التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
لمحمد بن علي بن غريب
  ► ويكي مصدر:إسلام ◄  

محتويات


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مكمل الدين وناصره، ومظهر الحق بسيف الوحي، فبه الشرك والباطل قامعه، الذي أتم علينا وافر نعمته. وتفضل فرضي لنا الإسلام دينًا بكمال منته. وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم لعظم شأنه وشرفه. وأوضح لنا قواعد دينه الإسلام وملته، ونصب رايات الهدى فهي تنادي لدار الخلد من جنته، المتحبب إلى خلقه بفتح أبواب رحمته. والمحسن إلى أهل ملته الحنيفية بترادف أنواع الخير من نعمته. وميسر لمن اختاره بنصرة دينه أسباب علو الهمة ومانحهم بإقامتهم عليه كشف كل شدة وغمه، والملهم لتوحيده حمدًا موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع قائلها يوم وعده ووعيده. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا دائمين متلازمين ما استدار الزمن في تكوّره وتكويره.

أما بعد.

فإن الله عز رجل خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات ليعرف وتعلم حكمته، وقدرته، فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله. وذلك معلوم ضرورة قال الله تعالى: { الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } وقال عز من قائل: { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } وقال تعالى: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم }. وقال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. كما قال جل ذكره: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }. ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك لظلم عظيم، فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، وأوجب الواجبات وأفرض الطاعات، ولما كان الشرك بالله منافيًا بالذات لتوحيده تعالى وإخلاص العبادة له كان اكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدًا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملًا أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندًا وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه، رقد أرسل سبحانه وتعالى رسله إلى خلقه، وأنزل كتبه ليعلموا ذلك ويتيقنوه إقامة للحجة علهم، كما قال عز من قائل: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ } وقال تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا } إلى أن قال: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } فدين الرسل واحد. لم يختلفوا في شيء من أصله. وإنما تحصل الفترة بين الرسولين فيندرس الدين أو بعضه فيُجهل ويُترك.

وقد بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل وأهل الأرض مَقتَهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل، أو مبدل ومنسوخ، والدين كله أو بعضه مجهول متروك، وأمى من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر وتمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال سيئة يحسبونها صلاحًا وهي فساد، وغاية البارع منهم علمًا وعملًا أن يحصل قليلًا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليه حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا وأولي العلم منهم خصوصًا من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما. والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية تدل على ذلك ولله الحمد والمنة. (وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وان ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضًا" ورواه أيضًا البرقاني في صحيحه وزاد "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي المشركين، وحتى تعبد طوائف من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى".

فملك الأمة لأقطار الأرض، ثم افتراقهم الحاصل لهم، والاختلاف بينهم محقق مضبوط محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. وكان صلى الله عليه وسلم يحذر أمته منه لينجو من شاء الله منهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا عن شماله وقال هذه السبل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } رواه الإمام أحمد وغيره. ومع أن الله تعالى حذرنا هذه السبل فقضاؤه سبحانه نافذ بما أخر به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق به علم الله تعالى، حيث قال الصادق المصدوق فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبر وذراعًا بذراع" فقيل يا رسول الله فارس والروم قال: "ومن الناس إلا أولئك" فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في أمته مضاهاة لمن سلف من الأم اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب وفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهي عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء. وليس إخبارًا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه عليه الصلاة والسلام أنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، وأخبر أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته، وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرط لكم وإني شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو قال مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" رفي رواية: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. فعلم بخبره الصادق أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود أو النصارى والمشركين. وفي حديث الثوري وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك وان بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه أبو عيسى الترمذي وقال هذا حديث غريب مفسر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن عوف الأشجعي وغيرهم فعن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفرقت اليهود على أحد وسبعين فرقة أو اثنين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني أهل الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " وقال: "أنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به" هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمر. وعن الأزهر بن عبد الله الرازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان وبقية وأبو المغيرة، ورواه الإمام أحمد وأبو داود في سننه، وقد روى ابن ماجة هذا المعنى من حديث صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن ابن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخر فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، والثنتان والسبعون لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم. ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط، وإما في الدين والدنيا معًا، ثم قد يؤول إلى سفك الدماء لأجل الدنيا فقط. أولها وللدين معًا، أو للدين فقط. وهذا الاختلاف هو ما نهى عنه الله في قوله سبحانه: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الآيات وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } وقول: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وقوله: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } الآية ومنشأ هذا الاختلاف وأصله إما من جهة عدم العمل بالعلم، كالذي يعرف الحق من الباطل ويميز بينهما ولا يتبع الحق علما ولا قولًا ولا عملًا، وإما من جهة العمل بلا علم فيجتهد في أصناف البدع بلا شريعة من الله ويقول على الله بلا علم.

فالأول: من مشابهة اليهود الذين قال الله فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }.

والثاني: من مشابهة النصارى الغالين في الدين والقائلين فيه غير الحق والضالين عن سواء السبيل. وقد ابتلى الله طوائف من هذه الأمة من المنتسبين إلى العلم بما ابتلى به اليهود من الرياسة وحب الدنيا وإيثارها وكتم الحق، فإن هؤلاء المنتسبين إلى العلم تارة يكتمون العلم بخلًا به وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضًا برياسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رياسته أو ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسئلة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسئلة فيكتم من العلم ما فيه حجة لخالفه وان لم يتيقن أن مخالفه مبطل، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الهوى لا يكتبون إلا ما لهم. وكان السلف منهم سفيان بن عيينة وغيره يقولون أن من فسد من علمائنا ففيه شبهة من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وليس الغرض من هذا تفصيل ما يجب وما يستحب، وإنما الغرض التنبيه على منهاج الحق المتبع وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ورواه ابن ماجة وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك" وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني خلفت فيكم ما لم تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" والنظر بعين الإنصاف إلى ما تشعب فيه الناس، وأصبح غالبهم نابذًا كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهره زاعمًا أن كتاب الله ما بقي من حكمه الآن إلا مجرد التلاوة باللسان، وأما فهم معانيه وتدبره والعمل بما فيه فلا وصول لأحد إليه، وكذلك الأحاديث. فالقرآن مصرح بنقيض قولهم ورد حججهم قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } وقد قال تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } وقال تعالى: { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } وقال تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } وقال تعالى: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } فهذا كله مشعر بأن القرآن محفوظ ومصون عن التبديل والتغيير والنسخ جملة وعدم فهم معانيه وتدبره فإنه للذين آمنوا نور وهدى، ولم ينزله الله إلا للعمل به، وذلك متوقف على معرفة معانيه. وكذلك الأحاديث فإنها تفسر القرآن، كما أن بعضه يفسر بعضًا. وقد فسره الصحابة رضي الله عنهم وتفقهوا في الدين منه. كما تفقهوا من السنة. وكذلك كتب الأئمة الأعلام الذين يؤخذ بأقوالهم من أهل الملة الغراء والمحجة البيضاء المفسرين له والمؤوّلين لمعانيه، والجامعين للأحاديث النبوية، المفارقين كل فرقة غوية، ليس في أيديهم منها إلا مجرد تلاوتها من غير تذكر لها ولما فيها ولا عمل بمعانيها، بل استغنوا عن ذلك كله بزخرفات المبطلين وإتباع حجج المعطلين، وإتباع الهوى وذلك كله من عموم البلوى حتى كتب الفقه التي في أيديهم، ويزعمون العمل بها وبما فيها إنما يأخذون منها ومن معاني ما تضمنته ما كان موافقًا لتحذيق الكلام والتشدق به من تعلم الدعاوي والخصومات وتعليمها، وأما العبادات والحدود فإنما تتلى باللسان تلاوة وقلّ ما توجد عند فقيه مستجمع لها، بل إن وجدت فهي عند الخواص من ذوي الثروة يساطرها مخزونة عنده من غير انتفاخ بها ولا عمل بمعانيها، بل تفاخرًا وتكبرًا وحب رياسة، وهو ربما لا يعلم اسمها ولا اسم مؤلفها، وينضاف إلى ذلك عداوة الحق ودحضه، وإيثار الباطل وحبه، اجتلاب لقلوب العوام، وجمع الحطام، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم يجتلبون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي تغترون وعليّ تجترئون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيرانًا" وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي كرم الله وجهه: "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود" وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن كما يستخفي المنافق فينا اليوم" ومنشأ ذلك وسببه إنما هو الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه صلاة الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، والإقبال والانقياد إلى طاعة هذا العدو اللعين، الذي توعد وجد واجتهد في قوله لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. وقد قال تعالى: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } فلذلك حصل الران والغمرة، ووجدت الغفلة فانعكس الأمر وهجر ما الله به أمر، وارتكب ما عنه نهي وزجر. فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا واتبعت الأهواء وعمت البلوى، فالآمر بالمعروف ينكر عليه، والمتبع لهواه المنقاد إلى الباطل والمتنسك به يجل ويوقف بين يديه. وقد آل ذلك إلى عمى القلوب، والجهل بما هو من العبيد مطلوب حتى إذا أوجد الله رجلًا أحيا به قلوبًا قد انعكفت وانهمكت في أنواع باطل مضاد للحق متناول للشرك الأكبر فما دونه، فبصرهم به وأنقذهم منه ونهاهم عنه ثم قادهم إلى سبيل الخير والنجاة الذي هو منهاج نبيهم وأصحابه وما أنزل القرآن لأجله قام عليه أهل الأهواء فجرحوه وبدعوه، ومنهم من جعل اليهود والنصارى أخف شرًّا منه ومن إتباعه بلا تدبر ولا تذكر ولا تفكر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولا في كلام الأئمة الأعلام ممن سلف من الأنام، وما حصل لهم وعليهم من الأذى في ذات الله تعالى حسدًا وبغيًا، إما لأجل حق عملوا به وقالوه ونهوا عن ضده واجتنبوه أو لتصنيف صنفوه أو على غير ما شيء من ذلك أسلفوه، وإنما هو بسبب عدم موافقتهم لهم فيما اعتادوه.

ومن تأمل أحوال السلف وما جرى عليهم من أنواع البلوى إما قتلًا وإما حبسًا أو نفيًا أو ضربًا ابتلاء لو ذكرت أسبابه على تفاصيلها وذكر عدد من ابتلى ممن سلف لاحتمل ذلك مجلدات ضخام ولكن لنا في الاختصار أسوة علم علم اليقين أن الله سبحانه يبتلي أحبابه ابتلاء له فيه حكمة، ولو لم يكن فيه إلا رفع المقامات أو تكفير السيئات، خصوصًا هذا التوحيد فإنه سبحانه من حكمته لم يبعث به نبيًا قط إلا جعل له أعداء يؤذونه كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا }.

ولما كان العلماء ورثة الأنبياء جعل الله لمن كان منهم عاملًا بعلمه مهتديًا بقول الله متبعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوًا من الإنس والجن يؤذونه ويشوشون عليه اتباعه ويردون عليه ما قال عن الله ورسوله أقواله، وهذا كله من الله عدل إذ فيه رفع درجات الأنبياء، وإظهار مقامهم صلوات الله وسلامه عليهم، وتكفير سيئات هؤلاء العلماء ورفع درجاتهم وتعظيم أجورهم رضي الله عنهم، ولذلك قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } ومع ذلك فلا بد من نصر ما جاءت به الرسل الذي عملت به هؤلاء العلماء ودعت إليه قال تعالى: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } وقال تعالى: { ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } فمن صبر من هؤلاء العلماء المذكورين نصره الله كما نصر رسله، وهذا مصداق قوله تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }.

وهكذا لم تزل السلسلة في صعود وهبوط إلى أن حل بهذا الرجل ما حل بالأسلاف الذين خلوا من قبله من صالح سلف الأمة وخيارها. لكن قد هدى الله به أممًا ضلالًا منهمكة في أكبر الكبائر على الإطلاق فحاز من الأجر العظيم مغنمًا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" أخرجه مسلم وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فلله الحمد والمنة.

ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل

وقد وردت إليه أسئلة من علماء الحرمين والشام وأقطارها، وعلماء نجد وسكانها، وعلماء الاحساء وأتباعها، متعلقة بكشف أحواله، ومما يدعو الناس إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ومتضمنة للسؤال عن بيان ما يدعيه وما يقوله وما دليله فيه، فأجابهم بإجابة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة ما بمثلها يهتدي المهتدون، وعليها يقف المنصفون، وبها يأخذ المستدلون، فهدى الله به من اهتدى وخاض في لجج طغيانه من شقى، ولو ذكرنا ما حصل من ذلك على التفصيل اللائق لطال الفصل، وانعكس الوصل، ولكن يكفي اللبيب ما قد شاع عنه وذاع، وتقطعت به الأسماع، من أن يدعو الناس إلى توحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته وإخلاص وحدانيته وعبادته بأنواعها له وحده ليكون الدين كله له، وهذا ما دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب.

القول على خطبة رسالة عبد الله الراوي

وقد وردت إليه رسالة تنسب إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، وقيل لعبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكان إرسالها بأمر الوزير سليمان باشا المقيم فيه الآن، هداه ربنا الرحمن في السر والإعلان، ومضمونها: أن التوحيد إنما هو مختص بمعنى الربوبية، فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع وهو الله، ولا يكون اسمًا لغيره إلا إن اعتقد أن ذلك الغير يوجد ذلك الضر والنفع اعتقادًا علميًا مع اعتقاد ذلك الغير أيضًا شريكًا لله حتى يطلق على ذلك المعتقد اسم المشرك واسم الكفر الموجب لسفك دمه وخلوده في النار، فأما من قال بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله وآمن بالله واليوم الآخر ثم دعا غير الله من ولي أو ملك أو نبي بشيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، واعتقد في ذلك الغير أنه يضر وينفع فهو يعتقد فيه ذلك الذي لا يقدر عليه إلا الله، ولكن لا يعتقد أنه شريك لله. بل إذا سئل فقيل له الله شريك، قال لا. ولكني أدعو هؤلاء لقربهم وصلاحهم، فهم يكشفون شدتي، ويفرجون كربتي، وأطلب منهم شفاعتهم، فإن ذلك لا يخرج عن الملة بل فيه مجرد الحرمة والإثم فقط. ثم استثنى جواز سؤال الشفاعة منهم في هذه الدار وأنه إن دعاهم لشفاعتهم له وطلبها منهم فلا بأس بذلك، وفيه أيضًا: أن تارك الصلاة عامدًا لا يكفر فلا يقتل وفيها أيضًا: جواز شد الرحال إلى زيارة القبور، وانه قريب من الواجب حيث كانت قبور الأنبياء، وفيها مسائل ومسائل واعتراضات كما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وقد أرسلها الوزير المكرم لننظر فيها ثم نجيب عنه، فنقول بعد الاستعانة بالله والاتكال عليه والبراءة من الحول والقوة.

أما قولكم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه وعلى من تبعهم بإحسان، وقفى أثرهم إلى آخر الزمان.

فنقول هذا الابتداء بالبسملة، والحمد له، والاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال والاخبار، بأن من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والشهادة بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، والاخبار بإرساله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وإنشاء الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه وجنده وحزبه ومن تبعهم بإحسان وقفي أثرهم إلى آخر الزمان، مشروع للتأسي بالكتاب العزيز ومأمور به في قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" وفي رواية فهو أجذم. وفي رواية فهو أقطع. والأبتر في اللغة مقطوع الذنب. والأجذم مقطوع الأنف. والأقطع مقطوع اليد. أطلق الشارع صلى الله عليه وسلم كلا منها في الحديث على ما فقدت البركة منه تشبيهًا له بما فقد ذنبه الذي به تكمل خلقته؛ أو بمن فقدت يداه اللتان يعتمدهما في البطش ومحاولة تحصيل ما يروم تحصيله. فإطلاق كل منها في هذا على وجه التشبيه البليغ أو الاستعاذة، ومعنى ذلك في هذا المعنوي ناقص البركة فهذا حث منه صلى الله عليه وسلم على البدء بالبسملة التي هي سبب لتمام البركة في كل ما يهتم به شرعًا، وكما أن الحديث وارد بالبدء بالبسملة فكذلك الحمدلة. ولذلك المصنفون يجمعون بينهما. لكن الابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة إضافي، ليندفع التعارض. والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، أو من السمة وهي العلامة. وفيه ست لغات كما هي مبسوطة في محالها من مطولات ومختصرات، ووشرت سينه للتمييز بينه وبين الفاصل للميم عنه. ولذلك كان عمر بن الحطاب رضي الله عنه يضرب الناس على توشيره، وعلى مد الألف المتصلة به قدام الباء، التي وضعت عوضًا عن الألف المتصلة بالباء في حال انفرادها عن السين، كما في باسم ربك، وأفردت نقطة الباء التي تحت الاسم إشارة إلى تفرده تعالى بالألوهية والوحدانية، ودورت ميمه إشارة إلى احاطة ملكه سبحانه وتعالى جميع الكائنات، فاجتمع فيه معنى الألوهية والربوبية، ثم هذا المبدوء به المذكور في صدر المقدمة يحتاج كل ذاكر له وقائل به إلى علم معانيه والعمل بما يدعيه، فإن معنى قول القائل بسم الله، أي أستعين وأتبرك بكل اسم للذات الأقدس، المسمى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، فالباء متعلقة بمحذوف مقدر بقوة المذكور وكونه فعلًا أولى لأنه الأصل في العمل، وعمل الاسم بالحمل عليه وخاصًا من مادة المفعول أولى أيضًا، فمريد السفر يقدر بسم الله أتبرك وأستعين به على السفر، والمؤلف يقدر على التأليف، فهو في معنى أسافر أو أؤلف ونحو ذلك، لما فيه من الاستعانة والتبرك في جميع أجزاء الفعل، بخلاف الابتداء والافتتاح سواء قلنا معنى الباء الاستعانة أو المصاحبة أو التعدية، وكونه مؤخرًا عن لفظ بسم الله أولى أيضًا، ولا يجوز بينهما والأولى تأخيره عن الرحمن الرحيم لمن أتى بهما، وذلك لأن رتبة العامل التقديم، فتأخيره لنكتة وهي إفادة الاهتمام مطلقًا والاختصاص والحصر غالبًا وهو من حمر القلب ان كان المشركون يتبركون بأسماء آلهتهم وما يعبدون من دون الله، أو من قصر الإفراد ان كانوا يتبركون بالابتداء بأسماء الله وأسماء آلهتهم، واستظهره السعد وغيره.

فلذلك وجب على الموحد قصر الاستعانة والتبرك على اسم الله تبارك وتعالى، أي الإتيان بما يفيد ذلك وان لم يلاحظه أو لم يعرفه، ولا يغني عنه كون المتكلم لا يعتقد ذلك لعدم إطلاعه عليه ومعرفته إياه، إذ الجهل بالشيء لا يزيل حكمه. وأما قوله تعالى اقرأ باسم ربك فللاهتمام بالقراءة لخصوص المحل، فان أول هذه السورة أول ما نزل من القرآن واقرأ فيها راجع للبسملة لأنها بعض ذلك الأول ومقدمة عليه، فهي أول آية نزلت على الإطلاق كما اقتضى الاختصاص والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، والمعنى نخصك بالعبادة والاستعانة، فلا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، ففي تقديم اسم الله اهتمام به للتعظيم واختصاص أيضًا، وحصر للذوق السليم، وتنبيه على أنه ينبغي للعابد أن يكون نظره ابتداء إلى المعبود ثم إلى العبادة، لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين معبوده، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي، ولأن تقديم الوسيلة التي هي القربة والأعمال الصالحة على طلب الحاجة أدعى إلى القبول والإجابة، وللإشارة إلى أنه لا توجد العبادة من العابد إلا مع الاستعانة، ولذلك قيل إن الواو للحال، وكرر الضمير إشارة إلى حصر الاستعانة به تعالى، وذكر السين في بسم الله للفرق بين التيمن واليمين.

(والله) أصله اله زيدت فيه اللام وشددت وفتحت همزته فصار الله؛ وهو علم على ذاته تعالى وتقدس يوصف ولا يوصف به (والرحمن الرحيم) اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وإنما قدم، والقياس يقتضى الترقي لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره تعالى لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين المبالغة في الرحمة إشارة لسبقها وغلبتها على أضدادها وعدم انقطاعها، فلينظر القائل بسم الله أهو عامل بمعناه، لقصره الاستعانة والبركة على اسم الله خاصة، فلا يعتقد معنى ذلك في غيره تعالى كما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ولا يرضى به أيضًا، وان أشعر تقديم العامل بالاحتمال فاعتقاده باق على حاله، أو هو يعتقد ذلك المعنى في غير الله مع كونه إنما ذكر اسم الله خاصة، أو لم يعتقده لكنه يرضى به من غيره، فهذا لم يقصر الاستعانة والبركة على اسم الله وان أتى بما يفيدهما لفظًا، لأن عقيدته أفسدت عليه.

(ومعنى الحمد لله) أي جنس الوصف بالجميل أو كل فرد منه مملوك أو مستحق للمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال. والحمد هو الثناء بالصفات الجميلة الاختيارية، والأفعال الحسنة المرضية، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وفي الاصطلاح فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الحامد أو غيره. والشكر لغة هو الحمد ومعناه اصطلاحًا صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه لما خلق لأجله.

قال تعالى: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } وبين الحمد والشكر اللغوي عموم وخصوص من وجه، فان الحمد مورده خاص، ومتعلقه عام، والشكر مورده عام، ومتعلقه خاص كقوله:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ** يدي ولساني والضمير المحجبا

(ولينظر القائل الحمد لله) أيضًا هل هو خاص بالمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال بما هو حق له، فما كان من جلب نفع أو كشف ضر فلا ينسبه إلا إليه تعالى ويثني عليه به، لأنه المنعم الحقيقي. وغيره وان أسدى معروفًا فالثناء عليه مجاز، لأن الله هو الخالق لذلك الغير، وهو المعطي له ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، فهو سبحانه المعطي المانع الضار النافع، وأزمة الأمور كلها في يده ومرجعها إليه، فصار معنى الحمد مختص لله تعالى بهذا الاعتبار، وان أثنى على الناس خيرًا، أو هو ينسب شيئًا من ذلك لغيره تعالى فقد عدله به. وان قال الحمد لله لفظًا، فان كان قد خص المعبود بما هو حق له فقد أتى بمعنى أحمده، لأن معناه أصفه بجميع صفاته التي كل منها جميل، وأثنى عليه بها فان رعاية الجميع أبلغ في التعظيم، وهذه الصيغة يدل معناها على إيجاد الحمد الذي هو الثناء على الله بجميع المحامد لا الإعلام بذلك، وان لم يخصه تعالى بما هو حقه لم يأت بالمعنى وإنما هو مجرد لفظ خال منه.

(ومعنى) أستعينه أي أطلب المعونة في أموري كلها منه، فأنا متوكل عليه ومتبرئ من حولي وقوتي ولا أرضى من نفسي ولا من غيري إلا بذلك، فان عمل به فقد أتى بمعناه، وإلا فهو مجرد لفظ.

(ومعنى) استغفره أي أطلب منه المغفرة. ثم إن كان المستغفر قد فعل ذنبًا أقلع عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود إليه فذلك توبة، وإلا فهو مجرد دعاء، والمستغفر المقيم على ذنبه كالمستهزئ بربه.

