بدائع الفوائد/المجلد الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
بدائع الفوائد
المجلد الثاني
ابن القيم

محتويات

فائدة بديعة: دلالات العين

العين: يراد بها حقيقة الشيء المدركة بالعيان أو ما يقوم مقام العيان، وليست اللفظة على أصل موضوعها، لأن أصلها أن يكون مصدرًا وصفة لمن قامت به، ثم عبر عن حقيقة الشيء بالعين، كما عبر عن الوحش بالصيد، وإنما الصيد في أصل موضوعه مصدر من صاد يصيد ومن ههنا لم يرد في الشريعة عبارة عن نفس الباري سبحانه وتعالى، لأن نفسه سبحانه غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم. وأما عين القبلة وعين الذهب وعين الميزان فراجعة إلى هذا المعنى. وأما العين الجارية فمشبهة بعين الإنسان لموافقتها لها في كثير من صفاتها. وأما عين الإنسان فمسماة بما أصله أن يكون صفة ومصدرًا، لأن العين في أصل الوضع مصدر كالدين والزين والبين والأين وما جاء على بنائه. ألا تراهم يقولون: رجل عيون وعاين، ويقولون: عنته أصبته بالعين وعاينته رأيته بالعين، وفرقوا بين المعنيين وكأن عاينته من الرؤية أولى من عنته، لأنه بمنزلة المفاعلة والمقابلة فقد تقابلتما وتعاينتما بخلاف عنته. فإنك تفرد إصابته العين من حيث لا يشعر.

ومما يدلك على أنها مصدر في الأصل قوله تعالى: { عين اليقين كما قال: { علم اليقين }، [1] و { حق اليقين }، [2] فالعلم والحق مصدران مضافان إلى اليقين، فكذلك العين. هكذا قال السهيلي رحمه الله تعالى. وفيه نظر، لأن إضافة عين إلى اليقين من باب قولهم نفس الشيء وذاته. فعين اليقين نفس اليقين، والعين التي هي عضو سميت عينًا، لأنها آلة ومحل لهذه الصفة التي هي العين. وهذا من باب قولهم امرأة ضيف وعدل تسمية للفاعل باسم المصدر والعين التي هي حقيقة الشيء ونفسه من باب تسمية المفعول بالمصدر كصيد.

قال السهيلي: إذا علمت هذا، فاعلم أن العين أضيفت إلى الباري تعالى كقوله: { ولتصنع على عيني }، [3] حقيقة لا مجازًا كما توهم أكثر الناس، لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجاز في تسمية العضو بها وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري تعالى لا حقيقة ولا مجازًا. ألا ترى كيف كفر الرومية من النصارى حيث قالوا في عيسى إنه ولد، على المجاز لا على الحقيقة، فكفروا ولم يدروا. [4] ألا ترى كيف لم يضف سبحانه إلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة حقيقة، ولا مجازًا نعم ولا لفظ الإبصار، لأنه لا يعطي معنى البصر والرؤية مجردًا، ولكنه يقتضي مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما.

قلت: كأنه رحمه الله غفل عن وصفه بالسميع البصير وغفل عن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه»، [5] وأما إلزامه التحديق والملاحظة ونحوها فهو كإلزام المعتزلة نظيره في الرؤية فهو منقول من هناك حرفًا بحرف. وجوابه من وجوه.

أحدها: ما تعني بالتحديق والملاحظة. أمعنى البصر والإدراك أو قدرًا زائدًا عليهما غير ممتنع وصف الرب به. أو معنى زائدًا يمتنع وصفه به. فإن عنيت الأولين منعنا انتفاء اللازم، وإن عنيت الثالث منعنا الملازمة، ولا سبيل إلى إثباتها بحال.

الثاني: إن هذا التحديق والملاحظة، إنما تلزم الصفة من جهة إضافتها إلى المخلوق لا تلزمها مضافة إلى الرب تعالى. وهذا كسائر خصائص المخلوقين التي تطرقت الجهمية بها إلى نفي صفات الرب وهذا من جهلهم وتلبيسهم. فإن خصانص صفات المخلوقين لا تلزم الصفة مضافة إلى الرب تعالى، كما لا يلزم خصائص وجودهم وذاتهم وهذا مقرر في موضعه. وهذا الأصل الذي فارق به أهل السنة طائفتي الضلال من المشبهة والمعطلة فعليك بمراعاته.

الثالث: قوله لا يعطي الأبصار معنى البصر والرؤية مجردًا كلام لا حاصل تحته ولا تحقيق فإنه قد تقرر عقلًا ونقلًا أن لله تعالى صفة البصر ثابتة كصفة السمع. فإن كان لفظ الإبصار لا يعطي الرؤية مجردة. فكذلك لفظ السمع وإن أعطى السمع إدراك المسموعات مجردًا. فكذلك البصر. فالتفريق بينهما تحكم محض.

ثم نعود إلى كلامه، قال: وكذلك لا يضاف إليه سبحانه وتعالى من آلات الإدراك الأذن ونحوها، لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي محلها فلم ينقل لفظها إلى الصفة أعني السمع مجازًا ولا حقيقة إلا أشياء وردت على جهة المثل بما يعرف بأدنى نظر أنها أمثال مضروبة نحو الحجر الأسود يمين الله في الأرض. وما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن مما عرفت العرب المراد به بأول وهلة.

قال: وأما اليد فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف قال:

يديتُ على ابن حَصحاصِ بن عمرو ** بأسفل ذي الجذاة يدَ الكريم

فيديت فعل مأخوذ من مصدر لا محالة والمصدر صفة موصوف. ولذلك مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله: { أولي الأيدي والأبصار }، [6] ولم يمدحهم بالجوارح، لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر.

قلت: المراد بالأيدي والأبصار هنا القوة في أمر الله والبصر بدينه فأراد أنهم من أهل القوى في أمره، والبصائر في دينه، فليست من يديت إليه يدًا فتأمله.

قال: وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري إن اليد من قوله: خلق آدم بيده، وقوله تعالى: { لما خلقت بيدي }، [7] صفة ورد بها الشرع؛ ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى النعم، ولا قط بشيء من التأويلات تحرزًا منه عن مخالفة السلف. وقطع بأنها صفة تحرزًا عن مذهب المشبهة. فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه؟ قلنا: ليس الأمر كذلك. بل كان معناها مفهومًا عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه. وكذلك الكفار لو كانت (اليد) عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول صلى الله عليه وسلم ولقالوا له زعمت أن الله تعالى ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يدًا كأيدينا وعينًا كأعيننا؛ ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر، علم أن الأمر كان فيهم عندهم جليًا ولا خفيًا، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازًا، ثم استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة. ورب مجاز كثر واستعمل حتى نسي أصله وتركت حقيقته. والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص منها معنى والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة. وكل شيء أحبه الله فقد أراده، وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل واقع بالقدرة واقعًا باليد. فاليد أخص من معنى القدرة، ولذلك كان فيها تشريف لآدم.

قلت: أما قوله: ليس كل شيء أراده فقد أحبه. فهذا صحيح. وهوأحد قولي الأشعري وقول المحققين من أصحابه، وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول كما هو مقرر في موضعه.

وأما قوله: كل شيء أحبه فقد أراده، فإن كان المراد أنه أراده بمعنى رضيه وأراده دينا فحق. وإن كان المراد أنه أراده كونًا فغير لازم. فإنه سبحانه يحب طاعة عباده كلهم ولم يردها ويحب التوبة من كل عاص ولم يرد ذلك كله تكوينًا إذ لو أراده لوقع فالمحبة والإرادة غير متلازمين فإنه يريد كون ما لا يحبه ويحب ويرضى بأشياء لا يريد تكوينها، ولو أرادها لوقعت وهذا مقرر في غير هذا الموضع.

قال: ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: { ولتصنع على عيني }، [8] بحرف على، وقال تعالى: { تجري بأعيننا } [9] بالباء، { واصنع الفلك بأعيننا }، [10] وما الفرق؟ فالفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيًا وإبداء ما كان مكتومًا، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرًا. فلما أراد أن يصنع موسى ويغذى ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار، دخلت على في اللفظ تنبيهًا على المعنى، لأنها تعطي الاستعلاء والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى: ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة. وأما قوله تعالى: { تجري بأعيننا }، { واصنع الفلك بأعيننا } فإنه إنما يريد برعاية منا حفظ، ولا يريد إبداء شيء، ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى على بخلاف ما تقدم.

هذا كلامه، ولم يتعرض رحمه الله لوجه الإفراد هناك والجمع هنا، وهو من ألطف معاني الآية. والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي }، [11] فاقتضى هذا الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: { ولتصنع على عيني } [12] فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص.

وأما قول تعالى: { تجري بأعيننًا }، { واصنع الفلك بأعيننا }، فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه واصطناعه إياه لنفسه، وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه }، [13] وقوله: { نحن نقص عليك }، [14] ونظائره فتأمله.

قال: وأما النفس فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد، وقد استعمل أيضا من لفظها النفاسة والشيء النفيس، فصلحت للتعبيرعنه سبحانه وتعالى بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية. وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس، ولا سيما المتكلمين القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون: ذات الباري هي نفسه، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات الله»، وقول خبيب: * وذلك في ذات الإله.. *

قال: وليست هذه اللفظة إذا ستقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا. ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله كما قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه }، [15] وذلك غير مسموع ولا يقال إلا بحرف ( في ) الجارة وحرف ( في ) للوعاء وهو معنى مستحيل على نفس الباري تعالى. إذا قلت: جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء، وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته فيكون الحرف على بابه. كأنك قلت: هذا محسوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته. وإما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال.

وإذا ثبت هذا فقوله: في ذات الله، أو في ذات الإله، إما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله فذات وصف للديانة، وكذلك هي في الأصل موضوعها نعت لمؤنث. ألا ترى أن فيها تاء التأنيث، وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل لا عن نفسه سبحانه. وهذا هو المفهوم من كلام العرب. ألا ترى إلى قول النابعة: * بجلتهم ذات الإله ودينهم * فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه.

وهذا من كلامه من المرقِّصات، فإنه أحسن فيه ما شاء. وأصل هذه اللفظة هو تأنيث ذو بمعنى صاحب. فذات صاحبة كذا في الأصل، ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه. فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت. ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن هان وغيره على الأصوليين قولهم "الذات" وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا، كما لا يقال: "الذو" في ذو. وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها، ومن هنا غلطهم السهيلي فإن هذا الاستعمال والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول: رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب إليه ومن جهته، وهذا كجنب الشيء. إذا قالوا هذا في جنب الله، لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته - لا يريدون غير هذا البتة. فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله: «ثلاث كذبات في ذات الله»، وقوله: * وذلك في ذات الإله * فغلط واستحق التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله }، [16] ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال ههنا: فرطت في نفس الله وحقيقته، ويحسن أن يقال: فرط في ذات الله، كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله، وصبر في ذات الله. فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصر، والله الموفق المعين.

فائدة: إبدال النكرة من المعرفة

ما الفائدة في إبدال النكرة من المعرفة وتبيينها بها، فإن كانت الفائدة في النكرة فلم ذكرت المعرفة، وإن كانت في المعرفة فما بال ذكر النكرة.

قيل: هذا فيه نكتة بديعة. وهي أن الحكم قد يعلق بالنكرة السابقة فتذكر. ويكون الكلام في معرض أمر معين من الجنس مدحًا، أو ذمًا، فلو اقتصر على ذكر المعرفة لاختص الحكم به، ولو ذكرت النكرة وحدها لخرج الكلام عن التعرض لذلك المعين. فلما أريد الجنس أتى بالنكرة ووصفت إشعارًا بتعليق الحكم بالوصف. ولما أتى بالمعرفة كان تنبيهًا على دخول ذلك المعين قطعًا. ومثال ذلك قوله تعالى: { لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة }، [17] فإن الآية كما قيل: نزلت في أبي جهل، ثم تعلق حكمها بكل من اتصف به فقال: { لنسفعا بالناصية } تعيينًا { ناصية كاذبة } لعدمه وتنبيهًا، ولذلك اشترط في النكرة في هذا الباب أن تكون منعوتة لتحصل الفائدة المذكورة وليتبين المراد.

وأما قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا }، [18] ففيها قولان:

أحدهما: أن شيئًا بدل من رزقه ورزقًا أبين من شيئًا، لأنه أخص منه، والأخص أبين من الأعم، وجاز هذا من أجل تقدم النفي، لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي، فلما اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات ووقعت الفائدة به من أجل النفي صلح أن يكون بدلًا من رزق. ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكن إخلالًا بالكلام.

والقول الثاني: أن شيئًا هنا مفعول المصدر الذي هو الرزق وتقديره لا يملكون أن يرزقوا شيئًا وهذا قول الأكثرين إلا أنه يرد عليهم. أن الرزق هنا اسم لا مصدر، لأنه بوزن الذبح والطحن للمذبوح والمطحون. ولو أريد المصدر لجاء بالفتح نحو قول الشاعر: يخاطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله وعفا عنه:

واقصد إلى الخير ولا توقه ** وارزق عيال المسلمين رزقه

وقد يجاب عن هذا بأن الرزق من المصادر التي جاءت على فعل بكسر أوائلها كالفسق، ويطلق على المصدر والاسم بلفظ واحد، كالنسخ للمصدر والمنسوخ وبابه وهذا أحسن. والبيت لا نسلم أن راءه مفتوحة، وإنما هي مكسورة. وهذا اللائق بحال عمر بن عبد العزيز والشاعر فإنه طلب منه أن يرزق عيال المسلمين رزق الله الذي هو المال المرزوق لا أنه يرزقهم كرزق الله الذي هو المصدر، هذا مما لا يخاطب به أحد، ولا يقصده عاقل والله أعلم.

فائدة بديعة: تفسير اهدنا الصراط المستقيم

قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } فيها عشرون مسألة.

أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء، والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأول.

الثانية: ما فائدة تعريف { الصراط المستقيم }، باللام، وهلا أخبرعنه بمجرد اللفظ دونها كما قال: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }.

الثالثة: ما معنى الصراط ومن أي شيء اشتقاقه ولم جاء على وزن فعال ولم ذكر في أكثر المواضع في القران بهذا اللفظ. وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق فقال: { يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }. [19]

الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: { الذين أنعمت عليهم } بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين فلم عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر.

الخامسة: ما الحكمة في التعبير عنهم بلفظ الذي مع صلتها دون أن يقال المنعم عليهم وهو أخصر كما قال: { المغضوب عليهم }، وما الفرق.

السادسة: لم فرق بين المنعم عليهم والمغضوب عليهم. فقال في أهل النعمة، الذين أنعمت وفي أهل الغضب المغضوب بحذف الفاعل.

السابعة لم قال: { اهدنا الصراط المستقيم }، فعدى الفعل بنفسه، ولم يعده بإلى كما قال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }، [20] وقال تعالى: { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } [21]

الثامنة: أن قوله تعالى: { الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم } يقتضي أن نعمته مختصة بالأولين دون المغضوب عليهم ولا الضالين. وهذا حجة لمن ذهب إلى أنه لا نعمة له على كافر. فهل هذا استدلال صحيح أم لا.

التاسعة: أن يقال لم وصفهم بلفظ غير وهلا قال تعالى: لا المغضوب عليهم كما قال والضالين. وهذا كما تقول: مررت بزيد لا عمرو وبالعاقل لا الأحمق.

العاشرة: كيف جرت غير صفة على الموصول وهي لا تتعرف بالإضافة، وليس المحل محل عطف بيان إذ بابه الإعلام ولا محل لذلك. إذ المقصود في باب البدل هو الثاني والأول توطئة وفي باب الصفات المقصود الأول. والثاني بيان وهذا شأن هذا الموضع. فإن المقصود ذكر المنعم عليهم ووصفهم بمغايرتهم معنى الغضب والضلال.

الحادية عشرة: إذا ثبت ذلك في البدل، فالصراط المستقيم مقصود الإخبار عنه بذلك، وليس في نية الطرح، فكيف جاء صراط الذين أنعمت عليهم بدلًا منه؟ وما فائدة البدل هنا.

الثانية عشرة: إنه قد ثبت في الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد وأبو حاتم تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود، والنصارى بأنهم الضالون، فما وجه هذا التقسيم والاختصاص؟ وكل من الطائفتين ضال مغضوب عليه.

الثالثة عشرة: لم قدم المغضوب عليهم في اللفظ على الضالين؟

الرابعة عشرة: لم أتى في أهل الغضب بصيغة مفعول المأخوذة من فعل؟ ولم يأت في أهل الضلال بذلك. فيقال المضلين. بل أتى فيهم بصيغة فاعل المأخوذة من فعل.

الخامسة عشرة: ما فائدة العطف بلا هنا. ولو قيل المغضوب عليهم والضالين لم يختل الكلام وكان أوجز.

السادسة عشرة: إذ قد عطف بها فيأتي العطف بها مع الواو للمنفي. نحو ما قام زيد ولا عمرو وكقوله تعالى: { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } إلى قوله تعالى: { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم }، [22] وأما بدون الواو فبابها الإيجاب. نحو مررت بزيد لا عمرو. فهذه ستة عشرة مسألة في ذلك.

السابعة عشرة: هل الهداية هنا هداية التعريف والبيان، أو هداية التوفيق والإلهام.

الثامنة عشرة: كل مؤمن مأمور بهذا الدعاء أمرًا لازمًا لا يقوم غيره مقامه، ولا بد منه. وهذا إنما نسأله في الصلاة بعد هدايته. فما وجه السؤال لأمر حاصل؟ وكيف يطلب تحصيل الحاصل؟

التاسعة عشرة: ما فائدة الإتيان بضمير الجمع في اهدنا؟ والداعي يسأل ربه لنفسه في الصلاة وخارجها ولا يليق به ضمير الجمع ولهذا يقول: رب اغفر لي وارحمني وتب علي.

العشرون: ما حقيقة الصراط المستقيم الذي يتصوره العبد وقت سؤاله؟ فهذه أربع مسائل حقها أن تقدم أولًا، ولكن جر الكلام إليها بعد ترتيب المسائل الستة عشر.

فالجواب بعون الله وتعليمه فإنه لا علم لأحد من عباده إلا ما علمه، ولا قوة له إلا بإعانته.

أما المسألة الأولى وهي فائدة البدل من الدعاء، أن االآية وردت في معرض التعليم للعباد والدعاء وحق الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به. إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا في لحم ودم. فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجًا بالثناء. فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مثوبًا بالخير تصريحًا من الداعي بمعتقده وتوسلًا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه. فكأنه متوسل! ليه بإيمانه واعتقاده. إن صراط الحق هو الصراط المستقيم وإنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا، والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه. فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان. ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين إحداهما فائدة الخبر، والثانية فائدة لازم الخبر.

فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وإنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته. وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه، فهذه أربع فوائد الدعاء بالهداية إليه. والخبر عنه بذلك. والإقرار والتصديق لشأنه. والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق. وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي، إنما أمر بذلك لحاجته إليه وإن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبر ما يطلب وتصور معناه. فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلبًا له وأعظم رغبة فيه، وأحرص على دوام الطلب والسؤال له، فتأمل هذه النكت البديعة.

فصل: تعريف الصراط باللام

وأما المسألة الثانية وهي تعريف الصراط باللام هنا. فاعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره. ألا ترى أن قولك جالس فقيهًا، أو عالمًا، ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم. ولا قولك أكلت طيبًا كقولك الطيب. ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق»، ثم قال: «ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق»، فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه.

فإذا عرفت هذا، فلو قال: اهدنا صراطًا مستقيمًا لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط ما مستقيم على الإطلاق. وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقًا إلى رضوانه وجنته، وهو دينه الذي لا دين له سواه. فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر واللام هنا للعهد العلمي الذهني وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال فلم يكن بد من التعريف.

فإن قيل: لم جاء منكرًا في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ويهديك صراطا مستقيمًا }، [23] وقوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }، [24] وقوله تعالى: { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم }، [25] وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم }. [26]

فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه. ولم يكن للمخاطبين عهد به، ولم يكن معروفًا لهم فلم يجىء معرفًا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده، ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه، وإنما تأتي لام العهد ني أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكري لفظي. وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع. فالتنكير هو الأصل وهذا بخلاف قوله: { اهدنا الصراط المستقيم }، فإنه لما تقررعندالمخاطبين. إن لله صراطًا مستقيمًا هدى إليه أنبياءه ورسله. وكان المخاطب سبحانه المسؤول من هدايته عالمًا به دخلت اللام عليه فقال: { اهدنا الصراط المستقيم }.

وقال أبو القاسم السهيلي: إن قوله تعالى: { ويهديك صراطًا مستقيمًا } نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه. وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم فأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. فلم يرد صراطًا مستقيمًا في الدين، وإنما أراد صراطًا في الرأي والحرب والمكيدة. وقوله تبارك وتعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }، [27] أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم. ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظًا من الاستقامة إذ الألف واللام تنبىء أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرب به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر فيه طرف منه.

وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن، أما قوله إن المراد بقوله: ويهديك صراطًا مستقيمًا في الحرب والمكيدة. فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسوله وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطًا مستقيمًا، وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك؟ بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ثم فسره بقوله تعالى: { دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين } ونصب دينًا هنا على البدل من الجار والمجرور. أي هداني دينًا قيمًا. أفتراه يمكنه ههنا أن يقول: إنه الحرب والمكيدة؟ فهذا جواب فاسد جدًا.

وتأمل ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها الفتح المبين. والثاني مغفرة ماتقدم من ذنبه وما تأخر. والثالث هدايته الصراط المستقيم. والرابع إتمام نعمته عليه. والخامس إعطاء النصر العزيز وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر، لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح. فإن الهدى هو العلم بالله ودينه والعمل بمرضاته وطاعته. فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه. فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد، وقهر قلوب المخالفين له بالحجة، وقهر أبدانهم باليد.

وهو سبحانه كثيرًا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } [28] في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف. وقال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط }، فهذا الهدى ثم قال: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }، [29] فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر. وقال تعالى: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان }، [30] فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل.

وسر اقتران النصر بالهدى. إن كلًا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل. ولهذا سمي تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانًا. كما قال تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان }، [31] فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر. وهو اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم ومن هذا قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين }، [32] فالفرقان نصرة له على فرعون وقومه والضياء والذكر والتوراة هذا هو معنى الآية. ولم يصب من قال: إن الواو زائدة، وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في الأمالي المكية. فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر، وإنه لا يصح فيها غير ذلك البتة.

وأما جوابه الثاني عن قوله: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم بأنه لوعرف لجعل للكفر والضلال حظًا من الاستقامة. فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى؟ وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم افترى قوله تعالى: { وآتيناهما الكتاب المستبين }، [33] { وهديناهما الصراط المستقيم } [34] يفهم منه أن لغيره حظًا من الاستقامة، وما ثم غيره إلا طرق الضلال. وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله إليه أنبيائه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال: إنه يفهم منه إن لغيره حظًا من الاستقامة. بل يقال تعريفه ينبىء أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة. فإن التعريف في قوة الحصر فكانه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه، وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة، فتأمله هنا وفي نظائره.

فصل: اشتقاق الصراط

وأما المسألة الثالثة وهي اشتقاق الصراط. فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعًا سهلًا فسمي الطريق صراطًا، لأنه يشترط المارة فيه. والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقًا مستقيمًا سهلًا مسلوكًا واسعًا موصلًا إلى المقصود. فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطًا، ولا الصعب المشق، ولا المسدود غير الموصل. ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك. قال جرير:

أمير المؤمنين على صراط ** إذا اعوج الموارد مستقيم

وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المشروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء، كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب يأتي لثلاثة معان. أحدها: المصدر كالقتال والضراب، والثاني المفعول نحو الكتاب والبناء والغرا س، والثالث إنه يقصد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمر به ويغطي ويسد به، فهذا الة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود. ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه.

وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة، فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: { إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }، [35] وتعبيرهم عنه ههنا بالطريق فيه نكتة بديعة، وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وإن الكتاب الذي سمعوه مصدقًا لما بين بديه من كتاب موسى وغيره، فكان فيه كالنبأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لقومه: { ما كنت بدعًا من الرسل } [36] أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم، وإنما بعثت مصدقًا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنو الجن: { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }. [37] أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله، وإنه ليس ببدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق، لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل. فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه. فذكر الطريق ههنا إذًا أولى، لأنه أدخل في باب الدعوة. والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم. ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.

فصل: إضافة الصراط إلى الموصول المبهم

وأما المسألة الرابعة وهي إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول: صراط النبيين والمرسلين ففيه ثلاث فوائد:

إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا، فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى الصراط فيه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها. وهذا كقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم }، [38] { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون }، [39] { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم }، [40] وهذا الباب مطرد فالإتيان بالاسم موصولًا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاص.

الفائدة الثانية: فيه إشارة إلى أن نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هدى إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه. فالسائل مستشعر سؤال الهداية وطلب الإنعام من الله عليه. والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه. والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه.

الفائدة الثالثة: إن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم، ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم. فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة. إن المسؤول الهدي إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذا أجل مطلوب وأعظم مسؤول. ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيراه وقرنه بأنفاسه. فإنه لم يدع شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه. ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع، عباده فرضا متكررًا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه، ومن ثم يعلم تعين الفاتحة في، الصلاة وإنها ليس منها عوض يقوم مقامها.

فصل: قال أنعمت عليهم ولم يقل المنعم عليهم

وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: { الذين أنعمت عليهم } ولم يقل المنعم عليهم. كما قال: { المغضوب عليهم } فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة.

أحدها: إن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القران. وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى. فيذكر فاعلها منسوبة إليه، ولا يبني الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة. حذف الفاعل وبنى الفعل معها للمفعول أدبًا في الخطاب، وإضافته إلى الله أشرف فسمى أفعاله، فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه، ولم يحذف فاعلها. ولما ذكر الغضب حذف الفاعل، وبنى الفعل للمفعول. فقال: المغضوب عليهم وقال في الإحسان: الذين أنعمت عليهم. ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: { الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين } [41] فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام. والسقي إلى الله تعالى. ولما جاء إلى ذكر المرض قال: وإذا مرضت. ولم يقل أمرضني. وقال: فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }، [42] فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول. ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة فأردت أن أعيبها. فأضاف العيب إلى نفسه. وقال في الغلامين: { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما }، [43] ومنه قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }، [44] فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: { وأحل الله البيع وحرم الربا }، [45] لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير }، [46] وقوله: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } [47] إلى آخرها. ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم } [48] إلى آخرها، ثم قال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم }، [49] وتأمل قوله: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع. وقال في حق المؤمنين: { حرمت عليكم الميتة والدم }. [50]

الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر النعم والعمل بطاعته. وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: { أنعمت عليهم } من ذكر وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله. فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون }. [51]

الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشركه أحد في نعمته، فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة، وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم، وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه. وهذا حقيقة العبودية واليهود قد غضب الله عليهم، فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم. فحذف فاعل الغضب وقال: المغضوب عليهم لما كان للمؤمنين نصيب من غضبهم على من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإنه لله وحده. فتأمل هذه النكتة البديعة.

الفائدة الرابعة: أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الإلتفات إليهم والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها. وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشارة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين. فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى. فإن قولك الذين فعلوا معناه القوم الذين فعلوا وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك. فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم بخلاف المغضوب عليهم. فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الإلتفات إليهم والمعول عليه من الأجوبة ما تقدم.

فصل: تعدية الفعل بنفسه

وأما المسألة السابعة وهي تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف إلى، فجوابها أن فعل الهداية يتعدى بنفسه تارة، وبحرف إلى تارة وباللام تارة. والثلاثة في القرآن. فمن المعدى بنفسه هذه الآية. وقوله: { ويهديك صراطًا مستقيمًا }، [52] ومن المعدى بإلى قوله: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }، [53] وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم }، [54] ومن المعدى باللام قوله قول أهل الجنة: { الحمد لله الذي هدانا لهذا }، [55] وقوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }. [56]

والفرق بين هذه المواضع تدق جدًا عن أفهام العلماء، ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق، وهي أن الفعل المعدي بالحروف المتعددة لا بد أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف. فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو رغبت عنه ورغبت فيه، وعدلت إليه وعدلت عنه، وملت إليه وعنه وسعيت إليه وبه، وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له، وهديته إلى كذا وهديته لكذا، وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره. فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيشربون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة أمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف. وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن. وهذا نحو قوله تعالى: { عينًا يشرب بها عباد الله }، [57] فإنهم يضمنون بشرب معنى يروي فيعدونه بالباء التي تطلبها. فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما بالتصريح به، والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها. ومنه قوله في السحاب: شربن بماء البحر حتى روين، ثم ترفعن وصعدن. وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها. فإنه لا دلالة فيه على الري وإن يقال: يروي بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه، بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها. دل على الشرب بصريحه وعلى الري بخلاف الباء فتأمله. ومن هذا قوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه }، [58] وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضمن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة. فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة، وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه ويكفي المثالان المذكوران. فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية ومتى عدي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين. فإذا قلت: هديته لكذا. فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا، وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى، الجامع لذلك كله وهو التعريف والبيان والإلهام. فالقائل إذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. هو طالب من الله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلهمه إياه ويقدره عليه، فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه. فجرد الفعل من الحرف وأتى به مجردًا معدى بنفسه ليتضمن هذه المراتب كلها. ولو عدى بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معنى الحرف. فتأمله فإنه من دقائق اللغة وأسرارها.

فصل: تخصيص أهل السعادة بالهداية

وأما المسألة الثامنة وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم. فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ فمن ناف محتج بهذه وبقوله: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا }، [59] فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، ولقوله لعباده المؤمنين: { ولأتم نعمتي عليكم } [60] وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي. ومن مثبت محتج بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }، [61] وقوله لليهود: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }، [62] وهذا خطاب لهم في حال كفرهم وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون * فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين * يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون }، [63] وهذا نص صريح لا يحتمل صرفًا. واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته. وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته.

وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم. ومطلق النعمة عام للخليفة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم. فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم، فهذه غير مشتركة ومطلق النعمة عام مشترك. فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة أصاب، وإن أراد سلب مطلق النعمة أخطأ. وإن أراد المثبت إثبات النعمة المطلقة للكافر أخطأ. وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب، وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب، والله الموفق.

وأما قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }، [64] فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم ولهذا يعددها عليهم واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون وإن فرق بهم البحر وإن وعد موسى أربعين ليلة. فضلوا بعده ثم تاب عليهم، وعفا عنهم، وبأن ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم، وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته، والإيمان برسله، والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته، وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرًا فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه؟ وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم والله أعلم.

فصل: قال غير المغضوب ولم يقل لا المغضوب عليهم

وأما المسألة التاسعة وهي أنه قال غير المغضوب، ولم يقل لا المغضوب عليهم. فيقال: لا ريب أن لا يعطف بها بعد الإيجاب، كما تقول: جاءني زيد لا عمرو وجاءني العالم لا الجاهل. وأما غير فهي تابع لما قبلها وهي صفة ليس إلا كما سيأتي. وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع والوصف. فتقول: لو أخرج الكلام مخرج العطف، وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم. لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم. كما هو مقتضي العطف. فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم. وأما الإتيان بلفظ غير فهي صفة لما قبلها فأفاد الكلام معها. وصفهم بشيئين أحدهما أنهم منعم عليهم. والثاني أنهم غير مغضوب عليهم. فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم، ومدحهم فإنه يتضمن صفتين صفة ثبوتية وهي كونهم منعمًا عليهم وصفة سلبية وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب وإنهم مغايرون لأهله. ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم، ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنها يزول منها معنى الوصفية المقصود.

وفيه فائدة أخرى وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام. فكأنه قيل لهم: المنعم عليهم غيركم لا أنتم. وقيل للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم. فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة. فتأمله وتأمل كيف قال المغضوب عليهم ولا الضالين. ولم يقل: اليهود والنصارى مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريدًا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل، لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال. فتبارك من أودع كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد.

فصل: جريان غير صفة على المعرفة

وأما المسألة العاشرة وهي جريان غير صفة على المعرفة. وهي لا تتعرف بالإضافة ففيه ثلاثة أجوبة:

أحدها: أن غير هنا بدل لا صفة وبدل النكرة من المعرفة جائز، وهذا فاسد من وجوه ثلاثة.

أحدها: أن باب البدل المقصود فيه الثاني والأول توطئة له ومهاد أمامه وهو المقصود بالذكر فقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا }، [65] المقصود هو أهل الاستطاعة خاصة وذكر الناس قبلهم توطئة، وقولك: أعجبني زيد علمه، إنما وقع الإعجاب على علمه وذكرت صاحبه توطئة لذكره وكذا قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه }، [66] المقصود إنما هو السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن نفس الشهر. وهذا ظاهر جدًا في بدل البعض وبدل الاشتمال، ويراعى في بدل الكل من الكل. ولهذا سمي بدلًا إيذانًا بأنه المقصود فقوله: { لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة }، [67] المقصود لنسفعن بالناصية الكاذبة الخاطئة وذكر المبدل منه توطئة لها، وإذا عرف هذا، فالمقصود هنا ذكر المنعم عليهم وإضافة الصراط إليهم ومن تمام هذا المقصود وتكميله الإخبار بمغايرتهم للمغضوب عليهم. فجاء ذكر غير المغضوب مكملًا لهذا المعنى ومتممًا، لأن أصحاب الصراط المسؤول هدايته هم أهل النعمة فكونهم غير مغضوب عليهم وصف محقق وفائدته فائدة الوصف المبين للموصوف المكمل له وهذا واضح.

الوجه الثاني: أن البدل يجري مجرى توكيد المبدل وتكريره وتثنيته ولهذا كان في تقدير تكرار العامل وهو المقصود بالذكر كما تقدم فهو الأول بعينه ذاتًا ووصفًا، وإنما ذكر بوصف آخر مقصود بالذكر كقوله: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم }، ولهذا يحسن الاقتصار عليه دون الأول ولا يكون مخلًا بالكلام، ألا ترى أنك لو قلت: في غير القرآن لله حج البيت على من استطاع إليه السبيل لكان كاملًا مستقيمًا لا خلل فيه. ولو قلت في دعائك: رب اهدني صراط من أنعمت عليه من عبادك لكان مستقيمًا. وإذا كان كذلك فلو قدر الاقتصار على غير، وما في حيزها لاختل الكلام وذهب معظم المقصود منه. إذ المقصود إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم لا إضافته إلى غير المغضوب عليهم. بل أتى بلفظ غير زيادة في وصفهم والثناء عليه فتأمله.

الوجه الثالث: أن غير لا يعقل ورودها بدلًا، وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالًا. وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها ولهذا قلما يقال: جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو. والبدل لا بد أن يكون مستقلًا بنفسه كما تبين أنه المقصود ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلمًا ومرقاة إليه. فهو موضع قصدك ومحط إرادتك وفي باب الصفة بخلاف ذلك، إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته. فاجعل هذه النكتة معيارًا على باب البدل والوصف، ثم زن بها غير المغضوب عليهم. هل يصح أن يكون بدلًا أو وصفًا؟

الجواب الثاني: أن غير ههنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين. ففيه رائحة من النكرة لإبهامه فإنه غير دال على معين فصلح وصفه بغير لقربه من النكرة وهذا جواب صاحب الكشاف قال: فإن قلت: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وان أضيف إلى المعارف قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله:

ولقد أمر على اللئيم يسبني ** فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

ومعنى قوله: لا توقيت فيه، أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة. بل هو مطلق في الجنس فجرى مجرى النكرة واستشهاده بالبيت. معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين فهو في قوة النكرة، فجاز أن ينعت بالنكرة وكأنه قال على لئيم: يسبني وهذا استدلال ضعيف فإن قوله يسبني حال منه لا وصف والعامل فيه فعل المرور المعنى أمر على اللئيم سابًا لي أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا أحتفل بسبه.

الجواب الثالث: وهو الصحيح أن غير هنها قد تعرفت بالإضافة. فإن المانع لها من تعريفها شدة إبهامها أو عمومها في كل مغاير للمذكور فلا يحصل بها تعيين. ولهذا تجري صفة على النكرة فتقول: رجل غيرك يقول كذا، ويفعل كذا، فتجرى صفة للنكرة مع إضافتها إلى المعرفة. ومعلوم أن هذا الإبهام يزول لوقوعها بين متضادين يذكر أحدهما، ثم تضيفها إلى الثاني. فيتعين بالإضافة ويزول الإبهام الذي يمنع تعريفها بالإضافة كما قال:

نحن بنو عمرو الهجان الأزهر ** النسب المعروف غير المنكر

أفلا تراه أجرى غير المنكر صفة على النسب، كما أجرى عليه المعروف صفتان معينتان فلا إبهام في غير لأن مقابلها المعروف وهو معرفة وضده المنكر متميز متعين، كتعين المعروف أعني تعين الجنس.

وهكذا قوله: { صراط الذين أنعمت عليهم }، فالمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم. فإذا كان الأول معرفة كانت غير معرفة لإضافتها إلى محصل متميز غير مبهم. فاكتسبت منه التعريف.

وينبغي أن تتفطن هنها لنكتة لطيفة في غير تكشف لك حقيقة أمرها. فأين تكون معرفة وأين تكون نكرة؟ وهي أن "غيرًا" هي نفس ما تكون تابعة له وضد ما هي مضافة إليه فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه. فإن المعروف هو تفسير غير المنكر والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم هذا حقيقة اللفظة. فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة، وإن أضيفت. كما إذا قلت: رجل غيرك فعل كذا وكذا، وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة، كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس والبر غير الفاجر مهيب والعادل غير الظالم مجاب الدعوة. فهذا لا تكون فيه غير إلا معرفة، ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط وقال: ما لا دليل عليه إذ لا إبهام فيها بحال فتأمله.

فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر. وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل عن غاير كمثل بمعنى مماثل وشبه بمعنى مشابه وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة، وكذا ما ناب عنها.

قلت: اسم الفاعل، إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله، لأن الإضافة في تقدير الانفصال نحو هذا ضارب زيد غدًا. وليست غير بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال الإضافة في تقدير الانفصال، بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات. ألا ترى أن قولك غيرك بمنزلة قولك سواك ولا فرق بينهما والله أعلم.

فصل: إخراج صراط مخرج البدل

وأما المسألة الحادية عشرة: وهي ما فائدة إخراج الكلام في قوله: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم }، مخرج البدل مع أن الأول في نية الطرح.

فالجواب أن قولهم الأول في البدل في نية الطرح كلام لا يصح أن يؤخذ على إطلاقه. بل البدل نوعان: نوع يكون الأول فيه في نية الطرح وهو بدل، البعض من الكل، وبدل الاشتمال لأن المقصود هو الثاني لا الأول، وقد تقدم، ونوع لا ينوي فيه طرح الأول وهو بدل الكل من الكل، بل يكون الثاني بمنزلة التذكير واالتوكيد وتقوية النسبة مع ما تعطيه النسبة الإسنادية إليه من الفائدة المتجددة الزائدة على الأول. فيكون فائدة البدل التوكيد والإشعار بحصول وصف المبدل للمبدل منه إنه لما قال: { اهدنا الصراط المستقيم }، فكأن الذهن طلب معرفة ما إذا كان الصراط مختص بنا أم سلكه غيرنا ممن هداه الله. فقال: { صراط الذين أنعمت عليهم } وهذا كما إذا دللت رجلًا على طريق لا يعرفها، وأردت توكيد الدلالة وتحريضه على لزومها وأن لا يفارقها. فأنت تقول: هذه الطريق الموصلة إلى مقصودك، ثم تزيد ذلك عنده توكيدًا وتقوية، فتقول: وهي الطريق التي سلكها الناس والمسافرون وأهل النجاة. أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنها طريق السالكين الناجين قدرًا زائدًا على وصفك لها بأنها طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة. فإن النفوس مجبولة على التأسي والمتابعة. فإذا ذكر لها من تتأسى به في سلوكها أنست واقتحمتها فتأمله.

فصل: تفسير المغضوب عليهم والضالين

وأما المسألة الثانية عشرة: وهي ما وجه تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى مع تلازم وصفي الغضب والضلال.

فالجواب أن يقال هذا ليس بتخصيص يقتضي نفي كل صفة عن أصحاب الصفة الأخرى، فإن كل مغضوب عليه ضال وكل ضال مغضوب عليه، لكن ذكر كل طائفة بأشهر وصفيها وأحقها به وألصقه بها، وأن ذلك هو الوصف الغالب عليهما وهذا مطابق، لوصف الله اليهود بالغضب في القرآن والنصارى بالضلال. فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع.

أما اليهود فقال تعالى في حقهم: { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين }، [68] وفي تكرار هذا الغضب هنا أقوال.

أحدها: أنه غضب متكرر في مقابلة تكرر كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والبغي عليه ومحاربته. فاستحقوا بكفرهم غضبًا، وبالبغي والحرب والصد عنه غضبًا آخر. ونظيره قوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب } [69] فالعذاب الأول بكفرهم، والعذاب الذي زادهم إياه بصدهم الناس عن سبيله.

القول الثاني أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء، والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح.

والقول الثالث أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح والغضب الثاني بمحمد صلى الله عليه وسلم.

والصحيح في الآية أن التكرار هنا ليس المراد به التثنية التي تشفع الواحد، بل المراد غضب بعد غضب بحسب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ومعاداتهم لرسل الله، إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبًا على حدته. وهذا كما في قوله: { فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين }، [70] أي كرة بعد كرة لا مرتين فقط.

وقصد التعدد في قوله: { فباءوا بغضب على غضب }، [71] أظهر ولا ريب أن تعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبًا، وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبًا آخر وقتلهم إياهم يستدعي غضبًا آخر، وتكذيبهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبًا، وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم يستدعي غضبًا، ومحاربتهم له وأذاهم لأتباعه يقتضي غضبًا، وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبًا. فهم الأمة الغضبية أعاذنا الله من غضبه فهي الأمة التي باءت بالغضب المضاعف المتكرر وكانوا أحق بهذا الاسم والوصف من النصارى. وقال تعالى في شأنهم: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت }، [72] فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ وهو أشد ما يكون من الغضب. وقال تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون }. [73]

وأما وصف النصارى بالضلال ففي قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }، [74] فهذا خطاب للنصارى، لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } وقال المسيح: { يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } [75] إلى قوله: { وضلوا عن سواء السبيل }، فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولًا، ثم أضلوا كثيرًا وهم أتباعهم. فهذا قبل مبعث النبي في صلى الله عليه وسلم حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ازدادوا ضلالًا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم. هذا قول طائفة منهم الزمخشري وغيره، وهو ضعيف. فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات. أحدها أنهم قد ضلوا من قبلهم. والثاني أنهم أضلوا أتباعهم، والثالث أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهى هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفًا للموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم. فتأمله.

وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالًا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق. وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود، ووجه تكرار هذا الضلال. إن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالًا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده، ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودًا حقًا، لكن يضل في طريق طلبه والسبيل الموصلة إليه، فالأول ضلال في الغاية. والثاني ضلال في الوسيلة، ثم إذا دعى غيره إلى ذلك فقد أضله.

وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة:

فضلوا عن مقصودهم، حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع؛ فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به.

وضلوا عن السبيل الموصلة إليه، فلا اهتدوا إلى المطلوب، ولا إلى الطريق الموصل إليه.

ودعوا أتباعهم إلى ذلك، فضلوا عن الحق وعن طريقه، وأضلوا كثيرًا، فكانوا أدخل في الضلال من اليهود. فوصفوا بأخص الوصفين.

والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة، فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق. فإنهم كانوا يعرفون أن محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإرادتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء؛ ووبخ النصارى بالضلال، والجهل الذي هو عدم العلم بالحق. فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة، ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها، فكفر اليهود ينشأ من عدم إرادة الحق والعمل به، وإيثار غيره عليه بعد معرفته، فلم يكن ضلالًا محضًا. وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه، فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبًا عليهم ضالين.

ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره، وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق. والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفًا وبيانًا وإرشادًا وإلهامًا وتوفيقًا وإعانة، فيعلمه ويعرفه، ثم يجعله مريدًا له قاصدًا لأتباعه، فيخرج بذلك عن طريق المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال.

وكان السلف يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وهذا كما قالوا: فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف، الكلم عن مواضعه، وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه، وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم، وتلبيس الحق بالباطل. فهذا شبهه باليهود ظاهر. وأما من فسد من العباد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الاتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر.

فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه، ولا أوجب منه عليه. وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس، لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب.

فصل: تقديم المغضوب عليهم على الضالين

وأما المسألة الثالثة عشرة: وهو تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه عديدة:

أحدها: أنهم متقدمون عليهم بالزمان.

الثاني: أنهم كانوا هم الذين يلون النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه. ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن أكثر من خطاب النصارى، كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرهما من السور.

الثالث: أن اليهود أغلظ من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة. فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم. فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم وعاند.

الرابع: وهو أحسنها أنه تقدم ذكر المنعم عليهم، والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله، فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليه فيه من الإزدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالين. فقولك: الناس منعم عليه ومغضوب عليه فكن من المنعم عليهم أحسن من قولك منعم عليه وضال.

فصل: اسم المفعول في المغضوب واسم الفاعل في الضال

وأما المسألة الرابعة عشرة: وهي أنه أتى في أهل الغضب باسم المفعول وفي الضالين باسم الفاعل فجوابهما ظاهر، فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه فهم مغضوب عليهم، وأما أهل الضلال. فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه. ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أن يقال ولا المضلين مبنيًا للمفعول لما في رائحته من إقامة عذرهم، وإنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم. بل فعل فيهم، ولا حجة في هذا للقدرية. فإنا نقول: إنهم هم الذين ضلوا وإن كان الله أضلهم بل فيه رد على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلًا إلا على جهة المجاز لا الحقيقة فتضمنت الآية الرد عليهم، كما تضمن قوله: اهدنا الصراط المستقيم الرد على القدرية. ففي الآية إبطال قول الطائفتين والشهادة لأهل الحق أنهم هم المصيبون وهم المثبتون للقدر توحيدًا وخلقًا والقدرة لإضافة أفعال العباد إليهم عملًا وكسبًا وهو متعلق الأمر والعمل، كما أن الأول متعلق الخلق والقدرة. فاقتضت الآية إثبات الشرع والقدر والمعاد والنبوة فإن النعمة والغضب هو ثوابه وعقابه، فالمنعم عليهم رسله واتباعهم ليس إلا وهدى اتباعهم، إنما يكون على أيديهم. فاقتضت إثبات النبوة بأقرب طريق وأبينها وأدلها على عموم الحاجة وشدة الضرورة إليها، وإنه لا سبيل للعبد أن يكون من المنعم عليهم إلا بهداية الله له، ولا تنال هذه الهداية إلا على أيدي الرسل، وإن هذه الهداية لها ثمرة وهي النعمة التامة المطلقة في دار النعيم، ولخلافها ثمرة وهي الغضب المقتضي للشقاء الأبدي، فتأمل كيف اشتملت هذه الآية مع وجازتها واختصارها على أهم مطالب الدين وأجلها. والله الهادي إلى سواء السبيل وهو أعلم.

فصل: زيادة لا بين المعطوف والمعطوف عليه

وأما المسألة الخامسة عشرة: وهي ما فائدة زيادة لا بين المعطوف والمعطوف عليه ففي ذلك أربع فوائد:

أحدها: أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه غير فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها بلا مع الواو، فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين، أو غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

الفائدة الثانية: إن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده، فلو لم يذكر لا وقيل: غير المغضوب عليهم والضالين. أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده. فإذا قيل: ولا الضالين كان صريحًا أو أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء. وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمر فإنما نفيت القيام عنهما، ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده.

الفائدة الثالثة: رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وإنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما، كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض نحو قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون }، [76] إلى آخرها فإن هذه صفات للمؤمنين. ومثل قوله: { سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى }، [77] ونظائره فلما دخلت لا علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر وكانت لا أولى بهذا المعنى من غير لوجوه. أحدها: أنها أقل حروفًا. الثاني: التفادي من تكرار اللفظ. الثالث: الثقل الحاصل بالنطق بغير مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة، ولا ريب أنه ثقيل على اللسان الرافع أن لا، إنما يعطف بها بعد النفي، فالإتيان بها مؤذن بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال وغيره. وإن أفهمت هذا فلا أدخل في النفي منها، وقد عرف بهذا جواب المسألة السادسة عشرة وهي أن لا إنما يعطف بها في النفي.

فصل: معنى الهداية

وأما المسألة السابعة عشرة: وهي أن الهداية هنا من أي أنواع الهدايات؟ فاعلم أن أنواع الهداية أربعة:

أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى: { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }، [78] أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال وهذب هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجماد المسخر لما خلق له فله هداية تليق به. كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها، وكذلك كل عضو له هداية تليق به. فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل واللسان للكلام والأذن للاستماع والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.

وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومن الأبنية، ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها وأتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.

ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة، وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة، فإن من لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة، بل هداها إلى هذه التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا، وسدى معطلًا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته. بل يتركه معطلًا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثيبه ولا يعاقبه، وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له. مما لا يليق بجلاله. ولهذا أنكر ذلك على من زعمه، ونزه نفسه عنه، وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه، وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق }، [79] فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل، وإنه مما تظاهر عليه العقل والشرع. كما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون }، [80] بقوله: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون }، [81] وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وإن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه. بل جعلها أممًا وهداها إلى غاياتها ومصالحها، كيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم. فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها.

النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى }، [82] أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا. ومنها قوله: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }. [83]

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للإهتداء. فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء }، [84] وفي قوله: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }، [85] وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له»، وفي قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت }، [86] فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }. [87]

النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم }، [88] وقال أهل الجنة فيها: { الحمد لله الذي هدانا }، [89] لهذا. وقال تعالى عن أهل النار: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم }. [90]

إذا عرف هذا فالهداية المسؤولة في قوله الصراط المستقيم، إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام.

فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له، وكذلك الإلهام والتوفيق؟

قيل هذه هي المسألة الثامنة عشرة. وقد أجاب عنها من أجاب بأن المراد التثبت ودوام الهداية. ولقد أجاب وما أجاب! وذكر فرعًا لا قوام له بدون أصله، وثمرة لا وجود لها بدون حاملها. ونحن نبين بحمد الله أن الأمر فوق ما أجاب به، وأعظم من ذلك بحول الله.

فاعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور وهو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها:

الأمر الأول: معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبًا للرب تعالى مرضيًا له، فيؤثره، وكونه مغضوبًا له مسخوطًا عليه فيجتنبه، فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه.

الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازمًا عليه ومريدًا لترك جميع ما نهى الله. عازمًا على تركه بعد خطوره بالبال مفصلًا، وعازمًا على تركه من حيث الجملة مجملًا. فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة.

الأمر الثالث: أن يكون قائمًا به فعلًا وتركًا. فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه.

فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها:

أحدها: أمور هدي إليها جملة، ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها.

الثاني: أمور هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها.

الثالث: الأمور التي هدى إليها تفصيلًا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها.

فهذه ستة أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه ويتعلق بالماضي أمر سابع وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها، وتبديلها بغيرها، وإذا كان كذلك فإنما يقال: كيف يسأل الهداية وهي موجودة له، ثم يجاب عن ذلك، بأن المراد التثبييت والدوام عليها، إذا كانت هذه المراتب الست حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام، فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده، ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعلية فيه، فالمسؤول هو أصل الهداية على الدوام تعليمًا وتوفيقًا وخلقًا للإرادة فيه وإقدارًا له وخلقًا للفاعلية وتثبيتًا له على ذلك، فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علمًا وعملًا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات.

وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلًا وتفصيلًا وتثبيتًا، ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام، فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يثبت قلوبنا على دينه.

فصل: الإتيان بالضمير في قوله اهدنا

وأما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: { اهدنا الصراط } ضمير جمع. فقد قال بعض الناس في جوابه: أن كل عضو من أعضاء العبد، وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به. فأتى بصيغة الجمع تنزيلًا، لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه. وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فاستركه واستضعفه جدًا، وهو كما قال: فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه، وعضو من أعضائه، والقائل إذا قال: اغفر لي وارحمني واجبرني واصلحني واهدني سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعرلكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظة.

فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله إياك نعبد وإياك نستعين. والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم. فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع، أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية. وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك. فيكون هذا أحسن وأعظم موقعًا عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك ولهذا، لو قال: أنا وحدي مملوكك استدعى مقته، فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم، لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدًا، وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك الاستعانة بك وطلب الهداية منك. فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد. فتأمله، وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } [91] ونحو دعاء آخر البقرة. وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن.

فصل: ما هو الصراط المستقيم

وأما المسألة العشرون، وهي ما هو الصراط المستقيم؟

فتذكر فيه قولًا وجيزًا. فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلًا لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه. بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسوله بالطاعة. فلا يشرك به أحدًا في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول.

وهذا معنى قول بعض العارفين إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته. وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته. والأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله. والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدًا رسول الله. وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق. والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به.

فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها. وهي معنى قول من قال: علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة، ومعنى قول من قال متابعة رسول الله ظاهرًا وباطنًا علمًا وعملًا ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره. وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس. وقول من قال: حب أبي بكر وعمر، وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له. بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم. والله أعلم.

فائدة: بدل البعض وبدل المصدر

في بدل البعض من الكل وبدل المصدر من الاسم وهما جميعًا يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، إلا أن البدل في هذين الموضعين لا بد من إضافته إلى ضمير المبدل منه بخلاف بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.

أما اتفاقهما في المعنى فإنك إذا قلت: رأيت القوم أكثرهم أو نصفهم، فإنما تكلمت بالعموم وأنت تريد الخصوص وهو كثير شائع فأردت بعض القوم وجعلت أكثرهم أو نصفهم تبيينًا لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسم المبدل مضافًا إلى القوم فقد آل الكلام إلى أنك أبدلت شيئًا من شيء وهما لعين واحدة. وكذلك بدل المصدر من الاسم لأن الاسم من حيث كان جوهرًا لا يتعلق به المدح والذم والإعجاب والحب والبغض، إنما متعلق ذلك ونحوه صفات وأعراض قائمة به. فإذا قلت: نفعني عبد الله علمه دل أن الذي نفعك منه صفة وفعل من أفعاله، ثم بينت ذلك الوصف فقلت علمه أو إرشاده أو رويته. فأضفت ذلك إلى ضمير الاسم كما كان الاسم المبدل منه مضافًا إليه في المعنى. فصار التقدير نفعني صفة زيد أو خصلة من خصاله، ثم بينتها بقولك علمه أو إحسانه أو لقاؤه فآل المعنى إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.

وإذا تقرر هذا فلا يصح في بدل الاشتمال أن يكون الثاني جوهرًا، لأنه لا يبدل جوهر من عرض، ولا بد من إضافته إلى ضمير الاسم، لأنه بيان لما هو مضاف إلى ذلك الاسم في التقدير والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: { النار ذات الوقود } [92] إنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه، ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرانط الاشتمال، وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل: أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر: * رضيعَي لِبان ثديِ أُمٍّ تحالفا * على رواية الجر في ثدي أم، أراد لبان ثدي فحذف المضاف.

فائدة بديعة: ولله على الناس حج البيت

قوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا }. [93] حج البيت مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله عى الناس، لأنه وجوب، والوجوب يقتضي على ويجوز أن يكون في قوله ولله، لأنه يتضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير وكان الأحق أن يكون ولله ويرجع الوجه الأول بأن يقال قوله: { على الناس حج البيت أكثر استعمالًا في باب الوجوب من أن يقال: حج البيت لله أي حق واجب لله، فتأمله.

وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول، وليس بخبر، فائدتان:

إحداهما: أنه اسم للموجب للحج فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب. فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع. أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدىء بذكره. والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس. والثالث: النسبة والحق المتعلق به إيجابًا وبهم وجوبًا وأداء وهو الحج.

والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان لله اسمًا سبحانه وجب الاهتمام بتقديمه تعظيمًا لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه وتخويفًا من تضييعه. إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما أوجبه غيره.

وأما قوله من فهي بدل. وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل المصدر كأنه قال: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلًا. وهذا القول يضعف من وجوه:

منها أن الحج فرض عين ولو كان معنى الآية ما ذكروه لأفهم فرض الكفاية، لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم، لأن المعنى يؤول إلي ولله على الناس أن يحج البيت مستطيعهم. فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبًا على غير المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد حج المستطيعون أو قعدوا، ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه. فإذا حج أسقط الفرض عن نفسه، وليس حج المستطيعين بمسقط للفرض عن العاجزين.

وإن أردت زيادة إيضاح فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد. فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب عن غيرهم.

وإذا قلت: واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع كان الوجوب متعلقًا بالجميع، وعذر العاجز بعجزه. ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال: ولله حج البيت على المستطيعين. هذه النكتة البديعة فتأملها.

الوجه الثاني أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إصافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه، وكان يقال: ولله على الناس حج من استطاع. وحمله على باب يعجبني ضرب زيدًا عمرو. مما يفصل به بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول، والظرف حمل على المكثور المرجوح وهي قراءة ابن عامر قتل أولادهم بفتح الدال شركائهم فلا يصار إليه.

وإذا ثبت أن من بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى الناس، كأنه قيل: من استطاع منهم وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن وحسنه ههنا أمور:

منها أن من واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه فارتبطت به.

ومنها أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد. ومثال ذلك. إذا قلت رأيت اخوتك من ذهب إلى السوق، تريد من ذهب منهم لكان قبيحًا، لأن الذاهب إلى السوق أعم من الاخوة، وكذلك لو قلت: البس الثياب ما حسن وجمل، تريد منها ولم تذكر الضمير لكان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب وباب بدل البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه. فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص.

ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول.

وأما المجرور من قوله إليه فيحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون في موضع حال من سبيل كأنه نعت نكرة قدم عليها، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل.

والثاني: أن يكون متعلقًا بسبيل.

فإن قيل: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟

قيل: السبيل كان ههنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما كان فيه رائحة الفعل ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق فصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور، وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت. والبيت هو المقصود به الاعتناء. وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعنى.

هذا تعبير السهيلي وهو بعيد جدًا. بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين ولا يليق بالآية سواه وهو الوجوب المفهوم من قوله على الناس، أي يجب على الناس الحج، فهو حق واجب، وأما تعليقه بالسبيل أو جعله حالًا منها ففي غاية البعد فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال من الآية. وهذا كما يقول لله: عليك الحج ولله عليك الصلاة والزكاة.

ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويجرمه، يذكره بلفظ الأمر والنهي وهو الأكثر أو بلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو: { كتب عليكم الصيام }، [94] { حرمت عليكم الميتة }، [95] { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم }، [96] وفي الحج أتى بهذا النظم الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه:

أحدها: أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص، ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على، ثم أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي سبيل تيسرت من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلًا، ثم اتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: ومن كفر أي بعدم التزام هذا الواجب وتركه، ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره باستغنائه عنه والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو من أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم العالمين عمومًا ولم يقل فإن الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيًا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه عن كل أحد بكل اعتبار، وكان أدل على عظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه. ثم أكد هذا المعنى بأداة إن الدالة على التوكيد.

فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم. وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين. مرة بإسناده إلى عموم الناس. ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين. وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرار الإسناد. ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته.

ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحلتين اعتناءً به وتأكيدًا لشأنه. ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب ذلك منها فقال: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدىً للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا }. [97] فوصفه بخمس صفات:

أحدها: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض.

الثاني: أنه مبارك والبركة كثرة الخير ودوامه وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق.

الثالث: أنه هدى ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى.

الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.

الخامس: الأمن الحاصل لداخله.

وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه والرفعة من قدره. ولو لم يكن له شرف إلا ضافته إياه إلى نفسه بقوله: { وطهر بيتي للطائفين } [98] لكفى بهذه الإضافة فضلًا وشرفًا. وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حبًا له وشوقًا إلى رؤيته فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرًا أبدًا كلما ازدادوا له زيادة، ازدادوا له حبًا وإليه اشتياقًا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل:

أطوف به والنفس بعد مشوقة ** إليه وهل بعد الطواف تداني

وألثم منه الركن أطلب برد ما ** بقلبي من شوق ومن هيمان

فوالله ما أزداد إلا صَبابة ** ولا القلب إلا كثرة الخفقان

فيا جنة المأوى وياغاية المنى ** ويا مُنيتي من دون كل أمان

أبَتْ غلبات الشوق إلا تقربًا ** إليك فما لي بالبعاد يدان

وما كل صَدّي عنك صد ملالة ** ولي شاهد من مقلتي ولساني

دعوتُ اصطباري عنك بعدك والبُكا ** فلبى البكا والصبر عنك عصاني

وقد زعموا أن المحب إذا نأى ** سيَبلى هواه بعد طول زمان

ولو كان هذا الزعم حقًا لكان ذا ** دواء الهوى في الناس كل أوان

بل إنه يبلى التصبر والهوى ** على حاله لم يُبله المَلَوان

وهذا محب قاده الشوق والهوى ** بغير زمامٍ قائدٍ وعنان

أتاك على بُعد المزار ولو وَنَت ** مطيته جاءت به القدمان

فائدة بديعة: يسألونك عن الشهر الحرام

قوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [99] من باب بدل الاشتمال، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم إنهم يقدمون ما هم ببيانه أهمّ وهم به أعنى؟

قيل السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر، وتشنيع أعدائهم عليهم، وانتهاك حرمته، فكان اعتناؤهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال. فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر. فلذلك قدم في الذكر وكان تقديمه مطابقًا لما ذكرنا من القاعدة.

فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر وهلا اكتفى بضميره، فقال: قل هو كبير، وأنت إذا قلت: سألته عن زيد أهو في الدار كان، أوجز من أن تقول أزيد في الدار؟

قيل: في إعادته بلفظ الظاهر نكتة بديعة وهي تعلق الحكم الخبري باسم القتال فيه عمومًا. ولو أتى بالمضمر. وقال: هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال المسؤول عنه. وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام.

ونظير هذه الفائدة قوله صلى الله عليه وسلم: وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». [100] فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله نعم توضؤوا به، لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص. فعدل عن قوله نعم توضؤوا إلى جواب عام يقتضي تعلق الحكم والطهورية بنفس مائه من حيث هو، فأفاد استمرار الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الآية، وبطل توهم قصره على السبب. فتأمله فإنه بديع.

فكذلك في الآية لما قال قتال فيه كبير فجعل الخبر بكبير واقعًا على قتال فيه فيطلق الحكم به على العموم، ولفظ المضمر لا يقتضي ذلك.

وقريب من هذا قوله تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين }، [101] ولم يقل: أجرهم تعليقًا لهذا الحكم بالوصف وهو كونهم مصلحين، وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور.

وقريب منه وهو ألطف معنى قوله تعالى: { يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض }، [102] ولم يقل فيه تعليقًا لحكم الاعتزال بنفس الحيض وأنه هو سبب الاعتزال. وقال تعالى: { قل هو أذى }، ولم يقل الحيض، لأن الآية جارية على الأصل، ولأنه لو كرره لثقل اللفظ لتكرره ثلاث مرات وكان ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالإعتزال أحسن من ذكره مضمرًا ليفيد تعليق الحكم بكونه حيضًا بخلاف قوله: { قل هو أذى } فإنه إخبار بالواقع، والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضًا بخلاف تعليق الحكم به. فإنه إنما يعلم بالشرع فتأمله.

فائدة: مجيء الحال من المضاف إليه

إنما امتنع مجيء الحال من المضاف إليه، لأن الحال شبه الظرف والمفعول. فلا بد لها من عامل ومعنى الإضافة أضعف من لامها. ولامها لا تعمل في ظرف ولو مفعول. فمعناها أولى بعدم العمل.

فإن قلت: فاجعل العامل فيها هو العامل في المضاف.

قلت: هو محال لا يجب اتحاد العامل في الحال وصاحبها، فلو كان العامل فيها هو العامل في المضاف لكانت حالًا منه دون المضاف إليه فتستحيل المسألة. فإما إذا كان المضاف فيه معنى الفعل نحو قولك: هذا ضارب هند قائمة، وأعجبني خروجها راكبة، جاز انتصاب الحال من المضاف إليه، لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حال منه وعلى هذا جاء قوله تعالى: { قال النار مثواكم خالدين فيها }، [103] وقوله: { أولئك أصحاب النار خالدين فيها } [104] فإن ما في مثوى وأصحاب من معنى الفعل يصحح عمله في الحال بخلاف قولك: رأيت غلام هند راكبة فإنه ليس في الغلام شيء من رائحة الفعل. وقد يجوز انتصاب الحال عن المضاف إليه، إذا كان المضاف جزءه أو منزلًا منزلة جزءه نحو رأيت وجه هند قائمة، لأن البعض يجري عليه حكم الكل في اقتضاء العامل له. فجاز أن يعمل في الحال ما يعمل في بعض صاحبها لتنزله منزلته. وسريان حكم البعض إلى الكل لا ينكر لا لغة ولا شرعًا ولا عقلًا. فاللغة نحو هذا ونحو قوله: ذهبت بعض أصابعه وسرقت صدر القناة وتواصفت سور المدينة وهو كثير. وأما الشرع فكسريان العتق في الشقص المشترك. وأما العقل فإن الارتباط الذي بين الجزء والكل يقتضي أن يثبت لأحدهما ما يثبت للآخر وعلى هذا جاء قول الشاعر: * كان حواء منه مدبرًا * وقول حبيب: * والعلم في شهب الأرماح لامعة *

فائدة بديعة: إضمار الناصب

إن قيل كيف يضمرون الناصب في مثل: * للبسُ عباءة وتقرَّ عيني * وبابه، ولا يجوزون إضمار الخافض ولا الجازم، ولا إضمار نواصب الأسماء، وعواملُ الأسماء عندكم أقوى من عوامل الأفعال؟

قيل: نحن لا نجيز إضمار أن الناصبة إلا بإحدى شرائط إما مع الواو العاطفة على مصدر نحو: * تقضي لُبانات ويسأم سائمُ * و * لبس عباءة وتقر عيني * ألا ترى أنك لو جعلت مكان اللبس والتقضي اسمًا غير مصدر فقلت: يعجبني زيد ويذهب عمرو لم يجز، وإنما جاز هذا مع المصدر لأن الفعل المنصوب بأنه مشتق من المصدر ودال عليه بلفظه فكأنك عطفت مصدرًا على مصدر.

فإن قيل: فكان ينبغي أن يستغني بمجرد لفظ الفعل عن ذكر المصدر وإضمار أن فقال: ألبس عباءة وتقر عيني وأقضي لبانات ويسأم سائم؟

قيل: هذا سؤال حسن يستدعي جوابًا قويًا، وقد أجيب عنه بأن الأول لو جعل فعلًا مضارعًا لكان مرفوعًا. فإذا عطفت عليه الثاني شاركه في إعرابه وعامله. ورافع المضارع ضعيف لا يقوى على العمل في الفعلين. فإن العامل في المعطوف والمعطوف عليه واحد ولا يخفى فساد هذا الجواب فإنه منتقض بالطم والرم مما يعطف فيه المضارع على مثله كقوله: زيد يذهب ويركب، وإنما يذهب ويخرج زيد وأمثال ذلك.

فالجواب الصحيح أن يقال: المراد ما في المصدر من الدلالة على ثبوت نفس الحدث، وتعليق الحكم به دون تقييده بزمان دون زمان فلو أتى بالفعل المقيد بالزمان لفات الغرض. ألا ترى أن قولها بولبس عباءة وتقر عيني. المراد به حصول نفس اللبس مع كونها تقر عينها كل وقت شيئًا بعد شيء. فقرة العين مطلوب تجددها بحسب تجدد الأوقات وليس هذا مرادًا في لبس العباءة. وكذا قولك: آكل الشعير وأكف وجهي عن الناس أحب إلي من أكل البر وأبذل وجهي لهم. أفلا ترى تفضيل أكل الشعير على أكل البر ويدوم له كف وجهه عن الناس، كما أن تلك فضلت لبس العباءة على لبس الشفوف وتدوم لها قرة العين. فعلمت أن المقصود ماهية المصدر وحقيقته لا تقييده بزمان دون زمان. ولما كانت أن والفعل تقع موقع المصدر ويؤولان به في الإخبار عنهما كما يخبر عن الاسم نحو قوله: { وأن تصوموا خير لكم }، [105] أي صيامكم أول المصدر بأن والفعل في صحة عطف الفعل عليه وهذا من باب المقابلة والموازنة وقد جاء عطف الفعل على الاسم إذا كان فيه معنى الفعل نحو صافات ويقبضن. وإن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله. ومنه وجيهًا ومن المقربين ويكلم الناس في المهد، لأن الاسم المعطوف عليه لما كان حاملًا للضمير صار بمنزلة الفعل ولو كان مصدرًا لم يجز عطف الفعل عليه إلا بإضمار أن، لأن المصادر لا تتحمل الضمائر.

فإن قيل: فلم جاز عطف الفعل على الاسم الحامل للضمير، ولم يعطف الاسم على الفعل. فتقول: مررت برجل يقعد وقائم، كما تقول: قائم ويقعد.

قيل: هذا سؤال قوي ولما رأى بعض النحاة أنه لا فرق بينهما أجاز ذلك وهو الزجاج فإنه أجازه في معاني القرآن والصحيح أنه قبيح. والفرق بينهما أنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رددت الفرع إلى الأصل، لأن الاسم أصل الفعل، والفعل متفرع عنه فجاز عطف الفعل عليه، لأنه ثان والثواني فروع على الأوائل. وإذا عطفت الاسم على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعًا وجعلته ثانيًا وهو أحق بأن يكون مقدما لأصالته.

وسر المسألة: أن عطف الفعل على الاسم في مثل قوله: { صافات ويقبضن } ومررت برجل قائم، وبقعد أن الاسم معتمد على ما قبله. وإذا كان اسم الفاعل معتمدًا عمل عمل الفعل وجرى مجراه والاعتماد أن يكون نعتًا أو خبرًا، أو حالًا، والذي بعد الواو ليس بمعتمد بل هو اسم محض فيجري مجرى الفعل.

فائدة: مصدر الفعل اللازم

لما كان الفعل اللازم هو الذي لزم فاعله ولم يجاوزه إلى غيره، جاء مصدره مثقلًا بالحركات. إذ المثقل من صفة ما لزم محله، ولم ينتقل عنه إلى غيره. والخفة من صفة المنتقل من محله إلى غيره، فكان خفة اللفظ في هذا الباب وثقله موازنًا للمعنى فما لزم مكانه ومحله فهو الثقيل لفظًا ومعنى، وما جاوزه وتعداه فهو الخفيف لفظًا ومعنى.

ومن ههنا يرجح قول سيبويه: إن دخلت الدار غير متعد، لأن مصدره دخول فهو كالخروج والقعود وبابه، إلا أن الفعل منه لم يجىء على فعل، لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه، فإن كان الفعل عبارة عما هو طبع وخصلة ثابتة نقلوه بضم العين كظرف وكرم، فهذا الباب ألزم للفاعل من باب قعد ودخل فكان أثقل منه لفظًا وباب قعد وخرج ألزم للفاعل من الفعل المتعدي كضرب. فكان أثقل منه مصدرًا، وإن اتفقا في لفظ الفعل.

ولزم مصدر فعل الذي هو طبع وخصلة وزن الفعال، كالجمال والكمال والبهاء والسناء والجلال والعلاء، هذا إذا كان المعنى عاملًا مشتملًا على خصال لا تختص بخصلة واحدة، فإن اختص المعنى بخصلة واحدة صار كالمحدود ولزمته تاء التأنيث، لأنها تدل على نهاية ما دخلت عليه كالضربة من الضرب، وحذفها في هذا الباب وفي أكثر الأبواب. يدل على انتفاء النهاية. ألا ترى أن الضرب يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية، وإنما استحقت التاء ذلك لأن مخرجها منتهى الصوت وغايته فصلحت للغايات، ولذلك قالوا: علامة ونسابة أي غاية في هذا الوصف، فإذا عرفت هذا. فالجمال والكمال كالجنس العام من حيث لم تكن فيه التاء المخصوصة بالتحديد والنهاية، وقولك: ملح ملاحة وفصح فصاحة هو على وزنه إلا في التاء، لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال، وكذلك الملاحة فحددت بالتاء، لأنها ليست بجنس عام كالكمال والجمال فصارت كباب الضربة والثمرة من الضرب والثمر، ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان، وقد قالت له امرأته: إنك لجميل، فقال: أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه: ولكن قولي إنك لمليح ظريف، فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال، فبان صحة ما قلناه.

وعلى هذا قالوا: الحلاوة والأصالة والرجاحة والرزانة والمهابة، وفي ضد ذلك السفاهة والوضاعة والحماقة والرذالة، لأنها كلها خصال محدودة بالإضافة إلى السفال الذي هو في مقابلة العلاء والكمال، لأنه جنس يجمع الأنواع التي تحته، وهذا هو الأصل في هذا الباب، فمتى شذ عنه منه شيء. فلمانع وحكمة أخرى كقولهم: شرف الرجل شرفًا، ولم يقولوا: شرافًا لأن الشرف رفعة في آبائه وهو شيء خارج عنه بخلاف كمل كمالًا، وجمل جمالًا، فإن جماله وكماله وصف قائم به وهذا، لأن شرف مستعار من شرف الأرض وهو ما ارتفع منها فاستعير للرجل الرفيع في قومه كأن آباءه الذين ذكر بهم وارتفع بسببهم شرف له.

وكذلك قولهم في هذا الباب الحسب، لأنه من باب القبص والنقص والقنص لا من باب المصادر لأن الحسب ما يحسبه الإنسان ويعده لنفسه من الخصال الحميدة والأخلاق الشريفة. واستحق الاسم الشامل في هذا الباب اسم الفعال بفتح الفاء والعين وبعدهما ألف وهي فتح ليكون اللفظ الذي يتوالى فيه الفتح موازنًا لانفتاح المعنى واتساعه، ولذلك اطرد في الجمع الكثير نحو مفاعل وفعايل وبابه واطرد في باب تفاعل نحو تقاتل وتخاصم وتمارض وتغافل وتناوم، لأنه إظهار الأمر ونشر له.

ومن هذا الباب حلم فإنه يوافقه في وجه ويخالفه في وجه، لأنه يدل على إثبات الصفة، فوافق شرف وكرم في الضم وخالفه في المصدر لمخالفته له في المعنى، لأنه صفة تقتضي كف النفس وجمعها عن الانتقام والمعاقبة، ولا يقتضي انفتاحًا ولا انتشًارا فقالوا: حلم لأنه من بناء الخصال والطبائع. وقالوا: حلماء، لأن الصفة صفة جمع النفس وضمها وعدم إرسالها في الانتقام فتأمله. ومن هذا الباب كبر وصغر موافق لما قبله في الفعل مخالف له في المصدر، لأن الكبر والصغر عبارة عن اجتماع أجزاء الحمم في قلة أو كثرة، وليس من الصفات والأحداث المنتشرة. وهذا تنبيه لطيف على ما هو أضعاف ذلك.

فائدة: فعل المطاوعة

فعل المطاوعة هو الواقع مسببًا عن سبب اقتضاه نحو كسرته فانكسر. فزيدت النون في أوله قبل الحروف الأصلية ساكنة كيلا يتوالى الحركات، ثم وصل إليها بهمزة الوصل. وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازنة للمعاني الزائدة على معنى الكلمة. فإن كان المعنى الزائد مترتبًا قبل المعنى الأصلي كانت الحروف الزائدة قبل الحروف الأصلية كالنون في الفعل، وكحروف المضارعة في بابها، وإن كان المعنى الزائد في الكلمة آخرًا كان الحرف الزائد على الحروف الأصلية آخرًا، كعلامة التأنيث وعلامة التثنية الجمع.

ومن هذا الباب تفعلل وتفاعل. وأما تفعل فلا يتعدى البتة، لأن التاء فيه بمثابة النون في الفعل إلا أنهم خصوا الرباعي بالتاء وخصوا الثلاثي بالنون فرقًا بينهما ولم تكن التاء هنا ساكنة كالنون لسكون عين الفعل. فلم يلزم منها من توالي الحركات ما لزم هناك.

وأما تفاعل فقد توجد متعدية لأنها لا يراد بها المطاوعة كما أريد بتفعلل، وإنما هو فعل دخلته التاء زيادة على فاعل المتعدي فصار حكمه إن كان متعديًا إلى مفعولين قبل دخول التاء، أن يتعدى بعد دخول التاء إلى مفعول نحو نازعت زيدًا الحديث، ثم تقول، وتنازعنا الحديث، وإن كان متعديًا إلى مفعول لم يتعد بعد دخول التاء إلى شيء نحو خاصمت زيدًا وتخاصمنا.

وهذا عكس دخول همزة التعدية على الفعل فإنها تزيده واحدًا أبدًا، وإن كان لازمًا صيرته متعديًا إلى مفعول، وإن كان متعديًا إلى واحد صيرته متعديًا إلى اثنين، وأما أحمر واحمار ففعل مشتق من الاسم كانتعل من النعل، وتمسكن من المسكن، وتمدرع وتمندل وتمنطق.

وزعم الخطابي أن معنى أحمر مخالف لمعنى احمار وبابه، وذهب إلى أن أفعل يقال فيما لم يخالطه لون آخر وأفعال. يقال لما خالطه لون آخر وهو ثقة في نقله والقياس يقتضي ما ذكر، لأن الألف لم يزد في إضاف حروف الكلمة إلا لدخول معنى زائد بين إضعاف معناها، والذي قاله غيره أحسن من هذا وهو أن أحمر يقال لما أحمر وهلة نحو أحمر الثوب ونحوه.

وأما احمارَّ فيقال لما يبدو فيه اللون شيئًا بعد شيء على التدريح نحو احمار البسر واصفار، ويدخل أفعل في هذا على أفعال. فيقال: احمر البسر، إذا تكامل لون الحمرة فيه واحمار، إذا ابتدأ صاعدًا إلى كماله.

فائدة: المتعدي إلى مفعولين

اختلفوا في المتعدي إلى مفعولين من باب كسى هل هو قياسي بالهمزة أم سماعي؟ والثاني قول سيبويه وهو الصحيح، فإنك لا تقول: آكلت زيدًا الخبز، ولا آخذته الدراهم، ولا أطلقت زيدًا امرأته وأعتقته عبده، ولكن ينبغي التفطن لضابط حسن وهو أنه ينظر إلى كل فعل منه في الفاعل صفة ما، فهو الذي يجوز فيه النقل، لأنك إذا قلت: أفعلته فإنما تعني جعلته على هذه الصفة، وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إذا كان ثلاثيًا. نحو قعد وأقعدته، وطال وأطلته.

وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعل منه صفة في نفسه، ولا يكون اعتماده في الثاني على المفعول فيجوز نقله مثل طعم زيد الخبز وأطعمته، وكذلك جرع الماء وأجرعته، وكذلك بلع وشم وسمع وذلك، لأنها كلها تجعل في الفاعل منها صفة في نفسه غير خارجة عنه، ولذلك جاءت أو أكثرها على فعل بكسر العين مشابهة لباب فزع وحذر وحزن ومرض إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل وغموض معنى. ولذلك كانت حركة العين كسرة، لأن الكسرة خفض للصوت وإخفاء له فشاكل اللفظ المعنى. ومن هذا الباب لبس الثوب وألبسته إياه، لأن الفعل وإن كان متعديًا فحاصل معناه في نفس الفاعل كأنه لم يفعل بالثوب شيئًا، وإنما فعل بلابسه. ولذلك جاء على فعل مقابلة عرى وقالوا: كسوته الثوب ولم يقولوا: أكسيته إياه وإن كان اللازم منه كسى. ومنه: * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي * فهذا من كسى يكسي لا من كسا يكسو. وسر ذلك أن الكسوة ستر للعورة فجاء على وزن سترته وحجبته، فعدوه بتغيير الحركة لا بزيادة الهمزة.

وأما أكل وأخذ وضرب فلا ينقل، لأن الفعل واقع بالمفعول ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة، فلا تقول: أضربت زيدًا عمرًا وأقتلته خالدًا، لأنك لم تجعله على صفة في نفسك كما تقدم.

وأما أعطيته فمنقول من عطا يعطو إذا أشار للتناول وليس معناه الأخذ والتناول. ألا تراهم يقولون: عاط بغير أنواط، أي يشير إلى التناول من غير شيء فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل لشيء. فلذلك نقل كما نقل المتعدي لقربه منه فقالوا: أعطيته أي جعلته عاطيًا.

وأما أنلت من نال المتعدية وهي بمنزلة عطا يعطو لا تنبىء إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: { لن ينال الله لحومها }، [106] ولو كان فعلًا مؤثرًا في مفعوله لم يجز هذا، إنما هو شيء منبىء عن الوصول فقط، أو ما أتيت المال زيدًا، فمنقول من أتى، لأنها غير مؤثرة في المفعول وقد حصل منها في الفاعل صفة.

فإن قيل: يلزمك أن تجيز أتيت زيدًا عمرًا أو المدينة أي جعلته يأتيها؟

قلت: بينهما فرق وهو أن ايتاء المال كسب وتمليك فلما اقترن به هذا المعنى صار كقوله أكسبته مالًا أو ملكته إياه وليس كقولك: آتي عمرًا.

وأما شرب زيد الماء فلم يقولوا فيه: أشربته الماء، لأنه بمثابة الأكل والأخذ ومعظم أثره في المفعول، وإن كان قد جاء على فعل كبلع، ولكنه ليس مثله إلا أن يريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصل من الشرب صفة من الشارب. فيجوز حينئذ نحو قوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل }، [107] وعلى هذا يقال: أشربت الدهن الخبز، لأن شرب الخبز الدهن ليس كشرب زيد الماء فتأمله.

وأما ذكر زيد عمرًا فإن كان في ذكر اللسان لم ينقل، لأنه بمنزلة شتم ولطم وإن كان من ذكر القلب نقل فقلت أذكرته الحديث بمنزلة أفهته وأعلمته أي جعلته على هذه الصفة.

فائدة: اخترت يتعدى بحرف الجر

اخترت: أصله أن يتعدى بحرف الجر وهو من، لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء. وجاء محذوفًا في قوله تعالى: { واختار موسى قومه }، [108] لتضمن الفعل معـنا فعل غير متعد كأنه نخل قومه وميزهم وسبرهم ونحو ذلك. فمن ههنا والله أعلم أسقط حرف الجر كما سقط من أمرتك الخير أي ألزمتك وكلفتك، لأن الأمر إلزام وتكليف. ومنه تمرون الديار أي تعدونها وتجاوزونها. ومنه رحبتك الديار أي وسعتك.

فائدة: تقديم المجرور وتأخير المفعول

الاختيار تقديم المجرور في باب اخترت وتأخير المفعول المجرد عن حرف الجر. فتقول: اخترت من الرجال زيدًا ويجوز فيه التأخير. فإذا أسقطت الحرف لم يحسن تأخير ما كان مجرورًا به في الأصل فيقبح أن تقول: اخترت زيدًا الرجال، واخترت عشرة الرجال أي من الرجال لما يوهم من كون المجرور في موضع النعت للعشرة، وإنه ليس في موضع المفعول الثاني، وأيضا فإن الرجال معرفة فهو أحق بالتقديم للاهتمام به كما لزم في تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك: في الدار رجل لكون المجرور معرفة وكأنه المخبر عنه. فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بد من التقديم للاسم الذي كان مجرورًا نحو اخترت الرجال عشرة.

والحكمة في ذلك أن المعنى الداعي الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ فم يقو على حذف حرف الجر إلا مع اتصاله به وقربه منه.

ووجه ثان وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض، ثم ولي الفعل الذي هو اخترت توهم أنه مختار منه أيضا لأن كل ما يتبعض يجوز فيه أن يختار منه وأن يختار، فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه وكان أولى بذلك لما سبق من القول. فإن كان مما لا يتبعض نحو زيد وعمرو، فربما جاز على قلة في الكلام نحو قوله: * ومنا الذي اختير الرجال سماحة * وليس هذا كقولك: اخترت فرسًا الخيل، لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعض مثله ويختار منه وزيد من حيث كان جسمًا يتبعض، ومن حيث كان علمًا على شيء بعينه لا يتبعض فتأمل هذا الموضع.

فائدة بديعة: استغفر زيد ربه ذنبه

قولهم: استغفر زيد ربه ذنبه، فيه ثلاثة أوجه. أحدها: هذا. والثاني: استغفره من ذنبه. والثالث: استغفره لذنبه وهذا موضع يحتاج إلى تدقيق نظر وأنه هل الأصل حرف الجر وسقوطه داخل عليه؟ أو الأصل سقوطه وتعديه بنفسه وتعديته بالحرف مضمن هذا مما ينبغي تحقيقه. فقال السهيلي: الأصل فيه سقوط حرف الجر. وأن يكون الذنب نفسه مفعولًا بأستغفر غير متعد بحرف الجر، لأنه من غفرت الشيء إذا غطيته وسترته مع أن الاسم الأول هو فاعل بالحقيقة وهو الغافر.

ثم أورد على نفسه سؤالًا فقال: فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل فيلزمكم أن تكون من زائدة كما قال الكسائي. وقد قال سيبويه والزجاجي: أن الأصل حرف الجر، ثم حذف فنصب الفعل. وأجاب بأن سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو غفر. وأم استغفر ففي ضمن الكلام ما لا بد منه من حرف الجر، لأنك لا تطلب غفرًا مجردًا من معنى التوبة والخروج من الذنب، وإنما تريد بالاستغفار خروجًا من الذنب وتطهيرًا منه. فلزمت من في هذا الكلام لهذا المعنى فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ، فإن حذفتها تعدى الفعل فنصب وكان بمنزلة أمرتك الخير.

فإن قيل: فما قولكم في نحو قوله تعالى: { يغفر لكم من ذنوبكم } [109] و { نغفر لكم خطاياكم }؟ [110]

قلنا هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والإخراج من الذنوب فدخلت منه لتؤذن بهذا المعنى، ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل والمفعول الذي هو الذنب نحو قوله: ( لكم ) لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان. ولو قلت: يغفر من ذنوبكم دون أن يذكر الاسم المجرور. لم يحسن إلا على معنى التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه.

فإن قلت: فقد قال تعالى: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا }، [111] وفي سورة الصف: { يغفر لكم ذنوبكم }، [112] فما الحكمة في سقوطها هنا وما الفرق؟

قلت: هذا إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بأيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب وهي غير محبطة كإحباط الكفر المهلك للكافر فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ إذ ليس، ثم إحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما يتضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب، لأن الحسنات يذهبن السيئات بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم ويخلصهم مما أحاط بهم من الذنوب وهو الكفر. ففي ضمن ذلك الإعلام والإشارة بأنهم واقعون في مهلكة قد أحاطت بهم. وأن لا ينقذهم منها إلا المغفرة المتضمنة للإنقاذ الذي هو أخص من الإبطال والإذهاب. وأما المؤمنون فقد أنقذوا.

وأما قوله تعالى: { يكفر عنكم من سيئاتكم }، فهي في موضع من التي للتبعيض، لأن الآية في سياق ثواب الصدقة فإنه قال: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم }، [113] والصدقة لا تذهب جميع الذنوب.

ومن هذا النحو قوله صلى الله عليه وسلم: «فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». فأدخل عن في الكلام إيذانًا بمعنى الخروج عن اليمين لما ذكر الفاعل وهو الخارج فكأنه قال: فليخرج بالكفارة عن يمينه ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: { ذلك كفارة أيمانكم } لم يذكر من وأضاف الكفارة إلا الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وإن كانت الأيمان لا تكفر، وإنما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة حل لعقد اليمين. فمن هنالك أضيفت إلى اليمين، كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له. والله أعلم.

فائدة: ألبست زيدا الثوب

قولك: ألبست زيدًا الثوب ليس الثوب منتصبًا بألبست كما هو السابق إلى الأوهام لما تقدم. من أنك لا تنقل الفعل عن الفاعل ويصير الفاعل مفعولًا حتى يكون الفعل حاصلًا في الفاعل، ولكن المفعول الثاني منتصب بما تضمنه ألبست من معنى، لبس فهو منتصب بما كان منتصبًا به قبل دخول الهمزة والنقل. وذلك أنهم اعتقدوا طرحها حين كانت زائدة، كما فعلوا في تصغير حميد وزهير. ومنه قولهم: أحببت حبيبًا فجاؤوا بحبيب على اعتقاد طرح الهمزة وهي لغية. ومنه أدرست البيت فهو دارس على تقدير درسته. ومنه: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا }، [114] فجاء المصدر على نبت.

ومما يوضح هذا أنهم أعلوا الفعل. فقالوا: أطال الصلاة وأقامها مراعاة لإعلاله قبل دخول الهمزة. ولهذا حيث نقلوه في التعجب. فاعتقدوا إثبات الهمزة لم يعدوه إلى مفعول ثان. بل قالوا: ما أضرب زيدًا لعمرو باللام، لأن التعجب تعظيم لصفة المتعجب منه. وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم ينقل، ومن ثم صححوه في التعجب فقالوا: ما أقومه وأطوله، حيث لم يعتقدوا سقوط الهمزة، كما صححوا الفعل من استحوذ واستنوق الجمل حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة غير عارضة. والله أعلم.

فائدة: حذف الباء من أمرتك الخير

حذف الباء من أمرتك الخير ونحوه إنما يكون بشرطين:

أحدهما: اتصال الفعل بالمجرور. فإن تباعد منه لم يكن بد من الباء نحو أمرت الرجل يوم الجمعة بالخير، لأن المعنى الذي من أجله حذفت الباء معنى وليس بلفظ وهو تضمنها معنى كلفتك. فلم يقو على الحذف إلا مع القرب من الاسم كما كان ذلك في اخترت. ألا ترى إلى قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم }، [115] كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال بالصلة وكذلك: { يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها }، [116] على أحد القولين أي يخرج لنا من بقل الأرض وقثائها. وقوله: { مما تنبت } توطئة وتمهيد. والقول الثاني أنها متعلقة بقوله: { تنبت } أي ما تنبت من هذا الجنس. فمن الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس، وهذا الثاني أظهر فإذا أعيد حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول فإثبات الحرف من نحو أمرتك الخير إذا طال الاسم أجدر.

الشرط الثاني: أن يكون المأمور به حدثًا. فإن قلت: أمرتك بزيد لم يحذف، لأن الأمر في الحقيقة ليس به، وإنما هو على غيره. كأنك قلت، أمرتك بضربه أو إكرامه. وأما نهيتك عن الشر فلا يحذف الحرف منه، لأنه ليس في الكلام ما يتضمن الفعل الناصب، لأن النهي عنه كف وزجر وإبعاد وهذه المعاني التي يتضمنها نهي تطلب من الحرف ما يطلبه نهي بخلاف أمر فإنه كلف وألزم لا تطلب الباء.

فائدة بديعة: أصل وضع عرفت كذا

قولهم: عرفت، كذا أصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفردًا عن غيره. وهذه المادة تقتضي العلو والظهور كعرف الشيء لأعلاه ومنه الأعراف ومنه عرف الديك.

وأما علمت فموضوعة للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة. ومعنى التركيب فيها إضافة الصفة إلى المحل وذلك أنك تعرف زيدًا على حدته. وتعرف معنى القيام على حدته، ثم تضيف القيام إلى زيد. فإضافة القيام إلى زيد هو التركيب وهو متعلق العلم.

فإذا قلت: علمت فمطلوبها ثلاثة معان محل وصفة وإضافة الصفة إلى المحل، وهن ثلاث معلومات. إذا عرف هذا فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله سبحانه إلا العلم لا المعرفة، لأن علمه متعلق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلقًا واحدًا بخلاف علم المحدثين. فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم بشيء آخر.

وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلم واحد، وأن علمه بصدق في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين علمه بكذب مسيلمة. والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول وأن العلوم متكثرة متغايرة بتكثر المعلومات وتغايرها، فلكل معلوم علم يخصه. ولإبطال قول أولئك وذكر الأدلة الراجحة على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به. وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه تعالى وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلى الإفراد والتركيب في متعلق العلم، وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها فإنها في مجاري استعمالها، إنما تستعمل فيما سبق تصوره من نسيان أو ذهول أو عزوب عن القلب. فإذا تصور وحصل في الذهن قيل: عرفه، أو وصف له صفته ولم يره. فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل: عرفه ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينت أنه هو قلت: عرفته، وكذلك عرفت اللفظة وعرفت الديار وعرفت المنزل وعرفت الطريق.

وسر المسألة: أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره. فاشتبه، فالمعرفة تمييز له وتعيين ومن هذا قوله تعالى: { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم }، [117] فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته، وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله. وقد بسطنا هذا في كتاب التحفة المكية وذكرنا فيها من الأسرار والفوائد ما لا يكاد يشتمل عليه مصنف.

وأما ما زعموا من قولهم إن علمت قد يكون بمعنى عرفت واستشهادهم بنحو قوله تعالى: { لا تعلمهم نحن نعلمهم }، [118] وبقوله: { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم }، فالذي دعاهم إلى ذلك، أنهم رأوا علمت قد تعدت إلى مفعول واحد. وهذا هو حقيقة العرفان. فاستشهاد ظاهر على أنه قد قال بعض الناس: إن تعدي فعل العلم في هذه الآيات وأمثالها إلى مفعول واحد لا يخرجها عن كونها علمًا على الحقيقة. فإنها لا تتعدى إلى مفعول واحد على نحو تعدى عرفت، ولكن على جهة الحذف والاختصار فقوله: لا تعلمهم نحو نعلمهم لا تنفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم، وإنما تنفي عنه العلم بعدوانهم ونفاقهم، وما تقدم من الكلام يدلك على ذلك، وكذلك قوله: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم، فربما كانوا يعرفونهم ولا يعلمونهم أعداء لهم، فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف لا بعينه وذاته. قال: هذا وإنما مثل من يقول: إن علمت بمعنى عرفت من أجل أنها متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ كمثل من يقول: إن سألت يتعدى إلى غير العقلاء بقولهم: سألت الحائط وسألت الدار ويحتج بقوله: واسأل القرية، قال: وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف، وكذلك ما تقدم.

وليس ما قاله هؤلاء بقوي. فإن الله سبحانه نفى عن رسوله معرفة أعيان أولئك المنافقين، هذا صريح اللفظ، وإنما جاء نفي معرفة نفاقهم من جهة اللزوم، فهو صلى الله عليه وسلم كان يعلم وجود النفاق في أشخاص معينين وهو موجود في غيرهم، ولا يعرف أعيانهم. وليس المراد أن أشخاصهم كانت معلومة له معروفة عنده وقد انطووا على النفاق وهو لا يعلم ذلك فيهم، فإن اللفظ لم يدل على ذلك بوجه.

والظاهر بل المتعين أنه صلى الله عليه وسلم لو عرف أشخاصهم لعرفهم بسيماهم وفي لحن القول: ولم يكن يخفى عليه نفاق من يظهر له الإسلام ويبطن عداوته وعداوة الله عز وجل. والذي يزيد هذا وضوحًا الآية الأخرى فإن قوله: { ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم }، [119] فيهم قولان:

أحدهما: أنهم الجن المظاهرون لأعدائهم من الإنس على محاربة الله ورسوله وعلى هذا. فالآية نص في أن العلم فيها بمعنى المعرفة، ولا يمكن أن يقال: إنهم كانوا عارفين بأشخاص أولئك جاهلين عداوتهم كما أمكن مثله في الإنس.

والقول الثاني أنهم المنافقون وعلى هذا فقوله: لا تعلمونهم إنما ينبغي حمله على معرفة أشخاصهم لا على معرفة نفاقهم، لأنهم كانوا عالمين بنفاق كثير من المنافقين يعلمون نفاقهم ولا يشكون فيه. فلا يجوز أن ينفي عنهم علم ما هم عالمون به. وإنما ينفي عنهم معرفة أشخاص من هذا الضرب. فيكون كقوله تعالى: { لا تعلمهم نحن نعلمهم } فتأمله.

ويزيده وضوحًا أن هذه الأفعال لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين بخلاف باب أعطى وكسى للعلة المذكورة هناك وهي تعلق هذه الأفعال بالنسبة. فلا بد من ذكر المنتسبين بخلاف باب أعطى فإنه لم يتعلق بنسبة، فيصح الاقتصار فيه على أحد مفعولين وهذا واضح كما تراه والله أعلم.

وأما تنظيرهم بـ"سألتُ الحائط والدار" فيا بعد ما بينهما، فإن هذا سؤال بلسان الحال وهو كثير في كلامهم جدًا على أنه لا يمتنع أن يكون سؤالًا بلسان المقال صريحًا. كما يقول الرجل للدار الخربة. ليت شعري ما فعل أهلك. وليت شعري ما صيرك إلى هذه الحال! وليس هذا سؤال استعلام بل سؤال تعجب وتفجع وتحزن.

وأما قوله: { واسأل القرية } فالقرية إن كانت هنا اسمًا للسكان كما هو المراد بها في أكثر القرآن والكلام، فلا مجاز ولا حذف وإن كان المراد بها المسكن. فعلى حذف المضاف فأين التسوية والتنظير.

تنبيه

قولهم: علمت وظننت يتعدى إلى مفعولين ليس هنا مفعولان في الحقيقة. وإنما هو المبتدأ والخبر وهو حديث إما معلوم. وإما مظنون فكان حق الاسم الأول أن يرتفع بالابتداء والثاني بالخبر ويلغي الفعل لأنه لا تأثير له في الاسم، إنما التأثير لعرفت الواقعة على الاسم المفرد تعيينًا وتمييزًا ولكن أرادوا تثبيت علمت بالجملة التي هي الحديث كيلا يتوهم الانقطاع بين المبتدأ وبين ما قبله، لأن الابتداء عامل في الاسم وقاطع له مما قبله. وهم إنما يريدون إعلام المخاطب بأن هذا الحديث معلوم، فكان أعمال علمت فيه ونصبه له إظهارًا لتشبثها ولم يكن عملهما في أحد الاسمين أولى من الآخر. فعملت فيهما جميعًا.

وكذلك ظننت لأنه لا يتحدث بحديث حتى يكون عند المتكلم إما مظنونًا، وإما معلومًا، فإن كان مشكوكًا فيه أو مجهولًا عنده لم يسعه التحدث به، فمن ثم لم يعملوا شككت ولا جهلت فيما عملت فيه ظننت، لأن الشك تردد بين أمرين من غير اعتماد على أحدهما بخلاف الظن فإنه معتمد على أحد الأمرين. وأما العلم فأنت فيه قاطع بأحدهما، ومن ثم تعدى الشك بحرف في، لأنه مستعار من شككت الحائط بالمسمار وشك الحائط إيلاج فيه من غير ميل إلى أحد الجانبين، كما أن الشك في الحديث تردد فيه من غير ترجيح لأحد الجانبين.

ونظير أعماله علمت وأخواتها في المبتدإ والخبر اللذين هما بمعنى الحديث أعمالهم كان وأخواتها في الجملة. وإنما كان أصلها أن ترفع فاعلًا واحدًا نحو كان الأمر أي حدث، فلما خلعوا منها معنى الحدث ولم يبق فيها إلا معنى الزمان، ثم أرادوا أن يخبروا بها عن الحدث الذي هو زيد قائم أي زمان هذا الحدث ماض أو مستقبل أعملوها في الجملة ليظهر تشبثها بها ولئلا يتوهم انقطاعها عنها، لأن الجملة قائمة بنفسها وكان كلمة يوقف عليها، أو يكون خبرًا عما قبلها. فكان عملها في الجملة دليلًا على تشبثها بها وإنها خبر عن هذا الحدث، ولم تكن لتنصب الاسمين لأن أصلها أن ترفع ما بعدها، ولم تكن لترفعهما معًا فلا يظهر عملها، ولذلك رفعت أحدهما ونصبت الآخر.

نعم، ومنهم من يقول: كان زيد قائم فيجعل الحديث هو الفاعل لكان فيكون معمولها معنويًا لا لفظيًا كأنك قلت: كان هذا الحديث، و(إن) أضمرت الشأن والحديث، ودلت عليه قرينة الحال والمسألة على حالها، لأن الجملة حينئذ بدل من ذلك الضمير، لأنها في معنى الحديث. وذلك الحديث هو الأمر المضمر. فهذا بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.

ونظير هذا المعمول المعنوي الذي هو الحديث معمول علمت وظننت إذا الغيت نحو زيد ظننت قائم كأنك قلت: ظننت هذا الحديث فلم تعملها لفظًا، إنما أعملتها معنى.

ومن هذا الباب إعمالهم إن وأخواتها، وإنما دخلت لمعان في الجملة والحديث: ألا ترى أن كلمة أن وأخواتها كلمات يصح الوقف عليها، لأن حروفها ثلاثة فصاعدًا كما قال: *.. فقلت: إنه * وقال آخر: * ليت شعري وأين مِني ليتُ * وقال حبيب: * عسى وطن يدنو بهم ولعلما *

وإذا كان هذا حكمها، فلو رفع ما بعدها على الأصل بالابتداء لم يظهر تشبثها بالحديث الذي دخلت لمعنى فيه. فكان إعمالها في الاسم المبتدإ إظهارًا لتشبثها بالجملة كي لا يتوهم انقطاعها عنها وكان عملها نصبًا، لأن المعاني التي تضمنتها لو لفظ بها لنصبت نحو أؤكد وأترجى وأتمنى. وليست هذه المعاني مضافة إلى الاسم المخبر عنه، ولكن الحديث هو المؤكدة والمتمني والمترجي فكان عملها نصبًا بها وبقي الاسم الآخر مرفوعًا لم تعمل فيه حيث لم تكن أفعالًا كعلمت وظننت فتعمل في الجملة كلها.

وأيضا أرادوا إظهار تشبثها بالجملة، فاكتفوا بتأثيرها في الاسم الأول يدلك على أنها لم تعمل في الاسم الثاني أنه لا يليها لأنه لا يلي العامل ما عمل فيه غيره. فلو عملت فيه لوليها كما يلي كان خبرها ويلي الفعل مفعوله.

نعم، ومن العرب من أعملها في الاسمين جميعًا وهو أقوى في القياس، لأنها دخلت لمعان في الجملة، فليس أحد الاسمين أولى بأن تعمل فيه من الآخر قال:

إن العجوزَ خَبّةً جَروزًا ** تأكل كل ليلة قَفيزا

وقال:

كان أُذنيه إذا تشوَّفا ** قادمةً أو قلما محرفا

وقال:

وليس هذا من باب حذف فعل التشبيه كما قال بعضهم: فإن هذا لغة قائمة بنفسها.

واعلم أن معاني هذه الحروف لا تعمل في حال ولا ظرف، ولا يتعلق بها مجرور لأنها معان في نفس المتكلم كالاستفهام والنفي وسائر المعاني التي جعلت الحروف إمارات لها وليس لها وجود في اللفظ فإذا قلت: هل زيد قائم؟ فمعناه استفهم عن هذا الحديث، وكذلك لا معناها النفي، وكذلك ليس، ولذلك لما أرادوا تشبثها بالجملة لم ينصبوا بها الاسم الأول كما نصبوا بأن حيث لم يكن معناها يقتضي نصبًا إذا لفظ به كما يقتضي معنى أن لعل إذا لفظ به.

وأما كأن للتشبيه فمفارقة لأخواتها من جهة أنها تدل على التشبيه وهو معنى في نفس المتكلم واقع على الاسم الذي بعدها فكأنك تخبر عن الاسم أنه يشبه غيره فصار معنى التشبيه مسندًا إلى الاسم بعدها كما أن معاني الأفعال مسندة إلى الأسماء بعدها. فمن ثم عملت في الحال والظرف تقول: كأن زيدًا يوم الجمعة أمير فيعمل التشبيه في الظرف. ومن ذلك قوله:

كأنه خارجًا من جنب صفحته ** سفودُ شربٍ نَسُوه عند مُفتأدِ

ومن ثم وقعت في موضع الحال والنعت كما تقع الأفعال المخبر بها عن الأسماء تقول: مررت برجل كأنه أسد وجاءني رجل كأنه أمير. وليس ذلك في أخواتها، لأنها لا تكون في موضع نعت، ولا في موضع حال. بل لها صدر الكلام كما لحروف الشرط والاستفهام، لأنها داخلة لمعان في الجمل فانقطعت عما قبلها، وإنما كانت كأن مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه من حيث كانت مركبة من كاف التشبيه وأن التي للتوكيد. وكان أصلها أن زيدًا الأسد أي مثل الأسد، ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكد بأن لتؤذن أن الحديث مشبه به. وحكم أن إذا أدخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها فصار اللفظ بها كأن زيدًا الأسد.

فلما في الكلمة من التشبيه المخبر به عن زيد صار زيد بمنزلة من أخبر عنه بالفعل فوقع موقع النعت والحال وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات، ومن حيث كان في الكلمة معنى أن دخلت في هذا الباب ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: كأن زيدًا يقوم. والجملة نحو كأن زيدًا أبوه أمير. ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا، لأن الاسم لا يشبه بفعل ولا بجملة. ولكنه حديث مؤكد بأن والكاف تدل على أن خبرًا أشبه من خبر وذلك الخبر المشبه هو الذي عليه زيد فكان المعنى زيد قائم وكأنه قاعد وزيد أبوه وضيع وكأنه أبوه أمير فشبهت حديثًا بحديث. والذي يؤكد الحديث أن والذي يدل على التشبيه الكاف فلم يكن بد من اجتماعهما.

فصل: حروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيه ما بعدها

وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن بعمل فيه ما بعدها لفظًا أو معنى. أما اللفظ. فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد وهذه الحروف عوامل. وأما المعنى فلا تقول: سرني زيد قائم أي سرني هذا الحديث ولا كرهت زيد قائم أي كرهت هذا الحديث كما يكون ذلك في كان وليس، لأنها ليست بفعل محض فجاز أن تقول: كان زيد قائم أي كان هذا الحديث. ولم يجز في سرني ولا بلغني. فإن أدخلت ليت، أو لعل، أو إن المكسورة لم يجز أيضا، لأن هذه المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع بعدها فعل يعمل ولا يلغى فإن جئت بأن المفتوحة قلت: بلغني أن زيدًا منطلق فأعملت الفعل في معمول معنوي وهو الحديث، لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى، وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه أن. ولا بد له من معمول فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه أن. وكذلك كرهت أن زيدًا منطلق المفعول هو الحديث وهو معنى لا لفظ.

فإن قيل: ولم لا جعلوا لأن المفتوحة صدر الكلام كما جعلوا لليت ولعل ولجميع الحروف الداخلة على الجمل؟

قيل: ليس في أن معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد. وتوكيد الشيء بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه، فصح أن يكون الحديث المؤكد بها معمولًا لما قبلها حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها فتسلط العامل الذي قبلها على الحديث ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه عنه كما كان ذلك في غيرها، فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعارًا بتجريد المعنى الذي هو التوكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها، فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى إلا أنهم أرادوا توطئة الجملة، لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وإن صيروها في معنى الحديث فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة لتؤذن بالابتداء والانقطاع عما قبل. وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره، وكان الكسر في هذا الموطن أولى، لأنه أثقل من الفتح والثقل أولى أن يعتمد عليه ويصدر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد كلام لخفته وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجمامه، مع أن المفتوحة قد يليها الضم والكسر كقولك لأنك وعلمت أنك فلو كسرت لتوالي الثقل.

فإن قيل: فما المانع أن تكون هي وما بعدها في موضع الابتداء كما كانت في موضع الفاعل والمفعول والمجرور. أليس قد صيرت الجملة في معنى الحديث فهلا تقول: إنك منطلق يعجبني وما الفرق بينها وبين أن التي هي وما بعدها في تأويل الاسم. نحو أن تقوم خير من أن تجلس فلم تكون تلك في موضع المبتدأ ولا تكون هذه كذلك؟

قيل: إن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي. والعامل المعنوي لولا أثره في المعمول اللفظي لما عقل. وهذه الجملة المؤكدة بأن إنما يصح أن تكون معمولًا لعامل لفظي، لأن المعمول معنى أيضا. فهذا لا يفهمه المخاطب ولا يصل إلى علمه إلا بوحي. فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة في موضع المبتدأ، لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثم لم تدخل عليه عوامل الابتداء من كان وأخواتها وإن وأخواتها، لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة عن حرف يصير الجملة في معنى الحديث المعمول فيه، فلا تقول كان إنك منطلق لا حاجة إلى أن مع عمل هذه الحروف في الجملة.

وجواب آخر وهو أنهم لو جعلوها في موضع الابتداء لم يسبق إلى الذهن إلا الاعتمادعلى مجرد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها فكانت تكسر همزتها. وقد تقدم أن الكسر إشعار بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو التوكيد. فلم يتصور فتحها في الابتداء إلا بتقديم عامل لفظي يدل على المراد بفتحها، لأن العامل اللفظي يطلب معموله فإن وجده لفظًا غير ممنوع منه وإلا تسلط على المعنى والابتداء بخلاف هذا.

فإن قيل: فلم قالوا: علمت أن زيدًا منطلق وظننت أنه ذاهب هلا اكتفوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث كما اكتفوا في باب كان، وإن فقالوا: كان زيدًا قائمًا. قيل: يقولوا: كان إن زيدًا قائمًا.

قيل: الفرق بينهما أن هذه الأفعال تدل على الحدث والزمان وليست بمنزلة كان وليس ولا بمنزلة إن وليت فجرت مجرى كرهت وأحببت، فلذلك قالوا: علمت أنك منطلق كما قالوا: أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف كرهت وسائر الأفعال لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به فمن، ثم قالوا: علمت زيدًا منطلقًا وزيد، علمت منطلق ولم يقولوا كرهت زيدًا أخاك لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما متعلقها الأسماء إلا أن يمنعها من العمل من الأسماء مانع فتصير متعلقة بالحديث فافهمه.

فصل: العامل في قولك لو أنك ذاهب فعلت

فإن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك: لو أنك ذاهب فعلت لا سيما ولو لا يقع بعدها إلا الفعل. ولا فعل ههنا فما موضع إن وما بعدها؟

فالجواب: أن إن في معنى التأكيد وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى الذي هو التحقيق اكتفت به لو حتى كأنه فعل وليها، ثم عمل ذلك المعنى في الحديث، كأنك قلت: لو ثبت أنك منطلق فصارت إن كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ. ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث.

فإن قيل: ألم يتقدم أنه لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟

قيل: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي. فأما ههنا فلو لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له تقوم مقام اللفظ، فالعامل الذي هو التحقيق والتثبيت اللتي دلت عليه إن بمعناها، ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع لو من قولك: لولا زيد عمل المصدر فصار زيد فاعلًا بذلك المعنى حتى كأنك قلت: لو عدم زيد وفقد وغاب لكان كذا وكذا، ولولا مقارنة لو لهذا الحرف لما جاز هذا، لأن الحروف لا تعمل معانيها في الأسماء أصلًا. فالعامل في هذا الاسم الذي بعد لو كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك: لو أنك ذاهب لفعلت كذا.

وأما اختصاص لا بالتركيب معها في باب لولا زيد لزرتك، فلأن لا قد تكون منفردة معنى عن الفعل إذا قيل لك: هل قام زيد؟ فتقول لا، فقد أخبرت عنه بالقعود. وإذا قيل هل قعد؟ قلت: لا فكأنك مخبر بالقيام وليس شيء من حروف النفي يكتفي به في الجواب حتى يكون بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف. فمن ثم صلح للاعتماد عليه في هذا الباب وساغ تركيبه مع حرف لا يطلب إلا الفعل فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل. وصار زيد بعدها بمنزلة الفاعل، ولذلك قال سيبويه: إنه مبني على لولا وهذا هو الحق، لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف لا يظهر وخامل لا يذكر هذا الفصل كله كلام السهيلي إلى آخره.

