الزير سالم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث



الجزء الرابع[عدل]

والنار في مهجتي قد أحرقت كبدي من جور قوم ما لهم أنصاف قولك صحيح ما لنا عندة قيمة ولا كلام ونحن من الاشراف سبعة أقاليم ملك تبع حازها وعلى المدائن والقريات طاف والكرام والنخل والآثمار جمع حاز الجميع من البلدان والآطراف روحي ياسعاد خلى ناقتك ترعى بين الروم ولست منة أخاف

(قال الراوي ) فلما انتهى جساس من شعرة ونظامة فرحت العجوز وانشرح صدرها فقبلت يدة وخرجت من عندة وقالت لعبدها خذوا هذة الناقة واتركوها ترعى في البستان المعروف بحي كليب واجعلوها تهدم الحيطان وتقطع الاشجار وتاكل الاغصان واذا اعترضكم فاشتموة وسبوة واذا أقتضى الامر اقتلوة ولا تخافوا سمعا وطاعة ثم أخذوا الناقة وساروا بها إلى ذلك المكان . (قال الراوي ) وكان هذا البستان كأنة روضة جنان كثير الاشجار والفواكة والاثمار وكان كليب قد اعتنى بة حتى صار من احسن منتزهات الدنيا وكان لايسمح لاحد ان يدخل الية سوىهو وعيالة فقط فلما أخذت العبيد الناقة دخلوا بها بعد ان هدموا الحائط وصاروا يقلعوا الزهور ويكسروا أغصان الشجر وكانت الناقة تأكل العريس وأثمار الكرم وكان كليب قام حارسا يحرسة اسمة ياقوت فلما نظر الحارس تلك الفعال هجم على العبيد بالعصا وقال لهم اخرجوا ياكلاب من البستان قبل أن يحل بكم الهوان فشتموة وسبوة ثم ضربوة فهرب من بين أيديهم وجاء إلى كليب وأعلمة بواقعة الحال فاغتاظ غيظا شديدا وجاء إلى ذلك المكان ومعة أربعة غلمان فراى العبدين أحدهما جالس على سريرة أي الذي كان يجلس علية وقت النزهة والآخر دائر مع الناقة بين الكروم والزهور وهو يسب الامير كليب ويشتمة فعند ذلك تراكضت غلمان كليب على العبيد لتقبض عليهما فتركا الناقة وهربا فأحضرت الغلمان الناقة أمام كليب فأمر بذبحها فذبحوها وطرحوها خارج البستان وكانت عبيد العجوز تراقب عن بعد ما يجري على الناقة فلما شاهدوا ما كان م امرها رجعوا على الاعقاب وأعلموا مولاتهم بما جرى وكان وكيف أن غلمان كليب ذبحوا الناقة بامر مولاهم وطرحوها خارج البستان فقالت الآن بلغت مرادي وأخذت ثاري من الاعادي ثم أمرت العبد أن يسلخ الناقة ويأتيها بجلدها فسلر العبد وسلخها اليها وقامت من وقتها ووضعت التراب على راسها وشقت ثيابها مع بناتها وعبيدها وجواريها وأخذت جلد الناقة وسارت بها لعند الامير جساس فدخلت علية وهو في الديوان مع الاكابر والاعيان وصارت تندب وتبكي وألقت الجد بين يدية فقال ملامك أيتها العجوز وما الذي أصابك *~u^ûé*~u^ûé S*~u^ûé S'~uŒ"> 

(قال الراوي ) فلما فرغت العجوز من كلامها استعظم جساس تلك القبضة وعصفت في راسه نخوة الجاهلية وقال للعجوز أذهبي بأمان فأنا أعرف شغلي فذهبت إلى خيامها واستبسرت ببلوغ مرامها ثم التفت الامير جساس إلى من حولة من الامراء وأكابر الناس أنظروا ما فغلة ابن عمنا في حقنا وهو صهرنا فقد أهاننا بهذا العمل وأنا لابد لي أن أستعد لقنالة في هذا اليوم فاما أن أقتل أو أبلغ الامل فقالت لة أكابر العشيرة تمهل يا امير فانة لربما لايعلم أنها ناقة نزيلك ومن الصواب أن ترسل لة كتابا على سبيل العتاب وتطلب منة ثمن الناقة وتنظر مايكونجوابه فان أرسل الثمن واعتذر كان خيرا وان أبى وامتنع فحينذ تفعل ماتريد فاستصوب جساس هذا الرأي وكتب إلى كليب يعلمة بذلك الحال ويطلب منة ثمن الناقة وأرس الكتاب مع عبدة أبو يقظان فأخذ يقظان الكتاب وفي طريفه مر على تلك العجوز أخبرها با القصة فترحبت بةولاطفته بالكلام وقدمت لة الطعام ثم أخذت تسقية المدام جتى سكر وغاب عن الصواب فعند ذلك فتشنة في ثيابه حتى عثرت بذلك الكتاب فقراته فوجدته كتابا بسيطا خاليا من التهديد والوعد والوعيد وأضافت اليه كلاما مغيظا وهي هذه الابيات

أمير كليب الآعارب أيا ابن العم لاتتكبر علي يجب ان اقتلك بحد سيفي ياعارض النساء

ثم طوت الكتاب ووضعته في مكانة وقام العبد فنهض وركب جواده وصار حتى وصل ديوان الامير كليب ودخل عليه وقبل الارض بين يديه وناوله الكتاب فأخذه وقراه ولما وقف على معناه أغتاظ غيظا شديدا وأراد أن يقتل العبد ولكنه كان رجلا عاقلا موصوفا بالحلم والحزم فأطرق رأسه إلى الآرض وتفكر قليلا قال في سره لعل الامير جساس كتب لي هذا اكتاب وهوفي حاله السكر غائب عن الصواب فمزق الورقة وأمر بضرب العبد فضرب وقال له اذهب ياابن اللئام إلى عند مولاك بسلام والا سقتيك كأس الحمام فقام وهو أخر رمق وركب حصانه وسار إلى عند جساس وقال له انه بحال ما قرا الكتاب مزقه وأمر بضربي وقد شتمك وسبك وهذا الذي تم وجرى . (قال الراوي ) فلما سمع جساس هذا الكلام صار الضيا في عينيه كا لظلام فنهض في الحال ودخل إلى الخزانه السلاح ولبس ألة الحرب والكفاح وركب ظهر حصانه وأنحدف إلى صيوانه وصاح على أبطاله وأخواته وفرسانه فجاؤا اليه ودادروا حواليه فأعلمهم بواقعة الحال وما جرى بينه وبين كليب من النزاع والجدال وقال لهم استعدوا لقتال بني تغلب الانذال وأخذ يكلمهم بهذا الشعر والنظام :

يقول جساس نار القلب مشتعلة على الضمائر ياقوم لها لهيب ياقومنا اسمعوا قولي وأصغوا قول صحيح بلا تكذيب كليب خلى كال أحوالنا عبر حكم البلاد مشارق ومغيب وليس يحسب لنا قدر ومنزلة الكل عندهم غنم وهو بينهم ديب ناقة نزيلي ذبحها ما ما خشى أجدا أجرى الىدمها شبة الآنابيب انت عجوز فألقت جلد ناقتها بعد مابكت بدمع سكيب تنهدت ثم قالت يا ولدمرة ابن عمك كليب عليك يعيب هكذا كليب يفعل بنزيلك مالك قيمة عندة ولاترحيب فقلت لها اصبري ياعجوز علي فأنالك منة ثمنها أجيب أرسلت له أبو اليقظان عندي بكتاب مافيه أسا ولاتعذيب شق الكتاب وأرمى العبد بضربه ومن كثرة الضرب ما أظنه يطيب أترضون المذلة ياأهل قومي الذل لايرضاه سوى كل معيب


(قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وعرف قومه فحوى قصده ومرامه فما أحد طاوعه على هذا المرام وقالوا له عن فرد لسان بئس هذا الرأي وهل يجوز لنا ياأمير لاجل ناقة حقيرة تقاتل ابن عمنا الامير كليب ونرفع في وجهة السلاح بعد أن صاننا وحمانا بسيفه وقتل الملك تبع حسان واستولى على الاقاليم والبلدان وجعل لنا ذكرا عظيما في قبائل العربان على طول الزمان فان كان لك عليه دم أو ثأر فدونك واياه فلا تطلب منا مساعده ولانجده فلما سمع كلامهم تركهم وقصد بيت العجوز ولما اجتمع بها قال لها لقد جئت اليك لارضيك بالعطايا خوفا من ازدياد الشر ووقوع البلايا فاطلبي ثمن ناقتك لاعطيك اياه ولو كان مهما كان قالت بالنجوم اريد واحد من ثلاثه اشياء قال وما هي قالت اريد اما ان تملا جحري بالنجوم او تضع جلد الناقة عاى جثتها لتقوم او راس كليب بالدماء يغوم فقال لها ملىء حجرك بالنجوم او ان الناقة تعيش وتقوم فهذا لايقدر عليه الا الحي القيوم أما راس كليب فابشري به ثم قوم السنان وأطلق العنان وقصد حي بني قيس فقالت العجوز لعبدها سعد خذ هذا السكين والمنديل الابيض واتبع جساس من وراءه فاذا رايته قتل كليب فأسرع أذن والطخ هذا المنديل من دمه فمتى فعلت ذلك فاني أطلقك لوجه الله تعالى فامتثل أمرها وتبع أثار جساس اما جساس فلم يزل سائرا حتى وصل إلى قصر كليب وسأل عنه فقالت له أخته الجليله قد ركب الآن وهو يطبع مهره في وادي الحصا والجندل فقصده حتى التقى به وهو يطبع مهره وكان كليب بدون سلاحولم يكن معه سوى خيزرانه فقط وكان كليب دائر ظهره الىجساس لانه كان من عادته دائما انه لايلتفت في الحرب إلى أقل من مائة فارس فأراد جساس ان يغدره من قفاه فما طاوعته يده على ذلك مهابة ووقارا فلما وصل وسلم عليه فرد عليه السلام فراه متسربل بالسلاح فاستعظم كليب الامر وقال علامك يا ابن عمي أراك بالسلاح الكامل قال مرادي الصيد والقنص لكنني لما التقيت بك أعرجت اليك لاسالك سؤالا واحد واعاتبك على ما فعلت فهل كان لك بساتين وكروم ونحن ما لنا شيء أتت عندنا عجوز شاعره مع بعل لها أعمى ورعت ناقتها في بستانك على تجاهنا فكيف تقتلها أما عندك قيمه ولا أعتبار بهذا المقدار فضرب كليب كفا علىكف من شدة الاسف وقال والله يا ابن عمي ما عرفت أنها ناقة ونزيكلك ثم ذكر عن سوء ادب الرعيان وما فعلوا من الضررفي لبستان ومع كل ذلك فاني أعوض واعطيها أربع مائة ناقة واذااردت أكثر فأعطيها ولا يكون ذلك سببا للنزاع والخصام بيننا فأننا أولاد أعمام وأصهار فقال جساس على سبيل الخداع أني سأرضيها وهو قاصد قتله ثم قال له مرادي أن ألعب معك سابقين بالجريده فقال كليب ياجساس أنت راكب ظهر القسيرة وأنا راكب مهر جاهل فقال أنا أسوق أمامك والمهر يسبق الفرس فساق جساس الفرس فتبعه كليب حتى حكمت تحت يمينه وضربه فأصابت ظهره فقلبته عن ظهر الفرس فانحدر الدم من فمه ومنا خيره فقال كليب قم يا ابن العم فأن كنت لاتريد أن تلعب غير هذه الجريده فاصرع واضربني بها فيتتهي الحال ثم نزل كليب عن ظهر المهر ومشى أمامه أما جساس فانه قد تألم بهذا القدر حتى أنه لم يعد تمكنه القيام واذا بعبد العجوز أقبل اليه وجذبه من يده فأوقفه وقال والله انك من أحقر الرجال ثم أعلمه بحال وكيف العجوز أرسلته خافه لاجل تلك القضيه فتحمس جساس ونهض ومسك له العبد الركاب فركب ثم تقدم نحو كليب وهز في يدة الرمح وطعنه في صدره خرج يلمع من ظهره فوقع على الارض يختبط بدمه فبكى كليب ملء عينيه ودمعه يسبل على خديه فلما راه جساس علىتلك الحال ندم وتأسف على مافعل فتقدم اليه وقبله في لحيته وعارضيه وضمه إلى صدره ووضع رأسه على ركبتيه وقال سلامتك يا ابن اعمي يا أبا اليمامه فقد حلت بي الندامه فوالله أني فعلت ذلك بدون عقل ولاتميز فسامحني على هذا الارتكاب القبيح فأجابه كليب على حلاوه الروح وقال هذا حكم الاله المتعال ماكان أملي منك أ، تباديني بهذه الفعال وتشمت في الاعداء والانذال وتفرق بيني وبين اليتامى والاطفال وما بكائي على مال ولانوال وانما بكائي على اليتامى ولكن لهم رب لايغفل ولاينام وابكي على غدرك فانك قتلتني بالغدر والعدوان ولست من أقرني في الميدان ولا في ملتقى الفرسان ولكن سيجازيك العادل الديان وسوف ترى ما يحال بك من الهون ولاأظن بأنه يصفي لك الزمان بعد الآن فقم واذهب إلى الخيام وأقرى الايتام مني جزيل السلام ولكن اسقني قبل رواحك شربة ماء لان قلبي قد احترق من الظمأ وأشار بهذه القصيدة يقول

يقول كليب اسمع يا ابن عمي أياجساس قد أهرقت دمي أيا غدار تطعني برمح ولست انت في الميدان خصمي واشمت الاحاسد والاعادي وباتت اخوتي تبكي وامي على ناقه تقتل ابن عمك أمير كريم من لحمك ودمك بيوم الضيق كان يزيل همك ويردي الضد في يوم النزال

(قال الراوي ) فلما فرغ كليب من شعره ونظامه فخاف جساس وأصفر لونه وارتعش قلبه وقال والله يا ابن عمي لايعرف الانسان ماذا مقدر عليه ثم انه رفع راسه عن ركبته واتى له بماء فأسقاه ثم ركب وتركه وخلاه وهو يركض وياتفت وراءه قاصدا أهله وحماه وأما عبد العجوز فانه بعد ذهاب جساس تقدم ليذبح كليب حسب ما أمرته العجوز فلما أقترب منه وجده يجود بنفسه وهو على أخر رمق فتامل فيه العبد فوجده ذات هيبه ووقار ووجهه يتلآلا بالانوار فتاخر عنه وخاف منه فنظر اليه كليب ففاق من حلاوة الروح وقال له من أنت وما هو قصدك ومرامك فاعلمني بحالك فقال له لاخفي عنك أنا عبد التبع اليماني فلما قتلته أنت حضرت أخته سعاد العجوز الساحره إلى هذه البلاد لتأخذ بثأره منك وتطفي لهيب نارها وهي التي القت الفتنه بينك وبين ابن عمك حتى قتلك وأرسلتني لاذبحك وأخذ لها أثر من دمك فقال كليب لقد صدقت فقد ذكر لي تبع هذا الكلام ونفذ قوله الآن بالتمام وهذا تقدير رب الانام فأريد منك ياعبد الخير قبل أن تذبحني تفعل معي هذا الجميل وهو أن ترميني بالقرب من هذه البلاطه القريبه من هذا الغدير لاكتب وصيتي إلى أخي سالم الزير واوصيه بأولادي ومهجة كبدي وبعد ذلك أفعل ماتريد فسحبه العبد إلى قرب البلاطه والرمح غارس فيه والدم يقطر من جبنه فبكى كليب وتفكر وهو يتأمل على ما أصابه ويتحسر ثم اخذ بيده عودا وغطه في الدم وانشد يقول : هديت لك هديه يامهلهل عشر أبيات تفهمها الذكاه أول بيت أقوله أستغفرالله أله العرش لايعبد سواه وثاني بيت أقول الملك لله بسط الآرض ورفع السماء وثالث بيت وصي باليتامى واحفظ العهد ولاتنسى سواه ورابع بيت أقول الله أكبر على الغدار لاتنسى أذاه وخامس بيت جساس غدرني شوف الجرح يعطيك النباه وسادس بيت قلت الزير أخي شديد البأس قهار العداه وسابع بيت سالم كون رجال لآخذ الثار لاتعطي وناه وثامن بيت بالك لاتخلي لاشيخ كبير ولافتاه وتاسع بيت بالك لاتصلح وأن صالحت شكوت للاله وعاشربيت أن خالفت قولي فأنا وياك إلى قاضي القضاه

ولما انتهى كليب من كلامه التفت إلى العبد وقال له افعل الان ما تريد فقال والله ياأمير ما تستحق الا كل خير وان يدي لاتطاوعني على ذبحك قال اذبحني لانني في ألم شديد وعن قريب تأتي أخوتي وباقي الرجال والحريم فعند ذلك اخرج العبد السكين وانحنى عليه وذبحه من الوريد إلى الوريد ولوث المنديل بدمه ورجع إلى عند سيدته فأعلمها بقتل كليب وأراها دمه ففرحت فرحا شديدا وصبرت إلى الليل ثم حملت وسافرت بمن معها من تلك القبيله سرا حتى لايعلم بها أحد وقالت لقد أخذت الان ثأري وطفيت لهيب ناري هذا ماكان منها واما جساس فانه لما رمى كليب وولى هارب سار حتى وصل إلى قومه وهو في خوف عظيم أصفر اللون متغير الكون فقال أبوه مرة اين كنت قال كنت في البريه فالتقيت بابن عمي كليب فقتلته وزال همي وغمي فلما سمع مرة هذا الخبر تبدل صفو عيشه بالكدر وقبض على جساس من ذراعه كا يخرج روحه من بين جنبيه وقال ياعديم الزمان ويا أخبث الانام اتقتل ابن عمك وهو من لحمك ودمك لاجل ناقه حقيرة وصاحبتها سائله فقيرة فماذا تقول العرب يا غدار اذا سمعت عنك هذه الاخبار فقد اجلبت علينا الاذى والضرر وفضحتنا بين البشر ومازال يوبخه ويلطمه من خلف وقدام حتى جاءت أخوته اليه وخلصوه من بين يديه وهم يعنفوه ويسبوه ويشتموه ماعدا الامير همام فانه كان عند الزير في تلك الايام يتنادمان ويشربان المدام على بير السباع كما تقدم الكلام وليس عندهما خبر بهذه الامور والاحكام ثم التفت مرة على أولاده وقال لهم لقد حلت بنا المصائب من كل جانب فما الذي عاد يخلصنا من الزير ليث الوادي وقهار الاعادي فوالله ليقطع آثارنا ويعجل في دمارنا ثم أنه بعد هذا الكلام أشار يقول :

يقول أمير مرة من قصيد بأن العار مايمحوه ماح جنيت اليوم يا جساس حربا علينا في المسا والصباح وقدت النار في بكر وتغلب يعم لهيبها كل النواحي أيا جساس تقتل ابن عمك كليب البرمكي ليث البطاح أمير ما كان له مثيلا شديد البأس في يوم الكفاح ايا جساس من قتل ابن عمه يبيت الليل يسهر للصباح فسوف ترى بما جرى بنا اذا برز المهلهل للكفاح فيسلب مالنا قهرا وغصبا بأطراف العوالي والصفاح

( قال الراوي ) فلما فرغ من هذا النشيد أجابه جساس بهذا القصيد وعمر السامعين يطول :

تأهل مثل أهبه ذي الكفاح فان الامر زاد عن التلاحي فأني ان جلبت عليك حربا فاني ليث حرب في الكفاح فكيف عن الملام فلست أخشى بيوم الحرب من طعن الرماح وأني حين تنشر العوالي أعيد الرمح في أثر الجراح تعدت تغلب ظلم علينا بلا ذنب يعد ولاجناح ومالي همه ايدا قصد سوى قتل العدى يوم الكفاح

( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من كلامه قال أبوه سوف ترى ما يحل بنا من البلاء والويل من سيف المهلهل فارس الخيل ثم صار يبكي ويتأسف ويلطم كفا على كف ثم قال لأولاده الرأي عندي أن نكتف جساس ونرسله إلى الزير وأخوته ليقتلوه بثأر كليب وبهذه الوسيله تزول الفتنه وتطفي النار وتزول الاحزان والاكدار فان المصيبه عظيمة وعاقبتها ذميمه وخيمه فقالت اولاده ماهذا الكلام يابانا فهل بعد كليب غير جساس يليق أن يكون ملكا فأن كنت تحسب جساب المهلهل فما هو الا كالاهبل وليس له داب الا اكل الكباب وشرب الشراب وقال مرة العياذو بالله من كيد الشيطان الرجيم ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم ثم قال لاولاده وان اخيكم همام له عند الزير مدة ايام فنخاف ان يعلم الزير بقتل اخيه فيقتله ولا يبقيه .

( قال الراوي) وكان لهمام جاريه اسمها رباب فاستعاده مرة اليه وقال لها اقطعي البقاع وسيري إلى بير السباع واعلمي همام سرا بما جرى وتجدد قولي له ان يرجع بالعجل خوفا من ان يقتل فسارت الجاريه حتى وصلت إلى هناك فوجدت الزير وهمام على سفرة الطعام وهما بالكلام ويشربان المدام ويتحدثان بالكلام فلما رآها همام وثب اليها وقال ما دهاك قالت سر طويل وحزن وعويل ثم أعلمته سرا بواقعة الحال وطلبت منه المسير إلى الاطلال فلما وقف على حقيقة الاحوال اعتراه الانذال وغاب عن الصواب وتبدل انشراحه بالحزن والاكتئاب فلما طال بينهما الحديث والخطاب خرج الزير من بين الاطناب كأنه اسد الغاب فوجدهما يتكلمان سرا ويميان عليه فعظم الامر لديه فسل الحسام وقال ماهو الخبر ياهمام فاني اراكم في قلق واهتمام واشار يقول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل أحس النار في قلبي لهيب فقلبي موجع والجسم ناحل ولا القى إلى جسمي طبيب وشاب الراس مني والعوارض فاني صرت في حال عجيب وافكر في الزمان وشؤم فعله وهذا الدهر يتقلب قليب ايا همام الا يا ابن عمي فمالك خائف واقف رعيب فما ابصر الحرمه تقول لك تناديك وانت لها تجيب اراكم تكتموا الاسرار عني كأني بينكم رجل غريب اراكم في حديث وفي وشاوش وبين ذا وذا امر عجيب فلا تخل الامور من الحوادث يا همام اعلمني تصيب والا افتحوا لي الباب حتى اروح عني بدا قلبي يطيب

( قال الراوي ) فلما فرغ من شعره أجابه همام يقول :

يقول همام اسمع يا مهلهل فدمعي فوق الخدود سكيب وناري بالحشا قد أحرقتني أحس لها طي الفؤاد لهيب أقول أنت تسمع يا مهلهل بأنك صاحبي نعم الحبيب فما نحن في وشاوش لاوانت بيننا رجل غريب انا واياك في طرب ولهو ولا تحسب حسابات الحسيب جعلنا يا فتى نيت جملكم جرى دمه على نحره سكيب

فلما سمع الزير هذا الشعر توقد قلبه بلهيب الجمر وأجابه يقول :

يقول الزير يا همام اسمع ان ابن عمي لي نسيب فما لك علم في وقتك كله ولا في القضيه لك طليب فقم اذهب إلى اهلك يا نسيبي بلا تطويل من قلب المعيب فتأتي أخوتي ثم يقتلونك ويدعونك على الغبرا كثيب فما أقدر أن أحميك منهم وانت محب ايا نعم الحبيب فلو جينا ما عيش أكلنا وكاسات شربناه بطيب لكنت أمد يدي تحت سيفي وآخذ ثار أخوي عن قريب

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من هذا الشعر والنظام قال لهمام انت من دون بني مرة نديمي وصديقي وزوج أختي ورفيقي ليس عندك علم بهذا المنكر فلا تخاف ولاتفزع فقال همام لقد جرى القلم يا ابن العم والذي مضى ما بقى يرجع فأما تقتلني عوض عن أخيك أو تأخذ منا ما يرضيك وترفع عن الحرب والقتال وتتركنا نبقى في الاطلال فو الله صعب على هذا الامر والتهب قلبي بنار الجمر لما سمعت بهذا الخبر المهول فلا كان جساس المهار قال الزير وحق من يعرف الغيب وروح أخي كليب أني لا أرفع السيف عنكم حتى اشفي غليلي منكم ثم أقتلكم عن بكرة أبيكم وأهتك النساء والبنات وأجعلكم مثلا بين الناس ولو لم تكن زوج أختي وسميري ما كنت أعلمتك بما في ضميري بل كنت قتلتك في الحال وأورثتك النكال فسر الان إلى الاطلال ولاعدت تريني وجهك في الحرب والقتال فلما سمع همام ذلك الكلام ركب ظهر الحصان وأوما إلى ابنه شيبان الذي الذي كان معهما في ذلك المكان ان يسير معه إلى تلك الاوطان فامتنع عن المسير وقال سأيقى مع خالي الزير فسار همام وقد عظم عليه الامر وهو ينقض غبار الموت عن منكبيه حتى وصل إلى حلته واجتمع بأبيه وأخوته وأخذ يلوم جساس على فعله وكيف انه تجاسر على كليب وقتله وأعلم قومه بما عزم الزير فخاف الكبير والصغير وأيقنوا بالهلاك والتدبير واستعدوا من يومهم إلى الحرب والكفاح وجمعوا آلات الحرب والكفاح هذا ماكان على بني مرة وأما الزير صاحب الشجاعه والقدره فانه بعد ذهابه إلى الديار اشتعلت بقلبه لهيب النار واعتراه الاصفرار فصار يلطم وجهه في يده وقد عظم الامر عليه حتى رقصت شعرات شاربيه ومع ذلك لم تنزل من عينيه دمعه لانه كان من الجبابرة السبعه وكان يقول وحق رب العباد لابد ان افتك ببني بكر الاوغاد واقتل الشيوخ والاولاد ولما طال المطال وهو على هذا الحال قال له شيبان بن همام دع عنك هذا الكلام واشرب المدام فانك عاجز يا خال عن هذه الفعال فمن انت من الابطال حتى تتكلم بهذا المقال وتتباهى على الامراء واكابر الناس كأبي همام وعمي جساس ثم انشد اليه يقول وعمر السامعين يطول :

انشد شيبان وقال في بيوت ودمعي من عيني طال خالي اسمع ما أقول وحط قولي وسط البال خلي الهرج ووطي النفس واترك عنك القيل وقال تقول تكيد بني مرة وتقتل كل الابطال غدا يا خالي هم يأتوك بخيل كثير ونعم رجال يظهر خيول عليك تجول ودق طبول كما الزلزال ونرج الارض بطول وعرض ترحوا قتلي بضرب صقال يجيء جساس قوي الباس كذا العباس زكي الحال وياتي عمر بخيل ضمر وصفر ونمر وابو جفال يجي ملك القوم كان بيوم الكون كسبع صال وأخي شيبون بطل مجنون وابي همام ان جال ومال وتاتي الشوس وكل عبوس يخلوا الروس تلال تلال

فلما انتهى شيبان من كلامه أجابه الزير على شعره ونظامه :

يقول الزير أواه أواه يا ابن اختي عقلي زال يولي غدا الفرسان تجيك يخوفني من أهل أنذال أتاريك انت عدو مبين كلامك ما خلالي حال وانا العربيد بيوم نكيد للروس اكيد بطعن وعوال اكيد الشوس اقطع الروس انا الجبار فغير محال وبعد كليب لابيع الروح اشلكم بالرمح شلال وبعد كليب اخلي السيف طول العمر بكم عمال وبعد كليب سياج البيض ما أعتق منكم رجال وانت يا ابن اختي اليوم عدت بغير محال وابوك أغدي سيفي فيه وأعشي الرمح من الابطال

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من انشاده نهض الغلام ليركب على جواده ويلحق بأبيه وأعمامه فضربه الزير بجامه القاه على الارض قتيل وفي دماه جديل ثم قطع عنقه ووضعه في مخلاه حصانه ولفها في قربوس السرج وتركها فسار الجواد حتى وصل إلى القبيله وسار إلى بيت مولاه فلما رأت أم الولد جواد الغلام وهو في تلك الصفه قالت للجاريه دونك جواد سيدك فتقدمت الجاريه وأخذت المخلاة فوجدت فيها رأس شيبان فاستعظمت ذلك الشان واعلمت بواقعة الحال فطار عقلها لما نظرت راس ابنها مقطوع فضجت بالبكاء والنواح والعويل والصياح فاجتمعت عليها نساء الحي من كل مكان ولما سمع همام الخبر طار من عينيه الشرر فبكى واشتكى وقال لزوجته ضباع نظرت ما فعل أخوك فو الله لم يبق لي غريم سواه فشقت ثيابها وسارت عند أخيها المهلهل ولامته على ما فعل وقالت اتقتل ابن أختك بثأر أخيك ثم أشارت تقول :

تقول ضباع يا سالم علامك بجاه كليب ماسويت بابني بثأر كليب تقتل ابن أختك وتحرق مهجتي وتزيد حزني حزنت على كليب وماجرى له وحزني في صميم القلب مبني ولكن قد حكم ربي مراده وربي ما كتب لي يصيبني

فأجابها الزير بهذه الابيات :

يقول الزير من قلب حريق بقتل كليب زاد اليوم حزني الا يا أخت قلي من بكاك ولا تخشين من أمر يعبني فو الله ثم والله ثم والله اله العرش منذ ادعو يجبني فلا بد لي من حرب الاعادي وقتل كل جبار طلبني

فلما فرغ الزير من كلامه قالت له الله درك ياسالم ياقهار الاسود القشاعم لقد زالت لوعتي الان وخفت عني الاحزان لما سمعت شعرك يافارس الفرسان وعرفت ما انت معول عليه من الحرب والطعن وأخذ الثأر وكشف العار ثم رجعت إلى الديار وهي في قلق وافتكار هذا ماكان من امره