(ومعنى) أعوذ أي ألوذ وأتحصن واعتصم وأستجير بالله من شر هذه النفس الأمارة أن تصدني عن فعل ما أمرت به، أو تحثني على فعل ما نهيت عنه، فيحصل لي الشر من قبلها لأنها قد حسنت لي سيئات الأعمال، فأعوذ بالله من شرها ومن سيئات أعمالها. فعلامة الصدق في ذلك فعل المأمورات واجتناب المنهيات والانقياد إلى قول الله والإتباع لدين محمد بن عبد الله، وإلا فهو مجرد لفظ خال من معناه. (ومعنى) من يهد الله فلا مضل له أي من يرشده الله إلى سبيل الرشاد وهو الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فلا محيد له عن ذلك، ومستهل الهداية دخول الدليل إلى الفؤاد والانبساط له كما يراد، ثم خفة الطاعة بعد القيام بمعنى الشهادتين والحمد على الخروج من ساحة الإضاعة ونور البصيرة وجلاء عين السريرة والسلوك في مدارج السالكين، ومناهج المتقين، والسفر إلى أعلى عليين، ومحبة أرحم الراحمين، والإقتداء بأفضل المرسلين، وأما من كان من الضالين- أي الهالكين الغائبين- عن الهدى الزائغين عنه بتقدير الله عليه ذلك فلا هادي له مصداقه قوله تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } بل قلبه عن الحق مقفل قد نابذ جميع أوامر الله عز وجل، وانتقش في خاطره الكثيف بغض الحق وأهله، وامتلأ قلبه وقالبه بحب الباطل وأهله، والشيطان وحزبه والتلذذ بكل نوع من الطغيان، فنفرت منه كل جارحة عن حزب الرحمن، لا شيء أحب إليه من إطفاء نور الإيمان وتكثير جند الطغيان، وفي المعنى يقول الرحمن: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } وهذه الآية على هؤلاء أشد بلية وأجل رزية، فإنهم يحاولون بجدهم وجهدهم إغواء المؤمنين، ونقض عهدهم مع الموحدين ليراجعوا إلى ما هم عليه من الباطل والطغيان. ومن ذاق طعم الإيمان لأن يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه رب العالمين. فحلاوة الإيمان لا ألذ منها عند الموحدين، ثم النصر والتأييد لهم في كل حين. وحزب الشيطان يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. والمهتدي إذا صارت نفسه لوامة خاف من مورثات الندامة فحزن على ما فات وخاف مما هو آت. ومقام الخوف من أجلّ المقامات { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه أخوف الأمة لمولاه. فلينظر الإنسان من أي الفريقين هو أمن حزب الرحمن، أم من أولياء الشيطان الذين لم ينقادوا لإتباع ما جاءت به الرسل فقلب قلبه عن الحق بعدم الانقياد كما قال تعالى { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وكقوله: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } فجعل علة التقليب والطبع عدم الانقياد لاتباع ما جاءت به الرسل، وذلك أنه تعالى قد فطر عباده على الهدى فمن بقي على الفطرة وقبل ما جاءت به الرسل زاده هدى ولطفًا وتوفيقًا. ومن غير الفطرة وعاند ما جاءت به الرسل ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ويسره للعسرى وخذله. (ثم ليعلم) أن إرادته تعالى الخير من عباده، وإرادته الشر لا يستلزم وقوع المراد منهم ضرورة، إنه أراد ذلك فهم مع بقائهم مختارين كما أراد الإيمان منهم فهو أراد وقوع الخير منهم وهم مختارون، فقد يقع ما أراده تعالى منهم وقد يتخلف هذا بخلاف ما يريده تعالى من أفعاله فإنه لا يتخلف عن إرادته وقوع مراده مثل قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } بخلاف الأول ومنه { يريد الله أن يتوب عليكم } فإن المراد يريد منكم أن يتوب عليكم فيتوب عليكم أي يتقبل توبتكم، إلا أن مع إرادته تعالى الخير لعبده يكون أقرب إلى فعل ما أراده منه لأنه من اللطف، وعكسه إرادته بعبده الشر. إذا عرف هذا فليجعل هذا البحث نصب العينين فقد زلت بجهله عوالم وتهاوش حوله طوائف ولم يقع لهم محررًا مقررًا.

(ومعنى نشهد) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أي أذعن بقلبي واعترف بلساني وأعمل بمقتضى ذلك أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ فمن عبد من دونه أو معه فعبادته زور وظلم وبهتان، وأنا برئ من العابد وعبادة المعبود واشتقاق الإله من التوله، ومعناه المألوه وهو الذي تتألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والإجلال والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والإنابة وذبح النسك. قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } فالمحبة التي في الله غير التي كحب الله لأن الأولى محمودة شرعًا كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله والثانية تأله: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وكذلك الخوف { فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } والتوكل { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وقوله تعالى: { إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } فهذا كله يفيد الحصر. ثم استعمل في كل ما يعبد بما تقدم ذكره من دون الله أو معه، فنفى ذلك بلا النافية للجنس وأثبت الألوهية لمستحقها وهو الله بألا المفيدة للحصر.

(وحده) أي حال كونه مفردًا بها عما سواه ( لا شريك له) حال ثانية مؤكدة للأولى. أي لا شريك له في هذه الألوهية التي نفيت عن غيره واختصت بجلاله وعظمته، فالعبادات بأنواعها له خاصة به ليس لأحد منها شيء البتة، فهذه الكلمة الطيبة التي قد قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. ضد الكلمة الخبيثة التي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فهي خراب الكائنات وعليها تثبت أنواع المنكرات، وبها وجد الذل والصغار ولأجلها فتحت أبواب النار فكل من لم يعمل بمعنى هذه الشهادة التي قد شهد بها فهو كاذب في ادعائه إياها كما كذب الله الذين شهدوا بالرسالة فلم يعملوا بمعناها. (وان محمدًا عبده ورسوله) أي أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فمحمد اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو القاسم، وسمي به لكثرة خصاله الحميدة سمي به قبله سبعة عشر شخصًا على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، بخلاف أحمد فإنه لم يسم به قبله عبد قالي أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية، ورسوله إلى كافة الخلق. والرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي. فبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة وينفرد أحدهما في أخرى، وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، وحسرة على الكافرين، (أرسله بالهدى ودين الحق) الذي هو التوحيد بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. فأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورًا فأمده بملائكته المقربين، وأيده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشكر واليقين، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وفرض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فلم يزل صلى الله عليه وسلم مشمرًا في ذات الله لا يرده عنه راد، صادعًا بأمره لا يصده عنه صاد، صادع إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا نورًا وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحل الأسنى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله وسلم وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه. كما وحد الله وعرف به ودعا إليه. ومن لازم صحة هذه الشهادة الإيمان بما أرسل به وهو التوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، وتصديقه بجميع ما أخبر به وإلا فهو مكذب ودين الحق هو المؤيد المنصور لقوله تعالى { ليظهره } أي يعليه ويعزه { عَلى الدِّين كله } سائر الأديان المخالفة لدينه (صلى الله وسلم عليه) قال الأزهري معنى الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء بخير، وقال أبو العالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، والسلام إما بمعنى التحية أو بمعنى السلامة من النقائص والرذائل وتستحب الصلاة عليه بتأكد، وتتأكد كلما ذكر. وقيل بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه (وعلى آله) وهم في مقام الدعاء أتباعه على دينه عند أكثر أهل العلم، قال تعالى: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } أي أتباعه. وقيل هم الأتقياء من أمته. وأما في مقام الزكاة فهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف، وقدموا على الصحب للأمر بالصلاة عليهم وإضافته إلى المضمر جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم الكسائي والنحاس والزبيدي (وصحبه) جمع صاحب، وجمع الصحب أصحاب، والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع به مؤمنًا ومات على ذلك. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بين الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب (وجنده) هم خاصته من المؤمنين (وحزبه) المعاونين له بالنصرة (وعلى من تبعهم بإحسان) لم يغيروا بعدهم ولم يبدلوا سيرتهم الحسنى (وقفى أثرهم) على السيرة المحمودة (إلى آخر الزمان) فمن لم يتبع بل غير وبدل فهو مبتدع، وقد أثنى الله على الذين يطلبون المغفرة من ربهم لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين فقال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } فهذا هو المطلوب بعكس ما عليه أهل الأهواء من الوثوب على مسبة الحق الذي جاء من عند الله فهو له غير محبوب، وتفريق كلمة المؤمنين وسب أكابر الصحابة والتابعين.

وما أمروا إلا ليستغفروا لهم ** فسبوا كرامًا سبهم لم يحلل

وقال الإمام مالك رحمه الله: من أصبح وفي قلبه بغض لأحد من الصحابة فقد أصابته الآية، يعني قوله تعالى: { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ }.

وصرح بعض الحنفية بتكفير الرافضة لسبهم الصحابة. فقال صاحب تبيين المحارم:

واعلم أن الروافض كفار عندنا لأنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكذا من أنكر خلافتهما يكفر عندنا في الأصح وقد أثنى الله سبحانه على السابقين من الأولين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين في قوله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وإنما المتبع لهم العامل بمنهاجهم والمقتدي بهديهم هو الذي لم يحدث في الدين ولم يغير ما جاءت به سنة سيد المرسلين.

سبب تأليف الرسالة

وأما قولكم (وبعد فلما أن ورد كتابكم إلى حضرة سليمان باشا طلبتم منه أن يجمع علماء مملكته لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إليّ وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالًا لأمره نظرنا فيه فبعد أن طالعناه، وفهمنا فحواه، وجدناه كتابًا جامعًا لشتات من المسائل مشتملًا على عدة رسائل لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين، وقوي ووهين ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطرًا، ولم يمعن فيها نظرًا، ولا قرأ على أحد ممن يهديه إلى النهج القويم ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم.

فنقول (وبعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من غرض إلى غرض آخر ويندب الإتيان بما في الخطب والمكاتبات كما كان صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خطبه ومكاتباته. رواه عبد القادر الرهاوى في الأربعين له عن أربعين صحابيًا، وأول من تكلم بها داود صلى الله عليه وسلم فهي فصل الحطاب الذي أوتيه، والصحيح أنه فصل الخصومات كما عليه جل العلماء، وقيل أول من تكلم بها يعرب بن قحطان، وقيل قس بن ساعدة، وقيل غير ذلك، وهي من الظروف التي تقع على الزمان والمكان، ويجوز هنا إرادة كل منهما، وهي مبنية على الضم لنية معنى المضاف إليها ويجوز نصها لنية لفظه كما لو ذكر وان لم ينو شيء من ذلك جاز تنويها نصبًا وضمًا، والواو نائبة عن أما، وأما نائبة عن مهما، والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمدلة إلى آخره. (فلما) أو غير ذلك (ان ورد) من ورد الشيء إلى مستقره أي وصل (كتابكم) أي مكتوبكم (إلى الوزير) المذكور اسمه أعلاه وفقه الله وهداه وأصلح أحوالنا وإياه (وطلبتم منه أن يجمع علماء مملكته) أي دولته وسلطته وهم علماء بلده المقيمون فيه.

ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر من أخذ عنه العلم

(لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن إدريس بن على بن محمد بن علوي بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيع بن ساعدة بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة بن تميم ولد سنة 1115 دخل البصرة والحجاز وأخذ العلم عن جماعة، منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني لما اجتمع به في المدينة المنورة مجاورًا بها شيخ مشايخ الشام بأجمعهم بعد الشيخ أبي المواهب والشيخ إسماعيل العجلوني فان أبا المواهب الكبير وهو المحدث عبد الباقي متقدم عليه والشيخ العجلوني كان في عصره وأخذ أيضًا عن عبد الله بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها وأخذ أيضًا عن عبد اللطيف الاحسائي العفالقي وأخذ أيضًا عن محمد العفالقي الاحسائي فقد قرأ على الشيخ عبد الله بن إبراهيم وأجازه من طريقين:

(أحدهما): عن ابن نصر الله عن الشيخ محمد البلباني عن الشيخ أحمد بن علي الوفائي المفلحي عن الشيخ موسى الحجاوي عن القاضي برهان الدين بن مفلح وهما عن والده نجم الدين بن مفلح عن والده القاضي صاحب الفروع عن جده عبد الله بن مفلح عن الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين بن أبي عمر عن عمه موفق الدين بن قدامة عن الشيخ عبد القادر الجيلي عن القاضي أبي يعلى المرداوي عن ابن حامد عن أبي بكر الخلال عن أبي بكر المروزي عن الإمام أحمد عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عليه السلام عن رب العزة تبارك وتعالى.

