الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الصواعق المرسلة الشهابية
على الشبه الداحضة الشامية
سليمان بن سحمان
  ► ويكي مصدر:إسلام ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وفقنا لسلوك صراطه المستقيم، وجنبنا بفضله ورحمته طريق أصحاب الجحيم، ومنّ علينا بمتابعة نبيه الكريم، فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وأصحابه الذين هم نجوم الهداية والدراية والتعليم.

أما بعد: فإني وقفت على أوراق كتبها رجل من أهل الشام يقال له: "محمد عطا الكسم"، [1] وكان ممن تجانف للعدوان والإثم، جمع فيها من الترهات والأكاذيب الموضوعات ما يمج سماعه أولو العقول السليمة، والألباب الزاكية المستقيمة، وسماها "الأقوال المرضية في الرد على الوهابية"، ورتبها على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة، وقد اشتملت مقدمته الكاذبة الخاطئة على ألفاظ مبتدعة، ومعان وإشارات مخترعة، وأقوال مختلفة مفترعة، ليست من أقوال أهل الإسلام، ولم يقل بها أحد من الأئمة الأعلام، وإنما هي أوضاع الفلاسفة ومن وافقهم من أهل الكلام، وأهل الاتحاد الطغاة اللئام، ومن وافقهم على أصولهم ممن يزعم أن معاني هذه الألفاظ حصلت له بطريق المشاهدة والمكاشفة التي هي عند التحقيق مكاشفة، وأن ذلك من الفتوحات الربانية والمواهب اللدنية، وفي الحقيقة إنما هي خيالات شيطانية، واصطلاحات وأوضاع فلسفية، وخلف من بعدهم خلف على طريقتهم عبّروا عن هذه المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية، يخاطبون بها من لا يعرف معاني هذه الأوضاع، ويجعلون مراد الله ورسوله من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الأوضاع التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله وأقوال سلف الأمة وأئمتها، كما يذكر أبو حامد الغزالي في مواضع من الفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت، وفي مواضع أخر قال فيها: إن أشرف أفعال الله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت، وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب، أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة.

قال شيخ الإسلام: ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت، كقوله: { بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ }، وقوله صلى الله عليه وسلم في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، [2] لم يرد به هذا باتفاق المسلمين، ولا دل كلام أحد من السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ، وهم يعبرون بهذه العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة وضعا وضعوه، ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح. انتهى.

وهذه المعاني التي ذكرها الفلاسفة يفسرون عالم الملك بعالم الأجسام، وعالم الملكوت بعالم النفوس، لأنها باطن الأجسام، وعالم الجبروت بالعقول، لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها، ومنهم من يعكس، وقد يجعلون الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور.

والمقصود بهذا أن ما ذكره هذا الملحد فيما يأتي من كلام القسطلاني وما بعده هو من هذا النمط المأخوذ عن الفلاسفة ومن وافقهم، فلما لم يكن هذا من كلام أهل الإسلام ولم يذكره أحد من أئمة الأعلام، وشبّه به هؤلاء الغلاة على الطغام من العوام، ومن لا معرفة له بمدارك الأحكام ومعاني الكلام استعنت الله تعالى على التنبيه على بعض ما في هذه الأوراق من المخرفة والشقاق، وعلى كشف ما موه به من جواز الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين، والتوسل بهم على اصطلاح هؤلاء الغلاة، وما ذكر من الأحاديث في ذلك وأقوال أهل العلم، مما هو موضوع مكذوب، أو ضعيف لا يحتج به ولا تثبت به الحجة الشرعية، وتركت كثيرا من كلامه مما هو متضمن للغلو والإطراء في حق نبينا صلى الله عليه وسلم مما يزعم أنه من تعظيمه وتوقيره، وكذلك ما ذكره عن السبكي في كتابه تعظيم المنة، وما ذكره من المفاضلة بين الأنبياء وبين نبينا صلى الله عليه وسلم مما قد نهى عنه صلى الله عليه وسلم، [3] وأعقبت ذلك بذكر خاتمة في الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأقوال بعض العلماء في معنى لا إله إلا الله، وسميت هذا الجواب: الصواعق المرسلة الوهابية على الشبهات الداحضة الشامية [4] وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب، وأن يجزل لنا الأجر والثواب، بمنه وكرمه.

فصل

قال الملحد: "أما بعد: فيقول خويدم طلبت العلم الفقير إلى الله محمد عطا الكسم: إنه قد أخبرني بعض الإخوان أنه قد اجتمع برجل من الوهابية؛ يوسوس لأهل السنة المحمدية؛ بتحريم التوسل بخير البرية؛ عليه أفضل الصلاة وأتم التحية.. " إلى آخر ما قال.

والجواب وبالله التوفيق أن أقول: قد سبق هذا الملحد إلى تسمية عبادِ القبور أهلَ السنة المحمدية من أعمى الله بصيرة قلبه طاغية العراق داود بن جرجيس العراقي؛ وأجابه على ذلك الإمام وعلم الهداة الأعلام الشيخ عبد اللطيف؛ فنذكر من جوابه ما يبطل تسمية هذا الملحد عباد القبور أهل السنة المحمدية؛ قال رحمه الله تعالى: [5]

والجواب أن يقال أولا: تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله؛ وقلب للمسميات الشرعية؛ وما يراد من الإسلام والإيمان والشرك والكفر؛ قال تعالى: { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ }

وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام وبعد العهد بآثر النبوة.

وأهل السنة والجماعة أهل الإسلام والتوحيد؛ المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة؛ الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات؛ ولم يخرجوا عنها في باب العلم والإرادات؛ كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات؛ فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدى والسمت؛ ثم خصت في بعض الاطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافا للجهمية المعطلة النفاة؛ وخصت بإثبات القدر وبنفي الجبر خلافا للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة؛ وتطلق أيضا على ما كان عليه السف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله " الحج عرفة " [6] ولأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم؛

ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة ككتاب السنة للالكائي والسنة لأبي بكر الأثرم والسنة للخلال والسنة لابن خزيمة والسنة لعبد الله بن أحمد ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. انتهى.

وهذا الملحد يرى أن أهل السنة المحمدية هم الذين يتوسلون ويدعون الأنبياء والأولياء والصالحين ويلتجؤون إليهم ويستغيثون بهم ويستعينون بهم في الشدائد والمهمات؛ ويرجونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات؛ ويتقربون إليهم بأنواع القربات من الذبح لهم والنذر والخوف والتعظيم والدعاء والإنابة إليهم والتوكل عليهم والخضوع لهم. ومن عجيب أمر هؤلاء الغلاة ما ذكره حسين بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله أن امرأة كف بصرها فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى؛ ولم يبق إلا حسبك.

قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي رحمه الله؛ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى الضريح المنصوب إلى الحسين رضي الله عنه بالقاهرة [7] فاستقبلوا القبر وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر؛ حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين؛ فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين.

وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم.

وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد بالقاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي. قال فقلت له: هذا لا يكون إلا لله أو كلاما نحو هذا؛ فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا.

وحتى أن رجلا سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات؛ إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط ولا صلوا مدة ثلاثة أيام؛ فقال السائل قد تحملها الشيخ؛ قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن؛ قد اتسع خرقه وتتابع فتقه ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد وساكن البلد. انتهى.

ولو ذهبنا نذكر ما يفعله عباد القبور والأولياء والصالحين لطال الكلام. فهؤلاء عند هذا الملحد أهل السنة والجماعة فنعوذ بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب.

إذا تحققت هذا وعرفته فقول هذا الملحد: إنه قد اجتمع برجل من الوهابية يوسوس لأهل السنة المحمدية بتحريم التوسل بخير البرية. مراده بالتوسل هنا أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به والالتجاء إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلا وتشفعا؛ وهذا فرار منه أن يسمى شركا وكفرا. ومن المعلوم عند ذوي العلوم والفهوم أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح؛ فمعناه في لغة الصحابة رضي الله عنهم وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل به والتوجه به في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك لا محذور فيه. والتوسل له أقسام؛ فقسم مشروع؛ وهو التوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وطلب الاستغفار منه وبدعاء الصالحين وأهل الفضل والعلم كما استسقى عمر رضي الله عنه بدعاء العباس [8] ومعاوية رضي الله عنهما بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي؛ وكذلك بالأعمال الصالحة؛ وقسم محرم وبدعة مذمومة وهو التوسل بحق العبد وجاهه وحرمته نبيا كان ذلك أو وليا أو صالحا؛ كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو بجاه عباد الله الصالحين أو بحقهم أو بحرمتهم ونحو ذلك؛ لأن ذلك لم يرد به نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين رضي الله عنهم. فإذا عرقت أن معنى التوسل في لغة الصحابة طلب الدعاء وأن هذا هو الشرع وأن ما عداه إما شرك أو محرم أو مكروه مبتدع، عرفت أن قصد هؤلاء بالتوسل هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين؛ وصرف خالص حق الله تعالى لهم بجميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء والنذر والتوكل والاستغاثة والاستعانة والاستشفاع بهم وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات وكشف الكربات وإغاثة اللهفات ومعافاة أولى العاهات والبليات، إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسماوات؛ نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه؛ فمن صرف من هذه الأنواع شيئا لغير الله؛ فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره من العلماء.

فصل

ثم قال الملحد: "ولكن من فرط المحبة لهذا المحبوب الذي هو صفوة علام الغيوب الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب".

والجواب أن يقال: إن قول هذا الملحد: " الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب " كلام متضمن لغاية الغلو والإطراء الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم وهو مناف لقوله تعالى: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ* } وقوله تعالى: { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } وقوله تعالى: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } وللحديث الصحيح حيث قال لابنته فاطمة وأحب الناس إليه: " يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا ". [9]

فتأمل ما بين هذه النصوص وبين قول هذا الملحد من التضاد والتباين ثم الصادمة منه لما ذكره الله تعالى وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } وتأمل ما ذكر العلماء في سبب نزولها [10] وأمثال هذه الآية كثير لم ينسخ حكمها ولم يغير؛ ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذبا وأضل الناس بغير علم.

فصل

ثم قال الملحد: "قال القسطلاني في المواهب اللدنية: اعلم يا ذا العقل السليم والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم، وفقني الله وإياك لهداية الصراط المستقيم، أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه وتقدير رزقه، أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على صورة حكمه كما سبق في سابق إرادته وعلمه؛ ثم أعلمه تعالى بنبوته وبشره برسالته؛ هذا وآدم لم يكن إلا كما قال بين الروح والجسد ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح. قال الشارح الإمام الزرقاني: أي تفجرت منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح. أي: خالصها كأرواح الأنبياء؛ والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء؛ عبر عنها بالعيون مجازا لمشابهتها لعيون الإنسان للكمال ".

والجواب ومن الله أستمد الصواب أن نقول: هذا كلام مخترع مبتدع؛ لم يقل به أحد ممن يعتد بقوله من أهل الإسلام؛ ولم ينقله أحد من العلماء الأمناء عن الأئمة الأعلام؛ وليس هو في شيء من الكتب المعروفة المشهورة؛ كالصحاح والسنن والمساند وغيرها من الكتب المعتمدة؛ بل هو من الترهات التي يحكيها هؤلاء الغلاة المتهوكون الحيارى المفتونون؛ الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين؛ وليسوا من حملة سنة سيد المرسلين؛ ولا لهم معرفة بمدارك الأحكام؛ ولا أقوال أهل السنة أئمة الإسلام؛ وإنما ينقلون مثل هذه الحكايات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة عن مثل القسطلاني وغيره ويغترون بها، فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل؛ إذ ليس لهم في ذلك مستند ولا حجة من البرهان والدليل؛ بل هذا مقتبس من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المتكلمين.

ومن المعلوم بالضرورة أن ما حكاه هذا الملحد عن القسطلاني إن كان صحيحا لا يدرك معرفة ذلك على التحقيق إلا من مشكاة النبوة؛ بنقل حملة السنة والقرآن أهل المعرفة والحفظ والإتقان. ولا خبر بذلك بنقل صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب المسير إليه؛ فما كان هذا سبيله فهو مطرح ساقط لا يلتفت إليه؛ ولا يقول في الحكم عليه؛ إذا هو من الترهات الواهية؛ التي هي عن الدليل عارية؛ بل هو مصادم لصريح الكتاب والسنة كما سنبينه إن شاء الله تعالى. قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى } وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن؛ فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين؛ وأصرح منه { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً } وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.

وفي الموطأ: حدثنا زيد بن أبي أنيسة أن عند الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: "خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته؛ فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون؛ وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون" فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة فيدخل به الجنة؛ وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال النار فيدخل به النار." [11] قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم. وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة أمثال الذر؛ ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور؛ ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يا رب؟ فقال: هؤلاء ذريتك؛ فرأى رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: يا رب من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم؛ قال آدم [12]: كم جعلت له من العمر؟ قال: ستين سنة؛ قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة " حتى يكون عمره مائة سنة " فقال الله: إذا يكتب ويختم فلا يبدل؛ فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت " لقبض روحه ": قال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة:؟ فقال له ملك الموت: أولم تجعلها لابنك داود. قال: فجحد فجحدت ذريته؛ ونسي فنسيت ذريته؛ وخطأ فخطئت ذريته." قال: هذا على شرط مسلم [13]

وفي صحيح الحاكم من حديث أبي جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } قال: جمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذوا عليهم العهد والميثاق { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع؛ وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة " لم نعلم أو تقولوا " إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا؛ فإني أرسلت إليكم رسلي يذكرونهم عهدي وميثاقي؛ وأنزل عليكم كتبي؛ فقالوا: "نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك" ورفع لهم أبوهم آدم " فنظر إليهم " فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك؛ فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؛ فقال: إني أحب أن أشرك. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج؛ وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة [14] فذلك قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ } وهو قوله: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } وهو قوله: { هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الْأُولَى } وقوله: { وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } والآيات في هذا المعنى كثيرة.

والمقصود مما ذكرنا أن آدم رأى فيهم الأنبياء مثل السرج وذلك بعد إخراجهم من صلبه؛ فهذا فيه دلالة ظاهرة على بطلان من زعم أنعه لما تعلقت إرادة الحق لعالى بإيجاد خلقه وتقدير رزقه؛ أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها؛ ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح فعلى زعم هذا القائل أن الله لم يخلق جميع النوع الإنساني إلا من نور محمد؛ وأن الملائكة مخلوقون من نوره وعلى هذا فلا معنى لقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى } وقوله: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً } وأن هذه الأحاديث لا دلالة فيها؛ سبحانك هذا بهتان عظيم.

إذا عرفت هذا فهذه الأحاديث لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا؛ غايتها أنها تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها؛ واستخرج تلك الصور من مادتها؛ ثم أعادها إليها؛ وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له؛ وهذا هو المطلوب ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا؛ ثم استقرت بوجوده حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد؛ ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما يقول محمد بن حزم. نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا؛ فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته؛ فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفاتا وهيئة ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره الله لها لا يزيد عليه ولا ينقص منه؛ فالآثار المذكورة في هذا الباب إنما تدل على إثبات القدر السابق؛ وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة. انتهى ملخصا من كتاب الروح لابن القيم رحمه الله تعالى.

ثم قال بعد ذلك: فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية؛ وعلى كل تقدير فلا يدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا؛ وإنما غابته أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم؛ ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك؛ والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد. انتهى.

فتحصل لنا مما ذكر من كلام السلف إبطال دعوى من ادعى أن أرواح الأنبياء مخلوقة من نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل خلق السماوات والأرض وقبل العرش والقلم واللوح؛ وأن جميع المخلوقات تفرعت جزءا بعد جزء؛ وخلقا بعد خلق؛ إنسان؛ وجنها؛ وجنتها؛ ونارها؛ وحتى الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا مما يعلم بضرورة العقل أن هذا من الكذب والحكايات التي لا أصل لها؛ بل الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ففي صحيح مسلم من حديث ابن وهب: أخبرني أبو هانىء الخولاني عن أبي عند الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء". [15]

وهذا الملحد يزعم أن الحقيقة المحمدية أبرزت من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ قبل خلق العرش والماء والقلم الذي كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وهذا مناف لصريح الكتاب والسنة ومناقض لهما أشد المناقضة؛ وهذه الترهات مقتبسة من كلام ابن عربي صاحب الفصوص الذي هو من أكفر خلق الله؛ فإنه ذكر في الفتوحات من نمط هذا؛ وفي الفصوص في أثناء كلام له قال فيه: فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع؛ فكل نبي من بني آدم إلى آخر النبي؛ ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين؛ وإن تأخر وجود طينته؛ فإنه بحقيقته موجود وهو قوله: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث؛ وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين؛ وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا تعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله بالولي الحميد، إلى آخر كلامه. [16]

وبهذا تعلم أنهم إنما حذوا حذوه؛ وقفوا أثرهم؛ مع أن قوله: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " مما يرويه العوام؛ وهذا باطل؛ واللفظ المعروف بين الروح والجسد"؛ [17] لأن [ ما ] بين الماء والطين مرتبة.

وكذلك قوله: "وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث" فإنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ولقوله في حديث أبي بن كعب المتقدم: " ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوية " إلى آخره.

وهؤلاء الغلاة يظنون أنهم بهذه الترهات معظمين الرسول؛ وهم بهذه الأمور ضارعوا النصارى في الغلو والإطراء؛ ويزعمون أنهم بهذا الغلو قد بالغوا في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتبجيله وتعزيره؛ وحاشا وكلا؛ بل هو مما يكرهه صلى الله عليه وسلم ويسخطه وينهي عنه كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" أخرجاه في الصحيحين "؛ [18] وقوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا سيدنا وخيرنا وابن خيرنا فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ". [19] وإنما كره ذلك صلى الله عليه وسلم خشية أن يستجرينهم الشيطان في المبالغة في المدح والثناء فيخرج بهم إلى حد الإطراء فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في الألفاظ؛ وعلمهم كيفية الثناء عليه بأن يقولوا: عبد الله ورسوله.

فتبين من هذا الحديث أن أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مقام العبودية والرسالة؛ ولذلك شرفه الله بهما في مقام التحدي وغيره؛ فقال تعالى: { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } وقال تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } وقال تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } وقال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } وقال تعالى: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } وقال تعالى: { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ }.

فتعظيمه صلى الله عليه وسلم إنما هو بطاعته وامتثال أمره والانتهاء عما نهى عنه ولزوم متابعته؛ [20] وتقديم قوله على قول كل أحد من الخلق بهديه وسنته؛ [21] فصلوات الله وسلامه عله كما نصح الأمة وكشف الغمة وأدى الأمانة وبلغ الرسالة؛ وقطع الوسيلة والذريعة المفضية إلى مجاوزة الحد بالغلو والإطراء في مدحه والثناء فليه كما أطرت النصارى عسى بن مريم وغلت فيه حتى تجاوزت الحد بدعواهم إلهيته وأنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

وقد تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه من هذه الأمة أناس ضاهوا النصارى كما قال دحلان [22] في كتابه الذي سماه الدرر السنية، فقال: "نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية؛ فليس في تعظيمه بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك؛ بل ذلك من أعظم الطاعات. ورحم الله البوصيري حيث قال:

دع ما ادعته النصارى في نبيهمو ** واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

انتهى ".

وهذا ليس من التعظيم المشروع في شيء؛ بل هو من صرف خالص حق الله لغيره؛ فإن دعاء غير الله والنحر له والنذر له والاستغاثة به والالتجاء إليه والطواف له والسجدة له والركوع له وغيرها من أنواع العباد كفر وشرك؛ مع أنها تعظيم بغير صفات الربوبية؛ بل الذي يجب علينا أن لا نعبد غير الله بقسم من أقسام العبادة المتقدمة ذكرها؛ وأن لا نفعل ما نهى الله عنه ورسوله؛ وأن لا نحدث في أمر الدين شيئا. قال الله تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقال تعالى: { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ } وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إفراد الله تعالى بالعبادة دون ما سواه كائنا من كان.

فصل

قال الملحد: "وروى عبد الرزاق بسنده [23] عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: بأبي وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى آخر ".

والجواب أن يقال: هذا حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالف لصريح الكتاب والسنة، وهذا الحديث لا يوجد في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما يوجد مثل هذا في الكتب المصنفة في شرح الخصائص والشمائل وفي بعض الكتب، كما يذكر أمثال ذلك أبو نعيم وابن عساكر وأبو حامد الغزالي وابن أبي الدنيا في جزء التفكر والاعتبار من الأحاديث الموضوعة المكذوبة، ولا حاجة بأهل الإسلام إلى شيء مما يتعلق بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وفضائله من هذه الموضوعات، وفيما ذكره أهل العلم بالله من حملة السنة والقرآن وأهل الحفظ والإتقان من خصائص النبي وفضائله ومعجزاته وشمائله مما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع عما يذكره هؤلاء من الأكاذيب الموضوعة والأحاديث المصنوعة، فمن ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".

وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث البراء قال: "لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة كسر ثلثا، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع باقي الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني".

وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إني أبر إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون " قبور أنبيائهم وصالحيهم " مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ".

وله من المعجزات والفضائل والخصائص ما ليس لغيره من الأنبياء مما لا يحصى ولا يستقصى.

ومن أعظم ما خصه الله به من الفضائل المقام المحمود الذي يغبطه به النبيون، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله على قوله تعالى: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } قال: يقعده معه على العرش. [24]

وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع لأهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، ويشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.

وله الحوض المورود في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

وهو أول من يفتح له باب الجنة وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.

والمقصود من هذا: أن قول هذا الملحد فيما أورده عن القسطلاني من تلك الحكاية، وما ذكره من هذا الحديث الموضوع " أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع المخلوقات خلقت من نوره حتى النار " مناقض لما ذكره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله في سنته. ولو كان حقا ثابتا، أو كان من الفضائل والخصائص لذكره أهل الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من الكتب المعتمدة. ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هذا من الكذب الذي لا يمتري فيه عاقل، فضلا عن العلماء الذين هم أعلم الخلق بالله وبكتابه ورسوله وسنة نبيه.

وإذا كان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم على زعم هؤلاء مخلوقا من نور، فمن المعلوم بصريح النقل أن الملائكة مخلوقون من النور أيضا، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ". [25]

وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: " إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، ونور السموات من نور وجهه " الحديث إلى آخره. [26]

ونهى العلماء عن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط لما فيهما من نور الله، [27] فإذا كان ذلك كذلك فما خاصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وامتيازه عن هذه المخلوقات؟ إذ من المعلوم بالضرورة أن خلق آدم من صلصال كالفخار، وقد فضله الله على الملائكة وهم مخلوقون من نور، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وآدم عليه السلام فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق أن الملائكة خلقت من نور، ولم يقل: خلقت من نور محمد فدل على أن هذا كذب عليه، وقد قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ } وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قالت الملائكة: يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. [28] فإذا ثبت أن الملائكة مخلوقون من نور وأن خلق آدم وذريته من صلصال من حمإ مسنون؛ وأقسم بعزته جل ثنائه وتقدست أسمائه أن من خلق بيده أفضل من الملائكة المخلوقين من النور؛ وأنه لا يجعل صالح ذريته كلملائة؛ وقال عبد الله بن سلام: "ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: يا ابن أخي أوتعرف ما جبرائيل وميكائيل؟ إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر، ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد " وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم الاثنين؛ وخلق المكروه يوم الثلاثاء؛ وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس؛ وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر الساعة من الساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " [29] فتبين من هذا الحديث أن خلق النور يوم الأربعاء؛ وآدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق.

وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" فكيف يصح في الأذهان أن يكون آدم مخلوقا من نور أفضل ولده؟ وقد أخبرنا الله في كتابه وعلى لسان رسوله أن الله خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون؛ أو تكون النار التي هي محل غضبه وسخطه مخلوقة من نور محمد؟

وقد ثبت أن الله خلق النار قبل أن يخلق آدم وذريته. ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن نور الله الذي هو صفته غير مخلوق؛ وليس من الله شيء مخلوق؛ وإنما تكون الأشياء وتخلق بأمره وتكوينه وأفعاله سبحانه وبحمده إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

فإذا عرفت هذا عرفت أن ما ذكره القسطلاني لا يصح وأن هذا الحديث موضوع مكذوب؛ وإذا كان ذلك كذلك تبين لك أنه لم يكن قبل خلق آدم خلق من ذريته يسمى عالم الغيب لا أرواح ذريته من الأنبياء ولا غييرهم.

فإذا عرفت هذا فنذكر هنا من الأحاديث الصحيحة ما يبطل دعى هؤلاء الوضاعين الغلاة وأن الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول ما خلق الله تعالى من الأشياء العرش أو القلم كما ذكره أهل العلم. قال شيخ الإسلام: الوجه التاسع أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق الآخر قولين كما ذكره الحافظ أبو العلاء الهمذاني وغيره أحدهما: أن القلم خلق أولا؛ كما أطلق ذلك غير واحد؛ وهذا " هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ ابن أبي عروبة وابن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة "يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات على غير هذا فليس مني".

والثاني: أن العرش خلق أولا، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية حدثنا محمد بن كثير العبدي أنبأنا سفيان الثوري حدثنا ابن هشام عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه " ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: "إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونّه - أي لآخذن بناصيته - إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" وكذلك روى الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وغيرهما؛ وسنذكر هذين الحديثين إن شاء الله تعال؛ ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } على أي شيء كان؟ قال: "على متن الريح". وروى حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول شي ء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون" [30] قال البيهقي: ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا. قال البيهقي: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم؛ وذلك بين في حديث عمران بن حصين "ثم خلق السماوات والأرض". وفي حديث أبي ظبيان عن عباس موقوفا عليه "ثم خلق النون فدحا الأرض عليها".

وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: " إن أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وإنها لتفتخر على الأرض إلى يوم القيامة ". [31]

قلت: حديث عمران بن حصين الذي ذكر هو ما رواه البخاري من غير وجه منها ما رواه في كتاب التوحيد في باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم: قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع. وقال مجاهد: استوى على العرش.

وذكره من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: "إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه قوم من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم؛ قالوا: بشرتنا فأعطنا؛ فدخل الناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها بنو تميم؛ فقالوا قد قبلنا جئناك لنتفقه في الدين؛ ولنسألك عن أول هذا الأمر؛ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله؛ وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض؛ وكتب في الذكر كل شيء؛ ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهب فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم " رواه البيهقي كما رواه محمد بن خهارون الروياني في مسنده.

وعن عثمان بن سعيد وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت؛ فأتاه نفرمن بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. فجاء نفر من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها إخوانكم من بني تميم فقالوا: قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض قال: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ناقتك قال: فذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب؛ وأيم الله لوددت أني تركتها. ففي هذا الحديث الصحيح بيان أنه كتب في الذكر ما كتبه بعد أن كان عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض.

فتبين من هذه الأحاديث الصحيحة أن هذا الحديث الذي ذكره الملحد موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أول ما خلف الله العرش على الصحيح كما قال ابن القيم رحمه الله:

واذكر حديث السبق للتقدير التو ** قيت قبل جميع ذي الأعيان

خمسين ألفا من سنين عدها ال ** مختار سابقة لذي الأكوان

هذا وعرش الرب فوق الماء من ** قبل السنين بمدة وزمان


والناس مختلفون في القلم الذي ** كتب القضاء به من الديان

هل كان قبل العرش أو هو بعده ** قولان عن أبي العلا الهمداني

والحق أن العرش قبل لأنه ** قبل الكتابة كان ذا أركان

وكتابة القلم الشريف تعقبت ** إيجاده من غير فصل زمان

لما براه الله قال اكتب كذا ** فغدا بأمر الله ذا جريان

فجرى بما هو كائن أبدا إلى ** يوم المعاد بقدرة الرحمان

وهؤلاء الجهلة يزعمون أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد صلى الله عليه وسلم ثم لما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم؛ وهذا مناقض ومناف لما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين مرفوعا قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر [ كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ].

ففي هذا الحديث أنه كتب في الذكر بعد أن كان عرشه على الماء فصح أن العرش والماء مخلوقان قبل القلم؛ ولو كان الله خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأشياء لذكره في الحديث الصحيح؛ وقد سألوه عن أول هذا الأمر فأخبرهم أن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء. وذكر البيهقي فيما تقدم على حديث عبادة أن أول شيء خلقه الله بعد خلق الماء والريح والعرش القلم. قال: وذكر بين في حديث عمران. ولم يذكر خلق نور محمد لا قبل العرش ولا القلم ولا بعده.

ثم ذكر هذا الملحد أن الله قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرض. وهذا مخالف للأحاديث كما في حديث أبي ظبيان عن ابن عباس قال: " أول ما خلق الله عز وجل القلم " فذكره وفيه: " ثم خلق النور فدحا الأرض فأثبتت بالجبال " فتبين من هذا الحديث أن خلق الأرض قبل السماء كما قال تعالى: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } - إلى قوله - { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ }. وهذا الجاهل يقول ثم خلق من الجزء الأول السماوات ومن الثاني الأرض خلاف ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما وخلاف ما نزل به القرآن. وقال عثمان بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح المصري، حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: " لما أراد الله تبارك وتعالى أن يخلق شيئا إذا كان عرشه على الماء وإذا لا أرض ولا السماء، خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه وأثار ركامه فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا؛ فأمر الدخان فعلا وسما ونمى؛ فخلق منه السماوات وخلق من الطين الأرضين وخلق من التربة الجبال ".

وهذا الجاهل يقول إن الله خلق السماوات والأرض من الجزء الرابع من نور محمد صلى الله عليه وسلم { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ }.

فصل

وأما قول الملحد: " أخرج الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وأبو نعيم عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين روح والجسد" قال المناوي في قوله: "متى كنت نبيا" الحديث؛ ولم يقل إنسانا ولا موجودا إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة؛ فلما انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود اسمه وارتباط الروح به؛ انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا فكان الحكم له باطنا أولا في كل ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شيء أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان المشروع واحدا؛ انتهى ".

فالجواب أن يقال: ما ما ذكره المناوي على هذا الحديث من قوله: " إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة إلى آخره ". فهو من جنس الرموز والإشارات والاعتبار الذي سلكه المتصوفة من أهل السلوك؛ ومن جنس ما يذكره صاحب الفصوص في الفتوحات؛ ومن نمط ما يذكره أبو حامد الغزالي من الألفاظ المبتدعة المأخوذة عن الفلاسفة؛ كلفظ عالم الغيب والملكوت؛ وعالم الشهادة وغير ذلك من الألفاظ التي لا تذكر في شيء من الأحاديث؛ وإنما أصل هذه الألفاظ من وضع الفلاسفة واصطلاحاتهم؛ فيعبر هؤلاء بهذه العبارات المأخودة عن الفلاسفة؛ ويجعلون مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الألفاظ المخترعة التي تخالف كاب الله وسنة رسوله.

ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام ومما جاء عن سيد الأنام أنه ليس قبل خلق السماوات والأرض خلق من بني آدم أرواحا ولا غيرها يسمى عالم الغيب؛ ولا يوجد ذلك في كلام أئمة الإسلام؛ وهذا بناء من هؤلاء على أن الأرواح مخلوقة قبل خلق السماوات والأرض؛ وعليه وضع الوضاعون تفرع خلق جميع المخلوقات جزءا بعد جزء من نور محمد صلى الله عليه وسلم والذي ذكره أهل العلم من الأحاديث إنما هو تقدير ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعلى قدر مقادير الخلق وانقسام الخلق إلى سعيد وشقي؛ وميزهم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وعرشه على الماء". وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى؛ ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قد كان نبيا في سابق علم الله قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ فإن الله قدر ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ ولم يكن ثم عالم غيب من الأرواح لا أرواح الأنبياء ولا غيرهم من بني آدم. وهذا بخلاف ما قاله المناوي من أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب؛ يعني أنه كان في أول الزمان فعالم الغيب روح موجودة بالاسم الباطن؛ ثم انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود جسمه وارتباط الروح به؛ إلى أن انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا " ومستنده في ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في تاريخه؛ وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم؛ عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".

ومن المعلوم أن هذا الحديث مناق لما قاله المناوي فإن آدم عليه السلام إنما خلقه الله بعد خلق السماوات والأرض بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل. ومعلوم أن خلق الزمان قبل خلق آدم بمدة طويلة؛ وإنما قال صلى الله عليه وسلم "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ولم يقل كنت نبيا في أول خلق الزمان؛ بمعنى انه كان في أول خلق الزمان روحا موجودة قبل خلق العرش والماء والريح والقلم؛ وأخرج صلى الله عليه وسلم في جملة من اخرج لما مسح الله ظهر آدم بيده فاستخرج ذريته كأمثال الذر؛ فعلم أن هذا الحديث مناقض لما قاله المناوي ومناف له.

قال شمس الدين بن القيم رحمه الله تعالى وعفا عنه:

فصل

وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها فمن وجوه:

أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا؛ فإن الله سبحانه أرسل جبرائيل فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا. ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش؛ فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا؛ وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجن؛ وكان إبليس مع ملكه خازنا؛ فوقع في صدره فقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي. وفي لفظ: لمزية لي على الملائكة؛ فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه؛ فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة؛ قالوا: ربنا وما يكون حال الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا؛ قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون - يعني من شأن إبليس- فبعث جبريل إلى الأرض يأتيه بطين منها؛ فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تقبض مني؛ فرجع ولم يأخذ. فقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها؛ فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها؛ فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره؛ فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم ياخذ من مكان واحد فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين؛ فصعد به قبل الرب حتى عاد طينا لازبا -واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض- ثم قال للملائكة: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين؛ فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه؛ وخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة؛ فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليسا؛ فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار؛ يكون له صلصة؛ فذلك حين يقول: من صلصال كالفخار؛ ويقول لأمر ما خلقت؛ ودخل من فيه وخرج من دبره؛ فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ركبكم صمد؛ وهذا جوف لئن سلطت عليه لأهلكنه؛ فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح؛ قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاس جدوا له؛ ولما نفخ فيه الروح دخل الروح في رأسه فعطش؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله فقال: يرحمك ربك؛ فلما دخل في عينيه نظر إلى ثمار الجنة؛ فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام قبل أن تبلغ الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: خلق الإنسان من عجل؛ وذكر باقي الحديث.

وقال يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا. وقالوا: ربنا لما خلقت هذا النار ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي. ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة؛ والأرض ليس فيها خلق؛ إنما خلق آدم بعد ذلك؛ وقرأ قوله: { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين. ثم قال: وقالت الملائكة ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم قال: لا، إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة. وذكر الحديث.

قال ابن إسحاق: فيقال والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار فيقال والله أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطش فقال: الحمد لله. فذكر الحديث.

فالقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ولما تعجبت من خلق النار وقالت لأي شيء خلقتها وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث. ولما كانت أرواح الكافر كلها تبعا لإبليس بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر لعد خلق بدن آدم وروحه ولم يكن قبل ذلك كافرا فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن إذا ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره؛ إلا أن يقال كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه؛ والذي احتجوا به على تقدم خلق الأرواح بخلاف ذلك.

وفي حديث أبي هريرة في خلق العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم وتأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية؛ وتمام الكلام في كتاب الروح فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه.

والمقصود أنه لم يكن هناك خلق يسمى عالم الغيب من بني آدم؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم أشرف نسمة وأكرمها على الله من بني آدم؛ فعلمنا قطعا أن تفريع هؤلاء على هذا الحديث غير صحيح؛ مخالفا للكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.

والمقصود أنه ذكر في الحديث الذي رواه عن الإمام أحمد والبخاري في تاريخه وغيرهما ممن رواه قوله: متى كنت نبيا. قال: "وآدم بين الروح والجسد" وقد تقدم في كلام ابن القيم عن ابن اسحاق وغيره أنه كان بين نفخ الروح في آدم وبين تصوير جسده أربعون سنة؛ وهذا مناف لما قال المناوي إن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب فإن خلق الزمان كان قبل أن يخلق الله آدم بمدة طويلة اللهم إلا إن كان أراد أنه في علم الله الذي كتبه حين كتب مقادير كل شيئ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

إذا تحققت ذلك فلا يقال إن عالم الغيب هوعلم الله لأن علم الله صفة قائمة بذاته وهو غير مخلوق وما سوى الله من العالم فهو مخلوق عالم الغيب وعالم الشهادة؛ وقد كان من المعلوم أن آدم عليه السلام إنما خلق بعد خلق السماوات والأرض آخر المخلوقات بعد هذا العدد المذكور؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم أكرم نسمة على الله من بني آدم وهو سيد ولد آدم.

فإذا عرفت هذا عرفت أن كلام المناوي من نمط ما يقوله أبو حامد الغزالي حيث قال: وأما الأفعال فبحر متسعة أكنافه؛ ولا ينال بالاستقصاء أطرافه؛ بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله؛ فكل ما سواه فعله؛ لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال الماء الفرات وسائر أصناف النبات وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر للحسن بل هو في عالم الملكوت وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت؛ وخارج عن عالم الملك والشهادة وذكر كلاما لا حاجة بنا إليه؛ ولكن المقصود أنه زعم أن الروح من جملة عالم الغيب والملكوت. قال شيخ الإسلام على هذا الكلام: -فهذا الكلام يستعظمه في باديء الرأي أو مطلقا من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلمين.

فأما قول القائل إن القرآن اشتمل على الخلق؛ وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف أفعال الله تعالى ما لا يظهر للحس؛ يعني ولم يشتمل القرآن عليه. فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن؛ وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل؛ وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل؛ هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن؛ فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد؛ وهو أكثر من أن يذكر هنا؛ وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره؛ إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قيل مجمل؛ بل الرسول إنما بعث ليخبرنا بالغيب؛ والمؤمن من آمن بالغيب؛ وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب؛ فهذا وسيلة وذلك هو المقصود. ثم يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة؛ يا سبحان الله إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه؛ وعلم هذا لا يوجد عن الرسول الذي هو أفضل خلق خلق الله تعالى في كل شيئ في العلم والتعليم وغير ذلك؛ أيكون ذكر هذا في كلام أرسطو وذويه؛ وأصحاب رسائل إخوان الصفا؛ وأمثال هؤلاء الذين يثبون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوي مجردة؛ لا نقل صحيح ولا عقل صريح؛ بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير؛ وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج؛ كما سنبينه؛ وكذلك روح الإنسان وقبله في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يحصيه إلا الله.

ثم تكلم على ما أخطأ فيه من ذلك الملائكة وما يتضمن ذلك.

والمقصود أنما ذكره هذا الملحد عن المناوي إن كان النقل صحيحا فهو من جنس ما يذكره أبو حامد مما يعود حقيقته عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج. وأما ما ذكره من هذين الاسمين الشريفين فلا يدلان على ما ذكره لا لفظا ولا معنى؛ ولا علاقة بينهما وبين ما ذكره؛ ولا ارتباط بوجه من الوجوه لا بإشارة ولا بتلويح ولا بتصريح؛ وقد فسر أعلم الخلق بربه هذه الآية: قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء؛ [32] قوله صلى الله عليه وسلم: " الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء " يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته؛ وأن العوالم كلها في قبضته؛ وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد؛ قال تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } وقال: { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدليلين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه؛ واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه؛ كما قال تعالى: { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } وقال تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي فوق خلقه بذاته؛ فليس فوقه شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء؛ بل ظهر على كل شيء فكان فوقه؛ وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه؛ وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه؛ وكل شيء في قبضته وليس في قبضة نفسه؛ فهذا قرب الإحاطة والعامة.

وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابدية وسائلية؛ فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهي الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة؛ فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه؛ واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر؛ فأوليته عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه؛ وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه؛ فأوليته سبقه بكل شيء؛ وآخريته بقاؤه بعد كل شيء؛ وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء؛ ومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه؛ وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه؛ وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه وهي إحاطتان زمانية ومكانية؛ فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن؛ فما من ظاهر إلا والله فوقه؛ وما من باطن إلا والله دونه وما من أول إلا والله قبله وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأول قدمه؛ والآخر دوامه؛ والظاهر علوه وعظمته؛ والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته؛ وبقى كل شيء بآخريته؛ وعلا كل شيء بظهوره؛ ودنا عن كل شيء ببطونه؛ فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر الغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية؛ فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. انتهى ملخصا من سفر الهجرتين.

فتبين مما ذكرناه أن لا تعلق لهذين الإسمين الشريفين بشيء مما ذكره المناري؛ وإنما هو من التفريعات والرموزات والإشارات التي لا حقيقة لها عند التحقيق؛ ولا قوام لها بالثبات على الطريق؛ وإن زعموا أن هذا من علم المكاشفة فهو عند التحقيق مكاشفة. فإذا عرفت هذا وتحققت أنه لم يكن قبل خلق المخلوقات عالم من أرواح بني آدم يسمى علم الغيب؛ وأن أول ما خلق الله العرش والماء والريح ثم خلق القلم وكتب في الذكر كل شيء كائن إلى يوم القيامة علمت يقينا أن ما ذكره القسطلاني والمناوي من الترهات والأكاذيب الموضوعات؛ وأن هذا الحديث المروي عن جابر كذب مختلق؛ وأن الصحيحالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التقدير السابق كما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هاني الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات الأرض بخمسين ألف سنة" "وعرشه على الماء" ورواه المسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد كلامها عن أبي هاني الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة". ورواه البيهقي أيضا من حديث أبي مريم حدثنا الليث ونافع بن يزيد قالا: حدثنا أبو هاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات الأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة". ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك الحديث من أنه قدر المقادير وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ لكن بين فيه مقدار السبق أن ذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم لو كان ما ذكره المناوي والقسطلاني حقا ثابتا معلوما عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذكره العباس بن عبد المطلب لما امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك؛ ففي السيرة النبوية ( روى عن عم أزي ) زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: سمعة جدي خزيم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس يقول: يا رسول الله أريد أن أمدحك فقال: قل لا يفضض الله فاك فقال:

من قبلها طبت في الظلال وفي ** مستودع حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشر ** أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد ** ألجم نسرا وأهله الغرق

تنقل من صالب إلى رحم ** إذا مضى علم بدا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من ** خندف علياء تحتها النطق

وأنت لما ولدت أشرقت الأر ** ض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي النو ** ر وسبل الرشاد نخترق


الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ } والمستودع هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان فيه عليهما من ورق الجنة أي يضمان بعضه إلى بعض يستتران به؛ ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم وأنت لا بشر ولا مضغة؛ وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح؛ وصالب لغة غريبة في الصلب الفتحتان كسقم وسقم؛ والطبق القرن أي كلما مضى عالم وقرن جاء قرن؛ ولأن القرن يطبق الأرض؛ والنطق جمع نطاق وهو ما يشد به الوسط ومنه المنطقة أي أنت أوسط قومك نسبا وجعله في عليا وجعلهم تحته نطاقا؛ وضاءت لغة في أضاءت. انتهى.

وبهذا يعلم أنه لم مكن عندهم أعني الصحابة رضي الله عنهم خصوصا أهل بيته أن الله خلق الأشياء كلها ولا أن العرش واللوح والقلم والملائكة والجنة والنار وسائر والمخلوقاة خلقها الله من نور محمد جزاء بعد جزء وخلقا بعد خلق.

ثم ذكر هذا الملحد كلاما لا حاجة بنا إلى الجواب عنه.

فصل

قال الملحد: "الباب الأول في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل به " ذكر بعض الآيات التي قرن الله بها اسمه باسم النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق في بيان ذلك. قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وقال تعالى في شأن أهل أحد: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وقال تعالى: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }.

والجواب أن يقال: قد سبق هذا الملحد إلى الاستدلال بهذه الآية من المشبهين أقوام وذكروا من الشبه نحو ما ذكره هذا وأكثر وأعظم تلبيسا وتمويها؛ وأجابهم على ذلك الأئمة الجهابذة الحفاظ الذين هم القدوة وبهم الأسوة وحسبنا ما ذكروه ووضحوه في هذه المسائل.

فقال الإمام الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عبد الهادي الحنبلي المقدسي قدس الله روحه على ما ذكره السبكي:

فأما استدلاله بقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ } فالكلام فيها في مقامين:

أحدها: عدم دلالتها على مطلوبه. الثانية: بيان دلالتها على نقيضه؛ وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت فه؛ وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم؛ ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم؛ وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذ ظلم نفسه وأخبر أنه من المنافقين. فقال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ثم لم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له؛ فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنب؛ وهذه كانت عادة الصحابة معه صلى الله عليه وسلم أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين.

فلما استأثر الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم ونقله من بين ظهورهم إلى دار كرامته؛ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره؛ ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت وافترى على كل الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ وهم خير القرون على الإطلاق حيث تركوا هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق؛ وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة؛ فلم يدعوا إليه؛ ولم يرشدوا إليه؛ ولم يفعله أحد منهم ألبتة؛ ووفق له من لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم؛ بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.

ولما كان هذا المنقول شجا في حلوق الغلاة؛ وقذى في عيونهم؛ وريبة في قلوبهم؛ قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل؛ ومن اسحى منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبي الله إلا أن يعلى منار الحق؛ ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد؛ وتقوم الحجة على المعاند؛ فيعلي الله بالحق من يشاء؛ ويضع برده وبطره وغمص أهله من يشاء.

ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجود؛ وقد دعيت فيه إلى المجيء؛ إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء؛ فلما توقي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها له.

وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل؛ ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة؛ ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة؛ لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر؛ فكيف إذا كان التأويل بخلاف تأويلهم ويناقضه؛ وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده؛ وإنما ننبه عليه بعض التنبيه.

ومما يدل على بطلان تأويله قطعا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته؛ وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه؛ كان مذموما غاية الذم مغموصا بالنفاق؛ ولا كان كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له؛ ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوبين؛ فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق.