فائدة: الاقتصار على المفعول الأول من باب أعلمت

قول سيبويه: لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول من باب أعلمت تأوله أصحابه بمعنى لا يحسن الاقتصار عليه. قالوا: لأنه هو الفاعل في المعنى فإنه هو علم ما أعلمته به من كون زيد قائمًا قالوا: والفاعل يجوز الاقتصار عليه لتمام الكلام به. فهكذا ما في معناه بخلاف المفعول الأول من باب علمت فإنه ليس فاعلًا لفظلًا ولا معنى. هذا تقرير قولهم. وقول إمام النحو هو الصواب؛ ولا حاجة إلى تأويله هذا التأويل البارد.

وممن أنكر هذا التأويل السهيلي وقال: عندي أن قول سيبويه محمول على الظاهر، لأنك لا تريد بقولك أعلمت زيدًا. أي جعلته عالمًا على الإطلاق هذا محال، إنما تريد أعلمته بهذا الحديث. فلا بد إذًا من ذكر الحديث الذي أعلمته به.

فإن قيل: فهل يجوز أظننت زيدًا عمرًا قائمًا؟

قيل: الصحيح امتناعه، لأن الظن إن كان بعد علم ضروري فمحال أن ينقلب ظنًا. وإن كان بعد علم نظري لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان والذهول عن ركن من أركان النظر. وهذا ليس من فعلك أنت به فلا تقول: أظننته بعد إن كان عالمًا. وإن كان قبل الظن شاكًا، أو جاهلًا، أو عاقلًا لم يتصور أيضا أن تقول أظننته، لأن الظن لا يكون عن دليل يوقفه عليه أو خبر صادق يخبره به كما يكون العلم، لأن الدليل لا يقتضي ظنًا، ولا يقتضي أيضا شبهة. كما بينه الأصوليون فثبت أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئًا من أسبابه، فلم يجز أظننته أي جعلته ظانًا، وكذلك يمتنع أشككته أي جعلته شكًا، ولكنهم يقولون: شككته إذا جذبته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك.

هذا كلام السهيلي. وليس الأمر كما قال ولا فرق بين أعلمته وأظننته إلا من جهة السماع.

وأما الجواب عما ذكرناه فيقال: ما المانع أن يكون أظننته أي جعلته ظانًا بعد أن كان جاهلًا أو شاكًا مما ذكرته له من الأمارات والأدلة الظنية. وقولك: إن الظن لا يكون عن دليل يوقفه عليه أو خبر صادق يخبر به دعوى مجردة بل ظاهرة البطلان. فإن الظن هو الرجحان. فإذا ذكرت له أمارة ظاهرة لا توجب اليقين أفادته الرجحان وهو الظن، وهذا كما إذا أخبرك من يثير خبره لك ظنًا راجحًا ولا ينتهي إلى قطع، كالشاهد وغيره، فدعوى أن الظن لا يكون عن دليل دعوى باطلة. وإن أردت أنه لا يكون عن دليل قاطع لم يفدك شيئًا فإنه يكون عن إمارة تحصل له. ولا يلزم من كون الدليل لا يقتضي الظن إلا تقتضيه الإمارة.

وقوله: فثبت أن الظن لا تفعله أنت، ولا تفعل شيئًا من أسبابه - يقال: وكذلك العلم لم تفعله أنت به، ولا شيئًا من أسبابه إن أردت أنك لم تحدثه فيه، وإن أردت أنك لم تتسبب إلى حصوله فيه فباطل، فإن ذكر الأمارات والأدلة الظنية سبب إلى حصول الظن له. وهذا أظهر من أن يحتاج إلى تقريره ويدل عليه. قولهم شككته. فإن معناه أحدثت له شكًا بما ذكرته له من الأمور التي تستلزم شكه.

فائدة: الفعل الذي يطلب مفعولا ولا يصل إليه بنفسه

كل فعل يقتضي مفعولًا ويطلبه ولا يصل إليه بنفسه. توصلوا إليه بأداة وهي حرف الجر، ثم أنهم قد يحذفون الحرف لتضمن الفعل معنى فعل متعد بنفسه كما تقدم.

لكن هنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أنه قد يتعدى الفعل بنفسه إلى مفعول وإلى آخر بحرف الجر، ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه لعلم السامع به، ويبقى الذي وصل إليه بحرف الجر كما قالوا: نصحت لزيد وكلت له ووزنت له وشكرت له. المفعول في هذا كله محذوف والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر ولا يسمع قولهم أربعة أفعال تتعدى بنفسها تارة، وبحرف الجر أخرى، ويذكرون هذه فإنه كلام مجرد عن تحقيق بل المفعول في الحقيقة محذوف. فإن قولك: نصحت له مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض. ثم استعير في الرأي فقالوا: نصحت له أي نصحت له رأيه أي أخلصته له وأصلحته.

والتوبة النصوح إنما هي من هذا، فإن الذنب يمزق الدين، فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه وضم أجزاءه ويقولون: نصحت زيدًا فيسقطون الحرف، لأن النصيحة إرشاد فكأنك قلت: أرشدته وكذلك شكرت، إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له من شكر بطنه إذا امتلأ. فالأصل شكرت لزيد إحسانه وفعله، ثم تحذف المفعول فتقول: شكرت لزيد ثم تحذف الحرف، لأن شكرت متضمنة لحمدت أو مدحت.

وأما كلت لزيد ووزنت له فمفعولهما غير زيد، لأن مطلوبهما ما يكال أو يوزن فالأصل دخول اللام، ثم قد يحذف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمقاوضة إلا مع حرف اللام، فإن قلت: كلت لزيد اخبرت بكيل الطعام خاصة. وإذا قلت: كلت زيدًا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل كأنك قلت: بايعته بالكيل والوزن. قال تعالى: { وإذا كالوهم أو وزنوهم } [120] أي بايعوهم كيلًا أو وزنًا.

وأما قوله: { اكتالوا على الناس } [121] فإنما دخلت على لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري ودخلت التاء في اكتالوا، لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة، لأن الآخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري. ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع. ولهذا قال سبحانه: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }، [122] يعني من السيئات، لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان والهوى والحسنة تنال بهبة الله من غير واسطة شهوة، ولا إغراء عدو، فهذا الفرق بينهما على ما قاله السهيلي.

وفيه فرق أحسن من هذا، وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله. وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك فخص الشر بالاكتساب والخير بأعم منه. ففي هذا مطابقة للحديث الصحيح: «إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها». وأما حديث الواسطة وعدمها فضعيف، لأن الخير أيضا بواسطة الرسول والملك والإلهام والتوفيق. فهذا في مقابلة وسائط الشر فالفرق ما ذكرناه. والله أعلم.

فصل: سمع الله لمن حمده

وأما سمع الله لمن حمده، فقال السهيلي: مفعول سمع محذوف، لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون غيرها، فاللام على بابها إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد وهي الاستجابة لمن حمده وهذا مثل قوله: عسى أن يكون ردف لكم ليست اللام لام المفعول كما زعموا، ولا هي زائدة، ولكن ردف فعل متعد ومعموله غير هذا الاسم كما كان مفعول سمع غير المجرور، ومعنى ردف تبع وجاء على الأثر فلو حملته على الاسم المجرور لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى ردف لكم استعجالكم وقولكم لأنهم قالوا: متى هذا الوعد، ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكال على فهم السامع ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولًا، وآذنت أيضا بفائدة أخرى وهي معنى عجل لكم. فهي متعلقة بهذا المعنى فصار معنى الكلام. قل: عسى أن يكون عجل لكم بعض الذي تستعجلون فردف قولكم واستعجل لكم. فدلت ردف على أنهم قالوا: واستعجلوا ودلت اللام على المعنى الآخر فانتظم الكلام أحسن انتظام واجتمع الإيجاز مع التمام.

قلت: فعل السمع يراد به أربعة معان:

أحدها: سمع إدراك ومتعلقه الأصوات.

الثاني: سمع فهم وعقل ومتعلقه المعاني.

الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سأل.

الرابع: سمع قبول وانقياد.

فمن الأول: { سمع الله قول التي تجادلك في زوجها }، [123] { قد سمع الله قول الذين قالوا }، [124] ومن الثاني قوله: { لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا }، [125] ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل. ومنه سمعنا وأطعنا، ومن الثالث سمع الله لمن حمده، وفي الدعاء المأثور اللهم اسمع أي أجب واعط ما سألتك. ومن الرابع قوله تعالى: { سماعون للكذب } [126] أي قابلون له ومنقادون غير منكرين له. ومنه على أصح القولين { وفيكم سماعون لهم }، [127] أي قابلون ومنقادون وقيل: عيون وجواسيس وليس بشيء فإن العيون والجواسيس، إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين فيحتاج إلى الجواسيس والعيون وهذه الآية، إنما هي في حق المنافقين وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم فلم يكونوا محتاجين إلى عيون وجواسيس. وإذا عرف هذا فسمع الإدراك يتعدى بنفسه، وسمع القبول يتعدى باللازم تارة، وبمن أخرى، وهذا بحسب المعنى. فإذا كان السياق يقتضي القبول عدى بمن، وإذا كان يقتضي الانقياد عدى باللام. وأما سمع الإجابة فيتعدى باللام نحو سمع الله لمن حمده لتضمنه معنى استجاب له ولا حذف هناك، وإنما هو مضمن. وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه، لأن مضمونه يتعدى بنفسه.

فصل: قولهم قرأت الكتاب واللوح

ومما يتعلق بهذا قولهم: قرأت الكتاب واللوح ونحوهما مما يتعدى بنفسه. وأما قرأت بأم القرآن وقرأت بسورة كذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ففيه نكتة بديعة قل من يتفطن لها وهي أن الفعل إذا عدى بنفسه فقلت: قرأت سورة كذا، اقتضى اقتصارك عليها لتخصيصها بالذكر وأما إذا عدى بالباء فمعناه لا صلاة لمن لم يأت بهذا السورة في قراءته، أو في صلاته أي في جملة ما يقرأ به. وهذا لا يعطي الاقتصار عليها بل يشعر بقراءة غيرها معها. وتأمل قوله: في الحديث كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة كيف تجد المعنى أن يقرأ فيما يقرأ به بعد الفاتحة بهذا العدد، وكذلك قوله: قرأ بالأعراف، إنما هي بعد الفاتحة، وكذلك قرأ بسورة ق ونحو هذا. وتأمل كيف لم يأت بالباقي قوله: قرأ سورة النجم فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون فقال: قرأ سورة النجم ولم يقل بها لأنه لم يكن في صلاة فقرأها وحدها، وكذلك قوله: قرأ على الجن سورة الرحمن، ولم يقل بسورة الرحمن، وكذلك قرأ على أبي سورة لم يكن ولم يقل بسورة ولم تألت الباء إلا في قراءة في الصلاة كما ذكرت لك. وإن شئت قلت: هو مضمن معنى صلى بسورة كذا وقام بسورة كذا، وعلى هذا فيصح على الإطلاق وإن أتى بها وحدها وهذا أحسن من الأول وعلى هذا فلا يقال: قرأ بسورة كذا. إذا قرأها خارج الصلاة وألفاظ الحديث تتنزل على هذا فتدبرها.

فصل: كفى بالله شهيدا

وأما كفى بالله شهيدًا. فالباء متعلقة بما تضمنه الخبر عن معنى الأمر بالاكتفاء، لأنك إذا قلت: كفى بالله أو كفاك الله زيدًا، فإنما تريد أن يكتفي هو به. فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر فدخلت الباء لهذا السبب. فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هي كقولك حسبك بزيد، ألا ترى أن حسبك مبتدأ وله خبر. ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول: حسبك يتم الناس فيتم جزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام. حكى هذا سيبويه عن العرب.

فائدة: تعدي الفعل إلى المصدر

تعدي الفعل إلى المصدر على ثلاثة أنحاء: أحدها: أن يكون مفعولًا مطلقًا لبيان النوع؛ الثاني: أن يكون توكيدًا؛ الثالث: أن يكون حالًا.

قال سيبويه: وإنما تذكره لتبين أي فعل فعلت أو توكيدًا. وأما الحال فنحو جاء زيد مشيًا وسعيًا تريد ماشيًا وساعيًا وفيه قولان: أحدهما هذا. والثاني: أن الحال محذوف ومشيًا معمولها أي يمشي مشيًا، وقد تقول: مشيت ماشيًا وقعدت قاعدًا تجعلها حالًا مؤكدة. وقد تقول: مشيت مشيًا بطيئًا ومسرعًا فلك فيها وجهان: أحدهما: أن يكون المصدر حالًا فيكون من باب قوله تعالى: { لسانًا عربيًا }، [128] وهي الحال الموطئة، لأن الصفة وطأت الاسم الجامد أن يكون حالًا. فإن حذفت الاسم وبقيت الصفة وحدها لم يكن في الحال إشكال. نحو سرت شديدًا.

ويبين ما قلناه إن قولك سرت شديدًا هي حال من المصدر الذي دل عليه الفعل. فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال. ويجوز تقديمه وتأخيره. إذا كان مفعولًا مطلقًا، أو حالًا، ولا يجوز تقديمه على الفعل إذا كان توكيدًا له، لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد. والعامل فيه، إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه. والعامل فيه إذا كان مفعولًا مطلقًا ليس هو لفظ الفعل بنفسه، وإنما هو ما يتضمنه من معنى فعل الذي هو فاء وعين ولام، لأنك إذا قلت: ضربًا فالضرب ليس بمضروب ولكنك حين قلت: ضربت تضمن ضربت معنى فعلت، لأن كل ضرب فعل وليس كل فعل ضربًا فصار هذا بمنزلة تضمن الإنسان الحيوان. وإذا كان كذلك فضربًا منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت حتى كأنك قلت: فعلت ضربًا. ولا يكون المصدر مفعولًا مطلقًا بل يكون منعوتًا أو في حكم المنعوت، وإنما يكون توكيدًا للفعل، لأن الفعل يدل عليه دلالة مطلقة ولا يدل عليه محدودًا ولا منعوتًا، وقد يكون مفعولًا مطلقا وليس، ثم نعت في اللفظ إذا كان في حكم المنعوت كأنك تريد ضربًا تامًا فلا يكون حينئذ توكيدًا إذ لا يؤكد الشيء بما فيه معنى زائد على معناه، لأن التوكيد تكرار محض.

وقد احتج بعض أهل السنة على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى مجاز بقوله: { وكلم الله موسى تكليما } [129] فأكد الفعل بالمصدر ولا يصح المجاز مع التوكيد. قال السهيلي: فذاكرت بها شيخنا أبا الحسن فقال: هذا حسن لولا أن سيبويه أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولًا مطلقًا وإن لم يكن منعوتًا في اللفظ. فيحتمل على هذا أن يريد تكليمًا ما فلا يكون في الآية حجة قاطعة والحجاج عليهم كثيرة.

قلت: وهذا ليس بشيء والآية صريحة في أن المراد بها تكليم أخص من الإيحاء، فإنه ذكر أنه أوحى إلى نوح والنبيين من بعده وهذا الوحي هو التكليم العام المشترك، ثم خص موسى باسم خاص وفعل خاص وهو كلم تكليمًا، ورفع توهم إرادة التكليم العام عن الفعل بتأكيده بالمصدر، وهذا يدل على اختصاص موسى بهذا التكليم. ولو كان المراد تكليمًا ما لكان مساويًا لما تقدم من الوحي أو دونه وهو باطل. وأيضا فإن التأكيد في مثل هذا السياق صريح في التعظيم وتثبيت حقيقة الكلام والتكليم فعلًا ومصدرًا ووصفه بما يشعر بالتقليل مضاد للسياق فتأمله. وأيضا فإن الله سبحانه قال لموسى: { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [130] فلو كان التكليم الذي حصل له تكليمًا ما كان مشاركًا لسائر الأنبياء فيه فلم يكن لتخصيصه بالكلام معنى. وأيضا فإن وصف المصدر ههنا مؤذن بقلته وإن نوعًا من أنواع التكليم حصل له وهذا محال ههنا فإن الإلهام تكليم ما ولهذا سماه الله تعالى وحيًا والوحي تكليم ما فقال: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه }، [131] { وإذ أوحيت إلى الحواريين }، [132] ونظائره. وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه. هذه الأنواع تسمى تكليمًا ما. وقد خص الله سبحانه موسى واصطفاه على البشر بكلامه له. وأيضا فإن الله سبحانه حيث ذكر موسى ذكر تكليمه له باسم التكليم الخاص دون الاسم العام كقوله: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني }، [133] ذكر تكليمه له بأخص من ذلك وهو تكليم خاص كقوله: { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًا }، [134] فناداه وناجاه، والنداء والنجاء أخص من التكليم، لأنه تكليم خاص، فالنداء تكليم من البعد يسمعه المنادى والنجاء تكليم من القرب. وأيضا فإنه اجتمع في هذه الآية ما يمتنع معه حملها على ما ذكره وهو أنه ذكر الوحي المشترك، ثم ذكر عموم الأنبياء بعد محمد ونوح، ثم ذكر موسى بعينه بعد ذكر النبيين عمومًا، ثم ذكر خصوص تكليمه، ثم أكده بالمصدر وكل من له أدنى ذوق في الألفاظ ودلالتها على معانيها يجزم بأن هذا السياق يقتضي تخصيص موسى بتكليم لم يحصل لغيره. وأنه ليس تكليمًا ما. فما ذكره أبو الحسن غير حسن بل باطل قطعًا والذي غره ما اختاره سيبويه من حذف صفة المصدر وإرادتها، وسيبويه لم يذكر هذا في كل مصدر كان هذا شأنه، وإنما ذكر أن هذا مما يسوغ في الجملة، فإذا كان في الكلام ما يدل على إرادة التأكيد دون الصفة لم يقل سيبويه ولا أحد أنه موصوف محذوف يدل على تقليله كما إذا قيل: صدقت الرسول تصديقًا وآمنت به إيمانًا. أو قيل: قاتل فلان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالًا ونصره نصرًا وبين الرسول لأمته تبيينًا وأرشدهم إرشادًا وهداهم هدى فهل يقول سيبويه أو أحد أن هذا يجوز أن يكون موصوفًا. والمراد تصديقًا وإيمانًا ما وتبيينًا ما وهدى ما. فهكذا الآية والله الموفق للصواب.

قال السهيلي: وسألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدًا للفعل. والتوكيد لا يعمل فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى فما العامل فيه؟

فسكت قليلًا، ثم قال ما سألني عنه أحد قبلك وأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله، لو كان اسمًا لأنه لو كان اسمًا لكان منصوبًا بفعلت المتضمنة فيه، ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب. فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه سيبويه في باب المصادر بل صرح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبًا بفعل هو التوكيد على الحقيقة واختزل ذلك الفعل وسد المصدر الذي هو معموله مسده. كما سدت إياك وزيدًا مسد العامل فيهما فصار التقدير ضربت ضربت ضربًا. فضربت الثانية هي التوكيد على الحقيقة وقد سد ضربًا مسدها وهو معمولها، وإنما يقدر عملها فيه على أنه مفعول مطلق لا توكيد. هذا معنى قول صاحب الكتاب مع زيادة شرح. ومن تأمله هناك وجده كذلك.

والذي أقول به الآن قول الشيخ أبي الحسن لأن الفعل المختزل معنى والمعانى لا يؤكد بها، إنما يؤكد بالألفاظ وقولك: ضربت فعل مشتق من المصدر فهو يدل عليه فكأنك قلت: فعلت الضرب. فضربت يتضمن المصدر ولذلك تضمره فتقول: من كذب فهو شر له وتقيده بالحال. نحو قمنا سريعًا فسريعًا حال من القيام. فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكنى عنه. جاز أيضا أن تؤكده بضربًا كأنك قلت: ضربًا ضربًا أو نصب ضربًا المتضمن ضربًا المصرح به وبه يعمل في الثاني يعني فعلت كما كان ذلك في المفعول المطلق. إذا قلت: ضربت ضربًا شديدًا أي فعلت ضربًا شديدًا وليس المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ينتصب زيد الثاني في قولك: ضربت زيدًا زيدًا مكررًا انتصب من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرت له فعلًا، فتأمله. تم كلامه.

ثم قال:

فصل فيما يؤكد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكد

قد أشرنا إلى أن الفعل قسمان: خاص وعام، فالعام فعلت وعملت وفعلت أعم، لأن عملت عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة مع دؤب. ولذلك جاء على وزن فعل كتعب ونصب، ومن ثم لم تجدها يخبر بها عن الله سبحانه إلا أن يراد بها سمع فيحمل على المجاز المحض ويلتمس له التأويل.

قلت: وقد ورد قوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا }، [135] وقد تقدم له كلام أن اليد صفة أخص من القدرة والنعمة كما هو مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله ونصر ذلك المذهب وارتضاه، وعلى هذا فلا تأويل في الآية، بل هي على حقيقتها على قوله. وأما الدؤب والنصب وإثبات الجارحة فمن خصائص العبد والله تعالى منزه عن ذلك متعال عنه. وخصائص المخلوقين لا يجوز إثباتها لرب العالمين. بل الصفة المضافة إلى الله لا يلحقه فيها شيء من خصائصهم، فإثباتها له كذلك يحتاج معه إلى تأويل فإن الله ليس كمثله شيء. وقد تقدم أن خصائص المخلوقين غير داخلة في الاسم العام فضلًا عن دخولها في الاسم الخاص المضاف إلى الرب تعالى، وأنها لا يدل اللفظ عليها بوضعه حتى يكون نفيها عن الرب تعالى صرفًا للفظ عن حقيقته. ومن اغتفر دخولها في الاسم المضاف إلى الرب، ثم توسل بذلك إلى نفي الصفة عنه. فقد جمع بين التشبيه والتعطيل. وأما من لم يدخلها في مسمى اللفظ الخاص ولا أثبتها للموصوف. فقوله محض التنزيه وإثبات ما أثبت الله لنفسه. فتأمل هذه النكتة ولتكن منك على ذكر في باب الأسماء والصفات فإنها تزيل عنك الاضطراب والشبهة والله الموفق للصواب.

عاد كلامه، قال: إذا ثبت هذا ففعلت وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة لا تؤكد بمصدر، لأنها في الأفعال بمنزلة شيء وجسم في الأسماء فلا يؤكد، لأنه لم يثبت له حقيقة معينة عند المخاطب، وإنما يؤكد ما ثبت حقيقة والمخاطب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع الفائدة منه إلى توكيد فعلت فلو قلت له: فعلت فعلت وأكدته بغاية ما يمكن من التوكيد ما كان الكلام إلا غير مفيد، وكذلك لو قال: فعلت فعلًا على التوكيد، لأن المصدر الذي كنت تؤكد به، لو أكدت قياسه أن يكون مفتوح الفاء، لأنه ثلاثي والمصدر الثلاثي قياسه فتح فائه، كما أن فعله كذلك.

قلت: هذا ليس على اطلاقه. فإن فعلت إذا أريد بها الفعل العام لم تتحصل حقيقته عند المخاطب امتنع تأكيدها. بل مثل هذا لا يقع في التخاطب، وأما إذا أريد بها فعل خاص قد تحصلت حقيقته وتميزت عندهما، كما إذا قال له: أنت فعلت هذا وأشار إلى فعل معين. فإنه إذا أكد الفعل وقال: فعلت فعلت كان الكلام مفيدًا أبلغ فائدة. وهذا إنما جاء من حيث كانت فعلت مرادًا بها الحدث الخاص. وأكثر ما يجيء فعلت في الخطاب، كذلك فتأمله.

قال: إذا ثبت هذا فلا يقع بعد فعلت إلا مفعول مطلق إما من لفظها فيكون عامًا نحو فعلت فعلًا حسنًا. ومن ثم جاء مكسور الفاء، لأنه كالطحن والذبح ليس بمصدر اشتق منه الفعل، بل هو مشتق من فعلت. وإما أن يكون خاصًا نحو فعلت ضربًا. فضربًا أيضا مفعول مطلق من غير لفظ فعل، فصار فعلت فعلًا كطحنت طحنًا وفعلت ضربًا كطحنت دقيقًا.

فإن قيل: ألم يجيزوا في ضربت ضربًا وقتلت قتلًا أن يكون مفعولًا مطلقًا فلم لم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولًا مطلقًا، ومفتوحًا إذا كان مصدرًا مؤكدًا؟

قيل: "حدِّث حديثين امرأةً"، ألم يقدم في أول الفائدة أنه لا يعمل في ضربًا إذا كان مفعولًا مطلقًا؟ إلا معنى فعلت لا لفظ ضربت، فلو عمل فيه لفظ ضربت لقلت، ضربًا بالكسر كطحن وهو محال، لأن الضرب لا يضرب. ولكنك إذا شققت له اسمًا من فعلت التي هي عاملة فيه على الحقيقة فقلت هو فعل وإن شققت له اسمًا من ضربت التي لا يعمل لفظها فيه لم يجز أن يجعلها كالطحن والذبح، لأن الاسم القابل لصورة الفعل. إنما يشتق لفظه من لفظ ما عمل فيه. فثبت من هذا كله إن فعلت وعملت استغنى بمفعولها المطلق عن مصدرها، لأنها لا تتعدى إلا إلى حدث وذلك الحدث يشتق له اسم من لفظها فيجتمع اللفظ والمعنى ويكون أقوى عند المخاطب من المصدر الذي يشتق منه الفعل. ولذلك لم يقولوا: صنعت صنعًا بفتح الصاد، ولا عملت عملًا بسكون الميم، ولا فعلت فعلًا، بفتح الفاء استغناء عن المصادر بالمفعولات المطلقة، لأن العمل مثل القصص والنغص والصنع مثل الدهن والخبز والفعل مثل الطحن وكلها بمعنى المفعول لا بمعنى المصدر الذي اشتق منه الفعل.

وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يخبر بها عن خالقها. وإنما تتعدى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة نحو ضربت زيدًا فهو مضروب على الإطلاق وإن اشتق له من لفظ فعلت مفعول به أي فعل به الضرب، ولم يفعل هو جاز.

وأما حلمت في النوم حلمًا فهو بمنزلة فعلت وصنعت في اليقظة، لأن جميع أفعال النوم تشتمل عليها حلمت وكان جميع أفعال اليقظة يشتمل عليها فعلت، فمن ثم لم يقولوا حلمًا بوزن ضربًا، لأن حلمت مغنية عن المصدر كما كانت فعلت مغنية عنه. وإنما مطلوب المخاطب معرفة المحلوم والمفعول، فلذلك قالوا: حلمًا ولذلك جمعوه على أحلام وحلوم، لأن الأسماء هي التي تجمع وتثنى. وأما الفعل أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر فلا يجمع ولا يثنى. وقولهم: إنما جمعت الحلوم والأشغال لاختلاف الأنواع. بل يقال لهم: (وهل) اختلفت الأنواع إلا من حيث كانت بمثابة الأسماء المفعولة؟ ألا ترى أن الشغل على وزن فعل كالدهن هو عبارة عما يشتغل المرء عنه. فهو اسم مشتق من الفعل وليس الفعل مشتقًا منه. إنما هو مشتق من الشغل والشغل هو المصدر كما أن الجعل كذلك. فعلى هذا ليس الأشغال والأحلام بجمع المصدر. وإنما هو جمع اسم والمصدر على الحقيقة لا يجمع، لأن المصادر كلها جنس واحد من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل، والحركة تماثل الحركة، ولا تخالفها بذاتها. ولولا هاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم وبمصدر شكرت الذي استغني عنه بالشكر لما جاز جمعه، لأن اختلاف الأنواع ليس راجعًا إليه وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل، وكذلك نقيضه وهو الكفر عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب، وشكرت يتعدى باللام التي هي لام الإضافة، لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم، وكذلك المكفور في الحقيقة هي النعمة. لكن كفرها تكذيب وجحد، فلذلك قالوا: كفر بالله وكفر نعمته وشكر له وشكر نعمته. وإذا ثبت أن الشكر من قولك شكرت شكرًا مفعول مطلق وهو مختلف الأنواع، لأن مكافأة النعم تختلف جاز أن يجمع، كما جمع الحلم والشغل، فيحتمل قوله سبحانه حكاية عن المخلصين من عباده: { لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا }، [136] أن يكون جمعًا لشكر وليس كالقعود والجلوس، لأنه متعد. ومصدر المتعدي لا يجيء على الفعول.

قلت: الصحيح أنه مصدر جاء على الفعول، لأن مقابله وهو الكفر والجحد والنفار تجيء مصادرها على الفعول نحو كفور وجحود ونفور، ويبعد كل البعد أن يراد بالكفور جمع الكفر والكفر لا يعهد جمعه في القرآن قط ولا في الاستعمال. فلا يعرف في التخاطب أكفار وكفور، وإنما المعروف الكفر والكفران. والكفور مصادر ليس إلا فحسن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله وهو كثير في اللغة، وقد تقدم الإشارة إليه وحتى لو كان الشكور سائغًا استعماله جمعًا واحتمل الجمع والمصدر لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع، لأن الله تعالى وصفهم بالإخلاص، وإنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه ولم يريدوا من المطعمين جزاءً ولا شكورًا، ولا يليق بهذا الموضع أن يقول: لا نريد منكم أنواعًا من الشكر وأصنافًا منه. بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا: لا نريد منكم شكرًا أصلًا فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي الأنواع فتأمله، فإنه ظاهر فلا يليق بالآية إلا المصدر. وكذلك قوله تعالى: { لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا }، [137] إنما هو مصدر وليس بالمعهود البين جمع الشكر على الشكور واستعماله كذلك. كما لم يعهد ذلك في الكفور.

عاد كلامه، قال ويزيد هذا وضوحًا قولهم: أحببت حبًا. فالحب ليس بمصدر لأحببت. إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب. ولذلك جاء على وزنه مضموم الأول، ومن ثم جمع كما يجمع الشغل قال:

ثلاثة أحباب فحب علاقة ** وحب تملاق وحب هو القتل

فقد انكشف لك بقولهم أحببت حبًا ولم يقولوا: إحبابًا استغناء بالمفعول المطلق الذي هو أفيد عند المخاطب من الأحباب. أن حلمت حلمًا وشكرت شكرًا وكفر كفرًا وصنع صنعًا كلها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول وناصب له نصب المفعول المطلق. وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك، لأنها أعم من أحببت إذ الشكر واقع على أشياء مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحلم، وكلما كان الفعل أعم وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى وكان فعل ويفعل مغنيًا عنه. ولولا كشف الشاعر لاختلاف أنواع الحب ما كدنا نعرف ما فيه من العموم وإنه في معنى الشغل صار أحببت كشغلت وصار الحب كالشغل. ولو قال: أحبابًا لكان بمنزلة شغلت شغلًا بفتح الشين ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الأفعال. نحو الإكرام. وعلى وزن الإنفعال والافتعال والفعل ونحوها إلا أن يكون محدودًا كالتمرة من التمر.

وأما جمعه لاختلاف الأنواع فلا اختلاف للأنواع فيه، إنما اختلاف الأنواع فيما كان اسمًا مشتقًا من الفعل استغنى به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر. وذلك لا تجده في الثلاثي إلا على وزن فعل وفعل. ألا ترى أنهم لا يجمعون نحو الحذر والرمد والخدر والخفس والبرص والعمى وبابه.

قلت: فعل الحب فيه لغتان فعل وأفعل، وقد أنشدوا في الصحاح بيتين على اللغتين وهما:

أحب أبا مروان من أجل تمره ** وأعلم أن الحب بالمرء أرفق

ووالله لولا تمره ما حببته ** وكان عياض منه أدنى ومشرق

هكذا أنشده المبرد. والذي في الصحاح: * ولا كان أدنى من عبيد ومشرق * بالاقواء. [138] والبيتان لغيلان بن شجاع النهشلي وهو عربي فصيح. وإذا ثبت أنهما لغتان في أحببته حبًا فأنا له محب وهو محبوب على تداخل اللغتين فأتوا في المصدر بمصدر الثلاثي كالشكر والشغل، واستعملوا من الفعلين الرباعي في غالب كلامهم حتى كأنهم هجروا الثلاثي وأتوا بمصدره حتى كأنهم هجروا الرباعي، فلما جاؤوا إلى اسم الفاعل أتوا بالاسم من الرباعي حتى كأنهم لم ينطقوا بالثلاثي، فقالوا: محب ولم يقولوا: حاب أصلًا وجاؤوا إلى المفعول فأتوا به من الفعل الثلاثي في الأكثر فقالوا: محبوب، ولم يقولوا محب إلا نادرًا كما قال:

ولقد نزلت فلا تظني غيره ** مني بمنرلة المحب المكرم

هذا من أحببت كما أن المحبوب من حببت ثم استعملوا لفظ الحبيب في المحبوب أكثر من استعمالهم إياه في المحب مع أنه يطلق عليهما، فمن مجيئه بمعنى المفعول قول ابن الدمينة:

وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى ** إلي وإن لم آته لحبيبُ

أي لمحبوب. ومن مجيئه للفاعل قول المجنون:

أتهجر ليلى للفراق حبيبَها ** وما كان نفسًا بالفراق تطيبُ

فهذا بمعنى محبها. وربما قالوا للحبيب: حِبّ مثل خدن. فخِدْن وخَدِين مثل حب وحبيب. وإذا ثبت هذا فقوله هذا رحمه الله: الحب ليس بمصدر لأحببت. إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب ليس الأمر كما قال: بل هي مصدر للثلاثي أجروه على الفعل الرباعي استغناء عن مصدره وهذا لكثرة ولوع أنفسهم بالحب وألسنتهم به، استعملوا منه أخف المصدرين استغناء به عن أثقلهما.

وأما مجيئه بالضم دون الفتح فكثير في ذلك وهو قوة هذا المعنى، وتمكنه من نفس المحب وقهره وإذلاله إياه. حتى إنه ليذل الشجاع الذي لا يذل لأحد فينقهر لمحبوبه ويستأسر له كما هو معروف في أشعارهم ونثرهم، وكما يدل عليه الوجود. فلما كان بهذه المثابة أعطوه أقوى الحركات وهي الضمة. فإن حركة المحب أقوى الحركات فأعطوا أقوى حركات المتحرك أقوى الحركات اللفظية ليتشاكل اللفظ والمعنى. فلهذا عدلوا عن قياس مصدره وهو الحب إلى نضمه.

وأيضا فإنهم كرهوا أن يجيئوا بمصدره على لفظ الحب الذي هو اسم جنس للمحبة ولم يكن بد من عدولهم إما إلى الضم أو إلى الكسر وكان الضم أولى لوجهين. أحدهما: قوته وقوة الحب. الثاني: أن في الضمة مع الجمع ما يوازي ما في معنى الحب من جمع الهمة والإرادة على المحبوب. فكأنهم دلوا السامع بلفظه وحركته وقوته على معناه.

وتأمل كيف أتوأ في هذا المسمى بحرفين أحدهما الحاء التي هي من أقصا الحلق مبدأ الصوت ومخرجها قريب من مخرج الهمزة من أصل المصدر الذي هو معدن الحب وقراره. ثم قرنوها بالباء التي هي من الشفتين وهي آخر مخارج الصوت ونهايته. فجمع الحرفان بداية الصرت ونهايته كما اشتمل معنى الحب على بداية الحركة ونهايتها. فإن بداية حركة المحب من جهة محبوبه ونهايتها إلى الوصول إليه، فاختاروا له حرفين هما بداية الصوت ونهايته، فتأمل هذه النكت البديعة تجدها ألطف من النسيم ولا تعلق إلا بذهن يناسبها لطافة ورقة.

فقل لكثيف الطبع ويحك ليس ذا ** بعشك فادرج سالمًا غير غانم

واشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبات من قولهم: أحبَّ البعير فهو محب، إذا برك فلم يثر. قال:

حلت عليه بالقطيع ضربًا ** ضرب بعيرالسوء إذا حبا

فلما كان المحب ملازمًا لذكر محبوبه ثابت القلب على حبه مقيمًا عليه لا يروم عنه انتقالًا، ولا يبغي عنه زوالًا. وقد اتخذ له في سويداء قلبه وطنًا وجعله له سكنًا.

تزول الجبال الراسيات وقلبه ** على العهد لا يلوي ولا يتغير

فلذلك أعطوه هذا الاسم الدال على الثبات واللزوم، ولما جاؤوا إلى المحبوب أعطوه في غالب استعمالهم لفظ فعيل الدال على أن هذا الوصف وهو كون متعلق المحب أمر ثابت له لذاته، وإن لم يحب فهو حبيب سواء أحبه غيره أم لا. وهذا الوزن موضوع في الأصل لهذا المعنى الشريف وإن لم يشرفه غيره وهو من بناء الأوصاف الثابتة اللازمة كطويل وقصير وكريم وعظيم وحليم وجميل وبابه. وهذا بخلاف مفعول، فإن حقيقته لمن تعلق به الفعل ليس إلا مضروب لمن وقع عليه الضرب ومقتول ومأكول وبابه، فهجروا في أكثر كلامهم لفظ محبوب لما يؤذن من أنه الذي تعلق به الحب فقط، واختاروا له لفظ حبيب الدال على أنه حبيب في نفسه تعلق به الحب أم لا، ثم جاؤوا إلى من قام به الحب، فأعطوه لفظة محب دون حاب لوجهين:

أحدهما: أن الأصل هو الرباعي والنطق به أكثر فجاء على الأصل.

الثاني: أن حروفه أكثر من حروف حاب، والمحل محل تكثير لا محل تقليل.

فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي روضة أنف منح العزيز الوهاب فهمها وله الحمد والمنة. وقد ذكرنا من هذا وأمثاله في كتاب التحفة المكية ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان والمدح ولله الفضل والمنة.

وأما جمع الشاعر له على ثلاثة أحباب فلا يخرجه عن كونه مصدرًا لأنه أراد أن الحب ثلاثة أنواع وثلاثة ضروب وهذا تقسيم للمصدر نفسه وهو تقسيم صحيح فإن للحب بداية وتوسطًا ونهاية فذكر الشاعر الأقسام الثلاثة فحب البداية هو حب العلاقة ويسمى علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر:

أعلاقة أم الوليد بعدما ** أفنانُ رأسِكِ كالثَّغام المُخلِس

والحب المتوسط، وهو حب التملق وهو التذلل والتواضع للمحبوب والانكسار له. وتتبع مواقع رضاه وإيقاعها على ألطف الوجوه فهذا هو التملق وهو إنما يكون بعد تعلق القلب به.

والحب الثالث الذي هو يباشر القلب ويصطلم العقل ويذهب اللب ويمنع القرار. وهذه المحبة تنقطع دونها العبارة وتمتنع إليها الإشارة. ولي فيها من أبيات:

وما هي إلا الموتُ أو هو دونها ** وفيها المنايا ينقلبن أمانيا

فقد بان لك أن الشاعر إنما أراد جمع الحب الذي هو المصدر باعتبار أنواعه وضروبه. ولنقطع الكلام في هذه المسألة فمن لم يشبع من هذه الكلمات ففي كتاب التحفة أضعاف ذلك والله الموفق.

عاد كلامه، قال: فإن قيل فقد قالوا: سقم وأسقام، والسقم مصدر سقم فهذا جمع لاختلاف الأنواع، لأنه اسم كما ذكرت.

قيل: هذه غفلة أليس قد قالوا: سقم بضم السين فهو عبارة عن الداء الذي يسقم الإنسان فصار كالدهن والشغل. وهو في ذاته مختلف الأنواع فجمع.

وأما المرض فقد يكون عبارة عن السقم والعلة فيجمع على أمراض، وقد يكون مصدرًا كقولك مرض فلا يجمع.

فإن قيل: تفريقك بين الأمرين دعوى فما دليلها؟

قلنا: قولك عرق يعرق عرقًا لا يخفى على أحد أنه مصدر عرق، والعرق الذي هو جسم سائل مائع سائل من الجسد لا يخفى على أحد أنه غير العرق الذي هو المصدر. وإن كان اللفظ واحدًا، فكذلك المرض يكون عبارة عن المصدر وعبارة عن السقم والعلة. فعلى هذا تقول: تصبب زيد عرقًا فيكون له إعرابان تمييز إذا أردت المائع ومفعول من أجله، أو مصدر مؤكد إذا أردت المصدر. وكذلك دميت أصبعي دمًا إذا أردت المصدر فهي مثل العمى، وإن أردت الشيء المائع. فهو دم مثل يد وقد يسمى المائع بالمصدر قال:

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ** ولكن على أعقابنا تقطر الدما

فهذا مقصور كالعصا. وعليه قول الآخر: * جرى الدميان بالخبر اليقين *

فصل: توكيد الفعل وتوكيد النكرة

ومن حيث امتنع أن يؤكد الفعل العام بالمصدر لشيوعه، كما يمتنع توكيد النكرة لشيوعها، وأنها لم تثبت لها عين لم يجز أن يخبر عنه، كما لا يخبر عن النكرة لا تقول من فعل: كان شرًا له بخلاف من كذب كان شرًا له، لأن كذب فعل خاص، فجاز الأخبار عما تضمنه من المصدر، ومن ثم لم يقولوا: فعلت سريعًا ولا عملت طويلًا. كما قالوا: سرت سريعًا وجلست طويلًا على الحال من المصدر، كما يكون الحال من الاسم الخاص، ولا يكون من النكرة الشائعة.

فإن قلت: اجعله نعتًا للمفعول المطلق كأنك قلت: فعلت فعلًا سريعًا وعملت عملًا كثيرًا.

قيل: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط مذكورة في موضعها فليس قولهم سرت سريعًا نعتًا لمصدر نكرة محذوفة، إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه. فقد استقام الميسم للناظر في فصول هذه المسألة واستتب القياس فيها من كل وجه.

فإن قيل: فما قولكم في علمت علمًا أليس هو مصدرًا لعلمت فلم جاء مكسور الأول كالطحن والذبح.

قيل: العلم يكون عبارة عن المعلوم كما تقول: قرأت العلم وعبارة عن المصدر نفسه الذي اشتق منه علمت. إلا أن ذلك المصدر مفعول لعلمت، لأنه معلوم بنفس العلم لأنك إذا علمت الشيء فقد علمته، وعلمت أنك علمته بعلم واحد فقد صار العلم معلومًا بنفسه، فلذلك جاء على وزن الطحن والذبح وليس له نظير في الكلام إلا قليل لا اعلم فعلًا يتناول المفعول ويتناول نفسه إلا العلم والكلام، لأنك تقول للمخاطب: تكلم، فيقول: قد تكلمت فيكون صادقًا وإن لم ينطق قبل ذلك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: لما قال له: يا ابن عبد المطلب قد أجبتك، وكان قد أجبتك جوابًا وخبرًا عن الجواب. فتناول القول نفسه، ولذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول: قل هو الله أحد، لأن قل أمر يتناول ما بعده ويتناول نفسه، فمن ثم جاء مصدر القول على القيل، كما جاء مصدر علمت على العلم، وجاء أيضا على القال وهو على وزن القبض، لأن القول قد يكون مقولًا بنفسه، وجاء أيضا على الأصل مفتوح الأول، وأما العلم فلم يجىء إلا مكسورًا مصدرًا كان أو مفعولًا، لأنه لا يكون أبدًا إلا معلومًا بنفسه، والقول بخلاف ذلك قد يتناول نفسه في بعض الكلام وقد لا يتناول إلا المفعول وهو الأغلب.

وأما الفكر فليس باسم عند سيبويه. ولذلك منع من جمعه. فقال: لا يجمع الفكر على أفكار حمله على المصادر التي لا تجمع. وقد استهوى الخطباء والقصاص خلاف هذا وهو كالعلم لقربه منه في معناه ومشاركته له في محله، وأما الذكر فبمنزلة العلم لأنه نوع منه.

فصل: فيما يحدد من المصادر بالهاء

فيما يحدد من المصادر بالهاء وفيه بقايا من الفصل الأول.

قد تقدم أن الفعل لا يدل على مصدره إلا مطلقًا غير محدد ولا منعوت، وإنك إذا قلت ضربته ضربة. فإنما هو مفعول مطلق لا توكيد، لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد، ومن ثم لا تقول سير بزيد سريعة حسنة تريد سيرة، كذلك ولا قعدت طويلة لأن الفعل لا يدل بلفظه على المرة الواحدة، ومن ثم بطل ما أجازه النحاس وغيره من قوله: زيد ظننتها منطلق تريد الظنة، لأن الفعل لا يدل عليها.

وإذا ثبت هذا فالتحديد في المصادر ليس يطرد في جميعها. ولكن فيما كان منها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديد غالبًا، لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد منه والجنس بهاء التأنيث نحو تمرة وتمر ونخلة ونخل، وكذلك تقول: ضربة وضرب.

وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو علم وحذر وفرق ووجل أو ما كان طبعًا نحو ظرف وشرف لا يقال في شيء من هذا فعلة لا يقال: فهم فهمة، ولا ظرف ظرفة. وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقلة نحو طال وقصر وكبر وصغر وقل وكثر لا تقول فيه فعلة،

وأما قولهم الكبرة في الهرم. فعبارة عن الصفة وليست بواحدة من الكبر، وكذلك الكثرة ليست كالضربة من الضرب، لأنك لا تقول: كثر كثرا.

وأما حمدًا فما أحسبه يقال في تحديده حمدة، كما يقال مدحة، والفرق بينهما أن حمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به فإن تجرد عن العلم كان مدحًا ولم يكن حمدًا فكل حمد مدح دون العكس. ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازنًا لعلم ولم يجىء كذلك مدح، فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه، ومن ثم لم تجد في الكتاب والسنة حمد ربنا فلانًا. ويقول: مدح الله فلانًا وأثنى على فلان ولا تقول: حمد إلا نفسه. ولذلك قال سبحانه: { الحمد لله } بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كله له إما ملكًا، وإما استحقاقًا، فحمده لنفسه استحقاق وحمد العباد له، وحمد بعضهم لبعض ملك له، فلو حمد هوغيره، لم يسع أن يقال في ذلك: الحمد ملك له، لأن الحمد كلامه، ولم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحقاق وقد تعلق بغيره.

فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم. فلم لا يجوز أن يسمى حمد؟

قيل: لا يسمى حمدًا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال، وذلك معدوم في غيره سبحانه، فإذا مدح فإنما يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد وهو أعلم بنقصانها. وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته.

قلت: ليس ما ذكره من الفرق بين الحمد والمدح باعتبار العلم وعدمه صحيحًا. فإن كل واحد منهما يتضمن العلم بما يحمد به غيره ويمدحه، فلا يكون مادحًا ولا حامدًا. من لم يعرف صفات المحمود والممدوح. فكيف يصح قوله إن تجرد عن العلم كان مادحًا. بل إن تجرد عن العلم كان كلامًا بغير علم. فإن طابق فصدق وإلا فكذب.

وقوله: ومن ثَم لم يجىء في الكتاب والسنة: حمد ربنا فلانًا، يقال: وأين جاء فيهما مدح الله فلانًا؟ وقد جاء في السنة ما هو أخص من الحمد، وهو الثناء الذي هو تكرار المحامد كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ فإذا كان قد أثنى عليهم والثناء حمد متكرر فما يمنع حمده لمن شاء من عباده.

ثم الصحيح في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم محمدًا أنه الذي يحمده الله وملائكته وعباده المؤمنون. وأما من قال: الذي يحمده أهل السموات وأهل الأرض، فلا ينافي حمد الله تعالى، بل حمد أهل السموات والأرض له بعد حمد الله له؛ فلما حمده الله حمده أهل السموات والأرض.

وبالجملة لما كان الحمد ثناء خاصًا على المحمود لم يمتنع أن يحمد الله من يشاء من خلقه كما يثنى عليه. فالصواب في الفرق بين الحمد والمدح أن يقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون أخبارًا مجردًا من حب وإرادة أو مقرونًا بحبه وإرادته. فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه. ولهذا كان خبرًا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد فالقائل إذا قال: الحمد الله، أو قال: ربنا لك الحمد. تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدرة، وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى، ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد.

ولما كان هذا المعنى مقارنًا للحمد لا تتقوم حقيقته إلا به فسره من فسره بالرضى والمحبة. وهو تفسير له بجزء مدلوله. بل هو رضاء ومحبة مقارنة للثناء. ولهذا السر والله أعلم. جاء فعله على بناء الطبائع والغرائز فقيل: حمد، لتضمنه الحب الذي هو بالطبائع والسجايا أولى وأحق من فهم وحذر وسقم ونحوه بخلاف الأخبار المجرد عن ذلك وهو المدح. فإنه جاء على وزن فعل فقالوا: مدحه لتجرد معناه من معاني الغرائز والطبائع، فتأمل هذه النكتة البديعة، وتأمل الإنشاء الثابت في قولك: ربنا لك الحمد، وقولك: الحمد الله كيف تجده تحت هذه الألفاظ، ولذلك لا يقال موضعها المدح لله، ولا ربنا لك المدح، وسره ما ذكرت لك من الأخبار بمحاسن المحمود اخبارًا مقترنًا بحبه وإرادته وإجلاله وتعظيمه.

فإن قلت: فهذا ينقض قولكم أنه لا يمتنع أن يحمد الله تعالى من شاء من خلقه. فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء، ولا يستحق التعظيم غيره، فكيف يعظم أحد من عباده؟

قلت: المحبة لا تنفك عن تعظيم وإجلال للمحبوب، ولكن يضاف إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه خصائص تلك الذات فمحبة العبد لربه تستلزم إجلاله وتعظيمه، وكذلك محبة الرسول تستلزم توقيره وتعزيزه وإجلاله، وكذلك محبة الوالدين والعلماء وملوك العدل، وأما محبة الرب عبده. فإنها تستلزم إعزازه لعبده، وإكرامه إياه، والتنويه بذكره وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه، فهذا المعنى ثابت في محبته. وحمده لعبده سمي تعظيمًا وإجلالًا أو لم يسم، ألا ترى أن محبته سبحانه لرسله كيف اقتضت أن نوه بذكرهم في أهل السماء والأرض، ورفع ذكرهم على ذكر غيرهم، وغضب على من لم يحبهم ويوقرهم ويجلهم، وأحل به أنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، وجعل كرامته في الدنيا والآخرة لمحبيهم وأنصارهم وأتباعهم. أو لا ترى كيف أمر عباده وأولياءه بالصلاة التي هي تعظيم وثناء على خاتمهم، وأفضلهم صلوات الله عليه وسلامه. أفليس هذا تعظيمًا لهم وإعزازًا وإكرامًا وتكريمًا.

فإن قيل: فقد ظهر الفرق بين الحمد والمدح. واستبان صبح المعنى وأسفر وجهه. فما الفرق بينهما وبين الثناء والمجد؟

قيل: قد تعدينا طورنا فيما نحن بصدده. ولكن نذكر الفرق تكميلًا للفائدة فنذكر تقسيمًا جامعًا لهذه المعاني الأربعة أعني الحمد والمدح والثناء والمجد. فنقول:

الإخبار عن محاسن الغير له ثلاثة اعتبارات. اعتبار من حيث المخبر به. واعتبار من حيث الإخبار عنه بالخبر. واعتبار من حيث حال المخبر، فمن حيث الاعتبار الأول ينشأ التقسيم إلى الحمد والمجد. فإن المخبر به أما أن يكون من أوصاف العظمة والجلال والسعة وتوابعها، أو من أوصاف الجمال والاحسان وتوابعها. فإن كان الأول فهو المجد، وإن كان الثاني فهو الحمد. وهذا، لأن لفظ م ج د في لغتهم يدور على معنى الاتساع والكثرة فمنه قولهم أمجد الدابة علفًا أي أوسعها علفًا، ومنه مجد الرجل فهو ماجد إذا كثر خيره وإحسانه إلى الناس. قال الشاعر:

أنت تكون ماجد نبيلُ ** إذا تهبُّ شَمأل بليلُ

ومنه قولهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي كثرت النار فيهما.

ومن حيث اعتبار الخبر نفسه ينشأ التقسيم إلى الثناء والحمد. فإن الخبر عن المحاسن إما متكرر أو ص لا. فإن تكرر فهو الثناء وإن لم يتكرر فهو الحمد فإن الثناء مأخوذ من الثني وهو العطف ورد الشيء بعضه على بعض ومنه ثنيت الثوب ومنه التثنية في الاسم فالمثني مكرر لمحاسن من يثني عليه مرة بعد مرة.

ومن جهة اعتبار حال المخبر ينشأ التقسيم إلى المدح والحمد، فإن المخبر عن محاسن الغير أما أن يقترن بإخباره حب له وإجلالًا أو لا. فإن اقترن به الحب فهو الحمد والإ فهو المدح، فحصل هذه الأقسام وميزها، ثم تأمل تنزيل قوله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول العبد: { الحمد لله رب العالمين } فيقول الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، لأنه كرر حمده، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي فإنه وصفه بالملك والعظمة والجلال.

فاحمد الله على ما ساقه إليك من هذه الأسرار والفوائد عفوًا لم تسهر فيها عينك، ولم يسافر فيها فكرك عن وطنه ولم تتجرد في تحصيلها عن مألوفاتك. بل هي عرائس معان تجلى عليك وتزف إليك فلك لذة التمتع بها، ومهرها على غيرك، لك غنمها وعليه غرمها.

فصل: تثنية المصادر وجمعها

فلنرجع إلى كلامه، قال: وكل ما حدد من المصادر تجوز تثنيته وجمعه وما لم يحدد فعل الأصل الذي تقدم لا يثنى، ولا يجمع وقولهم: إلا أن تختلف أنواعه لا تختلف أنواعه، إلا إذا كان عبارة عن مفعول مطلق اشتق من لفظ الفعل لا عن مصدر اشتق الفعل منه، ولذلك تجده على وزن فعل بالكسر وعلى وزن فعل نحو عمل. والذي هو مصدر حقيقة ما تجده على وزن فعل نحو ضرب وقتل. وأما الشرب بالفتح والضم والكسر فالشرب بالفتح هو المصدر، والشرب بالضم عبارة عن المشروب، أو عن الحدث الذي هو مفعول مطلق في الأصل، وربما اتسع فيه فأجرى مجرى المصدر الذي اشتق الفعل منه كما قال تعالى: { فشاربون شرب الهيم }، [139] بالضم والفتح.

قلت: هذه كبوة من جواد ونبوة من صارم، فإن الشرب بالضم هو المصدر، وأما المشروب فهو الشرب بكسر الشين. قال تعالى في الناقة: { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم }، [140] فهذا هو المشروب كما تقول: قسم من الماء وحظ ونصيب تشربه في يومها، ولكم حظ وقسم تستوفونه في يومكم وهذا هو القياس في الباب، كالذبح بمعنى المذبوح، والطحن للمطحون والحب للمحبوب والحمل للمحمول والقسم للمقسوم والعرب للزوجة التي قد عرس بها ونظائره كثيرة جدًا.

وأما الشرب بالفتح فقياسه أن يكون جمع شارب كصاحب وصحب وتاجر وتجر، وهو يستعمل كذلك وإطلاق لفظ الجمع عليه جريًا على عادتهم، والصواب أنه اسم جمع فإن فعلًا ليس من صيغ الجموع، واستعمل أيضا مصدرًا وقد قرئت الآية بالوجوه الثلاثة، فمن قرأ بالضم أو الفتح فهو مصدر، ومن قرأ بالكسر فهو بمعنى المشروب. وعلى الأول يقع التشبيه بين الفعلين وهو المقصود بالذكر شبه شربهم من الحميم بشرب الإبل العطاش التي قد أصابها الهيام وهو داء تشرب منه ولا تروى وهو جمع أهيم وأصله هيم بضم الهاء كأحمر وحمر، ثم قلبوا الضمة كسرة لأجل الياء فقالوا: هيم. وأما قراءة الكسر فوجهها أنه شبه مشروبهم بمشروب الإبل الهيم في كثرته وعدم الري به والله أعلم.

عاد كلامه قال: فإن قيل: فإن الفهم والعقل والوهم والظن مصادر وليست مما ذكرت. وقد جمعت فقالوا: أفهام وأوهام وعقول.

قيل: هذه مصادر في أصل وضعها. ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء حيث صارت عبارة عن صفة لازمة وعن حاسة ناطقة كالبصر. ألا ترى أنك إذا قلت: عقلت البعير عقلًا، لم يجز في هذا المصدر الجمع. فإذا أردت به المعنى الذي استعير له وهو عقل الإنسان جاز جمعه إذا صار للإنسان كأنه حاسة ناطقة كالبصر. ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن مجموع، والسمع غير مجموع في أجود الكلام لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية ولكون البصر على وزن فعل كالأسماء، ولأنه يراد به الحاسة. وقد يجوز في السمع على ضعف أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون المصدر، كما تجمع الفهم على أفهام. ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط. وهو أن تكون الأفهام والأسماع ونحوها مضافة إلى جمع نحو أفهام القوم وأسماع الزيدين ولو كان هذا الجمع. إنما هو لاختلاف أنواع المصدر لما جاز أن تقول: عرفت أفهام القوم في هذه المسألة وعرفت علومهم، لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها بل هي مماثلة. وإن اختلفت محالها فعلم زيد وعلم عمرو وإذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان وعلم زيد بشيء واحد، وعلمه بشيء آخر مختلفان لاختلاف المعلومين.