(والثاني): عن عبد القادر التغلبي عن عبد الباقي أبي المواهب المحدث عن الشيخ أحمد الوفائي عن موسى الحجاوي عن أحمد الشويكي عن العسكري عن عبد الرحمن بن رجب عن ابن القيم عن تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين نجل أبي عمر عن عمه موفق الدين عن الشيخ عبد القادر الجيلاني عن أبي الوفا بن عقيل عن القاضي أبي يعلى عن ابن حامد عن أبي بكر المروزي عن الخلال عن الأثرم عن الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة أيضًا عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عليه السلام عن الله تبارك وتعالى.

وقد أجازه أيضًا كل من الشيخ علي أفندي، وعبد الله بن إبراهيم، وعبد اللطيف العفالقي، في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلمًا وتعليمًا من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، وسنن الترمذي بسنده، وسنن أبي داود بسنده، وسنن ابن ماجة بسنده، وسنن النسائي الكبرى بسنده، وسنن الدارمي ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكتب النووي كلها وألفية العراقي، والترغيب والترهيب، والخلاصة لابن مالك، وسيرة ابن هشام، وسائر كتبه، ومؤلفات ابن حجر العسقلاني، وكتب القاضي عياض، وكتب القراآت وكتاب الغنية لعبد القادر الجيلي، وكتاب القاموس بالسند إلى مؤلفه، ومسند الإمام الشافعي، وموطأ مالك، ومسند الإمام الأعظم، ومسند الإمام أحمد، ومسند أبي داود ومعاجم الطبراني وكتب السيوطي... فقه الحنابلة وسلسلتها وأصولهم. ثم أنه رجع إلى نجد فوجد أهلها ضالين وعلى أصنام يعبدونها من دون الله عاكفين ما بين أشجار وأحجار وغيران وطواغيت من الإنس والجان فاتنين ومفتونين فلم يسعه إلا الصدع بالحق والإعراض عن المشركين، والنصيحة لهؤلاء العاكفين عملًا بنصيحة الدين وخوفًا من حلول اللعنة إلى يوم الدين { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } فتحتم عليه البلاغ والعلم والتعليم.

فشرع في ذلك وهو على الله متوكل، وبآيات الله متفكر وبحبله معتصم بعد أن طرأ في خلده وخطر في هاجسه أنه مما هم به على خطر، وأنه من ذلك على حذر، فلما أن توكل على الذي ليس دونه مفر ولا يغني عنه مقر، كفاه ومنحه وحباه.

فأدركت العناية الإلهية والهداية الربانية من أراد الله هدايته لإقامة دين الإسلام والتمسك في سبل السلام أمير بلدته التي فيها محلته مرحوم الودود محمد بن سعود، فشرح الله لذلك صدره ويسر له أمره ففتحت عين بصيرته وانجلت غشاوة سريرته، فسمع ووعى وذكر وأوعى، وزادته العناية توفيقًا والهداية في قلبه ترقيقًا، فأجد وأمد وعن ساعده شمر، واجتهد مقبلًا على إقامة التوحيد وداعيًا إليه العبيد، فلذلك عاداه أهل هذا الباطل وأقاموا بأنواع العداوة عليه فأجمعوا جدهم وجهدهم من خيلهم ورجالهم ومدافعهم التي هي غاية ما عندهم ليرجعوه هو واتباعه عن إقامة التوحيد، والدعاية إليه وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بأنواعها لله وحده، إلى ما كانوا عليه من الطغيان، وعبادة الشيطان، من الإنس والجان، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. ولم يزل ذو العناية الهداية معتصمًا بحبل الله معدًا لأولياء الشيطان ما استطاع من قوة الآلات ومن رباط الخيل في سبيل الله تمثلًا قوله تعالى في الآيات البينات: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } فأعز الله به الإسلام والمسلمين وألف به بين قلوب المؤمنين وظهر الحق وانتصر الدين وقمع الباطل وأولياءه المشركين وهكذا لم يزل الأمر حتى توفاه الله إليه، وأختار له ما لديه من النعيم المقر أبد الآبدين قال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } وقال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } فقام مقامه وانتصب انتصابه ناصر السنة والدين وخاذل البدعة والمشركين المجاهد في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا والداعي إلى الله إيجابًا نجله الأواه المعتصم بالله الحميد المحمود، عبد العزيز بن محمد بن سعود، فجاهد في الله واجتهد، وبذل نفسه لله وأمد، فأفشى الله به الإسلام وأوسعه، واضمحل به الباطل وقمعه، ولا قام صاحب باطل وهوى على إطفاء نور الله إلا وأهلكه الله في ساعة قصيرة فلله الحمد والمنة، حتى وقع في الإسلام وقائع غرائب وعجائب كما مضى في صدر سلف هذه الأمة عينًا بعين ومثلًا بمثل ما لو جمع ذلك لاحتمل مجلدات لكثرة البلاوي والوقائع الغريبات بمعادات هذا الدين، والتصديق والانقياد لقول أعدائه من شياطين الإنس المفتونين إذ قالوا وكذبوا وشنعوا وان لم يحققوا ويتحققوا، فقد آل الأمر إلى تجذيب النساء مع الرجال من تحت أستار الكعبة في وقت الشريف مسعود، فحبس وعذب، وسرقن عن بلد الله الحرام من كان فيه تهمة من هذا الحق والتنسك به وانتساب إليه، وغرب عداوة للدين وطواعية لشياطين الإنس المعاندين بلا مراجعة ولا مفاكرة ولا عداوة دنيوية سابقة وإنما هو عناد وطعن في الحق المراد بلا تحقق ولا تذكر ولا تفكر، ولما حذر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذا الشرك الأكبر فعنه أنذر وأقام عليه البراهين من القرآن والسنة وكلام الأئمة فقرر وحرر أحب أن يجمع فيه كتابًا مختصرًا جامعًا لمعنى دين الرسل من أولهم إلى آخرهم ومعرفته، ومعنى دين المشركين المتقربين إلى الله بأبغض الأشياء إلية من أعمال المعاندين، بأدلته الجامعة من الكتاب والسنة وكلام صاع سلف الأمة، وليس هو يدعو الناس إلى التزام بمذهب معين فيجمعهم عليه، وينكر كلام واجتهاد الأئمة المجتهدين من غيره، ولا إنه يدعي الاجتهاد بنفسه، وإنما يدعوهم إلى العلم والعمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة التي أرسلت بها الرسل وأنزلت في تقريرها الكتب للعلم بها والعمل بمعناها، وترك الكلمة الخبيثة عملها ومنشأها وسماه (كتاب التوحيد) فيما هو حق على العبيد، وكشف شبه المرتاب فيما التبس عليه من الخطأ والصواب، فشاع وذاع ونفع من الله إنفاد وأطاع، وقد أرسل نسخة منه ولي الأمر المجاهد الأواه من ذكر اسمه المنيف أعلاه، إلى جانب العزيز المكرم سليمان باشا، محبة إليه ونصيحة وحرصًا عليه وفضيلة وليتأمل بعين الإنصاف هو ومن كان عالمًا من أهل الإنصاف، فيعمل بعد تحققه ذلك بإقامة الدين ويترك قول الشياطين المعاندين، ويحقق التوحيد المطلوب من العبيد، وما أصبح عليه غالب الناس من جعلهم من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه ربه في قوله تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } بل لعله عدو لرسول صلى الله عليه وسلم الله بمنزلة رب العالمين والسموات السبع، والأرضين السبع، ورب العرش العظيم، فيعذرنا في أمرنا ونهينا ولا يطيع الخصم فينا، لأنّ العاقل اللبيب إذا فهم ذلك وأتقنه تيقن أن أمرنا الذي قمنا به وباشرناه واجب ومتحتم علينا قال الله تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } وقال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ولا منكر أعظم ولا أكبر من الشرك بالله، ونحن قد مكننا الله في الأرض ولله الحمد فلا عذر لنا، ومن لم يمكنه الله فيها ولم يقدر على إظهار ما طلب منه وجب عليه شرعًا أن يأوى إلى من ينصره حيث وجد ويعاونه على البر والتقوى كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام أتى بكى التعليلية التي تفيد أن الإطلاع والتمييز علة لإرسال الكتاب أي لم يرسل إلا ليطلعوا عليه ويميزوا ما فيه مما يستوجب النقض والإبرام فأما الإطلاع على ما فيه من الأحكام فنعم.

والأحكام: جمع حكم، وهو ما شرعه الله من حلال، وحرام، ومكروه، ومباح، ومندوب. والمقصود بها هنا أبوابه ومسائله الشاملة لذلك، وبيان أصله المشتمل على التوحيد بأدلته التفصيلية، وأما التمييز بين ما ذكره فليس هو علة للإرسال إذ لم يرسل ليحرر ويمر بل قد حرر وأمر عند شيوخ أفاضل وجهابذة أكابر منهم المشايخ الشاميون الشيخ على أفندي الداغسطاني الذي قد ذكرنا اسمه، وابن عمه الشيخ عبد الكريم أفندي الداغسطاني، والشيخ محمد البرهاني، والشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، والشيخ محمد السفاريني نزيل نابلس، وأرسل إليه بنسخة فأمرها وأقرها من غير مشايخه الذين قد ذكروا، فإن منهم من أدرك كلامه وكلهم قد أقروه وحرروه وأجازوه، ولكن عذرهم عدم المساعد لهم في قيام ما تضمنه من إقامة الدين وإخلاصه لرب العالمين وإلا هو الذي يدينون الله به في أنفسهم وأهليهم وأصحابهم من عشائرهم لكن لا يقدرون على نهي الناس عما اعتقدوه وعملوا به وقالوه لأن ذلك يعتاز إلى سيف قائم وإمام عادل وذلك متعذر الآن إلا بتوفيق الله وإيجاده، وإنما أرسل الكتاب لأمرين.

الأول: ليحصل العلم عند الخاص والعام إنا لم نقاتل الناس إلا على إقامة دين المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من العلم بمعنى هذه الكلمة الطيبة والعمل بها وعمل سائر المعروف التابع لها من صلاة وزكاة كفعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع المانعين لها والتعلم بما أوجب الله على عباده وما طلبه منهم وخلقهم له وبما نهاهم عنه وحذرهم منه فإن الرجل من أهل هذا الزمان يشب ويشيب وهو لا يعرف المعروف بأنواعه بل حتى التوحيد وضده وفروض وضوئه وصلاته وما يبطلهما لا يعلمه بل هو منهمك في القول والقيل بلا فائدة ولا عائدة، وعلى ترك ضدها المنافي لها وهو الشرك الذي قال الله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وإزالة صائر ما هو تابع لها من زنا وربا وشرب خمر ولواط وسائر المحرمات ومع ذلك نحن لا نكفر بالمعاصي كما توهمه مطيعو العدو وإنما نكفر المشركين الذين كفرهم الله في كتابه المبين أو الراضين أعمالهم المظاهرين لهم علينا والمكفرينا بأمرنا ونهينا لقوله تعالى: { إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ } ونقاتلهم عليه وعلى سائر أفعال المعروف المتروكة.

الثاني: النصيحة لهذا الوزير الذي هو عندنا في محل، حرصًا عليه وشفقة منا إليه لودنا له ما وددنا لأنفسنا من أنواع الخير، فيتأمل ويعمل ورجاء أن الله يهدي به خلقًا كثيرًا كما قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "والله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" وليتأمل أيضًا ببصيرة قلبه خير القرون الماضية وأهلها الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" والقول بأنا لا نقدر على ذلك ليس بعذر سديد لأن الله قال: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وقال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } وقال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وليس له صلى الله عليه وسلم طريق ولأصحابه آخر، ولا لأصحابه طريق ولنا آخر، بل الطريق الذي فطر الله عليه الأمة وأمرها إتباعه واحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يتقدمنا فيه ونحن نقتفي أثره وأثر أصحابه كما كان عليه السلف الصالح، والدنيا فانية مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك والعز بأنواعه لم يوجده الله إلا في الإسلام والإقامة عليه، والذل والصغار والمحق في ضده { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } (صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إلى وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالًا لأمره نظرنا فيه) صدر أي مضى من هذا الوزير الأمر لعلماء مملكته لينظروا في هذا الكتاب، والله أعلم بنيته، الواجب القبول والإتباع صفتان للأمر ولا شك أن طاعة الأمير واجبة لكن في غير المعصية.