وأما دلالة الآية على خلاف تأويلها؛ فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ } وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذا ظلموا أنفسهم طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذا الطاعة؛ ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له؛ ولوكان هذا طاعة له لكان خير القرون عصوا هذه الطاعة وعطلوها؛ ووفق لها هؤلاء الغلاة العصاة؛ وهذا بخلاف قوله: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فإنه نعى الإيمان عمن لم يحكمه؛ وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيا وميتا ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي؛ وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه؛ يوضح ذلك أنه قال: " لا تجعلوا قبري عيدا "؛ [33] ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين؛ وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به؛ انتهى.

وأما قول الملحد: وقال تعالى: في شأن أهل أحد: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وقال تعالى: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }.

فنقول: هذا كان في حياته بأبي هو وأمي وقد فعل ما أمره الله به؛ وأما بعد وفاته فحاشا وكلا؛ ولو كان مشروعا بعد موته لأمر به أمته وحضهم عليهم؛ ورغبهم فيه؛ ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه وأسبق إليه؛ ولم ينقل عن أحد منهم قط وهو القدوة بنوع من نوع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ويشتكي إليه ويسأله.

والذي صح عنه من الصحابة مجيء القبر هو ابن عمر وحده؛ إنما كان يجيء للتسليم عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبه عند قدموه من سفر؛ ولم يكن يزيد على التسليم شيئا؛ ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع مولى ابن عمر أو من أجلهم: لا نعلم أحدا من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر.

ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة؛ ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم؛ ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم؛ فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم؛ أو مرتكبا لنوع بدعة؛ كما قال عبد الله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنكم على شعبة ضلالة. [34]

فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرا بعد موته ممكنا أو مشروعا؛ لكان كمال شفقته ورحمته بل رأفة مرسلة ورحمته بالأمة تقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه ومبادرة خير القرون إليه؛ انتهى.

وأما قوله: "فإن قال وهابي: هذا في حياته صلى الله عليه وسلم"

فالجواب أن نقول: نعم قول الوهابية وبه قال أهل العلم قديما وحديثا؛ ولم يخالفهم إلا كل مبتدع ضال مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها كما تقدم بيانه.

وأما قوله: "فأقول قد انععقد الإجماع على حياته في قبره صلى الله عليه وسلم".

فالجواب أن نقول: دعوى هذا الملحد أن الإجماع انعقد في حياته في قبره صلى الله عليه وسلم مصادمة لقوله تعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } وقوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ } وقوله: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } وقوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } وقوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ }.

ومن المعلوم أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم حيا في قبره كالحياة الدنيوية المعهودة التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه؛ ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس والنكاح وغير ذلك؛ بل حياته صلى الله عليه وسلم حياة برزخية وروحه في الرفيق الأعلى؛ وكذلك أرواح الأنبياء؛ والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت؛ فمنها أرواح في أعلا عليين في الملأ الأعلى؛ وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم في المنزلة العليا التي هي الوسيلة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح بعد كلام طويل: وقد بينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة أو النار لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه؛ وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده فإن للروح شأنا آخر تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين؛ ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد الله عليه روحه فيرد عليه السلام وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الوضع؛ حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام؛ إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره؛ وهذا غلط محض؛ بل الروح تكون فوق السماوات في أعلا عليين فترد إلى القبر وترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في مكانها.

وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى دائما؛ ويردها الله سبحانه وتعالى إلى القبر فيرد السلام على من يسلم عليه ويسمع كلامه؛ وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى قائما يصلي في قبره [35] ورآه في السماء السادسة والسابعة؛ [36] فإما أن تكون سريعة الحركة ولانتقال كلمح البصر؛ وإما أن يكون متصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس؛ وجرمها في السماء؛ انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:

فصل في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم

ولأجل هذا رام ناصر قولكم ** ترقيعه يا كثرة الخلقان

قال الرسول بقبره حي كما ** قد كان فوق الأرض والرجمان

من فوقه أطباق ذاك الترب والل ** بيات قد عرضت على الجدران

لوكان حيا في الضريح حياته ** قبل الممات بغير ما فرقان

ما كان تحت الأرض بل من فوقها ** والله هذي سنة الرحمن

أتراه تحت الأرض حيا ثم لا ** يفتيهمو بشرائع الإيمان

ويريح أمته من الآراء وال ** خلف العظيم وسائر البهتان

أم كان حيا عاجزا عن نطقه ** وعن الجواب السائل لهفان

وعن الحراك فما الحياة اللاء قد ** أثبتموها أوضحوا ببيان

هذا ولم لا جاءه أصحابه ** يشكون بأس الفاجر الفتان

إذا كان ذلك دأبهم ونبيهم ** حي يشاهدهم شهود عيان

هل جاءكم أثر بأن صحابه ** سألوه فتيا وهو في الأكفان

فأجابهم بجواب حي ناطق ** فأتوا إذًا بالحق والبرهان

هلا أجابهمو جوابا شافيا ** إن كان حيا ناطقا بلسان

هذا وما شدت ركائبه عن ال ** حجرات للقاصي من البلدان

مع شدة الحرص العظيم له على ** إرشادهم بطرائق التبيان

أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ** ويكون للتبيان ذا كتمان

إن قلتموا سبق البيان صدقتمو ** قد كان بالتكرار ذا إحسان

هذا وكم من أمر أشكل بعده ** أعيى على العلماء كل زمان

أوما ترى الفاروق ود بأنه ** قد كان منه العهد ذا تبيان

بالجد في ميراثه وكلالة ** وببعض أبواب الربا الفتان

قد قصر الفاروق عند فريقكم ** إذا لم يسله وهو في الأكفان

أتراهمو يأتون حول ضريحه ** لسؤال أُمّهمو [37] أعز حصان

ونبيهم حي يشاهدهم ويسمـ ** عهم ولا يأتي لهم ببيان

أفكان يعجز أن يجيب بقوله ** إن كان حيا داخل البنيان

يا قومنا استحيوا من العقلاء و ** المبعوث بالقرآن والرحمان

والله لا قدر الرسول عرفتمو ** كلا ولا للنفس والإنسان

من كان هذا القدر مبلغ علمه ** فليستتر بالصمت والكتمان

ولقد أبان الله أن رسوله ** ميت كما قد جاء في القرآن

أفجاء أن الله باعثه لنا ** في القبر قبل قيامة الأبدان

أثلاث موتات تكون لرسله ** ولغيرهم من خلقه موتان

إذ عند نفخ الصور لا يبقي امرؤ ** في الأرض حيا قط بالبرهان

أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ** مات الورى أم هل لكم قولان

فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيـ ** ئوا بالدليل فنحن ذو أذهان

أولم يقل من قبلكم للرافعي الأ ** صوات حول القبر بالنكران

لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ** ميتا كحرمته لدى الحيوان

قد كان يمكنهم يقولوا إنه ** حي فغضوا الصوت بالإحسان

لكنهم بالله أعلم منكمو ** ورسولِه وحقائق الإيمان

ولقد أتوا يوما إلى العباس يسـ ** تسقون من قحط وجدب زمان

هذا وبينهم وبين نبيهم ** عرض الجدار وحجرة النسوان

فنبيهم حي ويستسقون غـ ** ير نبيهم حاشا أولى الإيمان

فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

فإن احتججتم بالشهيد بأنه ** حي كما قد جاء في القرآن

والرسل أكمل حالة منه بلا ** شك وهذا ظاهر التبيان

فلذاك كانوا بالحياة أحق من ** شهدائنا بالعقل والبرهان

وبأن عقد نسائه لم ينفسخ ** فنساؤه في عصمة وصيان

والأجل هذا لم يحل لغيره ** منهن واحدة مدى الأزمان

أفليس في هذا دليل أنه ** حي لمن كانت له أذنان

أولم ير المختار موسى قائما ** في قبره لصلاة ذي القربان

أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ** عين المحال وواضح البطلان

أولم يقل إني أرد على الذي ** يأتي بتسليم مع الإحسان

أيرد ميت السلام على الذي ** يأتي به هذا من البهتان

هذا وقد جاء الحديث بأنهم ** أحياء في الأجداث ذا تبيان

وبأن أعمال العباد عليه تعـ ** رض دائما في جمعة يومان

يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ** قد خص بالفضل العظيم الشأن

فصل في الجواب عما احتجوا به في هذا المسألة

فيقال أصل دليلكم في ذاك حجـ ** تنا عليكم وهي ذات بيان

إن الشهيد حياته منصوصة ** لا بالقياس القائم الأركان

هذا مع النهي المؤكد أننا ** ندعوه ميتا ذاك في القرآن

ونساؤه حل لنا من بعده ** والمال مقسوم على السهمان

هذا وإن الأرض تأكل لحمه ** وسباعها مع أمة الديدان

لكنه مع ذاك حي فارح ** مستبشر بكرامة الرحمان

فالرسل أولى بالحياة لديه مع ** موت الجسوم وهذه الأبدان

وهي الطرية في التراب وأكلها ** فهو الحرام عليه بالبرهان

ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ** أيضا وقد وجدوه رأي عين

فانظر إلى قلب الدليل عليهمو ** حرفا بحرف ظاهر التبيان

لكن رسول الله خص نساؤه ** بخصيصة عن سائر النسوان

خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ** ترن الرسول لصحة الإيمان

شكر الإله لهن ذاك وربنا ** سبحانه للعبد ذو شكران

قصر الرسول على أولئك رحمة ** منه بهن وشكر ذي الإحسان

وكذلك أيضا قصرهن عليه معـ ** لوم بلا شك ولا حسبان

زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ ** خرى يقينا واضح البرهان

فلذا حرمن على سواه بعده ** إذ ذاك صون عن فراش ثان

لكن أتين بعدة شرعية ** فيها الحدود وملزم الأوطان

هذا ورؤيته الكليم مصليا ** في قبره أثر عظيم الشأن

في القلب منه حسيكة هل قاله ** فالحق ما قد قال ذو البرهان

ولذاك أعرض في الصحيح محمد ** عنه على عمد بلا نسيان

والدارقطني الإمام أعله ** برواية معلومة التبيان

أنس يقول رأى الكليم مصليا ** في قبره فاعجب لذا الفرقان

بين السياق إلى السياق تفاوتا ** لا تطرحه فما هما سيان

لكن تقلد مسلم وسواه ممن ** صح هذا عنده ببيان

فرواته الأثبات أعلام الهدى ** حفاظ هذا الدين في الأزمان

لكن هذا ليس مختصا به ** والله ذو فضل وذو إحسان

فروى ابن حبان الصدوق وغيره ** خبرا صحيحا عنده ذا شأن

فيه صلاة العصر في قبر الذي ** قد مات وهو محقق الإيمان

فتمثل الشمس الذي قد كان ير ** عاها لأجل صلاة ذى القربان

عند الغروب يخاف فوت صلاته ** فيقول للملكين هل تدعان

حتى أصل العصر قبل فواتها ** قالا سنفعل ذاك بعد الآن

هذا مع الموت المحقق لا الذي ** حكيت لنا بثبوته القولان

هذا وثابت البناني قد دعا الر ** حمن دعوة صادق الإيقان

أن لا يزال مصليا في قبره ** إن كان أعطا ذاك من إنسان

لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ** ـراج فوق جميع ذي الأكوان

يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ** والقطع موجبه بلا نكران

والذاك ظن معارضا لصلاته ** في قبره إذ ليس يجتمعان

وأجيب عنه بأنه أسرى به ** ليراه ثم مشاهدا بعيان

فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ** بتناقض إذ أمكن الوقتان

هذا ورد نبينا لسلام من ** يأتي بتسليم مع الإحسان

ما ذاك مختصا به أيضا كما ** قد قاله المبعوث بالقرآن

من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ** ـليم عليه وهو ذو إيمان

رد الإله عليه حقا روحه ** حتى يرد عليه رد بيان

وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ** لما يصح وظاهر النكران

فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ** إن كنت ذا علم بهذا الشأن

هذا ونحن نقول هم أحياء لـ ** ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان

والترب تحتهمو وفوق رؤوسهم ** وعن الشمائل ثم عن أيمان

مثل الذي قد قلتموه ومعاذنا ** بالله من إفك ومن بهتان

بل عند ربهمو تعالى مثلما ** قد قال في الشهداء في القرآن

لكن حياتهمو أجل وحالهم ** أعلى وأكمل عند ذي الإحسان

هذا وأما عرض أعمال العبا ** د عليه فهو الحق ذو إمكان

وأتى به أثر فإن صح الحديث ** به فحق ليس ذا نكران

لكن هذا ليس مختصا به ** أيضا بآثار روين حسان

فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه ** وعلى أقاربه مع الإخوان

إن كان سعيا صلحا فرحوا به ** واستبشروا يا لذة الفرحان

أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا ** لوا رب رجعه إلى الإحسان

ولذا استعاذ من الصحابة من روى ** هذا الحديث عقيبه بليان

يا رب إني عائذ من خزية ** أخزى بها عند القريب الدان

ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة المحـ ** بوّ بالغفران والرضوان

لكن هذا ذو اختصاص والذي ** للمصطفى ما يعمل الثقلان

هذي نهايات لأقدام الورى ** في ذا المقام الضنك صعب الشان

والحق فيه ليس تحمله عقو ** ل بني الزمان لغلظة الأذهان

والجهلهم بالروح مع أحكامها ** وصفاتها للألف بالأبدان

فارض الذي رضي الإله لهم به ** أتريد تنقض حكمة الديان؟

هل في عقولهمو بأن الروح في ** أعلى الرفيق مقيمة بجنان

وترد أوقات السلام عليه من ** أتباعه في سائر الأزمان؟

وكذاك إن زرت القبور مسلما ** ردت لهم أرواحهم للآن

فهمو يردون السلام عليك ل ** كن لست تسمعه بذى الأذنان

هذا وأجواف الطيور الخضر ** مسكنها لدى الجنات والرضوان

من ليس يحمل عقله هذا فلا ** تظلمه واعذره على النكران

للروح شأن غير ذى الأجسام لا ** تهمله شأن الروح أعجب شأن

وهو الذي حار الورى فيه فلم ** يعرفه غير الفرد في الأزمان

هذا وأمر فوق ذا لو قلته ** بادرت بالإنكار والعدوان

فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ** ذاك الرفيق جريت في الميدان

هذا وقولي إنها مخلوقة ** وحدوثها المعلوم بالبرهان

هذا وقولي إنها ليست كما ** قد قال أهل الإفك البهتان

لا داخل فينا ولا هي خارج ** عنا كما قالوه في الديان

والله لا الرحمن أثبتم ولا ** أرواحكم يا مدعى العرفان

عطلتمو الأبدان من أرواحها ** والعرش عطلتم من الرحمن

وهذا الذي ذكره الحافظ شمس الدين هو مقتضى الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها وبما ذكره كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فصل

قال الملحد: "كيف لا وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" فرؤيته يقظة أكبر دليل على حياته صلى الله عليه وسلم.

والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه لا يدل على أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في الدنيا كما كان يرى حيا قبل أن يموت، وكذلك ليس بصريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حي قبره الحياة المعهودة في الدنيا ولا فيه دلالة على جواز التوسل به، فضلا عن أن يدعى ويستغاث به ويرجى في كشف الشدائد والمهمات لتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأن يصرف له شيء من خالص ما لرب الأرض والسماوات من جميع أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير الله من المعبودات.

قال في السراج الوهاج على قوله: "فسيراني في اليقظة": أي سيراني يوم القيامة رؤيا خاصة في القرب منه؛ أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة.

قال في المصابيح: وعلى الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك أنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحقق منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين والمتبعين ذلك بمنه وكرمه أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي.

قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر لكأنما رآني فهو كقوله فقد رآني؛ أو فقد رأى الحق؛ وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال؛ وسيأتي تفسيره: أحدها المراد به أهل عصره. الثاني: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة. الثالث: يراه في الآخرة رؤيا خاصة في القرب منه وحول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم؛ انتهى. [38]

فغاية ما في هذا الحديث أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة في الآخرة رؤيا خاصة باعتبار القرب منه أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة وليس فيه أنه حي في قبره كحياته في الدنيا لا تصريحا ولا تلويحا؛ وإنما هذه الدعوى المجردة من الدليل من تصرف هؤلاء الغلاة؛ واعتقادهم الباطل المخالف لكتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها.

وأما حياة الأنبياء في قبورهم ورؤيته صلى الله عليه وسلم لموسى قائما يصلي في قبره فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله وبه الكفاية.

وأما قوله: "وقد وقع الإخبار برؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة لجماعة من الأولياء اشتهرت كرامتهم؛ وعلت مقاماتهم؛ واستقامت أحوالهم وجاءت على طبق الشريعة أقوالهم؛ من الخواص القائمين بالمراقبة؛ وصحة التوجه على قدم الصدق؛ ونهج الحق كالشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي العباس المرسي وسيدي علي وفاء وغيرهم من الأكابر؛ فلا يقدم على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم إلا متجازف".

فالجواب أن يقال: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا من أمحل المحال وأبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد قبضه إليه واستأثر به ورفعه إلى الرفيق الأعلى وإنما يتصور وجود هذا مناما فمن في المنام وكان من أهل الصلاح وعلى صفته التي هو عليها فقد رآه حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل به. وأما يقظة فهو من التخيلات الشيطانية التي أغوى بها الشيطان كثيرا من الناس ممن يدعي الولاية؛ فإن منهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين؛ وقد جرى هذا لغير واحد. [39] وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمهن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات؛ والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم؛ والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال؛ وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر فيغتر بهؤلاء كثير من الناس ممن قلت معرفته وغلظ حجاب قلبه عن معرفة الحق من الباطل.

وهؤلاء كما قال شيخ الإسلام تجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو يطير في الهواء؛ أو ينفق بعض الأوقات من الغيب؛ أو يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر الناس بما سرق لهم؛ أو بحال غائب لهم؛ أو مريض؛ أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه؛ وكرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكافر والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين؛ وتكون لأهل البدع؛ وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ليس لله بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام والظاهرة؛ انتهى.

وأما من ذكر من هؤلاء الذين يزعم أنهم أولياء فأما الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله وأمثاله ممن هو على طريقته وسيرته فهو من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين، وله من الأحوال الإيمانية والمآثر السنية الدالة على متابعة الكتاب والسنة ما هو معروف من حاله ومقاله؛ ولكنه تجارى عليه الملحدون ووضعوا عليه أوضاعا ونسبوا إليه أقوالا هو بريء منها؛ ومن جملتها هذه الحكاية التي لا أصل لها ولا نقلها عنه من هو مأمون على الدين معروف بالصدق واليقين.

وأما من عداه من هؤلاء الذين ذكر أنهم من أكابر أولياء الله ممن لا نعرف حالهم فالإقدام على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم هو من الأمور التي يحبها الله ويرضاها؛ ومن رد الباطل على من قال به؛ إذ من المعلوم بالضرورة أن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا لا تصح لا من الشيخ عبد القادر؛ ولا ممن هو أجل منه فضلا عمن هو دونه؛ لأن دعوى ذلك من المكابرة في الحسيات والمباهتة في الضروريات. والله أعلم.

وأما قوله:

"وإذا لم تر الهلال فسلم ** لأناس رأوه بالأبصار"

فالجواب:

أقول من المحال نراه حيا ** بهذي الدار لا دار القرار

فغير مسلم تسليم هذا ** لأقوام رأوه بالأبصار

وهذا لا يكون فقد أتانا ** بذاك النص متضح المنار

بأن المصطفى قد مات حقا ** وأنا ميتون وذاك جاري

على كل الخلائق ليس يبقى ** سوى الخلاق من الخلق باري

فأما في المنام فذاك حق ** يراه الصالحون أولو الفخار

وأما يقظة فيراه حيا ** كما قد كان حيا ذو اختيار

وتدبير وتصريف ويدري ** كما يدريه في ماض وجار

فدعوى هذه دعوى لعمري ** تبين إفكها بالإضرار

فإذا تحققت هذا فهؤلاء لم تكن أحوالهم وخوارقهم أحوال وخوارق إيمانية؛ وإنما كانت أبصارهم وحقائق أحوالهم خيالات شيطانية؛ وعلى غير متابعة الكتاب والسنة مبنية؛ فلا يلتفت إلى أقوالهم؛ ولا يعول على ما ادعوه من أحوالهم؛ لأنها عن الحقائق الإيمانية خالية؛ وأقوالهم عن الدليل عارية.

وأما قوله: "فالآية: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } منسحب إلى الآن وإلى ما شاء الله."

فأقول: هذا غير مسلم وقد تقدم الجواب عن هذا فراجعه.

وأما قوله: "ولذا ترى العلماء جميعا ذكروا في باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان عند المقابلة يتلو هذه الآية الكريمة كما يأتي نقل ذلك عنهم في الباب الثالث".

فالجواب أن يقال: نسبة هذا إلى العلماء جميعهم من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلى هذه الآية واستحبها طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى.

وأما الأئمة وعلماء السلف فلم يذكره أحد منهم، ولا استحب أحد منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار بعد موته، ولا غير ذلك ألبتة، فنسبته إلى العلماء كلهم من الكذب عليهم كما سنبينه.

والحكايات والمنامات لا يثبت بها حكم شرعي ولا يسوغ مثل هذا إلا في دين النصارى، فإن دينهم مبني على الحكايات والمنامات والأوضاع المخترعات. وأما دين الإسلام فهو محفوظ بالإسناد، فلا يثبت حكم شرعي إلا بكتاب الله عز وجل، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر ذلك بنقل الثقات العدول المتفق على عدالتهم.

وأما قوله: "على أن من يدعي أنها خاصة بقبل الوفاة فعليه الدليل وأنى له ذلك".

فالجواب أن يقال: أما كون المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصا بحال حياته قبل وفاته فنعم، والدليل على ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن الآية نزلت في قوم معينين من أهل النفاق بدليل قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } فإن قيل: فالآية وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة. قيل: نعم هذا حق فإنها تعم ما وردت فيه وما كان مثله فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه، وجاء كذلك في حال حياته، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره فقد عرف بطلانه، يوضحه:

الوجه الثاني: أنه لو شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وهذه مصادمة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا".

الوجه الثالث: أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانية وهم سلف الأمة، لم يفهم أحد منهم إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.

فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة.

الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها عنه ونهى عنه، لأنه أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره عيدا. فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" الحديث،. فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ما يسخطه.

قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".

وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر. فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.

وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم".

الوجه الخامس: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". [40] وقد كان من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون هذا. ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. [41]

وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراداه، والله أعلم. [42]

فصل

قال الملحد: "وهنا آيات أخر تشير إلى الالتجاء به صلى الله عليه وسلم منها قوله تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } وقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } وقوله: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }".

فالجواب أن يقال: ليس في هذه الآيات ما يشير إلى الالتجاء به صلى الله عليه وسلم، لا لفظا ولا معنى، والإلتجاء من خصائص الإلهية، فصرفه لغيره شرك يخرج من الملة، فمن التجأ إلى غير الله كان مشركا، فقوله: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }.

قال في جامع البيان: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }. في أمور الدارين. قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال عليه السلام: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي فقال: "الآن يا عمر". [43] وعن بعض المفسرين معناه: النبي أولى من بعضهم ببعض في وجوب طاعته عليهم، انتهى.

