي ومنبري روضه من رياض الجنة ومنبر على ترعة من ترع الجنة " أبو يعلى.

الرابع والعشرون: حديث انطلاقه صلى الله عليه وسلم إلى دار أبي الهيثم ابن التيهان بطوله أبو يعلى.

الخامس والعشرون: حديث " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل والزائد المستزيد في النار " أبو يعلى والبزار.

السادس والعشرون: حديث " ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به " الترمذي.

السابع والعشرون: حديث " لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيئ الملكة وأول من يدخل الجنة المملوك إذا أطاع الله وأطاع سيده ".

الثامن والعشرون: حديث " الولاء لمن أعتق " الضياء المقدسي في المختارة.

التاسع والعشرون: حديث " لا نورث ما تركناه صدقة " البخاري.

الثلاثون: حديث " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده " أبو داود. الحادي والثلاثون: حديث " كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق " البزار.

الثاني والعشرون: حديث " أنت ومالك لأبيك " قال أبو بكر: وإنما يعني بذلك النفقة البيهقي.

الثالث والثلاثون: حديث " من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " البزار.

الرابع والثلاثون: حديث " أمرت أن أقاتل الناس " الحديث الشيخان وغيرهما.

الخامس والثلاثون: حديث " نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين " أحمد.

السادس والثلاثون: حديث " ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر " الترمذي.

السابع والثلاثون: حديث " من ولى من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم ومن أعطى أحدا حمى الله فقد انتهك من حمى الله شيئا بغير حقه فعليه لعنة الله " أحمد.

الثامن والثلاثون: حديث قصة ماعز ورجمه أحمد.

التاسع والثلاثون: حديث " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " الترمذي. الأربعون: حديث " أنه صلى الله عليه وسلم شاور في أمر الحرب " الطبراني.

الحادي والأربعون: حديث " لما نزلت من يعمل سوأ يجز به " الحديث الترمذي وابن حبان وغيرهما.

الثاني والأربعون: حديث " إنكم تقرؤون هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " " المائدة: 105 " الحديث أحمد والأربعة وابن حبان.

الثالث والأربعون: حديث " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " الشيخان.

الرابع والأربعون: حديث " اللهم طعنا وطاعونا " أبو يعلى.

الخامس والأربعون: حديث " شيبتني هود " الحديث الدارقطني في العلل.

السادس والأربعون: حديث " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل " الحديث أبو يعلى وغيره. السابع والأربعون: حديث " قلت: يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت " الحديث الهيثم بن كليب في مسنده وهو عند الترمذي وغيره من مسند أبي هريرة.

الثامن والأربعون: حديث " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون " أبو يعلى.

التاسع والأربعون: حديث " لما نزلت " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي الهرم السرار " البزار.

الخمسون: حديث " كل ميسر لما خلق له " أحمد.

الأحد والخمسون: حديث " من كذب علي متعمدا ورد علي شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم " أبو يعلى.

الثاني والخمسون: حديث " ما نجاة هذا الأمر الحديث في لا إله إلا الله " أحمد وغيره.

الثالث والخمسون: " أخرج فناد في الناس من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة فخرجت فلقيني عمر " الحديث أبو يعلى وهو محفوظ من حديث أبي هريرة غريب جدا من حيث أبي بكر.

الرابع والخمسون: حديث " صنفان من أمتي لا يدخلان الجنة المرجئة والقدرية " الدارقطني في العلل.

الخامس والخمسون: حديث " سلوا الله العافية " أحمد والنسائي وابن ماجة وله من طرق كثيرة عنه.

السادس والخمسون: حديث " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي " الترمذي.

السابع والخمسون: حديث " دعاء الدين اللهم فارج الهم " الحديث البزار والحاكم.

الثامن والخمسون: حديث " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به " وفي لفظ " لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام " أبو يعلى.

التاسع والخمسون: حديث " ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو ذرب اللسان " أبو يعلى.

الستون: حديث " ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر فيها لكل بشر ما خلا كافرا أو رجلا في قلبه شحناء " الدارقطني.

الأحد والستون: حديث " إن الدجال يخرج بالمشرق من أرض يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجال المطرقة " الترمذي وابن ماجة.

الثاني والستون: حديث " أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب " الحديث أحمد.

الثالث والستون: حديث الشفاعة بطوله في تردد الخلائق إلى نبي بعد نبي أحمد.

الرابع والستون: حديث " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار " أحمد.

الخامس والستون: حديث " قريش ولاة هذا الأمر برهم تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم " أحمد. السادس والستون: حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالأنصار عند موته وقال: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم " البزار والطبراني.

السابع والستون: حديث " إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر " أحمد وأبو يعلى.

الثامن والستون: حديث أن أبا بكر مر بالحسن وهو يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته وقال: بأبي شيبه بالنبي ليس شبيها بعلي البخاري وقال ابن كثير: وهو في حكم المرفوع لأنه في قوة قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشبه الحسن.

التاسع والستون: حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم أيمن " مسلم.

السبعون: حديث قتل السارق في الخامسة أبو يعلى والديلمي.

الحادي والسبعون: حديث قصة أحد الطيالسي والطبراني.

الثاني والسبعون: حديث " بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا قلت: يا رسول الله ما الذي تدفع؟ قال: الدنيا تطولت لي فقلت: إليك عني فقالت لي إما أنك لست بمدركي " البزار. هذا ما أورده ابن كثير في مسند الصديق من الأحاديث المرفوعة وقد فاته أحاديث أخرى نتبعها لتكملة العدة التي ذكرها النووي.

الثالث والسبعون: حديث " اقتلوا الفرد كائنا ما كان من الناس " الطبراني في الأوسط.

الرابع والسبعون: حديث " انظروا دور من تعمرون وأرض من تسكنون وفي طريق من تمشون " الديلمي.

الخامس والسبعون: حديث " أكثروا من الصلاة علي فإن الله وكل بقبري ملكا فإذا صلى رجل من أمتي قال لي ذلك الملك إن فلان ابن فلان صلى عليك الساعة " الديلمي.

السادس والسبعون: حديث " الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما والغسل يوم الجمعة كفارة " الحديث العقيلي في الضعفاء.

السابع والسبعون: حديث " إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام " الطبراني.

الثامن والسبعون: حديث " إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان " ابن لال في مكارم الأخلاق. التاسع والسبعون: حديث " بشر من شهد بدرا بالجنة " الدارقطني في الأفراد.

الثمانون: حديث " الدين راية الله الثقيلة من ذا الذي يطيق حملها " الديلمي.

الحادي والثمانون: حديث " سورة يس تدعى المعمة المطعمة " الحديث الديلمي والبيهقي في الشعب.

الثاني والثمانون: حديث " السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض ويرفع له في كل يوم وليلة عمل ستين صديقا " أبو السيخ والعقيلي في الضعفاء وابن حبان في كتاب الثواب. الثالث والثمانون: حديث " قال موسى لربه: ما جزاء من عزى الثكلى؟ قال: أظله في ظلي " ابن شاهين في الترغيب والديلمي.

الرابع والثمانون: حديث " اللهم أشدد الإسلام بعمر بن الخطاب " الطبراني في الأوسط.

الخامس والثمانون: حديث " ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح " ابن راهويه في مسنده.

السادس والثمانون: حديث " لو لم أبعث فيكم لبعث عمر " الحديث الديلمي.

السابع والثمانون: حديث " لو أتجر أهل الجنة لاتجروا بالبز " أبو يعلى.

الثامن والثمانون: حديث " من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس أمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فاقتلوه " الديلمي في التاريخ.

التاسع والثمانون: حديث " من كتب عني علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث " الحاكم في التاريخ.

التسعون: حديث " من مشى حافيا في طاعة الله لم يسأله الله يوم القيامة عما افترض عليه " الطبراني في الأوسط.

الحادي والتسعون: حديث " من سره أن يظله الله من فور جهنم ويجعله في ظلله فلا يكن على المؤمنين غليظا وليكن بهم رحيما " ابن لال في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ وابن حبان في الثواب.

الثاني والتسعون: حديث " من أصبح ينوي لله طاعة كتب الله له أجر يومه وإن عصاه " الديلمي. الثالث والتسعون: حديث " ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب " الطبراني في الأوسط. الرابع والتسعون: حديث " لا يدخل الجنة مفتر " الديلمي ولم يسنده.

الخامس والتسعون: حديث " لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير " الديلمي.

السادس والتسعون: حديث " يقول الله: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي " أبو الشيخ وابن حبان والديلمي.

السابع والتسعون: حديث " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإزار فأخذ بعضلة الساق فقلت يا رسول الله زدني فأخذ بمقدم العضلة فقلت زدني قال: لا خير فيما هو أسفل من ذلك قلت هلكنا يا رسول الله قال: يا أبا بكر سدد وقارب تنج " أبو نعيم في الحلية.

الثامن والتسعون: حديث " كفي وكف علي في العدل سواء " الديلمي وابن عساكر.

التاسع والتسعون: حديث " لا تغفلوا التعوذ من الشيطان فإنكم إن لم تكونوا ترونه فإنه ليس عنكم بغافل " الديلمي ولم يسنده.

المائة: حديث " من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة " الطبراني في الأوسط.

الحادي والمائة: حديث " من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا " الطبراني في الأوسط.

الثاني والمائة: حديث رفع اليدين في الافتتاح والركوع والسجود والرفع البيهقي في السنن. الثالث والمائة: حديث " أنه صلى الله عليه وآله وسلم أهدى جملا لأبي جهل " الإسماعيلي في معجمه.

الرابع والمائة: حديث " النظر إلى علي عبادة " ابن عساكر.

فصل فيما ورد عن الصديق من تفسير القرآن [تعديل]

أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر عن آية فقال: أي أرض تسعني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله.

وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى: وفاكهة وأبا " " عبس: 31 " فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله مالا أعلم.

وأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الولد والوالد فلما استخلف عمر قال إني لأستحي أن أرد شيئا قاله أبو بكر.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " " فصلت: 30 " " والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " " الأنعام: 82 " قالوا ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة قال: لقد حملتموهما على غير المحمل ثم قال: قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يميلوا إلى غيره ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.