تعصب الراوي وكبره

وأشار إليّ فيه ان هذا المشار إليه يدعي أنه من أجل علماء المملكة وأكبرهم قدرًا عنده فلذلك خصه من بينهم فامتثالًا لأمره نظرنا فيه، يعني وإلا لو لا أمره لم ننظر فيه ولم نطالعه، ولم نتأمله، وهذا من أعظم التعصب وأكبر التوثب على الركون إلى الرأي العقلي بلا حجة قطعية ولا دليل نقلي، فهو من نوع التوكل على مجرد الرأي، وذلك هو الموجب لقول الزور والبهتان والوقوع في الإثم والعدوان، إذ ما من مستغن برأيه عن مشاهدة الحق وأتباعه والتأمل في أحواله إلا وفات عليه خير كثير ولم يحصل له ما خيل إليه مما يزعم أنه لديه وهذا من العلم العقلي المخالف للدليل النقلي الناشئ عن الجهل الكلي قال تعالى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أنه إتباع هوى وإعجاب، فروى أبو ثعلبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك" والترفع عن أخذ العلم والحق وعن سماعه وادعاء الانتهاء فيه والاستغناء عنه من أكبر العجب، وهذا ادعاء فيما لا سبيل له إليه ولا ملك له فيه وان زعم كمال الفهم فيه والإطلاع عليه إذ ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه، قال تعالى: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } أي لكل ذي علم من المخلوقين أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله عز وجل، ولذلك عتب الله على موسى عليه السلام حين قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل هل أحد أعلم منك؟ قال: لا، قال الله: بلى إن عبدنا خضرًا هو أعلم منك، فلا زال يطلبه حتى وجده ليأخذ عنه العلم. ومن استغنى برأيه وزعم أن الباطل حق باستدلالاته التي قامت مخايل جفيلها الخالي في ذهنه وقرب سرابها النائي في ظنه فتخيل أن جميع معانيها وما فيها منسوبة عنه وإليه؛ ولم يعلم أنها حجة عليه، فقد أخطأ سبيل الرشاد وتعنت في أنواع العناد مقلدًا لما سمعه من عدو الحق بلا تحقق، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته والله تعالى يقول: { وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا } وفي المسند للإمام أحمد عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان" وقال صلى الله عليه وسلم: "إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء" رواه الديلمي في مسند الفردوس وذلك لأنهم سبب صلاح العالم، واليهم ينتهي أمور الدنيا والدين، وبهم الحل والعقد، فإذا فسدوا فسد الناس كلهم، وسبب فسادهم الضار بالخاص والعام. متابعة الهوى وحب الرئاسة والعجب بالرأي، وقد يظهر للناس ما يدل على صلاحه من أمر أو نهي وهو في قيد هواه معجب في نفسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فقال كذبت ولكن تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" وفي لفظ: "فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون أي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وسبب هذا إنما هو إتباع الهوى، والقصور على مجرد الرأي من أعظمه وان زعم العلم وادعاه، ولذلك ذم الله سبحانه المعارضين للحق لما جاءهم بما قام في أنفسهم من الادعاء للعلم والاستغناء به عما جاءهم قال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } قال أهل التفسير يعني رضوا عن ذلك بما عندهم من العلم في زعمهم فرح استهزاء وضحك منكرين للحق، وسماه سبحانه علمًا باعتبار ما قام في ذهنهم وإلا فهو أقبح الجهل، والاستغناء بمجرد الرأي الحالي عن الدليل النقلي موجب للتعاون على الإثم والعدوان اللذين نهى الله عنهما في قوله: { وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } والمعاونة عليهما من دحض الحق والعمل بنقيضه، وهذا من تسويل إبليس وتحسينه ليدخل الإنسان في ملته، فمن فعل فقد أحياها فصار من حزبه وأعوانه { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } والمعاونة على الإثم طبقات أقبحها وأفحشها ما يقع من العلماء وهي إما بالفعل أو بالقول، فإن كانت من الفعل فهي من أعظم الضرر على البقية، وذلك أن العلماء إذا عملوا عملًا ليس من الدين ولا سنة أفضل المرسلين صاروا سببًا لإقدام العوام إليه ولعكوفهم عليه لاعتقادهم أنه من الدين، وأنه مما يتقرب به إلى رب العالمين، وهذا السبب في كل بدعة، وما من فتنة في الوجود تنشأ إلا عنها. وفي هذا المعنى يقول العزيز الحكيم في التحذير من مخالفة أوامر من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقد أصيب الناس بفتنة أضرت بالخاص والعام فلم يرض أحد عن أحد غير معتقده ولم يزكه إلا بإتباع ما ارتكبه، وهذا نوع من الزيغ وقد أخبر الصادق المصدوق أن هلاك من كان قبلنا بسبب الاختلاف؛ وحذر أمته أن تصنع كما صنعوا فيقعوا فيما وقع فيه من مضى من الأسلاف قال صلى الله عليه وسلم: "دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مما استطعتم" أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهؤلاء المبتدعون يصيرون سببًا لفتنة كل مفتون. ويكون هذا منهم كإعطاء السيف لقاطع طريق المسلمين، وكتذكار الحجر للمجانين، وكإغراق السفينة في الماء، وكإحراق المدينة في النار، وإن كانت في القول فهي أعظم ضررًا من الفعل فإنهم إذا أحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله تبعهم العوام مقتدين بهم فبذلك يصيرون عاملين بالإثم ومعاونين عليه فحصل لهم كفلان من العذاب. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: { تَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } الآية فقلت يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه فقلت بلى قال تلك عبادتهم" رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه، والتحليل والتحريم ليس قيدًا لوجود الإثم بل هو موجود بمجرد الأمر والنهي المخالفين للدين ثم ان كان ذلك المأمور به فعله مكفرًا والمنهي عن فعله تركه مكفر فله حكمه، وإلا فهو ذنب ان لم يستحل ولهذا كان السلف يقولون: "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا أعمته دنياه" وكانوا يقولون: "احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان فنتهما فتنة لكل مفتون" فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وقد وصف الله تعالى أئمة المتقين فقال: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ } فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، ومنه قوله تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } وقوله: { أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ووصف بعضهم الإمام أحمد رحمه الله فقال "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الباع فنفاها، والدنيا فأباها"ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" وقد دل قوله تعالى { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ } على إتباع الشهوات وهو داء العُصاة، وقوله: { وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } على الشبهات وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات وكثيرًا يجتمعان، فقل من تجد في اعتقاده فسادًا إلا وهو يظهر في عمله، وقد دلت الآية على أن الذين قبله استمتعوا وخاضوا وهؤلاء فعلوا مثل أولئك لأن قوله استمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة كسائر ما أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ذم لمن حاله كحالهم وعمله يشبه عملهم إلى يوم القيامة قد أشار إلى ذلك الإمام البغوي والحافظ ابن كثير وغيرهما من المفسرين عند هذه الآية بحديث إلى سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن" وفي رواية أبي هريرة: "وهل الناس إلا أولئك" وقال ابن مسعود: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتًا وهديًا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أن لا أدري تعبدون العجل أم لا" وبهذا أيضًا يكون خبرًا عن أمر دائم مستمر لأنه وان كان بضمير الخطاب فهو كالضمائر في نحو قوله { اعبدوا واركعوا واسجدوا وآمنوا } فكما أن جميع الموجودين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبون بهذا الكلام لأنه كلام الله وإنما الرسول مبلغ، فكذلك هو متناول لمن بعدهم إلى يوم القيامة، وهذا مذهب عامة المسلمين، وان كان بعض من تكلم في أصول الفقه اعتقد أن الضمير يتناول الموجودين حين تبليغ الرسول وان سائر الموجودين بعدهم دخلوا إما بما علمناه بالاضطرار من احتواء الحكم كما لو خاطب النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا من أمته وقصد غيره من سائر الأمة، وإما بالسنة، وإما بالإجماع، وإما بالقياس، فيكون كل من حصل في هذا الاستمتاع والخوض مخاطبًا بقوله تعالى { فاستمتعتم وخضتم } وقد توعد سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله: { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } فأخبر سبحانه أن في هذه الأمة من استمتع بخلاقه كما استمتع الأمم قبلهم، وخاض كالذين خاضوا، وذمهم وتوعدهم على ذلك، ثم خصهم على الاعتبار بمن قبلهم، فقال عز من قائل: { أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } الآية فطاعة الله ورسوله وصف للمؤمنين قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } والاستمتاع بالخلاق والخوض، وصف لمن فيه مشابهة للقرون المتقدمة وقد ذم الله من يفعل ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين بعد هذه الآية دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين الخائضين، ثم هذا الذي دل عليه الكتاب من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك دلت عليه أيضًا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأول الآية على ذلك أصحابه رضي الله عنهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعًا بذراع وشبرًا بشبر وباعًا بباع حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه" قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتم { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً } الآية قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب. قال: "فهل الناس إلا هم" وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم. وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: وكيف. قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه" وقد جاءت السنة بالأخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك والنهي عنه، وكذلك في الدين، فمن الأول ما في الصحيحين عن عمرو بن عوف من حديث أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى البحرين الحديث بتمامه ومن الثاني ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل الحديث" حتى في الرئاسة وحب الدنيا وإيثارها.

ما ذكره الراوي في شأن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب

(فبعد أن طالعناه وفهمنا فحواه وجدناه كتابًا جامعًا لشتات من المسائل مشتملًا على عدة رسائل).

الضمير في طالعناه يرجع إلى الكتاب المذكور، رأى نظرنا فيه وفهمنا فحواه أي معناه ومذهبه فيه وما يميل إليه، وقوله وجدناه من وجد الشيء إذا علمه وأحس به كتابًا أي مكتوبًا جامعًا أي حاويًا لشتات من المسائل جع مسئلة من السؤال وهو ما يبرهن عنه في العلم مشتملًا حال من الضمير في وجدناه على عدة رسائل (منها كتاب التوحيد) وقول الله تبارك وتعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } قوله تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } ثم أتى فيه بأحاديث من الصحيحين وبوّبه أبوابًا على تراجم معلومة وأحاديث منهما منقولة (ومنها كتاب الكبائر) وقول الله تبارك وتعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } الآية وبوّبه أبوابًا على تراجم معلومة وأحاديث من الصحيحين مشهورة منقولة (ومنها كشف شبه المرتاب) مصدرة في معرفة حقيقة التوحيد وما هو حق الله على العبيد وكيفية الشرك الذي قال الله عنه: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وكيف كان صفة شرك الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم مقرون بتوحيد الربوبية وإنما قصدهم شيئًا يتقربون به إلى الله من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم لشفاعتهم لهم زاعمين رضاء الله والقرب إليه، فضرهم ذلك وأفسد عليهم (ومنها شرح الكلمة الطيبة) بمعناها المراد من لفظها والكلمة الخبيثة التي ضد الطيبة ودلائلها وأنهما لا يجتمعان، وان معنى الإله هو المعبود سواء كان بحق أو بباطل وان من جعل بينه وبين الله من خلقه وسائط يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويتقرب بهم فقد جعلهم آلهة مع الله لقول بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهًا (ومنها كلام الإمام أحمد) في عدة وريقات كتبهن رسالة له في مسابقة المأموم إمامه في الصلاة.

رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لها

(ومنها) رسالة له متعلقة بسيرة الأولين ومعرفتهم للدين وفعلهم مع المعاندين المخالفين (وله رسالة في الجهاد) وفضله وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجاهدون (وفيه رسائل غير ذلك) متعلقة بالتوحيد وغيره من مسائل الدين (لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين وقوي ووهين) هذا استدراك من قوله كتابًا جامعًا أي لكنه يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد جمع فيه أي في كتابه المتقدم ذكره يين غث عني به الجاف الهشيم الذي لا طعم فيه؛ بدليل ما يقابله في قوله وسمين أي جمع في هذا الكتاب بين ما هو خالي المعنى المراد من الترجمة التي عقدت لأجله، فما قصده فيها هو معلوم لا تؤدي تلك الترجمة وما تضمنته معناه بل ما قام في ذهنه أستدل عليه به فدليله خال مما أراده ليس فيه منه شيء، وبين ما هو موافق لما أراده فمعناه فيه موجود موافق. وقوله وقوى ووهين عطف مغاير، أي جمع في هذا الكتاب أيضًا بين قوي وهو ما ليس فيه شيء يوجب ضعفه، ووهين هو الضعيف الذي فيه شيء يوجب نقصه عن درجة ما قبله، أشار بذلك هذا المعترض إلى أنه ناقد بصير مميز يين الأشياء المتضادة والمتوافقة وما تؤديه من المعاني المتغايرة أو المتناسبة وما يراد منها وما متعلقها ونتيجتها وبين ما فيه قوة وضعف وصحة وبطلان وأنه قد نقد هذا الكتاب فوجده كما وصفه.

ونحن نقول من تأمل كلامه الآتي علم يقينًا أن ليس عنده من ذلك إلا مجرد الادعاء، إذ هو الجامع للمتضادين جنسًا، وهو المازج للصفتين نوعًا، وهو الخابط فيه خبط العشوى فلم يفرق فيه بين الجنسين، ولم يميز بين النوعين لعدم معرفته الدين مع قصد الأولين وإقرارهم برب العالمين، فان قصدهم القرب إليه والتحصيل لما لديه، لكن ضرهم جهل الكيفية التي يكون بها التعبد أجل مطلوب ومقربًا إلى المحبوب، لكن من له إطلاع على أصحاب التصانيف الحسان، وما حصل لهم وعليهم من الإقران علم يقينًا أن ما كان أولًا فهو بالأولى وقوعًا في آخر الزمان وما أحسن ما قيل في ذلك:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ** كما أن عين السخط تبدي المساويا

ومن رزق التوفيق هدي إلى الصواب، ومن استفتح فقد نجح، فيرزق العلم بقول الله وبما جاء عن محمد رسول الله مشروح الصدر للإيمان على نور من ربه يعرف الحق ويقود إليه ويعرف الباطل ويذود نفسه وغيره عنه.

(ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطرًا ولم يمعن فيها نظرًا، ولا قرأ على من يهديه إلى النهج القويم، ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم).

الضمير في وجدنا أحواله يرجع إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحوال من عرف من الشريعة أي المشروعة التي شرعها الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم شطرًا شطر المكان جهته، وشطر الشيء والمتاع ضعفه، وشاطر الوادي جانبه كشاطئه ومعناه أنا وجدنا أحوال هذا الرجل أحوال الذي عرف من الشريعة شطرها أي جهتها التي تؤدي إليها وبعضها التي فيها ولديها، ولذلك قال ولم يمعن فيها نظرًا يعني لم يصل إلى معناها الكلي بعد أن عرف الجهة التي هي اللفظ، وملخصه أنه قد عرف لفظ الكلام من الكتب ولم يفهم المعنى.

رد الشيخ على قول الخصم

ونحن نقول من تأمل القرآن وآياته البينات، وسبب إنزاله وموضوعه، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وما أُرسل به، وسنة أصحابه، ومن تبعهم بإحسان، فهم يقينًا أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمر به ودعا إليه هو عين ما تضمنه القرآن من توحيد الله الذي هو حقه على العبيد، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الدين بعدهم، وانه بذلك قد علم الشريعة وحققها، وأمعن نظره في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وقررها وأظهرها، فإن آيات الله دالة على وحدانيته تعالى في ألوهيته وتفرده في معاملته مما هو حق على عبيده، فإنزاله سبب لمعرفة حق الله تعالى وتقدس وإخلاص الدين كله له وحده، وهذا موضوع القرآن مع كونه مصرحًا بأن الأولين مقرون ومعترفون لله بالخلق والرزق والإماتة والإحياء والتدبير والضر والنفع وإنما قصدهم الجاه والقربة بواسطة ووسيلة من المخلوقين، أو صورهم توصلهم إلى غاية قصدهم ومطلوبهم { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } وقال في موضع آخر: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } إلى أن قال: { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } ثم قال بعد تقريرهم وإقرارهم بأن ملكوت كل شيء بيد الملك الحي { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } وقال تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ } ووصف الإنسان بأنه إذا مسه الضر دعاه وإذا كشفه عنه أشرك معه سواه قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } وهذه أقبح حالة إذا مسه الشر دعا لحاجته فإذا أنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة، وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ولشفاعتهم لنا عند الله. فمن عرف لفظ هذه الآيات القرآنية ووفق لفهم معناها، وأنهم مقرون له تعالى بالربوبية علم أن هذا المقام لا نزاع فيه، وإنما اتخذوهم وسائط ووسائل بينهم وبين ربهم كما تكون الواسطة بين الملك ورعيته، وهذه الوسائط التي يدعونها في حال الرخاء فقط ويرجون شفاعتها وقت الشدة يسمونها الآلهة لتأله قلوبهم بها ورجاؤهم منها القرب والتقريب، كما قالوا أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، على جهة أن ذلك لا يكون لأنهم ظنوا أن الإله الواحد وهو الله لا يسع الخلق إلا بآلهة معه يدخلون عليه بهم ويصلون إلى قضاء الحوائج بشفاعتهم لديه، ومنه قول بني إسرائيل لموسى: { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } قال أهل التفسير إنهم لم يكونوا شاكين في الدين وإنما أرادوا شيئًا يعظم عندهم وفي نفوسهم ويتقربون بتعظيمه وشفاعته إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر في الدين لشدة جهلهم.

ومن عرف وحقق معنى الشهادتين اللذين هما رأس الإسلام وقوامه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم شهد بهما لزمه العمل بمقتضاهما قولًا وفعلًا واعتقادًا وترك المنافي والمناقض لهما قولًا وفعلًا واعتقادًا، فإن معنى الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له وحده في عبادته ومعاملته، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال جل ذكره: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ما كان لغيره، ثم إن كان أصغر مثل الرياء فله حكمه، وان كان أكبر مثل ما يأتي بيانه فله حكمه، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" فالمؤمنون يحبون لله والمشركون يحبون مع الله وهي الأنداد التي ذكرها في قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا } الآية.

والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله تتضمن تصديقه صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوق، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.

وعليهم أن يفعلوا ما أمر الله به وينتهوا عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرم الله وشرعوا دينًا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } إلى آخر السورة وما ذكره في صدر سورة الأعراف وكذا قوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه } وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ } فأخبر أنه داع إلى الله بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير اذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك، ومن خاض كما خاض فيه الأولون فلم يعرف اللازم من الملزوم فقد جردهما من المعنى. وإذا كان سبب النزول أحوال مشركي العرب فالعام لا يقصر على السبب. وكذلك الأحاديث الصحيحة كحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ماحق الله على العباد" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا أتدري ما حقهم عليه؟" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن لا يعذبهم وفي لفظ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" قلت: أفلا أبشر الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين فإنه قاض في الأخبار بلفظه عن حق الله على العباد من توحيده سبحانه وإخلاص الألوهية له تعالى كما قال جل شأنه: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } وقال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقوله: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } فقد أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى في التوراة وإن كانت الكلمات التي نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم أكمل وأبلغ وأتم، ولهذا قال الربيع بن خيثم وعبد الله بن مسعود: "من سره أن يقرأ كتاب محمد الذي لم يفض خاتمه بعده فليقرأ آخر سورة الأنعام { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } إلى قوله: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } الآية". وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأخبر رسوله { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر، أمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وقال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَاب } إلى قوله: { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } فأمره أن لا يتبع أهواءهم عوضًا عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك المتبع شرعًا أو طريقًا لغيره من الأنبياء فإنه سبحانه قد جعل لكل منهم سنة وسبيلًا ولكنه صلى الله عليه وسلم حذره ربه أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لم يعلم أنه جاءت به شريعة قط، بل لم ينزل الله به الكتب ويرسل الرسل إلا بتقبيحه والإنذار عنه، وخبث فاعله والحكم عليه بالذل والصغار والخلود في النار، حتى قرر ذلك وحرر في كتب الفقه التي تداولها الأيدي لعلماء كل مذهب فإنهم عقدوا فيه بابًا للردة بعبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى.

تعريف المرتد

منها قولهم المرتد لغة الراجع، يقال ارتد فهو مرتد إذا رجع قال تعالى: { وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } وشرعًا الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا أو شركًا أو فعلًا، وبعض هؤلاء الأئمة قال ولو مميزًا فتصح ردته كإسلامه، وهم الحنابلة ومن وافقهم طوعًا لا مكرهًا بأن فعل لداعي الإكراه لاعتقاده ما أريد منه لقوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } الآية إلى أن قالوا أو أشرك بالله، بأن جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم لقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقوله تعالى: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } وهذا قد أجمع عليه أئمة المسلمين وعلماء الدين.

ونعني بهذا الإجماع ما قاله الإمام الغزالي: هو اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور الدينية. ولا عذر في الجهل بعد الإنذار بالكتاب والرسول وإن جادل وعاند وزعم أنه محق فهو بنزول العذاب والبلاء مستحق. وفي هذا يقول نبي الله هود: على محمد وعليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام مخاطبًا لقومه وقد أكثروا عليه في تركهم الآلهة وشددوا في لومه { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } فهذه المجادلة بالباطل وقوع الرجس والغضب هو الحامل عليها بعد أن تقدم منهم السبب.

حكم التوسل بالأعمال الصالحة وبأسماء الله وصفاته

فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل أهل الإيمان في قولهم { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } الآيات وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم، الحديث في البخاري لأنه تعالى وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، وكسؤاله بصفاته وأسمائه كالأدعية المعروفة في السنن "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله الحنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام" وفي الحديث الآخر "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" وفي الحديث الآخر "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيب عندك" فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء، وأما الإقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق الأئمة. وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين أصحهما أنه نهي تحريم. وأما سؤاله تعالى بمعاقد العز من عرشه فيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله في كتابه أو على لسان رسوله فقد ضل الطريق وأخطأ المعنى وان ادعى الحفظ والفهم. عن عبد الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك") فأنزل الله تصديقها { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } رواه البخاري ومسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير. فهذا الحديث الصحيح له معان ودرجات على الترتيب في عظم الذنب، وأكبره جعل الأنداد، وما دونه وان كان ذنبًا فليس مساويًا له إلا أن استحل فيوافقه في اسم الكفر وجعل الند لله أكبر منه، ولكن ليس على العبد أشد من دحض الحق والعمل بخلافه ومعاداته وأهله والقدح عليهم فيه، فمعاداة الحق وأهله سنة متقدمة وعادة مطردة ولذلك لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } صدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى الله الكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى والجن والإنس، فلما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وبادأهم بسب آلهتهم وعيب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له وادعوا جهلهم وجنونهم، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِك } وقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِن } وقال: { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } الآية فعزى الله سبحانه نبيه بذلك وان له أسوة بمن تقدمه من الرسل وعزى سبحانه أيضًا أتباعه وهم العلماء العاملون بأمره الداعون إلى شريعته بقوله سبحانه: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } الآية وقوله: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.. } إلى قوله: { أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ }.

ومن تأمل سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم علم أن الناس بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن يأبى فيستمر على السيئات من مخالفة دين الرسل، فمن قال آمنا ابتلاه ربه واختبره ليتبين الصادق من الكاذب ومن لم يتبع دين الرسل فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه، فمن آمن بالرسل واتبع دينهم واهتدى بهديهم عاداه أعداؤهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه ومازال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" أخرجه البخاري في صحيحه في باب التواضع من كتاب الرقائق، ومن كان طالبًا للرتبة العلية تنقل في المقامات العلوية وفارق كل فرقة غوية. ومن كان من حزب الشيطان يعود شيطانًا وان كان في صورة الإنسان.