( قال الراوي ) ولما اشتهر موت كليب ووصل إلى ابنائه الخبر وعلمت بذلك جميع أهله وبناته فمزقوا الثياب واكثروا من البكاء والانتحاب فتهتكت لوجه الملاح ووقع في الحي العويل والصياح وكسرت الفرسان السيوف والرماح وخرجت بنت كليب من الخدور وهن مهتكات الستور نشرت الشعور حافيات الا الاقدام يقطعن السهول والاكام وقدامهن اختهن اليمامه وكان ذلك اليوم مثل يوم القيامه ولما وصلن اليه وجدن الطيور حائمات عليه فوقعن على جثته وقبلن يديه وارتمين حواليه ولما قرأنا ذلك الشعر الذي كتبه على الصخرة زادت احزانهن واخذن يلطمان على وجوههن ثم اقبلت اخوة كليب إلى ذلك المكان وازدحمت الرجال والنسوان والابطال والفرسان والسادات والاعيان يرثوه بالاشعار واجروا لهيب نارها سوء البطل الاوحد والسيف المهند والصحصاح الشهير الذي ليس له في ذلك العصر نظير عمها المهلهل الملقب بسالم الزير فسارت هي واختها اليها وتوقفت عليه فقالت والله ياعماه مكانك حزنان بما جرى علينا وكان من طوارق الزمان يقتل اخيك ملك العصر والاوان ثم القت نفسها غميانه في حجره وضعن على جثته وقبلن يديه وارتمين حواليه ولما قرأنا ذلك الشعر الذي كتبه على الصخرة ز ] -C-C -C-C'~u*~u^ûé S*~u^ûé*~u^ûé S*~u^ûé S'~uŒ*~u^ûé S*~u^ûé S"~u"~uينيه ويقول سلامتك ياأمير اليمامه ياصاحب الجهه والكرامه فقد احرقت قلبي بفقدك فلا كان من عيش بعدك ولما اشتد عليه الامر ارته اليمامه وصية أخيه المكتوبه على الصخره فقرأها وقال وحق الاله المتعال اني لا اصالح إلى الابد مادامت روحي في هذا الجسد ثم بكى وتنهد ورثاه بهذه القصيده أم السادات واكبر العمد وهي من أجود مراثي العرب واحسن الاشعار أهل الفضل والادب :

كليب لاخير في الدنيا وما فيها ان انت خليتها لم يبقى واليها فيها تنعي النعاة كليبا فقلت له مالت بنا الارض أم مالت رواسيها ليت السماء على من تحتها وقعت حالت الارض فاندكت أهاليها الناحر النوق للضيفان يطعمها والواهب الميتة الحمراء براعيها الحلم والجود كانا من طبائعه ماكل اللطافه ياقوم تحصيها ضجت منازل بالخلان قد درست تبكي كليب نهار مع لياليها كليب اي فتى زين ومكرمة تقود خيلا إلى خيل تلاقيها تكون اولها في حين كرتها وانت بالكر يوم الكر حاميها غدرك جساس ياعزي ويا سند وليس جساس من يحسب تواليها لا أصلح الله منا من يصالحهم حتى يصالح ذيب المعز راعيها وتوالد البغله الخضرا خدالجه وانت تحيا من الغبرا تاليها ويحلب الشاة من اسنانها لبن وتسرع النوق لاترعى مراعيها

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من هذا المرثيه الغراء وسمعته السادات والامراء تعجبوا من فصاحة لسانه وقوة قلبه وجنانه ومااحتوة اليه من الالفاظ الرقيقه والمعاني البليغه الدقيقه وقالوا والله لقد جاد سالم الزير وفاق على الاشعار والمشاهير بهذا الكلام الذي هو كالدر النظير ثم اجتمع الامراء المقدمين وقالوا للعرب المجتمعين انها ماعاد ينفع البكاء والانتحاب وان اكرام الميت دفنه في التراب ثم أتوبكليب إلى الديار ودفنوه بكل أحترام واعتبار واحتفال ووقارو رثوه بنفائس الاشعار وبنوا على قبره قبه من أعظم القبب وطلوا حيطانها بالذهب والفضه فكانت من العجب في بلادالعرب زخرفوها بالنقش الفاخر كتبوا على حيطانها اسماء الاله القادر . (قال الراوي ) وبعد أن تلو أسماء الاله القادر وسمعتها السادات ورؤساء العشائر دفنوا الامير كليب كما تقدم الكلام ذبح الزير على قبره النوق والاغنام وفرق المال والطعام على الارامل والآيتام ثم جلس في الديوان وجميع الآكابر والآعيان وأبطال الميدان والفرسان واخوانه الشجعان وقال أعلموا أيها الآمراء والساده الكرام أن جساس أهانكم وقتل ابن عمكم وملككم فاستعدوا لاخذ الثار وكشف العار من بني بكر الاشرار فلما سمعوا منه هذا الكلام أجابوه إلى ذلك المرام وقالوا عن فرذ لسان أننا بين يديك ولا نبخل بأراوحنا عليك لان الامير كليب لاينتهي ولم تلد ةمثله النساء ثم انهم تحالفوا معه وعاهدوه على الكرسي المملكه وبايعوه واجلسوه فلما تملك على القبيله طرد امراه اخيه الجليله فسارت إلى بيت ابيها وجواريها وكانت جليله بولد ذكر سوف يأتي عند الخبر واستعد الزير من ذلك اليوم لقتال القوم وحلف بأعظم الاقسامه بأنه لايشرب المدام ولايلتذ بطعام حتى يأخذ يأخذ ثأره بعد الحسام وينتقم من بني بكر أشد الانتقام او انه يموت تحت ارجل الخيل ولايبالي بالويل ثم امر الرؤساء والقواد بجمع العساكر والاجناد وان يكون في استعداد للحرب فامتثلوا امره في الحال وتجمعت الفرسان والابطال حتى امتلات الروابي والتلال وكانت قد انضمت اليه عدة قبائل وامدوه في العساكر والجحافل حتى سار في لأربعمائة الف وقال لما بلغ بني بكر هذا الخبر اعتراهم القلق والضجر وخافوا من العواقب وحلول النوائب فجمعوا المراكب والكتائب وسار بهم الامير إلى الذئاب وهومكان شهير يبعد ثلاثه أيام عن قبيله الزير وهناك أنضمت اليهم بعض القبائل من العربان فكانوا نحو ثلاثمائه ألف واقاموا في ذلك المكان ولما سمع الزير برحيل مرة واولادة إلى الديار قال لا بد أن اقتفي الاثار وافني الكبار والضغار ثم امر الفائد الكبير بسرعه المسير فامتثلوا ماامره وفعلوا ما ذكرة وفي الحال دق طبل الرجوع فارتجت منه السهول والمروج وهو الطبل الذي كان لتبع حسان ولم تكن الا ساعه من الزمان حتى ركبت الابطال والفرسان وركب المهلهل متسربلا بالسلاح كأنه ليث الغاب وعلى راسه الرايات والبنود ومن .



الجزء الخامس[عدل]

حوله القواد والجنود فعند ذلك سارت الواكب قاصده الذئاب وما زال العسكر يقطع البر الاقفر اشرف إلى تلك الديار في اليوم الثالث عند نصف النهار ولما قرب وانكشف البيان وراه الامير مرة ومن معه من الرجال والفرسان قالوا وحق الاله القدير المتعال لقد اقبل علينا سالم الزير بالجموع والجماهير والفرسان المشاهير واليوم تباع الارواح بيع السماح في عاجل الحال انتخب الامير مرة الف من الابطال وارسلهم لملاقاة الاعداء في تلك البيداء وكان المقدم عليهم ابنه جساس وجماعه من علماء الناس فسار الجحفل طالبا جيش الهلهل ثم فرق مائه الف اخرى في الصحراء وقدم عليهم ابنه همام وحثهم على الحرب والصدام واقام هو بباقي العسكر على الجانب الايسر حتى اذا انكسرت الفرقتان يحمل بمن معه من الفرسان ولما شاهد المهلهل تلك الحال وانقسام الرجال والابطال فقسم عسكره إلى ثلاثه اقسام وتقدم ولما اقتربت العساكر من بعضها البعض وانتشر جموعه في تلك الارض حملت الفرق على الفرق وهجم الجيش على بعضه وانطبقوا وقصد المهلهل فرقه الامير مرة بعشره الاف من اهل الشجاعه والقدره وفي الحال اشتبك القتال وعظمت الاهوال وجرى الدم وسال وارتحب الوديان والتلال من قعقعه النضال فكان يوما مريعا وحربا فظيعا يشيب منه راس الغلام قبل الفطام فما كنت ترى الا رؤوسا طائرة ودماء فائرة وفرسان غابرة فلله در المهلهل ومافعل ذلك اليوم من العمل فانه هجم هجوم الاسود وفرق المواكب والجنود ونكس الرايات والبنود وقتل كل جبار ونمرود وكان كلما قتل فارس منتخب يقول يا لثارات كليب ملك العرب ويلقى نفسه في مهاوي العطب املا بالنصر وبلوغ الارب ومازال على تلك الحال حتى قتل خمسمائة من الابطال ولما اشتدت الاهوال تأخرت عنه الرجال خوفا من الهلاك والوبال وهو يجول ويدور ويهدر كالاسود والنمور ويقول كليبا قتيل الجور اين عيناك اليوم تراني وتشاهد حربي وطعاني فياليتني كنت فداك ولا كان من يسلاك ( قال الراوي ) وكانت نيران المعامع والحروب والوقائع مشتبكه في ثلاثة مواضع واستظهرت جيوش المهلهل على اعدائها وبلغت غاية مناها وفعلت باقي الفرق كما فعل سيدها واستمر القتال على هذا الحال من الظهر إلى غروب الشمس وكان قد قتل من بني بكر أوفى من ثلاثين الف نفس ومن جماعة المهلهل نحو خمس الاف بطل فعند ذلك دقت طبول الانفصال فارتدت عن بعضها الفرسان ونزلوا في الخيام والمضارب ورجع المهلهل وهو قاهر وغالب كأنه أرجوان مما سال عليه من أدميه الفرسان فاجتمع بالسادات والاعيان في الصيوان فهنوه بالسلامة وقالوا مثلك تكون الشجعان يازينة الاكوان وجوهرة هذا الزمان فشكرهم على هذا الكلام ووعدهم بالخير والانعام ثم أكلوا الطعام وأخذوا يتذاكرون بأمر الحرب والصدام وكان المهلهل صديق يركن اليه ويعتمد في أموره عليه قوي الجنان فصيح اللسان يقال له امرؤ القيس ابن ايان وكان يقاربه بالفروسيه ويساويه بالفصاحه والهمه العاليه فقاتل معه في ذلك اليوم وفتك في صناديد القوم وكان لايفارق الزير في القتال ويحمي ظهره من غدر الرجال فقال له المهلهل أمام الفرسان ماهو رأيك يا ابن ايان في الهجوم على الاعداء اللئام تحت جنح الظلام فاني والله كلما اذكر قتل كليب تتوقد بقلبي النيران وليس لي عنه صبر ولاسلوان فقال تمهل ياأمير مهلهل فان النهار قد اقترب ولابد لنا من بلوغ الارب لان القتال في الليل يجلب علينا الهم والويل فتختلط الاحزاب بالاحزاب ولاتعود تعرف الاعداء من الاحقاب لان الظلام يحجبنا بعضنا البعض ونتشتت في هذه الارض فاستصوب كلامه الزير فقال هكذا اشارت فرسانه :

( قال الراوي ) وبات الجيشان يتحارسان وأوقد النيران فكانت بنو بكر وباقي قبائل العرب قد باتت في شدة وتعب وأيقن الامير مرة انه يغلب ويقهر من سيف الزير الاسد الاسود ولما اصبح الصباح واضاء بنوره ولاح تبادرت العساكر إلى ميدان الحرب والكفاح واصطفت الفرق إلى صفوف وترتبت المئات والالوف وتأهب المهلهل للحرب واستعد للطعن والضرب فركب ظهر الحصان وتقدم إلى معركة الطعان وتبعه امرؤ القيس بن ايان وقواد الابطال والفرسان بقلوب أقوى من الصوان وكذلك ركب الامير مرة وبقية الفرق واعتقلوا بالسلاح والدروع فعند ذلك دقت الطبول وصهلت الخيول وارتفعت الرايات على رؤوس الامراء والسادات من جميع الجوانب والجهات وهجم كل فريق على فريق وتقاتلوا بالسيف والمزارق والتفت الامم بالامم وقام الحرب على ساق وقدم وما مضى ساعة من النهار حتى اشتد لهيب النار وطلع للقتال الغبار وانذل الجبان وحار وارتفع الصياح وعلا وارتجت أقطار الفلا ولبست الارض من الدماء حللا وعظم بنيهم البلا والويل وعاد النهار كسواد الليل وقال المهلهل في ذلك اليوم وما قصر وفعل افعالا تبقى وتذكر فانه أقتحم صفوف الاعادي كانه ليث الوادي وحال المامن والمياسر وطعن فيها طعنا يذهل النواظر ويحير العقول والبصائر وهو يقول يالثارت كليب مهجه قؤادي ومن كان سندي واعتمادي ولما طال المطال واشغى غليله من قتال الابطال قال :

ذهبت الصلح او تردوا كليبا اونبيذ اليين نطرا ذهلا ذهبت الصلح او تردوا كليبا او نعم السيوف شيبان ذهبت الصلح او تردوا كليبا او ازهق الرجال قهرا وذلا

فتعجب الفرسان من شعره ومقاله وانذهب من هول قتاله وكذلك اندهشت باقى ابطاله باقى ومازال الحرب يعمل الدم يبذل والرجال تقتل إلى ان ولى النهار وارتحل ودخل الليل واقبل فعند ذلك رجع الامير المهلهل وباقي الجيش والجحفل وجميع أكابر عشيرته وأهله وأخوته يتحادثون فيما يجري ويكون فاستقر الرأي على سرعة الانجاز والجهاد في الحرب والبراز قبل أن يطول الامر وتفوتهم الغلبه والنصر ثم انهم اكلوا الطعام باتوا في الخيام ولما طلع النهار واشرقت الشمس والانوار تأهبوا للحرب والكفاح فتقلدوا بالسيوف والرماح ودقوا الطبول وركبوا ظهور الخيل وتقدمت الفرسان والابطال إلى ساحة القتال وكذلك فعل الامير مرة والامير جساس ومن يلوذ بهم من عظماء الناس والتقت العساكر بالعساكر وتقاتلوا بالسيوف والخناجر وكان الامير المهلهل في أول الجحفل فصاح وحمل والتقى الفرسان بقلب أقوى من الجبل وهو يهدر كالاسد ويضرب فيهم بالسيف المهند ويقول يالثارات كليب ليث الصدام وزينة الليالي وكان كلما قتل فارسا يعيد هذا الكلام فقصدته الابطال من اليمين والشمال وهو يضرب فيهم الضرب الصائب ولايبالي بالعواقب حتى مزق الصفوف بحملاته وفرق الالوف بتواتر طعناته وما تنصف النهار حتى قتل مائه بطل كرار من الابطال والفرسان المذكورة كذلك فعل امرؤ القيس ابن ايان وباقي القواد والشجعان ومازالوا على تلك الحال إلى ان ولى النهار بارتحال فارتدوا عن الحرب والصدام ورجعوا إلى المضارب والخيام وكان قد قتل من عرب جساس في ذلك النهار عشرون الف بطل كرار ومن عرب المهلهل نحو ثلاثة الاف بطل ولما اصبح الصباح استعد الفرسان للحرب والكفاح فركبوا ظهور الخيول وتقاتلوا بالسيوف والنصول وهجم المهلهل على الفرسان الفحول كأنه الغول وهو ينشد ويقول :

هلموا اليوم نلتقي يا ال مرة ولو كانوا ثلاثين الف كرة وسيف الهند يقطع في يميني فلاتخشى المهالك والمضرة فاحموا يا بني عمي لظهري فتحظوا بالاماني والمسرة فكل الناس ترهب من قتالي اذا ما جلت في الميدان كره سوف ابيد جساسا وقومه واسقيهم في حربي كاس مرة

ثم انه لما حمل على الكتائب والمواكب واظهر بافعاله الغرائب والعجائب وقتل كل شجاع غالب : (قال الراوي ) وما زال القوم في حرب وصدام وقتل وحصام مدة ثلاثه شهور حتى اشفى الزير غليله من بني بكر وقتل منهم كل سيد جليل وفارس نبيل وكان عدد من قتلهم في تلك المواقع نحو مائه الف مقاتل مابين فارس وراجل وقتل من جماعه الزير نحو عشرة الآف بطل فلما راى جساس ما حل بقومه من النوائب خاف من العواقب وعلم انهم اذا ثبتوا امامهم يهلكون هلاك الابد لايبقى منهم أحد فولى وطلب لنفسه الهرب مع باقي طوائف العرب وغنم الزير غنائم كثيرة واموال غزيره ثم رجع يمن معه من الفرسان إلى الاطلال وهو في احسن حال وانعم بال ونزل في قصر اخيه وصارت ملوك العرب تكاتبه وتهادنه وكان يترقب الاوقات للحرب والغزو فشكرته اليمامه على ما فعل وقالت لاعدمتك ايها البطل فانك اخذت الثار وطغيت لهيب النار ورجعت بالعز والانتصار فشكرها على هذا الكلام وقال حق رب الانام لايشفى فؤادي ولايطيب لذيذ رقادي حتى اقتل الامير جساس واجعله مثلا بين الناس وهذا الامر سيتم عن قريب باذن الله السميع المجيب . (قال الراوي ) بينما هو يترقب الاخبار ويقتفي الاثار اذ دخل عليه العبد نعمان الذي تقدم ذكره قبل الان وكان من اصحاب الزير واصدقائه المشاهير فسلم عليه وتمثل بين يديه فنهض له على الاقدام واكرمه غايه الاكرام وبعد ان جلس قال للزير اعلم يا امير قد جيت الان من ابعد مكان اولا لاهئيك بالانتصار واعزيك على فقد ذلك البطل الكرار وثانيا لاعلمك بانه ظهر لي المنام من مده عشرة ايام رؤيا عجيبه تشير إلى احوال غريبه وهو النهار ان تحارب أحد من ملوك الاقطار بل تجنب وقوع الفتن وتبقى مرتاح في الوطن فمتى تمت هذه الليالي رافقك السعد والاقبال باذن الاله المتعال فأن حاربت انتصرت وان قاتلت ظفرت وقهرت فشكره الزير على ذلك الاهتمام وغمره بجزيل الانعام ومن ذلك اليوم اخذ لنفسه الحذر وتجنب مخالطه البشر وكان يصرف ايامه بشرب المدام واكل الطعام واشتهر الخبر في القبائل ان الزير اوقف الحرب مدة سبع سنين كوامل (قال الراوي ) وكانت بني مرة قد هامت في الاقطار خوفا من الهلاك والدمار وندم جساس غايه الندم بقتل كليب الاسد الغشمشم وما زال هو وقومه في خوف وحذر من عواقب الامور إلى ان بلغهم خبر توقيف القتال فزالت عن قلوبهم الهموم والاهوال ورجعوا إلى الاطلال . هذا ما كان من بني مرة وجساس واما الزير الفارس الدعاس فانه استمر على تلك الحال وهو في رغد عيش وانعم بال ان كانت نهايه السنه السادسه فركب إلى الصيد والقنص في جماعه من فرسانه وابتعد عن الديار نحو ثلاثه ايام ومن الاتفاق الغريب فان الامير جساس راى حلما في بعض الليالي وهو انه رقد في قرب صيوانه حوض من الماء فبينما كانت قومه تشرب منه فاذا بذنب كاسر قد جاء إلى الحوض بصفه جمل كبير وله ثمانيه انياب فشرب من الماء ثم ضرب الحوض بنابه فانشق من جانبه وتهور ذلك الماء حتى كادت قومه ان تهلك من شده العطش والظمأ ثم راى النسوان والاولاد بثياب السود والدم جاري مثل المجاري والجمال تنهش بعضها البعض ودماها تسيل على وجه الارض فاستيقظ جساس خائفا من هول ذلك المنام فاستدعى اليه اخوته وبنى الاعمال وقص عليهم ما راى وابصر فاستعظموا ذلك الامر وقالوا لايوجد من يقدر على تفسيره سوى المنجمين فان حسن عندك ارسل استدعى عمار الرياحي فانه يفسره لك على يقين فارسل اليه وحضر وقص عليه الخبر فضرب ورسم الاشكال فبانت له حقائق الاحوال ثم التفت على جساس ومن حضر هناك من الناس وقال لهم هذا المنام من عجائب الايام وهو يدل على شر عظيم وخطب جسيم سوف يحل عليكم من سالم بوقت قصير وقد اظهر لي ايضا بان اخ المهلهل عندة مهر ادهم اسمة عندم قوي العصب والحيل عديم المثال في الخيل وسعد الزير مقرون بهذا الحصان وبه وينتصر في الحرب والطعن فاذا ملكتم هذا الجواد نلتم المراد واسرتموة في القتال والطراد . فلما سمع جساس هذا الكلام استبشر ببلوغ المرام وقال لهم قد بلغنا بان الزير غائب عن القبيله وما في الحي غير النساء والحصان موجود في الديار وهذه ازالة الغصه ثم انه ارسل رجلا ليكتشف الخبر ثم رجع واخبره بصحه الكلام فعند ذلك ركب جساس في ثلاثه الاف بطل وطرق باب المهلهل على عجل واحاط بساحه الدار من اليمين واليسار فاستعظم بنات كليب ذلك الامر ولم يعلن ذلك السبب فطلت اليمامه براسها من الشباك وقالت له اركب على ظهر الفرس ماهو الداعي ياخالي بقدومك إلى الحي بالابطال والحي خالي من الرجال فقال لها جئنا بطلب المهر الادهم المدعو بعندم فقالت له اهلا وسهلا بك مهما طلبت فلا نمسكه عنك غير انه لا خفاك بان المهر خاصه بعمي عديه فلا يمكننا ان نسمح فيه ثم اشارت تقول:

بكم قد حلت البركه علينا وزال الشر عنا مع نكال فمهما تطلبوا مني تشوفوا خيولا مع بغال وجمال ولكن مهر عمي غير ممكن اسلمه فان المهر غالي

( قال الراوي ) فلما سمع جساس شعرها ونظامها أجابها يقول على كلامها بهذين البيتين :

تعالوا اسمعوا قول اليمامه تقول المهر لا أعطيه غالي فأني قاصد أخذه سريعا ولا أخشى العداة ولا أبالي

( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره نزل عن ظهر الفرس ودخل إلى الاصطبل فوجد المهر فوضع عليه العدة وركبه وقال لليمامه قد أخذت الحصان وغدا أطاردكم على ظهره سار وهو فرحان حتى وصل إلى الاوطان فقال لاخيه قد اتيت بالحصان ومرادي اجربه في الميدان فانتخبوا ثلاثين راسا من الخيل الصوافن فأركبوها واكمنوا في عشر مكامن وأنا أمر عليكم أسرع من الريح فاتبعوني في البر الفسيح فان سبق هذا الجواد بلغنا به المراد في الحرب والطراد فأجابوه إلى ماطلب وأراد وركبوا الخيول الجياد وركب سلطان أخو جساس القميرة ووقف في آخر كمين وركب جساس ذلك الحصان واطلق له العنان فسار في تلك القفار اسرع من الطير اذا طار ولما اقترب من الخيل تبعته فسبقها جميعا ماعدا القميرة ففرح جساس ثم نزل عن ظهره وامر العبيد ان يربطوه بقرب صيوانه ووكل به مئة عبد وقال لقد اقبل علينا السعد فسوف نقتل ذلك الوغد . ( قال الراوي ) هذا ماكان من جساس واما الزير فانه عند رجوعه من الصيد استفقد ذلك الحصان فلم يجده مع الخيل فصعد إلى القصر وسأل اليمامه واشار يقول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل بدمع قد جرى مني بداد يمامه رحت انا لصيد قانص وقومي واخوتي ثم الجياد لنا عشرون يوما في فلاوة ودرنا من بلاد إلى بلاد وصدنا طيورا ووحوشا كثيرة ودرينى رجعنا للبلاد وجيت لمهر أخي فما لقيت شرد عقلي وعني عاد غاد فأين المهر قوطر يايمامه عدم صبري وفارقني رشادي امات المهر أم أحد أخذه من الاوباش والناس الاعادي

فلما سمعت اليمامه شعر عمها اجابته تقول:

تقول اليمامه ياعم اسمع الا ياعم جاؤوا الاعادي ابي جساس أخذه غصب عني انا حرمة ومالي منه جلادي فقلت تأخذه يا خال تندم يجوكم غدا على خيل جيادي وقال غدا الاقيكم بعزمي وقد زادت همومي بزدياد له ياعم ثلاث ايام غائب وقد زاد حزني بزدياد فقم ياعم شد الخيل وركب بعسكر كأنهم رف الجراد وميل على بني مرة بسيفك واحصد جمعهم مثل الحصاد ياعمي عدية اليوم يومك ياعزي وفخري واعتمادي وهاتوا راس جساس سريعا اجبر خاطري واشفي فؤادي

فلما فرغت من شعرها ونظامها اجابها الزير يقول :

يقول الزير قهار الاعادي انا السبع الجسور في كل وادي غدا لابد اجد في لقاهم واحصد جمعهم يوم الجهاد وأخذ ثارنا من آل بكر واطفي النار من طي الفؤادي وأخذ مهرنا المدعو بعندم ويظهر ذكرنا بين العبادي فمن يذهب يقول لاولاد مرة اتاكم اليوم ذباح الاعادي اتاكم المهلهل مع آل تغلب اسود الحرب في يوم الطراد الا يا آل مرة سوف اشفي بقتل ساداتكم فؤادي ولايخفاكم يا آل مرة بقتل كليب صرتم لي أعادي

فلما فرغ الزير من شعره دخل وجلس في الديوان وجمع اخواته والامراء والاعيان واخبرهم بواقعة الحال وقال لهم مارايكم في اسجلاب الحصان فقالوا له الراي رايك ونحن طوع يديك قال متى كان الصباح تركبوا في ثلاثة الاف فارس وتكمنوا في وادي الهجين وانا اكمن في وادي المطلا وكان هذا المكان يبعد عن بني مرة مسافة ميل ثم قال لاخيه عديه وانت قم الان وغير ثيابك وزيك والبس ثياب ممزقه حتى لاأحد يعود يعرفك واذهب لحي بني مرة وتجلس بقرب صيوان جساس فاذا سألوك عن بلادك ومهنتك فقل لهم من بلاد الصعيد ومهنتي هي سياسة الخيل وانا قد بلغني ان جساس من محبته في الحصان كل يوم يسلمه إلى سايس فاذا قال لك هل تريد ان تخدم عندي وتسوس هذا المهرفقل نعم حتى اذا تمكنت منه تركب ظهره وتلحقنا إلى ذلك المكان فمتى صرت هناك لاتخف ولا تحسب لهم حساب ولو كانوابعدد التراب فاني سأبيد جمعهم بعون رب العالمين واخذ ثارنا من جساس اللعينفاستصوب رايه ولبس ثياب ممزقه وتعمع بعمامه والتحف بحرام عتيق وغير زيه وتنكر وسار يقطع البر الاقفر إلى ان حي بني مرةفقصد صيوان جساس وكان قد اقبل الليل فرقد بين اطناب الحيام ولما كان الصباح جلس الامير جساس واجتمعت حوله اكابر الناس ثم وضعوا موائد الطعام واخلوا يتذكرون بالكلام فبينما هم كذلك اذ حانت من جساس التغاته فراى عديه وهوعلى تلك الصفات فشفق عليه وقال لبعض غلمانه اطعم هذا الفقير واساله عن حاجته فأحذ له الغلام طبق الطعام وساله عن بلاده فقال انني من بلاد الصعيد ومهنتي سياسه خيل الاماجيد فقد جار على الزمان فأتيت منالاوطان قاصدا اهل الفضل والاحسان إلى ان وصلت الىهذا المكان فطيب الغلام خاطره واعلم مولاه بحاله فقال جساس اذا كان منبلاد الصعيد فهو ادراء بسياسه الخيل من العبيد فدعوة يسوس لنا عندم المهر الجديد وانا اعطيه كل ما يريد ونا وجدته من الماهرين سلمته جميع خيلي وجعلته رئيس اصطبلي فلما قال له الغلام هذا الكلام دعا لجساس بطول العمر ثم ان تحزم وتقدم إلى المهر ففك قيود رجليه وقبله بين عينيه وقال هذا يومك يا جوادي فقد بلغت الات مرادي وكان المهر لماراى صاحبه عرفه فمال اليه وألفه فتعجب جساس وباقي الناس لان الجواد كان لايالف احد من العبيد الموكلين عليه من قاربه ضربه بيده ورجله فقال جساس وحق رب الانام ان هذا السيائس يستحق الاكرام والانعام وكان عديه لما تمكن من المهر ركب على ظهره ثم لكزه برجليه وصاح فسار مثل هبوب الرياح وجد في قطع البطاح كأنه طير بلا جناح فلما راى جساس تلك الحال تغيرت منه الاجوال وعلم انها حيله قد تمت عليه ولطم على خديه ووجهه وصاح على الابطال والفرسان وقال دونكم هذا الشيطان فقد احتال علينا وخدعنا بالمكر والاحتيال حتى نال طلبه بلغ قصده واربه فعند ذلك ركبت الفرسان ظهور الخيول واعتقلوا بالسيوف والنصول وتبعوه في تلك السهول وهم يصيحون وراءة ويجدون في قطع الفلاه إلى ان وصل إلى ذلك الوادي الغدير فوجد احاه الزير وهو كامن هناك في جماعه من الابطال صناديد الرجال فاعلمه بواقعة الحال فقال خذ حذرك الان فقد اتتك الفرسان من كل جانب ومكانفبتسم المهلهل وقال سوف تراى ما افعل ثم انه نزل عن ظهر حصانه واعطاه لاحيه واخذا المهلهل الادهم ووضع عليه عدة جواده ثم ركب وتلملم واذا بالخيل والمواكب قد احاطت به من كل جانب وصاح عليهم وحمل بقلب اقوى من الجبل ومل عليهم بالحسام كانه ليث الاجام فطير الرؤوس عن الاجسام وفتك فيهم فتك الذئاب بالاغنام وفي اقل من ساعه ادركته بقيه الجماعه الذين كانوامكمنين في وادي الهجينفانصبوا عليهم كالشوهين من الشمال واليمين وكان قد وصل الحبر إلى جساس فأخذه القلق والوسواس فركب بباقي الابطال ومن يتمد عليهم من الرجال وقصد ذلك المكان وقاتل قتال الشجعان واتقت الرجال بالرجال والابطال بالابطال وعظمت الاهوال وجرى الدم وسال وكثر القيل والقال وتزلزلت الارض من هول القتالوكانت واقعه عظيمه لميسمع بمثلها في الايام القديمه انهزم فيها جساس اقبح هزيمه وغنم المهلهل غنيمه جسيمه لهاقدر وقيمه ورجع إلى الديا روالعز والانتصار فالتقته النساء بالدفوف والمزامير ثم طلع إلى القصروهو منشرح الصدر فشكرته بنت اخيه على مافعل وقلن لله درك من بطل فقد احذت الثار وطفيت من القلوب لهيب النار فالله يحفطك ويبقيك وينصرك على حسادك واعاديك فشكرهن على هذا الكلام وبعد ان خلع ثيابه جلس للطعام وشرب المدام ثم دخلت امه فقبلته بين عينيه وهنأته بذلك الانتصار وطلبت منه ان يرفع عن بني مرة السيف البتار فاستقبلها بالوقار والاعتبار وقال لها والله اني لا أصالحهم يا أماه حتى يعود كليب إلى قيد الحياة ثم تذكر تلك الواقعه وما جرى له في تلك الايام مع القوم فأنشد يقول وعمر السامعين يطول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل وقلب الزير قاسي ما يلينا وان لان الحديد ما لان قلبي وقلبي من حديد القاسيينا تريدي يا أميه أن أصالح وماتدري بما فعلوه فينا فسبع سنين قد مرت علي أبيت الليل مغموما حزينا أبات الليل أنعي في كليب أقول لعله يأتي الينا كان كليب في رؤوس المعلا تغشاه ذئاب الجائعينا أتتني بناته تبكي وتنعي تقول اليوم صرنا حائرينا فقد غابت عيون أخيك عنا وخلانا يتامى قاصرينا سللت السيف في وجه اليمامه وقلت لها أمام الحاضرينا وانت اليوم يا عمي مكانه وليس لنا بغيرك معينا وقلت لها ما تقول أنك عمك حماة الخائفينا كمثل السبع في صدمات قوم أقلبهم شمالا مع يمينا فدوسي يا يمامه فوق راسي على شاشي أذا كنا نسينا فان دارت رحانا مع رحاهم طحناهم وكنا الطاحنينا أقاتلهم على ظهر المهر أبو حجلان مطلوق اليمينا فشدي يا يمامه المهر شدي وأكسي ظهره السرج المتينا وهاتي حربتي رطلين وازود وحطيها على عدد متينا ونادي على عدية وكل قومي صناديد الحرب المانعينا ونادي أخوتي يأتوا سريعا لنلقي جيش بكر أجمعينا فنادتهم أتوا كأسود غاب وقالوا قد اتينا يا أخينا وياتوا يحرسون الليل كله وقضوا الليل كله وساهرينا