وأخرج ابن جرير عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر الصديق في قوله تعالى " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " " يونس: 26 " قال: النظر إلى وجه الله تعالى.

وأخرج ابن جرير عن أبي بكر في قوله تعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " " فصلت: 30 " قال قد قالها الناس فمن مات عليها فهو ممن استقام.

فصل فيما روى عن الصديق رضي الله عنه من الآثار الموقوفة قولا أو قضاء أو خطبة أو دعاء [تعديل]

أخرج اللالكائي في السنة عن ابن عمر قال جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال نعم قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني قال نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك.

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزبير أن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يا معشر الناس استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطيا رأسي استحياء من الله.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن دينار قال: قال أبو بكر: استحيوا من الله فوالله إني لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط حياء من الله.

وأخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل وقرأ في الثالثة " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " " آل عمران: 8 " الآية.

وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن ابن عيينة قال: كان أبو بكر إذا عزى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة وليس مع الجزع فائدة الموت أهون مما قبله وأشد مما بعده اذكروا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم تصغر مصيبتكم وأعظم الله أجركم.

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن سالم بن عبيد وهو صحابي قال: كان أبو بكر الصديق يقول لي: قم بيني وبين الفجر حتى أتسحر.

وأخرج عن أبي قلابة وأبي السفر قالا: كان أبو بكر الصديق يقول: أجيفوا الباب حتى نتسحر.

وأخرج البيهقي وأبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الزيادات عن حذيفة ابن أسيد قال لقد أدركت أبا بكر وعمر وما يضحيان إرادة أن يستن بهما.

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: شهدت علي أبي بكر الصديق أنه قال: كلوا الطافي من السمك.

وأخرج الشافعي في الأم عن أبي بكر الصديق أنه كره بيع اللحم بالحيوان.

وأخرج البخاري عنه أنه جعل الجد بمنزلة الأب يعني في الميراث.

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء عن أبي بكر قال الجد بمنزلة الأب ما لم يكن أب دونه وابن الابن بمنزلة الابن ما لم يكن ابن دونه.

وأخرج عن القاسم أن أبا بكر أتى برجل انتفى من أبيه فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس.

وأخرج عن ابن أبي مالك قال: كان أبو بكر إذا صلى على الميت قال: اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة والذنب عظيم وأنت غفور رحيم.

وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر أن أبا بكر قضى بعاصم بن عمر ابن الخطاب لأم عاصم وقال: ريحها وشمها ولطفها خير له منك.

وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله يجتاحه فقال لأبيه: إنما لك من ماله ما يكفيك فقال يا خليفة رسول الله أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فقال: نعم وإنما يعني بذلك النفقة.

وأخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد.

وأخرج البخاري عن أبي مليكة عن جده أن رجلا عض يد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أبو بكر.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عكرمة أن أبا بكر قضى في الأذن بخمس عشرة من الإبل وقال: يوارى شينها الشعر والعمامة.

وأخرج البيهقي وغيره عن أبي عمر أن الجوني أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام وأمر عليهم يزيد بن أبي سفيان قال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقر شاة ولا بعيرا إلا لمالكه ولا تفرقن نخلا ولا تحرقنه ولا تغلل ولا تجبن.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي برزة الأسلمي قال: غضب أبو بكر من رجل فاشتد غضبه جدا فقلت: يا خليفة رسول الله اضرب عنقه قال: ويلك ما هي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج سيف في كتاب الفتوح عن شيوخه أن المهاجرين بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة رفع إليه امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي فعلت في المرأة التي تغنت بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر وأما التي تغنت بهجاء المسلمين فإن كانت ممن يدعى الإسلام فأدب وتعزير دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فأقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس فإنها مأتم ومنفرة إلا في قصاص.

وأخرج مالك والدارقطني عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر واعترف فأمر به فجلد ثم نفاه إلى فدك.

وأخرج أبو يعلى عن محمد بن حاطب قال: جيء إلى أبي بكر برجل قد سرق وقد قطعت قوائمه فقال أبو بكر ما أجد لك شيئا إلا ما قضى فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أمر بقتلك فإنه كان أعلم بك فأمر بقتله.

وأخرج مالك عن القاسم بن محمد أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه إن عامل اليمن ظلمه فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به فاعترف الأقطع أو شهد عليه فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.

وأخرج الدارقطني عن أنس أن أبا بكر قطع في مجن قيمته خمسة دراهم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر هكذا كنا ثم قست القلوب. قال أبو نعيم: أي قويت واطمأنت بمعرفة الله تعالى.

وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال أبو بكر: أرقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته.

وأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر قال: طوبى لمن مات في النانأة: أي في أول الإسلام قبل تحرك الفتن.

وأخرج الأربعة ومالك عن قبيصة قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبو بكر.

وأخرج مالك والدارقطني عن القاسم بن محمد أن جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وأم أب فأعطى الميراث لأم الأم فقال له عبد الرحمن ابن سهل الأنصاري وكان ممن شهد بدرا وهو أخو بني حارثة يا خليفة رسول الله أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فقسمه بينهما.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها حديث امرأة رفاعة التي طلقت منه وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع أن يغشاها وأرادت العود إلى رفاعة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وهذا القدر في الصحيح وزاد عبد الرزاق فقعدت ثم جاءته فأخبرته أنه قد مسها فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول وقال اللهم إن كان أنمى بها أن ترجع إلى رفاعة فلا يتم لها نكاحه مرة أخرى ثم أتت أبا بكر وعمر في خلافتهما فمعناها.

وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر أن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثاه بريدا إلى أبي بكر يرأس بنان بطريق الشام فلما قدم علي أبي بكر أنكر ذلك فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا قال: أفيستنان بفارس والروم لا يحمل إلى رأس إنما يكفي الكتاب والخبر.

وأخرج البخاري عن قيس بن أبي خازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها. زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة: قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت فقالت من أنت قال امرؤ من المهاجرين قالت أي المهاجرين قال من قريش قالت من أي قريش قال: إنك لسؤل أنا أبو بكر قالت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت أئمتكم قالت: وما الأئمة؟ قال أو ما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم. قالت بلى قال: فهم أولئك الناس.

وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا قال أبو بكر ما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن سيرين قال: لم أعلم أحدا استقاء من طعام أكله غير أبي بكر وذكر القصة.

وأخرج النسائي عن أسلم أن عمر أطلع على أبي بكر وهو آخذ بلسانه فقال: هذا الذي أوردني الموارد.

وأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر أنه مر بعبد الرحمن بن عوف وهو يماظ جارا له فقال له لا تماظ جارك فإنه يبقى ويذهب عنك الناس.

المماظة: المنازعة والمخاصمة.

وأخرج ابن عساكر عن موسى بن عقبة أن أبا بكر الصديق كان يخطب فيقول: الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه ونسأله الكرامة فيما بعد الموت فإنه قد دنا أجلي وأجلكم أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم فإنه من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح وأدى الذي عليه من الحق وإياكم واتباع الهوى فقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود ثم يأكله الدود ثم هو اليوم حي وغدا ميت فاسلموا يوما بيوم وساعة بساعة وتوقوا دعاء المظلوم وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا فإن العمل كله بالصبر واحذروا والحذر ينفع واعملوا والعمل يقبل واحذروا ما حذركم الله من عذابه وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا واتقوا وتوقوا فإن الله قد بين لكم ما أهلك به من كان قبلكم وما نجى به من نجى قبلكم قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحب من الأعمال وما يكره فإني لا آلوكم ونفسي والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم وحظكم حفظتم واغتبطتم وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في أخوانكم وصحابتكم الذين مضوا قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت إن الله ليس له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره فإنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أوصيكم بتقوى الله وأن تمنعوا عليه بما هو له أهل وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة فإن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " " الأنبياء: 90 " ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي وهذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه فاستضيئوا بنوره وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمة فإنه إنما خلقكم لعبادته ووكل بكم كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله سابقوا في آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردكم إلى أسوأ أعمالكم فإن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم فالوحا الوحا ثم النجاء النجاء فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره سريع.

وأخرج ابن أبي الدنيا وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن يحيى ابن أبي كثير أن أبا بكر كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع أركانهم حين أخنى بهم الدهر وأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ثم النجاء النجاء.

وأخرج أحمد في الزهد عن سلمان قال: أتيت أبا بكر فقلت: أعهد إلي فقال: يا سلمان اتق الله وأعلم أنه سيكون فتوح فلا أعرفن ما كان حظك منها ما جعلته في بطنك أو ألقيته على ظهرك واعلم أنه من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله ويمسي في ذمة الله تعالى فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله فتخفر الله في ذمته فيكبك الله في النار على وجهك.

وأخرج عن أبي بكر رضي الله عنه قال: يقبض الصالحون الأول فالأول حتى يبقى من الناس حثالة كحثالة التمر والشعير لا يبالي الله بهم.

وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن معاوية بن قرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم لقائك.

وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: بلغني أن أبا بكر كان يقول في دعائه: اللهم أني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الأمر اللهم أجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلى من جنات النعيم.

وأخرج عن عرفجة قال: قال أبو بكر: من استطاع أن يبكي فليبك وإلا فليتباك.

وأخرج عن عزرة عن أبي بكر قال: أهلكهن الأحمران: الذهب والزعفران.

وأخرج عن مسلم بن يسار عن أبي بكر قال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء حتى في النكبة وانقطاع شسعه والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في غبنه.

وأخرج عن ميمون بن مهران قال: أتي أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح.

وأخرج البخاري في الأدب وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر يقول إن دعاء الأخ لأخيه في الله يستجاب.

وأخرج عبد الله في زوائد الزهد عن عبيد بن عمير عن لبيد الشاعر أنه قدم علي أبي بكر فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال صدقت فقال وكل نعيم لا محالة زائل فقال: كذبت عند الله نعيم لا يزول فلما ولي قال أبو بكر: ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة.