وفال في الإكليل: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه "، انتهى.

وفي صحيح البخاري أيضا: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين".

إذا علمت هذا فغاية ما في هذه الآيات إخباره تعالى بأن رسوله صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أمور دنياهم وأخراهم، وأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات، أي ظلمات الكفر والمعاصي، إلى النور نور الإيمان والطاعة، وكان بالمؤمنين رحيما، كقوله: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } فرأفته ورحمته بالمؤمنين، وغلظته وشدته على الكافرين، فمن آمن بالله ورسوله وأخلص العبادة بجميع أنواعها لله ولم يشرك فيها أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهما، فالرسول أولى به من نفسه، ورأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم خاصة بالمؤمنين به المؤتمرين لأمره، المنتهين عما نهى عنه، ومن أشرك بالله في عبادته أحدا من مخلوقاته كائنا من كان، والتجأ إليه في كشف المهمات وإغاثة اللهفات وصرف له خالص حق الله فرسوله الله منه بريء فلا تنال رأفته ورحمته وشفقته من أشرك بالله، ولا يكون من أهل ولاية الله في الدنيا والآخرة.

قال شمس الدين الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:

يا من له عقل ونور قد غدا ** يمشي به في الناس كل زمان

لكننا قلنا مقاله صارخ ** في كل وقت بينكم بأذان

الرب رب والرسول فعبده ** حقا وليس لنا إله ثان

فلذاك لم نعبده مثل عبادة ال ** رحمن فعل المشرك النصراني

كلا ولم نغل الغلو كما نهى ** عنه الرسول مخافة الكفران

لله حق لا يكون لغيره ** ولعبده حق هما حقان

لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ** من غير تمييز ولا فرقان

فالحج للرحمن دون رسوله ** وكذا الصلاة وذبح ذي القربان

وكذا السجود ونذرنا ويميننا ** وكذا مثاب العبد من عصيان

وكذا التوكل والإنابة والتقى ** وكذا الرجاء وخشية الرحمن

وكذا العبادة واستعانتنا به ** إياك نعبد ذان توحيدان

وعليهما قام الوجود بأسره ** دنيا وأخرى حبذا الركنان

وكذلك التسبيح والتكبير والت ** هليل حقُ إلهنا الديان

لكنا التعزير والتوقير حـ ** ق للرسول بمقتضى القرآن

والحب والإيمان والتصديق لا ** يختص بل حقان مشتركان

هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ** لا تجملوها يا أولي العدوان

حق الإله عبادة بالأمر لا ** بهوى النفوس فذاك للشيطان

من غير إشراك به شيئا هما ** سببا النجاة فحبذا السببان

ورسوله فهو المطاع وقوله المـ ** قبول إذ هو صاحب البرهان

والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ ** ـه عند ذي عقل وذي إيمان

إلى أن قال:

هذا الذي أدى إليه علمنا ** وبه ندين الله كل أوان

فهو المطاع وأمره العالي على ** أمر الورى وأوامر السلطان

وهو المقدم في محبتنا على الأ ** هلين والأزواج والوالدان

وعلى العباد جميعهم حتى على النفـ ** س التي قد ضمها الجنبان

إلى أن قال:

كفرتموا من جرد التوحيد جهـ ** لا منكمو بحقائق الإيمان

لكن تجردتم لنصر الشرك والبـ ** دع المضلة في رضى الشيطان

والله لم نقصد سوى التجريد للتـ ** ـوحيد ذاك وصية الرحمن

ورضى رسول الله منا لا غلو ** الشرك أصل عبادة الأوثان

والله لو يرضى الرسول دعاءنا ** إياه بادرنا إلى الإذعان

والله لو يرضى الرسول سجودنا ** كنا نخر له على الأذقان

والله ما يرضيه منا غير إخلا ** ص وتحكيم لذي القرآن

ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه ** فعل النصارى عابدي الصلبان

ولقد نهانا أن نصير قبره ** عيدا حذار الشرك بالرحمن

فصل

قال الملحد: "وقد فهم أبو البشر آدم صلى الله عليه وسلم من قرنه اسمه تعالى باسم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه الوسيلة إليه، فتوسل به إلى ربه بأن يغفر له، كما يأتي بالباب الثاني إن شاء الله".

فأقول هذا كذب محض، والحديث الآتي ذكره بعد موضوع وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.

وأما قوله: " فإذا علمت أن قرن اسم النبي باسمه تعالى يشعر بالتوسل به فخذ الآيات المقرون بها اسم النبي باسمه تعالى ".

فالجواب أن يقال: هذه الآيات التي قرن الله اسم نبيه باسمه تعالى لا تشعر بالتوسل به ولا تجيز صرف خالص حق الله له، وإنما غاية ما فيها تشريفه صلى الله عليه وسلم والتنويه بذكره، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وحسرة على الكافرين وحجة على العباد أجمعين، قد افترض الله على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا معه كما في التشهد والخطب والتأذين.

ثم سرد هذا الملحد الآيات التي قرن الله اسمه باسم نبيه فيها كطاعته وطاعة رسوله، وترك معصية الله ورسوله، وعدم مشاقة الله ورسوله، وعدم محاربته ومحاداة رسوله، وأن الأنفال الخمس لله ورسوله، ورد إلى الله وإلى رسوله فيما تنازعت الأمة فيه، وأن الإيتاء لله ورسوله إلى غير ذلك من الآيات التي شرف الله بها رسوله ورفع له بها ذكره وأوجب بها على الخلق طاعته وغايتها ومقتضاها: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع، فمن فهم غير هذا منها بأن يتوسل به ويدعى ويستغاث به ويلجأ إليه، فقد ضل فهمه وحمل كلام الله ما لا يحتمله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

قال الملحد: "وأما الآيات التي تمسك بها الوهابية من قوله تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وقوله تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ونحوها من الآيات الكريمة، فلا تدل على مدعاهم من امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام".

فالجواب أن نقول:

هذه الآيات ونحوها من الآيات التي يستدل بها الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين هي من أوضح الدلائل والبينات على امتناع دعائهم والاستغاثة لهم والاستشفاع بهم والالتجاء إليهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، لأنها دالة على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة عن عبادة ما سواه كائنا من كان، وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته. قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وقال تعالى عن الخليل: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقال تعالى عنه: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } وقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } وقال تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وقال عن أهل الكهف: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } في موضعين من كتابه وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }.

قال الشيخ رحمه الله: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجؤون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها، وشفاعتها لتقربهم إلى الله كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } وقال تعلى: { الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }. قال رحمه الله: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، أو استلقوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ }. فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا يمسك الرحمة. ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأول شيء وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: { قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ- إلى قوله: فَأَنَّا تُسْحَرُونَ }. وقال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ }. ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه. وفسر شركهم بعبادة غيره.

قال رحمه الله: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام، وقد رد عليهم أجمعين وكفّر كل أصنافهم، كما قال تعالى: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }. وقال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ }. ونحو ذلك في القرآن كثير. وبه يعلم المؤمن أن دعاء الأنبياء والصالحين كدعاء الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر، واتفاقهما في العلة التي هي دعاء غير الله.

وقال رحمه الله: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستغاثة والاستعانة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مرود على صاحبه، وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأليهه غير الله بذلك. قال تعالى: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } وقال { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها من دون الله: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.

وقال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية، وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا يكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه. انتهى.

فما استدل به الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على عرف أهل هذا الزمان ولغتهم واصطلاحهم في معنى التوسل هو مقتضى هذه الآيات، فأما التوسل الذي هو بلغة الصحابة والتابعين فهو التوسل بدعائهم وذلك في حياتهم، وأما بعد وفاتهم فهو من البدع المكروهة المذمومة المحرمة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل

وأما قوله "وأما الذين أجمعوا من المسلمين على التوسل إلى الله بالأنبياء والمرسلين لا يقصدون بذلك تأثير شيء بإيجاد نفع أو دفع ضرر، ولا يعتقدون ذلك ألبتة. جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، فلا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أولياء من دون الله فكيف يتجرؤن على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا }.

فالجواب أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، لقد والله أمكنت الرامي من سواء الثغرة. فإن قولك هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجؤون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ليقربوهم إلى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه. قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ }. وقال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }. وقال تعالى: { فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }

ومن المعلوم أن الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرين أن الله هو الخالق الرزاق المحيي المميت النافع الضار الذي يدبر جميع الأمور، ويعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده وأنه هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات. قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } فهم معترفون بهذا، ومقرون به لا ينازعون فيه. ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين كله لله.

فإذا عرفت أن هذا لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون هو توحيد الله تعالى، وأفعال العبد الصادرة منه كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع والخشوع والإنابة والتوكل والاستقامة والاستعانة والخضوع والتذرع والالتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه، وأن من صرف منها شيئا لغيره كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه أو لم يعتقد. فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم ذكرها، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلها وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية فعله ذلك تألها وعبادة وشركا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلا وتشفعا وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء.

إذا عرفت هذا فمن أنواع هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلا وتشفعا بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بحقه وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي كالملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أن يعتقد الإنسان في غير الله أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة. قال تعالى: { مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا } الآية. وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } فإذا ثبت في القلب أن الله عز وجل بهذه الصفات فوجب أن لا يستغاث إلا به، ولا يدعى إلا هو، ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك قال تعالى: { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا } فقال تعالى توبيخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير عليهم السلام لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } وقال تعالى: { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } الآية وقال: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ }.

ومن أنواع هذا الشرك التوكل والصلاة والنذر والذبح لغير الله. قال تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }. وقال: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ }. وقال: { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ }. وقال تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ والدَّمُ } -إلى قوله- { وَمَا ذُبِحَ }. وقال: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }. وقال: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ }.

ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة الصلاح والولاية، لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه، فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه، وتارة يسألون الله عند قبره.

ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب. ففي الصحيحين أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا، قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره. لكن كره أن يتخذ مسجدا". وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وقال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله زائرات القبور المتخذين عليها المساجد والسرج". [44] انتهى.

وأما قوله: ولا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله، فكيف يتجرءون على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا } الآية.

فالجواب أن يقال: إن دعوى من دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به ولجأ إليه ودعا الملائكة أنهم لا يتخذوه أربابا من دون الله ولا يعدون ذلك، لا تجدي هذه الدعوى شيئا، فإن الكفار كما تقدم بيان ذلك يزعمون أن الأنبياء والملائكة استقلوا بشيء من أفعال الربوبية، أو شاركوا الله في إيجاد شيء أو إعدامه أو ساووهم بالله في التدبير والنفع والضر والتأثير، ولكن لما أشركوهم مع الله في عبادته بالحب والخوف والتعظيم والرجاء والتوكل والاستغاثة والالتجاء والذبح والنذر وغير ذلك، كان ذلك كفرا وشركا بالله، فإن من أشرك مع الله في عبادة غيره فقد اتخذه ربا وإلها، ولذلك يحتج عليهم سبحانه بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما جحده من توحيد الإلهية.

ولما قال صلى الله عليه وسلم: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنهم لا يعبدوهم. قال: أليسوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه. قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم. فجعل صلى الله عليه وسلم طاعتهم في التحليل والتحريم التي هي أفعالهم بتعظيم أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله عبادة لهم مع الله.

ولهذا اجترأ الوهابية على تكفير من دعا غير الله واستغاث به ولجأ إليه، وصرف له شيئا من خالص حق الله، لأنه قد اتخذه ربا ومعبودا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

فصل

وأما قول الملحد: "فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ويدلك على ذلك أنك إذا استفسرت العامي عند نطقه بهذه الألفاظ الموهمة يبين لك معتقده بأن الله هو الفاعل للأشياء ولا مشارك له في إيجاد شيء".

فالجواب أن نقول: الكلام على هذا من وجوه:

الأول: أن طلب بعض العوام أو بعض الخواص من أهل القبور المعروفين بالصلاح من الأحياء والأموات، واعتقاد أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، وصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله عز وجل في الدعاء: هو اعتقاد كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم عليه ليكون الدين كله لله، وأن يخلصوا العبادة له، ويخلعوا الأنداد المدعوة من دونه، فمن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق فقد أشرك ذلك المخلوق في عبادة الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو رجلا صالحا أو غير ذلك.

الثاني: أن مجرد عدم التأثير والخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والطلب منه والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له وعنه، لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها يكون لله.

الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا، وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، مع أن العرف المعروف من لغة العرب في معنى التوسل بالأحياء التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بالأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن، وأما التوسل في عرف هؤلاء فهو دعاؤهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم، وهذا شرك وكفر وخروج من الدين بإجماع المسلمين المحكمين الكتاب والسنة.

وأما قول الملحد: "فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي".

فالجواب من وجوه:

الأول: أن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى فما معنى الإيهام؟

والثاني: لو سلم هذا الحمل لاستحال الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.

والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي أي التكرم مثلا، فما هو جوابكم فهو جوابنا.

والرابع: أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركا، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرا أم لا. انتهى.

فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب، فإنهم كانوا معترفين بأن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء، ولا أدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم، إلى أن يخلصوا العبادة لله، ولا يشركوا في عبادته أحدا سواه كان دعوى هؤلاء أن هذا من الألفاظ الموهمة، من الأوهام الموبقة.

قال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي رحمه الله في كتابه [45] في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وقد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفته لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } الآية إلى أن قال: وأما القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ }. { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث [46] فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلعة متصرفة { قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ }. قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره. انتهى.

والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الجواب، والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكين بحكم القرآن، المستجيبين لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان.

فصل

وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم بكيده أن قال: إن هؤلاء قوم صالحون، وعند الله مقربون، ولهم ما يشاؤون، ولهم الجاه الأعلى، والمقام الرفيع الأسنى، فمن قصدهم لا يخيب سعيه، ولا يطيش رأيه، وإن ببركتهم تدفع البليات، وتقضى الحاجات، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار، فتحط عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار إلى غير ذلك من الدلائل التي يملأ بها قلوب أهل الأماني بمثل هذه المعاني، فيتلاعب بعقولهم السخيفة، وآرائهم الضعيفة، ويحسّن لهم البدع والمنكرات، بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات، ويحثهم على التقرب إلى أهل القبور بما يقدرون عليه، من النحر والنذور والطواف والتزين بالزين المحرمة من القصب والذهب والفضة وتعليق القناديل وإيقاد شموع العسل وتصفيح الجدران والأعتاب والسنون والأبواب بالفضة والذهب وغيرهما مما يجاوز الحساب ويفهمهم أنهم كلما ازدادوا في مثل ذلك أحسنوا كل الإحسان، فدخلوا الجنان، ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم فدعاهم إلى أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء، والشفاء من عضال الداء فأجابوه إلى ما دعاهم مسرعين، وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم الحياة لأولادهم، فتراهم يقولون: قد علقنا أولادنا عليهم، ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيما، والشفاء إذا كان سقيما، وكثيرا مما يطلب منهم منصبا فيه أخذ أموال العباد، والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدا أن من لازمهم قضيت حاجته، ونجحت سعايته، واقترنت سعادته. وإذا فتحت أبواب بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلاة المطرزة، وفاحت تلك الأرواح المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرعب ما لا يجد أدنى معشار جزء عشره بين يدي خالق السموات والأرضين وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعا ذليلا متواضعا لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، فأقسم بالله أنه لم يتصوره بشر قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه لو خطرت له وهو عنده في تلك الحضرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا خيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم، قد تنقص الأولياء وهضمهم مرتبتهم عن السمو والارتقاء، ولو ذهبنا نذكر أفعالهم وأقوالهم لطال الجواب، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصل

قال الملحد: "وإنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحان". [47]

فالجواب: أن نقول هكذا كان مشركو العرب الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ويعلمون أن الله تعالى هو النافع الضار وأن الله سبحانه هو المؤثر، وأن غيره لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جعلوا بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله تعالى فلم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية.

وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله لما سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من وساطة بيننا وبين الله تعالى فإنا لا نقدر على أن نصل إليه بغير ذلك فما معنى الوساطة؟ وهل التوسط عام في كل شيء يوجده الله تعالى أم في ذلك بيان وتفصيل؟.

فأجاب رحمه الله ورضي عنه بقوله: الحمد لله إن أراد بذلك أنه لا بد من وساطة تبلغ أمر الله تعالى فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر الله به ونهى عنه، وما أعد لأوليائه من كرامته، وما أوعد به أعداءهم من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا التي تعجز العقول عن الإحاطة بها، إلى أمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.

والمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم ضالون وعن ربهم محجوبون قال تعالى: { يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }. وذكر آيات في المعنى، ثم قال رحمه الله: وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونهم ذلك ويرجونهم فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله تعالى له فيها قال الله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ }، وقال: { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } وقال تعالى: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } -وساق آيات في المعنى- إلى أن قال: وقال تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } فبين سبحانه وتعالى أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وقال تعالى: { لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقال تعالى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } وقال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } وقال تعالى: { مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } وقال تعالى: { قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ }. ومثل هذا في القرآن كثير. ومن سوى الأنبياء من مشايخ العلم والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، إلى أن قال: وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

قلت: وهذا عين كلام الشامي فإنه زعم أن الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحانه، والشيخ رحمه الله هنا وفي جميع كلامه جزم بأن فاعل ذلك كافر مشرك يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل.

ثم قال الشيخ: وهؤلاء المشبهون يشبهون الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة:

إما لإخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن قال: إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.

الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، ودفع أعاديهم إلا بأعوان يعينونه، فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل. قال تعالى: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } وقال تعالى: { وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم، وهم في الحقيقة شركاؤهم.

والله سبحانه ليس له شريك في الملك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، فإن من يشفع عند غيره بغير إذنه، فهو شريك في حصول المطلوب؛ لأنه أثّر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلبه منه. والله سبحانه وتعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.

ويسمى الشفيع شفيعا؛ لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعا، قال تعالى: { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه. والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه.

الوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج. فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعطفه، أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت أداة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه. والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على أيدي بعضهم، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له " [48] والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، قال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى } وقال تعالى: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك أو يكون شريكا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرا لهم معاونا على ملكه، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك والملك يقبل شفاعتهم تارة على إنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إن لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، وأن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد لبعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني. قال تعالى: { أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } إلى قوله: { قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } وقوله: { وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ } استفهام استنكار أي ليس متبع الذين يدعون من دون الله شركاء حجة ولا برهانا، ما يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، بين تعالى أن من دعا من دون الله شركاء فليس معه علم، ليس معه إلا الظن والخرص والظن المقرون بالخرص هو ظن باطل غير مطابق للحق؛ فإن الخرص هنا بمعنى الكذب كقوله تعالى: { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } ومن ظن أن " ما " هنا نافية فقد فسر الآية بما هو خطأ كما قد بسط في غير هذا الموضع، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين. قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقال عن صاحب يس: { وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي }، وقال تعالى: { فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وأخبر عن المشركين أنهم قالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } وقال تعالى: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }. وقال: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } فأخبر أن من يدعي من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، وأنهم يرجون رحمته ويخاف عذابه، ويتقربون إليه فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسيط الملائكة والأنبياء.

إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله تعالى وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائط يتقربون بها إلى الله تعالى، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }. ثم ذكر آيات في المعنى. [49]

وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال لما قدم العهد ونسي العلم واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى ونشئوا على ذلك.

فصل

وأما قوله: "ولكن مع ذلك علينا أن نأمر العامة الأدب بالتوسل بأن يكون بالألفاظ التي ليس فيها إيهام، وذلك كأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا وكذا وتدفع عني كذا وكذا إلى آخر مطلوبه، ولا يصح لنا أن نمنعه من التوسل مطلقا لما قدمنا من الآيات، ولما يأتي من الأحاديث، والإجماع فنعوذ بالله من طمس عين البصيرة { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }.

فالجواب أن نقول: إن قول القائل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بالنبي وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا وكذا قول مبتدع محرم منهي عنه في أصح القولين عند الحنابلة، وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم. بل ذكر شيخ الإسلام في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجزم بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث.

ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وذكر الملا في شرح التنوير على التتارخانية عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله سبحانه إلا به - أي بالله سبحانه.

وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وعللوا ذلك كلهم بقولهم: إنه لا حق للمخلوق على الخالق. انتهى.

ولكن هؤلاء الغلاة مع كونهم مبتدعين هم مع ذلك يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين ويلجؤون، وقد كان من المعلوم عند جميع أهل السنة والجماعة من جعل الأنبياء والأولياء والملائكة وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين. والله الهادي إلى الصواب.

فصل

قال الملحد: "الباب الثاني بذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم: أخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي في الدلائل والدعوات وصححه وأبو نعيم في المعرفة عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله لي أن يعافيني. قال: إن شئت أخرت ذلك وهو خير لك، وإن شئت دعوت الله تعالى. قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم شفعه في" ففعل الرجل فقام وقد أبصر".

والجواب أن يقال: هذا الحديث غير محفوظ، وفيه مقال مشهور وفي سنده أبو جعفر عيسى بن أبي عيسى بن ماهان الرازي التميمي. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: الأكثرون على ضعفه، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط، وقال مرة: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال القلانسي: سيء الحفظ، وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال الحافظ في التقريب أيضا في ترجمة الرازي: التميمي مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى بن عبد الله ماهان، وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة مات في حدود الستين انتهى.

وعلى تقدير صحته وثبوته فلا يدل على ما توهمه هذا الملحد. وببيان معنى الحديث يعلم أن ما توهمه هؤلاء الغلاة غير صحيح. فقوله: "اللهم إني أسألك" أي أطلب منك، وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعا منه لكون التعليم من قبله، وفي ذلك قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الله تعالى الملك المتعال، ولكنه توسل بالنبي بدعائه؛ ولذلك قال في آخره: "اللهم فشفعه فيّ" إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعا، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله "نبيك" كاف في إفادة هذا المعنى. فقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" قال الطيبي: "الباء في بك للاستعانة" وقوله: " إني توجهت بك " بعد قوله: " أتوجه إليك " فيه معنى قوله: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } فيكون خطابا لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه فكأنه استحضره وقت ندائه.

وقال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره، وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول قوله "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وبشفاعته، كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا". فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد. ثم قال: "يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه فيّ" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. وقوله: "يا محمد يا نبي الله" وهذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب، فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا منه ولا من السائل بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه، وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.. إلى آخر ما قال، انتهى.

فإذا عرفت هذا فليس في حديث الأعمى ما يدل على التوسل به ودعائه والإلتجاء إليه بعد وفاته، وإنما فيه أنه توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألونه الاستغفار والدعاء وقد قال تعالى: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } وقال تعالى حاكيا عن المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك، فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم.

وأما قوله: "وليس لمانع التوسل أن يخصه بقبل وفاته صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابة استعملوه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم".

فالجواب أن هذا كذب على الصحابة رضي الله عنهم، فإن الصحيح الثابت عنهم التوسل به في حياته بدعائه، وأما بعد وفاته فلم يكن يفعل ذلك أحد منهم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس فقال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون " فقد بين عمر رضي الله عنه، أنهم كان يتوسلون به في حياته فيسقون، وذلك التوسل أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه، فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه، فلما مات توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقونه بعد موته، ولا في مغيبه، ولا عند قبره.

وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم: "إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك إلى الله" فرفع يديه ودعا فسقوا.

ولذلك قال العلماء: يستحب أن يستسقي بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي الصالح بعد موته، ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك لا في الاستسقاء ولا في غيره من الأدعية، والدعاء مخ العبادة، والعبادة مبناها على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع قال الله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقال تعالى: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء والطهور" انتهى.

وأما قوله: "فقد أخرج البيهقي وأبو نعيم في المعرفة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف وشكى إليه ذلك.فقال: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، واذكر حاجتك، ثم رح حين أروح، فانطلق الرجل وصنع ذلك، ثم أتا باب عثمان فجاء البواب فأخذه بيده وأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطنفسة فقال: "انظر ما كان لك من حاجة" ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: "جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته" قال: ما كلمته، ولكن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له أوتبصر، قال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال: "ائت الميضاة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم إن أتوجه بك إلى ربي ليجلي بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر" انتهى من شرح الخصائص.

فالجواب: إن في سند هذا الحديث مقالا، وقد رواه الطبراني وفي سنده روح بن صلاح وقد ضعفه ابن عدي، بل قد قال بعضهم إن إمارات الوضع لائحة عليه. فكيف يعارض جميع كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟ وهل سمعت أحدا منهم جاء إليه بعد وفاته إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم حريصون على مثل هذه المثوبات، لا سيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها تتشبث بكل ما تقدر عليه، فلو صح عند أحدهم أدنى شيء من ذلك لرأيت أصحابه يتناوبون قبره الشريف في حوائجهم زمرا زمرا، خصوصا في الفتن الكبار التي جرت بزمنهم وبصدهم على الإسلام والمسلمين، ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولا وسّع الله طريقا لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء علماء الدين. نعم كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي القبر المكرم ويقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت" ثم ينصرف، وكذلك أنس وغيره، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة.

ثم اعلم أن هذا الحديث مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد".

وأما دعوى هؤلاء الغلاة أن الصحابة استعملوا هذا الدعاء بعد وفاته فإن هذا مما يعلم بالضرورة أنه من الكذب على الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان هذا الاستعمال صحيحا لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، ولما عدل الفاروق إلى التوسل بدعاء العباس ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، ولكان يمكنهم لو كان هذا الحديث صحيحا معروفا عندهم أن يتوسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يطلبون من العباس أن يدعوا لهم، ومما يوضح لك الأمر أن هذا الحديث غير صحيح أن رواته مختلفون في متنه وسنده، مع أنه لم يذكر في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذكره مثل البيهقي والطبراني والترمذي وأبي نعيم، وهؤلاء يذكرون مثل هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة على وجه التنبيه، وقد رأى علماء الإسلام الجهابذة النقاد ظلمات الوضع لائحة عليه فأعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه والله أعلم.

فصل

قال الملحد: وفي حاشية العلامة ابن حجر على الإيضاح للنووي ما نصه: "وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فجاءه في النوم وأخبره أنهم يسقون فكان كذلك" انتهى.

فالجواب أن يقال:

هذا الحديث الذي ذكره هذا الملحد في حاشية ابن حجر على الإيضاح للنووي قد رواه البيهقي وابن أبي شيبة عن بلال بن الحارث وليس فيه دلالة على جواز دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل به والإلتجاء إليه والإستغاثة به، بل هو من جنس المنامات التي لا يعتمد عليها في الأحكام ولا يثبت بها حكم شرعي.

وأيضا ففي هذا الحديث مقال مشهور، قال الحافظ في الفتح: وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار - وكان خازن عمر رضي الله عنه - قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه سلم في المنام، فقيل له ائت عمر" الحديث، وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة. انتهى.

فعلم أن ما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة، وما فيه أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف، قال الذهبي في الميزان: سيف بن عمر الضبي الأسدي، ويقال التميمي البرجمي، ويقال السعدي الكوفي مصنف الفتوح والرواة وغير ذلك هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين، كان أخباريا عارفا، روى عنه جبارة بن المغلس، وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي، وجماعة، قال عباس عن يحيى: ضعيف، وروى مطّين عن يحيى: فلس خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، قال مكحول البيروني: سمعت جعفر بن أبان، سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبي تميمي كان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم، كان سيف يضع الحديث، وقد اتهم بالزندقة. انتهى ملخصا.

قال الحافظ في التقريب: سيف بن عمر التميمي صاحب الردة، ويقال له الضبي، ويقال غير ذلك الكوفي، ضعيف في الحديث، عمدة في الأخبار، أفحش ابن حبان القول فيه. انتهى.

وقال الذهبي في الكاشف: قال ابن معين وغيره ضعيف. وقال في الخلاصة: سيف بن عمر الأسدي الكوفي، صاحب الردة، عن جابر الجعفي، وأبي الزبير، وعنه محمد بن عيسى الطباع، وأبو معمر الهذلي ضعفوه. انتهى.

فهذا ما قيل في حديث بلال بن الحارث الذي رواه البيهقي وابن أبي شيبة فإن كان الذي رواه الحافظ في الفتح وعلى الإيضاح للنووي ففيه ما قال الحافظ من المقال آنفا وإن كان غير ذلك فغاية ما فيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يأمر أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس وهذا ليس من هذا الباب الذي نحن بصدد الكلام فيه فإن هذا قد يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام: وأيضا ما يروي أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجة فتقضي له فإن هذا قد وقع كثيرا وليس مما نحن فيه.

وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين ليس هو مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل. وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين في الحياة كانوا كذلك وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا. انتهى.

وهذا الحديث على تقدير ثبوت صحته لا يدل على ما يتوهمه هذا الملحد غاية ما فيه أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لأمته فأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فكان المستسقي بالناس عمر لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبين من هذا أنه لا تطلب السقيا إلا من الحي بدعائه لا من الميت لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك وخروج عمر بالصحابة يستسقون فسقوا. والله أعلم.

فصل

قال الملحد: "وأخرج البيهقي والحاكم والطبراني في الصغير وأبو نعيم وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفر لي " فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك".

والجواب أن يقال: هذا حديث ضعيف بل موضوع، فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه، قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري، عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الله بن زيد بن أسلم خبرا باطلا فيه يا آدم لولا محمد ما خلقناك. رواه البيهقي في دلائل النبوة.

قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لا أعرفهم، انتهى.

وذكر الحافظ ابن عبد الهادي عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه قال فيه: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح.

وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم.

وقال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه.

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه، لا شيء.

وقال أيضا في الصارم المنكي: وإني أتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: "ولولا محمد ما خلقناك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو ضعيف الإسناد جدا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد صحيحا بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضا فاحشا كما عرف له ذلك في غير موضع، فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. قال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدا، والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديثا واحدا من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" انتهى.

فتبين من كلام العلماء حملة السنة، وأهل الجرح والتعديل الذين حفظ الله بهم الدين عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الزائفين أن هذا الحديث موضوع مكذوب لا يعتمد عليه، وأقل أحواله أن يكون ضعيفا، ولا نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا نجزم بصحته وثبوته، وإن كان قد صححه الحاكم فالجرح مقدم على التعديل، مع أنه قد قال في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما قال، فنأخذ بقوله مع أقوال أئمة هذا الشأن، ولا نأخذ بغلطه وخطئه فيما أخطأ فيه.

إذ عرفت هذا وتحققته فالصحيح المأثور عن أئمة التفسير على قوله تعالى: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } أن هذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } وهذا مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد.

وعن ابن عباس قال: علم شأن الحج. وعبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: "يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي"؟ قال: بل كتبته علي قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل كتبته عليك قبل أن أخلقك قال فكما كتبته علي فاغفر لي، قال: فذلك قوله: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ }.

وعن ابن عباس قال آدم عليه السلام: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى. ونفخت في من روحك؟ قيل بلى وعطست، فقلت: يرحمك الله وسبق رحمتك غضبك؟ قيل: بل. وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد. ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم حديثا مرفوعا شبيها بهذا. وعن مجاهد قال: الكلمات "اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم".

هذا ما عليه المفسرون، لا ما قاله هذا الأحمق، فإن بعض من لا بصيرة له قد ذكره فالحجة فيما ثبت عن الصحابة، وعن سلف الأمة، وأئمتها، ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة، أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والترجيح. انتهى.

وأما قول هذا الملحد: "قال في المواهب اللدنية: روي أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبا على ساق العرش، وعلى كل موضع في الجنة اسم محمد صلى الله عليه وسلم مقرونا باسمه تعالى، فقال: يا رب هذا محمد من هو؟ قال الله: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد. فنودي يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السموات والأرض لشفعناك".

فالجواب أن نقول: هذا من نمط ما قبله من الموضوعات المكذوبات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، ولا رواها أحد ممن يعتمد عليه من الأئمة، فلا يلتفت إليه، ولا يعول في الحكم عليه، والله أعلم.

وأما قوله: "ولله در من قال:

وكان لدى الفردوس في زمن الصبا ** أثواب شمل الأنس محكمة السدى

يشاهد في عدن ضياء مشعشعا ** يزيد على الأنوار في الضوء والهدى

فقال: إلهي ما الضياء الذي أرى ** جنود السماء تعشو إليه ترددا

فقال: نبي خير من طئ الثرى ** وأفضل من في الخير راح أو اغتدى

تخيرته من قبل خلقك سيدا ** وألبسته قبل النبيين سؤددا

وأعددته يوم القيامة شافعا ** مطاعا إذا ما الغير حاد وحيدا

فيشفع في إنقاذ كل موحد ** ويدخله جنات عدن مخلدا

وإن له أسماء سميته بها ** ولكنني أحببت منها محمدا

فقال: إلهي امنن علي بتوبة ** تكون على غسل الخطيئة مُسعدا

بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ** خصصت بها دون الخليقة أحمدا

أقلني عثاري يا إلهي فإن لي ** عدوا لعينا جار في القصد واعتدا

فتاب عليه ربه وحماه من ** جناية ما أخطاه لا متعمدا

والجواب ومن الله أستمد الصواب:

أقول لعمري ما لهذا حقيقة ** ولو صح هذا القول أو كان مسندا

لما طعن الحفاظ فيه وأوهنوا ** أسانيده حتى غدا واهيا سدا

ولو صح هذا في فضائل أحمد " ** لكان به الحفاظ أولى وأسعدا

فما كان في الفردوس آدم في الصبا ** يشاهد في عدن ضياءا ممددا

يزيد على الأنوار نور ضيائه ** جنود السماء تعشو إليه ترددا

فقال: نبي خير من وطئ الثرى ** وأفضل من في الخير راح واغتدى

فلم ير في الفردوس هذا ولم يقل ** إلهي ما هذا الضياء الذي بدا

نعم كان في المعلوم أن نبينا ** محمد المعصوم قد كان أوحدا

فليس له في الخلق حتما مما ثلا ** يماثله في الفضل والجود والندا

ولكنه ما قيل هذا لآدم ** فننفي الذي ما قيل والفضل قد بدا

ولا قال في الفردوس يوما لآدم ** تخيرته من قبل خلقك سيدا

وأعددته يوم القيامة شافعا ** وألبسته قبل النبيين سؤددا

ولا قال في الفردوس يوما لآدم ** يخاطبه فيها خطابا مؤكدا

وإن له أسماء سميته بها ** ولكنني أحببت منها محمدا

فقال إلهي أمنن علي بتوبة ** تكون على غسل الخطيئة مسعدا

بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ** خصصت بها دون الخليقة أحمدا

فكل الذي قد قال ما صح نقله ** ولا قيل في الفردوس هذا ولا بدا

وسيدنا المعصوم أفضل خلقه ** ولا شك في هذا الذي من تسودا

فكان لعمري سيدا ذا جلالة ** ببعثته زال الظلام وأبعدا

ومات ودين الله للناس واضح ** ومهيعة قد كان نهجا معبدا

وغادر في أتباعه النور فاهتدى ** فكانوا على هذا الضياء وفي الهدى

فكان لهم يوم القيامة شافعا ** لإخلاصهم في الدين إذ كان أحمدا

وأعداؤه في ظلمة الكفر والهوى ** قد انهمكوا في الغي والجهل والردى

فليس لهم يوم القيامة شافعا ** لإشراكهم جهلا وإلا تعمدا

فدع ذا ولا يغررك ألوان وشيه ** فليت لعمرو الله محكمة السدى

فذاك من الموضوع إذ كان لم يكن ** رواه عن الأعلام من كان سيدا

فسيدنا المعصوم أكمل خلقه ** وأكرمهم بيتا ونفسا ومحتدا

وإن له فضلا عن الناس كلهم ** يزيد على هاذي الأقاويل مسندا

رواه عن المعصوم حفاظ دينه ** ومنهم به كانوا أحق وأسعدا

وأعظم مما قاله الكسم والذي ** روى عنه المعصوم درا منضدا

ففيما روى الحفاظ في حق أحمد ** من الفضل ما يغني أولي الدين والهدى

عن الكذب الموضوع والحق واضح ** وإن ير ذا الحق من كان أرمدا

وخال سفاها أن ما قال فرية ** مجاوزة للحد أهدى وأرشدا

لعمري لقد أخطأ من الحق مهيعا ** سويا سميا مستقيما ممهدا

وأم طريقا مظلما غير ناصع ** ولا مستقيم قد غلا فيه واعتدا

لعمري لقد أعطاه ربي فضائلا ** وخص بها الرحمن فضلا محمدا

فأعطى لواء الحمد والكوثر الذي ** حباه إله العرش حقا وأصعدا

وإن له حوضا هنيئا شرابه ** به يشرب السني كأسا منددا

وأحلى من الشهد المصفي عذوبة ** وعنه ينحى من عتا وتمردا

ويشفع في يوم القيامة للورى ** ليحكم بين الخلق ذو العرش بالهدى

ويقعده فوق عرشه ** كما جاء هذا في الأحاديث مسندا

فيغبطه كل الخلائق جملةسبحانه ** بما قد حباه الله فضلا واصعدا

وقد خصه المولى بما لم نحط به ** ونحصيه علما أو حسابا محددا

فدع عنك ما قال الغلاة وإن رووا ** بذلك أخبارا ودرا منضدا

فأخبارهم موضوعة ونظامهم ** لعمري إلهي باطل واهي السدى

فصل

قال الملحد: "وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك" رواه ابن ماجة ورواه ابن السني بإسناد صحيح عن بلال".

والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف، رواه عطية العوفي وفيه ضعف.

قال شيخ الإسلام: ولكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به والتوجه والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". [50] والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. إلى آخر كلامه رحمه الله.

فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم، وسؤاله بحق الطائعين إثابتهم، فيكون السائل بهذين سائلا بصفات الله، فإن الإجابة والإثابة من أفعاله وأقواله سبحانه وتعالى، وسؤال الله بأسمائه وصفاته والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: "دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". رواه الترمذي وأبو داود. إلى غير ذلك من الأحاديث. وكذلك التوسل بالأعمال الصالحة كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها" الحديث متفق عليه.

فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعوه من التوسل بذوات الأنبياء والأولياء والصالحين، فضلا عن دعائهم والاستغاثة بهم والإلتجاء إليهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأما قوله: "ومما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من التوسل قوله: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" إلى آخره.

فالجواب أن هذا من نمط ما قبله، وقد تقدم الكلام على جنسه، وفي سند روح بن صلاح المصري، ضعفه ابن عدي، وتصحيح الحاكم لن يجدي شيئا، وقد تقدم عن أهل العلم أنه لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وقد روى فيه لجماعة من المجروحين في كتابه في الضعفاء. انتهى.

وأما رواية الطبراني له، فيقال لهذا الملحد: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها! هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد.

وقال شيخ الإسلام: قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه، إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة لم يعلموا ما دل عليه، ثم لو سلمنا صحته أو حسنه ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك إلى آخره، وأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم، وخرج عما جاؤوا به من التوحيد والشرع.

قال شيخ الإسلام: فإذ قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب. انتهى.

فصل

قال الملحد: وفي الأذكار للنووي ما نصه: روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا، فإن لله عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسه".

والجواب أن يقال: هذا حديث فيه مقال، فإن فيه ابن حسان وهو ضعيف قال الذهبي في الميزان: معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر قال ابن عدي: منكر الحديث قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة.

وعلى تقدير صحته إنما يفيد نداء حاضر، كنداء زيد عمرا مثلا ليمسك دابة أو ليرجعها، أو ليناوله ماء أو طعاما، أو نحو ذلك، وهذا مما لا نزاع فيه، غاية ما في الباب أن عمروا مثلا محسوس، وهؤلاء لا يرون لأنهم إما مسلمو الجن أو ملائكة مكلمون، لا نداء على شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والمشايخ؟ والمقصود أنه ليس في الحديث إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه وذلك لا ننكره.

وأما قول هذا الملحد: "وأما ما تمسك به الوهابية من قوله لابن عباس: "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو جهدت على أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك " فلا يدل على عدم التوسل؛ لأن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ولا استعان إلا به، مع اعتقاده بأن النفع والضر صار منه سبحانه وتعالى".

فالجواب أن نقول: نعم هذه كانت حال "الوهابية" فإنهم كانوا يتمسكون بكتاب الله، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملون به، ويتركون ما خالف الكتاب والسنة ويعملون بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، ولا يحدثون في دين الله ما لم يشرعه الله ورسوله، فهم بخلاف من نبذ كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو جهد أعداء الله ممن خالف الوهابية أن يستدركوا على الوهابية في أصول الدين وفروعه أنهم استدلوا على ما يذهبون إليه بحديث موضوع أو ضعيف لا يصح الاحتجاج به لما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم.

وهذا الحديث خرجه الترمذي من حديث حنش الصنعاني عن ابن عباس وقال حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني، وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمر بن دينار وعبيد الله بن عبد الله وعمر مولى عفرة وابن أبي مليكة وغيرهم.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث: وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" هذا منتزع من قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخ العبادة" فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، وأما السؤال فقد أمر الله بسؤاله، فقال: { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: " اسألوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل " وفيه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وفي حديث آخر: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسعا نعله إذا انقطع".

وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط السوط وخطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه، وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود: "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن بني فلان أغاروا علي فذهبوا بابني وإبلي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن آل محمد كذا وكذا وأهل بيت ما لهم مدّ من طعام أو صاع، فاسأل الله عز وجل"، فرجع إلى امرأته فقالت: ما لك؟ فأخبرها فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد الله عليه إبله وابنه أوفر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة إليه وقرأ { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }.

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يقول: "هل من داع فأستجيب له دعاءه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له"؟ وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: " ن ذا الذي دعاني فلم أجبه، ويسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم أغفر له، وأنا أرحم الراحمين". انتهى.

وأما قوله: "فلا يدل على عدم التوسل، لأن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله، ولا استعان إلا به، مع اعتقاده بأن النفع والضر صادر منه سبحانه وتعالى".

فالجواب أن نقول: أما دعواه أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ولا استعان إلا به فمن أقبح الكلام، وأبطل الباطل، وأمحل المحال، وهو مصادم لقوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإن تقديم المفعول وهو "إياك" وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبريء من الشرك، والثاني التبريء من الحول والقوة، فقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا ولا غيرهما، فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، وقوله: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } هذا فيه سؤال الله الإعانة وهو التوكل والتبريء من الحول والقوة، وفرق بين سؤال الله وسؤاله برسوله، ومن قال: إن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله، ولا استعان إلا به لم يفرق بين الخالق والمخلوق، والمسؤول والسائل، وهذا هو حقيقة مذهب الاتحادية، وكفى بسلوك طريق أهل الوحدة ضلالا وخروجا عن الصراط المستقيم.

وإن كان أراد هذا الملحد أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل ولا استعان إلا بالله، يعني أن المسؤول والمستعان به في الحقيقة هو الله، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو واسطة بينه وبين السائل المستعين، فهو سبحانه وتعالى المسؤول المستعان به حقيقة منه بالخلق والإيجاد، والنبي صلى الله عليه وسلم مستعان مسؤول منه بالكسب والتسبب العادي، فإن كان أراد هذا فهذا هو فعل المشركين الذين بعث الله فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد النافع الضار، وأما الأصنام وغيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين، فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والنذر والذبح والاستغاثة والسؤال والاستعانة والاستعاذة كلها من أقسام العبادة، وإذا حملتم لفظ الدعاء والاستغاثة والاستعانة والنحر والنذر التي هي من أقسام العبادة على معناها المجازي، فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذي حكا الله تعالى عنهم حيث قال سبحانه وتعالى: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } فما وجه الفرق وأنى ذلك.

فإذا عرفت هذا فاعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدر المسؤول على دفع الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودفع المضار، لا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة.

وكان الإمام أحمد رحمه الله يدعو ويقول: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك " كما قال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } وقال: { مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِه } والله تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤالهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أن يسأل، ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته، ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: " ويحك تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح له بابه نصف الليل نصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني استجب لك! " وقال طاووس لعطاء: " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله، ووعدك أن يجيبك "، وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولا. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه" ومن كلام بعض السلف: "يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين لغيرك" انتهى.

فصل

قال الملحد: "الباب الثالث: في أقوال العلماء العاملين الذين هم أئمة الدين بالتوسل بالأنبياء والصالحين، وفي الخصائص: واختص أيضا بجواز القسم به على الله الكريم المنعم، واختص صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به، وفي المواهب اللدنية قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما اختص به لعلو درجته ومرتبته". انتهى.

والجواب أن يقال: إن مسألة التوسل بالأنبياء والصالحين قد نص على المنع منها جمهور أهل العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجزم بذلك بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، ولم يجز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بالأنبياء والصالحين أحد ممن يعتد به ويقتدى به كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أهل العلم والحديث.

قال شيخ الإسلام: بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين: أصحهما أنه نهي تحريم، ولم ينازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، وبعض أصحابه كابن عقيل طرد الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة، وهذا هو الصواب، والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ينبني على هذا الأصل، ففي هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في منسك المروذي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا.

ثم قال هذا الملحد: وخالف في ذلك بعضهم، فجوز القسم على الله تعالى بكل نبي، بل جوز بعضهم التوسل بالصالحين، حتى قال الأستاذ أبو العباس المرسي الشاذلي: من له حاجة إلى الله تعالى فليتوسل في قضائها بأبي حامد الغزالي.

فالجواب أن نقول: لا يجوز الإقسام على الله بخلقه لا الأنبياء ولا غيرهم باتفاق الأئمة، كما حكاه شيخ الإسلام آنفا، وحكى الخلاف في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قال: وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعا، بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما تقدم بيانه مرارا.

وأما قول الشاذلي: "من كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي حامد الغزلي" فأقول: قد كان من المعلوم أن الشاذلي هذا من الغلاة، وليس من أهل العلم المعروفين بالصلاح والدين، ولا من حملة سنة سيد المرسلين، بل من الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين، فلا حجة في قوله. وقد تكلم العلماء في أبي حامد الغزالي، فقال الفقيه ابن العربي المالكي: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن الخروج. هذا كلام تلميذه وهو أعرف الناس به، وقال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على بسيط الأرض أكذب منه، شبكه بمذاهب الفلسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، زعموا أن المعجزات حيل ومخاريف. انتهى.