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من شعره ونظامه شكره الجميع على مقاله وباتوا تلك الليله في سرور وانشراح ولما اصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح أمر الزير قومه بالاستعداد للحرب فركب ظهر الجواد وتبعته الفرسان والقواد وقصدوا بني مرة بقلوب قويه وهمم عليه فالتقاهم جساس مع أخوته وأهله واشتبك بينهم القتال وعظمت الاهوال وابتلت بني مرة بالبلاء والويل وكان الزير يحصد فيهم بالنهار والليل واستمر القتال بين الفريقين مدة سنتين حتى فقد من بني مرة في هذا الحرب الاخير نحو اثني عشر الف أمير عدا السادات والاكابر والجيوش والعساكر وكان الزير يأمر قومه بقطع الرؤوس ووضعها في المخازن لانه كان قد اقسم بالله العظيم ان سيملي البيوت من جماجمهم وباقي الاماكن فلما طال المطال واشتدت على بكر الاهوال اجتمعت اكابر الناس مع الامير جساس واخذوا يتفوضون كيف يتخلصون لان الزير لايقبل منهم فدى وجميع وسائطهم التي استعملوها في توقيف الحرب راحت سدى فقال سلطان لاخيه جساس أعلم يا أخي بأن الزير في كل صباح يمر على قبر أخيه فيجيبه بالسلام ويقول له قد قتلت في ثأرك فلان وفلان فهل اكتفيت أم لا فلا يجيبه أحد فالرأي عندي ان انتخبوا رجلا وتضعوه داخل القبه بحيث لايراه أحد فإذا مر الزير على القبر حسب عادته وسأل أخاه ذلك السؤال فيجيبه الرجل بصوت خفيف من قلب ضعيف لقد اكتفيت ياأخي فاغمد سيفك من هذا اليوم عن قتال القوم واياك أذية البشر فان ذلك مما يجلب علي الضرر فاذا سمع هذا المقال فلربما ينطلي عليه المحال فيكف عن الحرب والقتال فنستريح من القيل والقال فاستصوب جساس وباقي الاعيان رأي الامير سلطان ( قال الراوي ) وكان في القبيله رجل فقير الحال عديم الاشغال فاستدعاه جساس اليه وقص ذلك الكلام عليه وقال له اذا بلغنا الارب ولكن الطريقه خطره قبيحة فأخذ جساس يحسه بالكلام ويرغبه في هذا بالشعر والنظام :

على ماقال جساس بني مرة الا يافارغ الاشغال اسمع فلي عندك حاجه صغيرة فتقضيها سريعا لم ترجع فان الزير لا شانا جميعا وفرق جمعنا في كل موضوع ولا يقبل رجاء ولا عطايا وعن الافعال ماكان يرجع بثار كليب صرنا شرايد أعدم في الوغى كل ليث أروع يمر في قبره في كل صباح ويزعق بصوت للاكباد يصدع يقول الا نعمت أخي صباحا ايكفي ماقتلت تريد ارجع فاذهب واختبي بالقبر حالا اذا صاح المهلهل انت تسمع اذا سألك أحارب أو اصالح اجيبه انت محفوظ ارجع ان رضيت منهم نلت ثأري وانت بقتلهم لا عدت تطمع لعله يظن انك انت اخيه فيصفح عن مآلمنا ويرجع

( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من هذا المقال قال له عديم الاشغال على الراس والعين ولما كان الليل حفروا سردابا وصلوه إلى القبر وادخلوا ذلك الرجل فيه ولما كان الصباح ركب الزير ظهر الحصان وتبعه الابطال والفرسان ومر على قبر اخيه حسب عادته ونادى بصوت عال نعمت صباحا يا أخي كليب فقد قتلت في ثأرك نهارا امس خمسة آلاف نفس أيكفي ما قتلت منهم او ارجع افنيهم عن بكرابيهم فاجابه ذلك الرجل من القبر بصوت خفيف وانت انعمت صباحا يا أخي الحنون يا ساقي الضد كاس المنون كف الحرب فقد اكتفيت وان قاتلتهم بعد اليوم تكون قد تعديت وبغيت فتزيدني ضررا وغما وكدرا فان نفسي قد بلغت مناها ونالت مشتهاها فكثرت خير اتك وزادت في الدنيا مسرتك . (قال الراوي ) فلما سمع الزير هذا الكلام زالت اتراحه وزاد فرحه وانشراحه وقال سبحان الرحمن الرحيم الذي يحي العظام وهي رميم انت يا أخي بخير ونحن بعدك نقاسي الضنك والضير ثم نزل عن ظهر الحصان ودخل إلى القبر وهو فرحان وقال اذا كنت بخير يا أبا اليمامه فماهي هذه السكته والاقامه بعد العز والكرامه فقم إلى عند بناتك فانهن في حزن وكدر ثم تقدم اليه وتامل فيه بالنظر فراه انه ذلك الرجل المعهود فغاب المهلهل من الوجود فجذبه من لحيته واخرجه من السرداب وقال له اصدقني بالحطاب فمن انت ومن تكون قبل ان تشرب كاس المنون فأعلمه بواقعه الحال وحقيقة الاعمال فسل السيف ليقتله وقد اغاظه فعله فقال انابجيرة كليب اخيك فلا كان من يعاديك وقد جرني جهلي من قله عقلي حتى جراى ما جراى يا فخر الوراى . فلما سمع الزير كلامه ابدى ابتسامه فصفح عنه واعطاه جوادا من اطايب خيل العرب والف دينار من الذهب فدعا له بطول العمر وخرج من القبر وهويقول : والله ان الامير كليب يحمي اليوم الخائف في مماته كما كان يحميه في ايام حياته ثم راجع إلى القبيله وهو يتعجب من تلك الحيله وفي الغد ركب فرقه من الابطال وقصدوا بنو مرة واشتبك بينهم القتال وعظمت الاهوال وما زالوت في قتال وصدام مدة عشر ايام فانكسرت بنو مرة انكسار وقتل الزير مقتله عظيمه المقدار وكان ياتي براس سادات الجماعه فيضعها على قبر كليب مدة ساعه ثم يدفنها تحت الثرى ويبني فوقها القصور والقرى وكان كما اقبل منالحرب في المساء تلتقيه اليمامه مع جماعه من النساء فتقول يا سيد الناس هل اتيت براس جساس حتى نخلع السواد ويطيب الفؤاد فيقول كوني براحه بال فسوف تبلغين الامال باذن الاله المتعال هذا ماكان من المهلهل واما جساس فانه قد استقبل ولما ضاق به الحال اجتمع اهله وعشيرته وعقدوا بينهم ديوانا فاستقر رايهم على ان يذهبوا إلى بلاد الحبشه والسواد ويلجاوا بالملك الرعيني ابن احت اللتبع حسان فركب في ثاني الايام احوته واكابر عشيرته واحذمعه احته الجليلهلتشفغ لهم عند حريم الملك الرعيني وبقي اخوة شاويش في الحي وكان هذا الرجل يحب الزير من ايام صباه فعند رجيل جساس حضر شاويش الىعند الزير واعلمه بما جرى وكان من مسير الزير احواته عند ملك الحبشه والسودان فأعطاه الزير الامان وقال له انيما عدت احاربكم من الان حتى تحضر اخواتك إلى الاوطان بالابطال والفرسان وتوقف الزير من ذلك اليوم عن محاربه القوم وصار يصرف اوقاته في بالصيد والقنص هذا ما كان من المهلهل واما جساس فانه قدجرى في قطع القفار حتى وصل إلى بلاد الحبشه وتلك الديار ودخل على الملك الرعيني ووقع عليه بعد ما اعلمه بحالتهم الحاضره وطلب منه النجده والمساعدة على حرب الزير ايضا بان كليب قتل خاله تبع حسان وقتله هووبقتله قام اخوه الزير يحاربهم حتى كاد ان يفنيهم فلما سمع ا لرعيني هذا الكلام قال لقد بلغت اليوم منكم المرام ولابد من ذبحكم بحد الحسام لانكم من قوم لئام قتلتم خالي واتيتم تستجيرون بي ثم امر بقبضهم وكانت الجليله واقفه على باب الصيوان وهي مثل الطاووس لابسه افخر الملبوس كانها العروس فلما شاهدت ما جرى على قومها خافت من العواقب فشقت المواكب وتمثلت امام الرعيني فقبلت اياديه ودعت له بطول العمر فلما راها الرعيني تعجب منفرط حسنها فمال قلبه اليها ووقع في شرك هواها فقال لهامن تكونين يا مهجة الفؤاد وبغيه المراد فقالت له اخت القوم الذين امرت بقبضهم بدون ذنب ثم اشارت تقول ما قالت الجليله بنت مرة ايا ابوفهد اصحى دير بالك وانظر ياسياج البيض فينا وانظرالذي وقفوا قبالك انا لقيتك يا ملك البوادي يا من بالملا شاعت فعالك ملوك الارض كنا يامسمى فانت نظيرنا ونحن مثالك فالذي جرى كله مقدر ايا فخر الورى من قتل خالك قتل خالك كليب في حسامه وقام أخي الذي واقف قبالك قتل لكليب خالك بسيفه كرمت خاطرك واصفي بالك ظهر لكليب اخ اسمه المهلهل حرمنا النوم زاد الله مالك قتل منا اماجيد كثبره اتيننا واقفين على ديارك فهذا اليوم يومك يا مسمى فدق الطبل واركب في رجالك وسر معنا إلى الزير المهلهل فقتله ودسه في نعالك وحكم سائر العربان يا ملك على امولهم تبقى حلالك ولاتشمت العدا يا امير فينا اتينا لك وصرنا من عيالك وانت صميدع شهم كريم جميع الخلق تفزع من خيالك

( قال الراوي ) فلما فرغت الجليله من نظامها وفهم فحوى قصدها ومرامها ثارت في راسه الحميه وقال قد فهمت قولك يا صبيه ثم اشار يقول عمر السامعين يطول :

قال الرعيني أبو فهد قال الا يا جليله اسمعي المقال وانتم افهموا قولي ياملوك اولاد مرة ترونى الهم زايل اتيتم تلتجوا في الجميع وقعتم على وقع العيال من جور الزير يا أهل الكرم دهاكم ضناكم رماكم بحال فو حياه راسي ورحمت ابي من خلق الارض وارسى الجبال لاركب عليه بكل الفحول واجرد عساكر شبه الرمال واقتل اعداكم بجاه السيوف وانا ادع الزير في سوء حال جليله طيبي انت وابشري انا فداء أخوك بحد النصال أيا أخي غطاس انهض الان واجمع الفوارس والابطال نادي على الجيش ان يركبوا يلبسوا الزرد والنصول الصقال ودقوا الطبول وشدوا الخيول وامشوا الفحول شبه العذال فدعنا نسير نزيل عسير عن اولاد مرة هذا النكال

( قال الرواي ) فلما فرغ الرعيني من كلامه نهض أخو غطاس الوزير وجمع الابطال والفرسان والعساكر السودان ونادى المنادي ان السفر يكون بعد ثلاثة ايام ولما تجهزت العساكر للمسير لحرب الزير كان عندهم ستمائة الف بطل ففرح جساس ومن معه من الناس فلما رأوا تلك السهول قد امتلات بالخيول وفي اليوم الثالث دقت الطبول ولمعت النصول وسارت العساكر كالبحور الزواخر في أولهن الملك الرعيني واكابر دولته وجساس وباقي عشيرته ومازالوا يقطعون البراري والاكام حتى وصلوا إلى بلاد الشام فاارسل جساس يعلم قومه بقدوم هذا العسكر وأن يهيئوا لهم الاطعمه والذخر فلما سمعوا هذا الخبر فرحوا فرحا عظيما وهيئوا لهم مايحتاجون اليه من الطعام والمدام وخرجت النساء والرجال للقاءهم فلما وصلوا إلى الديار نزلوا في المضارب وقد تباشر قوم جساس بالنجاح والضفر وبلوغ الامل . ( قال الراوي ) كل هذا يجري والزير ليس عنده خبر بشيء من هذا الامور بل كان مواضبا على السرور وشرب الخمور فبينما هو كذلك اذ دخل عليه أخوه عدي وقال انت جالس في صفاك ولاتدري فيما دهاك من اعدائك واشار ينشد ويقول :

لقد قال الفتى المدعو عدي ودمع العين فوق الخد ساجم اراك اليوم في زهو ولهو تنبه يا أخي ان كنت نائم فقم على ماسوف يجري من الاعداء يا ابن الاكارم اتونا قوم مرة بالرعيني ملك جبار بالاحكام ظالم لقد ذهبوا اليه يا مهلهل فجاء بست كرات عوالم بهم من كل قوم ليث اروع وهو من بينهم مثل الصقر حائم تبدى الزير حال ثم قال له تخاف من العدى واخوك سالم انا وحدي الاقيهم بعزمي انا الدعاس في يوم الزحايم واني سوف اقتل الرعيني واقطع راسه والله عالم وافني جيشه مع جيش مرة انا المقدام مابين المعالم

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من نظامه وفهمت قومه فحوى كلامه تعجبوا من هذا المقال وشكروه على تلك الفعال واخذوا يستعدون للحرب والقتال واما الزير فانه صبر إلى الليل وغير زيه وتنكر حتى لم يعد يعرفه أحد من البشر وجعل نفسه كاأحد شعراء العرب الذين يقصدون الامراء وارباب المناصب والرتب طمعا في الفضه والذهب ثم ركب الحصان وتقلد بالحسام من تحت الثياب واخذ معه بعض الغلمان وسار إلى قبيلة بني مرة ولم يعلم به انسان ولم اقترب من الحله نزل عن ظهر الجواد وسلم إلى الغلام وقصد المضارب والخيام حتى وصل إلى صيوان الرعيني فوجده جالس وحده فدخل وسلم عليه وتمثل بين يديه فلما راه الرعيني في ذلك المنظر خاف وانذعر وسأله عن مهنته فقال انني شاعر اطوف على الامراء والاكابر فاحصل منهم على الانعام ومزيد الاكرام وقد سمعت انك في بني مرة فأتيت قاصدك من مدينة البصره إلى ان تشرفت بطلعتك وتمثلت امام حضرتك . ( قال الراوي ) وكان للرعيني زوجه تدعى بدور كانت خلف الستار فسمعت مادار بينهم من الايراد فاأرسلت جاريتها تقول للملك ان ياأمر الشاعر بالانشاد فقال الرعيني انشد ياشاعر فانشد يقول :

قال الاديب الذي طالب احسانك يرجي بوسط الحشا والقلب بزار ياأبو فهد يارعيني استمع ما أقول يا من قلوب العداء بالروع هزار قد كنت قبلا في خير وفي نعم مستور مابين اهلي ما أنا معتاز فصرت شاعر على الاجواد أطوي الارض ماشي على عكاز قالوا فسر للرعيني مقصد الشعر فذاك جواد يعطي كل معتاز فجئت طالب احسانك واكرامك يامن حويت المكارم بالعطا المعتاز




الجزء السادس[عدل]

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه امر الملك الخزندار ان يعطيه الف دينار فعند ذلك سل سيفه الابتر اسرع من لمح البصر وضرب الرعيني على عاتقه خرج من علائقه ثم مال على الطواشيه والخدام بضرب الحسام وبعد ذلك هجم على الخيام كسبع الاجام فقتل الرجال ومدد الابطال ووقع في السودان الضجيج والصياح والعويل والنواح فخرجت الابطال من المضارب وركبوا ظهور الجنائب فتقلدوا بالسيوف وهجموا على بني مرة صفوف صفوف وهم لم يعلموا سبب ذلك الويل من شدة سواد الليل غير انهم ظنوا بني مرة قد خدعوهم حتى اتوا معهم إلى بلادهم فقتلوا ملكهم وغدروهم فلما رأى جساس ماحل بقومه من السودان استعظم ذلك الشأن فركب جواده وتبعه اجناده واظطر ان يدافع عن نفسه ويحامي عن أبناء نفسه فقاتل تلك الليله حتى استقتل وفعلت رجاله مثلما فعل وكانت ليله مهوله وحادثه غير مأموله كثر فيها القتل والجراح إلى وقت الصباح وكان المهلهل لم بلغ القصد والامل بذلك العمل ارسل عبده في الحال إلى الاطلاع في طلب الفرسان والابطال وحضروا عند طلوع النهار واحاطوا بالاعادي من اليمين واليسار وحكموا فيهم ضرب السيف البتار واستمر الحرب والصدام بين القوم ثلاثة أيام حتى ابلاهم المهلهل بالويل والدمار وقتل منهم كل بطل مغوار واسد كرار وكان من جملة المقتولين الامير غطاس قائد جيش السودان فلما رأت الجيش ماحل به من الهوان ولت الادبار وأوسعت في جوانب القفار وكذلك انهزم جساس ومن تبعه من الناس وتفرقوا بالفلاة وهم يقصدون النجاة ورجع الزير مع قومه غالبين غانمين ظافرين ودخل القصر بالعز والنصر وصحبته اكابرالقواد الذين عليهم الاعتماد وهم يثنون على المهلهل ويقولون لا عدمنا طلعتك ايها البطل فبسيفك نلن المراد وقهرنا الاعادي والحساد فلا زالت ايامك في سعود وعدوك مقهور ومكمود ثم انه اكلوا الطعام وشربوا المدام وباتوا تلك الليله في سرور وافراح على ذلك الانتصار واما الامير جساس فأنه بات في قلق ووسواس وندم على مافعل وقطع من سلامته الامل ولا سيما لما بلغته الاخبار بأن الاختلاف والانكسار الذي جرى عليهم في الليل والنهار كان بحيلة المهلهل الاسد الكرار فزاد همه وعظم حزنه وغمه فكانت قبائل العرب يطلب منها المساعده على قتال بني تغلب وانظمت عدة قبائل برسم المساعده وصاروا يدا واحده وكذلك انظم مع الزير جملة قبائل مشاهير فحتى لم يبق في بلاد العرب قبيله الا وانضمت مع بني تغلب . ( قال الراوي ) من غريب الاتفاق المستحق التسطير في الاوراق بأن الامير مهلهل حرج ذات يوم في عشرة الاف بطل ومعه الامير كتيف وكان من أشراف تغلب وفرسانه الغضاريف وتبطن في جوانب القفر ليجس أحوال بني بكر فمر في قبيلة من قبائل العرب يقال لهم بنو تميم وهم من فرع تغلب وكانت هذه القبيله ذات خيرات جزيله واجتمع المهلهل بفرسانها وسيدها الامير عمر وقال لهم اركبوا معنا يا نبي تميم لقتال بني بكر فا أبوا وقالوا عن فرد لسان لا نحارب من لم يحاربنا من العربان فقال المهلهل اما شملتكم الحرب لحد الان فقالوا الا يافارس الميدان فقال فوحق الاله الخالق ماكنت اظن انها شملت كل من في المغارب والمشارق ومادام الامر كذلك يوجوه العرب تنحوا عن منازلكم خوفا من حلول الحرب واقصدوا غير هذه الديار مرادنا ان نقاتلهم تحت ستور الاعتكار فأن حاربناهم لا تأمنون على انفسكم من شرهم وأذاهم لانكم فرع من قبيلة بني تغلب فأن تقيمون منكم لهذا السبب فقالوا ما علينا من بئس فانهم يحاربون من يعترض لهم من الناس اغتاض المهلهل من هذا الكلام وكان عليه اشد من ضرب الحسام فتركهم وسار من الاثر بمن معه من العسكر وجد في قطع القفار والتقى بقوم من بني بكر في ذلك الجوار فكبسهم تحت ظلام الليل وابلاهم بالذل والويل فسلبى اموالهم وقتل رجالهم وأخذ رؤوس ساداتهم العظام ورجع في الظلام وطرح الرؤوس بين خيام القوم المعتزلين من بني تميم المذكورين الذين كانوا راقدين ثم تركهم وارتحل وسار على عجل فلما استيقظت بنو تميم من المنام ورأت الرؤوس بين اطناب الخيام فاأيقنوا انها مكيده من المهلهل فزاد بهم الخوف والوجل وعلموا انهم لابد ان العدو يتهمهم في ذلك العمل فنهضوا وارتحلوا من اطلالهم بموشيهم واموالهم وانظموا إلى قبيلة تغلب والتجواء بالمهلهل فارس العجم والعرب فلم يبق قبيله من قبائل العربان في ذلك الزمان الا شملتها الحرب والهوان . ( قال الراوي ) ولما عظم الامر على جساس وضاقت به الانفاس فصمد إلى العابد نعمان الذي تقدم ذكره قبل الان فوقع عليه وشكا حاله اليه وبكى بين يديه وطلب منه ان يسير بالعجل ويقصد الامير مهلهل ويطلب منه كف الحرب والطعان من الزمان لحينما ترتاح النفوس والقلوب من هول تلك الحرب التي اهلكت الرجال ورملت النساءويتمت الاطفال فلما سمع قوله رق له فسار إلى عند المهلهل في الحال وطلب منه ان يكف القتال ولوبرهه قصيره ومده يسيره وذلك لراحه القبيلتين وحير الفريقين فاجابه إلى ذلك المرام لانه كان يحبه دون باقي الانام وامر بتوقيف الحرب عن القوم من ذلك اليوم واشتغل المهلهل في تلك الايام بالملاهي وشرب المدام واكل الطعام وسماع الاصوات والانغام ومغازلة النساء في الصباح والمساء وكان جساس يترقب على المهلهل الفرص ليقتله ويزيل ما بقلبه من الغصص فبلغه في بعض الايام ان الزير طريح الفراش في الخيام من كثرة شري المدام وان اخواته قد خرجوا للصيد ولايرجعون الا بعد ثلاثه ايام فجمع اخوته واعلمهم بذلك الخبر واتفق رايهم انه بعد غروب الشمس يركب اخوهم سلطان في جماعه من الفرسان ويكبس سالم الزير على حين غفله ولما كان الليل ركب سلطان في ثلاثه الاف بطل وقصد حي المهلهل ولما صار هناك هجم عليه وهو راقد في الخيمه سكران فاحاطت به الفرسان وقبضوا عليه واوثقوه كتافا ثم نزلوا عليه بالسيوف إلى ان اثخنوة بالجراح واتلفوه حتى صار عبره لمن اعتبر وكان دمه يسيل كالمطر فزادت افرحهم وزالت اتراحهم وقالوا لقد بلغنا الارب ورفعنا الحرب عن العرب . ثم انهم وضعوه في جلد جاموس وخذوة إلى عند اخته ضباع وقالوا لها لقد اتيناك بقاتل ولدك فخذيه واشفي منه غليل كبدك فياما قتل ويتم ورمل فما هان عليها ذلك الامر لكنها اظهرت لهم السرور والفرح وقالت ان جزاء الغدار الحرق بالنار ثم تركوها وساروا واما هي فقد احتارت في امرها وزادت احزانها عليها وانه وان قتل ولدها فانه سيد للقبيله ذكرا لايبور على مدى الدهور . فبينما هي في بحر الافتكار واذا به قد فاق من غشوته وصحى من سكرته وقال وهو على اخر رمق سبحان الحي الدائم ثم صاح يطلب عبده شهوان وهو يظن انه في ذلك المكان فقالت له ضباع قد انتقموا منك أعداك فأصحى فقد ذقت الموت والهلاك فلما رأى ذاته عند أخته وهو على تلك الحال انشد وقال :

قال الزير أبو ليلى المهلهل ونار الحزن توقد في حشاه فكان كليب ملك البرايا أتى جساس غدره بالفلاه جلست في مكانه أخذ لثأره وكنت أنعيه صباحا مع مساء فقال الشيخ كف الحرب عاجل ولاتقتل لسيف ولاقناه جلست بخيمتي والدن جنبي وعندي العبد ماعندي سواه وقومي كلهم للصيد راحوا فعرفوا القوم مع باقي العداه أتوني والمقدر كان كائن وحلى كل مما أن تراه اتوا بي لعندك يا أخت حتى تنالي الثأر ياغاية مناه كليني يا ضباع أو أقتليني انا أخوك اذا احتبك القناه فانتي تشبهي اللبوات حقا واني مشبه سبع الفلاه فألقيني بصندوق مزفت وأرميني ببحر في مياه أيا أسما أفعلي انت بأصلك ربيعه بيننا ما غباه

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه غاب عن الوجود وصار في صفة المفقود وكانت ضباع لما سمعت من أخيها هذا الكلام صار الضيا في عينيها ظلام ثم انها جاءت بصندوق كبير فوضعت فيه سالم الزير وزفتته وطلته بالقار وكان عندها عبدان أمرتهما ان يحملا ذلك الصندوق ويلقياه في البحر فحملاه وسارت هي معهما تحت جنح الظلام إلى ان وصلا إلى شاطىء البحر فطرحاه هناك في البحر ثم بكت ضباع عندما غاب عنها اخيها ورجعت تنوح من فؤاد أحرقت قلبي بفراقك يا جميل المحامل وفخر الاواخر ثم أنشدت تقول بهذه الابيات :

تقول ضباع من قلب حزين ايا عيني فزيدي في بكاها كواني البين في أول زماني رماني الدهر في أعظم بلاها ايا دمعي فزيدي في سخاكي على محزونة فقدت أخاها لقد كان ملوك البرايا ومن أعلا ملوك الارض جاها كليب جساس الذي قتله طعنه طعنة برمحه في قفاها ترك دمه على الارض فاير بحربة مسمعه من السم سقاها وقام الزير كي يأخذ بثأره فقاتل آل مرة ثم هفاها لقد قتله سلطان بغدر اثني عشر الف حملة فناها فقال خذوه إلى اخته الحزينه لتأخذ ثار ولدها مع أخيها فحطيه في صندوق مقفل ومن بني مرة ما يعلم حداها وقلت له روح ياجمل المحامل ايا عود بيتي انحناها وقلت قتلته يا فخر قومك ايا حطاما للجائع عشاها ايا يوما اخذه الموج عاجل وموج البحر يلطم في مداها فقلت له روح ايا سبع بغاب بيوم الحرب ماتعطي قفاها وهذا صار في عصر الجليله اله العرش يعدمها صباها فسر ياريح واخبر اليمامه لتصبح ثم تمسي في بكاها

ثم رجعت إلى الحي وصبرت حتى رجعت أخوتها وبني عمها من الصيد فأعلمتهم بتلك القضيه وما حل بالزير وقالت والله انكم بعد المهلهل تتعبون مع جساس فتأسفوا جميعهم عليه وبكوا من فؤاد موجوع ثم ان ضباع كتمت ما فعلت بأخيها وشاع الخبر انها احرقته بالنار وأخذت الثأر ولما شاع الخبر وانتشر بين الناس فرحت بنو مرة وجساس واما أخوة الزير فانهم شقوا ثيابهم من فرط أحزانهم وأخذوا يعددوه ويندبوه بالاشعار ويذكرون ما له من محاسن الآثار وكان أكثرهم حزنا أخوه عدي الذي يقول فيه :

أيا ويلي فدمع العين هلا على الخدين من دمعي صبابه على فقد الفتى مهلهل أنور العين تدري ما أصابه غدونا كلنا للصيد عنه وهو جالس كانه سبع غابه وعند رجوعنا لم نلتقيه فأحرق وسط مهجتنا غيابه فمن يوم أخيه كليب ولى فلا يسرح ولا يلقى صحابه وما فارق محله طول عمره ولا نعرف له مده غيابه مهلهل راح من اولاد مرة وسهم البين ذر لنا غرابه وبعده كيف عاد يصير فينا لان جساس ماتحمل عذابه ترى بعده سيمحقنا جميعا يشتتنا ولا يخشى عتابه ايا أخوتي ماذا نسوي واين نروح من هذه العصابه تعالى أخي يا درعان قوللي فقلبي والحشا يا أمير ذابه ايا سراف يا ناصر تعالوا ايا هزوز يا منيه شبابه ويا حنبل ويا باقي الامارة تعالوا واسمعوا مني الخطابه تقول الزير ولى وراح منا قتيل ويندفن تحت الترابه

وأما سلطان فقد رجع مسرورا ووقف امام أخيه جساس وأخذ ينشد :

والمهلهل ناصب الخيمه بعيد في وسط البستان له ياحبيب وحده يسكر بليله والنهار رحت انا اليه من بعد المغيب في ثلاثة الاف فارس غانمين كل فارس مثل سبع وديب هجمت عليه يا أخي بالعجل ووقعنا عليه بضرب عجيب ضربه جساس بالغ بالسيوف حتى صار دمه جاري صبيب ضربه حتى قطع من النفس وانطرح بلا مسعف ولا حبيب ثم أخذ لأخته ضباع لتأخذ بثأر ولدها الحبيب أخذته حرقته بنار ولقته على جمر نار اللهيب هذا الذي فعلت بعدك ياهمام ياحما البيض في يوم النكيب

( قال الراوي ) فبما انتهى سلطان من كلامه شكره جساس على اهتمامه وقال بارك الله فيك ياهمام فان فعلك هذا يبقى مدى الايام ثم ساروا إلى الحي وهم في افراح وسرور وانشراح ولما وصلوا الصيوان جلس جساس في الديوان واجتمعت حوله الابطال والفرسان ثم امر بدق الطبول ونفخ الزمور وعمل وليمه عظيمه لها قدر وقيمه فا جتمع فيها خلق كثير من كل أمير وسيد خطير ورقصت النساء والبنات ودارت بينهم الافراح والمسرات وانشرحت خواطر السادات وكان عندهم ذلك النهار من أعظم الاعياد الكبار .