والمقصود أن الأفهام والعقول لا تجمع لاختلاف أنواعها، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف. وهي عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد وتجيء مفردة عند اختلافها نحو فهم زيد الحساب والنحو وغيرهما. لا يقال فيه: عرفت أفهام زيد بالعلوم، ولكن تقول: فهم زيد بالافراد مع اختلاف متعلقه. واختلاف متعلقه يوجب اختلافه.

وإذا ثبت هذا فلم يجمع الفهم على أفهام إلا من حيث كان بمنزلة حاسة ناطقة للإنسان. فإذا أضيف إلى أكثرين جمع، وإذا أضيف إلى واحد لم يجمع، لأنه كالحاسة الواحدة وإن كان في أصله مصدرًا فرب مصدر أجرى مجرى الأسماء كضيف وضيفان وعدل وعدول وصيد وصيود.

وأما رؤية العين فليست التاء فيها للتحذير بل هي لتأنيث الصفة كالقدرة والصفرة والحمرة وكان الأصل فيها رأيًا، ولكنهم إنما يستعملون هذا الأصل مضافًا إلى العين نحو قوله تعالى: { رأي العين } [141] فاذا لم تضف استعمل في الرأي المعقول، واستعملت الرؤية في المعنى الآخر للفرق.

وأما الظن فمصدر لا يثنى ولا يجمع إلا أن تريد به الأمور المظنونة نحو قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا }، [142] أي يظنون أشياء كاذبة. والظنون على هذا مفعول مطلق. لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في الأصل. والله أعلم.

فائدة: لفظ سحر وتقسيمه

سحر على قسمين: أحدهما يراد به سحر يوم بعينه معرفة كان اليوم أو نكرة. وهو في هذا ظرف غير منون، بشرط أن يكون اليوم ظرفًا لا فاعلًا ولا مفعولًا. وفيه وجهان:

أحدهما: أن تعريفه لما فيه من معنى الإضافة فإنك تريد سحر ذلك اليوم، فحذف التنوين منه، كما حذف في أجمع وأكتع لما كان مضافًا في المعنى.

والوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه أن تعريفه باللام المقدرة كأنك حين ذكرت يومًا قبله وجعلته ظرفًا، ثم ذكرت سحر فكأنك أردت السحر الذي من ذلك اليوم فاستغنيت عن الألف واللام بذكر اليوم. وهذا القول أصح للفرق الذي بين سحر وبين أجمع، فإن أجمع توكيد بمنزلة كله ونفسه فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد، لأن أجمع لا يكون إلا تابعًا له ولا يكون مخبرًا عنه بحال. وليس كذلك السحر، لأنه بمنزلة الفرس والجمل، فإن أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه. وإنما هو معرف باللام كما قال سيبويه وهذا كله لما كان اليوم ظرفًا لا مفعولًا. فلو قلت: كرهت يوم السبت سحر كان بدلًا، كما تقول: أكلت الشاة رأسها.

فإن قيل: فهلا قلتم أنه بدل إذا كان ما قبله ظرفًا أيضا، لأنه بعض اليوم فيكون بدل البعض من الكل كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولًا.

قيل: الفرق بينهما. أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح، ويكون الفعل مخصوصًا بالبدل بعد ما كان عمومًا في المبدل منه. فإذا قلت: أكلت السمكة رأسها. لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولًا، وليس كذلك خرجت يوم الجمعة سحر، لأن الظرف مقدر بفي وجعل سحر ظرفًا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفًا بل يبقى على حاله، لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه، فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر سحر نعم وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر اليوم وماهو أوسع من العام، كالزمان كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في سحر بالذكر، فذكر سحر لا يخرج شيء منها أن يكون ظرفًا للفعل فلذلك اعتمد الكلام على اليوم واستغني به عن تجديد آلة التعريف بخلاف كرهت يوم السبت سحرًا، أو السحر منه. لا بد من البدل فيه.

فقد بان الفرق وبانت علة ارتفاع التنوين، لأنه لا يجامع الألف واللام ولا معناها. وإن كان في حكم المضاف كما زعم بعضهم، فلذلك أيضا امتنع تنوينه.

وأما مانع تصرفه وتمكنه فإنك لما أردته ليوم هو ظرف فلو تمكن خرج عن أن يكون من ذلك اليوم، لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم، فإذا قلت: سير يزيد يوم الجمعة سحر وجعلته مفعولًا على السعة لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم، فإن أردت هذا المعنى فقل: سير يزيد يوم الجمعة سحر، أو السحر منه حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر الألف واللام من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما، وأما إذا كان اسمًا متمكنًا كسائر الأسماء فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم.

فإن قلت: فقد أجازوا سير يزيد يوم الجمعة سحر برفع اليوم ونصب سحر فلم لا يجوز أيضا يوم الجمعة سحر بنصب اليوم ورفع سحر.

قيل: لأن اليوم وإن اتسع فيه فهو ظرف في معناه وهو يشتمل على السحر ولا يشتمل السحر عليه. فلا يجوز إذًا أن يتعرف السحر تعريفًا معنويًا جتى يكون ظرفًا بمنزلة اليوم الذي هو منه ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفًا مغنيًا عن آلة التعريف.

فصل: ضحوة وعشية ومساء

وأما ضحوة وعشية ومساء ونحو ذلك، فإنها مفارقة لسحر من حيث كانت منونة، وإن أردتها ليوم بعينه وهي موافقة له في عدم التصرف والتمكن. والفرق بينهما أن هذه أسماء فيها معنى الوصف، لأنها مشتقة مما توصف به الأوقات التي هي ساعات اليوم، فالعشي من العشاء والضحوة من قولك فرس أضحى وليلة أضحيان يريد البياض والصباح من الصبح وهو لون بين لونين. فإذا قلت: خرجت اليوم عشاء وظلامًا وضحى وبصرًا حكاه سيبويه، فإنما تريد خرجت اليوم في ساعة وصفها كذا. وخرجت وقتًا مظلمًا أو مبصرًا ونحو ذلك. فقد بان لك أنها أوصاف لنكرات، وتلك النكرات هي أجزاء اليوم وساعاته. ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت اليوم ساعة منه أو مسيت اليوم وقتًا منه لم يكن إلا منونًا إلا أن ساعة ووقتًا غير معين. وضحوة وعشية قد تخصصا بالصفة، ولكنه لم يتعرف وإن كان ليوم بعينه، لأنه غير معرف بالألف واللام كما كان سحر، لأن سحر اسم جامد يتعرف كالأسماء ويخبر عنه، وأما نعته فلا يكون كذلك لأن النعت لا يكون فاعلًا ولا مفعولًا. ولا يقام مقام المنعوت إلا على شروط مخصوصة.

فإن قلت: أليس هذه الأوقات معروفة عند المخاطب من حيث كانت ليوم بعينه فلم لا تكون معرفة كما كان سحر إذا كان ليوم بعينه؟

قيل: إن سحر لم يتعرف بشيء إلا بمعنى الألف واللام. لا من حيث كان ليوم بعينه فقد تعرف المخاطب الشيء بصفته كما تعرفه بآلة التعريف، فتقول: رأيت رجلًا من صفته كذا وكذا حتى يعرفه المخاطب فيسري إليه التعريف. وهو مع ذلك نكرة، وكذلك ضحوة وعشية، وإنما استغني عن ذكر المنعوت بهذه الصفات لتقدم ذكر اليوم الذي هو مشتمل على الأوقات الموصوفة بهذه المعاني، كما استغني عن ذكر المنعوت إذا قلت: زيد قائم، ولا شك أن المعنى زيد رجل قائم ولكن ترك ذكر الرجل، لأنه زيد. وكذلك جاءني زيد صالحًا أي رجلًا صالحًا. ولكن زيد هو الرجل فأغناك عن ذكره، وكذلك ما نحن بسبيله من هذه الأسماء التي هي في نفسها أوصاف لأوقات أغنى ذكر اليوم الذي هي له عن ذكرها لاشتمالها عليه، ولم يكن ذلك في سحر، ومن ثم أيضا لم تتمكن فتقول: سير عليه يوم الجمعة ضحوة وعشية، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويبطل منها معنى الصفة. فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له، وينضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدمت في فصل سحر. وكذلك كل ما كان من الظروف نعتًا في الأصل نحو ذا حاج وكلت مرة وأقمت طويلًا وجلست قريبًا لا يتمكن ولا يخرج من الظرف.

ويلحق بهذا الفصل نهارًا إذا قلت: خرجت اليوم نهارًا، لأنه مشتق من أنهر الدم بما تشتت تريد الانتشار والسعة ومنه النهر من الماء، لأنه بالإضافة إلى موضع تفجره كالنهار بالإضافة إلى فجره، لأن النهر ما ينتشر ويتسع فما انفجر من الماء والنهر بمنزلة ما انتشر، واتسع من فجر الضياء واليوم أوسع من النهار في معناه. فصار قولك خرجت اليوم نهارًا كقولك خرجت اليوم ظهرًا أو عشيًا، معنى الاشتقاق فيها كلها بين فجرت مجرى الأوصاف للنكرات في تنوينها وعدم تمكنها.

قلت: ولما كان النهار أوسع من النهر خص بالألف المعطية اتساع النطق وانفتاح الفم دون النهر.

فصل: غدوة وبكرة

وأما غدوة وبكرة فهما اسمان علمان وعدم التنوين فيهما للتعريف والتأنيث، والذي أخرجهما عن باب ضحوة وعشية وإن كان فيهما معنى الغدو والبكور كما كان في أخواتهما معاني الفعل. إنهما قد بنيا بناء لا يكون عليه المصادر ولا النعوت وغيرها للعلمية. كما غير عمارة وعمر وأشباههما، وكما غير الدبران وفيه معنى الدبور إيذانًا بالعلمية وتحقيقًا لمعناها. ألا ترى أن ضحوة على وزن صعبة من النعوت وضربة من المصادر، والمصادر ينعت بها، وضحى على وزن هدى وعلى وزن حطم من النعت، وكذلك سائر تلك الأسماء وغدوة وبكرة بخلاف ذلك قد غيرنا عن لفظ الغدو والبكور تغييرًا بينًا، ففارقتا الفصل المتقدم.

فإن قيل: فلعل امتناع التنوين فيهما بمثابة امتناعه في سحر ليوم بعينه.

قيل: كلام العرب يدل على خلاف ذلك، لأنهم لا يكادون يقولون: خرجت اليوم في الغدوة وللغدوة خير من أول الليل. كما يقال: السحر خير من أول الليل. فالسحر كسائر الأجناس في تنكيره وتعريفه وغدوة وبكرة من اليوم بمنزلة رجب وصفر من العام، فقد تبين مخالفتهما لسحر وضحوة وأخواتهما، وإنهما بمنزلة أسماء الشهور الأعلام وأسماء الأيام نحو السبت والجمعة.

وإذا ثبت هذا فهما اسمان متمكنان يجوز إقامتهما مقام الفاعل. إذا قلت سير بزيد يوم الجمعة غدوة فلا يحتاج إلى إضافة، ولا إلى لام تعريف، وتقول: سير به يوم الجمعة غدوة على الظرف فيهما جميعًا، لأنها بعض اليوم كما تقول: سرت العام رجبًا كله. وتقول أيضا سير به يوم الجمعة غدوة برفعهما كأنهما بدل من اليوم، ولا تحتاج أيضا إلى الضمير كما تحتاج في بدل البعض من الكل، لأنها ظرف في المعنى. ولو قلت: كره يوم السبت غدوة على البدل لم يكن بد من إضافة غدوة إلى ضمير المبدل منه، لأن اليوم ليس بظرف فيكون كقولك: كرهت الخميس سحره إذا أردت البدل، لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم، وإنما يستغنى عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفًا على حاله، لأن بعض اليوم إذا كان ظرفًا لفعل كان جميع ذلك اليوم ظرفًا لذلك الفعل.

واعلم أنه ما كان من الظروف له اسم علم. فإن الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه وكان الظرف مفعولًا على سعة الكلام. فإذا قلت: سرت غدوة فالسير وقع في الوقت كله، وكذلك سرت السبت والجمعة وصفر والمحرم كله مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل، لأن هذه الأسماء لا يطلبها الفعل، ولا هي في أصل موضوعها زمان. إنما هي عبارة عن معان أخر. فإن أردت أن تجعل شيئًا منها ظرفًا ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليها كقولك سرت يوم السبت وشهر المحرم. فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلا بدليل والشهر ظرف، وكذلك اليوم.

قال سيبويه: ومما لا يكون الفعل إلا واقعًا به كله سرت المحرم وصفر، هذا معنى كلامه. وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها لعام بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه، فإن لم يكن كذلك صار الاسم نكرة تقول: صمت رمضان ورمضانًا آخر، وصمت الجمعة وجمعة أخرى، إنما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك. وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهرًا واحدًا كما تكون النكرة من قولك ضربت رجلًا إنما تريد واحدًا، وإذا كان معرفة يكون ما يدل على التمادي وتوالي الأعوام. لم يكن حينئذ واحدًا كقولك المؤمن يصوم رمضان فهو معرفة، لأنك لا تريده لعام واحد بعينه إذ المعنى يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذكر الإيمان قرينة تدل على أن المراد ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن محمله إلا على العام الذي أنت فيه.

وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن }، [143] وفي الحديث: «من صام رمضان»، وإذا دخل رمضان بدون لفظ الشهر، ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازًا واختصارًا، لأن القرآن أبلغ إيجازًا وأبين إعجازًا، ومحال أيضا أن يدع لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه وما علم من عادته من الاقتداء به فيدع ذلك لغير حكمة بل فائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين.

وقد ارتبك الناس في هذا الباب فكرهت طائفة أن تقول: صمت رمضان بل شهر رمضان، واستهوى ذلك الكتاب واعتل بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس: رمضان اسم من أسماء الله. قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر وبعضهم يقول: إن رمضان من الرمضاء وهو الحر وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إن هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن.

وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لعلمه وحذقه فقال في السنن: باب جواز أن يقال دخل رمضان أو صمت رمضان، وكذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم من صام رمضان.

وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة فقد تقدم أن الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعها ولا يكون ظرفًا مقدرًا بفي حتى يذكر لفظ الشهر، أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفًا. وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية.

وإذا ثبت هذا فقوله سبحانه: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } فيه فائدتان أو أكثر:

إحداهما أنه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه. وهذا خلاف المعنى. لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها. فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقًا للمعنى كما تقول: سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولًا لجميع الشهر.

والفائدة الأخرى أنه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن لكان حكم المدح والتعظيم مقصورًا على شهر بعينه. إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها لم يكن محله إلا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله، فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر: * والشهر مثل قلامة الظفر * يريد الهلال، مقتضيًا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان. مع أن رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن، لأنه لم يرد لعام بعينه. ألا ترى أن الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل. وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين. ولو قلت: رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول: حج في رمضان من الرمضانات حتى تريد عامًا بعينه كما سبق.

وفائدة ثالثة في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات، لأن الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه، ولا تبين بلفظ رمضان لأن لفظه مأخوذ من مادة أخرى. وهو أيضا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها، ثم تضاف إليه.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان»، ففي حذف الشهر فائدة أيضا، وهى تناول الصيام لجميع الشهر. فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفًا مقدرًا بفي، ولم يتناول القيام والصيام جميعه. فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: { قم الليل } لأنه لو كان ظرفًا لم يحتج إلى قوله: { إلا قليلًا }. [144]

فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله من قام رمضان مقصورًا على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم إنه إنما يكون معرفة علمًا. إذا أردته لعامك، أو لعام بعينه.

قيل: قوله: من صام رمضان على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك: من صام كل عام رمضان كما تقول: إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي وتنوب مناب ذكر كل عام. وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية فاذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها، ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها. فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها. هذا نص كلام السهيلي بحروفه. ثم قال:

فصل: عمل الفعل وشروطه

الفعل لا يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظه، كالمصدر والفاعل والمفعول به، أو فيما كان صفة لواحد من هذه. نحو سرت سريعًا وجاء زيد ضاحكًا، لأن الحال هي صاحب الحال في المعنى، وكذلك النعت والتوكيد والبدل كل واحد من هذه هو الاسم الأول في المعنى فلم يعمل الفعل إلا فيما دل عليه لفظه، لأنك إذا قلت: ضرب اقتضى هذا اللفظ ضربًا وضاربًا ومضروبًا، وأقوى دلالته على المصدر، لأنه هو الفعل في المعنى ولا فائدة في ذكره مع الفعل إلا أن تريد التوكيد، أو تبيين النوع منه وإلا فلفظ الفعل مغن عنه، ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على المفعول به من وجهين:

أحدهما: أنه يدل على الفاعل بعمومه وخصوصه نحو فعل زيد وعمل عمرو. وأما الخصوص فنحو ضرب زيد عمرًا، ولا تقول: فعل زيد عمرًا إلا أن يكون الله هو الفاعل سبحانه.

والوجه الآخر أن الفعل هو حركة الفاعل والحركة لا تقوم بنفسها. وإنما هي متصلة بمحلها، فوجب أن يكون الفعل متصلًا بفاعله لا بمفعوله، ومن ثم قالوا: ضرب زيد لعمرو وضرب زيد عمرًا فأضافوه إلى المفعول باللام تارة، وبغير لام أخرى. ولم يضيفوه إلى الفاعل باللام أصلًا، لأن اللام تؤذن بالانفصال، ولا يصح انفصال الفعل عن الفاعل لفظًا، كما لا ينفصل عنه معنى.

قلت: وفي صحة قوله ضرب زيد لعمرو نظر، والمعروف الإتيان بهذه اللام إذا ضَعُف الفعل بالتأخير، نحو قوله تعالى: { إن كنتم للرؤيا تعبرون }، [145] أو كان اسمًا نحو أنا ضارب لزيد، أو يعجبني ضربك لزيد، لضعف العامل في هذه المواضع دعم باللام. ولا يكادون يقولون: شربت للماء وأكلت للخبز.

قال: فإن قيل: فإن الفعل لا يدل على الفاعل معينًا، ولا على المفعول معينًا. وإنما يدل عليهما مطلقًا، لأنك إذا قلت: ضرب لم يدل على زيد بعينه. وإنما يدل على ضارب، وكذلك المضروب وكان ينبغي أن لا يعمل حتى تقول ضرب ضارب مضروبًا بهذا اللفظ، لأن لفظ زيد لا يدل عليه لفظ الفعل، ولا يقتضيه.

قيل: الأمر كما ذكرت، ولكن لا فائدة عند المخاطب في الضارب المطلق، ولا في المفعول المطلق، لأن لفظ الفعل قد تضمنهما. فوضع الاسم المعين مكان الاسم المطلق تبيبنًا له. فيعمل فيه الفعل، لأنه هو في المعنى وليس بغيره.

قلت: الواضع لم يضع هذه الألفاظ في أصل، الخطاب مقتضية فاعلًا مطلقًا ومفعولًا مطلقًا. وإنما جاء اقتضاء المطلق من العقل لا من الوضع. والواضع إنما وضعها مقتضيات لمعين من فاعل ومفعول طالبة له. فما لم يقترن بها المعين كان اقتضاؤها وطلبها بحاله، لأن الأخبار والطلب، إنما يقعان على المعين.

فإن قيل: فلو كانت قد وضعت مقتضية لمعين لم يصح إضافتها إلى غيره، فلما صح نسبتها وإضافتها إلى كل معين علم أنها وضعت مقتضية للمطلق.

قيل: الفرق بين المعين على سبيل البدل والمعين على سبيل التعيين بحيث لا يقوم غيره مقامه. والسؤال إنما يلزم أن لو قيل: إنها مقتضية للثاني. أما إذا كانت مقتضية لمعين من المعينات على سبيل البدل لم يلزم ذلك السؤال والله أعلم.

قال: وإذا ثبت ما قلناه فما عدا هذه الأشياء فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة حرف نحو المفعول معه والظرف المكاني نحو قمت في الدار، لأنه لا يدل عليه بلفظه، وأما ظرف الزمان فكذلك أيضا، لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا بنسبته، وإنما يدل بنسبته على اختلاف أنواع الحدث وبلفظه على الحدث نفسه. وهكذا قال سيبويه في أول الكتاب، وإن تسامح في موضع آخر.

وأما الزمان فهو حركة الفلك فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة الإتفاق والمصاحبة، إلا أنهم قالوا: فعلت اليوم، لأن اليوم ونحوه أسماء وضعت للزمان يؤرخ بها الفعل الواقع فيها. فإذا سمعها المخاطب علم المراد منها واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار. فإن أضمرتها لم يكف لفظ الإضمار ولا أغنى عن الحرف، لأن لفظ الإضمار يصلح للزمان ولغيره فقلت: يوم الجمعة خرجت فيه. وقد تقول: خرجت في يوم الجمعة، لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتاريخ فقد يخبر عنها كما يخبر عن المكان. إلا أن الأخبار عن المكان المحدود أكثر وأقوى، لأن الأمكنة أشخاص كزيد وعمرو وظروف الزمان بخلاف ذلك، فمن ثم قالوا: سرت اليوم وسرت في اليوم ولم يقولوا: جلست الدار.

فصل: تعدي الفعل واشتقاقه

فإن كان الظرف مشتقًا من فعل تعدى إليه بنفسه، لأنه في معنى الصفة التي لا تتمكن ولا يخبر عنها، وذلك كقبل وبعد وقريبًا لمنك، لأن في قبل معنى المقابلة وهي من لفظ قبل وبعد من لفظ بعد وهذا المعنى هو من صفة المصدر، لأنك إذا قلت: جلست قبل جلوسي زيد فما في قبل من معنى المقابلة فهو في صفة جلوسك، ولم يمتنع الاخبار عن قبل وبعد من حيث كان غير محدود، لأن الزمان والدهر قد يخبر عنهما وهما غير محدودين. تقول: قمت في الدهر مرة، وإنما امتنع قمت في قبلك للعلة التي ذكرناها.

ومن هذا النحو ما تقدم في فصل غدوة وعشية من امتناع تلك الأسماء من التمكن لما فيها من معنى الوصف. نحو خرجت بصرًا وظلامًا وعشاء وضحى، وإن كنا قد قدمنا أن هذه المعاني أوصاف للأوقات فليس بمناقض لما قلناه آنفًا، لأن الأوقات قد توصف بهذه المعاني مجازًا، وأما في الحقيقة فالأوقات هي الفلك والحركة لا توصف بصفة معنوية، لأن العرض لا يكون حاملًا لوصف.

ومن هذا الفصل خرجت ذات يوم وذات مرة، لأن ذات في أصل وضعها وصف للخرجة ونحوها كأنك قلت: خرجت خرجة ذات يوم أي لم يكن إلا في يوم واحد فمن ثم لم يجز فيها إلا النصب ولم يجز دخول الجار عليها، وكذلك ذا صباح وذا مساء في غير لغة خثعم.

فإن قيل: فلم أعربها النحويون ظرفًا إذا كانت في الأصل مصدرًا؟

قيل لأنك إذا قلت: ذات يوم علم أنك تريد يومًا واحدًا. وقد اختزل المصدر ولم يبق إلا لفظ اليوم مع الذات، فمن ثم أعربوه ظرفًا. وسر المسألة في اللغة ما تقدم.

وأما مرة فإن أردت بها فعلة واحدة من مرور الزمان فهي ظرف زمان. وإن أردت بها فعلة واحدة من المصدر مثل قولك لقيته مرة أي لقيه فهي مصدر وعبرت عنها بالمرة، لأنك لما قطعت اللقاء ولم تصله بالدوام صار بمنزلة شيء مررت به ولم تقم عنده. فإذا جعلت المرة ظرفًا. فاللفظ حقيقة، لأنها من مرور الزمان، وإذا جعلتها مصدرًا. فاللفظ مجاز إلا أن تقول: مررت مرة فيكون حينئذ حقيقة.

فصل: جلست خلفك وأمامك

ومن هذا القبيل جلست خلفك وأمامك وفوق وتحت، (وإزاءَ وتِلقاء وحِذاء، وكذلك قربك وعندك، لأن) وعندك في معنى القرب لأنها من لفظ العَنَد. قال الراجز:

وكل شيء قد يحب ولدَه ** حتى الحبارى فتطير عَنَدَه

أي إلى جنبه. وهذه الألفاظ غير خاف أنها مأخوذة من لفظ الفعل؛ فخلف من خلفت، وقدام من تقدمت، وفوق من فقت، وأمام من أممت أي قصدت، وكذلك سائرها. إلا أنهم لم يستعملوا فعلًا من تحت. ولكنها مصدر في الأصل أُميت فعله.

وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت كقبل وبعد في الزمان (وكعشي) وقريب، وصار فيها كلها معنى الوصف. فلذلك عمل الفعل فيها بنفسه كما يعمل فيما هو وصف للمصدر، أو وصف للفاعل أو المفعول به، لأن الوصف هو الموصوف في المعنى فلا يعمل الفعل إلا في هذه الثلاثة أو ما هو في معناها، لأنها لا تدل بلفظها إلا عليها كما تقدم، فقد بان لك أنه لم يتمنع الإخبار عنها، ولا دخول الجار عليها من جهة الإبهام كما قا لوا: لأنه لا فرق بينهما وبين غير المبهم في انقطاع دلالة الفعل عنها. إذ لا يدل الفعل بلفظه على مبهمها، ولا على محدودها، ولا على حركة فلك. وإنما يدل بلفظه على مصدره وفاعله إذا كان الفاعل مطلقًا وعلى المفعول به كذلك.

فإن قيل: فأين لفظ الفعل في ميل وفرسخ وأي معنى للوصف فيه والفعل قد تعدى إليه بغير حرف وعمل فيه بلا واسطة؟

قيل: المراد بالميل والفرسخ تبيين مقدار المشي لا تبيين مقدار الأرض. فصار الميل عبارة عن عدة خطى كأنك قلت: سرت خطى عدتها كيت وكيت. فلم يتعد الفعل في الحقيقة إلا إلى المصدر المقدر بعدد معلوم كقولك: ضربت ألف ضربة، ومشيت ألف خطوة. ألا ترى أن الميل عبارة عن ثلاثة آلاف وخمسمائة خطوة، والفرسخ أضعاف ذلك ثلاث مرات. فلم ينكسر ما أصلناه من أن الفعل لا يتعدى إلا إلى ما ذكرنا. وإنما سموا هذا المقدار من الخطى والأذرع ميلًا، لأنهم كانوا ينصبون في رأس ثلث كل فرسخ كهيئة الميل الذي يكتحل به إلا أنه كبير، ثم يكتبون في رأسه عدد ما مشوه ومقدار ما تخطوه.

وذكر قاسم بن ثابت أن هشام بن عبد الملك مر في بعض أسفاره بميل فأمر أعرابيًا أن ينظر في الميل كم فيه مكتوبًا. وكان الأعرابي أميًا فنظر فيه، ثم رجع إليه فقال فيه محجن وحلقة وثلاثة كأطباء الكلبة وهامة كهامة القطا. فضحك هشام وقال: معناه خمسة أميال.

فقد وضح لك أن الأميال مقادير المشي وهو مصدر. فمن ثم عمل فيها الفعل، ومن ثم عمل في المكان نحو جلست مكان زيد، لأنه مفعل من الكون فهو في أصل وضعه مصدر عبر به عن الموضع. والموضع أيضا من لفظ الوضع فلا يعمل المفعل في شيء من هذا القبيل بغير حرف.

والذي قلناه في مكان أنه من الكون هو قول الخليل في كتاب العين. إلا أنهم شبهوا الميم بالحرف الأصلي للزومها فقالوا في الجمع، أمكنة حتى كأنه على وزن فعال، وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة شبهوا الزائد بالأصلي نحو تمدرع وتمسكن.

وأما جلست يمينك وشمالك، فليس من هذا الفصل، ولكنه مما حذف منه الجار لعلم السامع أرادوا عن يمينك، وعن شمالك أي الناحيتين، ثم حذف الجار فتعدى الفعل فنصب فهو من باب أمرتك الخير، وإنما حذف الحرف لما تضمنه الفعل من معنى الناصب، لأنك إذا قلت: جلست عن يمينك، فمعنى الكلام قابلت يمينك وحاذيته ونحو ذلك.

فصل: تعدي الفعل إلى الحال بنفسه

ومن هذا الباب تعدي الفعل إلى الحال بنفسه. ونعني بالحال صفة الفاعل التي فيها ضميره، أو صفة المفعول، أو صفة المصدر الذي عمل فيها، لأن الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف. وذلك نحو سرت سريعًا وجاء ضاحكًا وضربته قائمًا. فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالًا، لأن الحال غير الاسم الذي نزل عليه الفعل، ألا ترى أنك إن صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف نحو جاء زيد في حال ضحك، ولا تقول: جاء زيد حال ضحك، لأن الحال غير زيد. ولذلك لا تقول: جاء زيد ضحكًا لأنه غيره وغير المجيء فلا يعمل جاء فيه إلا بواسطة. فإن قلت: ضاحكًا عمل فيه، لأن الضاحك هو زيد. وإذا قلت: جاء مشيًا عمل فيه أيضا. لا من حيث كان صفة لزيد، لأنه لا ضمير فيه يعود على زيد. ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو المجيء فعمل فيه جاء كما يعمل في المصدر.

وأما عمله في المفعول من أجله فإنه لم يعمل فيه بلفظ عندي. ولكنه دل على فعل باطن من أفعال النفس والقلب وإلا قلت آثار هذا الفعل الظاهر وصار ذلك الفعل الباطن عاملًا في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة والفعل الظاهر دال عليه. ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوبًا إلا بثلاثة شرائط: أن يكون مصدرًا، وأن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة، وأن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره. نحو جاء زيد خوفًا مثلًا ورغبة، ولو قلت: جاء قراءة للعلم وقتلًا للكافر لم يجز، لأنها أفعال ظاهرة، فقد بان لك أن المجي إنما يظهر ما كان باطنًا خفيًا حتى كأنك قلت: جاء زيد مظهرًا بمجيئه الخوف، أو الرغبة أو الحرص أو أشباه ذلك، فهذه الأفعال الظاهرة تبدي تلك الأفعال الباطنة فهي مفعولات في المعنى والظاهرة دالة على ما تتضمنها. فإن جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرناه لم يصل الفعل إليه إلا بحرف نحو جئت لكذا، أو من أجل كذا. والله أعلم.

قلت: ما أدري أي ضرورة به إلى هذا التعسف والتكلف الظاهر الذي لا يصح لفظًا ولا معنى. وأما اللفظ فإنه لو كان معمولًا لعامل مقدر وهو قولك يظهر الخوف والمحبة ونحوه لتلفظوا به ولو مرة في كلامهم فإنه لا دليل عليه من سياق ولا قرينة، ولا هو مقتضى الكلام، فيصح إضماره فدعوى إضماره ممتنعة. وأما فساده من جهة المعنى فمن وجوه عديدة:

منها: أن المتكلم لا يخطر بباله هذا المعنى بحال فلا يخطر ببال القائل زرتك محجة لك زرتك مظهرًا لمحبتك، ولا بقوله: تركت هذا خوفًا من الله، تركته مظهرًا خوفي من الله. وهذا أظهر من أن يحتاج إلى تقديره.

الثاني: أنه إذا كان التقدير ما ذكر خرج الكلام عن حقيقته. ومقصوده إذ لا يبقى فيه دليل على أنه علة الفعل الباعثة عليه. فإنه إذا قال: خرجت مظهرًا ابتغاء مرضات الله مثلًا لم يدل ذلك على أن الباعث له على الخروج ابتغاء مرضات الله تعالى، لأن قوله مظهر كذا حال أي خرجت في هذه الحال، فأين مسألة الحال من مسألة المفعول لأجله.

الثالث: أن المفعول له هو علة الفعل وهي إما علة فاعلية، أو غائية. وكلاهما ينتصب على المفعولية تقول فعلت ذلك خوفًا وقعدت عن الحرب جبنًا، وأمسك عن الإنفاق شحًا. فهذه أسباب حاملة على الفعل والترك لا أنها هي الغايات المقصودة منه. وتقول: ضربته تأديبًا وزرته إكرامًا، وحبسته صيانة، فهذه غايات مطلوبة من الفعل، إذا ثبت هذا فالمعلل إذا ذكر الفعل طلب المخاطب منه الباعث عليه لما في النفوس من طلب الأسباب والغايات في الأفعال الاختيارية شاهدًا، أو غائبًا، فإذا ذكر الباعث أو الغاية وهو المراد من الفعل كان مخبرًا بأن هذا هو مقصوده وغايته، والباعث له على الفعل. فكان اقتضاء الفعل اللفظي كاقتضاء الفعل الذي هو حدث له فصح نصبه له كما كان واقعًا لأجله، وهذا بحمد الله واضح، فتأمله.

فصل: إذا كانت الحال صفة لازمة للاسم

قال: إذا كانت الحال صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها. وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل. مع أن تكون حالًا، لأنها مشتقة من التحول فلا تكون إلا صفة يتحول عنها، ولذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل، لأن الفعل حركة غير ثابتة، وقد تجيء غير مشتقة، لكن في معنى المشتق كقوله صلى الله عليه وسلم: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا»، أي يتحول عن حاله ويعود منصورًا في صورة الرجل، فقوله رجلًا في قوة متصورًا بهذه الصورة. وأما قولهم: جاءني زيد رجلًا صالحًا. فالصفة وطأت الاسم للحال ولولا صالحًا ما كان رجل حالًا، وكذلك قوله تعالى: { لسانًا عربيًا }. [146]

قلت: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة: مقيدة ومقدرة ومؤكدة وموطئة.

فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة وهلا اكتفي بالمشتق فيها؟

قيل: في ذكر الاسم موصوفًا بالصفة في هذا الموطن دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها، وإنها مستمرة له وليس كقولك: جاءني زيد صالحًا، لأن صالحًا ليس فيه غير لفظ الفعل. والفعل غير دائم، وفي قولك رجلًا صالحًا لفظ رجل وهو دائم. فلذلك ذكر.

فإن قيل: كيف يصح في لسانًا عربيًا أن يكون حالًا وليست وصفًا منتقلًا ولهذا لو قلت: جاءني زيد قرشيًا أو عربيًا لم يجز.

قيل: قوله: { لسانًا عربيًا } حال من الضمير في { مصدق } لا من { كتاب }، لأنه نكرة، والعامل في الحال ما في مصدق من معنى الفعل. فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال والاسم الذي هو صاحب الحال قديم، وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل. وإنما كان عربيًا حين أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما بين يديه من الكتاب. فقد أوضحت فيه معنى الحال وبرح الإشكال.

قلت: كلا بل زدت الإشكال إشكالًا. وليس معنى الآية ما ذهبت إليه، وإنما { لسانًا عربيًا } حال من كتاب، وصح انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وصف. والنكرة إذا وصفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة، كما يصح أن يبتدأ بها.

وأما قوله: إن المعنى مصدق لك، فلا ريب أنه مصدق له. ولكن المراد من الآية أنه مصدق لما تقدم من كتب الله تعالى كما قال: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب }، [147] وقال: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه }، [148] وقال: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه }. [149] أفلا ترى كيف اطرد في القرآن وصف الكتاب بأنه مصدق لما بين يديه. وقال: وباتفاق الناس: أن المراد مصدق لما تقدمه من الكتب. وبهذه الطريق يكون مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون أبلغ في الدليل على صدقه من أن يقال: هذا كتاب مصدق لك فإنه إذا كانت الكتب المتقدمة تصدقها وتشهد بصحة ما فيها مما أنزله الله من غير مواطأة ولا اقتباس منها، دل على أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق كما أن الذي جاء بها كذلك، وأن مخرجهما من مشكاة واحدة.

ولهذا قال النجاشي حين قرىء عليه القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة، يعني فإذا كان موسى صادقًا وكتابه حق فهذا كذلك، إذ من المحال أن يخرج شيئان من مشكاة واحدة ويكون أحدهما باطلًا محضًا والآخر حقًا محضًا. فإن هذا لا يكون إلا مع غاية التباين والتنافر. فالقرآن صدق الكتب المتقدمة وهي بشرت به وبمن جاء به فقام الدليل على صدقه من الوجهين معًا من جهة بشارة من تقدمه به، ومن جهة تصديقه ومطابقته له فتأمله.

ولهذا كثيرًا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن، إذ في ضمنه الاحتجاج على الكتابيينَ بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الطريق. وهي حجة أيضا على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه إذا جاء بمثل ما جاؤوا به من غير أن يتعلم منهم حرفًا واحدًا، دل على أنه من عند الله. وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاؤوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه ودليل على صحة الكتابينِ وصدق الرسولين، لأن الثاني قد جاء بأمر لا يمكن أن ينال بالتعليم أصلًا ولا البعض منه.، فجاء على يدي أمي لا يقرأ كتابًا ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدًا من أهل الكتاب، بل نشأ بينكم وأنتم شاهدون حاله حضرًا وسفرًا وظعنًا وإقامة. فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر ولا في قدرتهم، وهذا برهان بين أبين من برهان الشمس. وقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتضمن ما تقدمه البشارة به فتطابقت حجج الله وبيناته على صدق أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة وثبتت الحجة. فلم يبق لكافر إلا العناد المحض أو الإعراض والصد.

وقوله: إن الاسم الذي هو صاحب الحال قديم وكان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى وداود هذا بناء منه على الأصل الذي انفردت به الكلابية عن جميع طوائف أهل الأرض من أن معاني التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وسائر كتب الله معنى واحد. فالعين لا اختلاف فيها ولا تعدد. وإنما تتعدد وتتكرر العبارات الدالة على ذلك المعنى الواحد فإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وهو نفس التوراة. وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وهو نفس القرآن. وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا وهو أيضا نفس القرآن ونفس التوراة، وكذلك سائر الكتب.

وهذا قول يقوم على بطلانه تسعون برهانًا لا تندفع ذكرها شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية وكيف تكون معاني التوراة والإنجيل هي نفس معاني القرآن وأنت تجدها إذا عربت لا تدانيه ولا تقاربه فضلًا عن أن تكون هي إياه. وكيف يقال إن الله تعالى أنزل هذا القرآن على داود وسليمان وعيسى بعينه بغير هذه العبارات. أم كيف يقال إن معاني كتب الله كلها معنى واحد يختلف التعبير عنها دون المعنى المعبر عنه. وهل هذا إلا دعوى يشهد الحس ببطلانها؟ أم كيف يقال إن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنًا مع تميز القرآن عن سائر الكلام بمعانيه وألفاظه تميزًا ظاهرًا لا يرتاب فيه أحد؟ وبالجملة فهذا الجواب منه بناء على ذلك الأصل.

والجواب الصحيح أن يقال الحال المؤكدة لا يشترط فيها الاشتقاق والانتقال، بل التنقل مما ينافي مقصودها فإنما أتى بها لتأكيد ما تقدمها وتقريره فلا معنى لوصف الاشتقاق والانتقال فيها أصلًا وتسميتها حالًا تعبير نحوي اصطلاحي وإلا فالعرب لم تقل: هذه حال حتى يقال: كيف سميتموها حالًا؟ وهي وصف لازم. وإنما النحاة سموها حالًا فيا لله العجب! من أن تكون تسميتهم الحادثة الاصطلاحية موجبة لاشتراط التنقل والاشتقاق فلو سماها مسم بغير هذا الاسم. وقال: هذه نصب على القطع من المعرفة إذا جاءت بعد معرفة أكان يلزمه هذا السؤال فقد بان لك ضعف ما اعتمده من الجواب وبالله التوفيق.

عاد كلامه، قال: وأما قوله تعالى: { وهو الحق مصدقًا }، [150] فقد حكموا أنها حال مؤكدة. ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل، لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى. وذلك نحو قم قائمًا وأنا زيد معروفًا هذه هي الحال المؤكدة في الحقيقة. وأما وهو الحق مصدقًا فليس بحال مؤكدة لأنه قال: { مصدقًا لما معهم } وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق إذ ليس من شرط الحق أن يكون مصدقًا لفلان ولا مكذبًا له بل الحق في نفسه حق وإن لم يكن مصدقًا لغيره. ولكن مصدقًا هنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: { ويكفرون بما وراءه }، وقوله: { وهو الحق } جملة في معنى الحال أيضا. والمعنى كيف تكفرون بما وراءه وهو في هذه الحال أعني مصدقًا لما معكم كما تقول: لا تشتم زيدًا وهو أمير محسنًا إليك. فالجملة حال ومحسنًا حال بعددها. والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك محسنًا ومصدقًا إنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في محسن ومصدق. ألا ترى أنك لو قلت: أشتم زيدًا محسنًا إليك وهو أمير لذهب الوهم إلى أنك تريد محسنًا إليك في هذه الحال. فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس.

ووجه آخر يطرد في هذه الآية وفي الآية التي في سورة فاطر: { والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه } [151] وهو أن يكون مصدقًا ههنا حالًا يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها الألف واللام، لأن الألف واللام قد تنبىء عما تنبىء عنه أسماء الإشارة. حكى سيبويه لمن الدار مفتوحًا بابها فقولك مفتوحًا بابها حال. لا يعمل فيها الاستقرار الذي يتعلق به لمن، لأن ذلك خلاف المعنى المقصود وتصحيح المعنى لمن هذه الدار مفتوحًا بابها فقد استغني بذكر الألف واللام، وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب بالإشارة إلى النظر وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملًا في الحال.

وكذلك قوله: { وهو الحق مصدقًا } كأنه يقول: ذلك هو الحق مصدقًا، لأن الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة، فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال، كما إذا قلت: هذا زيد قائمًا، نبهت الإشارة المخاطب على النظر فكأنك قلت: انظر إلى زيد قائمًا، لأن الاسم الذي هو ذا هو العامل. ولكن مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال. وذلك المعنى هو انظر.

ومما أغنت فيه الألف واللام على الإشارة قولهم اليوم قمت، والساعة جئت، والليلة فعلت والآن قعدت. اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة.

قلت: ليس المراد بقول النحاة حال مؤكدة ما يريدون بالتأكيد في باب التوابع. فالتأكيد المبوب له هناك أخص من التأكيد المراد من الحال المؤكدة. وإنما مرادهم بالحال المؤكدة المقررة لمضمون الجملة بذكر الوصف الذي لا يفارق العامل ولا ينفك عنه. وإن لم يكن معنى ذلك الوصف هو معنى الجملة بعينه وهذا كقولهم زيد أبوك عطوفًا. فإن كونه عطوفًا ليس معنى كونه أباه، ولكن ذكر أبوته تشعر بما يلازمها من العطف، وكذلك قوله: { هو الحق مصدقًا لما بين يديه } فإن ما بين يديه حق، والحق يلازمة تصديق بعضه بعضًا.

وقوله: ليس من شرط الحق أن يكون مصدقًا لفلان. يقال: ليس هذا بنظير لمسألتنا. بل الحق يلزمه لزومًا لا انفكاك عنه تصديق بعضه بعضًا. فتصديق ما بين يديه من الحق هو من جهة كونه حقًا. فهذا معنى قولهم: إنها حال مؤكدة فافهمه. والمعنى أنه لا يكون إلا على هذه الصفة وهي مقررة لمضمون الجملة. فإن كونه مصدقًا للحق المعلوم الثابت مقررًا ومؤكدًا ومبينًا لكونه حقًا في نفسه.

وأما قوله: إنها حال من المجرور في قوله: { ويكفرون بما وراءه }، والمعنى يكفرون به مصدقًا لما معهم. فهذا المعنى وإن كان صحيحًا، لكن ليس هو معنى الحال في القرآن حيث وقعت بهذا المعنى وهب أن هذا يمكن دعواه في هذا الموطن. فكيف يقول في قوله تعالى: { والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه }، والكلام والنظم واحد. وأيضا فالمعنى مع جعل مصدقًا حال من قوله: { وهو الحق } أبلغ وأكمل منه إذا جعل حالًا من المجرور. فإنه إذا جعل حالًا من المجرور يكون الإنكار قد توجه عليهم في كفرهم به حال كونهم مصدقًا لما معهم، وحال كونه حقًا. فيكونان حالًا من المجرور أي يكفرون به في هذه الحال وهذه الحال. وإذا جعل حالًا من مضمون قوله: { وهو الحق } كان المعنى يكفرون به حال كونه حقًا مصدقًا لما معهم فكفروا به في أعظم أحواله المستلزمة للتصديق والإيمان به وهو اجتماع كونه حقًا في نفسه وتصديقه لما معهم. فالكفر به عند اجتماع الوصفين فيه يكون أغلظ وأقبح وهذا المعنى والمبالغة لا تجده فيما إذا قيل يكفرون به حال كونه حقًا وحال كونه مصدقًا لما معهم. فتأمله بديع جدًا فصح قول النحاة والمفسرين في الآية والله أعلم.

فائدة: قولهم هذا بسرا أطيب منه رطبا

قولهم هذا بسرًا أطيب منه رطبًا فيه أسئلة عشرة:

أحدها: ما جهة انتصاب بسرًا ورطبًا أعلى الحال أم خبر كان؟

الثاني: إذا كانا حالين فما هو صاحبهما؟

الثالث: ما العامل في الحالين؟ هل هو أفعل التفضيل، أو اسم الإشارة أو غير ذلك؟

الرابع: إنكم إذا جعلتم العامل أفعل التفضيل لزم تقديم معمول أفعل التفضيل عليه والاتفاق واقع على امتناع زيد منك أحسن وإذا لم يتقدم منك لم يتقدم الحال؟

الخامس: متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين ومتى لا يجوز وما ضابط ذلك؟

السادس: هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين جميعًا أم لا؟

السابع: كيف تصورت الحال في غير المشتق؟

الثامن: إلى أي شيء وقعت الإشارة بقولهم هذا؟

التاسع: هلا قلتم إن بسرًا ورطبًا منصوبان علن خبر كان، وتخلصتم من هذا كله؟

العاشر: هل يشترط في هذه المسألة أن يكون الأسمان المنصوبان اسمين لشيء واحد باعتبار صفتين أو يجوز أن يقع بين شيئين مختلفين نحو هذا بسرًا أطيب منه عنبًا؟

فالجواب في هذه المسائل.

أما السؤال الأول: فجهة انتصابه على الحال في أصح القولين وهو اختيار سيبويه ومحققي أصحابه خلافًا لمن زعم أنه خبر كان، وسيأتي إبطاله في جواب السؤال التاسع وإنما جعله سيبويه حالًا، لأن المعنى عليه فإن المخبر إنما يفضله على نفسه باعتبار حالين من أحواله. ولولا ذلك لما صح تفضيل الشيء على نفسه. فالتفضيل إنما صح باعتبار الحالين فيه. فكان جهة انتصابهما على الحال لوجود شروط الحال وسيأتي الكلام على شرط الاشتقاق. فلما كان هذا الباب لا يذكر إلا لتفضيل شيء في زمان، أو على حال على نفسه في زمان، أو على حال أخرى وسائر وجوه النصب متعذرة فيه إلا الحال، أو كونه خبرًا لكان. وسيأتي بطلان الثاني فيتعين أن يكون حالًا. فإن قلت: فهلا جعلته تمييزًا. قلت. يأتي ذلك أنه ليس من قسمي التميير فإنه ليس من المقادير المنتصبة عن تمام الاسم، ولا من التمييز المنتصب عن تمام الجملة فلا يصح أن يكون تمييزًا.

فصل: صاحب الحال

وأما السؤال الثاني: وهو ما هو صاحب الحال ههنا فجوابه أنه الاسم المضمر في أطيب الذي هو راجع إلى المبتدأ من خبره. فبسرًا حال من ذلك الضمير، ورطبًا حال من المضمر المجرور بمن. وإن كان المجرور بمن هو المرفوع المستتر في أطيب من جهة المعنى. ولكنه نزل منزلة الأجنبي، ألا ترى أنك لو قلت: زيد قائمًا أخطب من عمرو قاعدًا. لكان قاعدًا حال من الاسم المخفوض بمن وهو عمرو، فكذلك رطبًا حال من الاسم المجرور بمن.

هذا قول جماعة من البصريين. وقال أبو علي الفارسي: صاحب الحالين المضمر المستكن في كان المقدرة التامة. وأصل المسألة هذا إذا كان أي وجد بسرًا أطيب منه. إذا كان أي وجد رطبًا فبسرًا ورطبًا حالان من المضمر المستكن في كان.

وهذان القولان مبنيان على المسألة الثالثة: وهو ما هو العامل في هذه الحال، وفيه أربعة أقوال:

أحدها: أنه ما في أطيب من معنى الفعل، لأنك تريد أن طيبه في حال البسرية يزيد على طيبه في حال الرطبية، فالطيب أمر واقع في هذه الحال.

القول الثاني: إن العامل فيها كان الثانية المقدرة وهذا اختيار أبي علي.

والقول الثالث: إن العامل فيها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل أي أشير إليه بسرًا.

والقول الرابع: إنه ما في حرف التنبيه من معنى الفعل.

والمختار القول الأول وهو العامل فيها ما في أطيب من معنى الفعل. وإنما اخترناه لوجوه:

أحدها: أنهم متفقون على جواز زيد قائمًا أحسن منه راكبًا، وثمرة نخلتي بسرًا أطيب منه رطبًا. والمعنى في هذا كالمعنى في الأول سواء وهو تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالين: فانتفى اسم الإشارة وحرف التنبيه ودار الأمر بين القولين الباقيين: أن يكون العامل كان مقدرة أو أطيب. والقول بإضمار كان ضعيف فإنها لا تضمر إلا حيث كان في الكلام دليل عليها. نحو قولهم: إن خيرًا فخير وبابه، لأن الكلام هناك لا يتم إلا بإضمارها بخلاف هذا، وأيضا فإن كان الزمانية ليس المقصود منها الحدث. وإنما هي عبارة عن الزمان، والزمان لا يضمر، وإنما يضمر الحدث إذا كان في الكلام ما يدل عليه وليس في الكلام ما يدل على الزمان الذي يقيد به الحدث إلا أن يلفظ به. فإن لم يلفظ به لم يعقل.

فإن قلت: فمن ههنا قالوا: إن كان ههنا تامة غير ناقصة. بل قد خلعوا منها الدلالة على الزمان وجردوها لنفس الحدث.

قلت: هذا كلام من لم يحصل معنى كان التامة والناقصة كما ينبغي. فإن كان الناقصة والتامة يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز إضمار واحد منهما وكشف ذلك يطول، لكن نشير إلى بعض وهو أن القائل إذا قال كان برد وكان مطر فهو بمنزلة وقع وحدث، وكذا غيرهما من الأفعال اللازمة، والزمان جزء مدلول الفعل فلا يجوز أن يخلعه ويجرد عنه. وإنما الذي خلع من كان التامة اقتضاؤها خبرًا يقارن زمانها وبقيت تقتضيه مرفوعًا يقارن زمانها، كما كان يقارنه الخبر، فلا فرق بينهما أصلًا فإن الزمان الذي كان الخبر يقترن به هو بعينه الزمان الذي اقترن به مرفوعًا وينزل مرفوعها في تمامها به منزلة خبرها إذا كانت ناقصة فتأمل هذا السر الذي أغفله كثير عن النحاة.

ويبطل هذا المذهب أيضا بشيء آخر وهو كثرة الإضمار. فإن القائل به يضمر ثلاثة أشياء إذا والفعل والضمير، وهذا تعد لطور الإضمار، وقول بلا دليل عليه.

الوجه الثاني من وجوه الترجيح: أن العامل في الحال لو كان معنى الإشارة إلى الحال لا إلى الجوهر وهذا باطل. فإنه إنما يشير إلى ذات الجوهر ولهذا يصح إشارته إليه. وإن لم يكن على تلك الحال. كما إذا أشار إلى تمر يابس. وقال: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا. فإنه يصح ولو كان العامل في الحال هو الإشارة لم تصح المسألة.

الوجه الثالث: أنه لو كان العامل معنى الإشارة لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقًا، لأن تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة إذا كان مبتدأ لا يوجب تقديم خبره إذا أخبرت عنه. ولهذا تقول: هذا ضاحكًا أبي. فالإخبار عنه بالأبوة غير مقيد بحال ضحكه. بل التقييد للإشارة فقط. والإخبار بالأبوة وقع مطلقًا عن الذات. فاعتصم بهذا الموضع فإنه ينفعك في كثير من المواضع. وإذا عرف هذا وجب أن يكون الخبر بأطيب وقع عن المشار إليه مطلقًا.

الوجه الرابع: إن العامل لو لم يكن هو أطيب لم تكن إلا طيبية مقيدة بالبسرية. بل تكون مطلقة. وإذا لم تكن مقيدة فسد المعنى، لأن الغرض تقييد الأطيبية بالبسرية مفضلة على الرطبية وهذا معنى العامل. وإذا ثبت أن الأطيبية مقيدة بالبسرية وجب أن يكون بسرًا معمولًا لأطيب.

فإن قلت: فلأجل هذا قدرنا الظرف المقيد حتى يستقيم المعنى، وقلنا: تقديره هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا أي هذا في وقت بسريته أطيب منه في وقت رطبيته.

قلت: هذا يحتاج إليه إذا لم يكن في اللفظ ما يغني عنه ويقوم مقامه. فأما إذا كان معنا ما يغني عنه فلا وجه لتكلف إضماره وتقديره.

فإن قلت: لو كان العامل هو أطيب لزم منه المحال، لأنه يستلزم تقييده بحالين مختلفين وهذا ممتنع.

قلت: الجواب عن هذا أن العامل في الحالين وصاحبهما متعدد ليس متحدًا. أما العامل في الحال الأولى فهو ما في أطيب من معنى الفعل، لأنك إذا قلت: هذا أطيب من هذا تريد أنه طاب وراد طيبه عليه، والطيب أمر ثابت له في حال البسرية قال سيبويه: هذا باب ما ينصب من الأسماء على أنها أحوال وقعت فيها الأمور.

وأما الحال الثانية وهي رطبًا، فالعامل فيها معنى الفعل الذي هو متعلق الجار في قولك منه. فإن منه متعلق بمعنى غير الطيب، لأن طاب يطيب لا يتعدى بمن. ولكن صيغة الفعل تقتضي التفضيل بين شيئين مشتركين في صفه واحدة إلا أن أحدهما متميز من الآخر منفصل منه بزيادة في تلك الصفة. فمعنى التميز والانفصال الذي تضمنه افعل هو الذي تعلق به حرف الجر، وهو الذي يعمل في الحال الثانية. كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف الجر من قولك زيد في الدار قائمًا في الحال التي هي قائمًا.

فإن قلت: فهلا أعملت فيهما جميعًا ما في أطيب.

قلت: لاستلزامه لمحال المذكور، لأن الفعل الواحد لا يقع في حالين كما لا يقع في ظرفين. لا تقول: زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس، ولا جالس خلفك أمامك. فإذا قلت: زيد يوم الجمعة أطيب منه يوم الخميس جاز، لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني، لأنك فضلت حين قلت: أطيب، أو أصح، أو أقوم صحة وقيامًا على صحة أخرى وقيام آخر. وفضلت حال من حال بمزية وزيادة، وكذلك حين قلت: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا. ولا يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك: زيد مسافر يوم الخميس ضحوة، لأن الضحوة داخلة في اليوم، وكذلك سرت راكبًا مسرعًا لدخول الإسراع في السير وتضمنه له ولو قلت: سرت مسرعًا مبطيًا لم يجز لاستحالة الجمع بينهما إلا على تقدير الواو أي مسرعًا تارة ومبطئًا أخرى، وكذلك بسرًا ورطبًا يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخلين. هذا هو الجواب الصحيح عندي.

وأجاب طائفة بأن قالوا: أفعل التفضيل في قوة فعلين، لأن معناه حسن وزاد حسنه وطاب وزاد طيبه. وإذا كان في قوة فعلين فهو عامل في بسرًا باعتبار حسن وطاب، وفي رطبًا باعتبار زاد. حتى لو فككت ذلك لقلت هذا زاد بسرًا في الطيب على طيبه في حال كونه رطبًا. فاستقام المعنى المطلوب. وهذا جواب حسن والأول أمتن، فتأملهما.