فإذا كان هذا كلام العلماء في أبي حامد، مع أنه لو كان سالما من القول المذكور، وكان في درجة أحد من الصحابة أو أفاضل التابعين والأئمة المقلدين لم يكن التوسل به جائزا بعد مماته، وأنه يقضي حاجة من سأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وقد منع العلماء ذلك في حق جميع الأنبياء، فضلا عمن دونهم، ووقع النزاع في الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم على القول بصحة الحديث، ولا يصح، فكيف الحال بالشاذلي الذي يدعو الناس إلى التوسل إلى الله في قضاء حوائجهم بأبي حامد وقد عرفت ما يعنون هؤلاء الغلاة بالتوسل أنه دعاء الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من طلب الحوائج، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، والاستغاثة بهم في جميع الطلبات، وقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا حامد الغزالي رجع عن مقالاته، وندم على هفوات ورطاته، ومات والبخاري على صدره، فيكون المقصود بالكلام رد ما في كلامه من الباطل، وإبطال قول من زعم أن من كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي حامد، لأن العلماء قد منعوا من ذلك في حق من هو أفضل منه، فكيف به وبأمثاله.

فصل

قال الملحد: " قال السبكي: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثلة". انتهى.

والجواب أن يقال قد تقدم الكلام على التوسل؛ وما يراد به في لغة الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين؛ وما يراد به في عرف هؤلاء الغلاة المنحرفين؛ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا؛ ويسعون في الأرض فسادا؛ والله لا يحب المفسدين.

وأما الاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ فروى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله " فقوله: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق لأنه صلى الله عليه وسلم يقدر على كف أذاه. وأما قوله: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله. فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا من دونه؛ كره صلى الله عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في حقه؛ وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد؛ وسدا لذرائع الشرك؛ وأدبا وتواضعا لربه؛ وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته؛ ويطلب منه أمورا لا يقدر عليها إلا الله عز وجل؛ ومن المعلوم بالضرورة أن الإستغاثة هي طلب الغوث؛ وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصر؛ والاستعانة: طلب العون؛ وقال أبوعبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث؛ وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين؛ ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وقال الشيخ أبو عبد القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وفي دعاء موسى عليه سلام " اللهم لك الحمد؛ وإليك المشتكى؛ وأنب المستعان؛ وبك المستغاث؛ وعليك التكلان؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله " ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق وكان مختصا بالله صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله؛ وكذلك الاستغاثة أيضا منها ما لا يصح إلا لله وهي المشار إليها بقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله.

وقال ابن القيم رحمه الله: ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم؛ وهو أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله؛ وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه؛ والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه؛ وإنما السبب كمال التوحيد؛ فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها؛ وهذه حالة كل مشرك؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود؛ وتغيير دينه؛ ومعاداة أهل التوحيد؛ ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات؛ وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك؛ أولياءه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم؛ وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص؛ إذا ظنوا أنهم راضون منهم بهذا؛ وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه؛ وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان؛ وما أكثر المستجيبين لهم؛ وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد وتوحيده لله؛ وعادى المشركين في الله؛ وتقرب بمقتهم إلى الله؛ واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده؛ فجرد حبه لله؛ وخوفه لله؛ ورجاءه لله؛ وذله لله؛ وتوكله على الله؛ واستعانته بالله والتجاءه إلى الله؛ واستغاثته بالله؛ وقصده لله؛ فهو لله؛ وبالله؛ ومع الله انتهى.

وأما قوله: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثله".

فأقول: إن هذا الكلام من لا يخاف الله ولا يتقيه؛ فإنه قد كذب في ما قاله؛ وافترى وقد خاب من افترى؛ وأكمل الناس وأكرمهم على الله سيد ولد آدم أنكر هذا؛ وقال: " إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله؛ وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" ولو كان عند هذا الرجل من الدين ما يزعه؛ ومن الحياء ما يردعه؛ ما فاه بهذه المخرقة؛ فإنه قد سبق شيخ الإسلام على ذلك الأئمة الأعلام سلفا وخلفا؛ وما خالفهم في ذلك إلا كل من لا يعتد به؛ ولا يعتمد عليه في الخلاف والوفاق؛ وقد تقدم كلام أبي عبد الله الحليمي؛ وكلام أبي يزيد البسطامي؛ وأبي عبد الله القرشي؛ وكلام العلماء في ذلك سلفا وخلفا كثير جدا لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته؛ وقد اشتهر وظهر عند الخاص والعام.

من عدل شيخ الإسلام وإنصافه أن ليس عنده في مسائل الفروع ميل إلا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة؛ وإذا ذكر المسألة فإنه يذكر فيها مقالات الأئمة الأربعة وأصحابهم وغير أصحابهم ممن بعدهم أو قبلهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ ويذكر دليل كل قول وتقريره على وجه لا يكاد يوجد في الكتب المصنفة لهم؛ فكيف في مسائل أصول الدين التي ليس بين الأمة في مسائلهما المشهورة خلاف؛ وإنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع؛ وهو من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها.

قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرا إلهيا وكرما ونصحا للأمة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته؛ وخرج ونظر في الرجال والطبقات؛ وحصل ما لم يحصله غيره؛ وبرع في تفسير القرآن؛ وغاص في دقائق ومعانية بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال؛ واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها؛ وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث؛ مع شدة استحضاه له وقت الدليل؛ وفاق الناس في معرفة الفقه؛ واختلاف المذاهب؛ وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وأتقن العربية أصولا وفروعا؛ ونظر في العقليات؛ وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم؛ ونبه على خطئهم؛ وحذر منهم؛ ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأوذي في الله تعالى من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة المحفوظة؛ حتى أعلى الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له؛ وكبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا من أهل الملل والنحل؛ وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالبا وعلى طاعته؛ وأحيا به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم؛ خصوصا في كائنة التتار؛ وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي؛ فلو حفلت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله؛ وأنه ما رآى هو مثل نفسه لما حنثت.

فانظر إلى ما قاله هذا الإمام المنصف من أنه من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها؛ وأنه يصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأنه أوذي في الله تعالى؛ ومن جعلتهم هذا الرجل لأنه من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة حتى أعلا الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقى على محبته والدعاء له.

وهذا الرجل لو كان عند أهل العلم ممن يتقي الله لكان من جملة أهل التقى المحبين له والداعين له وأن الله كبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا من أهل الملل والنحل؛ وأن الله أحيا به الشام بل الإسلام؛ إلى غير ذلك مما ذكر في فضله.

وهذا الرجل- عامله الله بعدله- يقول: " ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله " إلى آخر كلامه. وإنما حمله على هذا الكلام الحسد والهوى؛ وعدم خشية الله؛ والغلو الذي خرج به عن الصراط المستقيم وسلوك طريق أئمة الدين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين لهم قدم صدق في العالمين؛ فشيخ الإسلام هو الذي نصر الله به السنة؛ وقمع به أهل البدعة؛ فصاروا ببدعتهم مستترين؛ وأعز الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم.

وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له: وقد أثنى عليه جمهور معاصريه؛ وجمهور من تأخر عنه؛ وكانوا خير مناصريه؛ وهم ثقاة صيارفة حفاظ عريفهم في النقد دونه عريق عكاظ؛ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه؛ أو لأجل معاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه؛ فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد؛ ورماه بعظائم موجبة للتعزير والحد؛ ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال " تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ألسنتنا " لنجا من هذا العنا؛ وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى؛ واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى؛ فما وجدوا فيها عقيدة زائغة؛ ولا عن الحق رابغة؛ كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال؛ وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال؛ تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف؛ ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف؛ شهد له الأقران بالإجهاد؛ ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد.

وقال الإمام الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي لما قال: " إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول واجبة " فقال: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما؛ حتى الحج إلى قبره؛ والسجود له؛ والطواف به؛ واعتقاده أنه يعلم الغيب؛ وأنه يعطي ويمنع؛ ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع؛ وأنه يقضي حوائج السائلين؛ ويفرج الكروب؛ وأنه يشفع فيمن يشاء؛ ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك؛ وانسلاخ من جملة الدين. انتهى.

ولو ذهبنا نذكر ما ذكره العلماء في مناقبه وفضائله؛ وما ردوا به على مخالفيه في هذه الباحث لطال الكلام.

فإذا تحققت ما ذكره أهل العلم في شيخ الإسلام تبين لك أن السبكي هو الذي خرج عن الصراط المستقيم؛ وخالف ما عليه الأئمة من علماء المسلمين؛ وأنه هو الذي ابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ فصار بافترائه وعدوانه مثلة بين أهل الإسلام؛ ممن له معرفة بالعلوم ومدارك الأحكام؛ فلا يلتفت إلى مفترياته عاقل؛ ولا ينظر في أساطيل أساطيرها فاضل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

وأما قوله: "وروى القشيري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فاقسموا عليه بي؛ فإني الواسطة بينكم وبينه وذلك بحكم الوراثة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم" انتهى.

فالجوال: أن هذا من الكذب المعلوم كذبه بالإضطرار عند من له معرفة بالنقل؛ ومقادير الأئمة الأخيار؛ فإن مثل هذه الحكاية الواهية الساقطة المنتنة المظلمة لا يتصور صدورها عمن هو دون معروف الكرخي فضلا عن ذلك الزاهد الفاضل إلا من هو من أبعد الناس معرفة بحقيقة دين الإسلام؛ فإنه لا يقول هذا ويفتريه على أهل الإسلام والعلماء العاملين إلا أمثال هؤلاء الغلاة المنحرفين الحيارى المفتونين؛ فنعوذ بالله من طمس القلوب؛ ورين الذنوب.

ثم قال هذا الملحد: " وفي الفتوحات ما نصه: مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو قطب الأقطاب؛ فهو ممد لجميع الناس أولا وآخرا؛ فهو ممد كل نبي وولي؛ سابق على ظهوره حال كونه بالغيب؛ وممد أيضا لكل ولي لا حق فيوصله بذلك إلى مرتبة كماله في حال كونه موجودا في عالم الشهادة؛ وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة؛ فإن أنوار رسالته صلى لله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين؛ فكل نبي تقدم زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة" انتهى.

والجواب أن نقول: ما ذكره هذا الملحد من كلام صاحب الفتوحات كلام باطل؛ فإن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين إنما هو الوحي الذي نزل به الأمين من رب العالمين؛ قال الله تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } وقال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وقال تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } وقال تعالى: { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ } وقال تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً } الآية

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا؛ فمستمد جميع الأنبياء والرسل ما أنزل الله عليهم من وحيه؛ فقوله: إن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد صلى الله عليه وسلم مصادم ومناف لما تقدم من الآيات؛ ولقوله تعالى: { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } وقوله: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } وقوله: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ } وهذا مبني على أن روح محمد صلى الله عليه وسلم مخلوقة قبل جميع المخلوقات؛ وقد تقدم بطلان هذا القول؛ ومخالفته لصريح العقل والنقل في الكلام على ما نقله عن القسطلاني وما ذكره عن المناوي؛ وأن هذا القول مبتدع لم يقل به أحد من الأئمة المقتدى بهم؛ بل هذا مبني على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال؛ على النفس المستعدة الفاضلة الزكية؛ فتصورت تلك المعاني وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه؛ وربما قوي الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه؛ وربما قوي ذلك ببعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج؛ وهذا يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق؛ واتصالها بالمعارفات من العقول والنفوس المجردة؛ وهذه الحقائق تحصل عندهم بالاكتساب؛ ولهذا طلب النبوة من تصرف على مذهب هؤلاء. فتبين من كلام هذا الملحد أن الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- لم ينزل عليهم وحي من الله؛ كما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإنما ذلك فيض فاض على أرواح الأنبياء من روح محمد صلى الله عليه وسلم؛ واستمدوا من روحه ما أنزل الله عليهم وشرعه لهم من الدين؛ ويزعمون أن الولاية أعظم من النبوة؛ لأن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي الرسول بواسطة، وينشدون:

مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي

ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته؛ ونبوته أعظم من رسالته؛ ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء؛ وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم؛ وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء؛ وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي والرسول بواسطة؛ ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم يجعلونه من باب المخاطبات الإلهية؛ والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران؛ وهو في الحقيقية إيحاءات شيطانية؛ ووساوس نفسانية؛ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.

وأما قوله: "وفي حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة. فإن أنوار رسالته صلى الله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين".

فالجواب أن يقال: إن كان أراد إنه صلى الله عليه وسلم له قدرة على إيصال الخيرات؛ ورفع المضرات بعد الممات؛ فقد قال تعالى: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ } فإذا كان هذا حاله في الحياة فما الظن به أو بغيره بعد الممات؟

وإن كان أراد أن الخلق يستمدون منه أي مما جاء به من توحيد الله؛ وعبادته وحده لا شريك له؛ وترك عبادة ما سواه كائنا من كان؛ والعمل بسنته؛ والاهتداء بهديه؛ وترك ما نها عنه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله" الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على الحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون فتن" فقلنا له ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم؛ وخبر ما بعدكم؛ وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل؛ من بركه من جبار قصمه الله؛ ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله؛ هو حبل الله المتين؛ وهو الذكر الحكيم؛ وهو الصراط المستقيم؛ هو الذي لا تزيغ به الأهواء؛ ولا تلتبس به الألسنة؛ ولا تشبع منه العلماء؛ ولا يخلق عن كثرة الرد؛ ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } من قال به صدق؛ ومن عمل به أجر؛ ومن حكم به عدل؛ ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". رواه الترمذي وقال غريب.

فإذا عرفت هذا فلا يكون الاستمداد منه حال كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البزرخ والدار الآخرة، ولكن بما ترك فينا من كتاب الله وسنة رسوله، لأن أنوار رسالته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع ما عمل بالكتاب والسنة.

وأما قوله: "فكل نبي تقدم على زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة".

فالجواب أن نقول: هذا كلام باطل مصادم لقوله تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } ولقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات" الحديث، [51] وقد قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } ومن المعلوم بالضرورة أن الأغلال والآصار التي كانت عليهم وفي شريعتهم من قتل أنفسهم وغير ذلك من الأغلال، لم يكن موسى عليه السلام نائبا عن نبينا في بعثته لتلك الشريعة من التكاليف الشاقة، من الآصار والأغلال التي كانت عليهم، بل من بركة هذا النبي الكريم، وأن الله أرسله رحمة للعالمين وضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وأحل لهم الطيبات مما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم، ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا، فكان من المعلوم أن لكل رسول أرسله الله إلى أمته شريعة ومنهاجا، وأما الأصل الذي هو دين الإسلام فجميع الرسل والأنبياء فيه على طريقة واحدة كما قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } ولا حاجة بنا إلى الكلام إلى استقصاء الكلام على ما ذكره من كلام صاحب الفتوحات لسقوطه وتهافته، ومخالفته لصريح الكتاب والسنة، فلا نطيل برد كلام، لكن هذا على سبيل التنبية والإشارة، ثم كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم الآخر النقل في هذه المباحث وغيرها عن ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات الذي هو من أكفر خلق الله، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، ويعد من العلماء العاملين؟

وإذا أردت حقيقة ما قلنا فانظر إلى ما قاله في الفصوص قال في الإدريسة: ومن أسمائه الحسنى العلي، على من وما ثم إلا هو، فهو العلي لذاته أو عن ماذا، وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو- إلى أن قال-: فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، ومن ثم من يبطن عنه فهو الظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبو سعيد الحزاز، وغير ذلك من أسماء المحدثات- إلى أن قال-: ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة { فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه، وفداه بذبح عظيم، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، فظهر بصورة لا بحكم ولد من هو عين الوالد، وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه- إلى أن قال-: فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، بحيث لا يمكن أن يفوقه نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة.

فصرح عدو الله بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وصرح بأنه المنعوت بكل نعت مذموم ومحمود، وصرح بأنه أبو سعيد الخزاز وغيره من المحدثات، كما صرح بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو. وقال أيضا: ولما كان فرعون في منصب التحكم، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جاز في العرف الناموسي لذلك قال: "أنا ربكم الأعلى" أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم عيهم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه، وأقروا له بذلك، وقالوا له: "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض"، فالدولة لك فصح قوله: "أنا ربكم الأعلى"، وإن كان عين الحق. إلى أمثال هذه الكفريات، والله در الأمير محمد بن إسماعيل حيث يقول:

وأكفر خلق الله من قال إنه ** إله فإن الله جل عن الند


مسماه كل الكائنات بأسرها ** من الكلب والخنزير والقرد والفهد

وأن عذاب النار عذب لأهلها ** سواء عذاب النار أو جنة الخلد

وينشدنا عنه نصوص فصوصه ** ينادي خذوا في النظم مكنون ما عندي

وكنت امرأ من جند إبليس فارتمى ** بي الدهر حتى صار إبليس من جندي!

فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ** دقائق كفر ليس يدركها بعد

فمن كان بهذه المثابة كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذكر كلامه في جملة العلماء العاملين، أو يصغي إلى شبهات هؤلاء الغالين.

وأما دعوى هؤلاء الملاحدة أن خاتم الأولياء هو أفضلهم، كما أن خاتم الرسل أفضلهم، بل يزعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الرسل، لأن خاتم لأولياء يأخذ عن الله بلا واسطة، وخاتم الرسل إنما يأخذ عن الملك، فقد ذكر شيخ الإسلام أن خاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها، وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك ولم يستند فيه إلى شيء، ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى، ويكون بذلك خاتم الأولياء، وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق المسلمين، بل أفضل الأولياء سابقهم، وأقربهم إلى الرسول، وهو أبو بكر، ثم عمر، إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل، بخلاف خاتم الرسل فإن الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره، فقياس أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أفسد القياس.

وقال أيضا:

فصل

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مرات، فقال تعالى: { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا } وفي حديث " ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد تعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر " وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } وقال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله" وأفضل أمة محمد القرن الأول، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه، وفي الصحيحين أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى }، وقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } والمراد بالفتح صلح الحديبية، فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } فقالوا يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال نعم.

وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية. وبالجملة اتفق طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة.

وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به، وعملا به فهو أفضل أولياء الله، إذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه.

وقد ظن طائفة غالطة أن "خاتم الأولياء" أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشائخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي، فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص فخالف الشرع والعقل، مع مخالفته جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن، وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة [ والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف الأنبياء كلهم؟ ] والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم، ويدعي أنه خاتم الأولياء، وليس آخر الأولياء أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" كقوله "آتي باب الجنة فاستفتح، فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك". وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } إلى غير ذلك من الدلائل، كل منهم يأتيه الوحي من الله، لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة، والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدث، بل جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر، وهذا بخلاف الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد، صلى الله عليه وسلم وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه.

ومن ادعى من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من أن له طريقا إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد، [52] وإذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا رسول إلى الأمين دون أهل الكتاب، فأن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارا بذلك، وكذلك الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن [ آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك لأن علم الباطن ] الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطن، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة.

فإذا ادعى المدعي أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض، الآخر، وهذا شر ممن يقول أؤمن ببعض وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين.

وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون:

مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي!

ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا أن يماثله فيها هؤلاء الملحدون.

وكل رسول نبي ولي، فالرسول نبي ولي، ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال انبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليا لله، ولا تكون مجردة عن ولايته، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته.

إلى أن قال: وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبرائيل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم أولياء الله وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، والمعدن عنده هو العقل، الملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه ولم يكن هو من جنسه، فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين؟ والنبوة أمر وراء ذلك، فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشائخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

وأما قول الملحد: "ولذا أنشد القطب الكبير سيدي محمد بن أبي الحسن البكري المصري:

ما أرسل الرحمن أو يرسل ** من رحمة تصعد أو تنزل

في ملكوت الله أو ملكه ** من كل ما يختص أو يشمل

إلا وطه المصطفى عبده ** نبيه مختاره المرسل

واسطة فيها وأوصل لها ** يعلم هذا كل من يعقل

فعذبه من كل ما تشتكي ** فهو شفيع دائما يقبل

ولذ به في كل ما ترتجي ** فإنه المأمن المعقل

وحط أحمال الرجاء عنده ** فإنه المرجع والموئل

وناده إن أزمة انشبت ** أظفارها واستحكم المعضل

يا أكرم الخلق على ربه ** وخير من فيهم به يسأل

قد مسني الكرب وكم مرة ** فرجت كربا بعضه يذهل

فبالذي فضلك بين الورى ** برتبة عنها العلا تنزل

عجل باذهاب الذي اشتكي ** فإن توقفت فمن أسأل

فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ** ولست أدري ما الذي أفعل

وإن ترى أعجز مني فما ** لشدة أقوى ولا أجمل

وأنت باب الله أي امرىء ** أتاه من غيرك لا يدخل

عليك صلى الله ما صافحت ** زهر الروابي نسمة شمأل

مسلما ما فاح عطر الحمى ** وطاب منه الند والمندل

والآل والأصحاب ما غردت ** ساجعة أملودها مخضل

والجواب أن أقول:

أقول هذا كله لا يعقل ** ولا له في الشرع أصل منزل

إلا أكاذيب رواها عصبة ** مرفوضة أقوالهم لا تنقل

بل كلها موضوعة مكذوبة ** والطعن فيها كلها مستعمل

بل الذي في الشرع أن المصطفى ** محمدا رسوله والأفضل

مختاره من خلقه وأنه ** إلى جميع الخلق حقا مرسل

وأنه للناس فيما بينهم ** وبين ربي بالهدى يفصل

واسطة بوحيه يهديهموا ** بما به الله الكريم ينزل

فمن يقول إنه أصل لهذا ** الخلق طرا أوه لما قد ينزل

من رحمة من ربنا سبحانه ** في الملك والملكوت أو ما يرسل

إلا وهذا المصطفى أصل لها ** من كل ما يختص أو ما يشمل

فقد أتى بفرية معلومة ** بل ليس هذا في العقول يعقل

فليأتنا بآية من قال ذا ** أو سنة محفوظة لا تجهل

وقد أتى من بعد هذا كله ** بمنكر لا يرتضيه الكمل

بأنه معاذ من يشكو له ** أف لما قد قاله ذا المبطل

أو أنه من غير أذن شافع ** فهو شفيع سرمديا يقبل

وأنه الملاذ فيما يرتجى ** وأنه الكهف المنيع المعقل

وأنه محط أحمال الرجا ** لأنه الرجعى له والموئل

وأن ينادي إن ألمت أزمة ** ونشبت أظفارها لا تمهل

فهذا كله شرك به ** سبحانه عما يقول المبطل


فهو المنادي وحده سبحانه ** وهو الملاذ المرتجى الموئل

وهو المعاذ وحده إن أزمة ** أو كربة تعدو لنا أو تنزل

لا عبده المعصوم فهو المجتبي ** وهو المطاع أمره لا يهمل

لكننا لا ندع إلا ربنا ** في كل ما نرجوه وما نأمل

ما مس عبد كربة أو نابه ** من نائبات الدهر مما يعضل

إلا وربي فراج لها ** لا عبده إن كنت ممن يعقل

تالله ما هذا بقول يرتضى ** في المصطفى مما يقول المبطل

فالمشتكى لله لا للمصطفى ** وهو الذي إن لم يجب من نسأل

وهو الذي إن لم يعنا لم نطق ** حملا لعجزان دها ما يشغل

وهو الذي لا رب حق غيره ** وهو الرجا والملتجا الموئل

هذا الذي قالته وهابية ** والحق ما قالوه وهو الأكمل

وهو الصواب حقيقة إذا كله ** حق وتحقيق وأمر يعقل

لا ما ادعاه الكسم أو قاله ** من قد دعوه القطب وهو الأرذل

تالله ما هذا بقطب الورى ** في دينهم بل كان ممن يجهل

بل كان قطب الكفر والشرك الذي ** أغوى به الشيطان من لا يعقل

فانبذه خلف الظهر لا تعبأ بما ** قد قاله هذا الغوى المبطل

فصل

قال الملحد: "وفي الشفا للقاضي عياض قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوما فقال { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الآية ومدح قوما فقال { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ } الآية، وذم قوما فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } الآية، وحرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وادعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيام؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله وفي نسخة فيشفعه الله قال الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ }". انتهى.