( قال الراوي ) وكان لما بلغ بنو قيس حقيقة الخبر ان المهلهل مات واندثر غابوا عن الوجود وايقنوا بالموت الاحمر فزادت بليتهم وعظمت مصيبتهم فمهنم من أرتحلوا من الديار وقصدوا الامير جساس وطلبوا منه الامان دون باقي الناس فأعطاهم الامان وجعلهم من جملة الخدم والغلمان ولم يبق عند أخوة الزير الاشراف الا شر ذمه يسيرة وعصبة حقيرة فقصدهم جساس بالابطال ودار بهم من اليمين والشمال فسلموا أمرهم اليه ووقعوا عليه فنهب أموالهم وأخذ نوقهم وجمالهم ثم أشرط عليهم أن لايوقدوا نارا في الليل والنهار ولا يركبوا على ظهور الخيل بل يصيروا مكانهم في الخيام فأجابوه إلى ذلك المرام خوفا من الاندثار ونزول الدمار وبعد هذا رجع إلى الديار بالفر والاستبشار فعظم شأنه وتأيد بالعز مكانه وسار في مقام عظيم وحكم على السبعه أقاليم . (قال الراوي ) اما اخوه المهلهل فانهم بعد هذا العمل رحلوا من اطلالهم باولادهم واطفالهم ونزلوا في وادي السعاب وهم يبكي وانتحاب وذل وعذاب وصبروا على حكم رب الارباب هذا ما جرى لهولاء من العبر واما الزير الاسد الغضنفر فانه لما القته اخته في البحر كما سبق الخبر فقذفته الامواج في البحر العجاج إلى ان ساقته التقادير الالهيه إلى مدينه بيروت وكان اسمها الخيبريه وملكها يدعى حكمون ابن عزرا وكان من اجل الملوك قدرا واتفق والامر المقدر ان ثمانيه من الصيادين بينما هم يصطادون سمك نظروا ذلك الصندوق في البحر العجاج تلعب فيه الرياح وتقذفه طوارق الامواج فقال احدهم للاخر انظر يا صمويل هذا صندوق يارؤبل قد ساقه الينا اله اسرئيل ثم انهم قصدوه في الحال وسحبوه إلى الشاطي بالحبال وذلك بعد تعب ونكد ما عليه من مزيد فقال رئيس الشختور لباقي الاعوان تعالوا حتى نفسه علينا الان قبل ان نفتحه يااخوان فناخذ كل واحد منا حقه قدر ما يستحقه فاجابه بعض الرجال ما هو مرادك بهذا المقال فقال ان لي النصف ولكم الاخر لاني صاحب الشختور والرئيس الاكبر فقال وحق خمار العذير ما تنال منه شيْ ياشبير ثم وقع بينهم الخصام وتشاتموا بالكلام فضرب احدهم الرئيس بسكين فقتله وكان للرئيس أخ فضربه القاتل بالمقذاف فجندله وما زالوا يتقاتلون طمعا بالمال حتى قتل منهم عده رجال ولم يسلم سوى رجل واحد واتفق بالامر المقدر ان حكمون كان قد خرج في تلك الساعه مع أكابر دولته للصيد والقنص فمر من ذلك المكان فوجد الصندوق والرجل والقتلى مطروحه على الارض فوقف وسال الصياد عن السبب فاخبره بواقعه الحال فتامل الملك في الصندوق فتعجب من كبره وثقله واراد ان يعرف ما فيه فأمر بحمله إلى السريا وارتد راجعا مع باقي رجاله فلما صار هناك امر بفتحه ففتحوه واذا رجل طويل القامه عريض الهامه واسع المنكبين كبير القدمين مثخن بالجراح من ضرب السيوف وطعن الرماح وقال الملك لحواشيه ما وجدتم فيه قالوا ياملك الزمان فيه انسان كانه من عفاريت السيد سليمان له عيون كعيون السباع فلما نظر الملك خاف وارتاع وقال للاتباع كم له من الزمان يا ترى في هذا المكان . (قال الراوي ) وكان عند هذا الملك حكمون طيب ماهر اسمه شمعون فتقدم إلى الزير وهو مطروح وجس زلقومه وعرق الروح فوجده يختلج في اعضائه فقا ل ل الملك ان الرجل في قيد الحياه فقال له هل تقدر ان تشفيه وانا أعطيك ماتشتهي قال نعم يا مولاي ثم نهض على الاقدام وقال بسم الله العلي العظيم فشمر عن زنوده واخذ اسفنجه وبلهل بالماء الخارج ومسح الجروح ووضع المرهم على القروح ثم جاء بالعسل النحل فغلاه وفتح فمه واسقاه وفي برهه قصيره اختلجت اعضاءه وتحركت وفتح عيناه فنظر وتامل في ذلك المحفل فراى جماعه من الرجال صفر الوجوه بسوالف طوال فاعتراه الانذهال وشكر الاله المتعال فقال له حكمون من انت ومن تكون وما هو اسمك ؟فقال اسمي الموحد انا عبد الاله العظيم رب موسى وابرهيم فقال ما هي قصتك وسبب وضعك في هذا الصندوق ؟ فقال كنا اربعه سياس عند الملوك وكنت انا المقدم وعلى الجميع فحسدوني وضربوني ذات يوم بقصد انهم يقتلوني فغبت عن الوجود من الم الضرب ولم ار نفسي الا في هذا المكان .فقال الملك للحكيم خذه إلى عندك وداويه با لعلاج حتى يشفي وبعد ذلك احضره إلى عندي فا خذه الحكيم إلى داره وعالجه مده من الزمان حتى ختمت جراحه وتحسنت احواله فاتى به إلى عند الملك ولما دخل سلم عليه وتمثل بين يديه فقال له الملك كيف انت الان يا موحد ؟ فقال له بحسب انظارك الشريفه وقد شفيت وحصلت على دوام العافيه فلله در هذا الحكيم فانه يستحق الانعام والاكرام فمهما انعمت عليه فاني ساعطيك اياه فبتسم الملك من هذا الكلام وانعم على الحكيم ثم التفت إلى المهلهل وقال اعلمني بحالك وكيفيه احوالك واشار الملك يقول :

قال أبو ستير حكمون الملك يا موحد استمع مني المقال هات احكليلي على ما صار فيك ما علمت وما فعلت من الفعال حتى طعنت يا موحد بالرماح جروحك كثيره بسيوف صقال يا موحد انت اغليوم مليح قرم فارس خيل ماانت نذل قوللي عن ذي الجرح كيف صار وما سببهم قول يا سبع الرجال ثم اعلمني على ما قد اقول يازكي الاصل عن عم وخال في بلادك اتوك الغانمين يضربون الشور لك معهم مقال بعد هذا قل لنا عن صنعتك الذي تاكل منها خبزك حلال

فلما فرغ حكمون من مقاله قال له الزير أعلم ايها الملك الجليل صاحب الفضل الجميل ان سألت عن حسبي ونسبي ووظيفة ابي فانه كان ملك من ملوك العربان ثم غدر به الزمان حتى صار يسوس الخيل وانا تبعت مهمته وهذه وظيفتي ومهنتي واشار يقول :

قال أبو ليلى المهلهل في قصيد يا ملك حكمون يا حكم الخصال في بلادي ان سالت عن الجلوس مجلسي في الوسط فوق اعلا الجبال وان سالت عن الشور كل الشور لي ما أحد يقدر يخالف لي مقال وان وقع الحرب وضرب السيوف فالعذارى هللت فوق الجمال والسيوف الجدب عاد لها مرير والقتول تلول عادت كالرمال فذاك اليوم انا اعز الملاح مامثالي في اليمن وفي الشمال وان اتاني ضيف انا اعز الضيوف واشبع للضيف من لحم الجمال والفتى المعروف منجد يا امير ابن وائل ذاك لي امير خال ان كنت تسال يا ملك عن صنعتي صنعتي حاصود في رؤوس الرجال اما ابي فكان ذو قدر عظيم مال فيه الدهر يا حكمون مال صار سايس بعد عزة للخيول بالكرامه بعد عزة والدلال وانا قد صرت سايس بعده اسوس الخيل ما مثلي مثال وجروحاتي هي من عص الحصان قد ضربني برجله اربع نعال قمت من كدري ضربته في حشاه راحت السكين للعزال لاجل ذاك المهر سوى هل فعال وارموني بالدل مع كثر الخيال

فلما سمع حكمزن هذا الكلام من الزير غضب عليه وقال له انت كذاب فقد اخبرتني قبل الان رفاقك قتلوك واليوم تقول الحصان ضربني فتكذب علي وتحرني فلو كنت من الاكارم ما جرت عليك هذه العظائم ثم صمم على قتله فتشفعت فيه اكابر دولته ووضعوه في الحبس وبقي هناك مده سنه كامله وكان يسطو على المحابيس وياكل طعامهم فضجوا منه الناس وشكوا امرهم إلى الملك وقالوا له اذا كان هذا سايس كما يقول فاجعله يسوس الخيل لانه يقاسمنا على طعامنا غصبا وقهرا وهذا الامر لايطاق فدعه يشتغل وياكل خبزه بعرق جبينه فاستدعاه الملك اليه وقال له هل انت ماهر يا موحد بساسه الخيل قال نعم فقال سلموه خيلنا فاذا وجدنا له معرفه في ذلك اكرمناه . (قال الراوي ) وكان كثيرا ما ينفرد بنفسه ويتذكر اهله وعشيرته وما هو فيه من الاهانه والاسر ويبكي ويقول ياليت شعري ما جرى على اخلي من بعدي لان الاسير كما يخفى على الحاذق البصير بمنزله العبد الحقير ولو كان من بيت شهير وعالم نحير فكيف من تكون جناب الامير سالم الزير الذي قهر الابطال والغاوير وشاع ذكره عند الملوك المشاهير فانه بعد ذلك العز والاحترام وعلو الجاه ورفعه المقام وقع في اسر بني إسرائيل فكان الموت عليه اهون من ذها القبيل ولكنه سلم امره إلى الله وقام ينتظر نفوذ حكمه وهو يتامل الفرج والخلاص من شرك الاقناص ونكان قد انتخب له فرسا من اطايب الافراس كانت طويله العنق قصيرهالراس واجود من القمير فرس جساس فاعتنى بتربيتها حتى حالت قاخذها إلى الشاطي البحر وربطها هناك فخرج عليها حصان من البحر فشب عليها فراحت حامل وبعد عام ولدت مهر ادهم وكان كامل الاوصاف ململم فسماه الاخرج لخروج اباه من البحر ثم فعل معها ذلك العمل في الثاني فولدت له مهر اخر كانه الابجر حصان عنتر فسماه أبو جحلان واعتنى بهما دون باقي الخيل وكان يسوسهما في النهار واليل واستمر على تلك الحال مده اربع سنين وهو يطلب الفرج من رب العالمين .

حرب برجيس الصليبي مع اليهودي[عدل]

( قال الراوي ) واتفق في تلك الايام ان برجيس الصليبي أحد ملوك الاروام خارج مع احيه سمعان في ماتئي الف عنان من بلاد كسروان وتلك الحدود لمحاربه حكمون اليهودي وذكررواه الاخبار عظماء الاعصار بان مدينه حكمون كانت نفس مدينه بيروت كانت مزحرفه البنيان وكثيره الحوانيت والبيوت ولما اقترب اليها برجيس بالعساكر النصرانيه نصب خيامه في الاشرفيه وكتب كتابا إلى حكمون يقول فيه الملك برجيس بن ميخائيل إلى حكمون ملك بنو إسرائيل اما بعد فانك قد خالفت الشروط ولم ترسل لنا الخروج المربوط وقد مضى خمسه اعوام وانت تحاولنا بالكلام فاقتضى اننا قصدناك الان بالابطال والفرسان كانها مرده الجان لا تخاف طعن الرماح ولا نكل الحرب والكفاح فان دفعت الخراج المطلوب من عشر مالك توقفنا عن حربك وقتالك والا وحق من اوجد الانسان والمسيح الذي ولد بلا دنس خربنا ديارك وطفينا نارك وقلعنا اثارك وجعلنا الولايات اليهوديه تابعه للاقاليم المسيحيه فاسرع في رد الحرب قبل حلول العذاب ثم انه ختم الكلام بهذا الشعر والنظام : .... على ما قال برجيس الصليبي كريم الوالدين ايا وجدا شديد الباس ما بين الترابا على السادات دوما مستجدا اذل القوم في سيفي ورمحي اقد الشوش والهامات قدا انا قاصد لحكمون اليهودي فاعلمه بما قد استجدا واخبره بفرساني وجيشي وما عولت ان افغله جدا بهم من كل قوم ليث اروع يصد الخليل في الميدان صدا يريد المال ارسله سريعا وان لم يمتثل امري فردا وعشر الخيل مع عشر العذراى بنات قد زهوا وجها وقدا

(قال الراوي ) ان الملك برجيس سلم الكتاب إلى قائداسمه فرنسيس وامر ان يسير لعند حكمون فيعطيه الكتاب وياتيه بسرعه الجواب فا متثل القائد امر مولاه وجد في قطع الفلاه إلى ان دخل البلد وقصد حكمون دون أحد فلما وصل اليه سلم واعطاه الكتاب وتمثل بين يديه وكان عند حكمون جماعه من اخيار اليهود وهم يطالعون في التوراه والتلمود ولما فض الكتاب وقراه وعرف حقيقه معناه احمرت عيناه وصاح على الرسول صوت مثل الغول وقال هكذا يكتب لي برجيس ياخبيث يا تعيس فلولا العار يا ابن الاشرار لكنت قطعت راسك واخمدت انفاسك فاذهب وقل لمولاك ان يستعد للحرب والعراك فاني لااهابه ولا احسب حسابه فخرج فرنسيس من بين يديه وهو ينفض غبار الموت عن عينيه ثم صاح الملك حكمون على اخيه صهيون ووزيره قسمون وقال لهما استعدوا للقتال وفرقا السلاح على العساكر والابطال فقد اتتنا العساكر المسيحيه والابطال النصرانيه وقد عسكروا في الاشرفيه فاجاباه إلى ما امر في الحال جهز العساكر وفرقا عليها السلاح والسيوف والرماح ولما بلغ الملك برجيس كلام حكمون صار مثل المجنون وعول ثاني يوم على الحرب والصدام . ( قال الراوي ) وعند اشراق الصباح استعد حكمون للحرب والكفاح فخرج من البلاد بالعساكر والعدد وحوله الكهنه والاحبار وهم يتلون التوراه والاسفار املا بالفوز والانتصار وكان برجيس قد ركب في ذلك النهار بذلك الجيش وتقدم طالبا القلاع والاسوار بقوة واقتدار وعلى راسه البيارق والصلبان ومن حوله القسوس والرهبان وهم يتلون الزبور و الانجيل بالتنغيم و التهليل ولما التقى العسكران تقاتل الجمعان في ساحة الميدان ولتقت الفرسان النصرانية بالابطال الاسرائلية في تلك البرهه وهجموا على بعضهم هجمات قوية وتضاربوا بالسيوف المشرفيه وكانت الامة العيسوية قد فتكت بالغصبه العبرانية واذاقتها في ذلك اليوم من الاهوال اعظم بليه وقتلت مقتلتاً عظيمة وفيه رجع حكمون وهو يتأسف ويتلهف على حل ما بعسكره من الويل و التلف ودخل إلى البلد مع الجيش وأغلق الابواب وقصد القصر وهو خارج عن دائرة الصواب ونزل برجيس خارج المدينة وكان قد أمتلك ذلك النهار ثلاثه قلاع حصينة . ( قال الراوى ) وكان المهلهل قد سمع صياح القوم فسأل عن الخبر فأعلموه بواقعه الحال فتاقت نفسة إلى القتال ومصادمة الأبطال فأخذ قصبه بيده وصعد إلى السور ليشاهد تلك الامور وكان ذلك المكان بقرب قصر حكمون فنظر القوم وهم يقاتلون فكان كلما نظر النصارى غلبوا أو ظفروا يقول لليهود تقدموا ولا تنكسروا وكان يهدر كالرعد القاصف أو كالريح العاصف وهو راكب على الحيط كما يركب الحصان ويضربه برجلية ويصيح على الفرسان وأستمر على تلك الحال إلى أن رجع حكمون إلى البلد وهو في غم ونكد وكان لحكمون بنت كالقمر أسمها [ ستير ] نظرت من الشباك أفعال الزير فتعجبت من أفعاله وغريب أعماله . فلما رجع أبوها سألته عن حالته وما جرى له في قتاله فاعلمها بواقعة الحال انتصار النصارى في القتال فبعد ذلك أخبرته أبنته [ ستير ] بما رأته في ذلك اليوم من أعمال الزير وقالت : إذا كانت اعماله صحيحة فأنه يكسر هذا العسكر ويذيقة الموت الاسمر ثم اشارت تقول :

تقول ستير أسمع من كلامي نظرت اليوم في عيني العجائب نظرت اليوم من هذا الموحد فعال قد تعيد الرأس شايب فلما دقت الطبل النصاري وقد هجمت عسكرها تحارب والتقت العساكر بالعساكر وراح السيف يعمل في المناكب فقد ابصرت احوال الموحد غرائب قد فعلها من عجائب ركب للحيط سواه حصانه كانه ياابي قاصد يحارب ويزعق ثم يلكز في كعابه إلى أن قد جرى دمه سكايب ويهدر مثل ليث أروع ترج الارض منه و الكتائب يريد الحيط يطلع فيه يغزى وقلبه للقا و الحرب طالب اذا ولت رجالك قال باطل وان ولت عداك قال طالب ينخي الناس واحد بعد واحد قتل روحه وهو الحيط راكب فهذا قد نظرته اليوم حقا من الصبح إلى وقت المغارب فلا أدري أهو عاقل صميدع ولا أدري أم مجنون خائب

( قال الراوي ) فلما فرغت ستير من شعرها ونظامها وفهم ابوها فحوى كلامها اراد ان يستدعيه اليه فقالت له من الصواب ان يركب أخوك نهار غد ويقاتل العدا وان تبقى في القصر فلعله يفعل كما فعل بالامس فتشاهد أعماله وتختبر احواله فليس الخبر كمشاهدة النظر فاستصوب كلامها وبات تلك الليله في قلق وضجر ولما اصبح الصباح أمر أخاه أن يركب بالعسكر ويخرج لقتال النصارى فركب أخوه في عسكر اليهود وانتشرت على راسه الرايات والبنود فالتقته جموع النصارى مثل الاسود وصياح الابطال وهمهمه الرجال واشتد بينهم القتال وعظمت الاهوال وجرى الدم وسال فلما سمع الزير التهب قلبه بنار الاشتعال فصعد على السور وهو حزين النفس وفعل كما فعل بالامس وكان كثيرا يقول يالثارات كليب من جساس المخدول وهو ينخى القوم ويقول اليوم ولا كل يوم وكان حكمون ينظر اليه مع ابنته فتعجب من فعله وهول صورته فأمرها أن تناديه ليحضر أمام دولته فنادته فالتقت اليها ولباها وقد تعجب من حسن رؤياها قالت ابي يدعوك أن تحضر اليه فنزل وصعد إلى القصر ودخل على الملك وسلم عليه وقبل الارض بين يديه فقال له حكمون ان كنت قادر على ماتقول وانت من الفرسان الفحول فانزل وقاتل هنا في هذا النهار المهول فان لنا عليك جميل وأفضال وأن كسرت الاعداء بلغناك الامال وأغنيناك بالمال وأطلقناك من الاسر والاعتقال . فأمر الملك بأن يعطوه جوادا من أطايب الخيل ودرعا وسيفا فأتوا له بجواد فقال لهم هذا لايحملني ثم أتكى عليه بيده فكسر أضلاعه فأتوا له بآخر جواد ففعل به كذلك ومازال على تلك الحال حتى قتل عشرة خيول فتعجب الملك من قوة بأسه وشدة مراسه ثم أتوا له بعدة حرب وجلاد ففعل كذلك إلى ان أتوه بعدة حرب الملك حكمون فلبسها وكانت من أحسن العدد وأعتقل بالزبر والكس المهند وركب على ظهر حصانه الاخرج الذي كان ينتظر منه الفرج وأخذ في يمينه الرمح الاسمر والتفت على حكمون وقال اليوم تنظر فعالي وتعاين حربي وقتالي وتذكرني على طول الدوام ايها الملك الهمام ثم أنه لكز الحصان وقوم السنان وانطلق إلى ساحة الميدان بقلب أقوى من الصوان وقد هان عليه الموت تحت أرجل الخيل عند بلوغ القصد والمأمول وكانت النصارى قد كسرت اليهود وفتكت بهم فتك الاسود فلما رأى المهلهل تلك الحاله استعد للحرب والقتال وتقدم صهيون أخو الملك حكمون وقال شدوا عزمكم وقاتلوا خصمكم ثم خاض المجال وطلب الميسرة في الحال وقاتل فمدد أكثرها على الرمال وتأخرت عنه الرجال ورأت النصارى تلك الفعال فاعتراها الانذهال وهجموا عليه من اليمين والشمال فأبلاهم بالذل والويل وقتل جماعة من فرسان الخيل وكان كلما كثرت عليه الكتائب وضايقته العساكر والمواكب يتذكر أخوه كليب الاسد الغالب فيهاجم هجوم السباع ولا يخاف ولا يرتاع فعند ذلك تأخرت عنه الفرسان وتوقفت عن قتاله الفرسان وتوقفت عن قتاله الفرسان وكان برجيس من فرسان المعارك فلما بلغه ذلك نما غيظه وزاد وهجم بالعساكر والاجناد طالبا ساحة الميدان ومن حوله القسوس والرهبان وعلى راسه الرايات والالويه فلما اقتربت من تلك الناحيه وقعت عينه على صهيون أخو الملك حكمون فتقدم الارض قتيلا وفي دمه جديلا فعند ذلك ضجت طوائف اليهود ولما رأوا أميرهم مفقود فاستغاثوا بالتوراة والتلمود فالتقاهم برجيس كالنمرود وقتل منهم كل فارس معدود وكان المهلهل يقاتل من بعيد الفرسان الصناديد ويمددها على وجه الصعيد فلما رأى طوائف اليهود متأخرة بعد ان كانت ظافرة وهم يصيحون ويندبون على فقد صهيون فلما عرف بالظن الطويه أخذته الغيرة والحميه فقصد الملك برجيس إلى ذلك المكان وفي الطريق التقى بأخيه سمعان وهو ينخى الابطال والفرسان فهجم عليه هجمه الاسد وضربه بالسيف المهند القاه على وجه الارض يختبط بعضه ببعض فلما قتل الامير سمعان حمل جيش النصارى على الزير من كل مكان عند ذلك دقت النواقيس وحمل أيضا برجيس وتبعه كل أسقف وقسيس . ولما رأت اليهود أفعال المهلهل أيقنت ببلوغ الامل فارتدت إلى قدام بعد ذلك الانهزام التقت الرجال بالرجال والابطال بالابطال وعظمت الاهوال ومازالوا على تلك الحال إلى ان ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار فافترقوا عن بعضهم البعض وزالت كل قبيله في ناحية من الارض . ( قال الراوي ) وكان الملك برجيس قد صعب عليه قتل أخيه سمعان وندم على مجيئه إلى تلك الاوطان وكذلك استعظم حكمو قتل أخيه صهيون فكانت مصيبة عظيمة على الملكين وداهيه جسيمة على الفريقين ولما أصبح الصباح واشرق بنورة ولاح ركبت العساكر واصطفت وانقسمت إلى ميامن ومياسر فتقاتلوا بالرماح والخناجر والسيوف البواتر فكان الزير كالاسد الكاسر وجرى للابطال في ذلك اليوم من الاهوال مايشيب رؤوس الاطفال واستمروا على تلك الحال وهم في اشد قتال وخصام عشرة ايام على التمام وكان الزير قد فتك فتكا عظيما وقتل من النصارى عددا من الملوك الكبار أصحاب السطوة والاقتدار أمره نافذ في جميع الاقطار فخاف من الانكسار والوقوع بيد المهلهل الجبار فجمع اركان دولته ووزراء مملكته وعقدوا بينهم ديوانا فاستقر رأيهم على المصالحه وتوقيف الحرب بعد المصادقه والمصالحه وأن يرحلوا بأمان من الاوطان ويببقوا مع حكمون كالاصحاب والاخوان على طول الزمان ثم ان الملك برجيس ارسل إلى حكمون بعض وزرائه المعتبرين يعلمه بذلك ويأتيه بالخبر اليقين فسار الوزير إلى عند الملك حكمون وأعلمه بواقعة الحال ففرح حكمون وباقي الامه العبرانيه لانهم كانوا يخافون سطوة الملوك النصرانيه فأجابه إلى المطلوب وحمد الله الذي اناله من غوائل الحروب وهكذا تم الانفاق ووقع الصلح والوفاق ورجع برجيس من تلك الافاق بمن معه من الرفاق بعد ان رتب على الملك حكمون مالا معلوما يدفعه كل سنة إلى خزينة الملك . ( قال الراوي ) وعظمت منزلة الزير عند حكمون وقال مثلك تكون الفرسان فأنت اليوم عندي كالولد وأعز من الروح في الجسد فلولاك كنت في حال تعيس واستولى علينا الملك برجيسس وكانت الاميرة ستير قد شاهدت افعال الزير فاثنت عليه وقد مال قلبها اليه ثم قالت لاعد مناك ايها النحرير فانك تستحق الاكرام والخلع وكان الملك قد مال اليه كل الميل فقدمه عن جميع فرسان الخيل ورفع منزلته على الكبير والصغير ولقبه بالامير وانعم عليه بنشان من الماس ليمتاز به على كبار الناس واكرمه غاية الاكرام واجلسه على سفرة الطعام ولما فرغوا من الاكل وشرب المدام قال له الملك تمنى علي ايها الامير والسيد الخطير فمهما طلبت أعطيتك أياه بدون تأخير فطلب منه الزير أن يعطيه السيف والدرع والمهر الاخرج وأعلم حكمون بنفسه وطلب منهه ان يجهز له سفينه ويرسله إلى مدينة حيفا ومن هناك يسير وحده إلى مرج بني عامر محل اقامته لان نفسه اشتاقت إلى اهله وعشيرته فلما سمع حكمون بواقعة حاله وانه المهلهل زاد مقامه عنده وقال له هذه بلادي وما أملك واموالي بين يديك فأقيم عندنا طول عمرك فاننا والله لاننسى جميلك ومعروفك قال الزير لابد لي من الذهاب لانني لحد الان ما أخذت بثأري ولا طفيت من العدا لهيب ناري عند ذلك أهداه الحصان الاخرج وأعطاه السيف والرمح وعدة الحرب وجهز له مركبا من أحسن المراكب وأمر القبطان بمداراته وامتثال اوامره وانه بعد ان يرجع له عند الوداع الله يبلغك آمالك فلا تقطع عنا أخبارك فسلم عليه المهلهل ودعا له بطول العمر ثم رجع حكمون إلى المدينة وسافر المركب بالتهليل وفي اليوم الرابع أشرقت السفينه إلى ميناء حيفا والقت مرساها ونزل المهلهل إلى البلد وبقي الحصان في المركب وأمر القبطان ان يحافظ عليه لوقت الطلب ومن هناك تسربل بالسلاح تحت الثياب وقصد دياره فالتقى بطراف ان ناصر وهو حافي عريان وقد كان من الاعيان ومن أصحاب الزير فأقبل اليه وسلم عليه فرد الزير السلام ثم عرفه بنفسه وأخبره بما جرى عليه من الاول إلى الاخر فقال أهلا وسهلا بقدومك علينا فوالله كنا قد قطعنا الامل من سلامتك فالحمد لله على اجتماعنا فقم بنا إلى ربعن حتى ننظر أهلك لانهم دائما في ذكرك فقال الزير اني لا أذهب إلى هناك حتى اذهب إلى حي بني مرة وانظر باقي قومنا الذين التجؤا إلى جساس فسر معي إلى هناك فسار ناصر معه وهو فرحان وجدا في مسيرهما حتى وصلا إلى أحياء بني مرة فالتقيا با لامير سالم المهيا قاصدا الصيد مع جماعته ولما اقترب سالم من المهلهل .