(ولا قرأ على من) أي على الذي (يهديه إلى النهج القويم) يعني أنه لم يقرأ على شيخ يرشده إلى الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وقد تقدم في ترجمته عند ذكر اسمه عدة مشايخه الذين قد اجتمع بهم وأخذ عنهم إجازة ودراية.

تعريف الدليل لغة واصطلاحًا

(ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم) الدليل لغة: هو المرشد وهو الناصب والذاكر وما به الإرشاد.

واصطلاحًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وفاقًا وقيل إلى العلم به فتخرج الامارة، قال الأصوليون لابد للمستدرك من دليل ونظر وعلم، قال الإمام أحمد الدال هو الله، والدليل هو القرآن والمبين هو الرسول صلى الله عليه وسلم والمستدل أولو العلم، هذه قواعد الإسلام والنظر هو الفكر لمعرفة مطلوب من تصور أو تصديق، والعلم وهو حكم الذهن ألجازم المطابق الموجب فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهو الدليل عليه وبه يهتدي في ظلمات الجهل والشبه والشكوك ولهذا سمى الله كتابه نورًا لأنه يهتدى به في ظلمات الجهل والوهم قال الله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ومثل النبي صلى الله عليه وسلم حملة العلم الذي جاء به، بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات، ففي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر"

فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس على هدى وبقاء العلم ببقاء حملته العاملين به، فإذا ذهبت حملته أو من يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم يجدوا عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يومًا رفع العلم فقيل له كيف يذب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأنا نساءنا وأبناءنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم شيئًا" فسئل عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن هذا الحديث فقال: "لو شئت لأخبرتكم بأول علم يرفع عن الناس الخشوع" وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان: أحدهما ما كان ثمرته في قلب الإنسان وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضية لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ورجائه ومحبته ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك مما هو عبادة مختصة بجلاله فهذا هو العلم النافع كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وقال الحسن العلم علمان: علم اللسان فذلك حجة الله على بني آدم وهو كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" وعلم القلب وهو العلم النافع الذائد لصاحبه عن جميع المهالك وهذا لا يمكن إلا بصلاح تلك المضغة التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" أخرجه البخاري ومسلم من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير وقد أرشد الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الهدى والعلم وأمره أن يسألهما منه عند الاختلاف فيه رغبة إليه سبحانه وإعراضًا عن المشركين الذين قال الله عنهم: { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } وقال: { ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } فروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض علم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وذلك أن الله يقول: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي فاختلفوا وقد قيل انا كذلك في حرف عبد الله { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } والهداية تورث الإلهام من ذي الجلال والإكرام المنان، وهو نفث في الروع من المولى الكريم لذوي الاستسلام، ويعقبه السكينة معنى ينزله الكريم المنان والطمأنينة نتيجة السكينة إذا قوي اليقين يأمن بها العبد إذا ذعر غيره من العبيد في مظاهر الانتقام والمجاهدة لأعداء كلمة الإسلام، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب قد هدي فاهتدى، وهدى الله به من اهتدى بعد الاسترشاد إلى الرشاد والانحياد عن أهل الفساد، وهو لا يفتر عن الاوراد { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. هكذا لا يفتر أبدًا لا وقت نوم أو درس لكن لغربة الإسلام أنكر عليه وللحسد والبغضاء عودي ونسب كل فعل قبيح إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل وما أحسن ما قيل في ذلك:

أقول الله ربي والإسلام ** ديني والقرآن لي إمام

مقتديًا بأحمد وآله ** مخالفًا طوائف الكفر فهل ألام

قد غاظ دين الله كل كافر ** ليس له بحبله اعتصام

أصم أعمى ما له معرفة ** إلا بما تغذي به الأجسام

قد جهل القرآن من شقائه ** ففاته بجهله المرام

يا لائمي إني أطعت أمر من ** عصيانه سبحانه حرام

مستمسكًا بالعروة الوثقى التي ** ليس لها يا لائمي انفصام

أدعو إلى القرآن من لم ** يتبع آياته كلها أحكام

عاديتني والله قد أكرمني ** أفق فداعي الله لا يضام

تريد أن تطفي نور خالقي ** ونوره غايته الإتمام

والحق كالشمس إذا ما أشرقت ** أنوارها انجلى عنها الظلام

وفضله سبحانه إذا أتى ** عبدًا فلا ترده الأنام

وفي ذلك أيضًا:

إن الإله على نصري لمقتدر ** فما أبالي بأعدائي ولو كثروا

إذا تجروا على ظلمي فإني ** بأقوى من هم انتصروا

إن المشركين قوم لا عقول لهم ** يلقيهم الجهل في الكفر الذي حذروا

أمرتهم بإتباع الذكر فامتلأوا ** غيظًا فهل آمنوا أم كفروا

لا يستجيبون للداعي إذا سمعوا ** ولا يرون سبيل الرشد لو نظروا

ولا يعون فما نصح بنافعهم ** كأنهم بيننا من جهلهم بقر

إني لأرجو الإله أن يصيبهم ** بنقمة منه لا تبقي ولا تذر

يا صم يا بكم يا عمي الكتاب ** هدى للمتقين وعلم ليس ينحصر

فاتلوه واتبعوا آياته ودعوا ** مذاهب السفهاء إنها ضرر

أتهجرون كتاب الله ويلكم ** هل فارس نفسا لكم قوم له هجروا

لقد مرقتم من الإسلام فانتبهوا ** فليس ترك كتاب الله يغتفر

ما صح إيمان من لم يتبعه ولو ** صلوا وصاموا وحجوا البيت واعتمروا

وقد أرسل إليه العالم الفاضل المدقق شيخ جهابذة العلماء الأعلام في عصره، رباني أهل وقته، شيخ صنعاء اليمن، وزبيدها عمدة دقيقها وجليلها محمد بن إسماعيل الأمير أرجوزة يثني فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى عقيدته ويشكره على أمره ونهيه وهي هذه:

قصائد في مدح الشيخ من علماء الأقطار

سلامي على نجد ومن حل في نجد ** وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

وقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا ** رباها وحياها بقهقهة الرعد

سرت من أسير ينشد الريح إن سرت ** ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد

يذكرني مسراك نجدًا وأهله ** لقد زادني مسراك وجدًا على وجد

قفي واسألي عن عالم حل سوحها ** به يهدي من ضل عن منهج الرشد

محمد الهادي لِسُنَّة أحمد ** فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي

لقد أنكرت كل الطوائف قوله ** بلا صدر في الحق منهم ولا ورد

وما كل قول بالقبول مقابل ** وما كل قول واجب الطرد والرد

سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ** فذلك قول جل يا ذاعن الرد

وأما أقاويل الرجال فإنها ** تدور على حسب الأدلة في النقد

وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ** يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي

وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ** ومبتدع منه فوافق ما عندي

وَيْعمُر أركانَ الشريعة هادمًا ** مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد

أعادوا بها معنى سواعًا ومثله ** يغوث وودًا ليس ذلك من ودي

وقد هَتَفوا عند الشدائد باسمها ** كما يهتف المضطر بالواحد الفرد

وكم عقروا في سوحها من عقيرة ** أهلت لغير الله جهرًا على عمد

وكم طائفًا حول القبور مقبلًا ** ومستلم الأركان منهن باليد

لقد سرني ما جاءني من طريقه ** وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي

يصب عليه سوط ذم وغيبة ** ويجفوه من قد كان يهواه عن بعد

ويعزي إليه كل مالا يقوله ** لتنقيصه عند التهامي والنجدي

فَيَرميه أهل الرفض بالنصب فرية ** ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد

وليس له ذنب سوى أنه أتى ** بتحكيم قول الله في الحل والعقد

ويتبع أقوال النبي محمد ** وهل غيره بالله في الشرع من يهدي

لئن عده الجهال ذئبًا فحبذا ** به حبذا يوم انفرادى في لحدي

سلامي على أهل الحديث فإنني ** نشأت على حب الأحاديث من مهدي

هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ** وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد

وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ** أولئك في بيت القصيدة هم قصدي

أولئك أمثال البخاري ومسلم ** وأحمد أهل الجهد في العلم والجد

بحور أحاشيهم عن الجزر إنما ** لهم مدد يأتي من الله بالمد

رَوَوا وارتووا من بحر علم محمد ** وليس لهم تلك الملل من وردي

كفاهم كتاب الله والسنة التي ** أتاهم بها صحب الرسول ذوو المجد

أأنتم أهدى من صحابة أحمد ** وأهل الكسا هيهات ما الشوك كالورد

أولئك أهدى في الطريقة منكم ** فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي

وشتان ما بين المقلد في الهدى ** ومن يقتدي والضد يعرف بالضد

فمقتديًا كن في الهدى لا مقلدًا ** وخلي أخا التقليد في الأسر بالقد

وأكفر من في الأرض من قال أنه ** إله فإن الله جل عن الند

مسماه كل الكائنات جميعها ** من الكلب والخنزير والفهد والقرد

وإن عذاب النار عذب لأهلها ** سواء عذاب النار أو جنة الخلد

وعباد عجل السامري على هدى ** ولائمهم في اللوم ليس على رشد

تناشدنا عنه نصوص فصوصه ** تنادي خذوا في النظم مكنون ما عندي

كنت امرأ من جند إبليس فارتمى ** بي الدهر حتى صار إبليس من جندي

فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ** دقائق كنز ليس يدركها بعدي

يلذون عند العجز بالذوق ليتهم ** يذوقون طعم الحق فالحق كالشهد

نقول لهم ما الذوق قالوا مثاله ** عزيز فلا بالشم يدرك والحد

ففشرهم بالكشف والذوق مشعر ** بأنهم عن مطلب الحق في بعد

ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ** ويرجع أحيانًا ويهدي ويستهدي

وهيهات كل في الديانات تابع ** أباه كان الحق في الأب والجد

كذلك أصحاب الكتاب تتابعوا ** على ملة الآباء قردًا على قرد

وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني ** غريب وأصحابي كثير بلا عد

إذا ما رأوني عظموني وإن اغب ** فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي

رد قول الخصم أن الشيخ أخذ علمه من كتب ابن تيمية

وأما قولكم: (بل طالع بعضًا من مؤلفات أبي العباس بن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم وقلدها من غير إتقان مع أنهما يحرّمان التقليد ليأخذ العلم من غير تسديد).

معناه أن هذا الرجل لم يقرأ على أحد من العلماء يدله على أمره ويساعد على قصده بل اكتفى عن ذلك بمطالعة بعض الكتب التي ألفها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية وتلميذه أبو عبد الله ابن القيم فقلدهما فيما قالاه في كتبهما وهما لا يجوّزان التقليد فأخذ العلم من المؤلفات بلا تسديد، فنقول لا يلزم من مطالعة كتب الثقات وإمعان النظر فيها وفي دلائل ما تضمنته وفهم معاني ما حكته عدم أخذ العلم عن أهله وممارسته وتكرار درسه ولا تنافيه، بل أخذ العلم بحثًا وتقريرًا عن العلماء الثقات عند الخاص والعام والجهابذة الأعلام هو الحامل عليها، وهو الدال إليها، وفراسته وفهمه فيها هما الحاملان عليها، وفهمه في كل فن هو الحامل على تخصيص أمره في نصحه وإيجاد قصده القائم في ذهنه، وهو المقتضي لأمره ونهيه. ودليل ذلك اعتناؤه بكتب الثقات من أولي العلم، والرجوع إلى الآيات البينات والأحاديث الصحيحة عند اختلاف الفهم، أخذًا من كلام الأئمة النقاد وما صححوه مما اتفقوا عليه أو اختلفوا فيه، لا مدعي الاجتهاد، وليس هو يدعو الناس إلى الاتفاق في مسائل الفروع التي قد وقع الاختلاف فيها، وإنما يدعوهم إلى العمل بما هو مطلوب منهم اتفاقًا مما لا تقليد فيه، وترك ما نهوا عنه كذلك والرجوع إلى الكتاب والرسول والإجماع ليس بتقليد لقيام الحجة في ذلك، إذ وجود الباري تعالى وتقدَّس وتوحيدهُ وإخلاص العبادة له والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به لا تقليد فيه فتجب معرفة وجود ذات الله بصفاتِ الكمال شرعًا بالنظر في الوجود والموجود على كل مكلف قادر وهي أول واجب له تعالى وتقدس، وكذلك وحدانيته وألوهيته فيستدل عليهما بمخلوقاته ومصنوعاته. قال تعالى: { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } فمعرفة ذلك ليست ضرورية بل نظرية، بخلاف علمه سبحانه وتعالى بجميع مخلوقاته فليس هو بضروري ولا نظري ولا كسبي ولا استدلالي بل هو قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها.