فصل في كلماته الدالة على شدة خوفه من ربه [تعديل]

أخرج أبو أحمد الحاكم عن معاذ بن جبل قال دخل أبو بكر حائطا وإذا بدبسي في ظل شجرة فتنفس الصعداء ثم قال: طوبى لك يا طير تأكل من الشجر وتستظل بالشجر وتصير إلى غير حساب يا ليت أبا بكر مثلك.

وأخرج ابن عساكر عن الصمعي قال: كان أبو بكر إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال: قال أبو بكر الصديق: لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.

وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع قال: وحدثت أن أبا بكر كان كذلك.

وأخرج عن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.

وأخرج عن قتادة قال: بلغني أن أبا بكر قال وددت أني خضرة تأكلني الدواب.

وأخرج عن ضمرة بن حبيب قال: حضرت الوفاة ابنا لأبي بكر الصديق فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة فلما توفى قالوا لأبي بكر: رأينا ابنك يلحظ إلى وسادة فدفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجع ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون يا فلان ما أحسب جلدك يتسع لها.

وأخرج عن ثابت البناني أن أبا بكر كان يتمثل بهذا الشعر:

لا تزال تنعي حبيبا حتى تكونه ** وقد يرجو الفتى الرجا يموت دونه

وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر وإن أبا بكر نزلت فيه قضية فلم يجد لها في كتاب الله أصلا ولا في السنة أثرا فقال اجتهد رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله.

فصل فيما ورد عنه من تعبير الرؤيا [تعديل]

أخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: رأت عائشة رضي الله عنها كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثا فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة هذا خير أقمارك.

وأخرج أيضا عن عمر بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيتني أردفت غنم سود ثم أردفتها غنم بيض حتى ما ترى السود فيها فقال أبو بكر يا رسول الله أما الغنم السود فإنها العرب يسلمون ويكثرون والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا يرى العرب فيهم من كثرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كذلك عبرها الملك سحرا ".

وله عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيتني على بئر أنزع فيها فوردتني غنم سود ثم ردفها غنم عفر فقال أبو بكر دعني أعبرها فذكر نحوه.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين قال: كان أعبر هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر.

وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر فقال: رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف قال: يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة وأعيش بعدك سنتين ونصفا.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن أبي قلابة أن رجلا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في النوم أني أبول دما قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستفغر الله ولا تعد.

فائدة: أخرج البيهقي في الدلائل عن عبد الله بن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر وعمر فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألا ينوروا نارا فغضب عمر فهم أن يأتيه فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه.

وأخرج البيهقي من طريق أبي معشر عن بعض مشيختهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب.

فصل

أخرج خليفة بن خياط وأحمد بن حنبل وابن عساكر عن يزيد ابن الأصم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأبي بكر أنا أكبر أو أنت قال: أنت أكبر وأكرم وأنا أسن منك " مرسل غريب جدا فإن صح عد هذا الجواب من فرط ذكائه وأدبه والمشهور أن هذا الجواب للعباس وقد وقع أيضا لسعيد بن يربوع أخرجه الطبراني ولفظه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أينا أكبر؟ قال أنت أكبر وأخبر مني وأنا أقدم ".

وأخرج أبو نعيم أن أبا بكر قيل له: يا خليفة رسول الله ألا تستعمل أهل بدر؟ قال: إني أرى مكانهم ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا.

وأخرج أحمد في الزهد عن إسماعيل بن محمد أن أبا بكر قسم قسما فسوى فيه بين الناس فقال له عمر: تسوى بين أصحاب بدر وسواهم من الناس فقال أبو بكر: إنما الدنيا بلاغ وخير البلاغ أوسعه وإنما فضلهم في أجورهم.

فصل

أخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر بن حفص قال: بلغني أن أبا بكر كان يصوم الصيف ويفطر الشتاء.

وأخرج ابن سعد عن حيان الصائغ قال: كان نقش خاتم أبي بكر " نعم القادر الله.

فائدة: أخرج الطبراني عن موسى بن عقبة قال: لا نعلم أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبناءهم إلا هؤلاء الأربعة أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنه عبد الرحمن وأبو عتيق بن عبد الرحمن واسمه محمد.

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما اسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو أبي بكر.

فائدة: أخرج ابن سعد والبزار بسند حسن عن أنس قال: كان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وسهيل بن عمرو ابن بيضاء.

فائدة: أخرج البيهقي في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما كان عام الفتح خرجت ابنة لأبي قحافة فلقيتها الخيل وفي عنقها طوق من ورق فاقتطعه إنسان من عنقها فلما دخل رسول الله صلى الله عيه وسلم المسجد قام أبو بكر وقال أنشد بالله والإسلام طوق أختي فوالله ما أجابه أحد ثم قال: الثانية فما أجابه أحد ثم قال: يا أخته احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل.

فائدة: رأيت بخط الحافظ الذهبي: من كان فرد زمانه في فنه: أبو بكر الصديق في النسب عمر بن الخطاب في القوة في أمر الله عثمان بن عفان في الحياء علي في القضاء أبي بن كعب في القراءة زيد بن ثابت في الفرائض أبو عبيدة بن الجراح في الأمانة ابن عباس في التفسير أبو ذر في صدق اللهجة خالد بن الوليد في الشجاعة الحسن البصري في التذكير وهب بن منبه في القصص ابن سيرين في التعبير نافع في القراءة أبو حنيفة في الفقة ابن إسحاق في المغازي مقاتل في التأويل الكلبي في قصص القرآن الخليل في العروض فضيل بن عياض في العبادة سيبويه في النحو مالك في العلم الشافعي في فقه الحديث أبو عبيدة في الغريب علي بن المديني في العلل يحيى بن معين في الرجال أبو تمام في الشعر أحمد بن حنبل في السنة البخاري في نقد الحديث الجنيد في التصوف محمد بن نصر المروزي في الاختلاف الجبائي في الاعتزال الأشعري في الكلام محمد بن زكريا الرازي في الطب أبو معشر في النجوم إبراهيم الكرماني في التعبير ابن نباتة في الخطب أبو الفرج الأصبهاني في المحاضرة أبو القاسم الطبراني في العوالي ابن حزم في الظاهر أبو الحسن البكري في الكذب الحريري في مقاماته ابن منده في سعة الرحلة المتنبي في الشعر الموصلي في الغناء الصولي في الشطرنج الخطيب البغدادي في سرعة القراءة علي بن هلال في الخط عطاء السليمي في الخوف القاضي الفاضل في الإنشاء الأصمعي في النوادر أشعب في الطمع معبد في الغناء ابن سينا في الفلسفة.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه [تعديل]

عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي أمير المؤمنين أبو حفص القرشي العدوي الفاروق اسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة قاله الذهبي وقال النووي ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا: أي رسولا وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا أو مفاخرا وأسلم قديما بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة وقيل بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.

قال: وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الخلفاء الراشدين وأحد أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا روى عنه عثمان بن عفان وعلي وسعد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو ذر وعمرو بن عبسة وابنه عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأنس وأبو هريرة وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري وخلائق آخرون من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم.

أقول: وأنا ألخص هنا فصولا فيها جملة من الفوائد تتعلق بترجمته.

فصل في الأخبار الواردة في إسلامه [تعديل]

أخرج الترمذي عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام " وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس رضي الله عنهم.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة " وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.

وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش فقرأ " إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون " " الحاقة: 41 " الآيات فوقع في قلبي الإسلام كل موقع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض ليلا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر وعليه بتان وصلى لله ما شاء الله ثم انصرف فسمعت شيئا لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا فقلت عمر فقال يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا فخشيت أن يدعو علي فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: يا عمر أسرة قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.

وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلدا سيفه فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال: ما أراك إلا قد صبأت قال أفلا أدلك على العجب إن ختنك وأختك قد صبئا وتركا دينك فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع بحس عمر توارى في البيت فدخل فقال ما هذه الهيمنة وكانوا يقرءون طه قالا ما عدا حديثا تحدثناه بينا قال فلعلكما قد صبأتما فقال له ختنه يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عليه عمر فوطئه وطأ شديدا فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها فقالت وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتاب فقالت أخته: إنك نجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " " طه: 14 " فقال عمر دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا قال والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله.

وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك وقد دخل عليك الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فوجعت مغضبا حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت عمر فتبادروا فاختفوا مني وقد كانوا يقرؤون صحيفة بين أيديهم تركوها ونسوها فقامت أختي تفتح الباب فقلت يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها فسال الدم وبكت فقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد صبأت قال: ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة فقلت: ما هذا؟ ناولينيها قالت لست من أهلها إنك لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون فما زلت بها حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فهيا: بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها " سبح لله ما في السماوات والأرض " " الصف: 1 " فذعرت فقرأت إلى " آمنوا بالله ورسوله " " النساء: 136 " فقلت أشهد أن لا إله إلا الله فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال " اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك إما أبو جهل بن هشام وإما عمر " ودلوني على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت بأسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا من قلت ابن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال صلى الله عليه وسلم: افتحوا له ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خلوا عنه ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فتشهدت فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء فجئت إلى خالي أبي جهل بن هشام وكان شريفا فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت ابن الخطاب وقد صبأت فقال: لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته فخرج إلى فقلت له مثل مقالتي لخالي وقلل لي مثل ما قال خالي فدخل وأخاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانا لرجل لم يكن يكتم السر فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه إني قد صبأت قال أو قد فعلت؟ قلت: نعم فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ فبادروا إلي فما زلت أضر بهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل عمر قد صبأ فقام علي الحجر فأشار بكمه إلا أني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فأتيت خالي فقلت جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر رضي الله عنه: لأي شيء سميت الفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسبه فأخبر حمزة فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه فقال: مالك يا أبا عمارة فرفع القوس فضرب بها أخدعه فقطعه فسالت الدماء فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف في دار الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان ابن فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني قلت ومن هو قال أختك وختنك فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة ففتح لي الباب فدخلت فقلت: ما هذا الذي أسمع عندكم قالوا ما سمعت شيئا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته ضربة فأدميته فقامت إلى أختي فأخذت برأسي وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك فاستحييت حين رأيت الدماء فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب فقالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون فاغتسلت فأخرجوا إلى صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقلت أسماء طيبة طاهرة " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " " طه: 1 " إلى قوله " له الأسماء الحسنى " " طه: 8 " قال: فتعظمت في صدري وقلت: من هذا فرت قريش فأسلمت وقلت أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فإنه في دار الأرقم فأتيت الدار فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة مالكم قالوا عمر قال: وإن كان عمر افتحوا له الباب فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة قلت يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى قلت: ففيم الإخفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل.