الجزء السابع[عدل]

ونظره حن قلبه اليه فحياه بالسلام وجعل يتأمل فيه ويقول والله من يوم غاب حامينا فقد عزنا وما أبصرنا قامته الا هذا اليوم ثم دمعت عيونه فقال الزير كيف تبكي عليه وانت ملتجئ إلى اعداءه فعند ذلك عرفه ونزل عن ظهر الجواد ووقع عليه واعتنقه المهلهل وطيب خاطر جماعته وقال لهم ابقوا على ماكنتم عليه وعندما تسمعون صرير السيوف في أعناق بني مرة فحينئذ تفعلون ما يجب عليكم فعله فساروا في سرور وأفراح حتى يعلم بعضهم بعضا واما الزير فانه سار وهو وطراف وهما متنكران حتى دخلا إلى حي جساس وقت المساء فوجد الحي في دق طبول ونقر دفوف وأمور تدل على مسرات وأفراح فقال المهلهل في سره ما عسى ان يكون هذا ولما اقترب من صيوان جساس وجده ممتليا من الناس وجساس جالس في الصدر وحوله الاكابر والاعيان والمولدات تدق بالدفوف والمزامر وبعد قليل حضر العبيد بسفر الطعام فقام جساس إلى المائده وتقدمت بعده الامراء وجعلت تتوارد الفرسان وتتزاحم على بعضها البعض فعند ذلك تقدم الزير مع جملة الناس وجلس بقرب جساس وأخذ يتناول من أنواع الاطعمه فلما رآه جساس أنكر أمره وقد استعظم كبر جثته وهو يأكل اكل الجمال فقال له جساس أدعو لي ياشيخ فقال انني دائما أدعو لك ولست بناسيك على طول الزمان فازداد جساس خوفا وارتجفت أعضاءه ولما انتهى من العشاء أمر جساس باحضار الرمل وضربه في الحال ورسم الاشكال فظهر له انكيس واحمرار وانه قادم عليه أوقات منحوسه وسيظهر رجل لقي الجلد عن قريب يذيقه الاهوال وقد تأكد عنده بأن ذلك هو نفس الزير لانه لايوجد له عدو غيره فالتهب قلبه بناره وصاح من ملو رأسه يا ستار فجاءت اليه أخوته وقالوا ماأصابك ياأمير فاأنشد يقول :

قال جساس بن مرة في بيوت اسمعوا ياأخواني أهل الوفا ضاق صدري وامتلا قلبي هموم فالقلق والغم ضارب بالحشا جمعت تخت الرمل حورته بسرعه حتى أرى ماهو هذا البلا رأيت لقي الجد آت عن قريب صاحب البطش ما بين الملا ورأيت الجود له بيت ضد والجماعه شكلهم واقع حدا ماعاد لي عقل لهذا الرمل قطرة حرت فيه اليوم يا أهل الندى لو يصح القول قلت الزير جا وها هو جالس بين الامرا

فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وفهم الزير مطلوبه وعرف المقصود ووضع يده على قبضة سيفه حتى اذا قال جساس اقبضوا عليه ليفتك به ويعدمه الحياة ومن كثرة ما جرى على جساس من الغم والوسواس ترك من كان عنده من الناس ودخل على الحريم خوفا من امر يأتي فلما رآه الزير فعل ذلك قال لابد من قتله ان لم يكن اليوم يكون غدا ثم خرج من الصيوان مع الامير طراف وسارا قاصدين الاوطان حتى وصلا إلى وادي الشعاب ودخل إلى الخيمه التي فيها بنات كليب فسمعت ابنة كليب الكبيرة صوته فقالت له من انت وماهو اسمك فلما سمع صوتها عرفها فتقدم اليها فوجدها وشقايقها بثياب الحداد فتقطع قلبه وهطلت عيناه بالدمع وقال اتقبلوا الضيف يا بنات الاماجيد قالت مرحبا فنحن أول من ضاف ولكن قد جار علينا الزمان فأولنا بعد العز والجاه صرنا في حالة يرثى لها فا قصد يا شيخ محل الوليمه وهو المكان الذي تدق فيه الطبول فتحصل على بلوغ المأمول فقال بالله عليك يا صبيه أن تحكي واقعة حالكم فقد جرحت قلبي بهذا الكلام فقالت اليمامه لقد ذكرتنا بمصابنا وعلى ما جرى فجلس الزير وهو وطراف وجلست هي بجانبه ثم عرفها هي وشقايقها بنفسه وانه عمها صاحت بصوت عالي من ملو راسها هذا في الحلم أم في اليقظه ثم وقعت عليه شقايقها يقبلونه وقلن الحمد لله الذي ارانا وجهك بخير وعافيه فوالله قد زالت أتراحنا وتجددت أفراحنا وسمع أبو شهوان عبدالعزيز هذا الخبر فدخل عليه ووقع على قدميه لانهم كانوا يظنون بانه مات فكانت تلك الليله عندهم من أعظم ليالي الافراح والمسرات وبعد ذلك جلسوا يتحدثون فقالت اليمامه بالله يا عماه أن تعلمنا بقصتك وما جرى في سفرتك فقص عليهم ذلك الخبر وماسمع وابصر وختم كلامه بهذا القصيد :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل عيوني دمعها جاري بكاها بكت دما على ماصار فينا ليالي السعد ماعدنا نراها عدمنا فارس الهيجا كليب عقاب الحرب ان دارت رحاها دهتني آل مرة جنح اليل لتقتلني وتشفي ما دهاها فكنت بخيمتي ملقى طريحا ثلاث آلاف درتني قناها وسحبوني لعند ضباع أختي والقوني طريحا في حداها وقالوا يا ضباع خذي أخوكي أخذنا روحه قوى عزاها فالقتني بصندوق مزفت وأرمتني بوسط البحر تاها واقتني مياه البحر حالا إلى بلد اليهود على رباها وجابوني لحكمون اليهودي أجل ملوك الارض جاها فداواني وعالجني سريعا فزالت كربتي مما دهاها بقيت انا ثمان سنين غائب وزال الشر عني مع عناها أسأل الله أن يحفظكم جميعا على ماطالت الدنيا مداها

( قال الراوي ) وكانت ليلة عند بنات كليب من أعظم الليالي وحضر تلك الليله جميع أصحاب الزير ففرحوا وانشرحوا بقدومه وهنوه بالسلامه فقال لهم من الاوفق أن تكتموا أمري لحينما أتجهز لقتال الاعادي وأحضر جوادي ثم أعلمهم بخبر الحصان وانه أبقاه في المركب عند القبطان لبينما يكون شاهد أهله وأقاربه ولما أنتصف الليل ودعهم وسار قاصدا شاطىء البحر هذا ماكان منه واما مرة أبو جساس فكان من عادته أن يذهب كل يوم إلى ساحل البحر ويتجسس الاخبار ويعود في آخر النهار فاتفق ان عبدان من عبيده كانا قد نظرا المركب عند قدومه إلى ميناء حيفا فأعلماه به فاستأجر قاربا وقصد ذلك المركب وعند وصوله اليه وجد ذلك الجواد المذكور فاندهش من رؤياه فسأل القبطان عنه فقال له القبطان هذا حصان الزير وقد حضر معنا من بيروت وسار نحو يومين لزيارة أهله ولم يكن القبطان يعلم ماهو جاري بين القوم من العداوة والحرب لما سمع مرة بخبر المهلهل وانه عاد سالما غانما استعظم الامر وتعجب ولكنه كتم الخبر وقال للقبطان اتبيعني هذا الحصان فقال كيف ابيعه وهو مودوعا على سبيل الامانه فقال لابد من ذلك أما أن تقبض ثمنه خمسة آلاف دينار أو آخذه منك بالقوه والاقتدار لان ابني جساس ملك هذه الديار وبيدنا زمام الاحكام ومازال يلح عليه بالكلام إلى ان امتثل وأجاب خوفا من أخذه بالقوة والاغتصاب فقبض القبطان الدراهم وسار مرة بالحصان إلى عند ابنه جساس وهو كاسب غانم واعلمه بواقعة الحال وقدوم المهلهل إلى الاوطان ففرح جساس بالحصان لانه كان من أجود خيول الاعراب ولكنه خاف من الغوائل وعلم انه لابد من تجديد الحروب بين القبائل فاجتمع بأهله وأعلمهم بالخبر وأن يكونوا على استعداد وحذر . هذا ماكان من جساس واما الزير الفارس الدعاس فانه عند وصوله إلى البحر سار المركب فلم يجد الحصان فسأل عنه القبطان فأخبره بما جرى وكان فلما سمع منه هذا الكلام أراد أن يضرب عنقه بحد الحسام ولكنه توقف عن أذاه أكراما لخاطر مولاه ثم أمر بالرجوع إلى عند الملك حكمون ليقص عليه الخبر ويطلب منه الجواد الاخر فامتثل القبطان أوامره وأقلع من تلك الساعه حتى وصل إلى بيروت فأنزل الزير في القارب وسار به إلى عند الملك حكمون ودخل عليه وهو في السرايه فلما رآه حكمون فرح فرحا شديدا وقال أهلا وسهلا بالصديق الحبيب وترحب به غاية الترحيبب وأجلسه بجانبه وأقام بواجبه وأشار يقول وعمر السامعين يطول :

قال حكمون بن عزرا في بيوت تشرح الخاطر وترضي السامعين أنورت علينا الدنيا ياهمام يامريع الخيل اذا طال الكمين يا مهلهل انت عز المحصنات انت فخر للاناس الماجدين قصدت أهلك ثم جيت لعندنا هل شفت أهلك يا مهلهل سالمين اذا كان يلزم نجده أحكي لي حتى أسير بالجيش كله أجمعين طيب قلبك يا مهلهل لاتخاف ثم اطلب يا ضيا عيني اليمين

فلما سمع الزير كلامه شكره وأثنى عليه وأخبره بما جرى وكان من فقد الحصان وان السبب في حضوره الان أولا لاجل سؤال خاطره الشريف وثانيا ليطلب منه المهر الثاني وختم كلامه بهذه الابيات :

قد أتيت اليوم في قلب حزين على فقد مهري الاخرج الثمين فان شئت أعطني أخوه يا معز الجار وفخر العلين لا أريد مال ولا كثرة نوال غير أبو حجلان مطلوق اليمين يا ملك حكمون ان مالي كثير كل مال البر في يدي خزين

فلما سمع حكمون هذا المقال تبسم وقال مهما طلبت منا لانعزه عليك وجميع أموالنا بين يديك فوالله اننا لاننسى جميلك ومعروفك على الزمان وان أبو حجلان بعد رواحك من الاوطان أظهر الوحشه ونفر من جميع الناس حتى لم يقدر عليه أحد من السياس ثم طلب منه أن يبقى عندهم عدة أيام ليستريح من متاعب الاسفار فاعتذر وقال لابد من الرجوع في هذا النهار فأعطاه حكمون الحصان وسار إلى المركب وعند وصولهم اليها نزل بالجواد إلى المدينه فركب وقصد أهله فاتفق في تلك الساعه أن رجلا من قبيلة جساس ابصر الزير فعرفه وسار إلى عند جساس وأخبره بقدومه وقال له انني خايف عليكم من سطوته شاهدته في هذا النهار وهو مثل الاسد الكرار ثم اشار يقول :

يقول الشيخ يا أولاد مرة تعالوا واسمعوا لي يا فوارس ايا جساس يا همام اسمع ايا ملك يا أهل المجالس فقد كنت قرب البحر سائر رأيت خرج على اليوم فارس على ادهم اقب الضلع فارح وفوقه درع من بولاد لابس وفي كتفه قنا اسمر مكعب بطل صنديد يوم الروع عابس فهذا فارس البيداء مهلهل مريع الخيل للابطال داعس

( قال الراوي ) فلما فرغ من شعره ونظامه أجابه سلطان بن مرة بهذه الابيات :

يقول اليوم سلطان ابن مرة كلام الشيخ صادق يا فوارس فان كان أبو ليلى سيظهر يخلي دمنا مثل البواطس ويسبي من قبائلنا عذارى ونترك أرضنا قفرا دوارس ولايقبل رجاه ولا عطاه ويطرحنا على الغبرا نواكس

( قال الراوي ) فلما انتهى سلطان من كلامه وقع الخوف في قلوب القوم وأخذوا يستعدون للقتال من ذلك اليوم وأما الزير فانه كان قد جد في المسير حتى وصل إلى دياره والتقى بأهله وأنصاره فلما رأوه فرحوا به واتت اليه اليمامه وشقايقها وكذلك أخوة الزير وكل من في الحي من نساء ورجال فوقعوا عليه وقبلوا يديه وانتشرت الاخبار بقدومه إلى الديار بين الكبار والصغار حتى ملأت الاقطار فأقبلت الابطال والفرسان وتواردت اليه السادات والاعيان وسلموا عليه وتمثلوا بين يديه وهنوه بالسلامه فشكرهم واثنى عليهم وترحب بهم فذبح الذبائح وأولم الولائم ووعدهم بالمكاسب والغنايم وبعد أن أكلوا الطعام وشربوا المدام أنشد عدي أخو الزير يقول :

يقول عدي أبيات فصيحه أتانا الزير والمولى عطانا وكنا قبل ما يأتي الينا بحال الذل في قهر حزانا وجساس الردي عايب علينا يريد هلاك تغلب مع أذانا فأمرنا با نبقى جميعنا على طول الليالي مع نسانا ولا نركب خيولا صافنات ولانقل سيوفنا في حمانا الينا جيت يا جميل المحامل ويا كهف العذارى والامانا لربي الشكر ثم الحمد دايم أذا ماجئتنا نقهر عدانا ايا سالم فانهض شد عزمك واركب فوق مطلوق العنانا ونركب ثم نحمل فرد حمله على اولاد مرة في لقانا ونترك دورهم بورا وقفرا ونقتلهم ونأخذ ثارا أخانا

( قال الراوي ) فلما فرغ عدي من كلامه تقدمت اليمامه نحو عمها وشكرت الله تعالى على سلامته ودعت له بطول العمر فضمها إلى صدره والتفت إلى من حوله وانشد وقال :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل الا يابنات ان السعد جاكم وأقبل سعدكم والشر ولى وراح الشر عنكم لاعداكم ثماني سنين وسط البحر غائب وبالي عندكم مما دهاكم وفرج الله همي وغمي وخلصني وجيت إلى حماكم حيث اتيت زال الشر عنكم ونلتم يا بنات مني مناكم غدا جساس أقتله بسيفي وآخذ يا بنات بثار أباكم وانتم يا عدي ودريعان وباقي أخوتي تسلم لحاكم فأتوا بالصوافن واركبوهم وهبوا جميعكم ومن معاكم ودقوا طبلكم يآل قيس وقيموا النار فس ساير حماكم وخبوني بعيد عن المنازل غدا جساس يبرز للقاكم فلاقوه على خيل ضوامر واني سوف اهجم من وراكم

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه طابت قلوبهم وانشرحت صدورهم وزالت عنهم الاتراح وايقنوا بالنصر والنجاح ومازال بنو قيس يجتمعون إلى الزير ويتواردون حتى صاروا في جمع غفير وعدد كثير فاستعدوا للقتال والنزال فأطمعوا الجوعان واكسوا العريان وأوقدوا النيران ورجع الحي كما كان هذا ماكان من الزير وقومه وأما بنو مرة فلما بلغهم الخبر وكيف ان بنو قيس قد التموا بعد التفريق والشتات من جميع الجهات وهم في أفراح ومسرات أجتمعوا بجساس وقصوا عليه الخبر وقالوا له لو لم يكن الزير قد ظهر لما كانوا بنو قيس اجتمعت على بعض هذه الايام وخالفت أوامرك ومراسيمك العظام فقال لهم كفوا عن هذا المقال ولا يخطر لكم الزير على بال فاستعدوا للحرب والقتال فعند ذلك استعدت الفرسان الفحول وركبوا ظهور الخيول وتقلدوا بالسيوف والنصول ولقد أملوا بالنجاح وبلوغ المأمول وركب جساس حصان الزير الاخرج وسار بذلك الجمع الغفير ولما أقتربوا من حي بني قيس سمعت أبطال الزري دق طبولهم وصهيل خيولهم فهاجوا وماجوا فأمرهم الزير أن يتأهبوا للقتال ويلاقوهم إلى ساحة المجال فتبادروا في المجال وتقدمت الفرسان والابطال وركب الزير على مهره أبو حجلان وسبقهم إلى الميدان وكمن في بعض الروابي والتلال مع جماعة من الرجال ولما اقترب جساس من رجال بني قيس قال لهم لقد خالفتم أوامري وغركم الطمع وهجم عليهم بالرجال وأحاط بهم من اليمين والشمال فالتقوه بقلوب كالجبال واشتد القتال بينهم وعظمت الاهوال وجرى الدم وسال فلما راى المهلهل تلك الاحوال لكز الحصان وتقدم إلى ساحة الميدان فشق الصفوف والكتائب ومرق المواكب وهو يهدر ويصيح من قلب فريح ابشروا يا بني بكر ياأنذال ميحل بكم من الوبال على ماعلمتونا به من سوء الفعال فقد اقسمت برب الانام الذي لايغفل ولاينام أني لا أترك منكم شيخ ولا غلام ثم انه مال وجال وضرب بالسيف العال وتبعه الفرسان والابطال من اليمين والشمال فلما سمع جساس صوت المهلهل انقطع قلبه من الخوف والوجل ولكنه ثبت في ساحة الميدان خوفا من الهلاك والقلعان وأخذ ينخي الابطال والفرسان على القتال والثبات والهجوم على لقاء الاعادي قبل الممات فثبتوا ثبات الجبابرة وقاتلوا قتال الاسود الكاسرة ولكنهم لم يقدروا ان يثبتوا أكثر من ثلاث ساعات حتى انصبت عليهم النكبات وبلوا ببلايا لا تطاق من سيف المهلهل فارس الافاق فولوا الادبار واركنوا إلى الهزيمه والفرار بعد ان قتل منهم عشرة آلاف فارس كرار وتبعهم الامير جساس وهو في قلق ووسواس وغنم بنو قيس منهم غنائم عظيمه ومكاسب جسيمه ورجعت إلى الديار بالعز والانتصار والبطش والاقتدار وفي مقدمتهم الامير المهلهل الجبار وهو مثل شقيقه الارجوان مما سال عليه من أدميه الفرسان ولما وصل إلى المضارب بقواد المواكب لاقته بنات أخيه وجماعته من أقاربه وأهاليه فشكروه على تلك الفعال وقالوا مثلك تكون الابطال والفرسان ثم انه جلس في الخيام وجلست حوله السادات العظام وجبابرة الصدام فتحادثوا في الكلام وشكروا رب الانام على بلوغ القصد والمرام وبعد ان اكلوا الطعام وشربوا المدام التفت بعض القواد إلى المهلهل فارس الطراد وقالوا بالله عليك أن تنشدنا شيئا من اشعارك لان قلوبنا مشتاقه على الوقوف على أخبارك وماجرى لك في أسفارك فعند ذلك أنشد يقول وعمر السامعين يطول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل فكل مقدر لابد يأتي نزلت ياأخوتي وابناء عمي بجنح الليل لايدروا صفاتي فقالوا ضيفنا شرطوا علينا فلا نوقد النار في الفلاة تكافحت اليمامه مع حمامه وقالوا عمنا هيهات يأتي فقلت لها لبيك جئتك انا مرادي السباع الكاسرات فجيت لعندها في قلب صامد وجدت عيونها مقرحات قلت يا يمامه ليش تبكي جرحت بالبكا قلبي لأني فهمك يايمامه ليس تبكي اذا ثارت حروب الفلاة انا همي كراديس الفوارس اذا ما وهجت نار العداة وجيت انا علي جساس رامح هرب مني وصاح أنوا العداة وقال الزير جانا يا بلانا وطالب تارة بالمرهفات فقولوا لابن مرة ياتي عندي اتاه الزير دباح العداة

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه شكرته أخوته وجميع قوامه فعند ذلك تقدم سالم المهيأ اليه وقبله بين عينيه وأشار يقول :

على ما قال سالم المهيأ مهلهل جيت هذا اليوم يومك وزال النحس والتوفيق أقبل وأضحى القطر يزهو في قدومك ولما جيت يا زين الفوارس ازلت همومنا وزالت همومك فقم أركب عليهم يا مهلهل نهار وليل ما أحد يلومك وخذ الثار من جساس حالا وافرج همنا واخلي همومك

( قال الراوي ) فلما فرغ سالم من شعره طابت قلوب الجميع وعادوا لما كانوا عليه من الفرح والمسرة واما بنو مرة ابتلوا بالذل والويل من حرب الزير فارس الخيل ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح ركب الامير مهلهل في مائة الف بطل وطلب حرب القوم فالقاه جساس في ذلك اليوم وكان بمعيته مائه الف مقاتل بين فارس وراجل فانتشب بين الفريقين القتال وعظمت بينهم الاهوال وقاتل المهلهل حتى استقتل فنكس الابطال الفحول على ظهر الخيل وقتل جماعه من السادات الاعاظم الذين اشتهروا بالفضل والمكارم وشاع ذكراهم وشاع ذكراهم بين الاعارب والاعاجم فمنهم الامير شهاب المكنى بعقاب وغيره من السادات والانجاب واستمر القتال على هذا الحال طول ذلك النهار فانكسرت بنو مره اشد انكسارورجع المهلهل بالغزو والانتصار ولما كان الصباح ركب المهلهل والفرسان فالتقاه جساس بالرجال وتقاتلوا اشد قتال ولما تقابلت الصفوف تبادرت المئات والالوف وبرز أخو جساس بين الصفين ولعب برمحين بين الفرقين وطلب قتال المهلهل فانطبق عليه وحمل كانه قطعه من جبل او قله من القلل فتطاعنا بالرماح وتضاربا بالصفائح وثبت شاوش امام الزير ثبات الابطال والغاوير لانه كان من الابطال المشهوره والفرسان الذكوره واستعمر الائتان نحو ساعه من الزمان وهم ضرب وطعان وكان الامير شاوش قد حتم على نفسه امام الابطال اما ان يهلك في النهار او ان يظفر بخصمه ويعيش في عز واقبال ثم صاح على المهلهل وطعنه بالرماح قاصد قبض روحه فالتقاها المهلهل بالدوقه فراحت خائبه بعدما كانت صائبه ثم تقدم المهلهل وهجم عليه وضربه بالسيف على عاتقه خرج يلمع من علائقه فوقع على الارض قتيلا وفي دمه حديلا ثم هجم على الرايات وطعن الفرسان والسادات وقتل الرجال ومدد الابطال في ساحه المجال وفتك فيهم قتك فيهم فتك الاسود الكاسره وفعل افعالا تعجز عنها صناديد الجبابره وفعلت ابطاله مثل افعاله فقاتلوا القتال المنكر واذاقوا الاعداء الموت الاحمر فلما راى جساس ما حل بقومه من العذاب استعظم المصاب وخرج عن دائره الصواب وزاد اكتئاب وذلك على فقد اخيه ليث الغاب لانه كان يحبه محبه عظيمه وموده جسيمه فبكى وانسحب وولى يطلب لنفسه الهرب وتبعه رجاله وابطال ورجع الزير بباقي الفرسان إلى المنازل والاوطان وهو شقيقه الارجوان مما سال عليه من ادميه فالتقته اليمامه بالاعتزال والكرامه ثم نزل في الخيام مع السادات الكرام فاكلوا الطعام وشربوا المدام وكان في كل يوم يركب حسب عادته لحرب القوم حتى بلغ منهم غايه المنى وابلاهم بالذل والعنا فلما طال المطال على بني مره الاهوال جمع جساس الرجال ومن يعتمد عليهم من المطال وقال لهم ما هو قولكم في هذا الامر العسير فقد حل بنا التدمير وهلك كل سعيد وامير وان طال القتال لم يبق أحد من الرجال فقال اخوة سلطان الراي ىعندي ان تأخذ اختنا الجليله وبعض نساء القبيله وتذهب اليه وتقع عليه وتطلب منه كف الاذى والضرر وتعطيه اديه اخوه مهما امر وتقيمه ملكا على بلاد الشام وتدفع له الجزيه في كل عام فقال جساس من يذهب وقص هذا الكلام عليه قال انا وانت يا أخي فبتسم جساس وقال سمعت بأحد من الناس يرى الموت بين يديه فيزحف اليه على رجليه فقال سلطان انا اذهب اليه بنفسي لان بيني وبينه مودة قديمه ومحبه مستقيمه ثم انه نهض في الحال وتاهب للسير والترحال واخذ معه اخته الجليله وبعض من نساء القبيله وقصد المهلهل حتى وصل اليه وسلم عليه وقال بالله عليك ان تصفح عنا فقد اهلكت رجالنا ولم تبق أحد منا وقد اتيتك الان مع امراة اخيك الجليله واكابر نساء القبيله تقع على ساحه اعتابك وتطلب من جنابك وتبلغك غابه الارب من الفضه والذهب ونقيمك ملكا على هذه الديار وتكون طوع لك مدى الاعصار لانك سيفنا الثقيل ورمحنا الطويل ثم انشد هذه الابيات بحضور الامراء والسادات :

قال سلطان بن مرة في بيوت يا مهلهل استمع مني القصيد ليت عمرك يامهلهل الف عام ياحماه البيض في يوم الشديد فاعف عنا وانت يا سياج المحصنات ليت عمرك كل يوم في مزيد نحن منك وانت منا ياهمام كلنا اولاد عمك يارشيد فاعف عنا ثم دعنا في حماك تحت ظلك عيشك يبقى رغيد

فلما فرغ من شعره ونظامه أجابه المهلهل : افتهم يا ابن عمي ما اريد افتهم فحوى كلامي في قصيد ليس لي ذنب في أي الامور وانا في حقكم لست عنيد غصب عني يا سياج المحصنات على عمرك يا ولد عمي يزيد كل ذا جاري عليكم يا رجال على يمامه بنت اختك الاكيد اليمامه كل يوم تقول خذ بثاري ايها البطل العنيد فان عفت انا عنكم اعف كل قول صادق والله شهيدا وان ابت لا اخالف قولها انني عن امرها لست احيد

( قال الراوي ) فلما انتهى الزير من شعره ونظامه قال للسطان ومن حضر معه انني لا اكف الحرب والقتال ولا ارفع عنكم السيوف الصقال إلى يوم القيامه او تمنعني اليمامه فاذهب اليها وخاطبها بما خا طبها به امام هؤلاء الاعيان فعساه ان تجيب طلبك يا سلطان فعند ذلك قصد سلطان اليمامه اخته الجليله ومن حضر معه من نساء سادات القبيله فدخلوا جميعا اليها وسلموا عليها وقبلت الجليله بناتها وقالت لهن اما كفي يا بنات الاكارم والوقار فقد قتلت رجالنا وهلكت فرساننا وابطالنا وساءت احوالنا وصارت عبره لمن اعتبر ومثلا بين البشر فا جابتها اليمامه انا لااصلح حتى لايبقى منا أحد يقدر ان يكافح ان كان عمي عجز من قتالكم فانا انوب عنه والتقي بابطالكم ثم انها ختمت كلامها بهذا الشعر والنظام :

قالت يمامه من ضمير صادق يا جليله اقصرى عن عناكم انت وخوالي وكل عشائري لا تزيدوا لفظكم ولا لغاكم قتلتم الماجد كليب والدي غدرا وما له ذنب معاكم جساس طعنه من قفاه بحربه ودعاه على الغبرا حقير حداكم انا واخوتي بقينا بذ له نمسي ونصبح ولاننسى بلاكم انا لا اصالح حتى يعيش ابويا ونراه راكب يريد لقاكم

( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها ونظامها وفهمت الجليله فحوى كلامها ر جعت هي واختها مع باقي النساء إلى الحي بدون ادنى افاده واخبروا الامير جساس بواقعه الحال وما سمعوه من المقال فاعتراه الخوف والانذهال وايقن بالهلاك والوبال فقال اخوه سلطان وكان ذا مكر واحتيال اني سأهلك الزير ايها الامير واقوده اليك عند الصباح كا لبعير فقال ماذا عولت ان تفعل وما هو العمل قال اني اقصد الميدان في جماعه من الاعوان واحفر هناك ثلاث حفاير ونغطيهم بالقش حتى يخفوا عن عيون العساكر فما كان الصباح والتقى الجحفل بالجحفل فتبرز انت إلى المهلهل وتكون انت عارف بهم فتقوده اليهم وبهذه الوسيله تتم الحيله فيسقط ويهلك في هذا الشرك فنخلص من شرة وتبلغ ما انتمناه فاستصوب جساس هذا اراي واستحسنه وخرج ذلك الليل مع اخيه سلطان في جماعه من العبيد والاعوان حتى وصلوا إلى المكان فحفروا ثلاث حفائر عميقه وغطوها بالقش ووضعوا عليها التراب حتى يخفى عن العيون ثم رجعوا إلى اماكنهم وهم مسرورين وباتوا تلك الليله على مقالي النار وهم ينظرون طلوع النهار هذا ما كان هؤلاء واما الزير البطل النحير فانه ركب في الصباح بفرسان الكفاح وقصد ساحة الميدان بقلب اقوى من الصيوان فالتقاه جساس بالعسكر ثم انفرد بنفسه نحو الحفاير واخذ يلاعب الجواد على عيون العساكر والقواد فرآه بعض الفرسان وهو يجول في ذلك المكان على ظهر الحصان فأعلم المهلهل بذلك الشأن وقال له ان خصمك ظاهر للعيان وهو في تلك الناحيه من الميدان فلما رآه المهلهل قصده على عجل ليقتله ويبلغ الامل فلما اقترب منه ابتعد جساس وانطبقت عليه باقي الناس بقصد ان يطعنوه ويهلكوه ويعدموه فلله در الحصان أبو حجلان فانه كان من عجائب الزمان وغرائب الاوان أخف من الغزلان واسبق من البرق عند اللمعان فانه عندما وقع ضرب بحافرة الاض ارتفع حتى صار بين الفرسان بالميدان فرجعت الخيل عنه مدبرة فاستعظم تلك الامور المنكرة وغاب عن الوجود حتى صار بصفة مفقود فرأى جساس ينخى ابطاله ويصيح على رجاله فتقدم نحوه بالجواد ليشفي من غليل الفؤاد فاتفق المقدر بوقوعه في الحفرة الثانيه من تلك الحفر فوثب به الجواد وانتصب اسرع من النظر اذا وثب حتى صار على وجه الارض فانقلبت عليه العساكر على بعضها البعض فزاد بالزير الكدر وطار من عينيه الشرر فقصد الامير جساس دون باقي الناس ليقتله ويعدمه الحواس فكبى به الجواد في الحفرة الثالثه وكانت عليه اقبح حادثه وكان جواده قد اعياه التعب وضعفت قواه وانحل منه العصب حتى لم يعد يمكنه ان يفعل كما كان يفعل وكذلك الامير مهلهل فقد انهد حيله وطاش واعتراه الخوف والارتعاش وايقن بالهلاك والممات وآيس على نفسه من الحياة فكانت علة عظيمة وداميه جسيمه فلما بلغ جساس الامل ونجح بذلك العمل ايقن ببلوغ الارب وصاح من شدة الطرب على باقي رجاله ومن يعتمد عليهم من ابطاله يا ويلكم ادركوه واطمروه واقتلوه فان تخلص هذه المرة من هذه الحفرة لا تتأملوا بنجاح أو نصر فلما سمع الرجال منه هذا المقال قصدوا ذلك المكان من اليمين والشمال وكانت ايضا بنو تغلب قبيلة الزير فارس العجم والعرب قد اقبلت ابطالها وفرسانها ورجالها وانشب بينهم وبين القوم قتالا لم يسمع بمثله قبل ذلك اليوم وكان القتال في ذلك اليوم بجانب تلك الحفر ولما عظمت الاهوال وتكردست جثث القتلى على الارض مثل التلال من ضرب السيوف وطعن النصال هجم جساس امام الناس وقال للفرسان والابطال والشجعان ادركوني في هذا النهار واسعفوني بالتراب والاحجار واردموا هذه الحفرة في ساعة الحال وانا ارد عنكم هجمات الرجال فتقدموا من عجل وبادروا باجراء هذا العمل غير انهم لم يبلغوا الامل لان أخوة الزير والفرسان المشاهير هجموا عليهم من اليمين واليسار وضربوا فيهم السيف البتار فأبلوهم بالذل والدمار وكان الامير مرة بالقرب من تلك الحفرة فرآه عدي أخو الزير فتقدم اليه وقبض عليه والقاه في تلك الحفرة بالعجل وقال خذ عمك يامهلهل ولما صار بالقاع ضربه بالسيف فقتله ثم اخرجوا الزير من تلك الحفرة بالقوة والاقتدار فعند ذلك انشرحت من بني تغلب القلوب وزالت عنهم الغموم والكروب وايقنوا بالفلاح والتوفيق والنجاح وقصدوا الحرب والكفاح والتقوا أعداءهم بأسنة الرماح ومال ايضا الزير على القوم ونادى اليوم ولاكل يوم وفي الحال اشتعلت النيران القتال وقامت الحرب على قدم وساق وارتجت جوانب الافاق من ضرب السيوف الدقاق والرماح الرقاق وجمدت من القوم الاحداق وفعل الزير في ذلك اليوم فعالا لاتطاق ومازاولوا في أشد قتال إلى وقت الزوال فعند ذلك دقت طبول الانفصال فرجعت بنو مرة بالويل والحسرة والمهلهل بالنجاح والنصرة فنزل عن ظهر جواده وخلع آلة حربه وجلاده وجاءت السادات واكلت من زاده ولما جلس في الصيوان ونادى على عبده ابي شهوان باحضار المدام إلى الديوان فأحضره بالعجل فتناوله منه المهلهل ومن حضر في ذلك المحفل فعند ذلك تذكر الزير ماجرى له في ذلك اليوم المهول فأنشد يقول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل فدمع العين هطال عمانا لقد قتلوا أخي اولاد عمي وقالوا ما راوه الا جبانا ولا يدرون بأسي واقتداري فقطعتهم ولم أخشى الزمانا أتتنا في كليب اولاد مرة اتونا داخلين على نسانا وقالوا كف عنا يا مهلهل فقد حكمت سيفك في اذانا فاطلب ما تروم اليوم منا واتركنا فقد صرنا حزانا فقلت لهم روحوا لليمامه رضاها اليوم احسن من رضانا قتلنا كليب الوف قوم فما فيهم ردي ولا جبانا قتلنا من بني مرة امارة ملابسها ثياب الطيلسانا فرحوا الكل قد وقعوا عليها وقالوا عمك ارسلنا عيانا فقالت اذهبوا اولاد عمي فهذا القول ضحك في لحانا فانا لا نصالح في كليب الا ان نراه على الحصانا وقد حفروا لقلعاني حفاير وغطوها وقالوا قد كفانا فركبوا خيولهم واتوا حداها وقالوا قد اتانا قد اتانا وقف جساس ما بين الحفاير هجمت عليه اطعنه السنانا فولى هاربا من هول حربي ومرة قد قتلناه عيانا فكوني يا يمامه في انشراح وحظ دايم في طول الزمانا فسوف ابيد جساس بسيفي وكل سيد يبغي اذانا