فصل: تقديم معمول أفعل التفضيل عليه

وأما السؤال الرابع: وهو تقديم معمول أفعل التفضيل عليه. فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: لا نسلم امتناع تقديم معموله عليه. وقولكم: الإتفاق واقع على امتناع زيد منك أحسن غير صحيح لا اتفاق في ذلك، بل قد جوز بعض النحاة ذلك واستدل عليه بقول الشاعر: * كأنه جنى النحل أو ما زودت منه أطيب *

قال هؤلاء: وأفعل التفضيل لما كان في قوة فعلين جاز تقديم معموله عليه. قالوا وتقديمه أقوى من قولك أنا لك محب، وفيك راغب وعندك مقيم. ولاستقصاء الحجج في هذه المسألة موضع آخر.

الوجه الثاني: سلمنا امتناع تقديم معموله، ولا يقال زيد منك أحسن. فهذا الأمر يختص بقولهم منك لا يتعدى إلى الحال والظرف وذلك لأن منك في معنى المضاف إليه بدليل أن قولهم زيد أحسن منك بمنزلة زيد أحسن الناس في قيام أحدهما مقام آخر وأنهم لا يجمعون بينهما، فلما قام المضاف إليه مقامه لكونه المفضل عليه في المعنى كرهوا تقديمه على المضاف، لأنه خلاف لغتهم، فلا يلزم من امتناع تقديم معمول هو كالمضاف إليه امتناع تقديم معمول، ليس كهو. وهذا بين.

وجواب ثالث: وهو أنهم إذا فضلوا الشيء على نفسه باعتبار حالين. فلا بد من تقديم أحدهما على العامل وإن كان مما لا يسوغ تقديمه لو لم يكن كذلك فإذا فضلوا ذاتًا باعتبار حالين قدموا أحدهما على العامل، وأخروا الآخر عنه. فقالوا: زيد قائمًا أحسن منه قاعدًا، وكذلك في التشبيه أيضا، يقولون: زيد قائمًا كعمرو قاعدًا. وإذا جاز تقديم هذا المعمول على الكاف التي هي أبعد في العمل من باب أحسن. فتقديم معمول أحسن أجدر. والغرض هنا بهذا الكلام تفضيل هذه التمرة في حال كونها بسرًا عليها في حال كونها رطبًا.

فصل: عمل العامل الواحد في حالين

وأما السؤال الخامس: وهو متى يجوز أن يعمل العامل الواحد في حالين، فقد فرغنا من جوابه فيما تقدم. وأن ذلك يجوز إذا كانت إحدى الحالين متضمنة للأخرى نحو جاء زيد راكبًا مسرعًا، وكذلك يعمل في الظرفين إذا تضمن أحدهما الآخر. نحو سرت يوم الخميس بكرة.

فصل: التقديم والتأخير في الحالين

وأما السؤال السادس: وهو هل يجوز التقديم والتأخير في الحالين أم لا؟ فالجواب عنه أن الحال الأولى يجوز فيها ذلك، لأن العامل فيها لفظي وهو ما في أطيب من معنى الفعل فلك أن تقول: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، وأن تقول: هذا أطيب بسرًا منه رطبًا وهو الأصل.

فإن قلت: إذا كان هذا هو الأصل فلم مثل سيبويه بها مقدمة وكان ذلك أحسن عنده من أن يؤخرها.

قلت: كأنه أراد تأكيد معنى الحال فيها، لأنه ترجم عن الحال فلو أخرها لأشبهت التمييز، لأنك إذا قلت: هذا الرجل أطيب بسرًا من فلان، فبسرًا لا محالة تمييز، وإذا قدمت بسرًا على أطيب، من كذا فبسرًا لا محالة حال ولا يصح أن يخبر بهذا الكلام عن رجل، ولا عن شيء سوى التمر وما هو في معناه. فإذا قلت: هذا بسرًا احتمل الكلام قبل تمامه وقبل النظر في قرائن أحواله أن يكون بسرًا تمييزًا، وأن يكون حالًا وبينهما في المعنى فرق عظيم. فاقتضى تخصيص المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى على عاملها. ولو أخرت لجاز.

وأما الحال الثانية فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها، لأنه معنوي والعامل المعنوي لا يتصور تقديم معموله عليه، لأن العامل اللفظي إذا تقدم على منصوبه الذي حقه التأخير. قلت: فيه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى فإن لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم يتصور تقديم المعمول عليه، لأنه لا بد من تأخير المعمول على عامله في المعنى. فلا يوجد تعد إلا وعامله متقدم عليه، لأنه منوي غير ملفوظ به فلا تذهب النية والوهم إلى غير موضعه بخلاف اللفظي. فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعنى القلب. فإذا ذهب اللسان باللفظ إلى غير موضعه لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه وهو التقديم.

فصل: تصور الحال في غير المشتق

وأما السؤال السابع: وهو كيف يتصور الحال في غير المشتق فاعلم أنه ليس لاشتراط الاشتقاق حجة ولا يقوم على هذا الشرط دليل. ولهذا كان الحذاق من النحاة على أنه لا يشترط بل كل ما دل على هيئة صح أن يقع حالًا. فلا يشترط فيها إلا أن تكون دالة على معنى متحول. ولهذا سميت حالًا كما قال:

لو لم تحل ما سميت حالًا ** وكل ما حال فقد زالا

فإذا كان صاحب الحال قد أوقع الفعل في صفة غير لازمة للفعل فلا تبالي. أكانت مشتقة أم غير مشتقة فقد جاء في الحديث يتمثل لي الملك رجلًا فوقع رجلًا هنا حالًا، لأن صورة الرجلية طارئة على الملك في حال التمثل وليست لازمة للملك إلا في وقت وقوع الفعل منه وهو التمثل فهي إذًا حال، لأنه قد تحول إليها ومثله: { يخرجكم طفلًا }، [152] ومثله: { هذه ناقة الله لكم آية }، [153] ومثله: { فتمثل لها بشرًا }. [154] ويقولون: مررت بهذا العود شجرًا، ثم مررت به رمادًا وهذا زيد أسدًا، وتأويل هذا كله بأنه معمول الحال والتقدير يشبه بعيد جدًا، وكذا تأويل ذلك كله بمشتق تعسف ظاهر والتحقيق ما تقدم وأنها كلها أحوال وإن كانت جامدة، لأنها صفات يتحول الفاعل إليها وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فعلية بل فيها نفسية ومعنوية وعدمية وهي صفة النفي، وإضافية وفعلية ولا يكون من جميعها حالًا إلا ما كان الفعل واقعا فيه وجاز خلوه عنها. فأما ما كان لازمًا للاسم مما لا يجوز خلوه عنه فلا يكون حالًا منتصبة بالفعل. نحو قولك: قرشي وعربي وحبشي وابن وبنت وأخ وأخت، فكل هذه لا يتصور وقوعها أحوالًا، لأنها لا تتحول.

فصل: مدلول الإشارة بقولك هذا

وأما السؤال الثامن: وهو إلى أي شيء وقعت الإشارة بقولك هذا؟

فالجواب أن متعلق الإشارة هو الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بلحًا، ثم يكون سيابًا ثم جدالًا، ثم بسرًا إلى أن يكون رطبًا. فمتعلق الإشارة المحل الحامل لهذه الأوصاف. فالإشارة إلى شيء ثالث غير البسر والرطب وهو حامل االبسرية والرطبية، وقد عرفت بهذا أنه لا ينبغي تخصيص الإشارة بقولهم إنها إلى البلح والطلع والجدال كل ذلك تمثيل، والتحقيق أن الإشارة إلى الحقيقة الحاملة لهذه الصفات والذي يدل على هذا أنك تقول: زيد قائمًا أخطب منه قاعدًا. وقال عبد الله بن سلام لعثمان: أنا خارجًا أنفع لك مني داخلًا، فلا إشارة ولا مشار هنا، وإنما هو إخبار عن الاسم الحامل للصفات التي منها القيام والقعود، ولا يصح أن يكون متعلق الإشارة صفة البسرية، ولا الجوهر بقيد تلك الصفة، لأنك لو أشرت إلى البسرية وكان الجوهر بقيدها لم يصح تقييده بحال الرطبية، فتأمله فلم تبق إلا أن تكون الإشارة إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال. وقد تبين لك بطلان قول من زعم أن متعلق الإشارة في هذا هو العامل في بسر. فإن العامل فيها إما ما تضمنه أطيب من الفعل، وإما كان المقدرة وكلاهما لا يصح تعلق الإشارة به.

فصل: هل النصب على أنه خبر كان

وأما السؤال التاسع وهو قوله: هلا قلتم إنه منصوب على أنه خبر كان.

فجوابه إن كان لو أضمرت لأضمر ثلاثة أشياء. الظرف الذي هو إذا وفعل كان ومرفوعها، وهذا لا نظير له إلا حيث يدل عليه الدليل وقد تقدم ذلك، وقد منع سيبويه من إضمار كان فقال: لو قلت عبد الله المقتول تريد كان عبد الله المقتول لم يجز. وقد تقدم ما يدل على امتناع إضمار كان فلا نطول بإعادته وإذا لم يجز إضمار كان على انفرادها فكيف يجوز اضمار إذ وإذا معها وأنت لو قلت: آتيك جاء زيد تريد إذا جاء زيد كان خلفًا من الكلام بإجماع، وإذا كان كذلك كان الإضمار من هذا الموطن أبعد، لأنه لا يدري ههنا أئذ تريد أم إذا وفي قولك: سآتيك لا يحتمل إلى أحدهما بخلاف قولك زيد قائمًا أخطب منه قاعدًا، وإذا بعد كل البعد إضمار الظرف ههنا. فإضماره مع كان أبعد ومن قدره من النحاة، فإنما أشار إلى شرح المعنى بضرب من التقريب.

فإن قيل: الذي يدل على أنه لا بد من إضمار كان. أن هذا الكلام لا يذكر إلا لتفضيل شيء في زمان من أزمانه على نفسه في زمان آخر، ويجوز أن يكون الزمان المفضل فيه ماضيًا، وأن يكون مستقبلًا، ولا بد من إضمار ما يدل على المراد منهما فيضمر للماضي إذ وللمستقبل إذا. وإذ وإذا يطلبان الفعل وأعم الأفعال وأشملها فعل الكون الشامل لكل كائن ولهذا كثير ما يضمرونه، فلا بد من فعل يضاف إليه الظرف لاستحالة أن تقول: هذا إذ بسرًا أطيب منه إذ رطبًا فتعين إضمار كان لتصحيح الكلام.

قيل: هذا السؤال إنما يلزم إذ أضمرنا الظرف. وأما إذا لم نضمره لم نحتج إلى كان ويكون. وأما قولكم إنه يفضل الشيء على نفسه باعتبار زمانين وإذ وإذا للزمان. فجوابه أن في التصريح بالحالين المفضل أحدهما على الآخر غنية عن ذكر الزمان وتقدير إضماره. ألا ترى أنك إذا قلت: هذا في حال بسريته أطيب منه في حال رطبيته استقام الكلام ولا إذ هنا، ولا إذا لدلالة الحال على مقصود المتكلم من أن التفضيل باعتبار الوقتين، وكذلك تقول: هذا في حال شبوبيته أعقل منه في حال شيخوخته، ونظائر ذلك مما يصح فيه التفضيل باعتبار زمانين من غير ذكر ظرف، ولا تقديره فافهمه.

فصل: اتحاد المفضل والمفضل عليه

وأما السؤال العاشر: وهو أنه هل يشترط اتحاد المفضل والمفضل عليه بالحقيقة؟

فجوابها أن وضعها كذلك. ولا يجوز أن يقال: هذا بسرًا أطيب منه عنبًا، لأن وضع هذا الباب لتفضيل الشيء على نفسه باعتبارين وفي زمانين. قال الأخفش كل ما لا يتحول إلى شيء فهو رفع نحو هذا بسر أطيب منه عنب. فأطيب مبتدأ وعنب خبره. وفي هذا التركيب إشكال. وتوجيهه أن الكلام جملتان إحداهما قولك هذا بسر. والثانية قولك أطيب منه عنب، والمعنى العنب أطيب منه فأفدت خبرين. أحدهما أنه بسر. والثاني أن العنب أطيب منه. ولو قلت هذا البسر أطيب منه عنب لاتضحت المسألة وانكشف معناها والله أعلم.

فهذا ما في هذه المسألة المشكلة من الأسئلة والمباحث علقتها صيدًا لسوانح الخاطر فيها خشية أن لا يعود فليسامح الناظر فيها فإنها علقت على حين بعدي من كتبي وعدم تمكني من مراجعتها وهكذا غالب هذا التعليق. إنما هو صيد خاطر والله والمستعان.

(مسألة سلام عليكم ورحمة الله)

سلام عليكم ورحمة الله

في هذا التسليم ثمانية وعشرون سؤالًا.

السؤال الأول: ما معنى السلام وحقيقته؟

السؤال الثاني: هل هو مصدر أو اسم؟

السؤال الثالث: هل قول المسلم سلام عليكم خبر أو إنشاء وطلب؟

السؤال الرابع: ما معنى السلام المطلوب عند التحية وإذا كان دعاء وطلبًا فما الحكمة في طلبه عند التلاقي والمكاتبة دون غيره من المعاني؟

السؤال الخامس: إذا كان من السلامة فمعلوم أن الفعل منها لا يتعدى بعلى فلا يقال سلامة عليك وسلمت عليك بكسر اللام وإنما يقال سلام لك كما قال تعالى: { فسلام لك من أصحاب اليمين }. [155]

السؤال السادس: ما الحكمة في الابتداء بالنكرة في السلام مع كون الخبر جارًا ومجرورًا وقياس العربية تقديم الخبر في ذلك نحو في الدار رجل؟

السؤال السابع: لم اختص المسلم بهذا النظم والراد بتقديم الجار والمجرور على السلام وهلا كان رده بتقديم السلام مطلقًا كابتدائه؟

السؤال الثامن: ما الحكمة في كون سلام المبتدي بلفظ النكرة وسلام الراد عليه بلفظ المعرفة وكذلك ما الحكمة في ابتداء السلام قف المكاتبة بالنكرة وفي آخرها بالمعرفة فيقال أولا سلام عليكم، وفي انتهاء المكاتبة والسلام عليكم. وهل هذا التعريف لأجل العهد وتقدم السلام أم لحكمة سوى ذلك.

السؤال التاسع: ما الفائدة في دخول الواو العاطفة في السلام الآخر؟ فيقول أولا سلام عليكم، وفي الانتهاء والسلام عليكم، وعلى أي شيء هذا العطف؟

السؤال العاشر: ما السر في نصب السلام في تسليم الملائكة ورفعه في تسليم إبراهيم وهل هو كما تقول: النحاة أن سلام إبراهيم أكمل لتضمنه جملة إسمية دالة على الثبوت وتضمن سلام الملائكة صيغة جملة فعلية دالة على الحدوث أم لسر غير ذلك؟

السؤال الحادي عشر: ما السر في نصب السلام؟ من قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا }، [156] ورفعه من قوله: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم }، [157] أو ما الفرق بين الموضعين؟

السؤال الثاني عشر: ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله والسلام إنما هو طلب السلامة للمسلم عليه فكيف يتصور هذا المعنى في حق الله؟ وهذا من أهم الأسئلة وأحسنها.

السؤال الثالث عشر: إذا ظهرت حكمة سلامه تعالى عليهم فما الحكمة في كونه سلم عليهم بلفظ النكرة وشرع لعباده أن يسلموا على رسوله بلفظ المعرفة؟ فيقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكذلك سلامهم على أنفسهم وعلى عباد الله الصالحين.

السؤال الرابع عشر: ما السر في تسليم الله على يحيى بلفظ النكرة في قوله: وسلام عليه وتسليم المسيح نفسه بلفظ المعرفة بقوله: { والسلام علي }، وأي السلامين أتم وأعم.

السؤال الخامس عشر: ما الحكمة في تقييد هذين السلامين بهذه الأيام الثلاثة: { يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا }، [158] خاصة مع أن السلام مطلوب في جميع الأوقات فلو أتى به مطلقًا. أما كان أعم. فإن هذا التقييد خص السلام بهذه الأيام خاصة؟

السؤال السادس عشر: ما الحكمة في تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على من اتبع الهدى في كتاب هرقل بلفظ النكرة، وتسليم موسى على من اتبع الهدى بلفظ المعرفة ليطابق القرآن وما الفرق بينهما؟

السؤال السابع عشر: قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى }، [159] هل هذا سلام من الله فيكون الكلام قد تضمن جملتين طلبية وهي الأمر بقوله: قل الحمد لله، وخبرية وهي سلامه تعالى على عباده وعلى هذا، فيكون من باب عطف الخبر على الطلب أو هو أمر من الله بالسلام عليهم. وعلى هذا فيكون قد أمر بشيئين أحدهما قول الحمد لله، والثاني قول سلام على عباده الذين اصطفى ويكون كلاهما معمولًا لفعل القول وأي المعنيين أليق بالآية.

السؤال الثامن عشر: روى أبو داود في سننه من حديث أبي جري الهجيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت عليك السلام يا رسول الله فقال: «لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى»، قال الترمذي: حديث صحيح وقد صح عنه في السلام على الأموات فعلًا وأمرًا السلام عليكم دار قوم مؤمنين فما وجه هذا الحديث وكيف الجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة؟

السؤال التاسع عشر: ما وجه دخول الواو في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» وقد استشكل كثير من الناس أمر هذه الواو حتى أنكر بعضهم من الحذاق أن تكون ثابتة، قال: لأن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الأول وتصديقه. كما إذا قلت زيد كاتب. فقال: المخاطب وفقيه فإنه يقتضي إثبات الأول وزيادة وصف فقيه. فكيف دخلت في هذا الموضع وما وجهها؟

السؤال العشرون: ما السر في اقتران الرحمة والبركة بالسلام دون غيرها من الصفات كالمغفرة والبر والإحسان ونحو هذا؟

السؤال الحادي والعشرون: لم كانت نهاية السلام عند قوله وبركاته ولم تشرع الزيادة عليها.

السؤال الثاني والعشرون: ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى وتجريد السلام عن هذه الإضافة ولم لا أضيفت كلها أو جردت كلها.

السؤال الثالث والعشرون: ما الحكمة في إفراد السلام والرحمة وجمع البركة.

السؤال الرابع والعشرون: ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بالمصدر دون الصلاة في قوله تعالى: { صلوا عليه وسلموا تسليمًا }، [160] ولم يقل صلوا صلاة.

السؤال الخامس والعشرون: ما الحكمة في تقديم السلام عليه في الصلاة على الصلاة عليه، وهلا وقعت البداءة بالصلة عليه أولًا، ثم اتبعت بالسلام لتصح البداءة بما بدأ الله به من تقديم الصلاة على السلام؟

السؤال السادس والعشرون: ما الحكمة في كون السلام عليه في الصلاة بصيغة خطاب المواجهة؟ وأما الصلاة عليه فجاءت بصيغة الغيبة لذكره باسم العلم.

السؤال السابع والعشرون: وهو ما جر إليه طرد الكلام ما الحكمة في كون الثناء على الله ورد بصيغة الغيبة في قولنا التحيات الله مع أنه سبحانه هو المناجي المخاطب الذي يسمع كلامنا ويرى مكاننا، وجاء السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الخطاب. مع أن الحال كان يقتضي العكس فما الحكمة في ذلك؟

السؤال الثامن والعشرون: وهو خاتمة الأسئلة ما السر في كون السلام خاتمة الصلاة وهلا كان في ابتدائها. وإذا كان كذلك. فما السر في مجيئه معرفًا وهلا جاء منكرًا؟

أما السؤال الأول: وهو ما حقيقة هذه اللفظة. فحقيقتها البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. وعلى هذا المعنى تدور تصاريفها فمن ذلك، قولك: سلمك الله وسلم فلان من الشر. ومنه دعاء المؤمنين على الصراط رب سلم اللهم سلم ومنه سلم الشيء لفلان. أي خلص له وحده. فخلص من ضرر الشركة فيه قال تعالى: { ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل }. [161] أي خالصًا له وحده لا يملكه معه غيره. ومنه السلم ضد الحرب قال تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }، [162] لأن كلًا من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر ولهذا يبني منه على المفاعلة. فيقال: المسالمة مثل المشاركة. ومنه القلب السليم وهو النقي من الغل والدغل. وحقيقته الذي قد سلم الله وحده. فخلص من دغل الشرك وغله ودغل الذنوب والمخالفات. بل هو المستقيم على صدق حبه، وحسن معاملته. فهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته، ومنه أخذ الإسلام فإنه من هذه المادة، لأنه الاستسلام والانقياد لله، والتخلص من شوائب الشرك فسلم لربه، وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه ليس فيه شركاء متشاكسون، ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم المخلص الخالص لربه والمشرك به.

ومنه السَّلَم للسَّلَف، وحقيقته العوض المسلم فيه، لأن من هو في ذمته قد ضمن سلامته لربه، ثم سمى العقد سلمًا وحقيقته ما ذكرناه.

فإن قيل: فهذا ينتقض بقولهم للديغ سليما.

قيل: ليس هذا بنقض له. بل طرد لما قلناه فإنهم سموه سليمًا باعتبار ما يهمه ويطلبه ويرجو أن يؤول إليه حاله من السلامة. فليس عنده أهم من السلامة ولا هو أشد طلبًا منه لغيرها. فسمي سليمًا لذلك. وهذا من جنس تسميتهم المهلكة مفازة، لأنه لا شيء أهم عند سالكها من فوزه منها أي نجاته. فسميت مفازة لأنه يطلب الفوز منها. وهذا أحسن من قولهم: إنما سميت مفازة وسمي اللديغ سليمًا تفاؤلًا، وإن كان التفاؤل جزء هذا المعنى الذي ذكرناه وداخل فيه فهو أعم وأحسن.

فإن قيل: فكيف يمكنكم رد السلم إلى هذا الأصل.

قيل: ذلك ظاهر، لأن الصاعد إلى مكان مرتفع لما كان متعرضًا للهوي والسقوط طالبًا للسلامة راجيًا لها سميت الآلة التي يتوصل بها إلى غرضه سلمًا لتضمنها سلامته. إذ لو صعد بتكلف من غير سلم لكان عطبه متوقعًا. فصح أن السلم من هذا المعنى.

ومنه تسمية الجنة بدار السلام وفي إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني: أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها سلام. الثالث: أنها إضافة إلى معنى السلامة، أي دار السلامة من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة. وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام. وكان يقال دار الرحمن، أو دار الله، أو دار الملك. ونحو ذلك. فإذا عهدت إضافتها إليه، ثم جاء دار السلام حملت على المعهود، وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها، أو إلى أهلها.

أما الأول فنحو دار القرار دار الخلد جنة المأوى جنات النعيم جنات الفردوس. وأما الثاني فنحو دار المتقين ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله في القرآن فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن.

وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين؛ أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصًا بها كالخلد والقرار والبقاء. الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية، ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر. فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر.

فصل: إطلاق السلام على الله تعالى

وإذا عرف هذا فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به، لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه. فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار. فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه. وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله، فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل والسلام من الشريك. وكذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها، فحياته سلام من الموت ومن السنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقا وعدلا وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه وإلاهيته سلام من مشارك له فيها بل هو الله الذي لا إله إلا هو وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلك أو مصانعة كما يكون من غيره بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه.

وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما أو تشفيا أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه علي إحسانه وثوابه ونعمه بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله وحكمته وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته.

وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل.

وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى. ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق. بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.

واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرض ولا غيره بوجه ما. ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه وسلام مما يضاد غناه وكماله، وسلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء - تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه. وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل.

وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذلك كما يوالي المخلوق المخلوق بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر كما قال تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل }. [163] فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا بل نفي أن يكون له ولي من الذل.

وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه وسلام مما يتقوله المعطلون فيها وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل.

فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان المسئول أن يوفق للتعليق على الأسماء الحسنى على هذا النمط إنه قريب مجيب

فصل: هل السلام مصدر أو اسم مصدر

وأما السؤال الثاني، وهو هل السلام مصدر أو اسم؟

فالجواب أن السلام الذي هو التحية اسم مصدر من سلَّم، ومصدره الجاري عليه تسليم كعلَّم تعليما وفهم تفهيما وكلم تكليما. والسلام من سلم كالكلام من كلم.

فإن قيل: وما الفرق بين المصدر والاسم؟

قلنا: بينهما فرقان لفظي ومعنوي.

أما اللفظي فإن المصدر هو الجاري على فعله الذي هو قياسه كالأفعال من أفعل والتفعيل من فعل والإنفعال من انفعل والتفعلل من تفعلل وبابه. وأما السلام والكلام فليسا بجاريين على فعليهما ولو جريا عليه لقيل تسليم وتكليم.

وأما الفرق المعنوي فهو أن المصدر دال على الحدث وفاعله. فإذا قلت تكليم وتسليم وتعليم ونحو ذلك دل على الحدث ومن قام به، فيدل التسليم على السلام والمسلم وكذلك التكليم والتعليم. وأما اسم المصدر فإنما يدل على الحدث وحده، فالسلام والكلام لا يدل لفظه على مسلِّم ولا مكلم، بخلاف التكليم والتسليم.

وسر هذا الفرق أن المصدر في قولك سلم تسليما وكلم تكليما بمنزلة تكرار الفعل فكأنك قلت سلم سلم وتكلم تكلم والفعل لا يخلو عن فاعله أبدا. وأما اسم المصدر فإنهم جردوه لمجرد الدلالة على الحدث. وهذه النكتة من أسرار العربية، فهذا السلام الذي هو التحية.

وأما السلام الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان:

أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه والمعنى أنه ذو السلام وذو العدل على حذف المضاف.

والثاني أن المصدر بمعنى الفاعل هنا أي السالم كما سميت ليلة القدر سلاما أي سالمة من كل شر بل هي خير لا شر فيها.

وأحسن من القولين وأقيس في العربية أن يكون نفس السلام من أسمائه تعالى كالعدل وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل لكونه غالبا عليه مكررا منه كقولهم رجل صوم وعدل وزور وبابه.

وأما السلام الذي هو بمعنى السلامة فهو مصدر نفسه وهو مثل الجلال والجلالة فإذا حذفت التاء كان المراد نفس المصدر وإذا أتيت بالثاء كان فيه إيذان بالتحديد بالمرة من المصدر كالحب والحبة فالسلام والجمال والجلال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه تاء التحديد. والسلامة والجلالة والملاحة والفصاحة كلها تدل على الخصلة الواحدة.

ألا ترى أن الملاحة خصلة من خصال الكمال والجلالة من خصال الجلال، ولهذا لم يقولوا كمالة كما قالوا مَلاحة وفصاحة، لأن الكمال اسم جامع لصفات الشرف والفضل فلو قالوا كمالة لنقضوا الغرض المقصود من اسم الكمال فتأمله.

وعلى هذا جاءت الحلاوة والأصالة والرزانة والرجاحة لأنها خصلة من مطلق الكمال والجمال محدودة فجاءوا فيها بالتاء الدالة على التحديد؛ وعكسه الحماقة والرقاعة والنذالة والسفاهة فإنها خصال محدودة من مطلق العيب والنقص فجاءوا في الجنس الذي يشمل الأنواع بغير تاء فجاءوا في أنواعه وأفراده بالتاء، وقد تقدم تقرير هذا المعنى وأيضا فلا حاجة إلى إعادته.

فتأمل الآن كيف جاء السلام مجردا عن التاء إيذانا بحصول المسمى التام إذ لا يحصل المقصود إلا به، فإنه لو سلم من آفة ووقع في آفة لم يكن قد حصل له السلام فوضح أن السلام لم يخرج عن المصدرية في جميع وجوهه.

فإن قيل: فما الحكمة في مجيئه اسم مصدر ولم يجيء على أصل المصدر؟

قيل: هذا السر بديع وهو أن المقصود حصول مسمى السلامة للمسلَّم عليه على الإطلاق من غير تقييد بفاعل، فلما كان المراد مطلق السلامة من غير تعرض لفاعل أتوا باسم المصدر الدال على مجرد الفعل ولم يأتوا بالمصدر الدال على الفعل والفاعل معًا، فتأمله.

فصل: هل السلام عليكم إنشاء أم خبر

وأما السؤال الثالث: وهو أن قول المسلم سلام عليكم هل هو إنشاء أم خبر؟

فجوابه: أن هذا ونحوه من ألفاظ الدعاء متضمن للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيه لا تناقض جهة الإنشائية. وهذا موضع بديع يحتاج إلى كشف وإيضاح. فنقول: الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم به نفسه، ونسبة إلى المتكلم فيه إما طلبًا، وإما خبرًا. وله نسبة ثالثة إلى المخاطب لا يتعلق بها هذا الغرض. وإنما يتعلق تحقيقه بالنسبتين الأوليين فباعتبار تينك النسبتين نشأ التقسيم إلى الخبر، والإنشاء ويعلم أين يجتمعان وأين يفترقان. فله بنسبته إلى قصد المتكلم وإرادته لثبوت مضمونه وصف الإنشاء، وله بنسبته إلى المتكلم فيه والإعلام بتحققه في الخارج وصف الأخبار، ثم تجتمع النسبتان في موضع وتفترقان في موضع. فكل موضع كان المعنى فيه حاصلًا بقصد المتكلم وإرادته فقط. فإنه لا يجامع فيه الخبر الإنشاء نحو قوله: بعتك كذا، ووهبتكه وأعتقت وطلقت. فإن هذه المعاني لم يثبت لها وجود خارجي إلا بإرادة المتكلم وقصده. فهي إنشاءات وخبريتها من جهة أخرى وهي تضمنها إخبار المتكلم عن ثبوت هذه النسبة في ذهنه. لكن ليست هذه هي الخبرية التي وضع لها لفظ الخبر وكل موضع كان المعنى حاصلًا فيه من غير جهة المتكلم. وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله ومحبته. فالخبر فيه لا يناقض الإنشاء وهذا نحو سلام عليكم. فإن السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المسلم، وليس للمسلم إلا الدعاء بها ومحبتها فإذا قال: سلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها، وكذلك ويل له قال سيبويه: هو دعاء وخبر ولم يفهم كثير من الناس قول سيبويه على وجهه. بل حرفوه عما أراده به. وإنما أراد سيبويه هذا المعنى أنها تتضمن الإخبار بحصول الويل له مع الدعاء به، فتدبر هذه النكتة التي لا تجدها محررة في غير هذا الموضع هكذا. بل تجدهم يطلقون تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء من غير تحرير. وبيان لمواضع اجتماعهما وافتراقهما. وقد عرفت بهذا أن قولهم سلام عليكم وويل له وما أشبه هذا أبلغ من إخراج الكلام في صورة الطلب المجرد نحو اللهم سلمه.

فصل: معنى السلام المطلوب عند التحية

وأما السؤال الرابع: وهو ما معنى السلام المطلوب عند التحية ففيه قولان مشهوران:

أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم والسلام هنا هو الله عز وجل. ومعنى الكلام نزنت بركة اسمه عليكم، وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم السلام دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده، واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة: السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام». ولكن قولوا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: السلام على الله، لأن السلام على المسلم عليه دعاء له، وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له. فيستحيل أن يسلم عليه. بل هو المسلم على عباده كما سلم عليهم في كتابه. حيث يقول: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين }، [164] وقوله: { سلام على إبراهيم }، [165] { سلام على نوح }، [166] { سلام على إل ياسين }، [167] وقال في يحيى: { وسلام عليه } وقال لنوح: { اهبط بسلام منا وبركات عليك }، [168] ويسلم يوم القيامة على أهل الجنة كما قال تعالى: { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولًا من رب رحيم }، [169] فقولًا منصوب على المصدر، وفعله ما تضمنه سلام من القول، لأن السلام قول.

وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة من، حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم». وقال: «يا أهل الجنة سلام عليكم»، ثم قرأ قوله: { سلام قولًا من رب رحيم }، [170] ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم.

وفي سنن ابن ماجة مرفوعًا أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر، وقال تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }، [171] فهذا تحيتهم يوم يلقونه تبارك وتعالى. ومحال أن تكون هذه تحية منهم له. فإنهم أعرف به من أن يسلموا عليه، وقد نهوا عن ذلك في الدنيا، وإنما هذا تحية منه لهم. والتحية هنا مضافة إلى المفعول فهي التحية التي يحيون بها لا التحية التي يحيونه هم بها. ولولا قوله تعالى في سورة يس: { قولًا من رب رحيم }، لاحتمل أن تكون التحية لهم من الملائكة كما قال تعالى: { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم }. [172] ولكن هذا سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم وهم في منازلهم من الجنة يدخلون مسلمين عليهم، وأما التحية المذكورة في قوله: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }، فتلك تحية لهم وقت اللقاء كما يحيي الحبيب حبيبه، إذا لقيه. فماذا حرم المحجوبون عن ربهم يومئذ؟

يكفي الذي غاب عنك غيبته ** فذاك ذنب عقابه فيه

والمقصود أن الله تعالى يطلب منه السلام. فلا يمتنع في حقه أن يسلم على عباده ولا يطلب له، فلذلك لا يسلم عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو السلام» صريح في كون السلام اسمًا من أسمائه.

قالوا: فإذا قال المسلم: سلام عليكم كان معناها اسم السلام عليكم. ومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر أن رجلًا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار، ثم تيمم ورد عليه وقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر»، قالوا: ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله. وإنما يكون ذكرًا إذا تضمن اسمًا من أسمائه.

ومن حججهم أيضا أن الكفار من أهل الكتاب لا يُبدأون بالسلام. فلا يقال لهم: سلام عليكم. ومعلوم أنه لايكره أن يقال لأحدهم: سلمك الله وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله. فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه. فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة.

القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية. ومن حجة أصحاب هذا القول أن يذكر بلا ألف ولام. بل يقول المسلم سلام عليكم ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك. بل كان يطلق عليه معرفًا كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فإن التنكير لايصرف اللفظ إلى معين فضلًا عن أن يصرفه إلى الله وحده، بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.

ومن حججهم أيضا أن عطف الرحمة والبركة عليه في قوله: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يدل على أن المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله.

ومن حججهم أيضا أنه لو كان السلام هنا اسمًا من أسماء الله لم يستقم الكلام إلا بإضمار وتقدير يكون به مقيدًا، ويكون المعنى بركة اسم السلام عليكم. فإن الاسم نفسه ليس عليهم، ولو قلت: اسم الله عليك كان معناه بركة هذا الاسم ونحو ذلك من التقدير، ومعلوم أن هذا التقدير خلاف الأصل ولا دليل عليه.

ومن حججهم أيضا أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرًا ودعاء كما يأتي في جواب السؤال الذي بعد هذا. ولهذا كان السلام أمانًا لتضمنه معنى السلامة وأمن كل واحد من المسلم والراد عليه من صاحبه. قالوا: فهذا كله يدل على أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وحذفت تاؤه، لأن المطلوب هذا الجنس لا المرة الواحدة منه، والتاء تفيد التحديد كما تقدم.

وفصل الخطاب في هذه المسألة أن يقال الحق في مجموع القولين فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما وإنما نبين ذلك بقاعدة قد أشرنا إليها مرارًا وهي أن من دعا الله بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله. حتى كأن الداعي مستشفع إليه متوسل إليه به فإذا قال: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، فقد سأله أمرين وتوسل إليه بإسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر: «قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» وكذلك قوله للصديق وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» وهذا كثيرًا جدًا فلا نطول بإيراد شواهده.

وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة. فتضمن لفظ السلام معنيين أحدهما ذكر الله كما في حديث ابن عمر. والثاني طلب السلامة وهو مقصود المسلم. فقد تضمن سلام عليكم اسمًا من أسماء الله، وطلب السلامة منه. فتأمل هذه الفائدة.

وقريب من هذا ما روى عن بعض السلف. إنه قال في آمين: إنه اسم من أسماء الله تعالى. وأنكر كثير من الناس هذا القول. وقالوا: ليس في أسمائه آمين، ولم يفهموا معنى كلامه فإنه، إنما أراد أن هذه الكلمة تتضمن اسمه تبارك وتعالى، فإن معناها استجب وأعط ما سألناك فهي متضمنة لإسمه مع دلالتها على الطلب. وهذا التضمن في سلام عليكم أظهر، لأن السلام من أسمائه تعالى. فهذا كشف سر المسألة.

فصل: الحكمة في السلام عند اللقاء

إذا عرف هذا، فالحكمة في طلبه عند اللقاء دون غيره من الدعاء. إن عادة الناس الجارية بينهم أن يحيي بعضهم بعضًا عند لقائه، وكل طائفة لهم في تحيتهم ألفاظ وأمور اصطلحوا عليها. وكانت العرب تقول في تحيتهم بينهم في الجاهلية. أنعم صباحًا وأنعموا صباحًا. فيأتون بلفظة أنعموا من النعمة بفتح النون. وهي طيب العيش والحياة ويصلونها بقولهم صباحًا، لأن الصباح في أول النهار. فإذا حصلت فيه النعمة استصحب حكمها واستمرت اليوم كله فخصوها بأوله إيذانًا لتعجيلها وعدم تأخرها إلى أن يتعالى النهار، وكذلك يقولون: أنعموا مساء. فإن الزمان هو صباح ومساء. فالصباح في أول النهار إلى بعد انتصافه. والمساء من بعد انتصافه إلى الليل. ولهذا يقول الناس: صبحك الله بخير، ومساك الله بخير، فهذا معنى أنعم صباحًا ومساء، إلا أن فيه ذكر الله.

وكانت الفرس يقولون في تحيتهم: "هزار سال بيمائي" [173] أي تعيش ألف سنة. وكل أمة لهم تحية من هذا الجنس أو ما أشبهه، ولهم تحية يخصون بها ملوكهم من هيئات خاصة عند دخولهم عليهم، كالسجود ونحوه، وألفاظ خاصة تتميز بها تحية الملك من تحية السوقة وكل ذلك مقصودهم به الحياة ونعيمها ودوامها. ولهذا سميت تحية وهي تفعلة من الحياة كتكرمة من الكرامة. لكن أدغم المثلان فصار تحية فشرع الملك القدوس السلام تبارك وتعالى لأهل السلام تحية بينهم سلام عليكم وكانت أولى من جميع تحيات الأمم، التي منها ما هو محال وكذب نحو قولهم تعيش ألف سنة، وما هو قاصر المعنى، مثل أنعم صباحًا ومنها ما لا ينبغي إلا لله مثل السجود. فكانت التحية بالسلام أولى من ذلك كله لتضمنها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها. فهي الأصل المقدم على كل شيء.

ومقصود العبد من الحياة إنما يحصل بشيئين؛ بسلامته من السر وحصول الخير كله، والسلامة من الشر مقدمة على حصول الخير وهي الأصل. ولهذا إنما يهتم الإنسان بل كل حيوان بسلامته أولًا، ثم غنيمته ثانيًا. على أن السلامة المطلقة تضمن حصول الخير. فإنه لو فاته حصل له الهلاك والعطب أو النقص والضعف. ففوات الخير يمنع حصول السلامة المطلقة فتضمنت السلامة نجاته من كل شر وفوزه بالخير. فانتظمت الأصلين الذين لا تتم الحياة إلا بهما مع كونها مشتقة من اسمه السلام ومتضمنة له وحذفت التاء منها لما ذكرنا من إرادة الجنس لا السلامة الواحدة. ولما كانت الجنة دار السلامة من كل عيب وشر وآفة، بل قد سلمت من كل ما ينغص العيش، والحياة كانت تحية أهلها فيها سلام، والرب يحييهم فيها بالسلام، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. فهذا سر التحية بالسلام عند اللقاء.

وأما عند المكاتبة فلما كان المراسلان كل منهما غائب عن الآخر ورسوله إليه كتابه يقوم مقام خطابه له، استعمل في مكاتبته له من السلام ما يستعمله معه لو خاطبه لقيام الكتاب مقام الخطاب.

فصل: تعدية السلام بعلى

وأما السؤال الخامس: وهو تعدية هذا المعنى بعلى.

فجواب بذكر مقدمة وهي ما معنى قوله سلمت. فإذا عرف معناها عرف أن حرف على أليق به. فاعلم أن لفظ سلمت عليه، وصليت عليه، ولعنت فلانًا موضوعها ألفاظ هي جمل طلبية وليس موضوعها معاني مفردة. فقولك: سلمت، موضوعه: قلت: السلام عليك. وموضوع صليت عليه قلت: اللهم صل عليه أو دعوت له. وموضوع لعنته قلت: اللهم العنه.

نظير هذا سبحت الله قلت: سبحان الله. ونظيره وإن كان مشتقًا من لفظ الجملة هلل إذا قال: لا إله إلا الله، وحمدل إذا قال: الحمد الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال: حي على الصلاة وبسمل إذا قال بسم الله. قال:

وقد بسملت ليلى غداة لقيتها ** ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل

وإذا ثبت هذا فقولك: سلمت عليه أي ألقيت عليه هذا اللفظ وأوضعته عليه إيذانًا باشتمال معناه عليه كاشتمال لباسه عليه. وكان حرف على أليق الحروف به فتأمله.

وأما قوله تعالى: { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين }، [174] فليس هذا سلام تحية ولو كان تحية لقال: فسلام عليه كما قال: { سلام على إبراهيم }، [175] { سلام على نوح }، [176] ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله. فذكر أنهم ثلاثة أقسام. مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم. ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة فوعده بالسلامة ووعد المقرب بالغنيمة والفوز. وإن كان كل منهما سالمًا غانمًا... وظالم بتكذيبه وضلاله. فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم. فلما لما يكن المقام مقام تحية، وإنما هو مقام أخبار عن حاله ذكر ما يحصل له من السلامة.

فإن قيل: فهذا فرق صحيح. لكن ما معنى اللام في قوله لك، ومن هو المخاطب بهذا الخطاب، وما معنى حرف من في قوله من أصحاب اليمين؟ فهذه ثلاثة أسئلة في الآية.

قيل: قد وفينا بحمد الله بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية، وبين سلام التحية وهو الذي كان المقصود. وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا، ولكن نجيب عنها إكمالًا للفائدة بحول الله وقوته، وإن كنا لم نر أحدًا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل، ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ، بل منهم من يقول المعنى فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين ومنهم من يقول غير ذلك مما هو حرم على معناها من غير ورود.

فاعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له. ومن ذلك قوله تعالى: { أولئك لهم اللعنة }، [177] ولم يقل عليهم اللعنة إيذانًا بحصول معناها وثبوته لهم. وكذلك قوله: { ولكم الويل مما تصفون }. [178] ويقول في ضد هذا: لك الرحمة، ولك التحية، ولك السلام. ومنه هذه الآية: { فسلام لك }، أي ثبت لك السلام وحصل لك.

وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب فهو خطاب للجنس، أي فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين، كما تقول هنيئًا لك يا من هو منهم. ولهذا والله أعلم أتى بحرف من في قوله: { من أصحاب اليمين }. [179] والجار والمجرور في موضع حال أي سلام لك كائنًا من أصحاب اليمين، كما تقول: هنيئًا لك من أتباع رسول الله وحزبه، أي: كائنًا منهم، والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال كما تقول: أحببتك من أهل الدين والعلم، أي: كائنًا منهم. فهذا معنى هذا الآية، وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير فقد حام عليه منهم من حام وما ورد ولا كشف المعنى ولا أوضحه. فراجع ما قالوه والله الموفق المان بفضله.

فصل: الابتداء بالنكرة في السلام

وأما السؤال السادس: وهو ما الحكمة في الابتداء بالنكرة ههنا مع أن الأصل تقديم الخبر عليها؟ هذا سؤال قد تضمن سؤالين؛ أحدهما: حكمة الابتداء بالنكرة في هذا الموضع. الثاني: أنه إذ قد ابتدىء بها فهلا قدم الخبر على المبتدأ، لأنه قياس الباب، نحو: في الدار رجل؟

والجواب عن السؤال الأول أن يقال: النحاة قالوا: إذا كان في النكرة معنى الدعاء مثل سلام لك وويل له جاز الابتداء بها، لأن الدعاء معنى من معاني الكلام. فقد تخصصت النكرة بنوع من التخصيص. فجاز الابتداء بها وهذا كلام لا حقيقة تحته. فإن الخبر أيضا نوع من أنواع الكلام ومع هذا فلا تكون جهة الخبر مسوغة للابتداء بالنكرة، فكيف تكون جهة الدعاء مسوغة للابتداء بها؟

وما الفرق بين كون الدعاء نوعًا والخبر نوعًا والطلب نوعًا، وهل يفيد ذلك تعيين مسمى النكرة حتى يصلح الإخبار عنها؟ فإن المانع من الإخبار عنها ما فيها من الشياع والإبهام الذي يمنع من تحصيلها عند المخاطب في ذهنه حتى يستفيد نسبة الإسناد الخبري إليها. ولا فرق في ذلك بين كون الكلام دعاء أو خبرًا. وقول من قال: إن الابتداء بالنكرة. إنما امتنع حيث لا يفيد نحو رجل في الدنيا ورجل مات ونحو ذلك. فإذا أفادت جاز الابتداء بها من غير تقييد بضابط ولا حصر بعد. وأحسن من تقييد ذلك يكون الكلام دعاء، أو في قوة كلام آخر وغير ذلك من الضوابط المذكورة. وهذه طريقة إمام النحو سيبويه. فإنه في كتابه لم يجعل للابتداء بها ضابطًا ولا حصره بعدد. بل جعل مناط الصحة الفائدة وهذا هو الحق الذي لا يثبت عند النظر سواه. وكل من تكلف ضابطًا فإنه ترد عليه ألفاظ خارجة عنه. فأما أن يتمحل لردها إلى ذلك الضابط. وإما أن يفردها بضوابط آخر حتى آل الأمر ببعض النحاة إلى أن جعل في الباب ثلاثين ضابطًا، وربما زاد غيره عليها، وكل هذا تكلف لا حاجة إليه. واسترحت من "شَرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ" [180] وبابه.

فإن قلت: فما عندك من الضابط إذا سلكت طريقتهم في ذلك؟

قلت: اسمع الآن قاعدة جامعة في هذا الباب لا يكاد يشذ عنها شيء منه. أصل المبتدأ أن يكون معرفة أو مخصوصًا بضرب من ضروب التخصيص بوجه تحصل الفائدة من الإخبارى عنه. فإن انتفت عنه وجوه التخصيص بأجمعها فلا يخبر عنه إلا أن يكون الخبر مجرورًا مفيدًا معرفة، مقدمًا عليه بهذه الشروط الأربعة، لأنه إذا تقدم وكان معرفة صار كان الحديث عنه وكأن المبتدأ المؤخر خبر عنه.

ومثال ذلك إذا قلت على زيد دين، فإنك تجد هذا الكلام في قوة قولك زيد مديان أو مدين. فمحط الفائدة هو الدين وهو المستفاد من الأخبار فلا تنحبس في قيود الأوضاع. وتقول على زيد، جار ومجرور فكيف يكون مبتدأ فأنت تراه هو المخبر عنه في الحقيقة وليس المقصود الإخبار عن الدين بل عن زيد بأنه مديان، وإن كثف ذهنك عن هذا. فراجع شروط المبتدأ وشروط الخبر. وإن لم يكن الخبر مفيدًا لم تفد المسألة شيئًا. وكان لا فرق بين تقديم الخبر وتأخيره، كما إذا قلت في الدنيا: رجل كان في عدم الفائدة بمنزلة قولك رجل في الدنيا. فهنا لم تمتنع الفائدة بتقديم ولا تأخير. وإنما امتنعت من كون الخبر غير مفيد. ومثل هذا قولك في الدار امرأة فإنه كلام مفيد، لأنه بمنزلة قولك الدار فيها امرأة. فأخبرت عن الدار بحصول المرأة فيها في اللفظ والمعنى. فإنك لم ترد الإخبار عن المرأة بأنها في الدار، ولو أردت ذلك لحصلت حقيقة المخبر عنه أولًا، ثم أسندت إليه الخبر. وإنما مقصودك الإخبار عن الدار بأنها مشغولة بامرأة، وأنها اشثملت على امرأة فهذا القدر هو الذي حسن الإخبار عن النكرة ههنا فإنها ليست خبرًا في الحقيقة. وإنما هي في الحقيقة خبر عن المعرفة المتقدمة فهذا حقيقة الكلام، وأما تقديره الإعرابي النحوي فهو أن المجرور خبر مقدم، والنكرة مرفوعة بالابتداء.

فإن قلت: فمن أين امتنع تقديم هذا المبتدأ في اللفظ، فلا تقول: امرأة في الدار ودين على زيد؟

قلت: لأن النكرة تطلب الوصف طلبًا حثيثًا فيسبق الوهم إلى أن الجار والمجرور وصف لها لا خبر عنها إذ ليس من عادتها الإخبار عنها إلا بعد الوصف لها. فيبقى الذهن متطلعًا إلى ورود الخبر عليه وقد سبق إلى سمعه. ولكن لم يتيقن أنه الخبر بل يجوز أن يكون وصفًا فلا تحصل به الفائدة بل يبقى في ألم الانتظار للخبر والترقب له. فإذا قدمت الجار والمجرور عليها استحال أن يكون وصفًا لها، لأنه لا يتقدم موصوفه فذهب وهمه إلى أن الاسم المجرور المقدم هو الخبر والحديث عن النكرة وهو محط الفائدة.

إذا عرفت هذا. فمن التخصيصات المسوغة للابتداء بها، أن تكون موصوفة نحو: { ولعبد مؤمن خير من مشرك }، [181] أو عامة نحو "ما أحد خير من رسول الله"، وهل أحد عندك؟

ومن ذلك أن تقع في سياق التفضيل نحو قول عمر: تمرة خير من جرادة. فإن التفضيل نوع من التخصيص بالعموم. إذ ليس المراد واحدة غير معينة من هذا الجنس. بل المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس. وأتى بالتاء الدالة على الوحدة إيذانًا بأن هذا التفضيل ثابت لكل فرد فرد من أفراد الجنس، ومنه تأويل سيبويه في قوله تعالى: { طاعة وقول معروف }، [182] فإنه قدره طاعة أمثل وقول معروف أشبه وأجدر بكم وهذا أحسن من قول بعضهم: أن المسوغ للابتداء بها ههنا العطف عليها، لأن المعطوف عليها موصوف فيصح الابتداء به. وإنما كان قول سيبويه أحسن، لأن تقييد المعطوف بالصفة لا يقتضي تقييد المعطوف عليه بها. ولو قلت: طاعة أمثل، لساغ ذلك وإن لم يعطف عليها.

ومنه وقوع النكرة في سياق تفصيل بعد إجمال. كما إذا قلت: أقسم هذه الثياب بين هؤلاء فثوب لزيد وثوب لعمرو وثوب لبكر. فإن النكرة ههنا تخصصت وتعينت وزال إبهامها وشياعها في جنس الثياب. بل تخصصت بتلك الثياب المعية فكأنك قلت: ثوب منها لزيد وثوب منها لعمرو وهذا تقييد وتخصيص.

ومنه الابتداء بالنكرة إذا لم يكن الكلام خبرًا محضًا بل فيه معنى التزكية والمدح فمن ذلك قولهم أمت في الحجر لافيك، لأنهم لم يقولوا: أمت في الحجر وسكتوا حتى قرنوه بقولهم لا فيك. فصار معنى الكلام نسبة الأمت إلى الحجر أقرب من نسبته إليك، والأمت بالحجر أليق به منك، لأنهم أرادوا تزكية المخاطب ونفي العيب عنه ولم يريدوا الإخبار عن أمت بأنه في الحجر. بل هو في حكم النفي عن الحجر وعن المخاطب معًا إلا أن نفيه عن المخاطب أوكد، وإذا دخل الحديث معنى النفي فلا غروان يبتدأ بالنكرة لما فيه من العموم والفائدة.

ومن هذا قولهم: "شر أهر ذا ناب" وفيه تقديران. أحدهما أنه على الوصف أي شر عظيم، أو شر مخوف أهره. والثاني: أنه في معنى كلام آخر وهو ما أهر ذا ناب الأشر، أو إنما أهره شر، ولا ريب في صحة المسألة على وجه الفاعلية. فهكذا إذا كانت على وجه المبتدأ والخبر الذي في معناه.

ومنه قولهم "شرٌّ ما جاء به"، لأن معنى الكلام ما جاء به الأشر فأدت ما الزائدة هنا معنى شيئين النفي والإيجاب، كما أدته في قولك إنما جاء به شر وفي قوله تعالى: { فقليلًا ما يؤمنون } [183] أي ما يؤمنون إلا قليلًا وقليلًا ما يذكرون. وقوله: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم }، [184] أي ما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم ونحو فبما رحمة من الله لنت لهم أي ما لنت لهم إلا برحمة من الله، ولا تسمع قول من يقول من النحاة: إن ما زائدة في هذه المواضع فإنه صادر عن عدم تأمل.

فإن قيل: فمن أين لكم أفادة؟ ما هذه المعنيين المذكورين من النفي؟ والإيجاب: وهي لو كانت على حقيقتها من النفي الصريح لم تفد إلا معنى واحدًا وهو النفي. فإذا لم يكن النفي صريحًا فيها كيف تفيد معنيين؟

قيل: نحن لم ندع أنها أفادت النفي والإيجاب بمجردها. ولكن حصل ذلك منها ومن القرائن المحتفة بها في الكلام.

أما قولهم شر ما جاء به، فلما انتظمت مع الاسم النكرة، والنكرة لا يبتدأ بها فلما قصد إلى تقديمها علم أن فائدة الخبر مخصوصة بها، وأكد ذلك التخصيص بما، فانتفى الأمر عن غير الاسم المبتدأ، ولم يكن إلا له حتى صار المخاطب يفهم من هذا ما يفهم من قوله ما جاء به الأشر، واستغنوا هنا بما هذه عن ما النافية وبالابتداء بالنكرة عن إلا.

وأما قولك: إنما زيد قائم فقد انتظمت بأن وامتزجت معها وصارتا كلمة واحدة، وأن تعطي الإيجاب الذي تعطيه إلا وما تعطي النفي. ولذلك جاز إنما يقوم أنا، ولا تكون أنا فاعلة إلا إذا فصلت من الفعل بالأ تقول ما يقوم إلا أنا، ولا تقول: يقوم أنا. فإذا قلت: إنما قام أنا صرت كأنك لفظت بما مع إلا. قال:

أدافع عن أعراض قومي وإنما ** يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي

فإذا عرفت أن زيادتها مع أن واتصالها بها اقتضى هذا النفي والإيجاب. فانقل هذا المعنى إلى اتصالها بحرف الجر من قوله: { فبما رحمة من الله } [185] و { فبما نقضهم ميثاقهم }. [186] وتأمل كيف تجد الفرق بين هذا التركيب وبين أن يقال: فبرحمة من الله، وفبنقضهم ميثاقهم. وأنك تفهم من تركيب الآية ما لنت لهم إلا برحمة من الله، وما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم، وكذلك قوله: { فقليلًا ما يؤمنون دلت على النفي بلفظها وعلى الإيجاب بتقديم ما حقه التأخير من المعمول وارتباط ما به مع تقديم. كما قرر في قولهم شر ما جاء به، وقد بسطنا هذا في كتاب الفتح المكي، وبينا هناك أنه ليس في القرآن حرف زائد وتكلمنا على كل ما ذكر في ذلك، وبينا أن كل لفظة لها فائدة متجددة زائدة على أصل التركيب. ولا ينكر جريان القلم إلى هذه الغاية وإن لم يكن من غرضنا فإنها أهم من بعض ما نحن فيه وبصدده.

فلنرجع إلى المقصود. فنقول: الذي صحح الابتداء بالنكرة في سلام عليكم. إن المسلم لما كان داعيًا وكان الاسم المبتدأ النكرة هو المطلوب بالدعاء صار هو المقصود المهتم به، وينزل منزلة قولك أسأل الله سلامًا عليكم، وأطلب من الله سلامًا عليك. فالسلام نفس مطلوبك ومقصودك. ألا ترى أنك لو قلت: أسأل الله عليك سلامًا لم يجز وهذا في قوته ومعناه. فتأمله فإنه بديع جدًا.

فإن قلت: فإذا كان في قوته فهلا كان منصوبًا مثل سقيًا ورعيًا، لأنه في معنى سقاك الله سقيًا ورعاك رعيًا؟

قلت: سيأتي جواب هذا في جواب السؤال العاشر في الفرق بين سلام إبراهيم، وسلام ضيفه إن شاء الله. وأيضا فالذي حسن الابتداء بالنكرة ههنا. إنها في حكم الموصوفة، لأن المسلم إذا قال: سلام عليكم فإنما مراده سلام مني عليك كما قال تعالى: { اهبط بسلام منا }، [187] ألا ترى أن مقصود المسلم إعلام من سلم عليه بأن التحية والسلام منه نفسه لما في ذلك من حصول مقصود السلام من التحيات والتواد والتعاطف فقد عرفت جواب السؤالين لما ابتدىء بالنكرة، ولم قدمت على الخبر بخلاف الباب في مثل ذلك والله أعلم.