وأخرج ابن سعد عن ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر نزل جبري فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.

وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " " الأنفال: 64 ".

وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.

وأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا.

وأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب إسناده صحيح حسن.

وأخرج ابن سعد عن صهيب قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه أظهر الإسلام ودعا إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.

وأخرج ابن سعد عن أسلم مولى عمر قال: أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة.

فصل في هجرته رضي الله عنه [تعديل]

أخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعا ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي فما تبعه منهم أحد.

وأخرج عن البراء رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير ثم ابن أم مكتوم ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه معه.

قال: النووي شهد عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها وكان ممن ثبت معه يوم أحد.

فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم في ترجمة الصديق رضي الله عنه. [تعديل]

أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت: لمن هذا القصر قالوا: لعمر فذكرت غيرتك فوليت مدبرا فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " بينما أنا نائم شربت يعني اللبن حتى أنظر الري يجري في أظفاري ثم ناولته عمر قالوا: فما أولته يا رسول الله قال العلم.

وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص يجره قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين ".

وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك ".

وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر " أي ملهمون.

وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " قال ابن عمر " وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر ".

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب " وأخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري وعصمة بن مالك وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر.

وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر ".

وأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخل الجنة ".

وأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به ".

وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وأخرجه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة رضي الله عنهم وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر.

وأخرج ابن منيع في مسنده عن علي رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر.

وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمر سراج أهل الجنة ". وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة والصعب بن جثامة.

وأخرج البزار عن قدامة بن مظعون عن عمه عثمان بن مظعون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا غلق الفتنة وأشار بيده إلى عمر لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم ".

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم ".

وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الشيطان يفرق من عمر ".

وأخرج أحمد من طريق بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان ليفرق منك يا عمر ".

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر ".

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله باهى بأهل عرفة عامة وباهى بعمر خاصة " وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

وأخرج الطبراني والديلمي عن الفضل بن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحق بعدي مع عمر حيث كان ".

وأخرج الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها إلى ما شاء الله ثم أخذها أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن ".

قال النووي: في تهذيبه: قال العلماء هذا إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر وكثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمن عمر.

وأخرج الطبراني عن سديسة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه " وأخرجه الدارقطني في الأفراد من طريق سديسة عن حفصة.

وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال لي جبريل: ليبك الإسلام على موت عمر ".

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أبغض عمر فقد أبغضني ومن أحب عمر فقد أحبني وإن الله باهى بالناس عشية عرفة عامة وباهى بعمر خاصة وإنه لم يبعث الله نبيا إلا كان في أمته محدث وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر قالوا: يا رسول الله كيف محدث قال تتكلم الملائكة على لسانه " إسناده حسن.

فصل في أقوال الصحابة والسلف فيه [تعديل]

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلى من عمر أخرجه ابن عساكر.

وقيل لأبي بكر في مرضه: ماذا تقول لربك وقد وليت عمر؟ قال: أقول له وليت عليهم خيرهم أخرجه ابن سعد.

وقال علي رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر أخرجه الطبراني في الأوسط.

وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض أحد ولا أجود من عمر أخرجه ابن سعد.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم.

وقال حذيفة رضي الله عنه كأن علم الناس كان مدسوسا في حجر عمر.

وقال حذيفة: والله ما أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.

وقالت عائشة رضي الله عنها وذكرت عمر كان والله أحوذيا نسيج وحده.

وقال معاوية رضي الله عنه: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات.

وقال جابر رضي الله عنه: دخل على علي عمر وهو مسجى فقال رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلى أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسجى أخرجه الحاكم.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله تعالى أخرجه الطبراني والحاكم.

وسئل ابن عباس عن أبي بكر فقال: كان كالخير كله وسئل عن عمر فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شركا يأخذه وسئل عن علي فقال: ملئ عزما وحزما وعلما ونجدة أخرجه في الطيوريات.

وأخرج الطبراني عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال أجد نعتك قرنا من حديد قال: وما قرن من حديد؟ قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه؟ قال ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة قال ثم مه قال: ثم يكون البلاء.

وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله " لولا كتاب من الله سبق " " الأنفال: 68 " الآية وبذكر الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا فأنزل الله " فإذا سألتموهن متاعا " " الأحزاب: 53 " الآية وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم أيد الإسلام بعمر " وبرأيه في أبي بكر كان أول من بايعه.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كنا نحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما أصيب بثت.

وأخرج عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت: حتى يجيئني شيطاني فجاء فسألته عنه فقال تركته مؤتزرا بكساء يهنأ أبل الصدقة وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه الملك بين عينيه وروح القدس ينطق بلسانه.

فصل

قال سفيان الثوري من زعم أن عليا كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد أخطأ وخطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار.

وقال شريك: ليس يقدم عليا على أبي بكر وعمر أحد فيه خير.

وقال أبو أسامة: أتدرون من أبو بكر وعمر هما أبو الإسلام وأمه.

وقال جعفر الصادق: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير.

فصل في موافقات عمر رضي الله عنه [تعديل]

قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين.

أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.

وأخرج ابن عساكر عن علي قال: إن في القرآن لرأيا من رأي عمر.

وأخر عن ابن عمر مرفوعا ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.

وأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " " البقرة: 125 " وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك.

وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم ففي هذا الحديث خصلة رابعة.

وفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم وفي تحريم الخمر فزاد خصلة خامسة وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها.

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " " المؤمنون: 12 " الآية فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله حسن الخالقين فنزلت " فتبارك الله أحسن الخالقين " " المؤمنون: 14 " فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند.

ثم رأيت في كتاب فضائل الإمامين لأبي عبد الله الشيباني قال: وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعا فذكر هذه الستة وزاد سابعا قصة عبد الله ابن أبي قلت: حديثها في الصحيح عنه قال: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره فقلت يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا؟ فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " " التوبة: 84 " الآية.

وثامنا " يسألونك عن الخمر " الآية: " البقرة: 219 ".

وتاسعا " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة " الآية " قلت: هما مع آية المائدة خصلة واحدة والثلاثة في الحديث السابق.

وعاشرا لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لقوم قال عمر: سواء عليهم فأنزل الله " سواء عليهم استغفرت لهم " المنافقون: 6 " الآية قلت أخرجه الطبراني عن ابن عباس.

الحادي عشر: لما استشار صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " " الأنفال: 5 ".

الثاني عشر لما استشار الصحابة في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك.

الثالث عشر: قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه وكان ذلك محرما في أول الإسلام فنزل " أحل لكم ليلة الصيام " " البقرة: 187 " الآية قلت: أخرجه أحمد في مسنده.

الرابع عشر: قوله تعالى " من كان عدوا لجبريل " " البقرة: 97 " الآية قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقر بها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا فقال له عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر.

الخامس عشر: قوله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون " " النساء: 65 " الآية قلت أخرج قصتها ابن أبي حاتم وابن مروديه عن أبي الأسود قال اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا فقال ردنا إلى عمر فقال: أكذاك؟ قال نعم فقال: عمر مكانكما حتى أخرج إليكم فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي فقال ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن فأنزل الله " فلا وربك لا يؤمنون " " النساء: 65 " الآية فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله وله شاهد موصول أوردته في التفسير المسند.

السادس عشر: الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائما فقال اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان.

السابع عشر: قوله في اليهود إنهم قوم بهت.

الثامن عشر: قوله تعالى " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " " الواقعة: 39 - 40 " قلت أخرج قصتها ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله وهي في أسباب النزول.

التاسع عشر: رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا الآية.

العشرون: قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبنه فوافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أخرج قصته أحمد في مسنده.

قال: ويضم إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر: إلا من حاسب نفسه فقال كعب والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها فخر عمر ساجدا.

ثم رأيت في الكامل لابن عدي من طريق عبد الله بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن عمر أن بلالا كان يقو ل إذا أذن اشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة فقال له عمر قل في أثرها: أشهد أن محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما قال عمر.

فصل في كراماته رضي الله عنه [تعديل]

أخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في دلائل النبوة واللالكائي في شرح السنة والدير عاقولي في فوائده وابن الأعرابي في كرامات الأولياء والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشا ورأس عليهم رجلا يدعى سارية فبينما عمر يخطب جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثا ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا صوت ينادي يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله قال قيل: لعمر إنك كنت تصيح بذلك وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم قال ابن حجر في الإصابة إسناده حسن.

وأخرج ابن مروديه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة فعرض في خطبته أن قال يا سارية الجبل من استرعى الذئب ظلم فالتفت الناس بعضهم لبعض فقال لهم علي: ليخرجن مما قال فلما فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا أخواننا وإنهم يمرون بحبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم قال فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال بينما عمر بن الخطاب على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثا ثم أقبل على خطبته فقال بعض الحاضرين لقد جن إنه لمجنون فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال لشد ما ألومهم عليك إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا بينما أنت تخطب إذا أنت تصيح يا سارية الجبل أي شيء هذا قال: إني والله ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم فقال أولئك الذين طعنوا عليه دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له.

وأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة قال ابن من؟ قال ابن شهاب قال ممن؟ قال: من الحرقة قال أين مسكنك قال الحرة قال بأيها؟ قال بذات لظى فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا.

وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد نحوه وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة وابن الكلبي في الجامع وغيرهم.

وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة: حدثنا أبو الطيب حدثنا علي بن داود حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال وما ذاك؟ قالوا إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما كان قبله فأقاموا والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب له أن قد أصبت بالذي قلت وإن الإسلام يهدم ما كان قبله وبعث بطاقة في داخل كتابه وكتب إلى عمرو إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.

وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه فيقول له كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.

وأخرج عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم فخرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقيل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم قلت: أشاربه إلى الحجاج قال ابن لهيعة وما ولد الحجاج يومئذ.

فصل في نبذ من سيرته [تعديل]

أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له إنها من مال الله فقلنا فماذا يحل له من مال الله تعالى قال إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف وما أحج به وأعتمر وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين.

وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذونا ولا يأكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.

وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر فقالوا لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق قال أكلكم على هذا الرأي قالوا نعم قال قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.

قال: وأصاب الناس سنة فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا.

وقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟.

وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه قال أو كلما قرمت إلى شيء أكلته كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى.

وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري قال: فرحل يرفأ راحلته وسار أربعا مقبلا وأربعا مدبرا واشترى مكتلا فجاء به وعمد إلى الراحلة فغسلها فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذبت بهيمة في شهوة عمر؟ إلا والله لا يذوق عمر مكتلك.

وقال قتادة: كان عمر يلبس وهو خليفة جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس ويمر بالنكث والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به.

وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر فما ضرب فسطاطا ولا خباء كان يلقى الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته وقال عبد الله بن عيسى كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وقال الحسن كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما وقال أنس دخلت حائطا فسمعت عمر يقول وبيني وبينه جادا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ والله لتتقين الله ابن الخطاب أو ليعذبنك الله وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني كنت هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئا ليت أمي لم تلدني وقال عبيد الله ابن عمر بن حفص حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه فقيل له في ذلك فقال إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها وقال محمد سيرين قدم صهر لعمر عليه فطلب أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم وقال النخعي كان عمر يتجر وهو خليفة وقال أنس تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه بإصبعه وقال إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس وقال سفيان بن عيينة قال عمر بن الخطاب أحب الناس إلي من رفع إلى عيوبي وقال أسلم رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس وقال ابن عمر ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه أتى عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلها وقال كل واحد منهما أدم أخرج هذه الآثار كلها ابن سعد.

وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.

فصل في صفته رضي الله عنه [تعديل]

أخرج ابن سعد والحاكم عن زر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر يمشي حافيا شيخا أصلع آدم أعسر طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة قال الواقدي: لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت.

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.

وأخرج عن عبيد بن عمير قال كان عمر يفوق الناس طولا.

وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: كان عمر رجل أعسر يسر يعني يعتمد بيديه جميعا.

وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة.

وفي تاريخ ابن عساكر من طرق أن أم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هشام ابن المغيرة أخت أبي جهل بن هشام فكان أبو جهل خاله.

فصل في خلافته رضي الله عنه [تعديل]

ولي الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة أخرجه الحاكم فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في أيامه: ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة وحمص وبعلبك صلحا والبصرة والأبلة كلاهما عنوة.

وفيها جمع عمر بالناس على صلاة التراويح قاله العسكري في الأوائل.

وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا وفيها كانت وقعة اليرموك والقادسية.

قال ابن جرير: وفيها مصر سعد الكوفة وفيها فرض عمر الفروض ودون الدواوين وأعطى العطاء على السابقة.

وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى وهي أول جمعة جمعت بالعراق وذلك في صفر وفيها كانت وقعة جلولاء وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري وفيها فتحت تكريت وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس وخطب بالجباية خطبته المشهورة وفيها فتحت قنسرين عنوة وحلب وإنطاكية ومنبج صلحا وسروج عنوة وفيها فتحت قرقيسياء صلحا وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي.

وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي وفيها كان القحط بالحجاز وسمى عام الرمادة واستسقى عمر للناس بالعباس.

أخرج ابن سعد عن نيار الأسلمي أن عمر لما خرج يستسقى خرج وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل وأن تسقينا الغيث فلم يبرحوا حتى سقوا فأطبقت السماء عليهم أياما وفيها فتحت الأهواز صلحا.

وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحا وحلوان عنوة وفيها كان طاعون عمواس وفيها فتحت الرها وسميساط عنوة وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل صلحا والموصل ونواحيها عنوة.

وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة.

وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة وقيل مصر كلها صلحا إلا الإسكندرية فعنوة وقال على بن رباح: المغرب كله عنوة وفيها فتحت تستر وفيها هلك قيصر عظيم الروم وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران وقسم خيبر ووادي القرى.

وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة ونهاوند ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة وبرقة وغيرها.

وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة وقيل صلحا والدينور عنوة وما سبذان عنوة وهمذان عنوة وطرابلس المغرب والري وعسكر وقومس.

وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان وسجستان ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها.

وفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر رضي الله عنه بعد صدوره من الحج شهيدا قال سعيد بن المسيب لما نفر عمر من مني أناخ بالأبطح ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء وقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل أخرجه الحاكم.

وقال أبو صالح السمان: قال كعب الأحبار لعمر أجدك في التوراة تقتل شهيدا قال وأني لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟.

وقال أسلم: قال عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك أخرجه البخاري.

وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين وإني لا أراه إلا حضور أجلي وإن قوما يأمروني أن استخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم أخرجه الحاكم.

قال الزهري: كان عمر رضي الله عنه لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغير بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده جملة صنائع ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس إنه حداد نقاش نجار فأذن له أن يرسله المدينة وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج فقال ما خراجك بكثير فانصرف ساخطا يتذمر فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال ألم أخبر أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إلى عمر عابسا وقال لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها فلما ولى قال عمر لأصحابه أو عدني العبد آنفا ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة فلما دنا منه طعنه ثلاث طعنات أخرجه ابن سعد.

وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان وطعن معه اثني عشر رجلا مات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اغتم فيه قتل نفسه.

وقال أبو رافع: كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه فقال: أحسن إلى مولاك ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه فغضب وقال يسع الناس كلهم عدله غيري وأضمر قتله واتخذ خنجرا وشحذه وسمه وكان عمر يقول أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستة وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس تطلع فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين وأتى عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين فسقوه لبنا فخرج من جرحه فقالوا لا بأس عليك فقال إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت فقال أما والله وددت أني خرجت منها كفافا لا على ولا لي وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمت لي وأثنى عليه ابن عباس فقال لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع وقد جعلتها شورى في عثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأمر صهيبا أن يصلي بالناس وأجل الستة ثلاثا أخرجه الحاكم.

وقال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسيا.

وقال عمرو بن ميمون: قال عمر الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ثم قال لابنه يا عبد الله أنظر ما على من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش أذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فذهب إليها فقالت كنت أريده تعنى المكان لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فأتى عبد الله فقال قد أذنت فحمد الله تعالى وقيل له أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض فسمى الستة وقال يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعين به أيكم ما أمر فإني لم أعز له من عجز ولا خيانة ثم قال: أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية فلما توفي خرجنا به نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال عمر يستأذن فقالت عائشة أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان قال فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة فسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن اجعلوه إلى والله على لا آلوكم عن أفضلكم قالا نعم فخلا بعلي وقال لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطعين قال: نعم ثم خلا بالآخر فقال له كذلك فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي.

وفي مسند أحمد عن عمر أنه قال: إن أدركني أجلى وأبو عبيدة بن الجراح حتى استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح " فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل فإن سألني ربي لم استخلفته قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة " وقد ماتا في خلافته.

وفي المسند أيضا عن أبي رافع أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف فقال: قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.

أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام وله ثلاث وستون سنة وقيل ست وستون سنة وقيل إحدى وستون وقيل ستون ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون وقيل خمس أو أربع وخمسون وصلى عليه صهيب في المسجد.

وفي تهذيب المزني كان نقش خاتم عمر كفى بالموت واعظا يا عمر.

وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم قتل عمر اليوم وهي الإسلام.

وأخرج عبد الرحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطاب فانكسفت الشمس يومئذ رجاله ثقات.

فصل في أوليات عمر رضي الله عنه [تعديل]

قال العسكري: هو أول من سمى أمير المؤمنين وأول من كتب التاريخ من الهجرة وأول من أتخذ بيت المال وأول من سن قيام شهر رمضان وأول من عس بالليل وأول من عاقب على الهجاء وأول من ضرب في الخمر ثمانين وأول من حرم المتعة وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات وأول من أتخذ الديوان وأول من فتح الفتوح ومسح السواد وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة وأول من أحتبس صدقة في الإسلام وأول من أعال الفرائض وأول من أخذ زكاة الخيل وأول من قال أطال الله بقاءك قاله لعلي وأول من قال أيدك الله قاله لعلي هذا آخر ما ذكره العسكري.

وقال النووي في تهذيبه: هو أول من اتخذ الدرة وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال: ولقد قيل بعده لدرة عمر أهيب من سيفكم قال وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار وأول من مصر الأمصار الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر والموصل.

وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.

فصل

قال ابن سعد اتخذ عمر دار الدقيق فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه يعين به المنقطع ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به وهدم المسجد النبوي وزاد فيه ووسعه وفرشه بالحصباء وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام وأخرج أهل نجران إلى الكوفة وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت.

فصل في نبذ من أخباره وقضاياه [تعديل]

أخرج العسكري في الأوائل والطبراني في الكبير والحاكم من طريق ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر ثم كان عمر كتب أولا من خليفة أبي بكر فمن أول من كتب من أمير المؤمنين فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول الله حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه فدخل عليه عمرو فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت فأخبره وقال أنت الأمير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يومئذ.

وقال النووي في تهذيبه: سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق وقيل سماه به المغيرة بن شعبة وقيل إن عمر قال للناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمى أمير المؤمنين وكان قبل ذلك يقال له خليفة خليفة رسول الله فعدلوا عن تلك العبارة لطولها.

وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: كان يكتب من أبي بكر خليفة رسول الله فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله قال عمر: هذا يطول: قالوا: لا ولكنا أمرناك علينا فأنت أميرنا قال: نعم أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب أمير المؤمنين.

وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي.

وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح عن ابن عمر عن عمر أنه أراد أن يكتب السنن فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له ثم قال إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله.

وأخرج ابن سعد عن شداد قال كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني وإني ضعيف فقوني وإني بخيل فسخني.

وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق عن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وإلى اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإن أيسرت قضيت.

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر وربما خرج عطاؤه فقضاه.

وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر وكان قد اشتكى شكوى فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي على حرام فأذنوا له.

وأخرج عن سالم بن عبد الله أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن اسأل عما بك.

وأخرج عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهي الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.

وروينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها وهي تقول:

تطاول هذا الليل تسري كواكبه ** وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه

فوالله لولا الله تخشى عواقبه ** لزحزح من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبا موكلا ** بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه

مخافة ربي والحياء يصدني ** وأكرم بعلي أن تنال مراتبه

وأخرج إلى عماله بالغزو أن لا يغيب أحدا أكثر من أربعة أشهر.

وأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر.

وأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما ادري أخليفة أنا أم ملك فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم فقال قائل يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا قال: ما هو؟ قال الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطى هذا فسكت عمر.

وأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ركب عمر فرسا فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا.

وأخرج عن سعد الجاري أن كعب الأحبار قال لعمر: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة.

وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر ابن الخطاب ألا لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحدا ألحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار.

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر ابن الخطاب: إن رسلي آتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر تخرج مثل آذان الحمير ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ ثم يخضر فيكون كالزمرد الأخضر ثم يحمر فيكون كالياقوت الأحمر ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل ثم ييبس فيكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة فكتب إليه عمر من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها فأتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله فإن " مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " " آل عمران: 59 ".

وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم سعد ابن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا.

وأخرج عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ما له.

وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من مال بيت المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشارهم فقال قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه فقال علي غداء وعشاء فأخذ بذلك عمر.

وأخرج عن ابن عمر أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر دينارا فقال يا عبد الله أسرفنا في هذا المال.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار فقال عمر لقد أحسنت الثناء على زوجك فقال كعب بن سوار لقد شكت فقال عمر كيف قال تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب قال فإذا قد فهمت ذلك فأقض بينهما فقال يا أمير المؤمنين أحل الله له من النساء أربعا فلها من كل أربعة أيام يوم ومن كل أربع ليال ليلة.

وأخرج عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه ** وأرقني أن لا خليل ألاعبه

فلولا حذار الله لا شيء مثله ** لزحزح من هذا السرير جوانبه

فقال عمر: ما لك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه قال أردت سوءا؟ قالت: معاذ الله قل فاملكي عليك نفسك فإنما هو البريد إليه فبعث إليه ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عني كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت قال فإن الله لا يستحي من الحق فأشارت بيدها ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.

وأخرج عن جابر بن عبد الله أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء فقال عمر إنا لنجد ذلك حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم عليه السلام شكا إلى الله خلق سارة فقيل له إنها خلقت من ضلع فألبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها.

وأخرج عن عكرمة بن خالد قال دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه.

وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم فإن الله هو الحكم ولا تسموا الطريق السكة.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال أبو بكر والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق فمر على بعير فأخذني فأدخلني فاه فلا كنى ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا فقال عمر يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني ولم أكن بشرا.

وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر فقام إليه الحسين بن علي رضي الله عنه فقال أنزل عن منبر أبي فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي من أمرك بهذا فقام علي فقال والله ما أمره بهذا أحد أما لأوجعنك يا غدر فقال لا توجع ابن أخي فقد صدق منبر أبيه إسناده صحيح.

وأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر إنهما لا يجتمعان أبدا فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله.

وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة ومن يحسن نزده حسنا ومن يسيئ نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم.

وأخرج عن جبير بن الحويرث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئا وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر فقال له الوليد بن هشام ابن المغيرة يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جنودا فدون ديوانا وجند جنودا فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نساب قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم فكتبوا فبدءوا يبني هاشم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة فلما نظر فيه عمر قال ابدؤوا بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.

وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين.

وأخرج عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقى شيء كثير فكتب إليه عمر إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.

وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبال عرفة سمع رجلا يصرخ ويقول يا خليفة الله فسمعه رجل آخر وهم يعتافون فقال: ما لك فك الله لهواتك فأقبلت على الرجل فصحت عليه فقال جبير: فإن الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة ففتقت رأس عمر فقصدت فسمعت رجلا من الجبل يقول أشعرت ورب الكعبة لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا قال جبير فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس فاشتد ذلك علي.

وأخرج عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا من عرفة مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحلته يقول أين كان عمر أمير المؤمنين فسمعت رجلا آخر يقول: هاهنا كان أمير المؤمنين فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال:

عليك سلام من إمام وباركت ** يد الله في ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ** ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ** بوائق في أكمامها لم تفتق

فلم يتحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو فكنا نتحدث أنه من الجن فقدم عمر من تلك الحجة فطعن بالخنجر فمات.

وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر أنه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.

وأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا استخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟ وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول له: أعهد عهدك واكتب إلي وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام فأخبره النبي بذلك فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربه فقال اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي فأوحى الله إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.

وأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر.

وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر رضي الله عنه:

ليبك على الإسلام من كان باكيا ** فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد

وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ** وقد ملها من كان يوقن بالوعد

وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه اقتصدوا في كفني فإنه إن كان لي عند الله خيرا أبدلني ما هو خير منه وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع واقتصدوا في حفرتي فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري وإن كنت على غير ذلك ضيقها على حتى تختلف أضلاعي ولا تخرج معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في فإن الله هو أعلم بي فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه.

فصل

أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن العباس قال سألت الله حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه فقلت بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ما شأنك فقال: هذا وإن فرغت وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رءوفا رحيما.

وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام فقال: كيف صنعت قال: متى فارقتكم قال: منذ اثنتي عشرة سنة قال إنما أنفلت الآن من الحساب.

وأخرج ابن سعد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول دعوت الله أن يريني عمر في المنام فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت قال: الآن فرغت ولولا رحمة ربي لهلكت.

وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: رثت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر فقالت:

عين جودي بعبرة ونحيب ** لا تملي على الإمام الصليب

فجعتني المنون بالفارس المع ** لم يوم الهياج والتأنيب

عصمة الدين والمعين على الده ** ر وغيث الملهوف والمكروب

قل لأهل الضراء والبؤس: موتوا ** إذ سقتنا المنون كأس شعوب

فصل فيمن مات من الصحابة في أيامه رضي الله عنهم [تعديل]

مات في أيام عمر رضي الله عنه من الأعلام عتبة بن غزوان والعلاء ابن الحضرمي وقيس بن السكن وأبو قحافة والد الصديق رضي الله عنه وسعد بن عبادة وسهيل بن عمرو وابن مكتوم المؤذن وعياش بن أبي ربيعة وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأخوه أبو سفيان ومارية أم السيد إبراهيم وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد ابن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو جندل ابن سهيل وأبو مالك الأشعري وصفوان بن المعطل وأبي بن كعب وبلال المؤذن وأسيد بن الحضير والبراء بن مالك أخو أنس وزينب بنت جحش وعياض بن غنم وأبو الهيثم بن التيهان وخالد بن الوليد والجارود سيد بني عبد القيس والنعمان بن مقرن وقتادة بن النعمان والأقرع ابن حابس وسودة بنت زمعة وعويم بن ساعدة وغيلان الثقفي وأبو محجن الثقفي وخلائق آخرون من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

عثمان بن عفان رضي الله عنه [تعديل]

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الأموي المكي ثم المدني أبو عمرو ويقال: أبو عبد الله وأبو ليلى.

ولد في السنة السادسة من الفيل وأسلم قديما وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وماتت عنده في ليالي غزوة بدر فتأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه وآجره فهو معدود في البدريين بذلك.

وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أختها أم كلثوم وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة.

وقال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي ذا النورين فهو من السابقين الأولين وأول المهاجرين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن بل قال ابن عباد: لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون.

وقال ابن سعد: استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثا.

روى عنه زيد بن خالد الجهني وابن الزبير والسائب بن يزيد وأنس ابن مالك وزيد بن ثابت وسلمة بن الأكوع وأبو أمامة الباهلي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وأبو قتادة وأبو هريرة وآخرون من الصحابة رضي الله عنهم وخلائق من التابعين.

أخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب قال: ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث.

وأخرج عن محمد بن سيرين قال: كان أعلمهم بالمناسك عثمان وبعده ابن عمر.

وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي قال: قال لي خالي حسين الجعفي: تدري لم سمى عثمان ذا النورين قلت لا قال: لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان فلذلك سمى ذا النورين.

وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: إنما سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحدا أغلق بابه على ابنتي نبي غيره.

وأخرج خيثمة في فضائل الصحاب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن عثمان فقال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين كان ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه.

وأخرج الماليني بسند فيه ضعف عن سهل بن سعد قال: قيل لعثمان ذو النورين لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنة فتبرق له برقتين فلذلك قيل له ذلك.

وقال: إنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو فلما كان الإسلام ولدت له رقية عبد الله فاكتنى به.

وأمه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم توأمة أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم عثمان بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: وكان أول الناس إسلاما بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة.

وأخرج ابن عساكر من طرق أن عثمان كان رجلا ربعة: ليس بالقصير ولا بالطويل حسن الوجه أبيض مشربا حمرة بوجهه نكتات جدري كثير اللحية عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين خذل الساقين طويل الذراعين شعره قد كسا ذراعيه جعد الرأس أصلع أحسن الناس ثغرا جمته أسفل من أذنيه يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه.

وأخرج عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان بن عفان أجمل الناس.

وأخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت فإذا رقية رضي الله عنها جالسة فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية ومرة أنظر إلى وجه عثمان فلما رجعت سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: دخلت عليهما؟ قلت: نعم قال: فهل رأيت زوجا أحسن منهما؟ قلت: لا يا رسول الله.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبدا حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.

وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط.

وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم كلثوم قال لها: إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم.

فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم [تعديل]

وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال " ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة ".

وأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة؟ فحفرتها فصدقوه بما قال.

وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان يا رسول الله على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء.

وأخرج الترمذي عن أنس والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.

وأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عثمان بن عفان في حاجة الله وجاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان.

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه وابن ماجة عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة يقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت إليه بوجهي فقلت هذا قال: نعم.

وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ".

وأخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين حيث حفر بئر رومة وحيث جهز جيش العسرة.

وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا ".

وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال: لما ماتت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته وما زوجته إلا بالوحي من الله ".

وأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: " لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة ".

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال: شهيد يقتله قومه إنا نستحي منه ".

وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله ".

وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه ذكر عنده حياء عثمان فقال: إن كان ليكون جوف البيت والباب عليه مغلق فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه.

فصل في خلافته رضي الله عنه [تعديل]

بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال فروي أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه: إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة وفي رواية: أما بعد يا علي فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والأنصار.

وأخرج ابن سعد عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم.

وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال فيما استطعت ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم.

ويروى أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: علي وقال لعلي: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال عثمان ثم دعا الزبير فقال: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: علي أو عثمان ثم دعا سعدا فقال من تشير علي؟ فأما أنا وأنت فلا نريدها فقال عثمان ثم استشار عبد الرحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان.

وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما بويع عثمان: أمرنا خير من بقي ولم نأل.

وفي هذه السنة من خلافته فتحت الري وكانت فتحت وانتفضت وفيها أصاب الناس رعاف كثير فقيل لها: سنة الرعاف وأصاب عثمان رعاف حتى تخلف عن الحج وأوصى وفيها فتح من الروم حصون كثيرة وفيها ولي عثمان الكوفة سعد بن أبي وقاص وعزل المغيرة.

وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو صحابي أخو عثمان لأمه وذلك أول ما نقم عليه لأنه آثر أقاربه بالولايات وحكى أن الوليد صلى بهم الصبح أربعا وهو سكران ثم التفت إليهم فقال أزيدكم؟.

وفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه واشترى أماكن للزيادة وفيها فتحت سابور.

وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرس فركب البحر بالجيوش وكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية فسقطت عن دابتها فماتت شهيدة هناك وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بهذا الجيش ودعا لها بأن تكون منهم فدفنت بقبرس وفيها فتحت أرجان ودرا بجرد وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فغزا أفريقية فافتتحها سهلا وجبلا فأصاب كل إنسان من الجيش ألف دينار وقيل ثلاثة آلاف دينار ثم فتحت الأندلس في هذا العام.

لطيفة: كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزوة قبرس وركوب البحر لها فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن صف لي البحر وراكبه فكتب إليه: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أراع العقول تزداد فيه العقول قلة والسيئات كثرة وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية والله لا أحمل فيه مسلما أبدا قال ابن جرير: فغزا معاوية قبرس في أيام عثمان فصالحه أهلها على الجزية.

وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة وفسا وغير ذلك وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عمدة من حجارة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع.

وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان وفتحت نيسابور صلحا وقيل عنوة وطوس وسرخس كلاهما صلحا وكذا مرو وبيهق ولما فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية.

وفي سنة إحدى وثلاثين توفي أبو سفيان بن حرب والد معاوية وفيها مات الحكم بن أبي العاص عم عثمان رضي الله عنه.

وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه عثمان وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف أحد العشر من السابقين الأولين تصدق مرة بأربعين ألفا وبقافلة جاءت من الشام كما هي وفيها مات عبد الله بن مسعود الهذلي أحد القراء الأربعة ومن أهل السوابق في الإسلام ومن علماء الصحابة المشهورين بسعة العلم وفيها مات أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم ولي قضاء دمشق لمعاوية وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري صادق اللهجة وفيها مات زيد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري الذي أرى الآذان.

وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الحبشة.

وفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري.

وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان.

قال الزهري: ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر وكتب لمروان بخمس إفريقية وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها وقال إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإن أخذته فقسمته في أقربائي فأنكر الناس عليه ذلك أخرجه ابن سعد.

وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال: قلت سعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان وما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن المسيب: قتل عثمان مظلوما ومن قتله كان ظالما ومن خذله كان معذورا فقلت: كيف كان ذلك؟ قال إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة لأن عثمان كان يحب قومه فولى الناس اثنتي عشرة سنة وكان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم وذلك في سنة خمس وثلاثين فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم وأمرهم بتقوى الله فولى عبد الله ابن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه وقد كان قبل ذلك من عثمان هنأة إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر وجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فكتب إليه كتابا يتهدده فيه فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة رضي الله عنها إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت؟ فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك ودخل عليه على بن أبي طالب فقال إنما يسألونك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دما فأعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه فقال لهم اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح فخرج محمد ومن معه فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما قصتك وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر فقال له رجل: هذا عامل مصر قال ليس هذا أريد وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلا فأخذه فجاء به إليه فقال غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان حتى عرفه رجل أنه لعثمان فقال له محمد إلى من أرسلت قال إلى عامل مصر قال بماذا قال برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي واحبس من يجيء إلى يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى فلما قرأوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه ودفع الكتاب إلى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقا وغيظا وقام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرأوا الكتاب وحاصر الناس عثمان سنة خمس وثلاثين وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة كلهم بدري ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير فقال له علي هذا الغلام غلامك قال نعم قال والبعير بعيرك قال: نعم قال: فأنت كتبت هذا الكتاب قال: لا وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به قال له علي: فالخاتم خاتمك قال: نعم

قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضابا وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتب على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا لا قال: أفيكم سعد؟ قالوا لا فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك الناس رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحا وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلا بد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا فقالوا له ما نرى أحدا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر وأخبرت عليا والناس بما صنع محمد فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما.قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضابا وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتب على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا لا قال: أفيكم سعد؟ قالوا لا فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك الناس رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحا وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلا بد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا فقالوا له ما نرى أحدا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر وأخبرت عليا والناس بما صنع محمد فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما.

وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره قالوا: قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له: حمار.

وأخرج أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحلتك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك وأنت بها وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فقال عثمان أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء وأما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وأخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهمي قال: دخلت على عثمان وهو محصور فقال: لقد اختبأت عند ربي عشرا إني لرابع أربعة في الإسلام وأنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى وما تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام قط ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان قتل عثمان في أواسط أيام التشريق من سنة خمس وثلاثين وقيل قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حش كوكب بالبقيع وهو أول من دفن به وقيل كان قتله يوم الأربعاء وقيل يوم الاثنين لست بقين من ذي الحجة وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة وقيل: إحدى وثمانون سنة وقيل: أربع وثمانون وقيل: ست وثمانون وقيل: ثمان أو تسع وثمانون وقيل: تسعون قال قتادة: صلى عليه الزبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس مرفوعا " إن لله سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان حيا فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة " تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير.

وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب قال: بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جنوا.

وأخرج عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره.

وأخرج عن ابن عباس قال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء.

وأخرج عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ.

وأخرج الحاكم وصححه عن قيس بن عباد قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم أني أبرأ إليك من دم عثمان ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة فقلت والله إني لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد فانصرفوا فلما رجع الناس فسألوني البيعة قلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه ثم جاءت عزيمة فبايعت فقالوا: يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.

وأخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي قال: سمعت عليا يقول إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت ولقد نهيت فعصوني.

وأخرج عن سمرة قال إن الإسلام كان في حصن حصين وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا تسد إلى يوم القيامة وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم.

وأخرج عن محمد بن سيرين قال: لم تفقد الخيل البلق في المغازي والجيوش حتى قتل عثمان ولم يختلف في الأهلة حتى قتل عثمان ولم تر هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتى قتل الحسين.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن حميد بن هلال قال: كان عبد الله بن سلام يدخل على محاصري عثمان فيقول لا تقتلوه فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له وإن سيف الله لم يزل مغمودا وإنكم والله إن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم أبدا وما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال: خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله عنهما صبره على نفسه حتى قتل وجمعه الناس على المصحف.

وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك حيث قال:

فكف يديه ثم أغلق بابه ** وأيقن أن الله ليس بغافل

وقال لأهل الدار: لا تقتلوهم ** عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل

فكيف رأيت الله صب عليهم ال ** عداوة والبغضاء بعد التواصل

وكيف رأيت الخير أدبر بعده ** عن الناس إدبار الرياح الجوافل؟

فصل

أخرج ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة وعليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن مرضاهم؟.

وأخرج عن عبد الله الرومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه فقيل له لو أمرت بعض الخدم فكفوك قال لا الليل لهم يستريحون فيه.

وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عمر أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو على المنبر يخطب فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته فما حال الحول على جهجاه حتى أرسل الله في رجله إلا كله فمات منها.

فصل في أوليات عثمان رضي الله عنه [تعديل]

قال العسكري في الأوائل هو أول من أقطع القطائع وأول من حمى الحمى وأول من خفض صوته بالتكبير وأول من خلق المسجد وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة فقال أيها الناس إن أول مركب صعب وإن بعد اليوم أياما وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها وما كنا خطباء وسيعلمنا الله أخرجه ابن سعد وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم وأول من ولي الخلافة في حياة أمه وأول من اتخذ صاحب شرطة وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفا أن يصيبه ما أصاب عمر هذا ما ذكره العسكري قال وأول ما وقع الاختلاف بين الأمة فخطأ بعضهم بعضا في زمانه في أشياء نقموها عليه وكانوا قبل ذلك يختلفون في الفقه ولا يخطئ بعضهم بعضا.

قلت: بقى من أوائله أنه أول من هاجر إلى الله بأهله من هذه الأمة كما تقدم وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة.

وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن عباد بن حنيف قال أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس طيران الحمام والرمي على الجلاهقات فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقصها وكسر الجلاهقات.

فصل في من مات من الأعلام في أيام عثمان رضي الله عنه [تعديل]

مات في أيام عثمان من الأعلام: سراقة بن مالك بن جعشم وجبار بن صخر وحاطب بن أبي بلتعة وعياض بن زهير وأبو أسيد الساعدي وأوس بن الصامت والحارث بن نوفل وعبد الله بن حذافة وزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت ولبيد الشاعر المسيب والد سعيد ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعبد بن العباس ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي وأبو لبابة بن عبد المنذر ونعيم بن مسعود الأشجعي وآخرون من الصحابة.

ومن غير الصحابة: الحطيئة الشاعر وأبو ذؤيب الشاعر الهذلي.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه [تعديل]

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن نضر بن كنانة أبو الحسن وأبو تراب كناه به النبي صلى الله عليه وسلم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميا قد أسلمت وهاجرت.

وعلي رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهو أول خليفة من بني هاشم وأبو السبطين أسلم قديما بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم ونقل بعضهم الإجماع عليه.

وأخرج أبو يعلى عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين وقيل: تسع وقيل: ثمان وقيل دون ذلك قال الحسن بن زيد بن الحسن ولم يعبد الأوثان قط لصغره أخرجه ابن سعد ولما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة وله في جميع المشاهد آثار مشهورة وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا يوم أحد ست عشرة ضربة وثبت في الصحيحين " أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية في يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يديه " وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة وكان علي شيخا سمينا أصلع كثير الشعر ربعة إلى القصر عظيم البطن عظيم اللحية جدا قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن آدم شديد الأدمة.

وقال جابر بن عبد الله حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها وإنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا أخرجه ابن عساكر.

وأخرج ابن إسحاق في المغازي وابن عساكر عن أبي رافع أن عليا تناول بابا عند الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا ثم ألقاه فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه.

وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال: إن كان أحب أسماء علي رضي الله عنه إليه أبا تراب وإن كان ليفرح أن يدعى به وما سماه أبا تراب إلا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه غاضب يوما فاطمة فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقد امتلأ ظهره ترابا فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن ظهره ويقول: " اجلس أبا تراب ".

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا.

روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو موسى وأبو سعيد وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله وأبو أمامة وأبو هريرة وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

فصل في الأحاديث الواردة في فضله [تعديل]

قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما ورد لعلي رضي الله عنه أخرجه الحاكم.

وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي " أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري والطبراني من حديث أسماء بنت قيس وأم سلمة وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم.

وأخرجا عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي أبن أبي طالب؟ فقيل هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية " يدوكون أي يخوضون ويتحدثون.

وقد أخرج هذا الحديث الطبراني من حديث ابن عمر وعلي وابن أبي ليلى وعمران بن حصين والبزار من حديث ابن عباس.

وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية " ندع أبناءنا وأبناءكم " " آل عمران: 61 " دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ".

وأخرج الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كنت مولاه فعلى مولاه ".

وأخرجه أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم وعمرو ذي مر وأبو يعلى عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس والبزار عن ابن عباس وعمارة وبريدة وفي أكثرها زيادة " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".

ولأحمد عن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما قال لما قام فقام إليه ثلاثون من الناس فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل: يا رسول الله سمهم لنا قال: علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان.

وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " علي مني وأنا من علي ".

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أخي في الدنيا والآخرة ".

وأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا.

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا مدينة العلم وعلي بابها " هذا حديث حسن على الصواب لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.

وأخرج الحاكم وصححه عن علي قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم أهد قلبه وثبت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين ".

وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قال: إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني.

وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا.

وأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث أن أقضي أهل المدينة علي.

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها.

وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن.

وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي.

وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب.

وأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن عليا ذكر عندها فقالت أما إنه أعلم من بقي بالسنة.

وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله رضي الله عنهم.

وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له البسطة في العشيرة والقدم في الإسلام والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الناس من شجر شتى وأنا وعلي من شجرة واحدة ".

وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل الله " يا أيها الذين آمنوا " إلا وعلي أميرها وشريفها ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثمانمائة آية.

وأخرج البزار عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ".

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلا علي.

وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " النظر إلى علي عبادة " إسناده حسن.

وأخرجه الطبراني والحاكم أيضا من حديث عمران بن حصين.

وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان ومعاذ بن جبل وأنس وثوبان وجابر بن عبد الله وعائشة رضي الله عنهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثمان عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.

وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب لقد أعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم فسئل وما هن؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له والراية يوم خيبر.

وروي أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.

وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.

وأخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من آذى عليا فقد آذاني ".

وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد ابغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ".

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سب عليا فقد سبني ".

وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: " إنك تقاتل على القرآن كما قاتلت على تنزيله ".

وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن فيك مثلا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به " ألا وإنه يهلك في اثنان محب مفرط يفرطني بما ليس في ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني.

وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ".

وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: " أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه يعني قرنه حتى تبتل منه هذه من الدم يعني لحيته " وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال " لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخيشن في ذات الله أو في سبيل الله ".

فصل في مبايعة علي بالخلافة رضي الله عنه وما نشأ عن ذلك [تعديل]

قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة وفبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم ويقال إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا وأقام على بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام فبلغ عليا فصار إليه فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها أياما فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح وحكموا الحكمين فحكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلى إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا لا حكم إلا الله وعسكروا بحروراء فبعث إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقتل منهم ذا الثدية وذلك سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع عليا وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له فتفرق الناس على هذا وصار علي في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على إصبعه ويقول أعصى ويطاع معاوية؟.

وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك ابن عبد الله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي وقال البرك: أنا لكم بمعاوية وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين فاستيقظ علي سحرا فقال لابنه الحسن رأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي ادع الله عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم بي شرا لهم مني ودخل ابن الذباح المؤذن على علي فقال الصلاة فخرج على من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فشد عليه الناس من كل جانب فأمسك وأوثق وأقام على الجمعة والسبت توفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا ثم قطعت أطراف ابن ملجم جعل في قوصرة وأحرقوه بالنار هذا كله كلام ابن سعد وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره لأن هذا هو اللائق بهذا المقام قال صلى الله عليه وسلم " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " وقال: " بحسب أصحابي القتل ".

وفي المستدرك عن السدي قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل علي وفي ذلك قال الفرزدق:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ** كمهر قطام من فصيح وأعجم

ثلاثة آلاف وعبد وقينة ** وضرب علي بالحسام المصمم

فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ** ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

قال أبو بكر بن عياش: عمي قبر علي لئلا ينبشه الخوارج وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة وقال المبرد عن محمد بن حبيب أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند الجمل الذي هو عليه فلم يدر أين ذهب ولم يقدر عليه قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه.

وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة وقيل: أربع وستون وقيل خمس وستون وقيل: سبع وخمسون وقيل: ثمان وخمسون وكان له تسع عشرة سرية.

فصل في نبذ من أخبار علي وقضاياه وكلماته رضي الله عنه [تعديل]

قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثني شيخ من فزارة سمعت عليا يقول الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله وقال هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن علي مثله.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم على البصرة قام إليه ابن الكواء وقيس بن عباد فقالا له ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده إليك فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت فقال أما أن يكون عندي عهد من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلا والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه ولو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبرة ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله صلى الله عليه وسلم لديننا وكانت الصلاة أصل الإسلام وهي أمير الدين وقوام الدين فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى أبي بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تولاها عمر فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر ولم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى عمر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدل بي ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره فأخرج منها نفسه وولده ولو كانت محاباة منه لثر بها ولده فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم فلما اجتمع الرهط ظننت أن لا يعدلوا بي فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري فبايعنا عثمان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما أصيب نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما بالصلاة قد مضيا وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومة فجلس في أصل جدار فقال له رجل: الجدار يقع فقال علي: امض كفى بالله حارسا فقضى بينهما فقام ثم سقط الجدار.

وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعلي ابن أبي طالب نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هم حبيباي أبو بكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتدى بهما عصم ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله.

وأخرج عبد الرازق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب كيف بك إذا أمرت أن تلعنني قلت وكائن ذلك قال: نعم قلت فكيف أصنع قال: العني ولا تبرأ مني قال فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا على اليمن أن ألعن عليا فقلت إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنة الله فما فطن لها إلا رجل.

وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن زاذان أن عليا حدث بحيث فكذبه رجل فقال له علي: أدعو عليك إن كنت كاذبا قال ادع فدعا عليه فلم يبرح حتى ذهب بصره.

وأخرج عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم فقالا اجلس وتغد فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذاها عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم ولك ثلاث وقال صاحب الأرغفة الثلاثة لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين فارتفعا إلا أمير المؤمنين علي فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فأرض بالثلاثة فقال والله لرضيت عنه إلا بمر الحق فقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم فقال الرجل سبحان الله قال: هو ذلك قال فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتحملون في أكلكم على السواء قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدا من تسعة فلك واحد بواحدك وله سبعة فقال الرجل رضيت الآن.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتى علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق فأخذ في شيء من أمور الناس وتهدد شهود الزور وقال لا أوتي بشاهد زور إلا فعلت به كذا وكذا ثم طلب الشاهدين فلم يجدهما فخلى سبيله.

وقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري عن سليمان الشيباني عن رجل عن علي أنه أتى برجل فقيل له زعم هذا أنه احتلم بأمي فقال: اذهب فأقمه بالشمس فأضرب ظله.

وأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن خاتم علي ابن أبي طالب كان من ورق نقشه نعم القادر الله.

وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم على الملك لله.

وأخرج عن المدائني قال: لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها.

وأخرج عن مجمع أن عليا كان يكنس بيت المال ثم يصلى فيه رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.

وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا سعيد ابن مسلم الباهلي حدثنا أبي عن جدي عن أبي الأسود الدؤلي أو قال: عن جدي أبي الأسود عن أبيه قال دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقا مفكرا فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين ق