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من شعره ونظامه شكره جميع اقوامه ولما كان الصباح رجعوا على ماكانوا عليه من الحرب والكفاح ومازالوا في قتال وصدام مدة من الايام ولما طال المطال اتفقوا على توقيف الحرب والقتال واخذوا هدنة شهرين لراحة الفريقين فاتفق في بعض الايام بينما كان الزير خارج الخيام معه جماعة من الخدام واذا برجل يقود مهر ادهم كامل الصفات فاستحسنه الزير غاية الاستحسان وقال لقائده ماهو اهل هذا الحصان يا حلو الشمائل ايه من الخيول الاصايل قد اتيت به من ابعد الحلل لاهديه للامير مهلهل فتعجب الزير من الاتفاق الغريب وقال لقد نلت مرادك من قريب فانا هو مهلهل الذي انت قاصده فاخذ منه الجواد وامر له بالف دينار وبلغه مقاصده فدعا له بطول العمر والبقاء وعلو الشأن والارتقاء وسار من يومه إلى قومه فاعتنى الزير بذلك الحصان وفضله على جميع الخيول والجياد واتفق في ذلك النهار انه التقى برجل ختيار وهو راكب على دلة سوداء مثل الظلام ووراها كر ابن سبعة ايام وهو يبرطع خلفها وتارة من قدام فلما رأه الزير اعجبه وقال لذلك الشيخ اتبيع هذا الكر فقال بكم فقال ليس على الكريم شرط فأعطاه الزير مائة دينار وأخذه منه وسلمه إلى السايس فرباه مدة اربع سنوات ثم دخل الزير ذات يوم إلى الاصطبل فنظر الكر وهو متعافي فأمر السايس ان يضع عليه عدة ولجام فأخرجه واسرجه ولجمه فركب عليه الزير وساقه ورجع إلى الوراء فرده إلى اليمين فراح شمالا واجتهد ان يمشه فما كان يمشي معه فغضب منه ولكزه برجله في الركاب فتضايق المشوم من فعاله وضربه بنعاله ضرط ضرطة من شدة الوجع كأنها صوت مدفع فغضب الزير وتألم وضربه بالسيف فأورثه العدم ودخل إلى صيوانه فاجتمع بنوابه واعيانه وقال ولقد جربت دني الاصل واكرمته فضاع فعلي معه وما قدمت هذا المثل ايها السادات الاخيار الا لتعلموا ان الحمار يقتني الحمار ثم انه ركب ذلك الحصان فوجده من عجائب الزمان فزاد انشراحه فيه فأمر السايس ويداويه ثم انشد يقول :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل بلوم الشعر ما تغلي مالي ابا غالي رضيت الخيل تركب تعالى واسمعي مني مقالي جمع الخيول للحمر خوادم شبيه الصيب تخدمها الموالي واما الخضر مركوب الامارا فتركبها الملوك وكل والي واما الدهم زيدوهم عليقا وسيبوهم لدهمات الليالي

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه شكره قومه على حسن اهتمامه ثم استعد الفريقان للقتال وجرت بينهم عدت وقائع واهوال انتصربها المهلهل وكسب اموالا كثيره وقتل سادات كثيره حتى ضعفت بنو بكر وذلت وبعد كثرتها قلت واضحمك ( قال الراوي ) فبينما هم في حاله الذل والانكسار واذا بغبار قد علا وثار قاصدا بلادهم وتلك الديار فشخصت اليه الابصار ساعه من النهار إلى ان ارتفع وتمزق وبان من تحته الف فارس وكلهمخ با لسلاح والدوق وفي اولهم فارس بالحديد غاطس كأنه قله من القلل او قطعه فصلت من ذيل جبل وعلى راسه البيارق والريات والسناجق فلما راه جساس استبشروا وايقن بالفرج بعد الشقا والكدر ولما اقترب للعيان ونأملته الفرسان واذا اسد الاجام الامير سيبون ابن الامير همام وكان المذكور قد خرج في جماعه من فرسان الصدام للغزو على بلاد الروم وذلك من عهد وقوع الزير في البحر كما سبق الكلام فلما عرفوا وتحققوا خرجوا اليه واستقبلوه وفرحوا بقدومه الي الديار وكان ذلك اليوم عندهم اعظم نهار فذبحوا الذبائح وطعموا الغادي والرائح وكان افراح الخلق ابوة همام وامه ضباع حيث لم يكن غيره سوى الذي قتل الزير على بير السباع فلما نزل بصيوانه بابطاله وفرسانه خاع عدته وغير بذلته ودقت له النوبات وقامت الافراح والمسرات وعمل جساس وليمه عظيمه لها قدر وقيمه استدعى اليها جميع الاكابر وامراء القبائل والعشائر وكان شيبون قد وجد السادات والاعيان في هموم واحزان فسال عن ذلك الشان فقال جساس له لاتسال يا ابن أخي عما اصابنا ودهانا من خالك الزير غالمهان فانه يكتف بقتل اخيك شيبان حتى جعلنا مثلا بين العربان على طول الزمان فانه افنى رجالنا واهلك ابطالنا وقد حرمنا هجوع الليل وهدمنا القوى والحيل كل هذا هو لايقبل منا ديه ولامال ديه ولامال ولافديه وقد اعلمنا بالقضيه واو قفناك على باطن الطويله فلما سمع شيبون هذا الكلام صار الضيا في عينيه كالضلام من عظم ما قاله اخمرت عينيه وشتم خاله ووعدهم بالمساعده والمعاضده وان يكون معهم على قتال خاله يد واحده ثم نظم هذه القصيده وارسلها لخاله على سبيل الملام والتهديد :

قال شيبون ابن همام الامير حامي الزينات طعان العدا مرعب الفرسان في يوم اللقا ساقيا للعدى كاس الردى ضر ب سيفي يقطع السيف المتين ثم يقدح الصخور الجمدا كل من يبغي قتالي يرتدي ويرتمي فوق الصعيد ممدا لم يبق لي مقارن في المجال حين يلقوني يولدا شردا وانت يا خالي مهلهل ياهمام شد عزمك للقتال إلى غدا ولاتقل يا خالي ما اعلمتني يا قليل العقل لاتتمردا ابرز الي في الصباح ولاقني ثم ابشر يا مهلهل بالردا

( قال الراوي ) فلما فرغ شيبون من شعره ومقاله ختم الكتاب وارسله إلى خاله مع رجل من ابطاله فلما فتحه الزير وقرأه وعرف فحوى معناه أجارت وغاب من ديناه وقد شق عليه وتأسف وصفق كفا على كف وقال انه معذور في هذه الامور لانه جاهل مغرور فلقتضى ان ينتصح قبل ان يفتضح فاجابه على ابياته تقول :





الجزء الثامن[عدل]

قال أبو ليلى المهلهل انني مفرج الكروبات في يوم الزحام يا فتى شيبون يا ابن اختي ضباعا تهددني في كتابك يا غلام ثم تطلبني إلى سوق المجال وانت قصير على وضرب الحسام احتفظ من ان تجهل يا امير الجهل يسقيك كاسات المدام اطرد الشيطان ابليس اللعين وانتصح من قول خالك ياهمام لاتخالفني واسمع ما اقول يقتلك جهلك وما تبلغ مرام رد عما انت فيه ولاتزيد ان كنت تبغي حربي والصدام شد عزمك غدا انتلاقى سوى من طلوع الفجر إلى وقت الظلام

فلما انتهى الزير من شعره ونظامه ارسل الكتاب إلى ابن اخته شيبون فلما فتحه وعرف ما احتوى عليه من المضمون مزقه ولم يكترث ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح ودقت طبول الحرب والكفاح وركب شيبون وجساس وكذلك الزير الفارس الدعاس والتقوا با بطالهم ورجالهم وتشددا في قتالهم وكان شيبون قد برز إلى ساحه الميدان وتبعه الابطال والفرسان والتقى بفرسان تغلب وفعل بهم العجب فما صدم فارسا الااعطبه وعن ظهر جواده اقلبه ثم صاح وحمل بقلب اقوى من جبل وطلب براز خاله المهلهل وكان الزير لما شاهد افعال ابن اخته وما فعل بابطاله ورفقه حمل عليه واحمرت اماق عينينه وقال اذهب يا وجه العرب قبل ان تهلك وتعطب فقال إلى اين اذهب يا خالي وانت غايه بغيتي وامالي فو الله لاقتلك في هذا النهار واطفى اخبارك من بين القوم لانك طغيت وتجبرت وافتريت فاغتاظ الزير من هذا الكلام والتهديد والتقاه بقلب شديد وجرى بينهما في اليتال وقائع واهوال تشيب الاطفال ولما طال المطال قال له الزير امام تالابطال ارجع يا ابن اختي بامان قبل ان يحل بك الهوان وتلحق باخيك شيبان فارجع إلى اهلك وامك وارسل لي ابطال قومك مع جساس عمك فلم يجبه شيبون بكلام بل كان يقايل كسبع الاجام وكان الزير كلما حكم عليه باالضرب في الحرب تمنع عن اذاه شفقه عليه واكرام لخاطر والديه وما زال يقاتله ويداريه وينصحه بتلرجوع عما فيه إلى ان اقبل الظلام فعند ذلك توقف القتال ورجعت الفرسان الابطال عن ساحه المجال ثم والتقوا في اليوم الثاني وكان أول من برز إلى ساحة الميدان الامير شيبون فصاح وطلب براز المهلهل فالتقاه الزير ونهاه عن قتا له فلم ينتصح بمقا له بل تقد م ا ليه وهجم عليه واشار يقول متهددا اياه امام الفرسان والفحول :

أنا شيبون ابن همام الامير فارس الفرسان في يوم النكير استمع يازير قولي وافهم لابد من قتالك يا وغدا حقير مابقالك مخلص مني ولا من حسامي اليوم لو انك تطير ثم آخذ ثار اعمامي الجميع كم بطل صنديد صيرته حقير ليس لك قلب على اختك يحن وأولاد عمك ذاقوا منك النكير كم قتلت منهم خلق كثير كم يتمت كل طفل صغير سوف ترى حربي يا مهلهل في لقاء الابطال ما لي نظير قد اخبروني يوم جئت بانك يا قليل العقل تركب للحمير مايقنى الحمار الا الحمار ما انا مثلك ولاعقلي صغير هات لي سيفك ورمحك والثياب هات أبو حجلان كاطير يطير حتى اقتلك من حسامى والقنا وتطلب الجير ومثلى من يجير ان كنت لاتنصح فهذا حربنا ويكون النصر من رب القدير

فلما سمع الزير هذا الكلام وقع عليه اشد من ضرب الحسام فأجابه يقول :

قال أبو ليلى المهلهل ثم قال انت ياشيبون ماعاد لك بعير هرجت ياشيبون مافي قولك كثير الجحش لا تخطل كما يحمل بعير لو سقيت الجحش من سكر وسمن ولو خلطت له الصنوبر والشعير لا عاش اصله ماينفع منه الجميل اكيد هو مجنون من يقني الحمير وانت ياشيبون لو لم تكن حمار مارجعت اليوم إلى حربي تغير فاني قد عفوت عنك البارحه من امك وابوك نعم النصير وانت تعلم انني سبع الرجال قتلت منكم اثنى عشر الف امير هذا من غير التوابع والغريب تاه فيهن العدد ناس كثير كم نصيحه نصحتك لاتنتصح جاهل سوف تقع في وسط نير لم يبق لي ذنب ان اتك مني ضرب بهدى الابدان ماعاد لك مجير دونك الميدان ياشيبون قم وقو عزمك لايكون باعك قصير

( قال الراوي ) فلم يلتفت شيبون إلى كلامه ولا أكترث بالتوبيخ والملام بل حمل عليه حملة أسد الغاب واخذ معه في الطعان والضرب فالتقاه مهلهل بالعجل بقلب اقوى من الجبل واشتد القتال وعظمت الاهزال حتى تعبت من تحتها الخيل وارتخى منهما العزم والحيل ومالا على بعضهما البعض كل الميل وكان الزير يطاوله ويحاوله واستمر يقاتلان ثلاث ساعات من الزمان حتى استعظمت من قتالهما الفرسان وشخصت اليهما عيون الشجعان وكان الامير شيبون يود ان يقتل خاله ويعدمه الحياة ويفتخر بقتله على اهله واقرباه إلى ان غنم الفرصة عليه فهز الرمح وطعنه بين ثديه فخلى المهلهل منها فراحت خائبه بعد ماكانت صائبه فزاد الزير غضبا وتوقد قلبه والتهب وصمم على ان يسقيه كأس العطب فجذب سيف حكمون وقال اليوم اريك يمجنون كيف الضرب يكون لاني نصحتك فما انتصحت ولقد خسرت وماربحت ثم تقدم اليه وهجم عليه وضربه على مفرق راسه فسقه إلى تكه لباسه فوقع على الارض يتخبط بعضه ببعض فلما رآه المهلهل وهو قتيل يتململ ندم على مافعل فتحسر وهطلت الدموع من عينيه فلما قتل الامير شيبون احمرت من بني مرة العيون وزادت عليهم الحسرات وايقنوا بالهلاك والشتات ولكنهم اخفوا الكيد واظهروا الصبر والجلد وقاتلوا قتال الاسود وطلبوا الرايات والبنود فالتقاهم الزير بالعساكر وضرب فيهم بالسيف البواتر واحاط بهم احاطة الخواتم بالخناصر وقتل منهم مقتلة عظيمه واصاب غنائم جسيمه فلما راى جساس ضعف حاله وقتل فرسانه فولى يطلب الهرب خوفا من العطب وتبعه فرسان وقد ابصروا ان ذلك اليوم العجيب من قتال بني تغلب فرجع عنهم الزير وهو حزنان على فقد ابن اخته الامير شيبون فنزل في الصيوان مع الامراء والاعيان ولم يكن له داب الا البكاء والانتحاب ولما اتى وجلس وانشد هذه الابيات وهو من الحزن على آخر نفس :

الزير انشد شعرا من ضمايره العز بالسيف ليس العز بالمال شيبون ارسل نهار الحرب يطلبني يريد حربي وقتلي دون ابطال نصحته عن قتالي ولم يطاوعني بارزته فتجندل في الارض بالحال المال يبني بيوتا لاعماد لها والفقر يهدم بيوت العز الغالي دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن الا خالي البالي مابين لحظه عين انت راقبها يغير الله من حال إلى حال فكن مع الناس كالميزان معتدلا ولاتقولن ذا عمي وذا خالي عم الذي انت مغرور بنعمه خال الذي انت من اضراره خال لايقطع الراس الا من يركبه ولاتريد المنايا كثرة المال

( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلامه وانطرح على فراشه من شدة حزنه على ابن اخته ولما بلغ قتل شيبون ابوه همام وامه ضباع احترق قلبها عليه لانه كان ابنها الوحيد بعد اخيه شيبان وكانت الفرسان قد اتت بجثته اليهما فبكياء بكاء شديدا ومزقا عليه الثياب وبعد ذلك دفنوه في التراب وفي اليوم الثاني ركب الامير لقتال الزير وتبعه جساس وباقي الابطال والفرسان وبلغ المهلهل الخبر فركب في ابطاله وفرسانه ولما التقى الفريقان وتقاتل الجمعان برز الامير همام إلى معركة الصدام وطلب براز الزير المهلهل وكان قد غير صفاته ووضع لثاما على وجهه حتى لا يعرفه أحد فبرز اليه وهو لايعلم بأنه الامير همام فاقتتلا ساعة من الزمان وكان همام قد ضرب الزير بالحسام قاصدا ان يسقيه كأس الحمام فخلى الزير منها فراحت خائبه فهجم عليه وطعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره فوقع عن ظهر الجواد كأنه طود من الاطواد فالتقت على الزير وقال له وهو على آخر رمق آه يا مهلهل لقد قتلت ابن اختك نهار امس واليوم تقتل صهرك همام قال نعم قال ماعاهدتني انك لاتقاتلني ابدا واننا نكون اصحاب على طول المدى فلماذا خاطرت بنفسك وطلبت قتالي وانت تعلم بأنك لست من رجالي فقال لقد جرى القلم بما حكم فانقضت حياتي ودنت وفاتي وهذا الامر مقدر بأمر رب البشر ومادام الامر كذلك يا فارس المعارك فكف اذاك ودواهيك واجعلني فدى اخيك فقال والله يعز على فقدك ولاعاد يطيب لي عيش من بعدك لكنني لا أكف الحرب والصدام حتى لايبقى من بني بكر شيخ ولا غلام ثم انه من بعد هذا الكلام هجم على المواكب ففرقها وطعن في أبطالها فمزقها فتأخرت عنه الفرسان ورجعت إلى الاوطان وهي في حالة الذل والهوان ولما بلغ ضباع قتل بعلها غابت عن عقلها وقد عظم مصابها وسارت إلى بني تغلب ودخلت على أخيها الزير وقلبها يلتهب وقالت له بكلام الغضب هكذا تفعل ياأخبث العرب تقتل اولادي وبعلي وتحرمني أهلي وتتركني حزينه طول الدهر أقاسي الذل والقهر هكذا تكون الاخوان الذين يدعون الفضل والاحسان فوحق الاله القادر الفاحص القلوب والضمائر ان موتى الذ عندي من الحياة وافضل فانت نسيت الجميل والمعروف وقابلتني بالغدر والمتلوف بعد ان اخلصتك من الحريق وكشفت عنك ذلك الضيق فلما سمع الزير منها ذلك الخطاب اظهر الحزن والاكتئاب وتلقاها بالاكرام والترحاب ثم اعتذر لها بالغلط واخذ يطيب خاطرها ويعزيها عما فرط وامرها بأن تسكن عنده بخدمها وحواشيها فامتثلت كلامه وقامت في بيت أخيها .

( قال الراوي ) فلما عظم الامر على جساس وبني بكر وكثرت فيها السبي والقتل ارسلوا يستنجدون اهل اليمامه فأمدوهم برجل منهم يقال له الفند بن سهل ( الحارث ابن عباد ) وكان من جبابرة الزمان وفرسان الاوان لايبالي بالاهوال ولايخاف كثرة الرجال وكان يلقي نفسه على المخاطر ويصيد الكواسر فسار إلى مساعدة القوم من ذلك اليوم وقد انتخب من الشجعان سبعون فارسا مثل العقبان يقاربون في الشجاعة والفروسيه والهمه العليا وكانت اهله قد كتبت اليهم تقول قد امددناكم بعشرة آلاف فارس من الفحول وبهم تنالوا من أعداءكم القصد والمأمول فلما قدموا إلى تلك الاوطان وراهم جساس وباقي الابطال فاعتراهم الانذهال لانهم لم يروا أكثر من سبعين تحت رايه الفند الاسد العربند فقالوا اين جماعتك الباقين فقال الفند انا بسبعة آلاف فارس واصحابي ثلاثة الاف مداعس فتبسموا من هذا الكلام والتقوهم بالاكرام والاحترام فذبحوا النوق والاغنام ونصبوا لهم المضارب والخيام ثم استعدوا للحرب وسمع بهم المهلهل وتزيد في الخيل والرجال وزحف من يومه في فرسان قومه فالتقته بني بكر في مكان يدعي عقبة الريحان فلما اقترب العسكران قال الحارس بن عباد وكان من الفرسان الاجواد إلى جساس قائد القواد هل تطيعني ايها الامير فيما اقول واشير فقال قل مابدا لك فاني لاأخاف مقالك قال أعلم ان القوم مستخفين بقتالنا وذلك لضعفنا وقلة عدد رجالنا فقاتلهم بالنساء مع الرجال فتبلغ منهم القصد والامال فقال جساس وقد اعتراه الانذهال مامعنى وكيف قتال النساء مع الرجال قال انك تحلق رؤوس الفرسان وتجمع النسوان اللواتي اتصفن بالشجاعه وقوة الجنان فتحملهن الماء بالقرب وتعطي كل منهن مطرقه من خشب وتصفهن خلف الرجال وقت الحرب والقتال فان هذا المجال يزيد الابطال نشاطا في ساحة المجال فإذا خرج منكم أحد الناس يعرفنه من حلق رأسه فتسقيه الماء فينعشه واذا مررن بعدوكم عرفته فتقتله فاستصوب جساس هذا الراي واستحسنه وفي عاجل الحال جمع النساء والرجال وعرض عليهم هذا الحال فاجابوا امره بالامتثال ولم يبق يومئذ من بكر أحد الاحلق واستعد الا رجلا من الفرسان اسمه ربيعه بن مروان كان زميما قصيرا فارسا حطيرا فقال ياقوم زميم قصير واذا حلقت راسي اصير معير عند الكبي والصغير فدعوني من هذا ياسيدات العرب فانا ابلغكم الارب واقتل خمسه فوارس من تغلب فاجابوة إلى ما طلب .

(قال الراوي )ولما التقت العساكر بالعساكر وتضاربت السيوف والخناجر ونقللبت تغلب على بكر كليوث الاجام والهبوهم بضرب السيوف على الهام فارتدت بنو بكر طالبه الانهزام فاشهر جساس في يده الحسام وصاح فيهم بصوت كالرعد والغمام وقال يا ويلكم ارجعوا وقاتلوا بقوه وعزيمه فاجتمعت بنو بكر بعد الانقلاب إلى الحرب والقتال وضموا خيولهم في كتيبه واحده وطلبوا المكافحه والمجادله وصاح الفند بن سهل والقى نفسه على القتال وهو ينخي الابطال ويصيح على الرجال ففرق الواكب واظهر بقتاله العجائب . فلما راى المهلهل افعاله برز اليه وطلب قتاله فالتقاه الفند بقلب كالحديد وهجم عليه هجوم الصناديد وما زال في قتال شديد وحرب ما عليه مزيد إلى ان صارت وقت الزوال فتوقها على الحرب والقتال وافترقت العساكر عن بعضها البعض ونزلت في جوانب تلك الارض . ) قال الراوي ) وكان ربيعه لم يلحق راسه من ضرب السيوف وطعن الرماح فوقع طريحا بين القتلى على وجه الفلا فمرت عليه نساء بني بكر فوجدته ذات لمه طويله فحسبته من بني تغلب فضربته بالمطارق حتى اوردته موارد العطب فضربت به الامثال وتحدثت به السنه الرجال . ( قال الراوي ) ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح وركبت الفوارس ظهور الخيول واعتقلوا بالسيوف والنصول وتقدموا إلى ساحه الميدان بالضرب والطعان وكان المهلهل في الجحفل كانه قله من قلل او قطعه فصلت من ذيل جبل فصاح وحمل على جيوش الاعداء كليث الاجام وضرب فيهم بالحسام وتبعه امرؤ القيس بن اياد وكان صنديد واشتد بين الفريقين القتال وكثر القيل والقال وتقطعت الاوصال وجرى الدم وسال وكان يوما شديد الاهوال لم يسمع بمثله في الاجيال كثر فيه القتال والجراح وتمددت على وجه البطاح وارتجت تلارض من قعقعة السلاح وصهيل الحيل وهول الكفاح وكان الفند قد حمل مواكب المهلهل وقاتل حتى استقتل وفعلت فرسانه مثلما فعل وبذل جساس في ذلبك اليوم غايه الجهود وهجم بقومه على الريات والبنود هجوم كواسر الاسود واشتد على المهلهل القتال واحاطت به الاعداء من اليمن والشمال وهو يقاتل ويمانع وينصح رجاله على الثبات ويدافع حتى جرح في ثلاثه مواضع .فلما زادت عليه الحال وازدحمت حوله الرجال تاحر عن ساحه المجال خوفا من الهلاك والوبال وانكسرت بنو تغلب في ذلك النهار اشد انكسار وتفرقت في البراري والقفار واستظهرت بنو بكر غايه الاستظهار وقتلت الشجعان امرؤ القيس بن اياد وكان من الاعيان صيته محمود مشكور وهو غير امرؤ القيس الشاعر المشهور فبكى المهلهل عليه وكان يحبه ويميل اليه ورجعت بنو بكر الي الديار وهي بغايه الفرح والاستبشار على ذلك الفعال . ( قال الراوي ) اما المهلهل فقد زاد حنقه على بني بكر وبات تلك الليله على مقالي الجمر ثم جمع الفرسان والابطال وتجهز للحرب والقتال فالتقه بنو بكر بقلوب كالجبال وجرت بينهم وقائع واهوال لم يسمع بمثلها في سالف الاجيال واستمر الحال على هذا المنوال مده عشرايام وكان المهلهل قد انتصر في أكثر الوقائع جماعه كثيره من الفرسان المعامع ولما كثر بين الفريقينالقتل واتفقوا على توقيف الحرب مده شهرين فافترقبت الفوارس عن بعضها ونزلت كل فرقه بارضها (قال الراوي ) ولما قتل كليب كما تقدم الكلام كانت زوجته الجليله حامله بهذا الغلام فلما طردها الزير الي بيت ابيها وسكنت عند جساس اخيها فولدت غلاما فسمته الهجرس ولقبوه الناس بالجرو فكانت مع اخواله بني مره واولادهم وكان خاله يحسن ويشفق عليه وكان الغلام قد احب حاله الامير جساس دون باقي الناس فلا يدعوه الا أبا ونشا الغلام ذا عقل وادب وهو محبوب من جميع العرب لفصاحته وبرتعته وقوته وشجاعته فكان يركب ظهور الحيل ويتعلم عليها الفروسيه في النهار والليل فبرع واشتهر على شباب القبيله افتخر فلما بلغ عمره حمسه عشره عاما زاد شهره وارتفع مقاما فراه جساس في بعض الايام وهو كانه ليث الاجام والشر طائر من عينيه ولا يقدر أحد عليه فانذهل واندهش وخاف منه

وارتعش وكان كثيرا ما يتامل في امره ويخاف من سطوته وشره لانه قتل اباه بالامس وتركه يتيما طول الدهر . ( قال الراوي ) اتفق ذات يوم ان الحرو ركب في جماعه من الشبان واخذوا يتعاطون بالجريد في الميدان وكان من جمله الغلمان عجيب ابن الامير جساس وكان شديد الباس فطعن عجيب الجرو طعنه فمال عنها فراحت خائبه ثم ان الجرو تقدم نحو عجيب وطعنه بجر يده اصابته فالتقه عن ظهر الجواد إلى الارض فنهض غضبانا فشتم الجرو واهانه بالكلام وقال اهكذا تفعل يا ابن اللئام بابناء السادات الكرام يهدد بهذا الشعر . يقول عجيب من قلب موجع الا يا رفقتي حالي عجيب ضربني الجرو منه جريده فارماني وصيرني كثيب ولم يعلم باني خير ماجد ولد جساس قوم مستهيب لولا عمتي لقطعت راسه واطرحه على العبرا قليب فهذا ولد كليب الاعادي ولا ضد الكلاب الا القصيب دعوه يروح عنا لايماطل ويذهب سرعه قبل المغيب

(قال الراوي ) فلنا فرغ عجيب من شعره ونظامه وفهم الجرو فحوى كلامه اجابه على شعره يقول :

يقول الجرو اسمع يا ابن خالي كلامه ليس يسمعه اديب تقول اليوم تقتلني بسيفك وتتركني على الغبرا قليب اذا ابصرتني يوما فريدا فقتلني بسيفك ياعجيب فا نزل عن جوادك يا ابن خالي وافعل ما تريده عن قريب وافعل ماتريده اليوم فينا فاني لااخافك ياعجيب ( قال الراوي ) فلما فرغ الجرو من كلامه واذا بسلطان أخو جساس اقبل عليهما في ذلك الوقت فوجد الدم يسيل من ابن اخيه جساس فلما علم بواقغه الحال اغتاظ غيظا شديد وشتم الجرو وقال والله لولا كرامه امك لقطعت راسك واخمدت انفاسك فقال ياخال ها انا بين يديك فافعل ما تريد ثم هطلت عيناه بالدموع وتنهد من فؤاد موجوع وسار إلى عند امه واعلمها بما جرى وكان يطلب منها الرحيل من ذلك الاوطان فتكدرت امه واجابته إلى ذلك لشان ثم انهما صبرا حتى اظلم الليل فتركا المضارب والخيام وسارا تحت جنح الظلام في جماعه من العبيد والخدام وجدا في قطع البراري والاكام مسافه عشره ايام واتفق في اليو الحادي عشر انهما التقيا بشيخ في ذلك البر الافقر وهو يقطع البر الفسيح على الفرس تسابق الريح وكان بمعيته عشره ابطال من صناديد الرجال وكان قد خرج لصيد الوحوش والغزلان وهو راجع إلى الاوطان فتقدم الجرو اليه وسلم عليه فرد الشيخ سلامه وقال له ايها الفتى الماجد من اين اتيت والى اين قاصد فقال طردوني اهلي وربيت يتيم وانا طالب انسان كريم حتى التجىء اليه واقيم عنده فقال الشيخ اذا كان الامر كما تقول فشرفني إلى اطلالي فانا افديك بروحي ومالي واشار اليه يقول :