والجواب أن يقال هذه الحكاية لا حجة فيها لمبطل لما سنذكره إن شاء الله تعالى، قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في الصارم المنكي: قلت: المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه.

وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطىء في هذا القول خطأ فاحشا، بل إسنادها إسناد ليس بجيد، بل هو إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئا، ولم يلقه، بل رواية عنه منقطعة غير متصلة.

وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقاة المخرج لهم في صحيح مسلم، قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك، وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشا، ووهم وهما قبيحا. إلى أن قال: وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كأبي خيثمة وابن نمير وعمرو الناقد، وغيرهم. إلى أن قال:

وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة، ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة. وقال فضلك الرازي عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف، وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد، وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان كل ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحدا أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضهم على بعض، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي، كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد -ثم أطال الحافظ الكلام فيه إلى أن قال-: فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي [53] عند أئمة هذا الشأن فكيف يقال في حكاية رواها منقطعة: إسنادها جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف، إلى أن قال: فانظر هذه الحكاية وضعفها، وانقطاعها، ونكارتها، وجهالة بعض رواتها، ونسبة بعضهم إلى الكذب، ومخالفتها لما ثبت عن مالك، وغيره من العلماء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم: ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي، أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره، ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه. وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك: فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض، وغيرهما: - لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة، أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء، ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه، ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدير القبر، وإما منحرفا عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة، ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي ويدعو عنده.

وهذا الذي ذكرناه عن مالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } وذكر باقي الحكاية، ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقاة من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر، ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره، وقيل: [ لا يوليه ظهره ] فاتفقوا في استقبال القبلة، وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء، ويشبه والله أعلم أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه، وهو يسمى ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا، ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم. وكما قال في رواية ابن وهب عنه: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم، ويدعو، ولا يمس القبر بيديه. وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه، ويدعو له.

ومعلوم أن الصلاة عليه، والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". [54]

فقول مالك في هذه الحكاية -إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته، وصليت عليه، وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة، يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ما يشفع به له يوم القيامة، كسؤال الله تعالى له بالوسيلة، ونحو ذلك، وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم، يعني دعاءه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.

فهذا هو الدعاء المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يصلي عليه، ويسلم عليه، ويدعى له، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.

وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ } فهو- والله أعلم- باطل، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا، انتهى. [55] وقد تقدم الجواب على هذه الآية.

وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى البرزخ، فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم".

والجواب أن يقال: ليس هذا مالك رحمه الله، فإنه إمام عالم عربي فقيه، ومن أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية، فإنه حال حكايته مع المنصور -لو ثبت- لا يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت، وإنما يخاطبه حال الحكاية معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل، أن حرمته ميتا في هذا الوقت -أي وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في غض الصوت عنده وعدم رفعه، فما قاله مالك رحمه الله ينافي ما تقدم من الحكايات الموضوعة، والأحاديث المكذوبة، وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف، من تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين.

وأما حكايته عن شارح نور الإيضاح فككلام غيره من المصنفين في الزيارة ممن لا يوثق به، ولا يعتمد على قوله ونقله، وليسوا من أهل الحديث المعروفين بالرواية والدراية والأمانة، وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء، وليس المراد من ذكر أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي من تأخر منهم، إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم وأخذوا بمذهبهم وكانوا على طريقتهم في الأقوال والأفعال والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين.


فصل

قال الملحد: وفي الإيضاح للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحبين له، قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وقد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ** فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ** فيه العفاف وفيه الجود والكرم

أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته ** على الصراط إذا ما زلت القدم

وصاحباك فلا أنساهما أبدا ** مني السلام عليكم ما جرى القلم

قال: ثم انصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال يا عتبي: الحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له، انتهى.

والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية، وحصروها، وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة، لا سيما إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: وهذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين، وأكابر أصحابهم، وأهل الوجوه في مذاهبهم، كأشهب، وابن القاسم، وسحنون، وابن وهب، وعبد الملك، وابنه، والقاضي إسماعيل من المالكية. ولا من الشافعية كالمزني، والبويطي، وابن عبد الحكيم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج، وأمثالهم ونظرائهم من أهل الوجوه. وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن اللؤلؤي وزفر بن الهذيل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء المذهب. وكذلك أصحاب أحمد، وأصحاب الوجوه في مذهبه، لم يذكرها أحد منهم كعبد الله وصالح والخلال والأثرم وأبي بكر عبد العزيز والمروذي وأبي الخطاب، ومن بعدهم كابن عقيل وابن بطة.

وبعض من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد، وبعضها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسي الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم.

ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب. كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي، عن علي بن محمد بن علي، حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب، فذكر نحو ما تقدم.

قال الحافظ ابن عبد الهدي: هذا الخبر منكر موضوع لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن لم يكن هو فهو كذاب متروك، وإلا فمجهول، وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال العجلي وأبو داود: كذاب، وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي: متروك الحديث، وقال السعدي: ساقط كشف قناعه، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، [56] وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار، [57] وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديثه منكرة، وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب؟

فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.

قال الشيخ: ولو سلمنا ثبوت هذه الحكاية فلا دليل فيما على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم. والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله، مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك نقل العتبي ومن مضى من رجال سندها ليسوا بشيء. وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا طلب الاستغفار ولا غيره، وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي أنه حكى الإجماع على منعه.

ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله، وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله تعالى، وقد يستجاب لعباد الأصنام استدراجا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم. ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا، غايتة أنه توسل به، ومسألة التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه، وقد قال تعالى: { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } فإذا كان هذا المختص بمغفرة الذنوب فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ } بما أغنى عن إعادته هنا.

وأما ذكره في المستوعب لأبي عبد الله السامري الحنبلي وفيه " اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك - عليه السلام: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ } " الآية ".

فنقول هذا من نمط ما قبله وقد تقدم الكلام عليه.

ثم قال الملحد: "سئل العلامة الشهاب الرملي عن ما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان ونحو ذلك، فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء إغاثة بعد وتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع" انتهى.

فالجواب أن يقال: قد تقدم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو: إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، وذكرنا فيما تقدم كلام أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وعن ذي النون إستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام لأسباب منها: الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني، أو أغثني، وارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فهذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم يقولون: إنما نعبدهم، ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهي أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى.

وقال أيضا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا. نقله عنه صاحب الفروع وصاحب الإنصاف وصاحب الإقناع.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواع -يعني الشرك- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، وقد تقدم بتمامه.

وبالجملة فضابط هذا أن كل ما شرعه الله لعباده، وأمرهم به ففعله لله عبادة، فإذا صرف العبد من تلك العبادة شيئا لغير الله فهو مشرك، مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: { قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي }.

فإذا عرفت هذا فهذا الرجل المسمى الشهاب الرملي إن كان من المعروفين بالعلم - لأني لا أعرف ما حاله - فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين يصنفون في إباحة الشرك وجوازه زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول وتعظيم الأنبياء والأولياء، وذلك لجهلهم وعدم إدراكهم لحقائق الدين ومدارك الأحكام، وليس لهم قدم صدق في العالمين ولا كانوا من العلماء العاملين، فلا حجة في أقوالهم { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ثم لو كان الشهاب الرملي من أهل الفضل والعلم والعبادة وأكابر أهل الفقه والورع والزهادة لكان قد أخطأ فيما قاله وأراده، ودعا إلى عبادة غير الله، وهذا يوجب كفره وارتداده.

وأما معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء فهي لا تدل على دعائهم، ولا الاستغاثة بهم، وصرف خالص حق الله لهم، وإنما تدل على علو درجتهم، وكرامتهم على الله، وقربهم منه. وقد قال صلى الله عليه وسلم لما طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عزو جل" وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ } وهؤلاء الغلاة لا يأتمرون بما أمر الله به ورسوله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه ورسوله، فالله المستعان.

فصل

قال الملحد: "وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قال: "اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك صلى الله عليه وسلم، ونستشفع إليك وبشيبته، فسقوا" وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:

بعمي سق الله الحجاز وأهله ** عشية يستسقي بشيبته عمر "

والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره عن ابن عباس لم يذكره بإسناده، ولم يعزه إلى شيء من الكتب المعتمدة، وفيه ألفاظ مخالفة للأخبار الصحيحة، فلا اعتماد على ما ذكره، والمحفوظ المعتمد عليه ما ذكره البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر استقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون.

قلت: وقد ورد في بعض الألفاظ: قم يا عباس فادع الله. فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته، فيدعون معه، كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.

ولهذا قال الفقهاء: يستحب الإستقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: "اللهم إنا نستقي بيزيد بن الأسود: يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى امطروا، وذهب الناس". ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به.

وأما قوله: "وفي رواية للزبير بن بكار أن العباس رضي الله عنه قال في دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم فأسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض". انتهى.

فأقول: قال الحافظ في الفتح، وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوية، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.

وقد أسقط هذا الملحد من هذا الأثر قوله: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة. لعلمه أنه يعود على مقصوده بالهدم، وذلك أنهم إنما سألوا به ليدعو لهم، فاستكان لله تعالى بالاعتراف وبالذنب، وأنهم قد أتوه تائبين منيبين.

وكذلك أسقط منه قوله: "ونواصينا إليك بالتوبة" وهذا توسل منه بهذا العمل الصالح، وهو التوبة، وعلى تقدير صحة هذا الأثر فلا دليل فيه على ما يتوهمه، فإن توسلهم بالعباس بدعاء حي يقدر على الدعاء، وهذا لا محذور فيه وقد فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المحذور المنهي عنه دعاء الأموات، وتوجه بهم، والتوسل بهم وهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة المهديين، والعلماء والراسخين.

وأما قوله: "وفي هذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا سواء كان في الأحياء وبالأموات، وقول من منع ذلك بغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن فعل عمر رضي الله عنه حجة لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي".

فالجواب على هذا من وجوه:

الأول: أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري، وهو ضعيف ضعفه أحمد.

الثاني: أن عمر استسقى بدعاء حي حاضر يقدر على الدعاء، وليس في هذا ما يدل على الاستسقاء بالأموات، ولو كان هذا جائرا لما عدل الفاروق عن الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء بالعباس الحي، فالقياس باطل، والتوهم تحكم.

الثالث: أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله رضي الله عنه حجة، ومن يدعيه فعليه البيان، خصوصا إذا خالف غيره من الصحابة.

الرابع: أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر رضي الله عنه في وقائع، كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. ويقويه الحديث المتفق عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت: { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } ونزلت كذلك. إلى غير ذلك من الأمور التي وافق فيها عمر، كقصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين.

وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم::ولقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فإنه عمر" المحدث الملهم، وقيل الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به، وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل المكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوت، وقيل الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه، وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث بل لا بد له من عرضه على الكتاب والسنة، ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي صلى الله عليه وسلم ليس بحجة، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور، وليس الغرض أن الله جعل الحق في كل حادثه وواقعة على لسان عمر وقلبه، وأن فعله وقوله حجة شرعية، وأنه لا يقع منه خطأ قط، وإلا لما خالفه ونازعه أحد من الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه، والثاني باطل فإن مخالفات الصحابة لعمر رضي الله عنه أكثر من أن يكتب في هذا المختصر، وأشهر أن يخفى على من له إلمام بكتب الحديث والأثر، ثم كيف يصح القول بحجية فعل عمر رضي الله عنه عموما كما زعم هذا المؤلف فقد أخطأ عمر رضي الله عنه في مسائل: منها عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء. ومنها عدم جواز التمتع في الحج عنده. ومنها قوله: إن لمعتدة الثلاث السكنى والنفقة، إلى غير ذلك من الأمور التي أخطأ فيها، ورجع فيها إلى الصواب. وكان الصديق رضي الله عنه يقومه في أشياء كثيرة، كما قومه يوم صلح الحديبية، ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان آحاد الناس يبين له الصواب فيرجع إلى قوله، كما راجعته أمرأة في قوله: "لئن بلغني أن أحدا زاد صداقه على صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ وقرأت قوله تعالى: { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا } فرجع إلى قولها. [58] وقال في لفظ آخر: الله أكبر أصابت امرأة وأخطأ عمر، وأمثال هذا كثير.

إذا عرفت هذا فليس في قول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه حجة على جواز التوسل بالنبي، والاستغاثه به بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولا بأحد من الأموات والغائبين، لا من الأنبياء والأولياء، ولا غيرهم من الصالحين، غاية ما فيه أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ومن ذلك أنه عدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، وهذا من الحق الذي جعل الله على لسان عمر وقلبه، وسيأتي إيضاح هذا فيما بعد عن قريب إن شاء الله تعالى.

وأما قول الملحد: "ولا يقال فيه دليل على امتناع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله لأن التوسل والاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان معلوما عندهم كما تقدم في القصة التي رواها ابن حنيف، وكما في توسل آدم في الحديث المتقدم الذي رواه عمر رضي الله عنه، وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز".

فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا، وأنه لم يكن يفعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا من بعدهم من الأئمة المقلدين، لذلك عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس، وقد ألهم الصواب لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.

وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته صلى الله عليه وسلم، وهو توسل بدعائه، كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألونه الاستغفار والدعاء، وهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وأما بعد وفاته فلم يفعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبة الرسول، بل هي ساقطة في الأصول المحررة، ومسألة السؤال به أو بحقه غير مسألة نفسه ودعائه.

وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بجاه محمد فهو حديث موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث.

وأما قوله: "وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز."

فالجواب أن يقال: قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله عنه، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون. فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار جائز لما عدلوا إلى غيره بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهو يجدون أدنى مساغ لذلك، فعدولهم هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق، دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.

وأما قوله: "وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي لا يجوز".

فأقول فيه كلام من وجوه:

الأول: أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس رضي الله عنه هو الاستسقاء بدعاء العباس، على طرية معهودة في الشرع، وهي أن يخرج من يستسقى به إلى المصلي، فيستسقي ويستقبل القبلة داعيا، ويحول رداءه، ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح، والدليل عليه قول عمر رضي الله عنه: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بأن يخرج، ويستقبل القبلة، ويحول رداءه، ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة في الاستسقاء، ولم يرد في حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته متوسلين به صلى الله عليه وسلم من غير أن يفعل ما يفعل في الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، ومن يدعي وروده فعليه الإثبات.

إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح من الاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت، فالقول بإمكان هذا الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته من أبطل الباطل، وكان القول بأنه لو استسقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما يفهم منه بعض الناس أو يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره بديهي البطلان، فإن ما ثبت بفعله صلى الله عليه وسلم هو مشروع لنا لقوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ما لم يدل دليل على كونه مخصوصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه.

والثاني: أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى بأن يتوسل بحي غير النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلمفي حياته، فإن هذه الصور الثلاث أبعد من أن يبدو فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقي بالعباس لأنه حي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات، وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز، فلما ترك عمر رضي الله عنه تلك الصور، واختار الصورة التي يتأتي فيها الاحتمال المذكور دل هذا الصنيع على أن مقصوده رضي الله عنه ليس دفع التوهم المذكور.

الثالث: أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم أخف من توهم عدم جواز الاستسقاء بالميت، لا سيما إذا كان ذلك الميت غير النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هذا التوهم أولى بالدفع، فكان الأنسب حينئذ أن يستسقي بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم.

الرابع: أن هذا التعليل فاسد لأن المعلل لم يقم عليه برهان ولا دليل فلا يصغي إليه.


فصل

قال الملحد: "وقد ذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى بالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه، ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حاجاته، وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي رضي الله عنهما حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك، فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن". [59]

والجواب أن يقال لهذا الجاهل البليد كيف يثبت دين الله تعالى بمثل هذه الأقوال الكاسدة، والشبه المعتلة الفاسدة. أيظن أن كل أحد يروج عليه الباطل، ويشتبه عليه العاطل؟ كلا فإن الله رجالا ينفون عن دينه زيغ المبطلين، وتحريف الملحدين.

ثم إن هذه الحكاية من الكذب المعلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل والآثار، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.

ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذي أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا غيره.

ثم إن الشافعي قد صرح في بعض كتبه بكراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك لها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره.

ثم هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضي بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير نقل عن الأنبياء النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.

وأما قوله: "وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي" فهو من نمط ما قبله مما يعلم كل عاقل بالضرورة أنه من الكذب بل لا بد من رفع هذه الأمور إلى أصحابها بسند يعتمد عليه، ودونه لا يسمع، ثم لو ثبت ذلك فأفعالهم وتقريراتهم ليست من الحجة، في شيء، وحاشاهم من ذلك فهم أجل قدرا، وأعظم خطرا من أن تجري منهم هذه الأمور، وهي لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أجاب في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم عن مثل شبه هذا الملحد بوجهين. - مجمل ومفصل، وقد أجاد فيها وأفاد، وحيث أن ذلك مما لا يمكننا نقل جميعه فلا بأس أن نذكر المجمل.

قال رحمه الله تعالى: - أما المجمل فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند نبي أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن قرينه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال أصابتهم جميعا، موافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا حسن الظن بالإجابة عند هذا، وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان، ثم قد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى المؤمنين، وسلبه الله تعالى الإيمان، والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون انتهى.

وفيه كفاية لمن كشف الله عن بصيرته حجب الغفلة، والله الهادي إلى سواء السبيل.


فصل

قال الملحد: وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى بالصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة إن الإمام الشافعي رضي الله عنه توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:

آل النبي ذريعتي ** وهم إليه وسيلتي

أرجو بهم أعطى غدا ** بيدي اليمنى صحيفتي

انتهى من كتاب خلاصة الكلام مع بعض تقرير واختصار.

والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله، وفيه من الكلام كما فيما قبله. وابن حجر المكي -عامله الله بعدله- من الغالين في الصالحين، ومن الثالبين لأئمة المسلمين، الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين، وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ومن كانت هذه حاله وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه. وعلى تقدير ثبوته وصحته إن كان النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد، وتعظيمهم، واتباعهم، والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي، وكان في قوله: أرجو بهم، أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم.

وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل بغيره أيضا من الأحياء".

فأقول: أما التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده فمسند هؤلاء الغلاة فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته صلى الله عليه وسلم فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى عن إعادته. وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم، وأنهم لم يكونوا يفعلونه، ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم.

وإذا علمت هذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وما ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع، ومنها ما هو معلول لا تقوم به الحجة، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما ذكر من الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من الموضوعات المكذوبات، والله الهادي إلى الصواب.

وأما قوله: "وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك". فأقول: هذه دعوى مجردة، وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا أيضا أبطل مما قبله، فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين.

وقوله: "ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا، والإجماع حجة قاطعة".

فأقول: هذا قول على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى جميع العلماء بغير علم قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }.

وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع ما يدل على ما توهمه، بل هو عليه لا له، ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله المستعان.

وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من القول القاسط، والهذيان الساقط، فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع، وما يترتب على ذلك من المفاسد.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

فصل

ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى وغيرة على التوحيد وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.

فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباة، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت الأصوات بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا نزلوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر لمن صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملؤوا أكفهم بالخيبة وخسرانا، فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، الذي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كمّلوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنيء بعضهم بعضا، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجّه القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا ولو بحجك كل عام. هذا ولم نتجاوز ما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالتهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.

وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه، وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.

ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار، مثل تعظيم القبور وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا أو كذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآخر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى.

ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور، وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.

فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.

ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى.

ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.

ونهى أن يتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذون أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.

وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدع ثمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته". وفي صحيحه أيضا عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.

ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يعقد عليها وأن يبنى عليه بناء".

ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.

ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه. وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب والآجر والأحجار والجص.

ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره، وأوصى الأسود بن يزيد ألا تجعلوا على قبري آجرا. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم. وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: أن لا تضربوا علي فسطاطا. وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا.

والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.

قال رحمه الله: وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.

فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره.

فمنها تعظيمها الموقع في الافتتان بها.

ومنها اتخاذها عيدا.

ومنها السفر إليها.

ومنها مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسدانتها، وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيّمها ليلة يطفي القنديل المعلق عليها.

ومنها النذر لها ولسدنتها.

ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، ويفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف إلى غير ذلك.

ومنها الدخول في لعنة الله تعالى، ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها.

ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.

ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء، والمشائخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } قال الله للمشركين { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } الآية، وقال تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } ومنها مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها.

ومنها محادة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها.

ومنها التعب العظيم، مع الوزر الكثير، والإثم العظيم.

ومنها إماتة السنن وإحياء البدع.

ومنها تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها من التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه.

ومنها أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، ودين الله الذي بعث به رسوله بضد ذلك، ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد وخربوا المساجد.

ومنها أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه، وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركين الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤالهم حوائجهم، واستنزال البركاتت منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا محروما به تركه ما شرعه الله تعالى من الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له..

ثم ذكر رحمه الله تعالى الزيارة الشرعية والأحاديث الواردة في ذلك، ثم ذكر أقوال السلف، ومن بعدهم من العلماء ثم قال:

فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، ولا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى، { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخر سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو في العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوع أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى والدعاء به، أو الدعاء عندهم مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرزقها الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما يؤمرون، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلو عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحايث المرفوعة.

قال رحمه الله بعد ذكره ما فعله الصحابة رضي الله عنهم بقبر دانيال وتعميته بين القبور قال: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره، لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده، والتبرك به ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداين هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد، فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله، ورسوله، ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به ولا عنده، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.

وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا، ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سب وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه، هذا محال طبعا وشرعا، فتعين القسم الآخر وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ولا رسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانا، وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.