فصل: تقديم السلام في جانب المسلم

وأما السؤال السابع وهو أنه لم كان في جانب المسلم تقديم السلام، وفي جانب الراد تقديم المسلم عليه.

فالجواب عنه: أن في ذلك فوائد عديدة.

أحدها: الفرق بين الرد والابتداء. فإنه لو قال له في الرد: السلام عليكم أو سلام عليكم لم يعرف أهذا رد لسلامه عليه أم ابتداء تحية منه؟ فإذا قال: عليك السلام. عرف أنه قد رد عليه تحيته ومطلوب المسلم من المسلم عليه أن يرد عليه سلامه. ليس مقصوده أن يبدأه بسلام كما ابتدأه به. ولهذا السر والله أعلم نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلم عليه بقوله: عليك السلام عن ذلك فقال: «لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى»، وسيأتي الكلام على هذا الحديث ومعناه في موضعه. أفلا ترى كيف نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء السلام بصيغة الرد التي لا تكون إلا بعد تقديم سلام وليس في قوله: «فإنها تحية الموتى»، ما يدل على أن المشروع في تحايا الموتى، كذلك كما سنذكره، وإذا كانوا قد اعتمدوا الفرق بين سلام المبتدىء وسلام الراد، خصوا المبتدأ بتقديم السلام، لأنه هو المقصود، وخصوا الراد بتقديم الجار والمجرور.

الفائدة الثانية: وهي أن سلام الراد يجري مجرى الجواب. ولهذا يكتفي فيه بالكلمة المفردة الدالة على أختها. فلو قال: وعليك، لكان متضمنًا للرد كما هو المشروع في الرد على أهل الكتاب مع أنا مأمورون أن نرد على من حيانا بتحية مثل تحيته. وهذا من باب العدل الواجب لكل أحد فدل على أن قول الراد، وعليك مماثل لقول المسلم سلام عليك. لكن اعتمد في حق المسلم إعادة اللفظ الأول بعينه تحقيقًا للماثلة، ودفعًا لتوهم المسلم عدم رده عليه لاحتمال أن يريد عليك شيء آخر.

وأما أهل الكتاب فلما كانوا يحرفون السلام ولا يعدلون فيه، وربما سلموا سلامًا صحيحًا غير محرف ويشتبه الأمر في ذلك على الراد ندب إلى اللفظ المفرد المتضمن لرده عليهم نظير ما قالوه. ولم تشرع له الجملة التامة، لأنها إما أن تتضمن من التحريف مثل ما قالوا، ولا يليق بالمسلم تحريف السلام الذي هو تحية أهل الإسلام. ولا سيما وهو ذكر الله كما تقدم لأجل تحريف الكافر له، وإما أن يرد سلامًا صحيحًا غير محرف مع كون المسلم محرفًا للسلام فلا يستحق الرد الصحيح. فكان العدول إلى المفرد وهو عليك هو مقتضى العدل والحكمة مع سلامته من تحريف ذكر الله. فتأمل هذه الفائدة البديعة. والمقصود أن الجواب يكفي فيه قولك وعليك وإنما كمل تكميلًا للعدل وقطعًا للتوهم.

الفائدة الثالثة: وهي أقوى مما تقدم أن المسلم لما تضمن سلامة الدعاء للمسلم عليه بوقوع السلامة عليه، وحلولها عليه. وكان الرد متضمنًا لطلب أن يحل عليه من ذلك مثل ما دعا به. فإنه إذا قال: وعليك السلام كان معناه وعليك من ذلك مثل ما طلبت لي. كما إذا قال: غفر الله لك. فإنك تقول له: ولك يغفر ويكون هذا أحسن من قولك وغفر لك. وكذا إذا قال: رحمة الله عليك، تقول: وعليك وإذا قال: عفا الله عنك. تقول: وعنك، وكذلك نظائره لأن تجريد القصد إلى مشاركة المدعو له للداعي في ذلك الدعاء لا إلى إنشاء دعاء مثل ما دعا به فكأنه قال: ولك أيضا، وعنك أيضا. أي وأنت مشارك لي في ذلك مماثل لي فيه لا أنفرد به عنك، ولا اختص به دونك، ولا ريب أن هذا المعنى يستدعي تقديم المشارك المساوي فتأمله.

فصل: ابتداء السلام بالنكرة والجواب بالمعرفة

وأما السؤال الثامن: وهو ما الحكمة في ابتداء السلام بلفظ النكرة وجوابه بلفظ المعرفة، فيقول: سلام عليكم فيقول الراد: وعليك السلام؟

فهذا سؤال يتضمن لمسألتين. إحداهما هذه. والثانية اختصاص النكرة بابتداء المكاتبة والمعرفة بآخرها، والجواب عنها بذكر أصل نمهده ترجع إليه مواقع التعريف والتنكير في السلام. وهو أن السلام دعاء وطلب وهم في ألفاظ الدعاء والطلب. إنما يأتون بالنكرة إما مرفوعة على الابتداء، أو منصوبة على المصدر، فمن الأول ويل له. ومن الثاني خيبة له وجدعًا وعقرًا وتربًا وجندلًا هذا في الدعاء عليه. وفي الدعاء له سقيًا ورعيًا وكرامة ومسرة فجاء سلام عليكم بلفظ النكرة، كما جاء سائر ألفاظ الدعاء. وسر ذلك أن هذه الألفاظ جرت مجرى النطق بالفعل. ألا ترى أن سقيًا ورعيًا وخيبة جرى مجرى سقاك الله ورعاك وخيبه، وكذلك سلام عليك جار مجرى سلمك الله والفعل نكرة فأحبوا أن يجعلوا اللفظ الذي هو جار مجراه كالبدل منه نكرة مثله.

وأما تعريف السلام في جانب الراد فنذكر أيضا أصلًا يعرف به سره وحكمته، وهو أن الألف واللام إذا دخلت على اسم السلام تضمنت أربعة فوائد.

أحدها: الإشعار بذكر الله تعالى، لأن السلام المعرف من أسمائه كما تقدم تقريره.

الفائدة الثانية: إشعارها بطلب معنى السلامة منه للمسلم عليه، لأنك متى ذكرت اسمًا من أسمائه فقد تعرضت به، وتوسلت به إلى تحصيل المعنى الذي اشتق منه ذلك الاسم.

الفائدة الثالثة: إن الألف واللام يلحقها معنى العموم في مصحوبها والشمول فيه في بعض المواضع.

الفائدة الرابعة: أنها تقوم مقام الإشارة إلى المعين، كما تقول: ناولني الكتاب واسقني الماء وأعطني الثوب لما هو حاضر بين يديك. فإنك تستغني بها عن قولك هذا فهي مؤدية معنى الإشارة.

وإذا عرفت هذه الفوائد الأربع فقول الراد وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أن مقصوده من الرد مثل ما ابتدىء به وهو هو بعينه فكأنه قال: ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك فلو أتى بالرد منكرًا لم يكن فيه إشعار بذلك، لأن المعرف وأن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر. ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يغلب عسر يسرين». فإنه أشار إلى قوله تعالى: { فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا }، [188] فاليسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة، فهو يسران. فالعسر محفوف بيسربن يسر قبله ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين.

وفائدة ثانية وهي أن مقامات رد السلام ثلاثة. مقام فضل. ومقام عدل. ومقام ظلم، فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته، والعدل أن ترد عليه نظيرها، والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها. فاختير للراد أكمل اللفظين وهو المعرف بالأداة التي تكون للاستغراق والعموم كثيرًا ليتمكن من الإتيان بمقام الفضل.

وفائدة ثالثة وهي أنه قد تقدم أن المناسب في حقه تقديم المسلم عليه على السلام فلو نكره وقال عليك سلام لصار بمنزلة قولك عليك دين وفي الدار رجل فخرجه فخرج الخبر المحض. وإذا صار خبرًا بطل معنى التحية، لأن معناها الدعاء والطلب. فليس بمسلم من قال: عليك سلام. إنما المسلم من قال: سلام عليك. فعرف سلام الراد باللام إشعارًا بالدعاء للمخاطب. وإنه راد عليه التحية طالب له السلامة من اسم السلام. والله أعلم.

فصل: السلام في المكاتبة

وأما السؤال التاسع: وهو ابتداء السلام في المكاتبة بالنكرة، واختتامها بالمعرفة، فابتداؤها بالنكرة كما تقدم في ابتداء السلام النطقي بها سواء. فإن المكاتبة قائمة مقام النطق.

وأما تعريفه في آخر المكاتبة ففيه ثلاث فوائد.

أحدها: أن السلام الأول قد وقع الأنس بينهما به وهو مؤذن بسلامه عليه خصوصًا فكأنه قال: سلام مني عليك كما تقدم. وهذا أيضا من فوائد تنكر السلام الابتدائي للإيذان بأنه سلام مخصوص من المسلم. فلما استقر ذلك. وعلم في صدر الكتاب كان الأحسن أن يسلم عليه سلامًا هو أعم من الأول لئلا يبقى تكرارًا محضًا. بل يأتي بلفظ يجمع سلامه وسلام غيره. فيكون قد جمع له بين السلامتين الخاص منه، والعام منه ومن غيره. ولهذه الفائدة استحسنوا أن يكون قول الكاتب: وفلان يقرئك السلام، وفلان في آخر المكاتبة بعد والسلام عليك لهذا الغرض.

الفائدة الثانية: أنه قد تقدم أن السلام المعرف اسم من أسماء الله، وقد افتتح الكاتب رسالته بذكر الله فناسب أن يختمها باسم من أسمائه وهو السلام ليكون اسمه تعالى في أول الكتاب وآخره. وهذه فائدة بديعة.

الفائدة الثالثة: بديعة جدًا وهي جواب السؤال التاسع بعد هذا، وهي أن دخول الواو العاطفة في قول الكاتب: والسلام عليكم ورحمة الله فيها وجهان:

أحدهما: قول ابن قتيبة إنها عطف على السلام المبدوء به فكأنه قال: والسلام المتقدم عليكم.

والقول الثاني: إنها لعطف فصول الكتاب بعضه على بعض. فهي عطف لجملة السلام على ما قبلها من الجمل، كما تدخل الواو في تضاعيف الفصول وهذا أحسن من قول ابن قتيبة لوجوه؛ منها أن الكلام بين السلامين قد طال فعطف آخره بعد طوله على أوله قبيح غير مفهوم من السياق. الثاني: إنه إذا حمله على ذلك كان السلام الثاني هو الأول بعينه. فلم يفد فائدة متجددة. وفي ذلك شح بسلام متجدد وإخلال بمقاصد المتكاتبين من تعداد الجمل والفضول واقتضاء كل جملة لفائدة غير الفائدة المتقدمة. حتى أن قارىء الكتاب كلما قرأ جملة منه لفائدة غير الفائدة المتقدمة تطلعت نوازع قلبه إلى استفادة ما بعدها. فإذا كررت له فائدة واحدة مرتين سئمتها نفسه فكان اللائق بهذا المقصود أن يجدد له سلامًا غير الأول يسره به كما سره بالأول وهو السلام العام الشامل.

ولما فرغ الكاتب من فصول كتابه، وختمها أتى بالواو العاطفة مع السلام المعرف فقال: والسلام عليكم. أي وبعد هذا كله السلام عليكم. وقد تقدم أن السلام إذا انبنى على اسم مجرور قبله وكان سلام رد لا ابتداء فإنه يكون معرفًا نحو وعليك السلام، ولما كان سلام المكاتب ههنا ليس بسلام رد قدم السلام على المجرور فقال: والسلام عليكم وأتى باللام لتفيد تجديد سلام آخر والله أعلم.

وهذه فصاحة غريبة وحكمة سلفية موروثة عن سلف الأمة وعن الصحابة في مكاتباتهم. وهكذا كانوا يكتبون إلى نبيهم صلوات الله وسلامه عليه. وقد فرغنا من جواب السؤال التاسع المتعلق بواو العطف.

فصل: نصب سلام ضيف إبراهيم الملائكة

وأما السؤال العاشر: وهو السر في نصب سلام ضيف إبراهيم الملائكة ورفع سلامه.

فالجواب: أنك قد عرفت قول النحاة فيه. أن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية، لأن نصب السلام يدل على سلمنا عليك سلامًا، وسلام إبراهيم تضمن جمل إسمية، لأن رفعه يدل على أن المعنى سلام عليكم. والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر والفعلية تدل على الحدوث والتجدد. فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه وكان له من مقامات الرد ما يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم وهو مقام الفضل إذ حياهم بأحسن من تحيتهم. هذا تقرير ما قالوه.

وعندي فيه جواب أحسن من هذا، وهو أنه لم يقصد حكاية سلام الملائكة. فنصب قوله سلامًا انتصاب مفعول القول المفرد كأنه قيل: قالوا قولًا سلامًا، وقالوا سدادًا وصوابًا ونحو ذلك. فإن القول إنما تحكي به الجمل. وأما المفرد فلا يكون محكيًا به. بل منصوب به انتصاب المفعول به ومن هذا قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا }، [189] ليس المراد أنهم قالوا هذا اللفظ المفرد المنصوب، وإنما معناه قالوا: قولًا سلامًا مثل سدادًا وصوابًا، وسمي القول سلامًا، لأنه يؤدي معنى السلام ويتضمنه من رفع الوحشة وحصول الاستئناس.

وحكي عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعًا بالابتداء محكيًا بالقول. ولولا قصد الحكاية لقال سلامًا بالنصب، لأن ما بعد القول إذا كان مرفوعًا فعلى الحكاية ليس إلا. فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم، ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جدًا. وهو أن قوله: سلام عليكم من دين الإسلام المتلقي عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها. فحكى لنا قوله ليحصل الاقتداء به والاتباع له، ولم يحك قول أضيافه، وإنما أخبر به على الجملة دون التفصيل. والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق.

فصل: نصب السلام ورفعه

وأما السؤال الحادي عشر: وهو نصب السلام من قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا } ورفعه في قوله حكاية عن مؤمني أهل الكتاب { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين }.

فالجواب عنه أن الله سبحانه مدح عباده الذين ذكرهم في هذه الآيات بأحسن أوصافهم وأعمالهم فقال: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا }، [190] فسلامًا هنا صفة لمصدر محذوف هو القول نفسه. أي قالوا: قولًا سلامًا أي سدادًا وصوابًا وسليمًا من الفحش والخنا ليس مثل قول الجاهلين الذين يخاطبونهم بالجهل، فلو رفع السلام هنا لم يكن فيه المدح المذكور. بل كان يتضمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون سلموا عليهم، وليس هذا معنى الآية ولا مدح فيه، وإنما المدح في الإخبار عنهم بأنهم لا يقابلون الجهل بجهل مثله بل يقابلونه بالقول السلام فهو من باب دفع السيئة بالتي هي أحسن التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم وتفسير السلف. وألفاظهم صريحة بهذا المعنى.

وتأمل كيف جمعت الآية وصفهم في حركتي الأرجل والألسن بأحسنها وألطفها وأحكمها وأوقرها، فقال: الذين يمشون على الأرض هونًا أي بسكينة ووقار. والهون بفتح الهاء من الشيء الهين وهو مصدر هان هونًا. أي سهل. ومنه قولهم: يمشي على هينته ولا أحسبها إلا مولدة. ومع هذا فهي قياس اللفظة فإنها على بناء الحالة والهيئة فهي فعلة من الهون وأصلها هونة فقلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها، فاللفظة صحيحة المادة والتصريف.

وأما الهون بالضم فهو الهوان فأعطوا حركة الضم القوية للمعنى الشديد وهو الهوان، وأعطوا حركة الفتح السهلة للمعنى السهل وهو الهون. فوصف مشيهم بأنه مشي حلم ووقار وسكينة لامشي جهل وعنف وتبختر. ووصف نطقهم بأن سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار لا نطق جهل وفحش وخناء وغلظة. فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية. فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه سلام عليكم. فتأمله.

وأما قوله تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين }، [191] فإنها وصف لطائفة من مؤمني أهل الكتاب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فآمنوا به فعيرهم المشركون. وقالوا: قبحتم من وفد بعثكم قومكم لتعلموا خبر الرجل ففارقتم دينكم وتبعتموه ورغبتم عن دين قومكم. فأخبر عنهم بأنهم خاطبوهم خطاب متاركة وإعراض وهجر جميل. فقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم. لا نبتغي الجاهلين. وكان رفع السلام متعينًا، لأنه حكاية ما قد وقع ونصب السلام في آية الفرقان متعينًا، لأنه تعليم وإرشاد لما هو الأكمل. والأولى للمؤمن أن يعتمده إذا خاطبه الجاهل. فتأمل هذه الأسرار التي أدناها يساوي رحلة، والله المحمود وحده على ما منَّ به وأنعم.

وهي المواهب من رب العباد فما ** يقال لولا ولا هلّا ولا فَلِما

فصل: تسليم الله أنبيائه ورسله

وأما السؤال الثاني عشر: وهو ما الحكمة في تسليم الله على أنبيائه ورسله، والسلام هو طلب ودعاء فكيف يتصور من الله؟

فهذا سؤال له شأن ينبغي الاعتناء به، ولا يهمل أمره وقل من يدرك سره إلا من رزقه الله فهمًا خاصًا وعناية، وليس هذا من شأن أبناء الزمان الذين غاية فاضلهم نقلًا أن يحكي قيلًا وقالًا. وغاية فاضلهم بحثًا أن يبدي احتمالًا، ويبرز أشكالًا، وأما تحقيق العلم كما ينبغي.

فللحروب أناس قائمون بها ** وللدواوين كتاب وحساب

وقد كان الأولى بنا الإمساك وكف عنان القلم. وأن نجري معهم في ميدانهم ونخاطبهم بما يألفونه. وأن لا نجلو عرائس المعاني على ضرير، ولا نزف خودها إلى عنين. ولكن هذه سلعة وبضاعة لها طلاب وعروس لها خطاب فستصير إلى أهلها، وتهدى إلى بعلها ولا تستطل الخطابة، فإنها نفثة مصدور.

فلنرجع إلى المقصود فنقول: لا ريب أن الطلب يتضمن أمورًا ثلاثة طالبًا ومطلوبًا ومطلوبًا منه، ولا تتقوم حقيقته إلا بهذه الأركان الثلاثة وتغاير هذه ظاهر إذا كان الطالب يطلب شيئًا من غيره. كما هو الطلب المعروف مثل من يأمر غيره وينهاه ويستفهمه. وأما إذا كان طالبًا من نفسه فهنا يكون الطالب هو المطلوب منه، ولم يكن هنا إلا ركنان طالب ومطلوب والمطلوب منه هو الطالب نفسه.

فإن قيل: كيف يعقل اتحاد الطالب والمطلوب منه وهما حقيقتان متغايرتان. فكما لا يتحد المطلوب والمطلوب منه ولا المطلوب والطالب. فكذلك لا يتحد الطالب والمطلوب منه، فكيف يعقل طلب الإنسان من نفسه؟

قيل: هذا هو الذي أوجب غموض المسألة وأشكالها، ولا بد من كشفه وبيانه، فنقول: الطلب من باب الإرادات والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئًا، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة فهو أخص منها، والإرادة كالجنس له، فكما يعقل أن يكون المريد يريد من نفسه، فكذلك يطلب من نفسه، وللفرق بين الطلب والإرادة وما قيل في ذلك مكان غير هذا. والمقصودان طلب الحي من نفسه أمر معقول يعلمه كل أحد من نفسه. وأيضا فمن المعلوم أن الإنسان يكون آمرًا لنفسه ناهيًا لنفسه قال تعالى: { إن النفس لأمارة بالسوء }، [192] وقال: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى }. [193] وقال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ** عار عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

وهذا أكثر من إيراد شواهده. فإذا كان معقولًا أن الإنسان يأمر نفسه وينهاها. والأمر والنهي طلب مع أن فوقه آمرًا وناهيًا، فكيف يستحيل ممن لا آمر فوقه ولا ناه أن يطلب من نفسه فعل ما يحبه وترك ما يبغضه.

وإذا عرف هذا عرف سر سلامه تبارك وتعالى على أنبيائه ورسله، وأنه طلب من نفسه لهم السلامة، فإن لم يتسع لهذا ذهنك فسأزيدك إيضاحًا وبيانًا وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا إيجاب منه على نفسه فهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بما يوضحه كل الإيضاح ويكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: «لما قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «سبقت غضبي». فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتابة وصفة اليد ومحل الكتابة. وأنه كتاب وذكر مستقر الكتاب، وأنه عنده فوق العرش. فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد وهو إيجاب منه على نفسه. ومنه قوله تعالى: { وكان حقًا علينا نصر المؤمنين } [194] فهذا حق أحقه على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمعاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت الله ورسوله أعلم، قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار»، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في غير حديث: «من فعل كذا وكذا كان حقًا على الله أن يفعل به كذا وكذا»، في الوعد والوعيد، فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة: أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك. فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه. بل أحق على نفسه أن يجب من سأله كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده. فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون، فإنه سبحانه:

ما للعباد عليه حق واجب ** كلا ولا سعى لديه ضائع

إن عذبوا فبعد له أو نعموا ** فبفضله وهو الكريم الواسع

ومنه قوله تعالى: وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه. ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه نحو: { فوربك لنسألنهم أجمعين }، [195] وقوله: { فوربك لنحشرنهم والشياطين }، [196] وقوله: { لنهلكن الظالمين }، [197] وقوله: { فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين }، [198] وقوله: { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار }، [199] وقوله: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين }، [200] إلى أمثال ذلك مما أخبر أنه يفعله أخبارًا مؤكدًا بالقسم. والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع بخلاف القسم على ما فعله تعالى مثل قوله: { يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين }، [201] والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون، فإنه توكيد للخبر وهو من باب القسم المتضمن للتصديق. ولهذا تقول الفقهاء اليمين ما اقتضى حقًا، أو منعًا، أو تصديقًا، أو تكذيبًا. فالقسم الذي يقتضي الحض والمنع هو من باب الطلب، لأن الحض والمنع طلب ومن هذا ما أخبر به أنه لا بد أن يفعله لسبق كلماته به كقوله: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون }، [202] وقوله: { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }، [203] وقوله: { ولولا كلمة سبقت من ربك }، [204] فهذا إخبار عما يفعله ويتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير.

ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه كقوله فيما يرويه عنه رسوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا». فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، فإن الناظر في سياق هذه المواضع. ومقصودها به يجزم ببعد المراد منها كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذلك كله هو إخباره به، ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه وقوله: حرمت الظلم على نفسي أي أخبرت أنه لا يكون ونحو ذلك مما يتيقن المرء أنه ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار ههنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه. فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر فإنه يتضمن إبطال الخبر ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صومًا فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه، فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم كان ذلك إلغاء وإبطالًا لمقصود الخبر فتأمله.

وإذا كان معقولًا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله. فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته، لأن يفعله تمنع وقوعه منه وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه. فإن محبة ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه. ففرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله هو سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع، فتدبر هذا الموضع الذي هو منزلة أقدام الأولين والآخرين إلا من عصم الله وهداه إلى صراط مستقيم. وتأمل أين تكون محبته وكراهته موجبة لوجود الفعل، ومانعة من وقوعه وأين تكون المحبة منه والكراهة لا توجب وجود الفعل، ولا تمنع وقوعه.

ونكتة المسألة هو الفرق بين ما يريد أن يفعله هو سبحانه وما لا يريد أن يفعله، وبين ما يحبه من عبده أن يفعله العبد، أو لا يفعله ومن حقق هذا المقام زالت عنه شبهات ارتبكت فيها طوائف من النظار والمتكلمين والله الهادي إلى سواء السبيل.

واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف.

فطائفة منعت أن يجب عليه شيء، أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه. وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة، نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل وأن يكون العبد فاعلًا أو مختارًا.

الطائفة الثانية بإزاء هؤلاء، أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها، وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد، وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم، ولذلك كانوا مشبهة في الأفعال والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين تعطيل صفاته وجحد نعوت كماله والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه، وحرموه فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات كماله فجحدوا بعض ما وصف به نفسه من صفات الكمال، وسموه توحيدًا وشبهوه بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح من الأفعال، وسموا ذلك عدلًا، وقالوا: نحن هل العدل والتوحيد فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج عنها شتى من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها وتوحيدهم إلحادهم في أسمائه الحسنى، وتحريف معانيها عما هي عليه. فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلًا وعدلهم شركًا وهذا مقرر في موضعه.

والمقصود أن هذه الطائفة مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات، وهدى الله الأمة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فلم يقيسوه بخلقه، ولم يشبهوه بهم في شيء من صفاته ولا أفعاله، ولم ينفوا ما أثبته لنفسه من ذلك، ولم يوجبوا عليه شيئًا، ولم يحرموا عليه شيئًا، بل أخبروا عنه بما أخبر عن نفسه وشهدت قلوبهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحكم والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء، فإن العباد لا يحصون ثناء عليه أبدا بل هو كما أثنى على نفسه. وهذا بين بحمد الله عند أهل العلم والإيمان مستقر في فطرهم ثابت في قلوبهم يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين وهم لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. بل هم إلى الله ورسوله متحيزون، وإلى محض سنته منتسبون يدينون دين الحق أنى توجهت ركائبه، ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه لا تستفزهم بداوات آراء المختلفين، ولا تزلزلهم شبهات المبطلين. فهم الحكام على أرباب المقالات والمميزون لما فيها من الحق والشبهات، يردون على كل باطله ويوافقونه فيما معه في الحق، فهم في الحق سلمه وفي الباطل حربه. لا يميلون مع طائفة على طائفة، ولا يجحدون حقها لما قالته من باطل سواه. بل هم ممتثلون قول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }. [205]

فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله، فكيف يسوغ لمن يدعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطىء على أن لا يعدلوا عليهم. بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله، وما جاء به منه علمًا وعملًا. ودعوة إلى الله على بصيرة، وصبرًا من قومهم على الأذى في الله، وإقامة لحجة الله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل لا كمن نصب معالمه صادرة عن آراء الرجال، فدعا إليها وعاقب عليها وعادى من خالفها بالعصبية وحمية لجاهلية، والله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا به. وليكن هذا تمام الكلام في هذا السؤال. فقد تعدينا به طوره وإن لم نقدره قدره.

فصل: التسليم بلفظ النكرة أو المعرفة

وأما السؤال الثالث عشر: وهو ما السر في كونه سلم عليهم بلفظ النكرة وشرع لعباده أن يسلموا على رسوله بلفظ المعرفة. وكذلك تسليمهم على نفوسهم وعلى عباده الصالحين؟

فقد تقدم بيان الحكمة في كون السلام ابتداء بلفظ النكرة، ونزيد هنا فائدة أخرى وهي أنه قد تقدم أن في دخول اللام في السلام أربعة فوائد وهذا المقام مستغن عنها، لأن المتكلم بالسلام هو الله تعالى. فلم يقصد تبركًا بذكر الاسم كما يقصده العبد فإن التبرك استدعاء البركه واستجلابها. والعبد هو الذي يقصد ذلك، ولا قصد أيضا تعرضًا وطلبًا على ما يقصده العبد، ولا قصد العموم. وهو أيضا غير لائق هنا، لأن سلامًا منه سبحانه كاف من كل سلام، ومغن عن كل تحية ومقرب من كل أمنية. فأدنى سلام منه ولا أدنى هناك يستغرق الوصف ويتم النعمة ويدفع البؤس ويطيبب الحياة ويقطع مواد العطب والهلاك، فلم يكن لذكر الألف واللام هناك معنى. وتأمل قوله تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر }، [206] كيف جاء بالرضوان مبتدأ منكرًا مخبرًا عنه بأنه أكبر من كل وعدوا به. فأيسر شيء من رضوانه أكبر الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته، ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عدن ويمنيهم أي شيء يريدون. فيقولون: ربنا وأي شيء نريد أفضل مما أعطيتنا. فيقول تبارك وتعالى: إن لكم عندي أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا.

وقد بان بهذا الفرق بين سلام الله على رسله وعباده وبين سلام العباد عليهم. فإن سلام العباد لما كان متضمنًا لفوائد الألف واللام التي تقدمت من قصد التبرك باسمه السلام والإشارة إلى طلب السلام له وسؤالها من الله باسم السلام، وقصد عموم السلام كان الأحسن في حق المسلم على الرسول. أن يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن كان قد ورد سلام عليك، فالمعرفة أكثر وأصح وأتم معنى. فلا ينبغي العدول عنه ويشح في هذا المقام بالألف واللام والله أعلم.

فصل: التسليم على يحيى والمسيح

وقد عرفت بهذا جواب السؤال الرابع عشر: وهو ما الحكمة في تسليم الله تعالى على يحيى بلفظ النكرة، وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة لا ما يقوله من لا تحصيل له إن سلام يحيى جرى مجرى ابتداء السلام في الرسالة والمكاتبة فنكر، وسلام المسيح جرى مجرى السلام في آخر المكاتبة فعرف. فإن السورة كالقصة الواحدة. ولا يخفى فساد هذا الفرق فإنهما سلامان متغايران من مسلمين. أحدهما سلام الله تعالى على عباده. والثاني سلام العبد على نفسه. فكيف يبنى أحدهما على الآخر؟ وكذلك قول من قال: إن الثاني عرف لتقدم ذكره في اللفظ فكانت الألف واللام فيه للعهد وهذا أقرب من الأول لإمكان أن يكون المسيح أشار إلى السلام الذي سلمه الله على يحيى، فأراد أن لي من السلام في مثل هذه المواطن الثلاثة مثل ما حصل له. والله أعلم.

فصل: تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح

وأما السؤال الخامس عشر: وهو ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة؟

فسره والله أعلم أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة. وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة، وتعلقت بها الهمة، فذكرت هذه المواطن الثلاثة، لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم والنفس عليها أحرص، لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرًا فيها موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات والمحن والبلاء. فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومحنها وأفكارها كما أفصح الشاعر بهذا المعنى حيث يقول:

تأمل بكاء الطفل عند خروجه ** إلى هذه الدنيا إذا هو يولد

تجد تحته سرًا عجيبًا كأنه ** بكل الذي يلقاه منها مهدد

وإلا فما يبكيه منها وإنها ** لأوسع مما كان فيه وأرغد

ولهذا من حين خرج ابتدرته طعنه الشيطان في خاصرته فبكى لذلك، ولما حصل له من الوحشة بفراق وطنه الأول، وهو الذي أدركه الأطباء والطبائعيون، وأما ما أخبر به الرسول، فليس في صناعتهم ما يدل عليه، كما ليس فيها ما ينفيه. فكان طلب السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور.

الموطن الثاني: خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت، ونسبة الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريبًا وتمثيلًا وإلا فالأمر أعظم من ذلك، وأكبر، وطلب السلامة أيضا عند انتقاله إلى تلك الدار من أهم الأمور.

الموطن الثالث: موطن يوم القيامة يوم يبعث الله الأحياء ولا نسبة لما قبله من الدار إليه وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله. فإن عطبه لا يستدرك وعثرته لا تقال، وسقمه لا يداوى. وفقره لا يسد. فتأمل كيف خص هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها وأعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها، وتأمل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة، ثم نزل ذلك على الوحشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة عند خروجه إلى عالم الابتلاء، وعند معاينته هول المطلع. إذا قدم على الله وحيدًا مجردًا عن كل مؤنس إلا ما قدمه من صالح عمل وعند موافاته القيامة مع الجمع إلا أعظم ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها، واستعمل بعمل أهلها، فأي موطن أحق بطلب السلامه من هذه المواطن. فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه.

فصل: تسليم نبينا وتسليم موسى

وأما السؤال السادس عشر: وهو ما الحكمة في تسليم النبي صلى الله عليه وسلم على من اتبع الهدى في كتابه إلى هرقل بلفظ النكرة وتسليم موسى عليهم بلفظ المعرفة؟

فالجواب عنه أن تسليم النبي صلى الله عليه وسلم تسليم ابتدائي. ولهذا صدر به الكتاب حيث قال من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ففي تنكيره ما في تنكير سلام من الحكمة، وقد تقدم بيانها. وأما قول موسى: السلام على من اتبع الهدى، فليس بسلام تحية فإنه لم يبتدىء به فرعون بل هو خبر محض. فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنه قال له: { فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى }. [207]

أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته. وإنما وقع متوسطًا بين الكلامين إخبار محضًا عن وقوع السلامة، وحلولها على من اتبع الهدى. ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه. وإيثاره من السلامة. وإنه إن اتبع الهدى الذي جاءه به، فهو من أهل السلام والله أعلم.

وتأمل حسن سياق هذه الجمل، وترتيب هذا الخطاب، ولطف هذا القول اللين الذي سلب القلوب حسنه وحلاوته مع جلالته وعظمته. كيف ابتدأ الخطاب بقول: أنا رسولا ربك وفي ضمن ذلك إنا لم نأتك لننازعك ملكك ولا لنشركك فيه. بل نحن عبدان مأموران مرسلان من ربك إليك. وفي إضافة اسم الرب إليه هنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله. كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه: أنا رسول مولاك إليك واستاذك وإن كان أستاذهما معا، ولكن ينبهه بإضافته إليه على السمع والطاعة له، ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل ويخلي بينهم وبينهما، ولا يعذبهم ومن طلب من غيره ترك العدوان والظلم، وتعذيب من لا يستحق العذاب فلم يطلب منه شططًا ولم يرهقه من أمره عسرًا. بل طلب منه غاية النصف.

ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات أحدها قوله تعالى: { قد جئناك بآية من ربك }، [208] فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقول والافتراء بما جئناك به من البرهان والدلالة الواضحة. فقد قامت الحجة. ثم بعد ذلك للمرسل إليه حالتان إما أن يسمع ويطيع فيكون من أهل الهدى والسلام على من اتبع الهدى، وإما أن يكذب ويتولي، فالعذاب على من كذب وتولى فجمعت الآية طلب الإنصاف وإقامة الحجة، وبيان ما يستحقه السامع المطيع. وما يستحقه المكذب المتولي بألطف خطاب وأليق قول وأبلغ ترغيب وترهيب.

فصل: قل الحمد لله وسلام على عباده

وأما السؤال السابع عشر: وهو أن قوله: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } هل السلام من الله فيكون المأمور به الحمد والوقف التام عليه، أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعًا؟

فالجواب عنه أن الكلام يحتمل الامرين ويشهد لكل منهما هذا ضرب من الترجيح فيرجح كونه داخلًا في جملة القول بأمور:

منها اتصاله به وعطفه عليه من غير فاصل. وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعًا على كل واحد منهما هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع، ولهذا إذا قلت: الحمد الله وسبحان الله، فإن التسبيح هنا داخل في المقول.

ومنها أنه إذا كان معطوفًا على المقول كان عطف خبر على خبر وهو الأصل. ولو كان منقطفًا عنه كان عطفًا على جملة الطلب، وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب.

ومنها أن قوله: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى }، [209] ظاهر في أن المسلم هو القائل الحمد لله ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغيبة، ولم يقل سلام على عبادي.

ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور. أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى كقوله: { سلام على نوح في العالمين }، [210] { سلام على إبراهيم }، [211] { سلام على موسى وهارون }، [212] { سلام على إل ياسين }. [213]

ومنها أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون والله سبحانه يقرن بين تسبيحه لنفسه. وسلامه عليهم، وبين حمده لنفسه، وسلامه عليهم. أما الأول فقال تعالى: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين }، [214] وقد ذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله، ثم سلامه على رسله.

وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مبطل ومبتدع فإنه نزه نفسه تنزيهًا مطلقًا، كما نزه نفسه عما يقول خلقه فيه، ثم سلم المرسلين. وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم المخالفون لهم. وإذا سلموا من كل ما رماهم به أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاؤوا به من الكذب والفساد. وأعظم ما جاؤوا به التوحيد ومعرفة الله ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم. وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال والفساد فهو الحق المحض. وما خالفه هو الباطل والكذب المحال. وهذا المعنى بعينه في قوله: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } فإنه يتضمن حمده بما من نعوت الكمال وأوصاف الجلال والأفعال الحميدة، والأسماء الحسنى، وسلامة رسله من كل عيب ونقص وكذب. وذلك يتضمن سلامة ما جاؤوا به كل باطل. فتأمل هذا السر في اقتران السلام على رسله بحمده وتسبيحه. فهذا يشهد لكون السلام هنا من الله تعالى. كما هو في آخر الصافات.

وأما عطف الخبر على الطلب فما أكثره فمنه قوله تعالى: { قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان }، [215] وقوله: { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }، [216] وقوله: { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين }، [217] ونظائره كثيرة جدًا.

وفصل الخطاب في ذلك أن يقال الآية تتضمن الأمرين جميعًا وتنتظمهما انتظامًا واحدًا. فإن الرسول هو المبلغ عن الله كلامه وليس فيه إلا البلاغ. والكلام كلام الرب تبارك وتعالى فهو الذي حمد نفسه وسلم على عباده. وأمر رسوله بتبليغ ذلك، فإذا قال الرسول: الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى كان قد حمد الله وسلم على عباده بما حمد به نفسه، وسلم به هو على عباده. فهو سلام من الله ابتداء ومن المبلغ بلاغًا، ومن العباد اقتداء وطاعة. فنحن نقول كما أمرنا ربنا تعالى: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ونظير هذا قوله تعالى: { قل هو الله أحد }، فهو توحيد منه لنفسه وأمر للمخاطب بتوحيده. فإذا قال العبد: قل هو الله أحد كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقًا لهذا المعنى. وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم.

وهذا بخلاف قوله: { قل أعوذ برب الناس } فإن هذا أمر محض ط بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله أعوذ برب الناس، فإن الله لا يستعيذ من أحد، وذلك عليه محال بخلاف قوله: { قل هو الله أحد } فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد، فتأمل هذه النكتة البديعة والله المستعان.

فصل: عليك السلام تحية الموتى

وأما السؤال الثامن عشر: وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم من قال له عليك السلام عن ذلك وقال: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى، فما أكثر من ذهب عن الصواب في معناه وخفي عليه مقصوده وسره. فتعسف ضروبًا من التأويلات المستنكرة الباردة ورد بعضهم الحديث وقال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تحية الموتى: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»، قالوا: وهذا أصح من حديث النهي. وقد تضمن تقديم ذكر لفظ السلام فوجب المصير إليه، وتوهمت طائفة. أن السنة في سلام الموتى أن يقال: عليكم السلام. فرقًا بين السلام على الأحياء والأموات.

وهؤلاء كلهم إنما أتوا ما أتوه من عدم فهمهم لمقصود الحديث. فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «عليك السلام تحية الموت»، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن أمر شرعي، وإنما هو إخبار عن الواقع المعتاد الذي جرى على ألسنة الشعراء والناس. فإنهم كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء كما قال قائلهم:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ** ورحمته ما شاء أن يترحما

وقول الذي رثى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عليك سلام من أمير وباركت ** يدُ الله في ذاك الأديم الممزق

وهذا أكثر في أشعارهم من أن نذكره ههنا. والإخبار عن الواقع لا يدل على جوازه فضلًا عن كونه سنة، بل نهيه عنه مع إخباره بوقوعه يدل على عدم مشروعيته، وأن السنة في السلام تقديم لفظه على لفظ المسلم عليه في السلام على الأحياء وعلى الأموات. فكما لا يقال في السلام على الأحياء عليكم السلام، فكذلك لا يقال في سلام الأموات كما دلت السنة الصحيحة على الأمرين، وكأن الذي تخيله القوم من الفرق. أن المسلم على غيره لما كان يتوقع الجواب. وأن يقال له: وعليك السلام بدأوا باسم السلام على المدعو له توقعًا لقوله وعليك السلام. وأما الميت فما لم يتوقعوا منه ذلك قدموا المدعو له على الدعاء، فقالوا عليك السلام.

وهذا الفرق لو صح كان دليلًا على التسوية بين الأحياء والأموات في السلام. فإن المسلم على أخيه الميت يتوقع الجواب أيضا. قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، وبالجملة فهذا الخيال قد أبطلته السنة الصحيحة.

وهنا نكتة بديعة ينبغي التفطن لها وهي أن السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلم عليهم، لأنه دعاء بخير، والأحسن في دعاء الخير أن يتقدم الدعاء به على المدعو له كقوله تعالى: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت }، [218] وقوله: { سلام على إبراهيم }، [219] { سلام على نوح }، [220] { سلام على إل ياسين }، [221] { سلام عليكم بما صبرتم }. [222]

وأما الدعاء بالشر فيقدم فيه المدعو عليه على المدعو به غالبًا كقوله تعالى لإبليس: { وإن عليك لعنتي }، [223] وقوله: { وإن عليك اللعنة }، [224] وقوله: { عليهم دائرة السوء }، [225] وقوله: { وعليهم غضب }.

وسر ذلك والله أعلم أن في الدعاء بالخير قدموا اسم الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس، وتطلبه ويلذ للسمع لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب المطلوب، ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له القلب والسمع. فيبقى السامع كالمنتظر لمن يحصل هذا وعلى من يحل، فيأتي باسمه فيقول: عليك أو لك. فيحصل له من السرور والفرح ما يبعث على التحاب والتواد والتراحل الذي هو المقصود بالسلام.

وأما في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء وأنه عليه وحده كأنه قيل له: هذا عليك وحدك لا يشركك فيه السامعون بخلاف الدعاء بالخير. فإن المطلوب عمومه وكل ما عم به الداعي كان أفضل.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء في الأرض. وذكر في ذلك حديثا مرفوعا عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يدعو فقال: "يا علي فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض". [226]

وفيه فائدة ثانية أيضا، وهي أنه في الدعاء عليه. إذا قال له: عليك انفتح سمعه وتشوف قلبه إلى أي شيء يكون عليه. فإذا ذكر له اسم المدعو به صادف قلبه فارغًا متشوفًا لمعرفته. فكان أبلغ في نكايته. ومن فهم هذا فهم السر في حذف الواو في قوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها }، [227] ففاجأهم وبغتهم عذابها وما أعد الله فيها فهم بمنزلة من وقف على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر إلا أنه متوقع منه شرًا عظيمًا ففتح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه. وهذا كما تجد في الدنيا من يساق إلى السجن فإنه يساق إليه وبابه مغلق. حتى إذا جاءه فتح الباب في وجهه. ففاجأته روعته وألمه بخلاف ما لو فتح له قبل مجيئه.

وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة وكان من تمام إكرام المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار فيجيء فيلقاه مفتوحًا، فلا يلحق ألم الانتظار فقال في أهل الجنة: { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها }، [228] وحذف الجواب تفخيمًا لأمره وتعظيمًا لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد. وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة الواو، ومن دعوى كونها واو الثمانية. لأن أبواب الجنة ثمانية. فإن هذا لو صح فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة في اللفظ واحدًا بعد واحد فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو وهنا لا ذكر للفظ الثمانية في الآية، ولا عدها فتأمله. على أن في كون الواو تجيء للثمانية كلام آخر قد ذكرناه في الفتح المكي وبينا المواضع التي ادعى فيها. أن الواو للثمانية وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل؟

فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق صلى الله عليه وسلم يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقًا حتى يستفتحه.

قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة. فلا تفتح لأهلها إلا على يديه فلو جاءها وصادفها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه وأنه هو الذي استفتحها لهم. ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة، أو حصن وعجزوا، ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحًا.

وقد خرجنا عن المقصود وما أبعدنا، ولا تستطل هذه النكت، فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق والله المان بفضله وكرمه.

فصل: إذا سلم أهل الكتاب فقولوا وعليكم

وأما السؤال التاسع عشر: وهو دخول الواو في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»، فقد استشكلها كثير من الناس كما ذكر في السؤال. وقالوا: الصواب حذفها. وأن يقال: عليكم. قال الخطابي: يرويه عامة المحدثين بالواو وابن عيينة: يرويه بحذفها وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوا بعينه مردودًا عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين.

قلت: معنى ما أشار إليه الخطابي: إن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة وزيادة الثانية عليها، كما إذا قلت: زيد كاتب. فقال المخاطب وشاعر: فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر، وكذلك إذا قلت لرجل: فلان محب لك، فقال: ومحسن إلي.

ومن هنا استنبط السهيلي في الروض أن عدة أصحاب الكهف سبعة. قال: لأن الله تعالى عطف عليهم الكلب بحرف الواو فقال: وثامنهم كلبهم، ولم يذكر الواو فيما قبل ذلك من كلامهم. والواو تقتضي تقرير الجملة الأولى. وما استنبطه حسن غير أنه إنما يفيد إذا كان المعطوف بالواو ليس داخلًا في جملة قولهم. بل يكون قد حكى سبحانه أنهم قالوا: سبعة، ثم أخبر تعالى أن ثامنهم الكلب فحينئذ يكون ذلك تقريرًا لما قالوه وإخبارًا يكون الكلب ثامنًا، وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملة قولهم، وأنهم قالوا: هذا وهذا لم يظهر ما قاله، ولا تقتضي الواو في ذلك تقريرًا ولا تصديقًا فتأمله.

وأما قوله: المتحدثون يروونه بالواو. فهذا الحديث رواه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا وعليكم». قال أبو داود: وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار وقال فيه: وعليكم. انتهى كلامه.

وأخرجه الترمذي والنسائي كذلك. ورواه مسلم وفي بعض طرقه فقل عليك. ولم يذكر الواو.

وحديث مالك الذي ذكره أبو داود وأخرجه البخاري في صحيحه، وحديث سفيان الثوري متفق عليه كلها بالواو.

وأما ما أشار إليه الخطابي من حديث ابن عيينة فرواه النسائي في سننه بإسقاط الواو.

وإذا عرف هذا فإدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورًا البتة، وذلك لأن التحية التي يحيون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه، لأن السام معناه الموت، فإذا حيوا به المسلم فرده عليهم كان من باب القصاص والعدل وكان مضمون رده أنا لسنا نموت دونكم. بل وأنتم أيضا تموتون فما تمنيتموه لنا حالٌّ بكم واقع عليكم.

وأحسن من هذا أن يقال: ليس في دخول الواو تقرير لمضمون تحيتهم، بل فيه ردها وتقريرها لهم أي ونحن أيضا. ندعو عليكم بما دعوتم به علينا. فإن دعاءهم قد وقع. فإذا رد عليهم المجيب بقوله: وعليكم. كان في إدخال الواو سر لطيف وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا، ودعوتم به هو بعينه مردود عليكم لا تحية غيره، فإدخال الواو مفيد لهذه الفائدة الجليلة.

وتأمل هذا في مقابلة الدعاء بالخير. إذا قال: غفر الله لك، فقال له: ولكن المعنى أن هذه الدعوة بعينها مني لك. ولو قلت: غفر الله لك، فقال: لك لم يكن فيه إشعار بأن الدعاء الثاني هو الأول بعينه فتأمله فإنه بديع جدًا. وعلى هذا فيكون الصواب إثبات الواو كما هو ثابت في الصحيح والسنن. فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، فيشكر الله له وعباده سعيه. فإن المقصود الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل. وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة بما أمكننا في كتاب تهذيب السنن.

فصل: اقتران الرحمة والبركة بالسلام

وأما السؤال العشرون: وهو ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟

فالجواب عنه أن يقال: لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء. أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يضاد حياته وعيشه. والثاني: حصول الخير له. والثالث: دوامه وثباته له؛ فإن بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة شرعت التحية متضمنة للثلاثة، فقوله: سلام عليكم يتضمن السلامة من الشر وقوله: ورحمة الله يتضمن حصول الخير. وقوله: وبركاته يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره. ومن هنا يعلم حكمة اقتران اسمه الغفور الرحيم في عامة القرآن. ولما كانت هذه الثلاثة مطلوبة لكل أحد. بل هي متضمنة لكل مطالبه وكل المطالب دونها ووسائل إليها، وأسباب لتحصيلها جاء لفظ التحية دالًا عليها بالمطابقة تارة وهو كمالها، وتارة دالًا عليها بالتضمن، وتارة دالًا عليها باللزوم فدلالة اللفظ عليها مطابقة إذا ذكرت بلفظها، ودلالته بالتضمن إذا ذكر السلام والرحمة فإنهما يتضمنان الثالث، ودلالته عليها باللزوم إذا اقتصر على السلام وحده، فإنه يستلزم حصول الخير وثباته إذ لوعدم لم تحصل السلامة المطلقة. فالسلامة مستلزمة لحصول الرحمة كما تقدم تقريره.

وقد عرف بهذا فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم ولهذا اختارها الله لعباده وجعلها تحيتهم بينهم في الدنيا وفي دار السلام. وقد بان لك أنها من محاسن الإسلام وكماله. فإذا كان هذا في فرع من فروع الإسلام وهو التحية التي يعرفها الخاص والعام. فما ظنك بسائر محاسن الإسلام وجلالته وعظمته وبهجته التي شهدت بها العقول والفطر. حتى أنها من أكبر الشواهد وأظهر البراهين الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكمال دينه وفضله وشرفه على جميع الأدايان، وأن معجزته في نفس دعوته فلو اقتصر عليها كانت آية وبرهانًا على صدقه. وأنه لا يحتاج معها إلى خارق، ولا آية منفصلة. بل دينه وشريعته ودعوته وسيرته من أعظم معجزاته عند الخاصة من أمته حتى أن إيمانهم به، إنما هو مستند إلى ذلك. والآيات في حقهم مقويات بمنزلة تظاهر الأدلة. ومن فهم هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان، بل باب من أبواب الجنة العاجلة يرقص القلب فيها طربًا ويتمنى أنه له بالدنيا وما فيها.

وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيساعد على تعليق كتاب يتضمن ذكر بعض محاسن الشريعة وما فيها من الحكم البالغة والأسرار الباهرة التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى وحكمته ورحمته، وبره بعباده ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها. وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة، ولم يحسن إليهم إحسانًا أعظم من إحسانه إليهم، بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة، ولهذا لم يذكر في القرآن لفظة المن عليهم إلا في سياق ذكرها كقوله: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }، [229] وقوله: { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } [230] فهي محض الإحسان إليهم والرأفة بهم، وهدايتهم إلى ما به صلاحهم في الدنيا والآخرة. لا أنها محض التكليف والامتحان الخالي عن العواقب الحميدة التي لا سبيل إليها إلا بهذه الوسيلة فهي لغاياتها المجربة المطلوبة بمنزلة الأكل للشبع والشرب للري والجماع لطلب الولد. وغير ذلك من الأسباب التي ربطت بها مسبباتها بمقتضى الحكمة والعزة. فلذلك نصب هذا الصراط المستقيم وسيلة وطريقًا إلى الفوز الأكبر والسعادة، ولا سبيل إلى الوصول إليه إلا من هذه الطريق، كما لا سبيل إلى دخول الجنة إلا بالعبور على الصراط. فالشريعة هي حياة القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والمشقة الحاصلة فيها. والتكليف وقع بالقصد الثاني كوقوعه في الأسباب المفضية إلى الغايات المطلوبة لا أنه مقصود لذاته فضلًا عن أن يكون هو المقصود لا سواه. فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من الفكر في مصادرها ومواردها يفتح لك بابًا واسعًا من العلم والإيمان. فتكون من الراسخين في العلم لا من الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.

وكما أنها آية شاهدة له على ما وصف به نفسه من صفات الكمال. فهي آية شاهدة لرسوله بأنه رسوله حقًا، وأنه أعرف الخلق وأكملهم وأفضلهم وأقواهم إلى الله وسيلة، وأنه لم يؤت عبد مثل ما أوتي فوالهفاه على مساعد على سلوك هذه الطريق، واستفتاح هذا الباب والإفضاء إلى ما وراءه ولو بشطر كلمة، بل والهفاه على من لا يتصدى لقطع الطريق والصد عن هذا المطلب العظيم ويدع المطي وحاديها، ويعطي القوس باريها، ولكن إذا عظم المطلوب قل المساعد وكثر المعارض والمعاند وإذا كان الاعتماد على مجرد مواهب الله وفضله يغنيه ما يتحمله المتحمل من أجله. فلا يثنك شنآن من صد عن السبيل وصدف. ولا تنقطع مع من عجز عن مواصلة السرى ووقف، فإنما هي مهجة واحدة فانظر فيما تجعل تلفها وعلى من تحتسب خلفها.

أنت القتيل بكل من أحببته ** فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي

وانفق أنفاسك فيما شئت فإن تلك النفقة مردودة بعينها عليك وصائرة لا سواها إليك وبين العبد وبين السعادة والفلاح صبر ساعة لله وتحمل ملامة في سبيل الله.

وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ** ويذهب هذا كله ويزول

وقد أطلنا ولكن ما أمللنا. فإن قلبًا فيه أدنى حياة يهتز إذا ذكر الله ورسوله ويود أن لو كان المتكلم كله ألسنة تالية والسامع كله آذانًا واعية، ومن لم يجد قلبه ثَم، فليشتغل بما يناسبه، فكل ميسر لما خلق له وكل يعمل على شاكلته.

وكل امرىء يهفو إلى من يحبه ** وكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه

فصل: لماذا نهاية السلام عند قوله وبركاته

وقد عرفت بهذا جواب السؤال الحادي والعشرون، وأن كمال التحية عند ذكر البركات إذ قد استوعبت هذه الألفاظ الثلاث جميع المطالب من دفع الشر، وحصول الخير وثباته وكثرته ودوامه؛ فلا معنى للزيادة عليها ولهذا جاء في الأثر المعروف انتهى السلام إلى وبركاته.

فصل: إضافة الرحمة لله وتجريد السلام عن الإضافة

وأما السؤال الثاني والعشرون: وهو ما الحكمة في إضافة الرحمة والبركة إلى الله تعالى وتجريد السلام عن الإضافة؟

فجوابه أن السلام لما كان اسمًا من أسماء الله تعالى استغنى بذكره مطلقًا عن الإضافة إلى المسمى، وأما الرحمة والبركة فلو لم يضافا إلى الله لم يعلم رحمة من، ولا بركة من تطلب، فلو قيل: عليكم ورحمة وبركة لم يكن في هذا اللفظ إشعار بالراحم المبارك الذي تطلب الرحمة والبركة منه. فقيل: رحمة الله وبركاته، وجواب ثان: أن السلام يراد به قول المسلم سلام عليكم. وهذا في الحقيقة مضاف إليه ويراد به حقيقة السلامة المطلوبة من السلام سبحانه وتعالى. وهذا يضاف إلى الله فيضاف هذا المصدر إلى الطالب الذاكر تارة، وإلى المطلوب منه تارة، فأطلق ولم يضف، وأما الرحمة والبركة فلا يضافان إلا إلى الله وحده. ولهذا لا يقال: رحمتي وبركتي عليكم، ويقال: سلام مني عليكم وسلام من فلان على فلان.

وسر ذلك أن لفظ السلام اسم للجملة القولية، بخلاف الرحمة والبركة، فإنهما اسمان لمعناهما دون لفظهما. فتأمله فإنه بديع.

وجواب ثالث: وهو أن الرحمة والبركة أتم من مجرد السلامة. فإن السلامة تبعيد عن الشر. وأما الرحمةوالبركة فتحصيل للخير وإدامة له وتثبيت وتنمية، وهذا أكمل فإنه هو المقصود لذاته والأول وسيلة إليه، ولهذا كان ما يحصل لأهل الجنة من النعيم أكمل من مجرد سلامتهم من النار، فأضيف إلى الرب تبارك وتعالى أكمل المعنيين وأتمهما لفظًا، وأطلق الآخر وفهمت إضافة إليه من العطف وقرينة الحال، فجاء اللفظ على أتم نظام وأحسن سياق.

فصل: الحكمة في إفراد السلام والرحمة وجمع البركة

وأما السؤال الثالث والعشرون: وهو ما الحكمة في إفراد السلام والرحمة وجمع البركة؟

فجوابه: إن السلام إما مصدر محض فهو شيء واحد فلا معنى لجمعه. وإما اسم من أسماء الله. فيستحيل أيضا جمعه. فعلى التقديرين لا سبيل إلى جمعه.