يقول الامير منجد من قصيد الايا قاصدا نبيل المارب فشرف منزلي وامر عبيدك يرون الاعر والجنائب بكم قد حلت البركه علينا يرون الاعر والجنائب فمثلي ما تلاقوا اين سرتم وعندي تبغلوا كل المطالب انا مسجد فمن نسل الاكارم ابي وائل وما فينا معاقب الوف الوف تخدمني وتخضع لامري في المشارق والمغارب وانت بقيت بعد اليوم ابني ولست اليوم في قولي بكاذب

( قال الراوي ) وكان هذا الشيخ اسمه منجد بن الامير وائل وهو خال كليب والزير البطل الحلاحل وقد كنا ذكرنا عنه في أول الكلام بانه بعد قتل كليب استخدم مع اخوته الثلاثه عند التبع في بلاد الشام ولما قتل التبع ولى هرب وسكن في اخر بلاد العرب خوفا من كليب ان يقتله كما قتل اخوته لانه يبغضه دون اهله وعشيرته فلما فرغ النجد من شعره ونظامه وفهم الجرو فحوى كلامه فرح واستبشر ورجع إلى عند امه على الاثر واعلمها بما جراى وكان ثم انهم ساروا معه إلى الاوطان ونصبوا المضارب والخيام فاكرمهم منجد غايه الاكرام وانزلهم اعز مقام وكان لمنجد المذكور عشره اولاد من الذكور كانهم البدور فالفوا الجرو واحبوه وكانوا لايفارقوه وكانت امه الجليله قدالامير منجد حق المعرفه ولكنها كتمت الامر عن زيد وعمر خوفا من العواقب وطول النوائب فاجتمعت بابنها الجرو فقال اذا سالك عن اسمك فقل اسمي الهجرس ولاتقول الجرو فقال ان الاسمين واحد فما هو مرادك ذبلك فقالت ان يكون الهجرس كلب الصياد فانه اصلح من الجرو ابن الكلب وانت امير وابوك كان من الفرسان المشاهير ومن ذلك اليوم تسمى الهجرس وغلب هذا اللقب بين العرب وكانت امه في قلق عظيم خوفا عليه فاجتمعت ذات يوم بشيخ عبيدها وكان اسمه صباح واشارت تقول من فؤاد متبول : تقول الجليله بدمع سجام ايا صبح اسمع الكلام فهذا الشيخ الذي تراه مكيد الاعادي بضرب الحسام يسمى منجد صميدع عنيد ولد وائل وافي الزمام فهو امير وابن امير وحوله عساكر كثيره كفيض الغمام فهذا حال كليب الامير مع سالم الزير قوم همام فهو خالهم قد عرفته سريع ميكدا الاعادي بضرب الحسام وهوخال زوجي لكن عدو كيف العمل الان صرنا نضام واصل العداوه كليب الامير قتل اخوته في دمشق الشام قتل اليمامه واخذ ثار ابوها واهلك اخوه منجد وشام ونحن الان نزلنا عليه عرفته وقد اعتراني سقام اني اخاف على ابني حقيق يهنيه ويدعى دمه سجام عدوك اياك تركن اليه ولو انه سقاك المدام

(قال الراوي) فلما فرغت من شعرها ونظامها فهم صبيح فحوى كلامها قال اين نتوجه الان وقد صار لنا مده من الزمان والصواب ان تكتم امرنا على كل انسان حتى يفرجها علينا الرحمن الرحيم واستمروا مده طويله في تلك القبيله وهم عز واقبال وارغدعيش واحسن حال إلى ان كان في بعض الايام اغار على الامير منجد بعض الملوك العربان في ثمانين الف عنان فالتقاه منجد بعسكر جرار فانكسر عده مرات حتى ال مره إلى الدمار . فلما شاهد الجرو تلك الاحوال وما وقع بمنجد من الاهوال برز إلى ساحه المجال وقاتل الشجعان والابطال واظهر الغرائب والعجائب ففرق الصفوف والمواكب وكسر ذلك الشمس والقمر وفعل فعالا تبقى وتذكر وما دامت الشمس والقمر وعند رجوعه من القتال بالنصر والاقبال وشكره منجد على تلك الفعال قال له مثلك تكون الرجال فو الله لقد حميت الحريم طردت الغريم وخلدت لك ذكرا جميلا على طول الدوام وعند وصولهما سرايه الاحكام وجلوسهما في الديوان قال منجد بحضور السادات والاعيان مثلك تكون الفرسان فاعلمني عن حسبك ونسبك ومن يكون قومك فلما سمع الجرو فحوى كلامه اجابه بهذا القصيدا :

يا فخر ماجد في الرجال فاسمع ياملك فحوى كلامي انا اسمي اليتيم يا مسمى ولااعرف ابي ولااخوالي واني قد سالت امي مرارا فتسكت لاترد إلى سؤالي تقول ابوك شاليش بن مره قتله الزير في يوم النزال فاطلب من اله العرش ربي لاخذ الثار منه بالقتال

(قال الراوي ) فلما فرغ الهجرس من كلامه زاد منجد فب احترامه ونهض على الاقدام واعتقه امام السادات الكرام وقال لهانت من بني مره اصحاب الشجاعه والقدره فعربك من عربي ونسبك من بسبي فو الله ما ضاع نظري فيك فاطلب من الله ان يحفظك ويبقيك وينصرك على جميع حسادك واعاديك من ذلك الوقت زاد في اكرامه ورفع مقامه على الكبار والصغار وكان لمنجد بنت بديعه الجمال متصفه بالاداب والكمال كانها هلال ذات عقل ثاقب وراي صائب لايوجد مثلها في العرب والاعاجم اسمها بدرباسم فزوجه اياها وتمتع الجرو بحسنها واقام في ارغد يش واحسن حال وهو يحكم على تلك الاطلال وقد احبته جميع الرجال . (قال الراوي ) هذا ما كان من الهجرس والجليله وما جرى لهما في تلك القبيله واما جساس فانه بعد رحيل اخته من الديار زادت به الاكدار وكان كثيرا ما يتذكرها في الليل والنهار فاتفق في بعض الايام بينما هو جالس في الخيام دخل عليه بعض الشعلراء فسلم عليه وعلى باقي الامراء واخذ يمدحه بهذا السعر والنظام على ماجرت به العاده في تلك الايام :

قال جابر في بيون صادق انت ياجساس رب المكرمات سمعت بصيتك انا يا ذا الامير في الكرم والجود يا فخر الذوات انت ملك البلاد جميعها حاكما في الارض من كل الجهات قاتل الضد في يوم الوغا مكرم للضيف سنه المحملات انت ياجساس ملك البلاد مع اخوتك وشقايقك السيدات والسادة: لولاكم ماكنت جيت لارضكم ماكنت فارقت العيال مع البنات وتركت اختي يا ملك اولادها وزوج اختي يا ملك ذا العام مات اولاد اختي سبعه ذكور عند اولادي واهلي تبات جور هذا الدهر في الدنيا عجيب كم له في كل يوم تقلبات

(قال الراوي ) فلما فرغ جابر من شعره ونظامه وفهم جساس فحوى كلامه امر له بالف دينار واعتبره غايه الاعتبار ثم التفت اليه اخوه سلطان وقال له امام السادات والاعيان اسمعت كلام هذا الشاعر الذي يدور في القبائل والعشائر ويمدح السادات والاكابر املا في المكاسب وبلوغ المارب كيف انه ذكر اخته في شعره ولم ينسها طول دهره فكيف نحن نكون سلاطين الزمان وملوك العصر ولاوان اختنا ان تغضب منا وتبعد ولانعلم إلى اين ذهبت واي قبيله طلبت فماذا تقول عنا دول الممالك اذا سمعت عنا ذلك فمن الواجب ان نقتفي اخبارها الان ونعيدها معزوزوة إلى الاوطان ثم انه بكى امام جلسائه وبكت اخوته وندم سلطان على ما فعل واستعظم ذلك العمل ثم التفت جساس الشاعر وقال له انت تطوف حلل العرب ونمدح الملوك واص حاب الرتب فاريد ان تستقصي لي عن اخبار الجرو وتعلمني إلى أي حله قصدوا وعن اسم القبيله فان اتيتني بصحه الخبر بلغتك القصد والوطر فاجابه الشاعر وامتثل ثم سار على عجل يطوف القبائل والحلل ويستقصب عنها الاخبار من الكبار والصغار حتى سمع بخبرهما ووقف على حقيقه امرهما فقصدهما إلى ذلك المكان واجمتع بهما في الصيوان وحدثهما بما سمع في حقهما من جساس وسلطان ثم اشار يمدح الجرو ويقول وهو فرحان على بلوغ القصد : يقول جبر من قلب حزين فدمعي سال من وسط الاماق ادور على القبائل والعشلئر لاحظى بالمكاسب والنياق فاصغى يا امير إلى كلامي فانت اجل فرسان السباق فصيتك شاع في كل القبائل فمن يمن الي ارض العراق وما لك في البريا من شبيه ونجمك فاق سام المجد راق سالت الله ان يحفظ جيالك على طول المدى والدهر باق رحنا من حماه لعند خالك ملك جساس سلطان الافاق فأهدانا وقام انعم علينا وقلبه من بعادك باحتراق وارسلني لآ كشف اين انتم ليحظى فيكم من بعد الفراق

(قال الراوي ) وكانت الجليله تسمع هذا الشعر وهي خلف الحجاب واستر فما هان عليها ان تسمع بذكر اخوتها كانوا الذين سببا لغربتها وفرقتها من حلها فأمرت كبير العبيد أن يوقف عن اتمام القصيد وان يكتم خبرهما عن هذا ذاك خوفا من الفضيحه والانهاك ثم امرت له بالف دينار واعطاه الجرو مثل ذلك المقدار ففرح الشاعر واستبشر ورجع على الاثر واعلم جساس بذلك الخبر فأرسل في الحال اخوه سلطان في جماعه من الابطال لياتوا باخته الجليله وابنها الجرو من تلك االاطلال فلما اقترب سلطان إلى تلك الاوطان ارسل بعض الفرسان ليعلم منجد بقدومه إلى اوطانه فخرج في الحال في جماعه من فرسانه فألتقاه احسن ملتقى لانهم كانوا اقارب واصدقاء وانزله في سرايه الاحكام وذبح له النوق والاغنام واكرمه غايه الاكرام وفي ثاني الايام اجتمع سلطان باخته الجليله وولدها الجرو واعتذر لهما بما فرط منه وطلب منهما الرجوع الي الديار وشدد عليهما في ذلك غايه التشديد فأجابه الي ماطلب واعلم الجروالامير منجد بانه يريد الرجوع الي اهله وعشيرته مع امه وزوجته ومن يلوذ به من جماعته لان نفسه أشتاقت الي الوطن فقال منجد والله يا امير يعز علينا فراقك ولا زالت ارواحنا في كل وقت تشتاقك ولكننا لانقدر ان نمنعك عن اهلك واصحابك وبني عمك واحبابك ثم اعطاه مائه ناقه محمله نفائس الاقمشه والذ خائر ومائه جواد وغير ذلك من المعادنوالجواهر ومائه عبد ومائه جاريه واركب ابنته زوجة الهجرس على هودج كبير وسار لوداعهم مسافة نصف يوم ثم رجع إلى الديار وسار الهجرس مع امه وزجته يقطعون القفار حتى وصلوا الي منازل بني مرة فالتقاهم جساس بالفرح والمسره وامر بذبح الذباح واطعام الغادي والرائح واشار إلى الجرو يقول :

لماقال الفتى جساس صادق ايا مرحبا بك يا ابن اختي ففيكم حلت البركه علينا وضاء الحي في قربك الينا وامك يافتى عيني وروحي وعمرك ياجليله مافرحت فا ابنك غدا كالسبع الكاسر فان الجرو للاعداء كاسر بيوم الحرب والاهوال كاسر اله العرش يرجعه ظافر فلا تعتب على سلطان خالك ولاقوله يخطر قط بيالك فلا ابني ولانحن مثالك انا ساحكمك من فوق تختي انا ابكي على المرحوم ابيك قتله الزير في ربعك وحيك فقم واركب يروح خالك واخذ من المهلهل ثارك سالتك الله ان تأخذ بثارك بقتله تكشف عنك عارك مرادي تقتله وتأخذ بثارك وتحرقه بنارك يا ابن اختي

( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وتبسم الجرو من كلامه قال له كن مطمئن الخاطر يا خال هذا ما كان من الجرو وجساس واما الزير الفارس الدعاس فانه بينما كان راقد ذات ليله اذ راى في منامه ولذيذ احلامه اخاه الامير كليب وهو يعاتبه بهذه الابيات على اخذ الثار وكشف العار ويقول وعمر السامعين يطول :

تنام الليل كله يا مهلهل وثاري ما قدرت علي وفاه وعظمي ذاب حتى صار كحلا وجساس بن مره في الحياه

فأجابه الزير يقول : امير كليب ما قصرت يوماً بأخذ الثار من قوم البغاة فقم اسال بناتك يا حبيبي على طعني وضربي با لعداة

(قال الراوي ) فاسيقظت بنات كليب من المنام وايقظن عمهن بهذا الشعر والنظام :

يقولون اليتامى يا مهلهل أتانا كليب يستنجد اخاه كليب قام من وسط المقادير وصار كليب في وسط الحياه

(قال الراوي ) كان الزير قد استيقظ من منامه فأرىالبنات حوا ليه فقال لهن رايت اباكم في المنام ثم حدثهن بما سمعه وراة بالكمال والتمام فبكين بكاء شديدا فقال الزير ان هذا المنام بدل على عجب وحادث يقع عن قريب فاستدعا بعض الرمالين اليه وقص ذلك المنام عليه فضرب الرمل الرمال ورسم الاشكال وولد البنات من الامهات حتى عرف حقيقة الخبر فقال له لك البشرى يا فارس الصدام فان جساس سوف يقتل من بعد ايام وذلك من يد شخص يظهر من لحمك ودمك واشار يقول : يقول بشير اسمع يامهلهل ايا سالم فابشر زال همك اتاك النصر من رب البريا انه العرش من خيرات عمك وقد ظهر رسول الرمل عندي سيظهر شخص من لحمك ودمك فيقتل في الوغا جساس حالا وانت ترجه ويزول همك وتهلك بعده ا ولاد مره وستقيهم جميعا كاس سمك

( قال الراوي ) فلما سمع المهلهل هذا الشعر من الرمال فرح واستبشر وقال له انتم ذلك الكلام ابشر مني ببلوغ المرام ثم انه احسن اليه ووعده بكل جميل ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح ركب المهلهل إلى الحرب والكفاح وتبعه الابطال والفرسان وركب ايضا الامير جساس بالرجال واشجعان وقتتلوا طول ذلك النهار وقتل المهلهل منهم عدد كثير المقدار وما زالوا في اشد القتال الي ان دقوا الطبول الانفصال فافترقت الطوائف عن بعضها ونزلت كل فرقه في ارضها واما الهجرس فانه لم يركب مع جساس في ذلك اليوم فاجتمع جساس باخته الجليله في المساء وقال لها ان ابنك لم يقاتل معنا ولا نعلم ما هو السبب فا ساليه واعلميني بما يقول فسالته امه عن عدم خروجه إلى حرب فقال له اعلمي يا اماه انه لايلقاني في قتال الزير سوى حصان خال جساس الاخرج ان وهبني اياه فانا اعطيه عوضه راس المهلهل فان قبل بهذا الطلب بلغته غايه الارب فرجعت الجليله على الاثر واعلمت اخاها جساس بهذا الخبر فوهب الحصان وقال له ان قتلت هذا الشيطان تكون علينا ملك ونحن لك غلمانا واعوانا ففرح الجرو بذلك وضمن لجسا س قتل الزير اما الفرسان القواد ولما اصبح الصباح واضاء بنورة ولاح ركب الجرو الحصان المذكور وتبعه كل فارس مشهور وكان الزير قد ركب وطلب براز فرسان وقال اين جساس الجبان فليبرز إلى الميدان فبرز الجرو اليه وهجم عليه واشار يقول وعمر السامعين يطول :

يقول الهجرس يا مهلهل ان عزرائيل اقبل اين تعدى اليوم مني سوف تلقاني وتقتل اني كمن قد جاك لاتحسبني بظنك

( قال الراوي) فلما فرغ الهجرس من شعره حمل عليه وكان المهلهل قد مال قلبه اليه وتحركت جميع اعضائه وكان الزير يبطل مضاربه بحسن اختياره ولا كان قلبه يطاوعه على قتله ودماره وما زال على تلك الحال وهما في عراك وقتال إلى ان دقت طبول الانفصال وعاد العسكران عن ساحه المجال ورجع المهلهل إلى الاطلال واجتمع ببنات اخيه كليب واعلمهن بحديث الغلام وما جرى بينهما في معركه الصدام وكيف انه اشبه الناس بابيهما كليب في الصوره والقتال ثم قال لليمامه اعلميني هل كانت امك الجليله حامله لما ذهبت إلى بيت ابيها فقالت نعم ياعمي كان لها نحو شهرين ولكن ماهو معنى هذا السوال فانشد وقال :

يقول الزير أبو ليلى المهلهل مربع الخيل انتصدت الينا يمامه اسمعي مني كلامي ايا ست الملاح المحسنينا برزت اليوم للميدان حتى اقاتل ال مره اجمعينا فبارزني غلام غريب منهم له عزم كما الصخر المينا كمثل اباكم وجها وحربا فذكرني ليالي الماضينا فقد قاتلته في كل لطف وهو يطعن طعان القاتلينا فحملاته وطعانه قويه تقد الصخر والزرد المتيينا فلماانتهى من شعره اجابته اليمامه تقول :

الايا عم اسمع ما اقوله لتفهم سالم الخبر اليقينا فامي حامله من يوم راحت وحق الله رب العالمينا ولست ادري ايش جابت ابنت ام غلام يا فطينا ثلاثه اشارات لي في كليب اشارات بعقلي راسخينا ركب يوما بقرب النوم مره وقال ايا يمامه انظرينا من التفاح اعطاني ثلاثه وقال بذي الثلاثه تضربينا فانكسوف تحتاجي اليهم اذا ظهر لناحقا بنونا ضربته بواحده يا عم راحت بضرب رقابه راحت طحينا وثاني واحده في رمحه وثالثهم خطفها باليمينا غدا انزل واضربه ثلاثه كفل ابي ايا عمي الحنونا يكون أخي اذا سوى نظره وان خالف يكون غريب فينا

عسى الله يدركنا بلطفه وينصرنا اله العالمي

نا ( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها ونظامها وعمها يسمع فحوى كلاهما قال لها فعل ابوك ذلك قالت قبل موته بشهرين عندما كنت بير السباع وقد صممت الان ان ارافقك إلى الميدان واضربه بالتفاح في ساحه الكفاح وان افعل كما فعل ابي يكون لاشك أخي وبه ابلغ اربي .





الجزء التاسع[عدل]

وفي ثاني الايام ركب الزير للحرب والصدام وركبت معه اليمامه وقد اخذت معها ثلاثة تفاحات وكان الجرو قد ركب ايضا بالابطال فصال وجال وطلب الزير للحرب والقتال فبرزت اليه اليمامه بالعجل وقالت انا اقاتلك اليوم دون المهلهل فاستعظم الجرو ذلك ولم يعلم السبب ثم ان اليمامه اخذت تفاحه ولوحتها بيدها وضربته بها فاخذها برجله مع الركاب فطحنها طحنا ثم انها ضربته بالثانيه فأخذها على سنان الرمح ثم أخذت الثالثه وقالت اللهم ياخالق الخلق امح الباطل واكشف الحق فأخذها بيده ووضعها في جيبه فلما شاهدت الحال ايقنت انه اخوها لا محاله فنزلت عن ظهر الجواد وتقدمت اليه والقت نفسها عليه وقالت اهلا وسهلا يا أخي ابن ابي وامي فأنت والله ابن كليب دون شك ولا ريب وقد ربيت في دار العدا والحمد لله الذي عرفناك بعد طول المدى فقال لها انا ابن شاليش ايتها السيدة الحرة وامي هي الجليلة بنت مرة فقالت انت ابن الامير كليب ثم انشدت تقول :


قالت يمامه من ضمايرها دمع العيون على الخدين هنان اسمع أخي قصتي وافهم معانيها ياقاهر العدا في وسط ميدان ابوك خانه جساس ايا سندي بطعنة يا عظيم القدر والشأن شاليش خالك كل الناس تعرفه اهل الاعارب قاضيها ومن دان وعمك الزير فخر الناس كلهم وفارس الخيل من عجم وعربان فاسأل لامك ثم سرك اكتمه وارجع الينا فأنت اليوم في أمان

( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها تأكدت عنده تلك القضيه لان قلبه كان لايميل إلى جساس ولا إلى أحد من بني مرة ولا سيما انه قد حن قلبه إلى اليمامه فقال لها سرا لقد صدقت بقولك هذا فاذهبي الان وعند الصباح اتبعكم إلى الاوطان ثم توقفت عن القتال ورجع إلى عند امه في الحال واخبرها بذلك الشأن وان تعلمه من هو أبوه من الفرسان وحلف لها بالاله الديان انها ان كتمت عنه حقيقه الخبر قتلها وجعلها عبرة لم اعتبر لفما علمت امه بأتن الخبر قد اتصل اليه وان الامر ماعاد يخفي عليه اعلمته بالقصة من أولها إلى آخرها وأوقفته على باطنها وظاها واشارت اليه تقول من فؤاد متبول :

الجليله قالت ابيات نار قلبي بالحشا زادت لظا استمع يا ولدي فيما اقوله يا ضيا عيني وياكل المنى انت روحي افتهم مني الكلام قول صادق ليس فيه من خفا ان ابوك كليب سور المحصنات قاهر الابطال في يوم الوغى واخوته خمسون اعمامك جميع كلهم فرسان طعانه قنا اربعه من الست يا ابني حقيقي كل واحد سبع ربي بالفلا منهم المسمى ابوك كليب كان والفتى الزير المهلهل يا منى والفتى المسمى عدي درعان هذه الاربعه اتةا منها سوا ثم ست واربعين خلافهم من الجواري والسراري والاما كلهم يا امير اعمامك لهم كل واحد الف يطعن بالوغا وابوك كليب سار على الجميع بالفروسية مع جود وسخا جاء جساس خالك باق فيه وتركني بعده مثل الاما وطردني عمك الزير بعده فرحت إلى اهلي دون الملا قد كنت حامل فيك بعد ابيك فولدتك في تلك الحما رحت سميتك على اسم الكلاب سرت كانك سبع رابي بالفلا وانا والله من خوفي عليك قلت أخي شاليش انه لك أبا وانا اعلمتك افعل ما تريد صفا عينشي ووقتي ما تعكر

( قال الروامي ) فلما فرغت الجليلة من هذا الشعر بكى الجرو بكاء شديد ولام أمه على كتمان الامر ثم انه صبر إلى الليل فركب وسار بالعجل إلى عند المهلهل وصحبه العبد أبو شهوان الذي كان ارسله اليه عمه فارس الفرسان وفي اثناء الطريق أراه العبد قصر ابيه وقبره المصفح بالذهب وعينيه واجتمعت جميع شقايقه ومن يلوذ به من اهله واقاربه فوقعو عليه وترحبو به وكان الزير افرح الخلق ولما استقر به الجلوس وطابت من القوم النفوس قال الجرو الحمد لله رب الكائنات الذي جمع شملنا بعد الشتات فوالله العظيم رب موسى وابراهيم لا بد لي من قتل جساس واجعله مثل بين الناس لانه فجعني بابي تاجي وفخري وتركني يتيما طول دهري فقال له الزير لا بد من قتله على رؤوس الاشهاد وانت تكون الحاكم بعد ابيك على هذه البلاد ثم انشد وقال : يقول الزير أبو ليلى المهلهل صفا عيشي وقتي ما تعكر أتاني السعد من رب البرايا واتانا السعد لما النحس ادبر فقبل ظهوره كنا حزانا نقضي الليل في قلق ونسهر على فقد الفتى الماجد كليبا ثوى غدرا له جساس فنظر وفي دمه كتب بالبلاطة وصايا عشر ابيات او أكثر يوصيني بقوله لا تصالح فسالم انت ان صالحت تخسر واطرد الجليلة من حمانا عدوة كعبها ما كان اخضر طردناها وهي بالجرو حامل من يقدر على رد المقدر انا فيهم فتكت بحد سيفي وانت القصد منهم تكبر واني ما بكيت على كليب اخذت بثاره بالسيف مجهر فابكي حيث ما خلف ذكورا بنات الكل ما له طفل يذكر ولما خالقي انعم علينا وجانا الجرو كالسبع الغضنفر صفا عيشي وقد نلت المقاصد وزال النحس عنا ثم ادبر وبعد يا ابني اسمع كلامي انا عمك وانت الليث قسور فقم اجلس على كرسي ابوك وفي احوال اخواتك تبصر

(قال الراوي) فلما فرغ الزير من الشعر والنظام قال الجرو اطال الله بقاك ونصرك على جميع حسادك واعداك وبلغت قصدك ومناك انني والله يا عم في قلق وغم فلا تزول احزاني وانال اربي حتى آخذ بثار ابي واقطع راس جساس واجعله مثل بين الناس فشكره جميع اهله واعمامه وبعد ذلك قال له الزير ما هو الراي عندنا يا ابن أخي قال الراي عندي اني اغير عليكم نهار غد واخذ نوقكم وجمالكم إلى جساس واقول له باني اتيت اليوم باموالهم ومواشيهم وغدا اتي اليك براس الزير ثم احاربك وتكون انت واضع قربه من الدم تحت جانبك فاطعنك بالرمح فخذه تحت ابطك والقي نفسك على الارض فتنشق القربة ويهرق الدم وانا اصيح على جساس واقول له قد قتلت عدوك يا خال انزل اليه واقطع راسه لقد زال الكدر وبلغنا اليوم الوطر وعندما ياتي اليك فتقوم اليه بالعجل وتعدمه الحياة لانه لم يعلم بقدومي عليكم وبهذه الوسيلة تتم الحيلة وتتخلص من هذه الورطة الوبيلة فاستصوب الزير رايه ثم انه ودعهم وسار وحده الي الديار بني مره وعند الصباح ركب الجرو في جماعه من الفرسان وساق مواشي بني قيس من الرعيان با تفاق الامير مهلهل ليت الميدان فخرج الامير جساس وسادات من بني مره وشكروا الجرو على هذه الغنيمه ( قال الراوي ) فاتقف في تلك الليله بان جساس راى حلما غريبا وهو انه ابصر ذاته بانه كان قد ربى عنده جرو وذهب واكان يوده ويحبه فلما انتهى وترعرع وتصاحب مع سبع كاسر على فالفه إلى ان كان في بعض الايام اغار السبع على مواشي بني مره وهجم على نسائهم واولادهم وجعل يفترس كبارهم وصغارهم وكان الذئب يساعده يساعده عليهم فاغتاظ جساس من فعال الاسد فسلالسيف وهجم عليه يريد قتله واعدامه فوثب عليه الذئب من ورائه ونهشه فالقاه صريعا على الارض ففاق جساس مرعوبا من هذا الحلم فنهض في الحال وسار إلى الديوان وجمع اخوته وباقي السادات والاعيان واعلمهم بذلك المنام فقالوا هذه اضغاث احلام وما زاالوا يهرنون عليه حتى راق وزال عنه القلق والكدر ولما اصبح الصباح ركب الزير يطلب الحرب والكفاح وركب الامير جساس وهو في قلقل ووسواس وكان الجرو قد اوعد بهلاك القوم وقتل المهلهل في ذلك اليوم ولما التقى الفريقان برز الجرو إلى ساحه الميدانفبرز اليه المهلهل فالتقاه الجرو وصال وجال وطعنه بالرمح طعنه كاذبه فسحبها المهلهل من تحت ابطه فراحت خائبه والقى نفسه على الارض من فوق ظهر الحصان خديعه على عيون الفرسان ليظهر لهم انه قد مات وحلت به الافاق فعند ذلك صاح الجرو الله أكبر على من طغى وتجبر فقد ظنا المراد بقتل الزير الذى اهلك العباد ثم صاح على جساس وقال له انزل يا خال واقطع راس عدوك فقد قتلته وكفيتك شره فلما راه يختبط بدمه نزل عن ظهر القميره وهو يظن انه قد بلغ غايه مراده ولما اقترب منه نهض الزير على قدميه وقبضه من لحيته وهجم الجرو ايضا عليه ووضع الرمح بين كتفيه فعند ذلك علم جساس انها حيله قد تمت عليه وتاكد عنده صحه المنام فاخذ يخاطب الجرو بهذا الشعر والنظام

قال جساس الذي شاهد وفاه ياسياج البيض في طعن القنا انني بك يا ابن اختي مستجير فاجرني يا ابن اختي من القنا

فاجابه الجرو بهذه الابيات :

ايا خال اقصر عن ملامك دنى اجلك وقد وافى حمامك تقول اجرني يا ابن اختي الا يا جرو اعطينا زمانك قتلت كليب طلما وعدوانا تظنوا بانني اسمع كلامك وبعد كليب اصبحت حاكم تسامى في الملا ايضا كلامك طغيت وجرت في حكمك علينا فاذني لم تعد تسمع كلامك تريد اليوم منا ان نجيرك فهذا ماتشوفه في منامك