ثم قال رحمه الله:

ومن أعظم كيد الشيطان أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه، وذنبه عند أهل الإشراك أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله من جعله وثنا وعيدا.

وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد، والقباب عليه، وتجصيصه، وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله، من تجريد التوحيد لله، وأن لا يعبد إلا الله، فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفّروا الناس منهم، وولوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون له، الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ثم ذكر كلاما طويلا، إلى أن قال:

قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب:

أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب، كما قد يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله.

المرتبة الثانية: يسأل الله عز وجل به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.

الثالثة: أن يسأله نفسه.

الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته، والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب، والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر. انتهى من إغاثة اللهفان.

فصل

قال الملحد: "وقد روى الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار".

والجواب أن يقال: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب الفتن من حديث ابن عمر، ولفظه هكذا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" هذا الحديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان.

قلت هذا حديث ضعيف ففي سنده سليمان بن سفيان، قال الذهبي في الميزان: سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى قال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة. وكذا قال النسائي وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف. انتهى.

والمقصود بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، وأمته المستجيبون لدعوته، المتبعون لأمره، المنتهون عما نهى عنه، الآخذون بسنته وهديه هم الأمة الناجون المنصورون إلى قيام الساعة، الذين لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، بخلاف عباد القبور المتخذين الأولياء والصالحين شركاء في خالص حقه سبحانه، يستغيثون بهم في الشدائد، ويلجؤون إليهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستعينون بهم، في قضاء الحوائج، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ويدعونهم، ويرغبون إليهم في الطلبات، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهؤلاء ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله، بل هؤلاء مجتمعون على خلاف الكتاب والسنة، مخالفون لما عليه الأمة من أهل السنة والجماعة، مجمعون على الضلالة، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه.

وأما قول الملحد: "وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابغوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار".

فالجواب أن يقال: إن السواد الأعظم والجماعة هم من كانوا على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هي؟ قال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

فمن كان على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم السواد الأعظم، وهم الجماعة وإن كانوا قليلا، يدل عليهم حديث عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل " وفيه قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي". رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب مفسر.

وفي رواية عوف بن مالك قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة.

وفي رواية أنس بن مالك: "كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" رواها ابن ماجة والأحاديث بعضها يفسر بعضا، فعلم أن السواد الأعظم هو الجماعة، وهي جماعة الصحابة، ولعله بهذا المعنى.

قال إسحاق بن راهويه حين سئل عن معنى حديث "عليكم بالسواد الأعظم" هو محمد بن أسلم وأتباعه، فأطلق على محمد بن أسلم وأتباعه لفظ السواد الأعظم، تشبيها لهم بالصحابة في شدة ملازمة السنة والتمسك بها. ولذا كان سفيان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو واحدا. كذا في الميزان للشعراني.

قال ملا سعد الرومي في مجالس الأبرار: فلا بد لك أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق الجمهور فلا يغرنك اتفاقهم على ما أحدث بعد الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش على أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله تعالى أشبههم بهم، وأعرفهم بطريقهم، إذ منهم أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع، وقد جاء في الحديث "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" والمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثير، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة بالنظر إلى كثرة الباطل بعدهم، وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه: الزم طريق الهدى، ولا يغرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة، ولاحضت الحقيقة فلا تبال وإن خالفت رأيك جميع الخليقة.

وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، منفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه.

ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور النور له من عدم الموافق، فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به، والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، فكيف يحتاج إلى شاهد يشهد بطلوعها ويوافقه عليه.

وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب الحوادث والبدع حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.

قال عمرو بن ميمون الأزدي: صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، فقلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول صل الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الناس الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.

قال نعيم بن حماد يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ.

وعن الحسن قال: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله تعالى فكونوا.

وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته من أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: ما بلغتني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك. وسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" من السواد الأعظم؟ قال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. انتهى.

وليعلم هنا أن محل وجوب السواد الأعظم الذي أريد منه جماعة الصحابة هو ما اختلف فيه الصحابة فذهب عمامتهم وأكثرهم إلى أمر، والبعض الآخر إلى خلافه، بدليل لفظ الاختلاف، فإذا اختلفوا فالصحيح أن الحق مع من كان الخلفاء الأربعة فيهم، فإن اختلفوا وكان أبو بكر وعمر مع طائفة فالحق معهم، وكذلك إذا كان أحد الخلفاء في طائفة ولم يكن أبو بكر وعمر معهم فمن كان عثمان أو علي معه فهم أولى من غيرهم.

وأما ما أجمع عليه الصحابة فوجوب اتباعهم يعلم بفحوى الخطاب، وأما ما اختلفوا فيه ولا يعلم كثرتهم في جانب فالحديث لا يدل على وجوب اتباعهم فيه، وهذا كله فيما إذا لم يعارضه آية أو حديث مرفوع صحيح أو حسن لم يثبت نسخهما، وأما إذا عارضته آية أو حديث فالحجة الكتاب والسنة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

والمقصود أن السواد الأعظم من هذه الأمة من كانوا على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينتحلونه ويفعلونه ويقولونه، وقد علمت أنهم رضي الله عنهم ما كان أحد منهم يستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ولا يدعونه، ولا يلجؤون إليه فما ينوبهم، ولا كان أحد منهم يأتي إلى قبره عليه الصلاة والسلام فيتوسل به، ويدعو هناك، أو يستغيث به، وقد كان أعلم الناس بمثل هذه الأمور مالك إمام دار الهجرة، فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلون عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف.

والمقصود أن ما نقله هذا الملحد من جواز التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين من الأحاديث أنه إما كذب موضوع، وإما ضعيف لا يقوم به حجة ولا تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما نقله عن العلماء فهو من هذا النمط، فما سلكه هذا الملحد مخالف لما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، واتبع سبيل من خالفهم ممن ابتدع في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، وهؤلاء الأكثرون كما قال تعالى: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } وقال تعالى: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } وقال تعالى: { وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } فهؤلاء وإن كانوا هم الأكثرين فليسوا بالسواد الأعظم، والجماعة المذكورين في الأحاديث النبوية، بل السواد الأعظم والجماعة من كان على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتابعين رضي الله عنهم، والأئمة المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإن كانوا قليلا كما تقدم بيانه مفصلا موضحا والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل

ولنختم الجواب بالفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، ليعلم الناظر في هذه الأوراق أن هؤلاء الغلاة الجهال ما عرفوا من معنى "لا إله إلا الله" ما عرفه جهال الكفار الذين بعث الله فيهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هؤلاء الغلاة يزعمون أن من قال: لا إله إلا الله، وأقر أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، أنهم لا يقصدون ممن يدعونه ويستغيثون به ويلجأون إليه من الأنبياء والأولياء والصالحين بذلك تأثير شيء منهم بإيجاد نفع أو دفع ضر، ولا يعتقدون ذلك البتة، بل يعتقدون أن الله هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، وأنه لا مشارك له في ذلك، وهذا هو اعتقاد جهال الكفار الذين بعث الله إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ليقربوهم إلى الله زلفى، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت ما قدمت لك فاعلم أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:

وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع حق الإفصاح كما قال في أول الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك. انتهى كلامه رحمه الله. [60]

فإذا عرفت هذا تبين لك أن توحيد الربوبية هو توحيد العبد ربه سبحانه وتعالى بأفعاله الصادرة منه، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات والنفع والضر وتدبير جميع الأمور إلى غير ذلك من أفعال الرب سبحانه وتعالى، وهذا هو اعتقاد جاهلية العرب فإنهم كانوا مقرين ومعترفين أن الله هو الفاعل لهذا الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده، وأنه هو رب كل شيء ومليكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملك وما ملك "، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء الصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه قال تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } { قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ } وقال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } الآية وقال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } وقال تعالى: { فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وقال تعالى: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } وقال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } الآية، وحكي عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.

فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون هو توحيد الألوهية والعبادة كما قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } وقال تعالى عن كفار قريش: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } وهذه الآية نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب عليه الصلاة والسلام بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم؟ فقال من بين القوم أبو جهل: ما هي؟ لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: قولوا: "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وذلك قوله: { وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } فإذا تمهد هذا واتضح لك، علمت أنه لا ينجي من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا القيام بما دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب من هذا النوع الآتي بيانه، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العبد الصادرة منه؛ لأن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وتعظيما وخوفا ورجاء، وخضوعا وخشوعا وإنابة وتوكلا واستعانة واستغاثة ودعاء، فهو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النوع الثاني: ما تضمنته سورة { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وقوله تعالى { قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا } الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وأمره ونهيه فهو حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. انتهى. [61]

فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار والإعتراف بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، وعرفت أن جهال الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بهذا معترفون به، ولم ينازع أحد منهم في ذلك، بل يعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، وأنه المنفرد بالإيجاد والإعدام والتدبير والتأثير، وأنه لا مشارك له ولو في خلق ذرة من الذرات، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين كله لله، بأن يخلصوا العبادة ولا يشركوا معه في عبادته أحد سواه، فإن من دعا الله ودعا معه غيره فهو مشرك، فالدعاء والخوف والحب والرجاء والتوكل والإنابة والخشوع والخضوع والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر والإلتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه هي له سبحانه وتعالى، فمن صرف من هذه العبادة شيئا لغير الله كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه أو لم يعتقد ذلك فيه.

قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: التوحيد الذي جاء به الرسول إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد ألا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالى إلا الله، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات. قال تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ } وقال تعالى: { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } وقال تعالى: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } وقال تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } وقال تعالى عن المشركين: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ }، وهذا في القرآن كثير.

وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وقفوا في غاية التوحيد، فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس هو الإله بمعنى القادر على الإختراع، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الإختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكملة الصفاتية، وهو الذي يقولونه، عن أبي الحسن وأبتاعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره، قال تعالى: { قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } إلى قوله { فَأَنَّا تُسْحَرُونَ }.

فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويسمع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه، وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا قال تعالى: { أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يشركون } وقال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } وقال تعالى: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعونها، ويصوم وينسك لها، ويتقرب إليها ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، إنما الشرك إذا اعتقد أنها المدبرة، فإذا جعلتها سببا وواسطةلم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، انتهى كلامه. [62]

وقال أيضا على قوله تعالى: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } الآيات، نفى الله عما سواه كلما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، فلم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى } فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى. [63]

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع إما مالكا لما يريده عابده منه، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا متنقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي حال بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، فتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، انتهى كلامه رحمه الله. [64]

فإذا تبين لك الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية عرفت أن مشركي أهل زماننا لا يعرفون ما عرفه كفار العرب، فإن كفار العرب يعلمون أنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، فقد نفوا جميع المعبودات من دون الله، وأثبتوا العبادة لله وحده لا شريك له دون سواه، فأبوا عن النطق بلا إله إلا الله، وعتوا عتوا كبيرا، وأبى الظالمون إلا كفورا، فجحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى ولذلك لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } وقال تعالى حاكيا عنهم { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الغلاة الجهال فإنهم يقولونها وهم مع ذلك يعبدون مع الله غيره ممن يشركونه في عبادته بالدعاء الخوف والحب والرجاء والتوكل والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر والالتجاء وطلب الشفاعة منهم إلى غير ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، سواء اعتقد التأثير والتدبير والإيجاد والإعدام والنفع والضرر ممن يدعوه أو يرجوه، أو لم يعتقد، وإن فر من تسمية فعلة ذلك تألها وعبادة وشركا.

ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها كتسمية عباد القبور عبادة غير الله توسلا وتشفعا وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور لا بالأسماء والإصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء، فإذا تحققت ما قدمت لك فلا بد من ذكر شيء يسير من كلام العلماء في معنى لا إله إلا الله.

قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } قال واسم الله مرتفع بعد إلا من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الآلهية، وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.

وقال في البدائع ردا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من النفي، قال: بل هو مخرج من المنفي وحكمه، فلا يكون داخلا في النفي إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقول: لا إله إلا الله، لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمنت نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها له تعالى بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: الله إله، ولا يستريب أحد في هذه البتة. انتهى بمعناه. [65]

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: لا إله إلا الله، أي لا معبود إلا هو.

وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق.

قال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، [66]

قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه، وترجوه، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس إلا الله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله. [67]

وقال ابن القيم رحمه الله: الإله الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وإنابة وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا.

وقال ابن رجب رحمه الله: الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه، وسواء لأمنه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله عز وجل فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.

وقال البقاعي: لا إله إلا الله أي انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.

وقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب من أله إلهة أي عبد عبادة.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: وهذا كثير في كلام العلماء، وإجماع منهم، فدلت لا إله إلا الله على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره كما قال تعالى عن الجن { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب، فقوله في الحديث "وحده لا شريك له" تأكيد وبيان لمضمون معناها، وقد أوضح الله ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين، فما أجهل عباد القبور بحالهم، وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها لفظا وهو يأله غير الله بأنواع العبادة، كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادة، بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب، فإن أحدهم إذا وقع في شدة أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقد أنه أسرع فرجا لهم من الله، بخلاف حال المشركين الأولين فإنهم يشركون في الرخاء، وأما في الشدة فإنما يخلصون لله وحده كما قال تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } الآية فبهذا تبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم. انتهى.

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين في معنى الإله قال: وأما الإله فهو الذي تألهه القلوب بالمحبة والخشوع والخوف والرجاء وتوابع ذلك من الرغبة والرهبة والتوكل والاستغاثة والدعاء والذبح والنذور والسجود وجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله قال الجوهري: أله بفتح إلهة أي عبد عبادة، قال ومنه قولنا "الله" وأصله إلاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه بمعنى معبود، كقولنا "إمام" فعال بمعنى مفعول، لأنه مؤتم به، قال: والتأليه: التعبد، والتأله: التنسك والتعبد، قال رؤبة سجن واسترجعن من تأله. انتهى.

وقال في القاموس: أله إلهة وألوهة عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، واختلف فيه على عشرين قولا - يعني لفظ الجلالة - قال: وأصله إلاه بمعنى مألوه، وكلما اتخذ معبودا له عند متخذه قال: والتأله والتنسك والتعبد، انتهى.

وجميع العلماء من المفسرين وشراح الحديث والفقه وغيرهم يفسرون الإله بأنه المعبود، وإنما غلط في ذلك بعض أئمة المتكلمين فظن أن الإله هو القادر على الاختراع، وهذه ذلة عظيمة وغلط فاحش، إذا تصوره العامي العاقل تبين له بطلانه، وكأن هذا القائل لم يستحضر ما حكاه الله عن المشركين في مواضع من كتابة، ولم يعلم أن مشركي العرب وغيرهم يقرون بأن الله هو القادر على الإختراع، وهم مع ذلك مشركون، ومن أبعد الأشياء أن عاقلا يمتنع من التلفظ بكلمة يقر بمعناها، ويعترف به ليلا ونهارا وإسرارا وجهارا، هذا ما لا يفعله من له أدنى مسكة من عقل.

قال أبو العباس رحمه الله تعالى: وليس المراد بالإله هو القادر على الإختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد، كما قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ } وقال تعالى: { قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الآيات، وقال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } الآيات، وقال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره. وهذا التوحيد من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين فلا يعبد إلا إياه فيكون دينه الله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب فهو إله بمعنى مألوه لا بمعنى إله. انتهى.

وقد دل صريح القرآن على معنى الإله وأنه هو المعبود كما في قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } قال المفسرون: هي كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" باقية في عقبه أي ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى جعل هذه الموالاة والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة "لا إله إلا الله" فتبين أن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه هو معنى "لا إله إلا الله"

إذا تبين ذلك فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية فعله ذلك: تألها وعبادة وشركاء، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغيير أسمائها، فلو سمي الزنا والربا، والخمر بغير أسمائها لم يخرجها تغيير الاسم عن كونها زنا وربا وخمرا ونحو ذلك، فمن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنا مسبة الرب، وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير أسمائها، كتسميته توسلا وتشفعا للصالحين وتوقيرا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الخمر باسم آخر غير اسمها، وذمهم على ذلك، فلو كان الحكم دائرا مع الاسم لا مع العلة لم يستحق الذم، وهذا من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم قديما وحديثا، أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم، وغيّر اسمه بتسميته إياه توسلا، وتشفعا ونحو ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل. انتهى.

فلا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من أن يكون المتكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، ولا بد من العلم واليقين بمدلوها كما قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } وقوله: { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }، أما النطق بها من غير معرفة بمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع.

قال في المفهم على صحيح مسلم: باب لا يكفي مجرد اللفظ بالشهادتين بل لا بد من استيقان القلب، هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم من تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعا. انتهى.

ومعنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود حق إلا الله، وهو في غير موضع من القرآن قال تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وقال: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فأجابوا ردا عليه بقولهم: { أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } وقال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } الآية.

فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا، ويقرره، ويرشد إليه، فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبا ورهبا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى، فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فقد جعله الله ندا، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.


هامش

  1. " كان مفتيا عاما للجمهورية السورية " ينظر معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة.
  2. أبو داود والنسائي
  3. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تفضلوا بين أنبياء الله.. "
  4. طبع في الهند باسم الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية.
  5. في كتابه منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبه داود بن جرجيس
  6. أخرجه أهل السنن الأربعة، وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
  7. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "وأما حمله إلى مصر فباطل باتفاق الناس وقد اتفق العلماء كلهم على أن هذا المشهد الذي بقاهرة مصر الذي يقال له "مشهد الحسين" باطل ليس فيه رأس الحسين ولا شيء منه." ينظر مقتل علي بن أبي طالب والحسين.
  8. البخاري
  9. متفق عليه
  10. قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيه يوم أحد؛ وشيخ في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله: { لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.
  11. أحمد وأبو داود والترمذي
  12. " آدم " ليست في الأصل، وأثبتت من المستدرك.
  13. الترمذي والحاكم.
  14. أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي.
  15. مسلم
  16. قال نعمان الآلوسي في جلاء العينين: وممن نص على تكفير ابن عربي بناء على كلامه المخالف للشريعة المطهرة وألف في ذلك الرسائل العديدة المطولة والمختصرة العلامة السخاوي؛ والفهامة المدقق السعد التفتازاني؛ والمحقق ملا علي القاري. ونقل الشيخ علي القاري عن ابن دقيق العيد قال: سألت شيخنا سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا. وقال: وسئل عنه شيخنا أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقي فقال: لا شك في اشتمال الفصص المشهورة على الكفر الصريح الذي لا يشك فيه، وكذلك فتوحاته المكية، فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك. قال: كذلك شيخنا شيخ الإسلام سراج الذين البلقيني صرح بكفر ابن عربي. وكذا رضي الدين أبو بكر محمد بن الخياط والقاضي شهاب الدين أحمد الناشري الشافعيان. وقال العلامة القاري: ثم اعلم أن من اعتقد حقية عقيدة ابن عربي فكافر بالإجماع من غير نزاع.. اهـ ملخصا
  17. قال ابن تيمية في الرد على البكري: وأما ما يروية كثير من الجهال والاتحادية وغيرهم من أنه قال: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وآدم لا ماء ولا طين " فهذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل فإن أحدا من المحدثين لم يذكره ومعناه باطل، فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
  18. كذا قال تبعا للتبريزي في المشكاة. والحديث عزاه السيوطي قي الزيادة على الجامع الصغير للبخاري فقط.
  19. أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة
  20. قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }
  21. قال تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
  22. هو أحمد بن زيني دحلان المتوفى سنة 1304 "، ينظر كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان
  23. ليس في مصنف عبد الرزاق ولا تفسيره
  24. حكى الطبري قولين في المسألة: أن المقام المحمود هو الشفاعة وعليه أكثر أهل العلم، والقول الآخر: أن المقام المحمود هو جلوس النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه على عرشه سبحانه. ثم قال: " وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما حدثنا به أبو كريب ثنا وكيع عن داود بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُحمودًا } سئل عنها قال: "هي الشفاعة".
  25. مسلم
  26. الطبراني في الكبير
  27. قال ابن القيم: " لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل. وليس لهذه المسألة أصل في الشرع " وقال محمد الصنعاني في سبل السلام إن قول النبي صلى الله عليه وسلم " ولكن شرقوا أو غربوا " صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما.
  28. قال الهيثمي في المجمع 1/82 بعد أن نسب الحديث للطبراني في الكبير والأوسط: وفيه: إبراهيم بن عبد الله المصيصي، وهو كذاب متروك. وفي الأوسط: طلحة بن يزيد، وهو كذاب أيضا.
  29. مسلم
  30. الرد على الجهمية للدارمي وتفسير الطبري، قال الهيثمي في المجمع: "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
  31. قال السيوطي في الدر المنثور: أخرجه عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه واليهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة.
  32. مسلم
  33. أبو داود
  34. انظر سنن الدارمي ح206 والبدع لابن وضاح ح18
  35. مسلم
  36. حديث الإسراء
  37. أي أم المؤمنين عائشة.
  38. قال ابن حجر في الفتح بعد سياق كلام العلماء: والحاصل من الأجوبة ستة: أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل ودل عليه قوله في الرواية الأخرى: فكأنما رآني في اليقظة". ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه. رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك؛ وهذا من أبعد المحامل. خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام. سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه؛ وفيه ما تقدم من الإشكال.. - وقول القرطبي الذي نقله ابن حجر هو: اختلف في معنى الحديث فقال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء؛ وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول؛ ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها؛ وأن لا يراها رائيان في آن واحد في مكانين؛ وأن يحيا الآن؛ ويخرج من قبره؛ ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبونه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر؛ ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره. وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل.. إلخ.
  39. ينظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
  40. متفق عليه
  41. أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم والهروي في ذم الكلام، وأورده البغوي في تفسيره وابن القيم في إعلام الموقعين وإغاثة اللهفان ومدارج السالكين والتبريزي في مشكاة المصابيح. انظر الكواكب النيرات لخالد الردادي.
  42. قال عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وأخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر
  43. البخاري
  44. أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي
  45. قال الباباني في هداية العارفين: صنع لله بن صنع الله الحلبي ثم المالكي الحنفي الواعظ بها. له.. سيف الله على من كذب على أولياء الله، فرغ منها سنة 1117.
  46. مسلم
  47. كما قال تعالى عن الكفار: { ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار }
  48. متفق عليه
  49. الواسطة بين الخلق والحق
  50. مسلم
  51. متفق عليه
  52. في الفتاوى "ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد".
  53. قال ابن حجر في التقريب: " محمد بن حميد بن حيان، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه.. " اهـ.
  54. مسلم
  55. أي كلام ابن عبد الهادي في الصارم المنكي الذي نقله من اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية
  56. في الصارم: وقال البخاري سكتوا عنه - أي تركوه.
  57. في الصارم: وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.
  58. أحمد وأهل السنن
  59. كذّب ابن تيمية هذه القصة في الاقتضاء.
  60. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.
  61. شرح العقيدة الطحاوية.
  62. درء تعارض العقل والنقل
  63. مجموع الفتاوى ج7
  64. مدارج السالكين
  65. بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية.
  66. مجموع الفتاوى، ج10
  67. طريق الهجرتين