وأما الرحمة فمصدر أيضا بمعنى العطف والحنان فلا تجمع أيضا والتاء فيها بمنزلتها في الخلة والمحبة، والرقة ليست للتحديد بمنزلتها في ضربة وتمرة. فكما لا يقال: رقات ولا خلات ولا رأفات، لا يقال: رحمات، وهنا دخول الجمع يشعر بالتحديد والتقييد بعدد وإفراده يشعر بالمسمى مطلقًا من غير تحديد، فالإفراد هنا أكمل وأكثر معنى من الجمع، وهذا بديع جدًا أن يكون مدلول المفرد أكثر من مدلول الجمع، ولهذا كان قوله تعالى: { قل فلله الحجة البالغة }، [231] أعم وأتم معنى من أن يقال: فلله الحجج البوالغ وكان قوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }. [232] أتم معنى من أن يقال وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها. وقوله: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة }، [233] أتم معنى من أن يقال حسنات. وكذا قوله: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } [234] ونظائره كثيرة جدًا، وسنذكر سر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وأما البركة فإنها لما كان مسماها كثرة الخير واستمراره شيئًا بعد شيء كلما انقضى منه فرد خلفه فرد آخر، فهو خير مستمر بتعاقب الأفراد على الدوام شيئًا بعد شيء كان لفظ الجمع أولى بها لدلالته على المعنى المقصود بها، ولهذا جاءت في القرآن، كذلك في قوله تعالى: { رحمة الله وبركاته عليكم }، [235] أهل البيت فأفرد الرحمة وجمع البركة. وكذلك في السلام في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

فصل: الرحمة المضافة إلى الله

واعلم أن الرحمة والبركة المضافتين إلى الله تعالى نوعان:

أحدهما مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله.

والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها.

فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: «احتجت الجنة والنار»، فذكر الحديث وفيه: «فقال للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهل الرحمة وإنما يدخلها الرحماء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض»، ومنه قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة }، [236] ومنه تسميته تعالى للمطر رحمة بقوله: { وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته }، [237] وعلى هذا فلا يمتنع الدعاء المشهور بين الناس قديمًا وحديثًا وهو قول الداعي. اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، وذكره البخاري في كتاب الأدب المفرد له عن بعض السلف وحكى فيه الكراهة. قال: لإن مستقر رحمته ذاته وهذا بناء على أن الرحمة صفة، وليس مراد الداعي ذلك، بل مراده الرحمة المخلوقة التي هي الجنة.

ولكن الذين كرهوا ذلك لهم نظر دقيق جدًا وهو أنه إذا كان المراد بالرحمة الجنة نفسها لم يحسن إضافة المستقر إليها، ولهذا لا يحسن أن يقال اجمعنا في مستقر جنتك، فإن الجنة نفسها هي دار القرار وهي المستقر نفسه. كما قال: حسنت مستقرًا ومقامًا، فكيف يضاف المستقر إليها والمستقر هو المكان الذي يستقر فيه الشيء، ولا يصح أن يطلب الداعي الجمع في المكان الذي تستقر فيه الجنة، فتأمله ولهذا قال: مستقر رحمته ذاته، والصواب أن هذا لا يمتنع وحتى لو قال صريحًا: اجمعنا في مستقر جنتك لم يمتنع. وذلك أن المستقر أعم من أن يكون رحمة، أو عذابًا. فإن أضيف إلى أحد أنواعه أضيف إلى ما يبينه ويميزه من غيره، كأنه قيل في المستقر الذي هو رحمتك لا في المستقر الآخر، ونظير هذا أن يقول: اجلس في مستقر المسجد. أي المستقر الذي هو المسجد، والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ولا مستكرهة وأيضا فإن الجنة وإن سميت رحمة لم يمتنع أن يسمى ما فيها من أنواع النعيم رحمة، ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة، فالداعي أن يطلب أن يجمعه الله ومن يحب في المكان الذي تستقر فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة وهذا ظاهر جدًا، فلا يمتنع الدعاء بوجه والله أعلم.

وهذا بخلاف قول الداعي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فإن الرحمة هنا صفته تبارك وتعالى وهي متعلق الاستغاثة. فإنه لا يستغاث بمخلوق ولهذا كان هذا الدعاء من أدعية الكرب لما تضمنه من التوحيد والاستغاثة برحمة أرحم الراحمين متوسلًا إليه بإسمين عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما مرجع معانيها جميعها، وهو اسم الحي القيوم، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفي كمال الحياة، وبهذا الطريق العقلي أثبت متكلمو أهل الإثبات له تعالى صفة السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة والكلام وسائر صفات الكمال.

وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته وعزته. فإنه القائم بنفسه لا يحتاج إلى من يقيمه بوجه من الوجوه وهذا من كمال غناه بنفسه عما سواه وهو المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته وهذا من كمال قدرته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال والغنى التام والقدرة التامة، فكأن المستغيث بهما مستغيث بكل اسم من أسماء الرب تعالى وبكل صفة من صفاته فما أولى الاستغاثة بهذين الاسمين أن يكونا في مظنة تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإنالة الطلبات.

والمقصود إن الرحمة المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته، كما أن المستعيذ بعزته في قوله: أعوذ بعزتك، مستعيذ بعزته التي هي صفته لا بعزته التي خلقها يعز بها عباده المؤمنين. وهذا كله يقرر قول أهل السنة إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات» يدل على أن كلماته تبارك وتعالى غير مخلوقة، فإنه لا يستعاذ بمخلوق، وأما قوله تعالى حكاية عن ملائكته: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا } [238] فهذه رحمة الصفة التي وسعت كل شيء كما قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء }، [239] وسعتها عموم تعلقها بكل شيء. كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم.

فصل: البركة المضافة لله

وأما البركة. فكذلك نوعان أيضا:

أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة على تارة، وبأداة في تارة. والمفعول منها مبارك وهو ما جعل. كذلك فكان مباركًا بجعله تعالى.

والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المبارك وعبده ورسوله المبارك كما قال المسيح: { وجعلني مباركا أين ما كنت }، [240] فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.

وأما صيغة تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: { تبارك الله رب العالمين }، [241] { تبارك الذي بيده الملك }، [242] { فتبارك الله أحسن الخالقين }، [243] { وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون }، [244] { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده }، [245] { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك }، [246] { تبارك الذي جعل في السماء بروجًا }. [247]

أفلا تراها كيف أطردت في القرآن جارية عليه غير مختصة به لا تطلق على غيره. وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوهما. فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته. فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها. وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك وتعاظم. وقال آخر معناه أن تجيء البركات من قبله. فالبركة كلها منه. وقال غيره: كثر خيره وإحسانه إلى خلقه. وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم. وقيل تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ومن هنا قيل معناه تعالى وتعاظم وقيل: تبارك تقدس والقدس الطهارة، وقيل: تبارك أي باسمه يبارك في كل شيء. وقيل: تبارك ارتفع والمبارك المرتفع ذكره البغوي. وقيل: تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكره. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة. وقيل: معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، ذكره البغوي أيضا.

وحقيقة اللفظة أن البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه تبارك وتعالى، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل، فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم.

ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا، وهذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه فهو المتعالي المتقدس. فكذلك تبارك، لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى، هذا لازم وهذا متعد، فعلمت أن من فسر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره، لم يصب معناها وإن كان هذا من لوازم كونه متباركًا فتبارك من باب مجد والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل وبارك من باب أعطى وأنعم ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس. فسر من فسر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين. فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها من قبله. وهذا فرع على تبارك في نفسه.

وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب الفتح المكي، وبينا هناك أن البركة كلها له تعالى ومنه فهو المبارك، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا ورسوله مباركًا وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة. فليلة القدر مباركة، وما حول المسجد الأقصى مبارك وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة، وتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصلاة: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام»، فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى. فأخبر أنه السلام ومنه السلام، فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام. وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسماءه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا فهو المحمود في ذاته وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا، فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه ومن عز من عباده فبإعزازه له. وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا. وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه فيصير بذلك مباركًا. { فتبارك الله رب العالمين }، [248] { وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون }. [249]

وهذا بساط؛ وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه. وأما ما وراء ذلك فكما قال: أعلم الخلق بالله، وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاهًا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وقال في حديث الشفاعة الطويل فأخرساجدًا لربي فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن وفي دعاء الهم والغم أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به علم الغيب عندك فدل على أن لله سبحانه وتعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وحسبنا الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه وبالله التوفيق.

فصل: تأكيد السلام على النبي دون الصلاة عليه

وأما السؤال الرابع والعشرون: وهو ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بالمصدر دون الصلاة عليه في قوله: { صلوا عليه وسلموا تسليما }؟

فجوابه أن التأكيد واقع على الصلاة والسلام. وإن اختلفت جهة التأكيد فإنه سبحانه أخبر في أول الآية بصلاته عليه وصلاة ملائكته عليه مؤكدًا لهذا الاخبار بحرف أن مخبرًا عن الملائكة بصيغة الجمع المضاف إليه وهذا يفيد العموم والاستغراق. فإذا استشعرت النفوس أن شأنه صلى الله عليه وسلم عند الله، وعند ملائكته هذا الشأن بادرت إلى الصلاة عليه، وإن لم تؤمر بها، بل يكفي تنبيهها والإشارة إليها بأدنى إشارة، وإذا أمرت بها لم تحتج إلى تأكيد الأمر بل إذاجاء مطلق الآمر بادرت وسارعت إلى موافقة الله وملائكته في الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلم يحتج إلى تأكيد الفعل بالمصدر. ولما خلا السلام عن هذا المعنى وجاء في حيز الأمر المجرد دون الخبر، حسن تأكيده بالمصدر ليدل على تحقيق المعنى وتثبيته، ويقوم تأكيد الفعل مقام تكريره كما حصل التكرير في الصلاة خبرًا أو طلبًا، فكذلك حصل التكرير في السلامة فعلًا ومصدرًا. فتأمله فإنه بديع جدًا والله أعلم.

وقد ذكرنا بعض ما في هذه الآية من الأسرار والحكم العجيبة في كتاب تعظيم شأن الصلاة، والسلام على خير الأنام وأتينا فيه من الفوائد بما يساوي أدناها رحلة مما لا يوجد في غيره. ولله الحمد فلنقتصر على هذه النكتة الواحدة.

فصل: تقديم السلام على النبي في الصلاة قبل الصلاة عليه

وأما السؤال الخامس والعشرون: وهو ما الحكمة في تقديم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قبل الصلاة عليه؟ وهلا وقعت البداءة بما بدأ الله به في الآية؟

فهذا سؤال أيضا له شأن لا ينبغي الإضراب عنه صفحًا وتمشية. والنبي صلى الله عليه وسلم كان شديد التحري لتقديم ما قدمه الله والبداءة بما بدأ به. فلهذا بدا بالصفا في السعي. وقال: نبدأ بما بدا الله به. وبدأ بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس في الوضوء. ولم يخل بذلك مرة واحدة. بل كان هذا وضوءه إلى أن فارق الدنيا لم يقدم منه مؤخرًا ولم يخل منه مقدمًا قط. ولا يقدر أحد أن ينقل عنه خلاف ذلك لا بإسناد صحيح، ولا حسن ولا ضعيف. ومع هذا فوقع في الصلاة والسلام عليه تقديم السلام، وتأخير الصلاة. وذلك لسر من أسرار الصلاة نشير إليه بحسب الحال إشارة. وهو أن الصلاة قد اشتملت على عبودية جميع الجوارح والأعضاء مع عبودية القلب، فلكل عضو منها نصيب من العبودية. فجميع أعضاء المصلي وجوارحه متحركة في الصلاة عبودية لله وذلًا له وخضوعًا، فلما أكمل المصلي هذه العبودية وانتهت حركاته ختمت بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوس تذلل وانكسار وخضوع لعظمته عز وجل. كما يجلس العبد الذليل بين يدي سيده، وكان جلوس الصلاة أخشع ما يكون من الجلوس وأعظمه خضوعًا وتذللًا. فإذن للعبد في هذه الحال بالثناء على الله تبارك وتعالى بأبلغ أنواع الثناء وهو التحيات لله والصلوات والطيبات، وعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم بما يليق بهم، وتلك التحية تعظيم لهم وثناء عليهم والله أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد من خلقه. فجمع العبد في قوله التحيات والصلوات والطيبات أنواع الثناء على الله، وأخبر أن ذلك له وصفًا وملكًا، وكذلك الصلوات كلها لله فهو الذي يصلي له وحده لا لغيره، وكذلك الطيبات كلها من الكلمات والأفعال كلها له فكلماته طيبات وأفعاله كذلك وهو طيب لا يصعد إليه إلا طيب والكلم الطيب إليه يصعد. فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه له ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها. وإليه مصعدها ومنتهاها والصلاة مشتملة على عمل صالح وكلم طيب، والكلم الطيب إليه يصعد، والعمل الصالح يرفعه. فناسب ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقت رفعها إلى الله تعالى. فلما أتى بهذا الثناء على الرب تعالى التفت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخير على يديه. فسلم عليه أتم سلام معرف باللام التي للاستغراق مقرونًا بالرحمة والبركة. هذا هو أصح شيء في السلام عليه فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام.

ثم انتقل إلى السلام على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين وبدأ بنفسه، لأنها أهم، والإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ثم ختم هذا المقام يعقد الإسلام وهو التشهد بشهادة الحق التي هي أول الأمر وآخره. وعندها كل الثناء والتشهد.

ثم انتقل إلى نوع آخر وهو الدعاء والطلب، فالتشهد يجمع نوعي الدعاء. دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة والأول أشرف النوعين، لأنه حق الرب ووصفه، والثاني حظ العبد ومصلحته وفي الأثر: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين»، لكن لما كانت الصلاة أتم العبادات عبودية وأكملها شرع فيها النوعين. وقدم الأول منهما لفضله، ثم انتقل إلى النوع الثاني وهو دعاء الطلب والمسألة.. فبدأ بأهمه وأجله وأنفعه له وهو طلب الصلاة من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو من أجل أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته، كما ذكرنا في كتاب تعظيم شأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضا أن الداعي جعله مقدمة بين يدي حاجته وطلبه لنفسه، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله، ثم لينتخب من الدعاء أعجبه إليه، وكذلك في حديث فضالة بن عبيد إذا دعا أحدكم. فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع فتأمل، كيف جاء التشهد من أوله إلى آخره مطابقًا لهذا منتظمًا له أحسن النظام، فحديث فضالة هذا هو الذي كشف لنا المعنى وأوضحه وبينه فصلوات الله وسلامه على من أكمل به لنا دينه، وأتم برسالته علينا نعمته، وجعله رحمة للعالمين وحسرة على الكافرين.

فصل: السلام بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة

وأما السؤال السادس والعشرون: وهو ما الحكمة في كون السلام وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة؟

فجوابه يظهر مما تقدم، فإن الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة إذ لا يقال: اللهم صل عليك. وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلًا له منزلة المواجه لحكمة بديعة جدًا وهي أنه صلى الله عليه وسلم لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودًا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه كما قال القائل:

مثالك في عيني وذكرك في فمي ** ومثواك في قلبي فأين تغيب

ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقًا وغيره. وإن كان حاضرًا للعيان فهو غائب عن الجنان. فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تزيلًا له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب، وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلا ومحبته وذكره فيه كما قيل: لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك.

والتوحيد في سطر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا تستنكر استيلاء المحبوب على قلب المحب وغلبته عليه، حتى كأنه يراه، ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطاب الحضور، والمشاهدة مع غاية البعد العياني لكمال القرب الروحي، فلم يمنعهم بعد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها ومن كثفت طباعه فهو عن هذا كله بمعزل. وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها كما قيل:

يا مقيمًا مدى الزمان بقلبي ** وبعيدًا عن ناظري وعِياني

أنت روحي إن كنت لست أراها ** فهي أدنى إلي من كل داني

وقال آخر:

يا ثاويًا بين الجوانح والحشا ** مني وإن بعدت علي دياره

وإنه ليلطف شأن المحبة حتى يرى أنه أدنى إليه وأقرب من روحه. ولي من أبيات تلم بذلك:

وأدنى إلى الصب من نفسه ** وإن كان عن عينه نائيا

ومن كان مع حبه هكذا ** فأنى يكون له ساليا

ثم يلطف شأنها ويقهر سلطانها حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه، فلا يشعر إلا بمحبوبه ولا يشعر بنفسه، ومن هنا نشأت الشطحات الصوفية التي مصدرها عن قوة الوارد وضعف التمييز. فحكم صاحبها فيها الحال على العلم وجعل الحكم له وعزل علمه من البين وحكم المحفوظون فيها حاكم العلم على سلطان الحال. وعلموا أن كل حال لا يكون العلم حاكمًا عليه، فإنه لا ينبغي أن يغتر به، ولا يسكن إليه إلا كما يساكن المغلوب المقهور لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه. وهذه حال الكمل من القوم الذين جمعوا بين نور العلم، وأحوال المعاملة. فلم تطفىء عواصف أحوالهم نور علمهم، ولم يقصر بهم علمهم عن الترقي إلى ما وراءه من مقامات الإيمان والإحسان، فهؤلاء حكام على الطائفتين ومن عداهم فمحجوب يعلم لا نفوذ له فيه، أو مغرور بحال لا علم له بصحيحه من فاسده والله المسؤول من فضله إنه قريب مجيب.

فالكامل من يحكّم العلم على الحال فيتصرف في حاله بعلمه، ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به الصحيح من الفاسد لا من يقدح في العلم بالحال، ويجعل الحال معيارًا عليه وميزانًا، فما وافق حاله من العلم قبله وما خالفه رده ونفاه، فهذا أضل الضلال في هذا الباب، بل الواجب تحكيم العلم والرجوع إلى حكمه، وبهذا أوصى العارفون من شيوخ الطريق كلهم وحرضوا على العلم أعظم تحريض لعلمهم بما في الحال المجرد عنه من الغوائل والمهالك والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فصل: الثناء على الله في التشهد

وأما السؤال السابع والعشرون: وهو ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغيبة مع كونه سبحانه هو المخاطب الذي يناجيه العبد والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الخطاب مع كونه غائبًا؟

فجوابه أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافًا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر فيجيء بعده المضمر. وهذا نحو قول المصلي: { الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد }، وقوله في الركوع: سبحان ربي العظيم وفي السجود: سبحان ربي الأعلى وفي هذا من السر أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال. فأتى بالاسم الظاهر الدل على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك. ولهذا إذا كان ولابد من الثناء عليه بخطاب المواجهة أتى بالاسم الظاهر مقرونًا بميم الجمع الدالة على جمع الأسماء والصفات نحو قوله في رفع رأسه من الركوع: اللهم ربنا لك الحمد وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى لدلالة لفظه على هذا المعنى. فتأمله فإنه لطيف المنزع جدًا.

وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة اللهم. كما في سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك الحديث. وجاء الدعاء المجرد مصدرًا بلفظ الرب نحو قول المؤمنين: { ربنا اغفر لنا ذنوبنًا }، [250] وقول آدم: { ربنا ظلمنا أنفسنا }، [251] وقول موسى: { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي }، [252] وقول نوح: { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم }، [253] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي رب اغفر لي».

وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره ويثنى عليه بالاهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى. وتدبر طريقة القرآن تجدها كما ذكرت لك.

فأما الدعاء فقد ذكرنا منه أمثلة وهو في القرآن حيث وقع لا يكاد، يجيء إلا مصدرًا باسم الرب.

وأما الثناء فحيث وقع فمصدر بالأسماء الحسنى وأعظم ما يصدر به اسم الله جل جلاله نحو: { الحمد لله } حيث جاء ونحو: { فسبحان الله } وجاء: { سبحان ربك رب العزة }، ونحوه: { سبح لله ما في السموات وما في الأرض } [254] حيث وقعت ونحو: { تبارك الله رب العالمين }، [255] { تبارك الله أحسن الخالقين }، [256] { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده }، [257] ونظائره.

وجاء في دعاء المسيح: { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء }، [258] فذكر الأمرين ولم يجىء في القرآن سواه ولا رأيت أحدًا تعرض لهذا ولا نبه عليه. وتحته سر عجيب دال على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له. فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء }، [259] فخوفهم بالله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يسأل عنه. وأن الإيمان يرده. فلما ألحوا في الطلب وخاف المسيح أن يداخلهم الشك إن لم يجابوا إلى ما سألوا بدأ في السؤال باسم ( اللهم ) الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته ففي ضمن ذلك تصوره بصورة المثنى الحامد الذاكر لأسماء ربه المثى عليه بها. وأن المقصود من هذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة. إنما هو أن يثنى على الرب بذلك ويمجده به ويذكر آلاءه ويظهر شواهد قدرته وربوبيته، ويكون برهانًا على صدق رسوله. فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه فأتى بالاسمين: اسم الله الذي يثنى عليه به. واسم الرب الذي يدعي ويسأل به لما كان المقام مقام الأمرين. فتأمل هذا السر العجيب، ولا ينب عنه فهمك فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد.

وأما السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الخطاب فقد ذكرنا سره في الوجه الذي قبل هذا فالعهد به قريب.

فصل: السلام في آخر الصلاة وتعريفه

وأما السؤال الثامن والعشرون: فقد تضمن سؤالين. أحدهما ما السر في كون السلام في آخر الصلاة، والثاني لم كان معرفًا؟

والجواب: أما اختتام الصلاة به فإنه قد جعل الله لكل عبادة تحليلًا منها. فالتحليل من الحج بالرمي وما بعده، وكذلك التحلل من الصوم بالفطر بعد الغروب، فجعل السلام تحليلًا من الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، تحريمها هنا هو بابها الذي يدخل منه إليها وتحليلها بابها الذي يخرج به منها. فجعل التكبير باب الدخول، والتسليم باب الخروج لحكمة بديعة بالغة يفهمها من عقل عن الله وألزم نفسه بتأمل محاسن هذا الدين العظيم، وسافر فكره في استخراج حكمه وأسراره وبدائعه، وتغرب عن عالم العادة والألف، فلم يقنع بمجرد الأشباح حتى يعلم ما يقوم بها من الأرواح. فإن الله لم يشرع شيئًا سدى، ولا خلوًا من حكمة بالغة. بل في طوايا ما شرعه وأمر به من الحكم والأسرار التي تبهر العقول ما يستدل به الناظر فيه على ما وراءه، فيسجد القلب خضوعًا وإذعانًا.

فنقول وبالله التوفيق: لما كان المصلي قد تخلى عن الشواغل، وقطع جميل العلائق وتطهر، وأخذ زينته وتهيأ للدخول على الله ومناجاته. شرع له أن يدخل عليه دخول العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال. فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى وهو قول الله أكبر. فإن في اللفظ من التعظيم والتخصيص والإطلاق في جانب المحذوف المجرور بمن ما لا يوجد في غيره، ولهذا كان الصواب أن غير هذا اللفظ لا يقوم مقامه، ولا يؤدي معناه، ولا تنعقد الصلاة إلا به كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث. فجعل هذا اللفظ واستشعار معناه. والمقصود به باب الصلاة الذي يدخل العبد على ربه منه. فإنه إذا استشعر بقلبه أن الله أكبر من كل ما يخطر بالبال استحيي منه أن يشغل قلبه في الصلاة بغيره. فلا يكون موفيًا لمعنى الله أكبر، ولا مؤديا لحق هذا اللفظ، ولا أتى الببت من بابه، بل الباب عنه مسدود. وهذا بإجماع السلف أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضره بقلبه.

وما أحسن ما قال أبو الفرج بن الجوزي في بعض وعظه: حضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى، فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى الضيف اليقظة، وكشف الحجاب لعين القلب، فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية، وقد تبعث قلبك في كل واد، فربما تفجأك الصلاة وليس قلبك عندك، فتبعث الرسول وراءه فلا يصادفه، فتدخل في الصلاة بغير قلب.

والمقصود أنه قبيح بالعبد أن يقول بلسانه: الله أكبر. وقد امتلأ قلبه بغير الله فهو قبلة قلبه في الصلاة، ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها. فلو قضي حق الله أكبر وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات. فهذا الباب الذي يدخل منه المصلي وهو التحريم.

وأما الباب الذي يخرج منه فهو باب السلام المتضمن أحد الأسماء الحسنى، فيكون مفتتحًا لصلاته باسمه تبارك وتعالى ومختتمًا لها باسمه فيكون ذاكرًا لاسم ربه أول الصلاة وآخرها. فأولها باسمه، وآخرها باسمه. فدخل فيها باسمه وخرج منها باسمه مع ما في اسم السلام من الخاصية، والحكمة المناسبة لانصراف المصلي من بين يدي الله، فإن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره. بل هو في حمى من جميع الآفات والشرور. فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمحن، وتعرضت له من كل جانب وجاءه الشيطان بمصائده وجنده، فهو متعرض لأنواع البلايا والمحن. فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوبًا بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى. وكان من تمام النعمة عليه أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه.

فتدبر هذا السر الذي لو لم يكن في هذا التعليق غيره لكان كافيًا، فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لا يوجد عند أبناء الزمان، والحمد في ذلك لله وحده. فكما أن المنعم به هو الله وحده. فالمحمود عليه هو الله وحده. وقد عرف بهذا جواب السؤال الثاني وهو مجيء السلام هنا معرفًا ليكون دالًا على اسمه السلام.

وليكن هذا آخر الكلام في مسألة سلام عليكم. فلولا قصد الاختصار لجاءت مجلدًا ضخمًا. هذا ولم نتعرض فيها إلى المسائل المسطورة في الكتب من فروع السلام ومسائله. فإنها مملوءة منها فمن أرادها، فليأخذها من هناك والحمد لله رب العالمين.

(تفسير المعوذتين)

روى مسلم في صحيحه من حديث قيس بن أبى حازم عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس». وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون»، قلت: بلى، قال: «قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس». وفي الترمذي: حدثنا قتيبة نا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة قال: هذا حديحث غريب. وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود عن عبد الله بن حبيب قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة نطلب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا فأدركناه. فقال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، قلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: قل: «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما. قال: وفي الباب عن أنس، وهذا حديث غريب. وفي الصحيحين عن عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به. قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ذكره البخاري. ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها. وكذلك قال معمر عن الزهري عن عروة عنها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيده نفسه لبركتها. فسألت ابن شهاب كيف كان ينفث، قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه. ذكره البخاري أيضا. وهذا هو الصواب أن عائشة كانت تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها ولم يمنعها من ذلك. وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا. ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها على رقيته أن يكون مسترقيًا. فليس أحدهما بمعنى الآخر، ولعل الذي كان بأمرها به إنما هو المسح على نفسه بيده فيكون هو الراقي لنفسه، ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه ويكون هذا غير قراءتها هي عليه ومسحها على يديه، فكانت تفعل هذا وهذا، والذي أمرها به إنما هو تنقل يده لا رقيته. والله أعلم.

والمقصود الكلام على هاتين السورتين وبيان عظيم منفعتهما وشدة الحاجة، بل الضرورة إليهما وأنه لا يستغني عنهما أحد قط. وأن لهما تأثيرًا خاصًا في دفع السحر والعين وسائر الشرور. وإن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجتهه إلى النفس والطعام والشراب واللباس.

فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول وهي أصول الاستعاذة: أحدها نفس الاستعاذة، والثانية المستعاذ به، والثالثة المستعاذ منه. فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. فلنعقد لهما ثلاثة فصول الفصل الأول في الاستعاذة، والثاني في المستعاذ به، والثالث في المستعاذ منه.

الفصل الأول: الاستعاذة وبيان معناها

اعلم أن لفظ عاذ وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة. وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذًا. كما يسمى ملجأ ووزرًا.

وفي الحديث أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: «لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك». فمعنى أعوذ التجىء وأعتصم وأتحرز. وفي أصله قولان: أحدهما أنه مأخوذ من الستر. والثاني أنه مأخوذ من لزوم المجاورة. فأما من قال إنه من الستر، قال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها عُوَّذًا، بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها سموه عوذا. فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه، واستجن به منه، ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه عوذ، لأنه اعتصم به واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه.

والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه متمسك به معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه. كما يلزم الوالد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه. فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه.

وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم وإلا فما يقوم بالقلب حيئذ من الالتجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الرب الافتقار إليه. والتذلل بين يديه أمر لا تحيط به العبارة.

ونظير هذا التعبير عن معنى محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالانصاف بذلك لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنين لم تخلق له شهوة أصلًا، فلو قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خلقت فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق.

وأصل هذا الفعل أعوذ بتسكين العين وضم الواو، ثم أعل بنقل حركة الواو إلى العين، وتسكين الواو، فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله فقالوا في اسم الفاعل عائذ وأصله عاوذ فوقعت الواو بعد ألف فاعل فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم وخائف، وقالوا في المصدر: عياذًا بالله. وأصله عواذًا كلواذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها لأنها قد ضعفت بإعلالها في الفعل. وقالوا: مستعيذ، وأصله مستعوذ كمستخرج فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، قلبت الواو قبلها كسرة فقلبت ياء على أصل الباب.

فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل. كقوله: فاستعذ بالله ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله وعذت بالله دون أستعيذ واستعذت.

قلت: السين والتاء دالة على الطلب. فقوله: استعيذ بالله أي أطلب العياذ به. كما إذا قلت: أستخير الله أي أطلب خيرته وأستغفره، أي أطلب مغفرته وأستقيله، أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيدانًا لطلب هذا المعنى من المعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب منه، لأنه طلب من الالتجاء والاعتصام وفرق بين نفس الالتجاء الاعتصام وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربًا ملتجئًا معتصمًا بالله أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك، فتأمله.

وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله، فقال: استغفرِ الله، فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله، فإذا قال: أستغفر الله كان ممتثلًا، لأن المعنى أطلب من الله أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين فيقول: أستعيذ بالله، أي أطلب منه أن يعيذني، ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء الهرب إليه. فالأول مخبر عن حاله وعياذه بربه، وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه. والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني، فحال الأول أكمل.

ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتثال هذا الأمر: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - وأعوذ بكلمات الله التامات - وأعوذ بعزة الله وقدرته. دون أستعيذ، بل الذي علمه الله إياه أن يقول: { أعوذ برب الفلق }، { قل أعوذ برب الناس }، دون أستعيذ، فتأمل هذه الحكمة البديعة.

فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به. فقال: { قل أعوذ برب الفلق }، { قل أعوذ برب الناس }، ومعلوم أنه إذا قيل: قل الحمد الله وقل سبحان الله، فإن امتثاله أن يقول: الحمد لله وسبحان الله، ولا يقول: قل سبحان الله.

قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبي بن كعب على النبي صلى الله عليه وسلم بعينه وأجابه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال البخاري في صحيحه: حدثنا قتيبة ثنا سفيان بن عاصم وعبدة عن زر قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قيل لي، فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش، وحدثنا عاصم عن زر قال: سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول: كذا وكذا، فقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قيل لي، فقلت: قل، فنحن نقول كما قال رسول الله.

قلت: مفعول القول محذوف وتقديره قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي.

وتحت هذا من السر أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له في القرآن إلا بلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه، بل هو المبلغ له عن الله. وقد قال الله له: { قل أعوذ برب الفلق }، فكان يقتضي البلاغ التام أن يقول: { قل أعوذ برب الفلق }، كما قال الله. وهذا هو المعنى الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه بقوله: «قيل لي فقلت». أي: فلست مبتدئًا، بل أنا مبلغ أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما أنزله إلي. فصلوات الله وسلامه عليه. لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل له، فكفانا وشفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول: هذا القرآن العربي، وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به. ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه حتى أنه لما قيل له "قل" قال هو: قل، لأنه مبلغ محض. وما على الرسول إلا البلاغ.

الفصل الثاني: المستعاذ به هو الله

في المستعاذ به، وهو الله وحده رب الفلق ورب الناس ملك الناس إله الناس، الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه. بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره. وقد أخبر تعالى في كتابه عن من استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانًا ورهقًا. فقال حكاية عن مؤمني الجن: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا }، [260] جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. أي فزاد الإنسَّ الجنُّ باستعاذتهم بسادتهم رهقًا، أي طغيانًا وإثمًا وشرًا. يقولون: سدنا الإنس والجن. والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن.

واحتج أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات الله غير مخلوقة بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات»، وهو صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق أبدًا. ونظير ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك». فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق. وكذلك قوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته»، وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات». وما استعاذ به النبي صلى الله عليه وسلم غير مخلوق فإنه لا يستعيذ إلا بالله أو صفة من صفاته. وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفلق وإلى الناس، ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها. وقد قررنا في مواضع متعددة. أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين: إنه «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما». فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيًا للمطلوب وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه، وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث وهو الشيء المستعاذ منه. فتتبين المناسبة المذكورة فنقول.

الفصل الثالث: الشرور المستعاذ منها

في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين.

الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالًا بصاحبه. وإما شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلف، أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره وهو الإنسان، أو ليس نظيره وهو الجني وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمى وغيرها.

فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة. بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما.

فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة. أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عمومًا. الثاني: شر الغاسق إذا وقب. الثالث: شر النفاثات في العقد، الرابع: شر الحاسد إذا حسد. فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد والتحرز منها قبل وقوعها وبماذا تدفع بعد وقوعها؟

وقبل الكلام في ذلك. لا بد من بيان الشر ما هو وما حقيقته. فنقول:

الشر يقال على شيئين على الألم وعلى ما يفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك، فالشرور هي الآلام وأسبابها. فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور. وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة. لكنها شرور، لأنها أسباب الالام ومفضية إليها كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها. فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار والخنق بالحبل وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها، ولا بد ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب فيدفع الأقوى للأضعف. وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف والقوة.

والمقصود أن هذه الأسباب التي فيها لذة ما هي شر. وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة وهي بمنزلة طعام لذيذ شهي. لكنه مسموم إذا تناوله الآكل لذ لآكله، وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل. فهكذا المعاصي والذنوب ولا بد حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة الخاصة والعامة من أكبر شهوده.

وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته. فإن الله إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال }. [261]

ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم. وجد سبب ذلك جميعه، إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره. وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب كما قيل:

إذا كنت في نعمة فارعها ** فإن المعاصي تزيل النعمْ

فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه. فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس. ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له.

والمقصود أن هذه الأسباب شرور ولا بد. وأما كون مسبباتها شرورًا فلأنها آلام نفسية وبدنية فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم الغموم والأحزان والحسرات. ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب. ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرًا كان مفعولا. فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله. وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم والإشراف والإطلاع على عالم البقاء. فحينئذ يقول: { يا ليتني قدمت لحياتي }، [262] { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله }. [263]

ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي صلى الله عليه وسلم جميعها مدارها على هذين الأصلين فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه. فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع وأمر بالاستعاذة منهن وهي عذاب القبر وعذاب النار. فهذان أعظم المؤلمات. وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. وهذان سبب العذاب المؤلم. فالفتنة سبب العذاب. وذكر الفتنة خصوصًا وعمومًا. وذكر نوعي الفتنة، لأنها إما في الحياة، وإما بعد الموت، ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدة، وأما فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها. وهذا من آكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير، وأوجبه ابن حزم في كل تشهد، فإن لم يأت به في بطلت صلاته.

ومن ذلك قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال» فاستعاذ من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان وهما من آلام الروح ومعذباتها. والفرق بينهما أن الهم توقع الشر في المستقبل والحزن التألم على حصول المكروه في الماضي أو فوات المحبوب وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح. فإن تعلق بالماضي سمي حزنًا، وإن تعلق بالمستقبل سمي همًا.

والعجز والكسل قرينان وهما من أسباب الألم، لأنهما يستلزمان فوات المحبوب، فالعجز يستلزم عدم القدرة، والكسل يستلزم عده إرادته. فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به والتذاذها بإدراكه لو حصل.

والجبن والبخل قرينان، لأنهما عدم النفع بالمال والبدن وهما من أسباب الألم، لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة لا تنال إلا بالبذل والشجاعة، والبخل يحول بينه دونها أيضا، فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام.

وضلع الدين وقهر الرجال قرينان وهما مؤلمان للنفس معذبان لها. أحدهما قهر بحق وهو ضلع الدين. والثاني: قهر بباطل وهو غلبة الرجال، وأيضا فضلع الدين قهر بسبب من العبد في الغالب وغلبة الرجال قهر بغير اختياره.

ومن ذلك تعوذه صلى الله عليه وسلم: «من المأثم والمغرم» فإنهما يسببان الألم العاجل. ومن ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك» فالسخط سبب الألم والعقوبة هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها.

فصل: الشر المستعاذ منه نوعان

والشر المستعاذ منه نوعان: أحدهما موجود يطلب رفعه، والثاني معدوم يطلب بقاؤه على العدم وأن لا يوجد. كما أن الخير المطلق نوعان: أحدهما موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه، والثاني معدوم فيطلب وجوده وحصوله.

فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين وعليها مدار طلباتهم. وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قولهم: { ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا }، [264] فهذا الطلب لدفع الشر الموجود. فإذ الذنوب والسيئات شر كما تقدم بيانه.

ثم قال: { وتوفنا مع الأبرار }، فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه. فهذان قسمان.

ثم قال: { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك }، فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه. ثم قال: { ولا تخزنا يوم القيامة }، فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة.

فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام مرتبة أحسن ترتيب قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت، ثم اتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة. وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة.

فإذا عرف هذا فقوله صلى الله عليه وسلم في في تشهد الخطبة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»، يتناول الاستعاذة من شر النفس الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة فيسأل دفعه وأن لا يوجد.

وأما قوله: «من سيئات أعمالنا» ففيه قولان.

أحدهما: أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت، فيكون الحديث قد تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد ومن الشر الموجود. فطلب دفع الأول ورفع الثاني.

والقول الثاني: إن سيئات الأعمال هي التي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء صاحبها وعلى هذا يكون من استعاذه الدفع أيضا دفع المسبب. والأول دفع السبب فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه وعلى الأول يكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. وعلى الثاني يكون من باب إضافة المسبب إلى سببه والمعلول إلى علته كأنه قال من عقوبة عملي. والقولان محتملان. فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به. فإن مع كل واحد منهما نوعًا من الترجيح.

فيترجح الأول بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس، فشر النفس يولد الأعمال السيئة فاستعاذ من صفة النفس ومن الأعمال التي تحدث عن تلك الصفة وهذان جماع الشر وأسباب كل ألم، فمتى عوفي منهما عوفي من الشر بحذافيره.

ويترجح الثاني بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل وأسبابها شر النفس، فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها. والقولان في الحقيقة متلازمان والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من الآخر.

فصل: الشر ومصدره ومنتهاه

ولما كان الشر له سبب هو مصدره وله مورد ومنتهى. وكان السبب إما من ذات العبد، وإما من خارج ومورده ومنتهاه إما نفسه، وإما غيره؛ كان هنا أربعة أمور: شر مصدره من نفسه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى، وشر مصدره من غيره وهو السبب فيه ويعود على نفسه تارة وعلى غيره أخرى - جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه الصديق أن يقوله إذا أصبح، وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم». فذكر مصدري الشر وهما النفس والشيطان، وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده على النفس أو على أخيه المسلم، فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه.

فصل: الشرور المستعاذ منها في المعوذتين

فإذا عرف هذا فلنتكلم على الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين.

الشر الأول العام في قوله: { من شر ما خلق }، وما ههنا موصولة ليس إلا. والشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه. فإنه لا شر فيه بوجه ما. فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله. كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى. فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما.

وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة لا شر فيها أصلًا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى. ولعاد إليه منه حكم تعالى وتقدس عن ذلك وما يفعله من العدل بعباده وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض، إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شرًا بالنسبة إليهم، فالشر وقع في تعلقه بهم وقيامه بهم لا في فعله القائم به تعالى، ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر.

ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال:

أحدهما: أن ما هو شر أو متضمن للشر. فإنه لا يكون إلا مفعولًا منفصلًا لا يكون وصفًا له، ولا فعلًا من أفعاله.

الثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي فهو خير من جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه. فله وجهان هو من أحدهما خير وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقًا وتكوينًا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادىء معرفتها فضلًا عن حقيقتها فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه هو الغني الحميد، وفاعل الشر لا يفعله لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده. فيستحيل صدور الشر من الغنى الحميد فعلًا، وإن كان هو الخالق للخير والشر، فقد عرفت أن كونه شرًا هو أمر إضافي وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه ومبدعه.

فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب ومحبته، ويزيل عنك شبهاث حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. وقد بسطت هذا في كتاب التحفة المكية، وكتاب الفتح القدسي، وغيرهما.

وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة.

أحدها: أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك، وأمره به مشكورعليه يستحق عليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة.

وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم وجلد من يصول عليهم في أعراضهم. فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم، فكيف عقوبة من يصول على أديانهم ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله، وجعل سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به.

أفليس في عقوبة هذا الصائل خير محض، وحكمة وعدل وإحسان إلى العبيد وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي، فالشر ما قام به من تلك العقوبة، وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة، فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم، والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه. وإنه سبحانه. كما إنه البر الرحيم الودود المحسن، فهو الحكيم الملك العدل. فلا تناقض حكمته رحمته. بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم. فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء، ولا فرق أصلًا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة.

وتأمل القرآن من أوله إلى آخره. كيف تجده كفيلًا بالرد على هذه المقالة، وإنكارها أشد الإنكار وتنزيه نفسه عنها كقوله تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون }، [265] وقوله: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون }، [266] وقوله: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار }، [267] فأنكر سبحانه على من ظن هذا الظن ونزه نفسه عنه. فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة. إن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلاهيته لا إله إلا هو تعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا.

وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان، ومكافأة الصنع الجميل بمثله وزيادة. فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار، واستهجنته أعظم الاستهجان، وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام. كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم. فأكرمه غاية الإكرام ورفعه وكرمه. فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا وتشهد على سفه من فعله.

هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها. فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة. وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها، ولم تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة، كما قال الشاعر:

نعمة الله لا تعاب ولكن ** ربما استقبحت على أقوام

فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن، ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله الساعين في خلاف مرضاته الذين يرضون إذا غضب، ويغضبون إذا رضي، ويعطلون ما حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره والحكم لغيره والطاعة لغيره فهم مضادون في كل ما يريد. يحبون ما يبغضه ويدعون إليه، ويبغضون ما يحبه، وينفرون عنه ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله. كما قال تعالى: { وكان الكافر على ربه ظهيرًا }، [268] وقال: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو }. [269]

فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابًا وجلالة وتهديدًا. كيف صدره بإخبارنا أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك فطرده ولعنه وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا، ثم أنتم توالونه من دوني. وقد لعنته وطردته إذ لم يسجد لأبيكم، وجعلته عدوًا لكم ولأبيكم فواليتموه وتركتموني. فليس هذا من أعظم الغبن وأشد الحسرة عليكم ويوم القيامة يقول تعالى: أليس عدلًا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا. فليعلمن أولياء الشيطان كيف حالهم يوم القيامة إذا ذهبوا مع أوليائهم وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول: ألا تذهبون حيث ذهب الناس. فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم. وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده. فيقول: هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم إنه لا مثل له فيتجلى لهم، ويكشف عن ساق فيخرون له سجدًا.

فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة، ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم، وبقوا مع مولاهم الحق. فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه؛ إن أولياءه إلا المتقون { ولكن أكثرهم لا يعلمون }.

ولا تستطل هذا البسط، فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله ونزولها منها منازلها في الدنيا، لتنزل في جوار ربها في الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

فصل: حديث لبيك وسعديك

إذا عرف هذا عرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك». وإن معناه أجل وأعظم من قول من قال: والشر لا يتقرب به إليك. وقول من قال: والشر لا يصعد إليك. وإن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه. فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق. فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما لا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في أسمائه وأن دخل في مخلوقاته كقوله: { قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق }.

وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به كقوله: { والكافرون هم الظالمون }، [270] وقوله: { والله لا يهدي القوم الفاسقين }، [271] وقوله: { فبظلم من الذين هادوا } وقوله: { ذلك جزيناهم ببغيهم }، [272] وقوله: { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين }، [273] وهو في القرآن أكثر من أن يذكر ههنا عشر معشاره. وإنما المقصود التمثيل.

وتارة بحذف فاعله كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }، [274] فحذفوا فاعل الشر ومريده وصرحوا بمريد الرشد.

ونظيره في الفاتحة: { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }، فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه والضلال منسوبًا إلى من قام به والغضب محذوفًا فاعله. ومثله قول الخضر في السفينة: { فأردت أن أعيبها }، [275] وفي الغلامين: { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك }. [276]

ومثله قوله: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان }، [277] فنسب هذا التزيين المحبوب إليه، وقال: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين }، [278] فحذف الفاعل المزين.

ومثله قول الخليل صلى الله عليه وسلم: { الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين }، [279] فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال. ونسب إلى نفسه النقص منها وهو المرض والخطيئة.

وهذا كثير في القرآن ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب الفوائد المكية، وبينا هناك السر في مجيء الذين آتيناهم الكتاب، والذين أوتوا الكتاب والفرق بين الموضعين. وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعًا في سياق المدح. وحيث حذفه كان من أوتيه واقعًا في سياق الذم، أو منقسمًا. وذلك من أسرار القرآن الكريم.

ومثله: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا }، [280] وقال: { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب }، [281] وقوله: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى }، [282] وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل والشر ليس إليه.

فصل: من شر ما خلق

وقد دخل في قوله تعالى: { من شر ما خلق }، الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره، إنسيًا كان أو جنيًا أو هامة أو دابة أو ريحًا أو صاعقة أي نوع كان من أنواع البلاء.

فإن قلت: فهل في ما ههنا عموم؟

قلت: فيها عموم تقييدي وصفي، لا عموم إطلاقي. والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر. فعمومها من هذا الوجه. وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه الله، فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر، وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير محض والخير كله حصل على أيديهم فالاستعاذة من شر ما خلق تعم شر كل مخلوق فيه شر، وكل شر في الدنيا والآخرة وشر شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام وشر النار والهواء وغير ذلك.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نزل منزلًا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه»، رواه مسلم.

وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: «يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد».

وفي الحديث الآخر: «أعوذ بكلمات الله التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن». [283]

فصل: شر غاسق إذا وقب

الشر الثاني: { شر غاسق إذا وقب }، فهذا خاص بعد عام، وقد قال المفسرين: إنه الليل. قال ابن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من الشرق، ودخل في كل شيء وأظلم والغسق الظلمة يقال: غسق الليل وأغسق إذا أظلم ومنه قوله تعالى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل }. [284]

وكذلك قال الحسن ومجاهد: الغاسق: إذا وقب الليل إذا أقبل ودخل والوقوب الدخول. وهو دخول الليل بغروب الشمس. وقال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار، وفي تسمية الليل غاسقًا قول آخر إنه من البرد والليل أبرد من النهار والغسق البرد. وعليه حمل ابن عباس قوله تعالى: { هذا فليذوقوه حميم وغساق }، [285] وقوله: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا }، [286] قال: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرها، وكذلك قال مجاهد ومقاتل: هو الذي انتهى برده.

ولا تنافي بين القولين. فإن الليل بارد مظلم فمن ذكر برده فقط، أو ظلمته فقط. اقتصر على أحد وصفيه. والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة، فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور من شر الغاسق الذي هو الظلمة فناسب الوصف المستعاذ به للمعنى المطلوب بالاستعاذة. كما سنزيده تقريرًا عن قريب إن شاء الله.

فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الترمذي من حديث ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر. فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهذا أولى من كل تفسير فيتعين المصير إليه.

قيل: هذا التفسير حق ولا يناقض التفسير الأول. بل يوافقه ويشهد بصحته، فإن الله تعالى قال: { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة }، [287] فالقمر هو آية الليل وسلطانه فهو أيضا غاسق إذا وقب. كما أن الليل غاسق إذا وقب والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب وهذا خبر صدق وهو أصدق الخبر ولم ينف عن الليل اسم الغاسق إذا وقب، وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم له بالذكر لا ينفي شمول الاسم لغيره.

ونظير هذا قوله في المسجد الذي أسس على التقوى وقد سئل عنه فقال: «هو مسجدي»، هذا ومعلوم أن هذا لا ينفي كون مسجد قبا مؤسسًا على التقوى، (بل ثبت أن مسجده أحق بالدخول في هذا الاسم، وأنه أحق بأن يكون مؤسسا على التقوى) من ذاك.

ونظيره أيضا قوله في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» فإن هذا لا ينفي دخول غيرهم من أهل بيته في لفظ أهل البيت. ولكن هؤلاء أحق من دخل في لفظ أهل بيته.

ونظير هذا قوله ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان التمرة والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئًا ولا يفطن له فيتصدق عليه وهذا لا ينفي اسم المسكنة عن الطواف. بل ينفي اختصاص الاسم به وتناول المسكين لغير السانل أولى من تناوله له.

ونظير هذا قوله: ليس الشديد بالصرعة. ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب فإن لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرع الرجال. ولكن يقتضي أن ثبوته للذي يملك نفسه عند الغضب أولى. ونظيره الغسق والوقوب وأمثال ذلك. فكذلك قوله في القمر: هذا هو الغاسق إذا وقب لا ينفي أن يكون الليل غاسقًا بل كلاهما غاسق (والنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى آية الليل وسلطانه والمفسرون ذكروا الليل نفسه، والله أعلم).

فإن قيل: فما تقولون في القول الذى ذهب إليه بعضهم أن المراد به القمر إذا خسف واسود، وقوله: وقب أي دخل في الخسوف أو غاب خاسفًا؟

قيل: هذا القول ضعيف ولا نعلم به سلفًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى القمر وقال: «هذا الغاسق إذا وقب» لم يكن خاسفًا إذ ذاك، وإنما كان وهو مستنير ولو كان خاسفًا لذكرته عائشة. وإنما قالت: نظر إلى القمر وقال هذا هو الغاسق. ولو كان خاسفًا لم يصح أن يحذف ذلك الوصف منه. فإن ما أطلق عليه اسم الغاسق باعتبار صفة لا يجوز أن يطلق عليه بدونها لما فيه من التلبيس.

وأيضا فإن اللغة لا تساعد على هذا فلا نعلم أحدًا. قال الفاسق في حال خسوفه. وأيضا فإن الوقوب لا يقول أحد من أهل اللغة أنه الخسوف. وإنما هو الدخول من قولهم وقبت العين إذا غارت وركية وقبار غار ماؤها فدخل في أعماق التراب.

ومنه الوقب للثقب الذي يدخل فيه المحور. وتقول العرب: وقب يقب وقوبًا إذا دخل.

فإن قيل: فلما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم أن الغاسق هو الثريا إذا سقطت. فإن الأسقام تكثر عند سقوطها وغروبها وترتفع عند طلوعها.

قيل: إن أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل. وإن أراد أن اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأما أن يختص اللفظ به فباطل.

فصل: سبب الاستعاذة من شر الليل

والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب هو أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة وفيه تنتشر الشياطين. وفي الصحيح أن النبي أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين ولهذا قال: فاكفتوا صبيانكم واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء. وفي حديث آخر: فإن الله يبث من خلقه ما يشاء. والليل هو محل الظلام وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار؛ فإن النهار نور والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة وعلى أهل الظلمة

وروي أن سائلا سأل مسيلمة كيف يأتيك الذي يأتيك فقال في ظلماء حندس، وسأل النبي كيف يأتيك؟ فقال: في مثل ضوء النهار. فاستدل بهذا على نبوته وأن الذي يأتيه ملك من عند الله وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان. ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير. ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه. وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع وهو فيه أثبت وأمكن.

فصل: سر الاستعاذة برب الفلق

من ههنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع، فإن الفلق الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل. فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب. أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أحجرتها والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها. فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها ويقهر عسكرها وجيشها. ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور ويدع الكفار في ظلمات كفرهم. قال تعالى: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }، [288] وقال تعالى: { أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }، [289] وقال في اعمار الكفار: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور }. [290]

وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء }. [291]

فالإيمان كله نور ومآله إلى نور ومستقره في القلب المضيء المستنير والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة والكفر الشرك كله ظلمة ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة.

فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة، ومن شر ما يحدث فيها ونزل هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن بل هاتان السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومضادة لما جاء به الشياطين من كل وجه. وإن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون، فما فعلوه ولا يليق بهم، ولا يتأتى منهم، ولا يقدرون عليه.

وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها، وما شفوا في جوابها. وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها فلم يحوجنا إلى متكلم، ولا إلى أصولي، ولا أنظار. فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه.

فصل: تفسير الفلق

واعلم أن الخلق كله فلق وذلك أن فلقًا فعل بمعنى مفعول كقبض وسلب وقنص بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص. والله عز وجل فالق الأصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأجنة، والظلام عن الأصباح، ويسمى الصبح المتصدع عن الظلمة فلقًا وفرقًا. يقال: هو أبيض من فرق الصبح وفلقه.

وكما أن في خلقه فلقًا وفرقًا. فكذلك أمره كله فرقان يفرق بين الحق والباطل. فيفرق ظلام الباطل بالحق كما يفرق ظلام الليل بالإصباح، ولهذا سمى كتابه الفرقان ونصره فرقانًا لتضمنه الفرق بين أوليائه وأعدائه. ومنه فلقه البحر لموسى وسماه فلقًا وفرقا.

فظهرت حكمة الاستعاذة برب الفلق في هذه المواضع، وظهر بهذا إعجاز القرآن وعظمته وجلالته وأن العباد لا يقدرون قدره، وأنه تنزيل من حكيم حميد.

فصل: شر النفاثات في العقد

الشر الثالث شر النفاثات في العقد. وهذا الشر هو شر السحر، فإن النفاثات في العقد هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر. والنفث هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل وهو مرتبة بينهما، والنفث فعل الساحر فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري، لا الأمر الشرعي.

فإن قيل فالسحر يكون من الذكور والإناث فلم خص الإستعاذة من الإناث دون الذكور؟

قيل في جوابه: إن هذا خرج على السبب الواقع وهو أن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا جواب أبي عبيدة وغيره. وليس هذا بسديد فإن الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم هو لبيد بن الأعصم كما جاء في الصحيح.

والجواب المحقق إن النفاثات هنا هن الأرواح والأنفس النفاثات، لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة وسلطانه إنما يظهر منها. فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير والله أعلم.

ففي الصحيح عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم طُبَّ حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وأنها دعا ربه، ثم قال: أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال له: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في ذروان، بئر في بني زريق، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين. قال: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجته، قال: أما أنا فقد شفاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمر بها فدفنت. قال البخاري: وقال الليث وسفيان بن عيينة عن هشام في مشط ومشاقة، ويقال إن المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط والمشاقة من مشاقة الكتان.

قلت: هكذا في هذه الرواية إنه لم يخرجه اكتفاء بمعافاة الله له وشفائه إياه. وقد روى البخاري من حديث سفيان بن عيينة قال: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة فسألت هشام عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا، فقال: يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وأين؟ قال: في جف طلع ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان، قال: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن نخلها رءوس الشياطين، قال: فاستخرج، قالت: فقلت: أفلا؟ أي تنشَّرت، فقال: أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا.

ففي هذا الحديث أنه استخرجه، وترجم البخاري عليه باب هل يستخرج السحر.

وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب رجل به طب ويؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.

فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه الأول فيه أنه لم يستخرجه وحديث ابن جريج عن هشام فيه أنه استخرجه، ولا تنافي بينهما فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه ثم دفنه بعد أن شفي.

وقول عائشة رضي الله عنها "هلا استخرجته" أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه، فأخبرها بالمانع له من ذلك وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك فيقع الإنكار ويغضب للساحر قومه فيحدث الشر؛ وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة فأمر بها فدفنت ولم يستخرجها للناس. فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة، والذي يدل عليه أنه إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه ولم يجيء إليه لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك والله أعلم.

وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته وقد اعتاض على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال لأن النبي لا يجوز أن يسحر فإنه يكون تصديقا لقول الكفار: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا }، [292] قالوا وهذا كما قال فرعون لموسى: { إني لأظنك يا موسى مسحورا }. [293] وقال قوم صالح له: { إنما أنت من المسحرين } [294] وقال قوم شعيب له: إنما أنت من المسحرين. قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين.

وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم، فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟ وقد رواه غير هشام عن عائشة رضي الله عنها.

وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء؛ وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه من المتكلمين.

قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حباب عن زيد ابن الأرقم قال سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما، قال: فأتاه جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لذلك عقدا، فأرسل رسول الله عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله كأنما أنُشِط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط.

وقال ابن عباس وعائشة: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود فنزلت هاتان السورتان فيه.

قال البغوي: وقيل كانت مغروزة بالإبرة، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين وهما أحد عشرة آية: سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات، فكلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي كأنما أُنشط من عقال.

قال: وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاثة أيام فنزلت المعوذتان.

قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما، فإن المرض يجوز على الأنبياء وكذلك الإغماء. فقد أغمي عليه في مرضه ووقع حين انفكت قدمه وجُحِش شِقُّه. وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كرامته. وأشد الناس بلاء الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس. فليس ببدع أن يبتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلي بالذي رماه فشجه وابتلي بالذي ألقى على ظهره السَّلى وهو ساجد، وغير ذلك. فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله.

قالوا: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي فقال: يا محمدُ اشتكيتَ؟ فقال: نعم، فقال: باسم الله أَرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفسٍ أو عينِ حاسدٍ اللهُ يشفيك، بسم الله أَرقيك. فعوذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد لما اشتكى فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره.

قالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها لا حجة لكم فيها. أما قوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، وقول قوم صالح له: إنما أنت من المسحرين، فقيل المراد به من له سحر وهي الرئة، أي أنه بشر مثلهم يأكل ويشرب ليس بملك، ليس المراد به السحر. وهذا جواب غير مرض وهو في غاية البعد، فإن الكفار لك يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور ولا يعرف هذا في لغة من اللغات، وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر فقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، أنؤمن لبشر مثلنا، أبعث الله بشرا رسولا. وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السحر وهي الرئة، وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع؟ ثم كيف يقول فرعون لموسى إني لأظنك يا موسى مسحورا أفتراه ما علم أنه له سَحرا وأنه بشر. ثم كيف يجيبه موسى بقوله وإني لأظنك يا فرعون مثبورا. ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى وقال نعم أنا بشر أرسلني الله إليك كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم: إن أنتم إلا بشرا مثلنا، فقالوا: إن نحن إلا بشرا مثلكم، ولم ينكروا ذلك. فهذا الجواب في غاية الضعف.

وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره، فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر. وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة وهو أن من علم السحر يقال له مسحور، ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال، ولا في اللغة وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه. وأما من علِم السحر فإنه يقال له ساحر بمعنى أنه عالم بالسحر وإن لم يسحر غيره، كما قال قوم فرعون لموسى: { إن هذا لساحر عليم }. [295] ففرعون قذفه بكونه مسحورا، وقومه قذفوه بكونه ساحرا.

فالصواب هو الجواب الثالث وهو جواب صاحب الكشاف وغيره: أن المسحور على بابه، وهو من سُحِر حتى جُن فقالوا مسحور مثل مجنون، زائل العقل لا يعقل ما يقول، فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون. ولهذا قالوا فيه: { معلم مجنون }. فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه. وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم وهو أنهم قد سُحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين. ولهذا قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } [296]: مثلوك بالشاعر مرة والساحر أخرى والمجنون مرة والمسحور أخرى، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة، فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها. فهذا حال أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها وهو أبعد خلق الله منها، وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان.

وأما قولكم: إن الأنبياء ينافي حماية الله لهم (أن يسحروا؛ فجوابه أن ما يصيبهم من أذى أعدائهم لهم وأذاهم إياهم لا ينافي حماية الله وصيانته لهم)، فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم، فيعجل تطهير الأرض منهم. فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة، لا إله غيره ولا رب سواه.

فصل: تأثيرات السحر

وقد دل قوله: { ومن شر النفاثات في العقد }، وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر وإن له حقيقة. وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة، لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد. قالوا: وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف وما يعرفه عامة العقلاء.

والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا وحلًا وعقدًا وحبًا وبغضًا ونزيفًا وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه.

وقوله تعالى: { ومن شر النفاثات في العقد }، دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه. ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرًا كما يقوله هؤلاء لم يكر للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه.

وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به مع أن هذا تغير في إحساسهم. فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم. وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن. فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركًا والمتصل منفصلًا والميت حيًا، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه حتى يجعل المحبوب إليه بغيضًا والبغيض محبوبًا، وغير ذلك من التأثيرات.

وقد قال تعالى عن سحرة فرعون: { سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم }، [297] فبين سبحانه أن أعينهم سحرت، وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي وهو الحبال والعصي مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حركتها وهي الشياطين فظنوا أنها تحركت بأنفسها وهذا كما إذا جر من لا يراه حصيرًا أو بساطًا، فترى الحصير والبساط ينجر ولا ترى الجار له مع أنه هو الذي يجره. فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلبتها كتقلب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها والشياطين هم الذين يقلبونها. وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي حتى رأى الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها. ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرأي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها.

وأما ما يقوله المنكرون من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها مثل الزيبق وغيره، حتى سعت، فهذا باطل من وجوه كثيرة. فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالًا بل حركة حقيقية، ولم يكن ذلك سحرًا لأعين الناس، ولا يسمى ذلك سحرًا بل صناعة من الصناعات المشتركة. وقد قال تعالى: { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى }، [298] ولو كانت تحركت بنوع حيلة كما يقوله المنكرون لم يكن هذا من السحر في شيء، ومثل هذا لا يخفى. وأيضا لو كان ذلك بحيلة كما قال هؤلاء لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزئبق وبيان ذلك المحال، ولم يحتج إلى إلقاء العصي لابتلاعها. وأيضا فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة، بل يكفي فيها حذاق الصناع ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة وخضوعه لهم ووعدهم بالتقريب والجزاء. وأيضا فإنه لا يقال في ذلك إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها. وبالجملة فبطلان هذا أظهر من أن يتكلف رده فلنرجع إلى المقصود.

فصل: شر الحاسد إذا حسد

الشر الرابع: شر الحاسد إذا حسد، وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود. فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه، وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه، فإن الله تعالى قال: { ومن شر حاسد إذا حسد }، فحقق الشر منه عند صدور الحسد.

والقرآن ليس فيه لفظة مهملة. ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدًا إلا إذا قام به الحسد كالضارب والشاتم والقاتل ونحو ذلك. ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود لاه عنه. فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه ووجهت إليه سهام الحسد من قبله، فيتأذى المحسود بمجرد ذلك؛ فإن لم يستعذ بالله ويتحصن به ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله والاقبال عليه بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله، وإلا ناله شر الحاسد ولا بد. فقوله تعالى: { إذا حسد } بيان، لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل.

وقد تقدم في حديث أبي سعيد الصحيح رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وفيها: بسم الله أَرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك. فهذا فيه الاستعاذة من شر عين الحاسد. ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيئًا، وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة واتسمت واحتدت، فصارت نفسًا غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة فأثرت في المحسود تأثيرًا بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد، فربما أعطبه وأهلكه بمنزلة من فوّق سهمًا نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلًا وربما صرعه وأمرضه. والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر.

وهذه العين إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث فتحدت فيها تلك الكيفية السم فتؤثر في الملسوع، وربما قويت تلك الكيفية واشتدت في نوع منها حتى تؤثر بمجرد نظرة فتطمس البصر وتسقط الحبل، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطفيتين منها وقال: «اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل». فإذا كان هذا في الحيات، فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية واتسمت وتوجهت إلى المحسود بكيفيتها. فلله كم من قتيل وكم من سليب وكم من معافى عاد مضنى على فراشه يقول طبيبه لا أعلم داءه ما هو فصدق، ليس هذا الداء من علم الطبائع، هذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع وانفعال الأجسام عنها.

وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس، والمحجوبون منكرون له، ولا يعلم تأثير ذلك وارتباطه بالطبيعة وانفعالها عنه إلا من له نصيب من ذوقه. وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى، وهل الانفعال والتأثر وحدوث ما يحدث عنها من الأفعال العجيبة والآثار الغريبة إلا من الأرواح، والأجسام آلتها بمنزلة آلة الصانع. فالصنعة في الحقيقة له، والآلات وسائط في وصول أثره إلى الصنع.

ومن له أدنى فطنة، وتأمل أحوال العالم ولطفت روحه وشاهدت أحوال الأرواح وتأثيراتها وتحريكها الأجسام وانفعالها عنها، كل ذلك بتقدير العزيز العليم خالق الأسباب والمسببات، رأى عجائب في الكون وآيات دالة على وحدانية الله وعظمته وربوبيته. وإن ثم عالمًا آخر تجري عليه أحكام أخر تشهد آثارها وأسبابها غيب عن الأبصار. فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين الذي اتقن ما صنع، وأحسن كل شيء خلقه. ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع وعجائبه أبهر وآياته أعجب.

وتأمل هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح كيف يصير بمنزلة الخشبة أو القطعة من اللحم، فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل وتلك الصنائع الغريبة وتلك الأفعال العجيبة وتلك الأفكار والتدبيرات، كيف ذهبت كلها مع الروح وبقي الهيكل سواء هو والتراب، وهل يخاطبك من الإنسان أو يراك أو يحبك أو يواليك أو يعاديك ويخف عليك ويثقل ويؤنسك ويوحشك إلا ذلك الأمر الذي وراء الهيكل المشاهد بالبصر. فرُب رجل عظيم الهيولا كبير الجثة خفيف على قلبك حلو عندك، وآخر لطيف الخلقة صغير الجثة أثقل على قلبك من جبل؛ وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها، وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها. وبالجملة فالعلق والوصل التي بين الأشخاص والمنافرات والبعد إنما هي للأرواح أصلًا والأشباح تبعًا.

فصل: العائن والحاسد

والعائن والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء. فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه. فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته. والحاسد يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا. ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده من جماد، أو حيوان، أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه. وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين.

وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر }، [299] إنه الإصابة بالعين فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه قوم من العائنين. وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حجته. وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبقرة السمينة فيعينها، ثم يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم وأتنا بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فتنحر.

وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين، أو ثلاثة لا يأكل، ثم يرفع جانب خبائه، فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلًا ولا غنمًا أحسن من هذه؛ فما تذهب إلا قليلًا حتى يسقط منها طائفة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به كفعله في غيره، فعصم الله رسوله وحفظه وأنزل عليه: { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم }، [300] هذا قول طائفة.

وقالت طائفة أخرى منهم ابن قتيبة: ليس المراد أنهم يصيبونك بالعين كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك.

قال الزجاج: يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام يقول القائل نظر إلي نظرًا كاد يصرعني منها. قال: ويدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة فيحدون إليه النظر بالبغضاء.

قلت: النظر الذي يؤثر في المنظور قد يكون سببه شدة العداوة والحسد. فيؤثر نظره فيه كما تؤثر نفسه بالحسد، ويقوى تأثير النفس عند المقابلة، فإن العدو إذا غاب عن عدوه قد يشغل نفسه عنه، فإذا عاينه قبلًا اجتمعت الهمة عليه وتوجهت النفس بكليتها إليه. فيتأثر بنظره حتى إن من الناس من يسقط ومنهم من يحم ومنهم من يحمل إلى بيته، وقد شاهد الناس من ذلك كثيرًا. وقد يكون سببه الإعجاب، وهو الذي يسمونه بإصابة العين، وهو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين. وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين، فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه فيصاب بذلك.

قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن همام بن منبه [301] قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين حق»، ونهى عن الوشم. [302] وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن عامر عن عبيد بن رفاعة أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم قال: «نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين». [303]

فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة فهو نظر يكاد يزلقه لولا حفظ الله وعصمته. فهذا أشد من نظر العائن، بل هو جنس من نظر العائن، فمن قال إنه من الإصابة بالعين أراد هذا المعنى ومن قال ليس به أراد أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب، فالقولان حق.

وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عين الإنسان. فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها.

وفي الترمذي من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا شيء في الهام، والعين حق». [304]

وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا». قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وهذا حديث صحيح.

والمقصود أن العائن حاسد خاص وهو أضر من الحاسد. ولهذا والله أعلم إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن لأنه أعم، فكل عائن حاسد ولا بد. وليس كل حاسد عائنًا. فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.

وأصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمنى زوالها، فالحاسد عدو النعم، وهذا الشر هو من نفسه وطبعها، ليس هو شيئًا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى واستعانة بالأرواح الشيطانية. فلهذا والله أعلم قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن. فالحسد من شياطين الإنس والجن والسحر من النوعين. وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن وهو الوسوسة في القلب فذكره في السورة الأخرى، كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه، بل هو أذى من أمر خارج عنه. ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق. والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له وقبوله منه، ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال والعزم الجازم، لأن ذلك بسعيه وإرادته، بخلاف شر الحاسد والساحر، فإنه لا يعاقب عليه إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته. فلهذا أفرد شر الشيطان في سورة، وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة، وكثيرًا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة.

ولهذا اليهود أسحر الناس وأحسدهم، فإنهم لشدة خبثهم فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم. وقد وصفهم الله في كتابه بهذا وهذا فقال: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون }. [305]

وللكلام على أسرار هذه الآية وأحكامها وما تضمنته من القواعد والرد على من أنكر السحر وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات الذي أنكره من أنكر السحر خشية الالتباس، وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما موضع غير هذا؛ إذ المقصود الكلام على أسرار هاتين السورتين وشدة حاجة الخلق إليهما، وأنه لا يقوم غيرهما مقامهما.

وأما وصفهم بالحسد فكثير في القرآن كقوله تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله }، [306] وفي قوله: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق }. [307]

والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبهما، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان، لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه، لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدًا. فالحاسد من جند إبليس، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه، وربما يعبده من دون الله حتى يقضي له حاجته وربما يسجد له. وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب. ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ. ولهذا سحر عباد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام، وهم الذين سحروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الموطأ عن كعب قال: كلمات أحفظهن من التوراة لولاها لجعلتني يهود حمارًا، أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ.

والمقصود أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده ويأمره بموجبه والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين.

فصل: الحاسد من الجن والإنس

وقوله: { ومن شر حاسد إذا حسد }، يعم الحاسد من الجن والإنس، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله كما حسد إبليس أبانا آدم وهو عدو لذريته كما قال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا }، [308] ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن والحسد أخص بشياطين الإنس، والوسواس يعمهما كما سيأتي بيانهما. والحسد يعمهما أيضا. فكلا الشيطانين حاسد موسوس. فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعًا. فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم. وتضمنت شرورًا أربعة يستعاذ منها: شرًا عامًا وهو شر ما خلق، وشر الغاسق إذا وقب، فهذا نوعان، ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهي نوعان أيضا لأنهما من شر النفس الشريرة، وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده وهو الساحر، وقلما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان وتقرب إليه إما بذبح باسمه أو بذبح يُقصد به هو، فيكون ذبحًا لغير الله، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق. والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له وإن سماه بما سماه به. فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه. فمن سجد لمخلوق وقال ليس هذا بسجود له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم أو هذا إكرام، لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله، فليسمه بما شاء. وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة بل يسميه استخدامًا ما. وصدق، هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليس خدمة عبادة. فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما يفعل هو به. والمقصود أن هذا عبادة منه للشيطان، وإنما سماه استخدامًا. قال تعالى: { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين }. [309] وقال تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون }. [310] فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة، ولبئس المولى ولبئس العشير. فهذا أحد النوعين. والنوع الثاني: من يعينه الشيطان وإن لم يستعن به وهو الحاسد، لأنه نائبه وخليفته، لأن كليهما عدو نعم الله ومنغصها على عباده.

فصل: تقييد الحاسد بقوله إذا حسد

وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: { إذا حسد } لأن الرجل قد يكون عنده حسد. ولكن يخفيه ولا يرتب عليه أذى بوجه ما لا بقلبه، ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئًا من ذلك، ولا يعاجل أخاه إلا بما يحب الله فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله.

وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك إخوة يوسف. لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر لها بل يعصيها طاعة لله وخوفًا وحياء منه وإجلالًا له أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخافة لله وبغضًا لما يحب الله ومحبة لما يبغضه، فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك ويلزمها بالدعاء للمحسود وتمني زيادة الخير له بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسد ورتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح؛ فهذا الحسد المذموم وهذا كله حسد تمني الزوال.

وللحسد ثلاث مراتب أحدها هذه. الثانية تمني استصحاب عدم النعمة فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق وكلاهما حاسد عدو نعمة الله وعدو عباده وممقوت عند الله تعالى وعند الناس ولا يسود أبدًا ولا يرأس. فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبدًا إلا قهرًا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم. والحسد الثالث حسد الغبطة وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه. فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه. بل هذا قريب من المنافسة. وقد قال تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون }، [311] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس». فهذا حسد غبطة الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه وحب خصال الخير والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم وأن يكون من سباقهم وعليتهم ومصليهم، لا من فساكلهم، فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة مع محبته لمن يغبطه. وتمنى دوام نعمة الله عليه. فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما. فهذه السورة من أكبر أدوية المحسود فإنها تتضمن التوكل على الله، والإلتجاء إليه، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة فهو مستعيذ بولي النعم وموليها كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه وهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجير المستجير وهو نعم المولى ونعم النصير. فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه فلا تستبطىء نصره ورزقه وعافيته. فإن الله بالغ أمر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر. ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحد غير الله إلا لنقص خوفه من الله قال تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون }، [312] وقال: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين }، [313] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم. فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم.

فصل: دفع شر الحاسد عن المحسود

ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:

أحدها: التعوذ بالله من شره والتحصن به، واللجأ إليه، وهو المقصود بهذه السورة والله تعالى سميع لاستعاذته عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به سمع الإجابة لا السمع العام فهو مثل قوله: سمع الله لمن حمده. وقول الخليل صلى الله عليه وسلم: { إن ربي لسميع الدعاء }، ومرة يقرنه بالعلم ومرة بالبصر لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته أي مجيب علم بكيد عدوه يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ ويقبل بقلبه على الدعاء، وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السميع العليم في الأعراف وحم السجدة. وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ السميع البصير في سورة حم المؤمن فقال: { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير }، [314] لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر. وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية والله أعلم.

السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره. قال تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا }، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك»، فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه. ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف ولمن يحذر.

السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلًا فما نصره على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه. فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: { ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله }، [315] فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولًا. فكيف بمن لم يستوفه شيئًا من حقه. بل بغى عليه وهو صابر، وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم. وقد سبقت سنة الله أنه لو بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكًا.

السبب الرابع: التوكل على الله فمن يتوكل على الله فهو حسبه. والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا. وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه }، [316] ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر. كما قال في الأعمال. بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره. وقد ذكرناه حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدة حاجة العبد إليه في كتاب الفتح القدسي. وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة وإنه من مقامات العوام، وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة، وبينا أنه من أجل مقامات العارفين وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله. وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر والباغي.

السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه، ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه. وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره. فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه. بل انعزل عنه لم يقدر عليه. فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر وهكذا الأرواح سواء. فإذا علق روحها وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومنامًا لا يفتر عنه وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ويتشبثا فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار ودام الشر حتى يهلك أحدهما، فإذا جبذ روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به وأن لا يخطره بباله، فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به بقى الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضًا. فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضًا. وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية، وبين الكيس الفطن، وبينه حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه، وتعلق روحه به، ولا يرى شيئًا ألم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به وعلمت أن ضمانه حق ووعده صدق وإنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلًا فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها، أو نصر مخلوق مثلها لها، ولا يقوى على هذا إلا:

بالسبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئًا فشيئًا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره. كما يذكر المحب التام المحب لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يستطيع قلبه انصرافا عن ذكره ولا روحه انصرافا عن محبته، فإذا صار كذلك. فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت إنكاره وقلبه معمورًا بالفكر في حاسده، والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه. والتدبير عليه هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته. بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج ناداه حرس قلبه إياك وحمى الملك اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حل فيها ونزل بها مالك، ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك، وأدار عليه الحرس وأحاطه بالسور. قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين }، [317] قال تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان }، [318] وقال: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون }، [319] وقال في حق الصديق يوسف صلى الله عليه وسلم: { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }، [320] فما أعظم سعادة من دخل هذاالحصن وصار داخل اليزك. لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم }. [321]

السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فإن الله تعالى يقول: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم }، [322] وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه صلى الله عليه وسلم: { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم }، [323] فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه، أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره. وفي الدعاء المشهور: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب. ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه. فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك فدخل فسجد لله وتضرع إليه، وتاب وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي. وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها. فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها. فليس للعبد إذا بغى عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح، وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه. ولا بد فما أسعده من عبد وما أبركها من نازلة نزلت به وما أحسن أثرها عليه. ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فما كل أحد يوفق لهذا لا معرفة ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه. فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا وحديثًا لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق. وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملًا فيه باللطف والمعونة والتأييد. وكانت له فيه العاقبة الحميدة. فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين وبالجملة، فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها. ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود. فحينئذ يبرد أنينه وتنطفي ناره لا أطفأها الله فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم. فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه. فمن لم يكن له جند ولا عسكر ولا عدو، فإنه يوشك أن يظفر به عدوه. وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان.

السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو طفي نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه. فكلما ازداد أذى وشرًا وبغيًا وحسدًا ازددت إليه إحسانًا، وله نصيحة وعليه شفقة. وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلًا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله عز وجل: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم }، [324] { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم }، [325] وقال: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون }. [326]

وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي حكى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه. أحدها عفوه عنهم. والثاني استغفاره لهم. والثالث اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون. الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه، فقال: «اغفر لقومي»، كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي، فهبه لي.

واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به. اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك. ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به اساءتك. فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به اساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة. فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في اساءتهم في حقك بفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاء وفاقًا. فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان. وكما تفعل مع عباده يفعل معك. فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه. هذا مع ما يحصل له بذل من نصر الله ومعيته الخاصة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه فقال: «لا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك». هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء وذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعًا ولا خبزًا. هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه، وإما أن يفتتكبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه فإنه يذيقه بإحسانه أضاف ما ينال منه بانتقامه. ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة والله هو الموفق المعين بيده الخير كله لا إله غيره. وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.

وفي الجملة ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم. والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه. فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه قال تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو }، [327] { وإن يردك بخير فلا راد لفضله }. [328] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك». فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه. وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله. بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره. فيرى أن أعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده. وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل. والله يتولى حفظه والدفع عنه. فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمنًا فالله يدافع عنه ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه. فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة كما قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.

فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.

فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه وثقته به. وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده ولا يرجو سواه. بل يرجوه وحده فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه، ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه، وكل إليه وخذل من جهته فمن خاف شيئًا غير الله سلط عليه، ومن رجا شيئًا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

فصل: تأثير نفوس الحاسدين وأعينهم والأرواح الشيطانية

فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة المهمة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه ودلت على أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة السحر، والنفث في العقد. وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق:

ففرقة أنكرت تأثير هذا وهذا. وهم فرقتان: فرقة اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن وأنكرت تأثيرهما البتة، وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات. وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية، وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط. ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به. وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام. وهو قول شذوذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة.

الفرقة الثانية أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن، وأقرت بوجود الجن والشياطين. وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم.

الفرقة الثالثة بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين، وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها. وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، وهؤلاء يقولون إنما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة. فهي من تأثيرات النفس ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل وابن سينا وأتباعه على هذا القول. حتى إنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب. ويقولون: إنما هي من تأثيرات النفس في هيولي العالم وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل ليسوا من أتباع الرسل جملة.

الفرقة الرابعة وهم أتباع الرسل. وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، وأقروا بوجود الجن والشياطين وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتهما وشرهما، واستعاذوا بالله منه وعلموا أنه لا يعيذهم منه ولا يجبرهم إلا الله. فهؤلاء أهل الحق ومن عداهم مفرط في الباطل أو معه باطل وحق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فهذا ما يسر الله من الكلام على سورة الفلق.

(سورة الناس)

وأما سورة الناس: فقد تضمنمت أيضا استعاذة ومستعاذًا به ومستعاذًا منه.

فالاستعاذة تقدمت. وأما المستعاذ به فهو الله، "رب الناس، ملك الناس، إله الناس" فذكر ربوبيته للناس وملكه إياهم وإلاهيته لهم. ولا بد من مناسبة في ذكر ذلك في الاستعاذة من الشيطان كما تقدم. فنذكر أولا معنى هذه الإضافات الثلاث، ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة.

الإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه، ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم وإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم.

الإضافة الثانية: إضافة الملك فهو ملكهم المتصرف فيهم وهم عبيده ومماليكه. وهو المتصرف لهم المدبر لهم كما يشاء النافذ القدرة فيهم الذي له السلطان التام عليهم فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب. وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم فلا صلاح لهم، ولا قيام إلا به وبتدبيره. فليس لهم ملك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم.

الإضافة الثالثة: إضافة الإلهية فهو إلههم الحق ومعبودهم الذي لا إله لهم سواه، ولا معبود لهم غيره. فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد. فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكًا في إلهيته كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه.

وهذه طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحده هو ربنا وملكنا وإلهنا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره. فلا ينبغي أن يدبر ولا يخاف ولا يرجى ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه، لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك والقيم بأمورك ومتولي شأنك وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق فهو ملك الناس حقًا وكلهم عبيده ومماليكه أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين. بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك. وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه فمن كان ربهم وملكهم وإلههم، فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجأوا إلى غير حماه فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعًا بربوبيته وملكه وإلاهيته لهم، فكيف لا يلتجىء العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه. فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء، وأعظمهم عداوة، وأشدهم ضررًا وأبلغهم كيدًا.

ثم إنه سبحانه كرر الاسم الظاهر ولم يوقع المضمر موقعه فيقول رب الناس وملكهم وإلههم تحقيقًا لهذا المعنى وتقوية له. فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة.

والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات حتى كأنها صفة واحدة وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب وأخر الإلهية لخصوصها، لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون غيره إلهًا. فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه، ولكن ترك إلهه الحق واتخذ إلهًا غيره، ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلًهية، لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره فهو المطاع إذا أمر وملكه لهم تابع لخلقه فملكه من كمال ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضي وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها. فهو الرب الحق الملك الحق الإله الحق خلقهم بربوبيته وقهرهم بملكه واستعبدهم بإلآهيته، فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام وأحسن سياق رب الناس ملك الناس إله الناس. وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان وتضمنت معاني أسمائه الحسنى.

أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى، فإن الرب هو القادر الخالق البارىء المصور الحي القيوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء، ويذل من يشاء إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى.

وأما الملك فهو الآمر الناهي المعز المذل الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى، كالعزيز الجبار المتكبر الحكم العدل الخافض الرافع المعز المذل العظيم الجليل الكبير الحسيب المجيد الوالي المتعالي مالك الملك المقسط الجامع إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.

وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى. ولهذا كان القول الصحيح إن الله أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، وإن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلي، فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى. فكان المستعيذ بها جديرًا بأن يعاذ ويحفظ ويمنع من الوسواس الخناس، ولا يسلط عليه.

وأسرار كلام الله أجل وأعظم من أن تدركها عقول البشر. وإنما غاية أولى العلم الاستدلال بما ظهر منها على ما وراءه وأن باديه إلى الخافي يسير.

فصل: الاستعاذة من الشر

وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي كلها، وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة. فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له بالسحر والحسد وهو شر من خارج، وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر من داخل.

فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه، لأنه ليس من كسبه. والشر الثاني في سورة الناس يدخل تحت التكليف ويتعلق به النهي. فهذا شر المعائب والأول شر المصائب، والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما. فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات، وسورة الناس تتضمن الاستعاذة من شر العيوب التي أصلها كلها الوسوسة.

فصل: الوسواس

إذا عرف هذا. فالوسواس فعلال من وسوس. وأصل الوسوسة الحركة، أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه، فالوسواس الإلقاء الخفي في النفس، إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقى إليه، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان إلى العبد ومن هذا وسوسة الحلى وهو حركته الخفية في الأذن والظاهر والله أعلم أنها سميت وسوسة لقربها وشدة مجاورتها لمحل الوسوسة من شياطين الإنس وهو الإذن. فقيل: وسوسة الحلى، لأنه صوت مجاور للأذن كوسوسة الكلام الذي يلقيه الشيطان في أذن من يوسوس له.

ولما كانت الوسوسة كلامًا يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها. فقالوا: وسوس وسوسة، فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه، ونظير هذا ما تقدم من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه كالدوران والغليان والنزوان وبابه.

ونظير ذلك زلزل ودكدك وقلقل وكبكب الشيء، لأن الزلزلة حركة متكررة، وكذلك الدكدكة والقلقلة، وكذلك كبكب الشيء إذا كبه في مكان بعيد فهو يكب فيه كبًا بعد كب كقوله تعالى: { فكبكبوا فيها هم والغاوون }، [329] ومثله رضرضه إذا كرر رضه مرة بعد مرة ومثله ذر ذره إذا ذره شيئًا بعد شيء ومثله صرصر الباب إذا تكرر صريره. ومثله مطمط الكلام إذا مططه شيئًا بعد شيء، ومثله كفكف الشيء إذا كرر كفه وهو كثير.

وقد علم بهذا أن من جعل هذا الرباعي بمعنى الثلاثي المضاعف لم يصب، لأن الثلاثي لا يدل على تكرار بخلاف الرباعي المكرر. فإذا قلت ذو الشيء وصر الباب وكف الثوب ورض الحب لم يدل على تكرار الفعل بخلاف ذرذر وصرصر ورضرض ونحوه، فتأمله فإنه مطابق للقاعدة العربية في الحذو بالألفاظ حذو المعاني. وقد تقدم التنبيه على ذلك فلا وجه لإعادته.

وكذلك قولهم عَجَّ العِجلُ، إذا صوت، فإن تابع صوته قالوا: عجعج. وكذلك ثج الماء إذا صب، فإن تكرر ذلك قيل ثجثج. والمقصود أن الموسوس لما كان يكرر وسوسته ويتابعها قيل وسوس.

فصل: هل الوسواس وصف أو مصدر

إذا عرف هذا فاختلف النحاة في لفظ الوسواس هل هو وصف، أو مصدر. على قولين، ونحن نذكر حجة كل قول، ثم نبين الصحيح من القولين بعون الله وفضله.

فأما من ذهب إلى أنه مصدر فاحتج بأن الفعل منه فعلل، والوصف من فعلل إنما هو مفعلل كمد حرج ومسرهف ومبيطر ومسيطر، وكذلك هو من فعل بوزن مفعل كمقطع ومخرج وبابه، فلو كان الوسواس صفة لقيل موسوس، ألا ترى أن اسم الفاعل من زلزل مزلزل لا زلزال، وكذلك من دكدك مدكوك وهو مطرد. فدل على أن الوسواس مصدر وصف به على وجه المبالغة، أو يكون على حذف مضاف تقديره ذو الوسواس. قالوا: والدليل عليه أيضا قول الشاعر: * تسمع للحلي بها وسواسًا * فهذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء.

قال أصحاب القول الآخر: الدليل على أنه وصفًا أن فعلل ضربان أحدهما صحيح لا تكرار فيه كدحرج وسرهف وبيطر وقياس مصدر هذا الفعللة كالدحرجة والسرهفة والبيطرة. والفعلان بكسر الفاء كالسرهاف والدحراج والوصف منهه مفعلل كمدحرج ومبيطر.

والثاني فعلل الثنائي المكرر كزلزل ودكدك ووسوس وهذا فرع على فعلل المجرد عن التكرار، لأن الأصل السلامة من التكرار ومصدر هذا النوع والوصف منه مساو لمصدر الأول ووصفه فمصدره يأتي على الفعللة كالوسوسة والزلزلة والفعلال كالزلزال، وأقيس المصدرين وأولاهما بنوعي فعلل الفعلال لأمرين:

أحدهما أن فعلل مشاكل لا فعل في عدد الحروف، وفتح الأول والثالث والرابع وسكون الثاني. فجعل أفعال مصدر أفعل وفعلال مصدر فعلل ليتشاكل المصدران كما يتشاكل الفعلان. فكان الفعلال أولى بهذا الوزن من الفعللة.

الثاني أن أصل المصدر أن يخالف وزنه وزن فعله، ومخالفة فعلال لفعلل أشد من مخالفة فعللة له فكان فعلال أحق بالمصدرية من فعللة، أو تساويًا في الإطراد مع أن فعللة أرجح في الاستعمال، وأكثر هذا هو الأصل.

وقد جاءوا بمصدر هذا الوزن المكرر مفتوح الفاء، فقالوا: وسوس الشيطان وسواسًا ووعوع الكلب وعواعًا إذا عوى وعظعظ السهم عظعاظًا. والجاري على القياس فعلال بكسر الفاء أو فعللة وهذا المفتوح نادر، لأن الرباعي الصحيح أصل للمتكرر، ولم يأت مصدر الصحيح مع كونه أصلًا إلا علىفعللة وفعلال بالكسر فلم يحسن بالرباعي المكرر لفرعيته أن يكون مصدره إلا كذلك، لأن الفرع لا يخالف أصله بل يحتذى فيه حذوه. وهذا يقتضي أن لا يكون مصدره على فعلال بالفتح فإن شذ حفظ ولم يزد عليه.

قالوا: وأيضا فإن فعلالًا المفتوح الفاء قد كثر وقوعه صفة مصوغة من فعلل المكرر ليكون فيه نظير فعال من الثلاثي، لأنهما متشاركان وزنًا فاقتضى ذلك أن لا يكون لفعلال من المصدرية نصيب كما لم يكن لفعال فيها نصيب. فلذلك استندروا وقوع وسواس ووعواع وعظعاظ مصادر، وإنما حقها أن تكون صفات دالة على المبالغة في مصادر هـذه الأفعال.

قالوا: وإذا ثبت هذا فحق ما وقع منها محتملًا للمصدرية والوصفية أن يحمل على الوصفية حملًا على الأكثر الغالب وتجنبًا للشاذ. فمن زعم أن الوسواس مصدر مضاف إليه ذو تقديرًا. فقوله خارج عن القياس والاستعمال الغالب ويدل على فساد ما ذهب إليه أمران:

أحدهما أن كل مصدر أضيف إليه ذو تقديرًا. فتجرده للمصدرية أكثر من الوصف به كرضى وصوم وفطر وفعلال المفتوح لم يثبت تجرده للمصدرية إلا في ثلاثة ألفاظ فقط وسواس ووعواع وعظعاظ على أن منع المصدرية في هذا ممكن، لأن غاية ما يمكن أن يستدل به على المصدرية قولهم وسوس إليه الشيطان وسواسًا وهذا لا يتعين للمصدرية لاحتمال أن يراد به الوصفية، وينتصب وسواسًا على الحال ويكون حالًا مؤكدة. فإن الحال قد يؤكد بها عاملها الموافق لها لفظًا ومعنى كقوله تعالى: { وأرسلناك للناس رسولًا }، [330] وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره نعم، إنما تتعين مصدرية الوسواس ذا سمع، أعوذ بالله من وسواس الشيطان، ونحو ذلك مما يكون الوسواس فيه إلى مضافًا إلى فاعله كما سمع ذلك في الوسوسة، ولكن أين لكم ذلك. فهاتوا شاهده. فبذلك يتعين أن يكون الوسواس مصدرًا لا بانتصابه بعد الفعل.

الوجه الثاني من دليل فساد من زعم أن وسواسًا مصدر مضاف إليه ذو تقديرًا أن المصدر المضاد إليه ذو تقديرًا لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. بل يلزم طريقة واحدة ليعلم أصالته في المصدرية وإنه عارض الوصفية. فيقال: امرأة صوم وامرأتان صوم ونساء صوم، لأن المعنى ذات صوم وذاتا صوم وذوات صوم وفعلال الموصوف به ليس كذلك. بل يثنى ويجمع ويؤنث فتقول: رجل ثرثار وامرأة ثرثارة ورجال ثرثارون. وفي الحديث: «أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون» وقالوا: ريح رفرافة أي تحرك الأشجار. وريح سفسافة أي تنخل التراب. ودرع فضفاضة أي متسعة. والفعل من ذلك كله فعلل، والمصدر فعللة وفعلال بالكسر، ولم ينقل في شيء من ذلك فعلال بالفتح، وكذلك قالوا تمتام وفأفاء ولضلاض أي ماهر في الدلالة، وفجفاج كثير الكلام وهرهار أي ضحاك وكهكاه ووطواط أي ضعيف وحشحاش وعسعاس أي خفيف وهو كثير ومصدره كله الفعللة والوصف فعلال بالفتح ومثله هفهاف أي خميص ومثله دحداح أي قصير ومثله بجباج أي جسيم وتختاخ أي ألكن وشمشام أي سريع وشيء خشخاش أي مصوت وقعقاع مثله وأسد قضقاض أي كاسر وحية تضناض تحرك لسانها، فقد رأيت فعلال في هذا كله وصفًا لا مصدرًا. فما بال الوسواس أخرج عن نظائره وقياس بابه، فثبت أن وسواسًا وصف لا مصدر كثرثار وتمتام ودحداح وبابه.

ويدل عليه وجه آخر وهو أنه وصفه بما يستحيل أن يكون مصدرًا، بل هو متعين الوصفية وهو الخناس. فالوسواس الخناس وصفان لموصوف محذوف وهو الشيطان وحسن حذف الموصوف ههنا غلبه الوصف حتى صار كالعلم عليه. والموصوف إنما يقبح حذفه إذا كان الوصف مشتركًا يقع اللبس كالطويل والقبيح والحسن ونحوه. فيتعين ذكر الموصوف ليعلم أن الصفة له لا لغيره. فأما إذا غلب الوصف واختص ولم يعرض فيه اشتراك فإنه يجري مجرى الاسم ويحسن حذف الموصوف كالمسلم والكافر والبر والفاجر والقاضي والداني والشاهد والوالي ونحو ذلك. فحذف الموصوف هنا أحسن من ذكره. وهذا التفصيل أولى من إطلاق من منع حذف الموصوف ولم يفصل.

ومما يدل على أن الوسواس وصف لا مصدر أن الوصفية أغلب على فعلال من المصدرية كما تقدم، فلو أريد المصدر لأتي بـ"ذو" المضافة إليه ليزول اللبس وتتعين المصدرية. فإن اللفظ إذا احتمل الأمرين على السواء، فلا بد من قرينة تدل على تعيين أحدهما، فكيف والوصفية أغلب عليه من المصدرية؟

وهذا بخلاف صوم وفطر وبابهما، فإنها مصادر لا تلتبس بالأوصاف. فإذا جرت أوصافًا، علم أنها على حذف مضاف أو تنزيلًا للمصدر منزلة الوصف مبالغة على الطريقتين في ذلك. فتعين أن الوسواس هو الشيطان نفسه وأنه ذات لا مصدر والله أعلم.

فصل: الخناس وبيان اشتقاقه

وأما الخناس فهو فعال من خنس يخنس إذا توارى واختفى. ومنه قول أبي هريرة: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وأنا جنب فانخنست منه. وحقيقة اللفظ اختفاء بعد ظهور فليست لمجرد الاختفاء ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى: { فلا أقسم بالخنس }، [331] قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فتختفي ولا ترى. وكذلك قال علي رضي الله عنه: هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى. وقالت طائفة: الخنس هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق وهي السبعة السيارة. قالوا: وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء. والخناس هو مأخوذ من هذين المعنيين فهو من الاختفاء والرجوع والتأخر. فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه وبذر فيه أنواع الوساوس التي هي أصل الذنوب كلها، فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض كما ينخنس الشيء ليتوارى، وذلك الانخناس والانقباض هو أيضا تجمع ورجوع وتأخر عن القلب إلى خارج فهو تأخر ورجوع معه اختفاء.

وخنس وانخنس يدل على الأمرين معًا. قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان. فإذا ذكر العبد ربه خنس.

ويقال رأسه كرأس الحية وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكره عاد ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه.

وجيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس إيذانًا بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله. وأن ذلك دأبه وديدنه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحيانًا. بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر. فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها.

فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها. ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلًا ضئيلًا مضنى مما يعذبه المؤمن ويقمعه به من ذكر الله وطاعته.

وفي أثر عن بعض السلف أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر، لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه والاستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويًا عاتيًا شديدًا.

فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه.

وتأمل كيف جاء بناء الوسواس مكررًا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارًا حتى يعزم عليها العبد وجاء بناء الخناس على وزن الفعال الذي يتكرر منه نوع الفعل، لأنه كلما ذكر الله انخنس، ثم إذا غفل العبد عاوده بالوسوسة فجاء بناء اللفظين مطابقًا لمعنييهما.

فصل: الصفة الثالثة للوسواس

وقوله: { الذي يوسوس في صدور الناس }، صفة ثالثة للشيطان. فذكر وسوسته أولًا، ثم ذكر محلها ثانيًا وأنها في صدور الناس. وقد جعل الله للشيطان دخولًا في جوف العبد ونفوذًا إلى قلبه وصدره فهو يجري منه مجرى الدم. وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات.

وفي الصحيحين من حديث الزهري عن علي بن حسين عن صفية بنت حيي قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلِبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا - أو قال - شيئًا».

وفي الصحيح أيضا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضيت أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا سجد سجدتي السهو».

ومن وسوسته ما ثبت وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته».

وفي الصحيح أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به. قال: «الحمد الله الذي رد كيده إلى الوسوسة».

ومن وسوسته أيضا أن يشغل القلب بحديثه حتى ينسيه ما يريد أن يفعله ولهذا يضاف النسيان إليه إضافته إلى سببه، قال تعالى حكاية عن صاحب موسى إنه قال: { إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره }. [332]

وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، ولم يقل من شر وسوسته لتعم الاستعاذة شره جميعه. فإن قوله: { من شر الوسواس }، يعم كل شره ووصفه بأعظم صفاته وأشدها شرًا وأقواها تأثيرًا وأعمها فسادًا وهي الوسوسة التي هي مبادي الإرادة، فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية. فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه. فيصير شهوة ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي وينسي علمه بضررها ويطوي عنه سوء عاقبتها فيحول بينه وبين مطالعته فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط وينسى ما وراء ذلك فتصير الإرادة عزيمة جازمة فيشتد الحرص عليها من القلب. فيبعث الجنود في الطلب فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا. فإن فتروا حركهم وإن ونوا أزعجهم كما قال تعالى: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا }، [333] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم. فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة قد رضي لنفسه بالقيادة لفجرة بني آدم وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم فلا بتلك النخوة والكبر ولا يرضاه أن يصير قواد الكل من عصى الله كما قال بعضهم:

عجبت من إبليس في تيهه ** وقبح ما أظهر من نخوته

تاه على آدم في سجدة ** وصار قوادًا لذريته

فأصل كل معصية وبلاء، إنما هو الوسوسة. فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم من كل مستعاذ منه وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا.

فمن شره إنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف، وكذلك يبيت في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم. فيدخل سارقًا ويخرج مغيرًا ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية، ثم يلقي في قلوب الناس يقظة ومنامًا أنه فعل كذا وكذا.

ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس فيصبح والناس يتحدثون به وما ذاك إلا أن الشيطان زينه له وألقاه في قلبه، ثم وسوس إلى الناس بما فعل، وألقاه إليهم فأوقعه في الذنب، ثم فضحه به. فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته فيغتر العبد ويقول: هذا ذنب لم يره إلا الله ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته. وقلّ من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة.

ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدًا تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان».

ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى فأصبح قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنه». رواه البخاري.

ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع، فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته.

ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة، ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة للنار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له. وأن يعبد من دون، الله فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته وإقامة دعوة الكفر والشرك ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض.

ويكتفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله كيده عليه، وجعل النار على خليله بردًا وسلامًا، وتصدى للمسيح صلى الله عليه وسلم حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد الله كيده، وصان المسيح ورفعه إليه، وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا. واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض ودعوى أنه ربهم الأعلى وتصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وظاهر الكفار على قتله بجهده والله تعالى يكتبه ويرده خاسئًا، وتفلت على النبي صلى الله عليه وسلم بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألعنك بلعنة الله». وأعان اليهود على سحرهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته ولا يمكن حصر أجناس شره فضلًا عن آحادها. إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه. ولكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدًا منها أو أكثر:

الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه. فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه.

فإن يأس منه من ذلك وكان ممن سبقت له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثانية من الشر وهي البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي، لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعا إلى خلاف ما جاؤوا به وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيًا من دعاته.

فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان الجد ممن سبق له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها. ولا سيما إن كان عالمًا متبوعًا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس، ولا يشعر فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها. فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم. ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الانتفاع به وذنوب هذا. ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته، وبدل سيئاته حسنات، وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم. والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس.

فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاجها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض. وذكر حديثًا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا، ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه.

فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها.

فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب. نقله إلى المرتبة السادسة وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه، ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل. فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له. إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه. قل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًا ومحركًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذور؛ ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.

وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم، ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض. وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم والله يمن بفضله على من يشاء من عباده.

فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصد إخماله واطفاءه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطللين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني. فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب، ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب. فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.

فتأمل هذا الفصل وتدبر موقعه وعظيم منفعته واجعله ميزانك تزن به الناس، وتزن به الأعمال فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق والله المستعان وعليه التكلان ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعًا لمن تدبره ووعاه.

فصل: الصدور والقلوب

وتأمل السر في قوله تعالى: { يوسوس في صدور الناس }، ولم يقل في قلوبهم والصدر هو ساحة القلب وبيته. فمنه تدخل الواردات إليه فتجتمع في الصدر، ثم تلج في القلب فهو بمنزلة الدهليز له، ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود.

ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: { وليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم } [334] فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته فيلقى ما يريد إلقاءه إلى القلب فهو موسوس في الصدر ووسوسته واصلة إلى القلب، ولهذا قال تعالى: { فوسوس لهما الشيطان }، [335] ولم يقل فيه. لأن المعنى. أنه ألقى إليه ذلك وأوصله فيه فدخل في قلبه.

فصل: الجار والمجرور من الجنة والناس

وقوله تعالى: { من الجنة والناس }، اختلف المفسرون في هذا الجار والمجرور بم يتعلق.

فقال الفراء وجماعة هو بيان للناس الموسوس في صدورهم والمعنى يوسوس في صدور الناس الذين هم من الجن والإنس أي الموسوس في صدورهم قسمان: إنس وجن.

فالوسواس يوسوس للجني كما يوسوس للانسي. وعلى هذا القول فيكون من الجنة والناس نصب على الحال، لأنه مجرور بعد معرفة على قول البصريين، وعلى قول الكوفيين نصب بالخروج من المعرفة هذه عبارتهم ومعناها أنه، لما لم يصلح أن يكون نعتًا للمعرفة انقطع عنها فكان موضعه نصبًا. والبصريون يقدرونه حالًا أي كائنين من الجنة والناس، وهذا القول ضعيف جدًا لوجوه:

أحدها: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدور الجن ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإنسي. فأي دليل يدل على هذا حتى يصح حمل الآية عليه.

الثاني: أنه فاسد من جهة اللفظ أيضا فإنه قال الذي يوسوس في صدور الناس. فكيف يبين الناس بالناس؟ فإن معنى الكلام على قوله يوسوس في صدور الناس الذين هم، أو كائنين من الجنة والناس. أفيجوز أن يقال في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم؟ وهذا ما لا يجوز، ولا هو استعمال فصيح.

الثالث: أن يكون قد قسم الناس إلى قسمين جنة وناس وهذا غير صحيح فإن الشيء لايكون قسيم نفسه. الرابع: أن الجنة لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه لا أصلًا ولا اشتقاقًا ولا استعمالًا ولفظهما يابى ذلك، فإن الجن إنما سمو جنًا من الاجتنان وهو الاستتهار، فهم مستترون عن أعين البشر فسموا جنًا لذلك من قولهم جنه الليل، وأجنه إذا ستره وأجن الميت إذا ستره في الأرض قال:

ولا تبك ميتًا بعد ميت أجنه ** عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكرِ

يريد النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه قال تعالى: { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم }، [336] ومنه المجن لاستتار المحارب به من سلاح خصمه، ومنه الجنة لاستتار داخلها بالأشجار ومنه الجنة بالضم لما يقي الإنسان من السهام والسلاح، ومنه المجنون لاستتار عقله.

وأما الناس فبينه وبين الإنس مناسبة في اللفظ والمعنى وبينهما اشتقاق أوسط وهو عقد تقاليب الكلمة على معنى واحد والإنس والإنسان مشتق من الإيناس وهو الرؤية والإحساس ومنه قوله: { آنس من جانب الطور نارًا }، [337] أي رآها ومنه: { فإن آنستم منهم رشدًا }، [338] أي أحسستموه ورأيتموه. فالإنسان سمي إنسانًا، لأنه يونس أي يرى بالعين.

والناس فيه قولان:

أحدهما أنه مقلوب من أنس وهو بعيد والأصل عدم القلب.

والثاني وهو الصحيح أنه من النوس وهو الحركة المتتابعة، فسمي الناس ناسًا للحركة الظاهرة والباطنة كما سمي الرجل حارث وهمام وهما أصدق الأسماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن كل أحد له هم وإرادة وهي مبدأ وحرث وعمل هو منتهى فكل أحد حارث وهمام. والحرث والهم حركتا الظاهر والباطن وهو حقيقة النوس وأصل ناس نوس تحركت الواو وقبلها فتحة فصارت ألفًا هذان هما القولان المشهوران في اشتقاق الناس.

وأما قول بعضهم أنه من النسيان وسمي الإنسان إنسانًا لنسيانه، وكذلك الناس سموا ناسًا لنسيانهم، فليس هذا القول بشيء وأين النسيان الذي مادته ن س ي إلى الناس، الذي مادته ن و س، وكذلك أين هو من الإنس الذي مادته ا ن س. وأما إنسان فهو فعلان من أ ن س والألف والنون في آخره زائدتان لا يجوز فيه غير هذا البتة، إذ ليس في كلامهم أنسن حتى لا يكون إنسانًا إفعالًا منه. ولا يجوز أن يكون الألف والنون في أوله زائدتين إذ ليس في كلامهم انفعل. فيتعين أنه فعلان من الإنس، ولو كان مشتقًا من نسي لكان نسيانًا لا إنسانًا.

فإن قلت فهلا جعلته إفعلالًا وأصله إنسيان كليلة إصحيان، ثم حذفت الياء تخفيفًا فصار إنسانًا.

قلت: يأبى ذلك عدم إفعلال في كلامهم وحذف الياء بغير سبب ودعوى ما لا نظير له، وذلك كله فاسد على أن الناس قد قيل إن أصله الأناس فحذفت الهمزة فقيل الناس. واستدل بقول الشاعر:

إن المنايا يطلعـ ** ـن على الأناس الغافلينا

ولا ريب أن أناسا فعال، ولا يجوز فيه غير ذلك البتة. فإن كان أصل ناس أناسًا فهو أقوى الأدلة على أنه من أنس ويكون الناس كالإنسان سواء في الاشتقاق ويكون وزن ناس على هذا القول عال لأن المحذوف فاؤه وعلى القول الأول يكون وزنه فعل لأنه من النوس. وعلى القول الضعيف يكون وزنه فلع، لأنه من نسي فقلبت لامه إلى موضع العين فصار ناسًا ووزنه فلعًا.

والمقصود أن الناس اسم لبني آدم فلا يدخل الجن في مسماهم فلا يصح أن يكون من الجنة والناس بيانًا لقوله: { في صدور الناس }، وهذا واضح لإخفاء فيه.

فإن قيل: لا محذور في ذلك، فقد أطلق على الجن اسم الرجال كما في قوله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن }، فإذا أطلق عليهم اسم الرجال لم يمتنع أن يطلق عليهم اسم الناس.

قلت: هذا هو الذي غر من قال: إن الناس اسم للجن والإنس في هذه الآية. وجواب ذلك أن اسم الرجال. إنما وقع عليهم وقوعًا مقيدًا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس، ولا يلزم من هذا أن يقع اسم الناس والرجال عليهم مطلقًا. وأنت إذا قلت: إنسان من حجارة أو رجل من خشب ونحو ذلك، لم يلزم من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب. وأيضا فلا يلزم من إطلاق اسم الرجل على الجني أن يطلق عليه اسم الناس وذلك، لأن الناس والجنة متقابلان، وكذلك الإنس والجن. فالله سبحانه يقابل بين اللفظين كقوله: { يا معشر الجن والإنس }، [339] وهو كثير في القرآن. وكذلك قوله: { من الجنة والناس }، يقتضي أنهما متقابلان فلا يدخل أحدهما في الآخر بخلاف الرجال والجن فإنهما لم يستعملا متقابلين فلا يقال الجن والرجال، كما يقال الجن والإنس. وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ الناس، لأنه قابل بين الجنة والناس فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخرة. فالصواب القول الثاني وهو أن قوله: { من الجنة والناس } بيان للذي يوسوس وأنهم نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس إلى الأنسي.

فالموسوس نوعان: إنس وجن. فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب وهذا مشترك بين الجن والإنس وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته، إنما هي بواسطة الأذن والجني لا يحتاج إلى تلك الواسطة، لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم.

على أن الجني قد يتمثل له ويوسوس إليه في أذنه كالإنسي كما في البخاري. عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الملائكة تحدث في العنان والعنان الغمام بالأمر يكون في الأرض فتستمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم». فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن.

ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشيطاني قال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا }، [340] فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله ويوحيه الإنسي إلى إنسي مثله فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني، ويشتركان في الوسوسة. وعلى هذا فتزول تلك الإشكالات والتعسفات التى ارتكبها أصحاب القول الأول.

وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين شياطين الإنس والجن. وعلى القول الأول إنما تكون الاستعاذة من شر شياطين الجن فقط. فتأمله فإنه بديع جدًا.

فهذا ما من الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين وله الحمد والمنة. وعسى الله أن يساعد بتفسير على هذا النمط فما ذلك على الله بعزيز. والحمد لله رب العالمين ونختم الكلام على السورتين بذكر:

قاعدة نافعة: اعتصام العبد من الشيطان

فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه.

وذلك عشرة أسباب:

أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان. قال تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم }، [341] وفي موضع آخر: { إنه سميع عليم }، [342] وقد تقدم أن السمع المراد به ههنا. سمع الإجابة لا مجرد السمع العام.

وتأمل سر القرآن كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة. هو الدال على تأكيد النسبة واختصاصها. وعرف الوصف بالألف واللام في سورة حم لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه. فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه. وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، كما قال الله تعالى.

والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا. بل يريه أن هذا ذل وعجز، ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وأن لا يسيء إليه ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله وما عنده على حظه العاجل، فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم }. [343]

وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان. بل بالإعراض. وهذا سهل على النفوس غير مستعصي عليها. فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم }، [344] وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين، وبين قوله في حم المؤمن: { فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير }.

وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد».

الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين فإن لهما تاثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله من شره ودفعه والتحصن منه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما». وقد تقدم أنه كان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم، وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثًا حين يمسي وثلاثًا حين يصبح كفته من كل شيء».

الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي ففي الصحيح من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب ذاك الشيطان».

وسنذكر إن شاء الله تعالى السر الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله وتأييده.

الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة. ففي الصحيح من حديث سهل عن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا وأن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان».

الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه وفي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان».

الحرز السادس: أولى سورة حم المؤمن إلى قوله: { إليه المصير } [345] مع آية الكرسي، ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح»، وعبد الرحمن المليكي وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه. فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي، وهو محتمل على غرابته.

<