( قال الراوي ) فلما فرغ الجرو من كلامه جعل جساس يتوسل إليه بأن يعفو عنه وقال بالله عليك أن تصفح عني فأن الذي مضى قد مضى وهل اذا قتلتني يعيش كليب ويقوم فاتركني لوجه الله الواحد القيوم فقال الجرو لابد من قتلك كما قتلت أبي حتى أكون قد بلغت أربي فلما أطال بينهما الخطاب قال لهما الزير أراكما قد أطلتما الكلام والعتاب فعند ذلك طعنه الجرو بالرمح في صدره فخرج يلمع من ظهره وتقدم اليه الزير بالسيف على راسه فقطعه ثم وضع فمه على عنقه وجعل يمصه حتى شرب جميع دمه وكان الجرو ينهش في لحمه حتى بلغ مراده وشفى فؤاده وبعد ذلك أعطى الرأس إلى الجرو ليأخذه إلى شقايقه فسلمه الجرو الي بعض عبيده وهجم مع قومه في باقي الابطال على جموع بني مرة في الحال وأذا قومه الوبال بلغوا منهم الآمال وكانت بنو مرة لما علمت بقتل جساس أيقنت بالموت الاحمر لانه كان القائد الاكبر وعليه الاعتماد في الحرب والطراد فولت الادبار وطلبت الهزيمه والفرار وكان المهلهل قد قتل منهم في ذلك النهار خلقا كثيرا بهذا المقدار فمنهم أمراء وقواد وسادات وأمجاد وأما الذين سلموا منهم فانهم طلبوا الزمام من الزير والجرو فأجاروهم وعفوا عنهم بشرط أن يكونوا مثل العبيد لا ينقلون سلاح ولا يحضرون حربا ولا كفاحا ولا يوقدون نارا لا ليلا ولانهارا ولايعرف لهم قبر ميت في جوار لا في مقبرة ولا في دار ألا مشتتين في البراري والقفار يقضوا حياتهم بضرب الطبل ونفخ المزمار وأن غابت نساءهم طول النهار لا يسألها فين كانت بل يسألها أيش جابت وليس لهم صفه سوى الرقص والخلاعة فقبلوا على هذا الشرط بكل رضا وقناعه وبعد هذه الشروط تسلطن الجرو على كل القبائل نظير أبيه وطاعته العباد وشاع ذكره في البلاد وفرحت بنات كليب كل الفرح وزال عنهم الغم والترح وخلعن عنهم ثياب السواد وكان ذلك النهار عندهم من أعظم الأعياد وكان الجرو قد تزوج بثلاث بنات وولد له ولدان فسمي الاول تغلب والثاني مالك ولما بغا سن الرجولية زوجهما ببنتين شقيقتين وهما بنات الامير هلال حاكم حماة وزوج أخته اليمامة للأمير مفلح أبن الأمير مدكور وهذا ماجرى بينهم وهكذا أتصل الحسب والنسب وخمدت نيران الحروب بين قبائل العرب وكان أفرح الناس الأمير مهلهل وكان الجرو قد عرض عليه الزواج فامتنع وكان منعكفا على الجلوس في الخيام وأكل الطعام وشرب المدام وأقام له عشرون عبدا في رسم خدمته وكان يرقد وينام وهو لابس آله الحرب والصدام لانه كان قد أعتاد عليه مدة الحروب والشهور التي أستمرت اربعين سنه وكسور كما في التاريخ مذكور هذا ما كان من أمر المهلهل في تلك الايام وسوف يقع له حديث وكلام واما الجرو فأنه قد زوج أربعة من شقايقة إلى جماعة من الامراء وصنع لهن ولائم وأفراح مدة طويله وأما ولداه مالك وتغلب بقيا مدة خمسة عشر سنة ولم يرزقا بأولاد من بنات الامير هلال المذكور وبعد نهاية المدة طلبت نسأءهما زيارة أهلهما في حماة فطلب أزواجهما من أبيهما الجرو أن يأذن لهم بذلك فأمر لهم فساروا مع نسأئهما إلى تلك الاطراف ولما بلغ الامير هلال بقدوم أصهاره بنسائهما خرج للتفاهم مع ولده الامير مفلح وخرجت معهما اليمامه الامير مفلح المذكور وخرج أيضا أكابر المدينه فألتقوهم بالترحاب والاكرام وأنزلوهم في أحسن مكان وقاموا في تلك الاوطان مدة من الزمان وهم في سرور وأفراح وبسط وأنشراح ولما صمم الامير مالك وتغلب على الرجوع إلى الاطلال مات الامير مفلح مع أبيه الامير هلال فأقاما يحكمان في تلك الديار وأنقادت لامرهما أهل تلك البلاد وكانا محبوبان من جميع العباد وكانت اليمامه بعد وفاة بعلها ذهبت إلى عند أهلها . ( قال الراوي ) فاتفق ذات يوم ان الامير مالك قال لاخيه تغلب أعلم ياأخي انه قد مضى علينا مدة من الزمان ولم نرزق بولد ذكر حتى يبقى لنا ذكر يذكر بين البشر فدعنا نتزوج الان على نساءنا فلعل الله يرزقنا بأولاد والا أنقطع نسلنا من بين العباد فقال تغلب من الصواب ان نصلي إلى الله في هذه الليله ونتضرع اليه أن يرزقنا أولاد من نسائنا لانه على كل شيء قدير فامتثل أخوه رأيه وصليا تلك الليله بحراره قلب وأشار تغلب يقول وعمرالسامعين يطول :

يقول الفتي تغلب على ما جرى بدمع جرى فوق الخدود نهور أقول وفي قلبي من البين لوعه وبي حسرات طي الفؤاد تثور الفراق أبينا الجرو والزير عمنا عليهم قلبي والحشا مكسور يارب يارحمن ياسامع الدعا عليك أتكالنا يا جابر المكسور سألناك ربي بالخليل وأبنه بحق الذي اليه العبيد تزور فيا رب يارحمن اجير قلوبنا بجاه عيسى وموسى والفضل المشهور بجاه داود مع يحيى مع الخضر وبالعرش والكرسي وبحر النور ترزقنا بولدين يحيوا ذكرنا أيا من ترزق كل وحش كسور

( قال الراوي ) وكان الامير تغلب ينشده هذه الابيات وأخوه مالك يقول آمين يا رب العالمين فاستجاب الله دعاهما ولم يخيب شكواهما فما مضت مدة يسيرة وبرهه قصيرة حتى حبلت نساءهما ولما تمت ايامهما ولدنا الاثنان في يوم واحد فولدت زوجة مالك بنتا وزوجة تغلب ولدا ذكرا فقامت في الحي الافراح والمسرات وكان جناب الاميرين في الصيد والقنص فأرسلوا لهما بعض العبيد يبشرهما بذلك وكان اسمه مسرور فلما اقبل عليهما العبد قالا له علامك يا مسرور ابشير ام نذير فقال اني بشير واشار اليهما بهذه الابيات :

قال الداعي المسمى مسرور ياسادتي اتيتكم قاصد بشير ياأمير مالك اتاك بنت كالقمر ووجها كالشمس والبدر المنير وانت يا تغلب اتاك غلام يفرح القلب المتيم يا أمير اتيت اليكم حالا بلا بطا فوق حمرا كأنها طير يطير اريد منكم ياكرام بشارتي اجبروا بالله قلبي الكسير

( قال الراوي ) فلما سمعا كلام العبد فرحا فرحاً شديدا واعتقا العبد واعطوه الف دينار ولما حضرا إلى الحي امرا بذبح الذبائح وأولما الولائم وأقاما الفرح والسرور لمدة شهرين كاملين وارسلا حالا يعلما اباهما وعمهما الزير ويبشرهما بذلك وسميا الغلام الاوس والبنت مي وتعاهدا الاخان على زواج البنت بالغلام اذا كبر ولما بلغ الجرو والمهلهل ذلك الخبر فرحا جداً وشكرا الله على هذه النعمه العظيمه وركب الجرو في جمع غفير من قومه وابطاله وسار جهت اولاده لانه كان لديه غاية الاشتياق لمشاهدتهما ولما اقترب من تلك الديار وبلغ ولديه قدومه خرج لملاقاته في موكب عظيم وعند وصوله سلما عليه ووقعا على يديه يقبلانه فقبلهما بين عينهما ودعا لهما ثم سألاه عن عمهما فقال انه في خير وعافيه وانه مازال في خيامه وهو ملازم طعامه مع مدامه ثم سار إلى المدينه وكان ذلك اليوم اعظم من يوم الزينه ونزل الجرو في القصر الكبير ووقف بخدمته الصغير والكبير والمأمور والامير وأقام في تلك الديار مدة شهرين كوامل وكان في آخر هذه المده مرض ابنه تغلب فأقام عشرة اياما في الفراش ومات فحزن عليه الجرو حزنا عظيما وعملوا عليه مناحة عظيمه ودفنوه بكل أحترام . ووقارولماعزم الجروعلى الرجوع إلى بلا ده استدعى ولده مالك واوصاه با لرعيه وان يكون عادلا في حكمه وان يزوج ابنته مي بالاوس ابن اخيه وبعد ذلك سار وحده في قطع القفار إلى ان وصل اطلاله واجتمع باهله وعياله واما الامير مالك فانه اعتنى بتربيه ابنته وابن اخيه كما اوصاه جناب ابيه حتى كبرا وبلغا درجه الكمال وكان الاوس يركب ظهور الخيل ويتعلم الفروسيه مع الفرسان واستمر على ذلك مده من الزمن حتى صار من صناديد الرجال وشاع ذكره في كل مكان وكانت ابنه عمه مي من اجمل النساء والرجال وكان الاوس يحبها محبه عظيمه فكانا كروحين في جسد واحد فلما شاع ذكرها في قبائل الاعراب وتواردت على ابيها الخطاب وكان قد سمع بها الصنديد بن الاكوع وهو ابن عم الملك تبع حسان فعشقها على السماع وكان من الملوك العظام فارسل وزيره ليخطبها من ابيها فلما وصل الوزير وعلم مالك بالخبر فقال ولله هو نعم الصهر وبه انال الفخر على طول الدهر غير انه لاخفاك اطال الله عمرك وبقاك باْن ابنتي مخطوبه لأبن عمها الأوس ونحن الآن مباشرين بأمر العرس فلا يمكنني أن أنقض الكتاب وهذا الذي يمنعني عن اجراء الايجاب فقال له الوزير اكتب لي الجواب فكتب اليه هذه الأبيات :

يقول الفتى مالك على ماجرى له بدمع جرى فوق الخدود صدود أيا غاديا مني على متن ضامر تسابق لضرب المرهف المبرود تهدي هداك الله خذلي رسالتي اعطيه مكتوبي تنال سعودي اذا جيت لصنديد فقل له باني على طول الزمان ودود ومي ترى مخطوبة لأبن عمها ومعها تربى والانام شهود فحاشى لمثلي ان يخون اقاربه وافسح زمامي ثم اكون عنود ترى روحي ياامير ومهجتي وهو عندنااحلى من المولود فلو كنت اعطيها لغير ابن عمها لكنت انت اليوم اولى بالمقصود

ثم ان الوزير اخذ هذا الجواب ورجع إلى عند الصنديد واعطاه اياه فلما وقف على حقيقة الحال خرج عن دائرة الاعتدال فغير زيه وتنكر وركب جواده وسارالى تلك الديار وحده وعن وصوله إلى مضارب الاميرمالك لم يجد هناك ولم يكن في الحي الا النساء والبنات فسأل بعض النساء عن غياب الرجال فقالت منهم من سار إلى القبائل ليعزموا الناس إلى العرس والفرح ومنهم من ذهب مع الامير مالك لصيد والقنص ففرح بهذا الاتفاق وتقدم نحو الصيوان واركز رمحه ووقف على الباب ونادى هيا ياأصحاب البيت فقد اتاكم ضيف من ابعد مكان وكانت مي داخل الخيام وحدها فما ردت جوابا وماأبدت خطابا ولما ابطئت عليه الجواب وعرف ان الصيوان خاليا من الرجال انشد يقول :

قال الفتى الغريب الذي شكا ولي قلب من بين الجوانح ذاب اتيت قاصد مالكا في حاجه ولي ساعة واقف انا في الباب يا أهل هذا البيت اين اميركم واين مضى من الديار وغاب ياربة البيت الذي داخل الحمى مابالكم لاتردوا الجواب الافاخبروني يا بنات بحالكم قلبي غدا من أجلكم مرتاب اذا كان اهل الحي غابوا جميعهم اما فيكم كريمه ذات حجاب فتقر ضيفا قد اتى غريبه وتستر أهاليها مع الغياب اكيد ما كل النساء تستر الفتى ولاكل من يحوي الرديه صاب

( قال الراوي ) فلما سمعت مي شعره ونظامه وعرفت قصده ومرامه أخذتها الغيرة والمروءة لتستر عرض أهلها من القيل والقال وأشارت تقول :

تقول فتاة الحي مي التي شكت الا فاسمع للقول يا نجاب يا مرحبا بالضيف لما زارنا لك الخير والاكرام والترحاب انزل مكانك حتى احضر لك الغدا وتأكل من زادنا وتشرب انا بنت مالك راح للصيد والدي مع ابن عمي الاوس والاحباب انزل حتى يرجعوا رجالنا ويأتوا لنحو الحي بعد غياب فكم جاء الينا يا أمير مثالكم خلائق كثيرة ما لهن حساب نحن نحب الضيف اذا جاء محلنا انزل واجلس جانب الاطناب

( قال الراوي ) فلما فرغت من شعرها ونظامها وقع الصنديد في حبها وغرامها ورفع ستار الخيمه بسنان رمحه فوجد صبيه بديعه الجمال فزاد به الوجد والبلبال فصاحت عليه من خلف الستار وقالت علامك تنظر بنات الملوك يا غدار ثم ردت منديلها على وجهها وقالت له لاشك انك قليل الحياء كامخ فا كنت ضيفا كما تقول فانزل كي آتيك بالغداء والا فما هذه الوقاحه ثم قالت لجاريتها اطلعي افرشي له حتى يجلس ويتغذى لبينما يأتي ابي من البريه فخرجت الجاريه اليه وسالته كي ينزل في الصيوان فقال لها انه عيب علي ان انزل عند الحريم وانا سيد عظيم لئلا ادعي بكامح هذا من اعظم القبائح وما اتيت إلى هذه الديار الا لامر ضروري وهو ان اتزوج الاميرة ولما تأكدت الاميرة من مرامه قالت يانجيب ان كنت الضيوف فاقعد في الصيوان حتى يأتي ابي من البريه هذا فلم يسمع لها كلام وقال لابد من أخذك إلى الاطلال وهناك اتزوج بك بالحلال لاني اتيت من بلاد بعيده لاجل هذه الغايه الوحيده وقد نلت مرادي وحصلت على مسرة فؤادي ثم انه قام تلك الليله في ذلك المكان وهو مسرور فرحان ولما كان الصباح ركب ظهر الحصان واردفها خلفه وصار يقطع القفار ويوصل سير الليل بسير النهار حتى وصل الديار ولما سمعت اكابر قومه بقدومه ظافرا غانما اجتمعوا اليه وهنئوه بالسلامه وسألوه عن سفرته وماجرى له في غربته فقال اني عند وصولي إلى تلك الاطلال هجمت علي الفرسان والابطال ومددت اكثرهم على بساط الرمال وفعلت فعل تذكر على طول الاجيال وقتلت الامير مالك وابن اخيه واتيت بالعروس إلى هنا وقد بلغت المنى فلما سمعت مي منه هذا الكلام كان عليها اشد من ضرب الحسام فنهضت على الاقدام فقالت له امام الاعيان لقد نطقت بالزور والبهتان فوحق الاله الديان لو كان ابي وابن عمي حاضران لما كنت رجعت سالما إلى اوطانك ولا اجتمعت بأهلك وخلانك ولكنك خطفتني بالاحتيال وهربت في الحال قبل ان تدركك الر جل ويحل بك الوبال ثم انها بعد هدا الكلام بكت بدمع سجام ولما سمع الحاضرون فحوى كلا مها خافوا من القواقب وعلموا بأن كلام الصديد ليس له صحة فهو في حديثه كاذب واما الصنديد فانه اغتاظ من هذا الكلام فنهض والطمها على موجهها وقال هكذا تتكلمين يابنت اللثام امام السادات الكرام ثم سل سيفه وغمده واراد أن يعد مها الحياة فعتد ذلك وثب الوزير وبا قي الا مراء بالعجل وردوه عن ذلك العمل وقالوا له انت امير اتجمل عقلك كعقل النسوان فما تقول عنك ملوك الممالك اذا سمعت بذلك ومازلوا يتوسلون بالكلام حتى لان وكان له سجان أقسى من الصوان فاستدعاه اليه فحضر وكان اسمه عمران بن الازور فقال خذ هذه الملعونه إلى بيتك وسلمها إلى زوجتك لتقيدها بالحديد وتعذبها العذاب الشديد وتلبسها ثياب الشعر وتضربها خمس مرات في النهار وتطعمها خمس ارغفة من الشعير فقال يامولاي ان هذه الصبيه لاتستحق الضرب والانتقام ولاتستاهل غير الاعزاز والاكرام وهي كأنها البدر التمام فقال لها كيف العمل ومانحن الا عبيد الملك الصنديد فعند ذلك نزعت عنها ثيابها الحريريه والبسها ثوبا من شعر الخنزير وأرادت ان تضربها بالسياط على قدميها فوقعت على رجليها وجعلت تبكي وتثني عليها ثم انشدت من فؤاد متبول :

با الله ان ترثي إلى احوالي فالدهر فرق صحبتي وعيالي يا وحدتي يا ذلتي يا غربتي قد صرت بعد العز بالاغلال قد كنا في جاه ورفعه منصب والله ربي عالم الاحوال فترفقي هذا النهار بحالتي فلعل ربي يستجيب لحالي اني كريمه من اكابر معشر فاقوا الورى بالجاه والافضال ويعيدني بعد العناء إلى الوطن وأرى جميع الاهل والاخوال ولهم وقائع في البلاد جميعها بين الملوك وزمرة الابطال

( قال الراوي ) فلما فرغت من شعرها ونظامها ورق قلبها وقالت لها قري نفسا وطيبي قلبا سأصنع معروفا لوجه الله تعالي ثم انها جاءت بجلد جاموس يابس فصلته ثوبا والبستها اياه من تحت الثياب وقالت اني متى ضربتك فانك لاتشعرين بألم الضرب وماقصدت بذلك الا ليسمع الملك صوت الضرب وانت تصيحين وتستغيثين وانا أقدم لك ماتحتاجين اليه من المأكل والمشرب ومتى دخل الليل تخلعين ثوب الجلد ترقدين براحه بال إلى ان يأتي الله بالفرج فشكرتها مي على معروفها ودعت لها بطول العمر وأوعدتها بالجميل والخير هذا ما كان من مي وماجرى لها أما ماكان من أبيها فأنه عند رجوعه من الصيد سمع صياح والبكاء فسأل عن ذلك فأخبرته زوجته بواقعة الحال فغاب عن الصواب من شدة الغيظ واما الاوس ابن عم الصبيه فأنه غشي عليه لانه كان يحبها محبة عظيمة ولما أفاق من غشوته انشد يقول :

يقول الاوس ابن تغلب قصيد الا يامي من هذا دهاك اتاك اللص في غيبة ابيك ولم يعلم بمن يسعى وراك الا يا بنت عمي لو تدري بي على فقدك انا محزون باكي ترى في أي أرض قد حللت فما قلبي غدا يطلب سواك فلا بد لي أغزو دياره بالعجل واقتله وافرح في لقاك وابذل كل مجهودي لاجلك وروحي بعد ذلك هي فداك لما قال الفتى الاوس بن تغلب فقلبي قد تعلق في هواك

( قال الراوي ) فلما فرغ الاوس من هذا الشعر والنظام وقع مغشيا عليه وبقي طول ذلك الليل في هم وغم وقلق شديد ما عليه من مزيد فجعل عمه يلاطفه بالكلام ويقول له طيب قلبك يا ولدي فما يصلح الحزن الا إلى النساء فاصبر لبينما نرسل من يكشف لنا خبر ذلك الرجل وبعد ذلك نسير إلى دياره فنخربها ونسبي حريمه وعياله فقال الاوس من يذهب غيري فوالله لاسرت الا وحدي ولا اريد رفيق ولامعين سوى رب العالمين ثم نهض فاعتد جلاده وركب ظهر جواده وودعهم ويار وجد في قطع القفار ودموعه تجري على خديه كالانهار وهو لايدري إلى اين يذهب والى اي حلة يقصد من قبائل العرب إلى ان وصل إلى وادي عميق ضيق الطريق كثير الاشجار والوحوش والاحجار فبينما هو يتأمل ذلك المكان واذا قد ظهر عليه أحد الفرسان وهو بالسلاح الكامل والفروسيه عليه علائم ودلائل فلما رأى الاوس منفردا وحه مال اليه وقصده وقال له انزل ياجبان عن ظهر الحصان واخلع ماعليك من الثياب وفز بنفسك في هذه الهضاب قبل ان اسقيك كأس العطب فأنا جمرة بن غمرة فارس العرب .

فلما سمع الاوس هذا الكلام صار الضيا في عينيه كالظلام وهجم عليه في الحال وصدمه صدمة تزعزع الجبال فالتقاه جمرة في الحال والتحما في ساحة المجال واشتد بينهما القتال وتجاولا ساعة من الزمان وهم في ضراب وطعان تقشعر منه الابدان فاختلفا بينهما طعنتين قاتلتين وكان السابق الاوس بن تغلب فجادت في صدره خرجت تلمع من ظهره فوقع قتيلا وفي دمه جديلا فأخذ عدته وجواده وجد في المسير وهو يقطع القفار والاكام مدة خمسة ايام واتفق في اليوم الخامس انه التقى بقارس وهو يجد في قطع القفار كالسهم الطيار فتقدم اليه وسلم عليه وقال له إلى اين سائر والى من تنسب من القبائل والعشائر فقال انني من بني عبس وعدنان أصحاب الفضل والاحسان واني ساير إلى ديار بني عامر لاستدعي حامينا عنتر فارس الخيل لانه سار من عشرة ايام ليحضر وليمه دعاه اليها عامر بن الطفيل وفي غيبته غزانا عمرو بن معد يكرب في خمسة الاف فارس فحاربنا محاربة شديدة وجرى بيننا وبينه وقائع عديدة فأرسلني مولاي قيس بن زهير لاستدعيه للحضور قبل ان يظفر عامر المذكور فقال الاوس وقد تعجب ومن هو عنتر بن شداد فارس الصدام الذي اشتهر ذكره في هذه الايام بطعن الرمح وبضرب الحسام وقهر كبار الجبابرة وحارب الملوك والاكاسرة والقياصرة وافتخر على الابطال في ساحة الميدان فلما سمع الاوس هذا الخبر وانبهر ثم ودعه وجد في قطع البر الاقفر ومازال يقطع البراري والاكام مدة سبعة ايام حتى اشرف على جماعه من العبيد ترعى الاغنام فحياهم بالسلام واخذ يسألهم بهذا الشعر والنظام :

يقول الفتى المضنى الفائض ما به فدمعي جرى فوق الخدود سائح الا ياعبيد الخير بالله اشفعوا لصب بعيد الدار ولهان نازح فجيع وجيع مستهام ملوع تركه البين مضنى كثير الجرايح لقد ضاع لي حرة عفيفة من الحنا فهل من يبشر بها يا فوالح ويخبرني لأي البلاد توجهت من أجلها ناري تزيد اللقايح لقد احرقت قلبي والبي مهجتي وكل عظامي اوثقتهم جرايح

( قال الراوي ) فلما فرغ من كلامه تقدم اليه كبير الرعيان وكان اسمه مرجان وقال له اعلم يا غلام انه من برهة عشرة ايام سبى اميرنا الصنديد ابنه اسمها مي لايوجد اجمل منها في نساء هذا الحي فأراد ان يتزوجها فامتنعت عنه فلم تميل اليه فقيدها بقيود من حديد وهو كل يوم يعذبها عذاب شديد فعسى تكون الحرة التي ذكرتها في نظمك افرج الله همك وغمك فلما سمع الاوس هذا الكلام استبشر ببلوغ المرام ونزل عن ظهر الحصان وقبل العبد مرجان وأوعده بالجميل والاحسان فبينما هو بالحديث والكلام واذا بسعد ابت أخت الصنديد قد جاء ليكشف أخبارها ويرجع بها إلى ديارها فلما سمع هذا الكلام رجع عند خاله وأعلمه بما سمع ورأى وأشار اليه يقول :

قال سعد قد اتيتك عارا ياخال مى فاسمع الاخبارا البنت التي غربتها من أهلها من خلفها فارس اتاك جهارا ياخال فارس في اللقا مجرب وعيونه ياخال تقدح نارا ان كان راقت لك ليالي الصفا فبصفوها تأتي لك الاكدارا قد جاء إلى عند العبيد يسأل انبوه فجاء كالاسد هدارا لما سمعت اتيت نحوك عاجل هذا الذي ياخال تم وصارا

( قال الراوي ) فلما فرغ سعد من شعره ونظامه وفهم الصنديد فحوى كلامه قال له فارس واحد قال نعم ايها السيد الماجد فشتمه خاله وقال ارجع وخذ من بين جنبيه فأنه لايليق بي ان اركب لقتال صعلوك من صعاليك العرب فخرج سعد من عند خاله وقصد الاوس . فلما اجتمع به وصاح فيه وحمل عليه فالتقاه كالاسد وضربه بالحسام المهند فألقاه على الارض قتيلا فأخذ عدته وسلبه ثيابه ولما بلغ خاله الخبر طار من عينيه الشرر فركب ظهر جواده واعتد بعدة جلادة وقصد الاوس حتى التقى به وانطبق عليه كليث الاجام وأخذ معه في القتال والكفاح ولم تكن الا ساعة حتى اثخنه بالجرح فولا وطلب لنفسه الهرب فتبعه مثل السرحان حتى وصل الصيوان واحتما عند النسوان فلما دخل على الحريم قالت له زوجته سعد علامك دخلت وانت مرعوب كل هذا لاجل الابنه التي خطفتها وما نالت المرغوب فقالت انك تستحق أكثر من ذلك وبخته بالكلام وقالت له انت تدعي الفروسيه على كل واحد وتهرب من امام امرد هذا والاوس يصيح عليه ويقول اخرج يالئيم من بين الحريم حتى اجازيك على تلك الفعله ياغدار يا محتال فخاف الصنديد وقال لزوجته سعده اعطيه ابنة عمه وكافينا همنا وهمه وخرجت زوجته اليه وقبلته وطلبت منه العفو والسماح فأعطاهما الامان فجاءوا له بإبنة عمه مي بعد ان لبسوه الثياب الفاخره وذبحوا له الذبائح وقدموا له الاطعمه المتكاثره ولما اجتمع به زال عن قلبه الكدر من كثرة فرحته اخذ يسكب العبر وهكذا فعلت مي وكان ذلك النهار عنده كيوم العيد حيث التقت بحبيبها الوحيد . ( قال الراوي ) فباتا تلك الليله في الحله وعند الصباح اركب مي في هودج وسار معه جماعة من العبيد وتوجهوا قاصدين دياره ولما اقترب من بلاده ارسل يبشر عمه الامير مالك بقدومه وشاع الخير في الحي وخرجت النساء والبنات واكابر السادات ولما اجتمعوا ببعضهم البعض نزل الامير مالك فسلم على الاوس وابنته وشكر ابن اخيه على افعاله وعند وصوله إلى الخيام حدثهم بحديث عنتر وما سمع عنه من الخير فقال عمه والله سمعنا بذ كره وأنه من أ فرس فرسان عصره وبعد ذلك ذبحواالذ بائح والموا الولا ئم ثم زفو ا الاوس على ابنة عمه فكانت اليلة من أعظم حضرها جمهور من السادات والموالى فزادت أفراح الاوس بتلك العروس وحظى بدلك الحسن والجمال وعاش معهما بأ رغد عيش وأحسن حال وبعد ذلك وضعت له غلا ما سماه ما لك وله حد يث طو يل فا تفق بعد عشرة ايام أن ابن الاوس ضعف ضعفا شديدا فمات فحزن الاوس عليه ودفنه بالاحترام والوقار بكت عليه الكبار والصغار وكان موصوفا باللطف والايناس ومحبوبا من جميع الناس وأرسل الاوس وأعلم جده بذلك الخبر فحزن وتكدر فقالت أختك اليمامه أرسل ياأخي وأحضر أبن عمك الاوس مع أهله ليجمع شملنا بشمله أجابها إلى ذلك وفي الحال أرسل رجلا من بني عمه ليحكم مكانه فجاء الاوس مع أهله وسكن عند الجرو جده وراق لهما الزمان واما ماكان للبطل الهمام صاحب الذكر الشهير المدعو بسالم الزير فأنه كان قد أخناه الدهر وضعفت قواه وهو مع ذلك مواظب على أكل الطعام وشرب المدام وكان لا ينام الا وهولابس عدة الحرب والصدام وما زالوا على تلك الحال حتى برز له أسنان جدد وصار عقله مثل عقل الولد وكانت بنات أخيه تخدمه وتداويه فاجتمع يوما بالجرو وقال له ياابن أخي قد ضاقت أخلاقي من الوحده والانفراد فأريد منك أن ترسلني مع بعض الاتباع لتنزه في البلاد فأجابه إلى ماطلب وأركبه في هودج وأعطاه عبدان برسم الخدمه وجميع ما يحتاج اليه من لوازم السفر فودعه المهلهل وما زال يجول حتى أقترب من بلاد الصعيد وكان العبدان قد تعبا من مشقة الطريق وهما يلاقيان من التعب أشد الضيق فصمما على قتله وأعدامه بالكليه وانما يقولان لاهله قد ادركته المنيه فعرف الزير منهما فقال قد دنى همامي وليس الا القبر امامي فإذا ادركتني منيتي اريد منكما ان تبلغا اهلي وصيتي قالا وماهي وصيتك فعاهدهما على حفظها وتأييدها فحلفا له بأعظم الاقسام بأنهما يبلغونها بالكمال والتمام فقال اذا وصلتم الحي فاقريا أهلي من السلام وانشدوهم هذا البيت وقولا لهم اني في القبر قد أختبيت .

من مبلغ الاقوام ان مهلهلا لله دركما ودر ابيكما

وكرره عليهم حتى حفظاه ولما دخل الليل ذبحوه ودفناه تحت التراب ورجعا إلى ديارهما ودخلا على سيدهما الجرو وأعلماه بموت عمه الزير فبكا بكاء شديدا ومن حضر ثم ان العبدان اقتربا من الجرو وانشداه البيت المذكور . فلما سمع الجرو هذا استغربه حيث لامعنى له فاستدعى بأخته اليمامه وكانت من اذكى نساء العرب وعلمها عمها وانشدها ذلك البيت فلطمت على وجهها وبكت قالت ان عمي لايقول ابيات ناقصه بل اراد ان يقول :

من مبلغ الاقوام ان مهلهلا أضحى قتيلا الفلاة مجندلا لله دركما ودر ابيكما لايبرح العبدان حتى يقتلا

ثم انهما قبضا على العبدان والقوهما تحت العذاب والضرب الشديد إلى ان أقر بأنهما قتلاه ودفناه فقتلهما الجرو في الحال وهكذا انتهت حياة الزير وقد أخذ ثاره في حياته وبعد مماته .



( تمت قصة الزير أبو ليلى المهلهل بعون الله تعالى ) السلام