تعريف التقليد

قال الأصوليون: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطًا به. واصطلاحًا: أخذ قول الغير من غير حجة. والرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع ليس بتقليد لقيام الحجة. ثم قالوا: وهل يصح إيمان المقلد، على قولين للعلماء، فعن الأشعري لا يصح ومن قال يصح يوجب عليه الاستدلال بالنظر والرجوع إلى الدلائل الظاهرة والآيات الباهرة، ثم أن من قام في ذهنه دلائل قصده ومطلوبه فأراد إقامتها على ما ادعاه من كتاب الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام فباحث وناقش ودل واستدل فتوافق هو وغيره في الدليل والاستدلال والعقيدة فيما هو مطلوب لا محال لا يلزم من ذلك التقليد لذلك الغير بل ولا يؤديه معناه لوجهين:

أحدهما: أن كثيرًا ما يوافق مجتهد مجتهدًا، وليس هو مقلدًا له فيما قاله وإنما هو موافق له فيه، فالواقع إنما هو اتفاقهما في الحكم والدليل، لا تقليد أحدهما الآخر فيه. وهذا مشاهد في كلام الأئمة وتوافقهم في المسائل الاجتهادية، وقد وافق الإمام الشافعي الإمام زيد بن ثابت رضي الله عنهما مع أن الشافعي ليس مقلدًا لزيد.

الثاني: أن تعريف التقليد هو أخذ قول الغير والعمل به من غير حجة للمقلد، وإنما هو اعتماد على قول مقلده وقصر على منطوقه ومفهومه بلا نظر في دليله من ضعفه أو ترجيحه قاله الأصوليون. وقالوا يلزمه أن يقلد في مسائل الفروع الأرجح الفاضل عنده فيجتهد في ذلك على الأصح. وأما توحيد الباري تعالى وتقدس في معاملته وإخلاص عبادته فلا تقليد فيه البتة، وإنما يقتدي اللاحق بالسابق فيه، والإقتداء ليس بتقليد، فكما أن شيخ الإسلام تقي الدين قد استدل في وقته بالكتاب والسنة وبكلام صالح سلف الأمة على التوحيد الذي هو وظيفة العبيد، وعلى الشرك ومعناه الذي هو ضد التوحيد، وحرمه الله وأوهنه وعلق على وجوده عدم المغفرة فعودي وأوذي كذلك هذا الرجل لما قام يأمر أهل وقته بإخلاص التوحيد لله وحده فلا يجعل حقه تعالى لغيره، أو معه ومع غيره، وميّز لهم التوحيد من ضده، وأقام عليه الدلائل والبراهين من الكتاب والسنة، وكلام صالح صلف الأمة، من غير تقليد لأحد فيه، إن كان ولا بد فهو نقل كلام لإمام مجتهد حجة على من قلده ليعلم ذلك المقلد أنه قد خالف مقلده فيما قاله واعتقده، نسبوه إلى تقليد الشيخ تقي الدين في التوحيد، ولعل كلامه وافق كلام شيخ الإسلام تقي الدين في شيء من ذلك حتى في استدلالاته فليس هو تقليدًا له ولا أخذًا منه. والشيخ تقي الدين وتلميذه رحمهما الله تعالى بل وغيرهما إنما يحرمون التقليد في توحيد الله ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم وما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام، ويدعيان الإجماع على ذلك وعبارتهما: (التقليد السائغ في المسائل المستفتى فيها وهي الاجتهادية) وأما العقلية كوجود الباري تعالى وتوحيده والرسالة فلا تقليد فيها، وكذا ما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام إجماعًا. وقال الشيخ تقي الدين في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: (أما مسائل الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها والتقليد، لا ريب أن المجتهد فيها على أجر فان أصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر وكذا المقلد له أجر على حسن قصده وعمله، وإنما انكارهما شديد على من أوجب إتباع طريقة شيخ من مشايخ الدين والصلاح كالشيخ عبد القادر، والشيخ حيوه وأمثالهما. وكذلك من أوجب اتباع إمام معين من أئمة العلم والدين وألزم الناس الاقتصار عليه في كل ما قاله أو أمر به ونهى عنه، وعلى من عادى ووالى في هذه المذاهب أو عليها كالأئمة الأربعة لما فيه من الترجيح، قال ولكن طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به والقدرة على العمل به، فإذا ضعف العمل والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك الأمر، وان كان وقت دعوة ونبوة في غيره" وقال أيضًا في رسالته السنية: "وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر لله به ولا رسوله مثل أن يقال للرجل أنت شكيلي أو قرقندي أو نقشبندي، فان هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأمة لا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول لا أنا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله. وقد روينا أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال أنت على ملة علي أو على ملة عثمان فقال لست على ملة علي ولا ملة عثمان بل أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان كثير من السلف يقولون كل هذه الأهواء في النار، ويقول أحدهم ما أبالي أي النعمتين أعظم على أن هداني الله للإسلام وأن جنبني هذه الأهواء، والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين المؤمنين عباد الله، ولا يعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، بل الأسماء التي يسوغ، لتسمى بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو انتسابهم إلى شيخ كالقادري والعدي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني أو إلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، لا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها. ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الحلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان وأولياء الله الذين هم أولياؤه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما قال تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } وقد أخبر سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه" انتهى.

وأما التقليد في أصل الدين من التوحيد فقد أغنى الشارع صلى الله عليه وسلم بالتفصيل وبين الحق وسواء السبيل. ونص على ما يعصم من المهالك نصًا قاطعًا للعذر. قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } وقال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا } وقال تعالى: { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وقال تعالى: { فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُم } الآية والتي بعدها وقال تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ } وقال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا فيه علمًا" وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا لسلمان لقد علمكم رسولكم كل شيء حتى الخراء قال أجل. وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" وقال: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيرًا لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شرًا لهم".

وهذا يعلم تفاصيله بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة وكلام صالح سلف الأمة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في ذلك ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء وذلك يكون بشيئين:

أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.

والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها المختلفون، حتى يحسن أن يطيق التمييز بين معاني التنزيل ومعاني أهل الحوض في أصول الدين، فحينئذ يبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وقال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } وقال تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول } وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } فكل العبارات من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل. كان السلف والأئمة ينهون عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات لأن في إثباتها إثبات حق وباطل وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمتنع من كلا الاطلاقين تقليدًا وغيره وليس ذلك لحلو النقيضين عن الحق ولا قصورًا أو تقصيرًا في بيانه، وإنما هو لقطع المادة بخلاف النصوص الإلهية. فإن فيها فرقين، فرق الله بهما بين الحق والباطل ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب إتباعه فيثبتون ما اثبت الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المجملة المحدثة المتشابهة ممنوعًا من إطلاقها نفيًا واثباتًا لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا بين المعنى اثبت حقه ونفى باطله، بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن لم يفهم معناه. وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.

وأما المختلفون في الكتاب والمخالفون له فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته إمامًا لها تتبعه، أو المحلات المتشابهات من الكتاب والسنة التي لا يجوز إتباعها بل يجب ردها إلى المحكم. ويتعين حملها عليه، فهم يتبعونها ابتغاء الفتنة ويحملونها على ما يوافق أصلهم الذي ابتدعوه وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الآيات إلى قوله: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة على ما أصله من البدع الباطلة وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن فلم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه باللسان، ومتناول لمن كتب كتابًا بيده مخالفًا لكتاب الله ليتناول به رياسَة أو جاهًا أو دينًا وقال هذا هو الشرع والدين، كما لو قال هذا من عند الله وهذا هو معنى الكتاب والسنة، وهذا قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من معنى الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفة في الحق الذي يقوله وهذه الأمور كثير جدًا في كلام أهل الأهواء جملة كالرافضة والجهمية وأهل الاعتقادات الفاسدة والبدع المضلة نسأل الله العفو والعافية.

وأما قولكم (فاحتاج إلى تمييز الخطأ عن الصواب والقشر عن اللباب وبيان ما عليه الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة كي يظهر الحق لقليل البضاعة). هذا مفرع على قوله وأخذ العلم من غير تسديد معناه أن هذا الرجل لما لم يأخذ العلم عن تسديد اعتاز إلى تمييز الخطأ الذي هو ضد الصواب، عن الصواب الذي هو مطابق للحق، أي اعتاز إلى من يميز له ذلك ويفرق له بينهما ويميز له أيضًا بين ما التبس عليه من القشر الذي هو الظرف الساتر عن اللباب الذي قد ستره القشر فهو مظروف فيه استعار لفظ القشر واللباب للتشبيه والتكنية من عدم تمييز معاني المسائل التي يفصل بعضها عن بعض في اللفظ والمعنى لأخذه العلم من غير تسديد، وإلى من يميز له بيان ما عليه من الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة، من ضدهم وهم من ترك السنة وفارق الجماعة. والعلة في اعتيازه التمييز بين هذه الأشياء المذكورة ظهور الحق بلا التباس بضده لقليل البضاعة من المعرفة بمعاني مسائل العلم قبل ظهور الحق له بالتمييز المذكور.

فنقول يكفي في تمييزه ومعرفته وإدراكه في قصده ومرامه ما قد شاع عنه وذاع وتقطعت به الأسماع من أنه يدعو الناس إلى سبيل النجاة والفوز الأبدي وهو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى عباده أن يسألوه إياه في كل صلاة والدليل على ذلك أنه لا أحد كائنًا من كان يفعل خصلة يحبها الله ويكرهها أهل الفساد والعناد إلا ونسب ذلك الفعل والفاعل إليه فقيل له وعنه وهابي أو عارضي أو شرقي، وهذا كقول كفار قريش لمن تبع ما جاء من عند الله أنه صابىء وإن كان ذلك الفاعل في نفس الأمر عدوًا ظاهرًا وباطنًا نسبوه إليه بفعله فلو لم يكن فيه من السمة والعلامة على فضله ومعرفته وتمييزه وهديه إلا ذلك لكفى.

شهد العدو بفضلها ** والفضل ما شهدت به الأعداء

فبذلك يستدل على فضله المستدلون، ويهتدي بما دعا إليه المهتدون، ويرجع إلى إتباع الحق المبعدون، ويكف عن خوضهم في طغيانهم الخائضون، فإن من رزق التوفيق تأمل بعين انصافه ما قاله هذا الرجل ودعا الناس إليه من الإخلاص لملك الناس، فميز بينه وبين ما اعتقده أصحاب العقائد الفاسدة والبضايع من الدين الكاسدة الآمرين بالباطل، والقائمين عليه لم والناهين عن سبيل الحق وما يوصل إليه، وهم المجوزون لمن شاء أن يتخذ معتقدًا من الحلق ويدعوه ويرجوه عند الشدائد ويتوكل عليه عند أي شدة كانت يعتقد فيه لذلك نائيًا كان معتقده أو قول أو ومن يزعم أنه ذو تنسك وعلم، قال ان معناه وسيلة وهي جائزة مطلوبة وهذا منها. فهم أمروا بذلك وجوزوا الشرك. ومن نهى عنه وتبرأ منه وعاداه وأهله خرجوه وبدعوه وقاتلوه زيادة على جنس المنكر الشامل لأنواعه في بلد الله الحرام الذي قال الله فيه: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وغيره مما اكتسبوه وأقروه ففرق حينئذ بين الباطل والحق، فلم يرض من نفسه إلا اتباع الحق قولًا وعملًا واعتقادًا. ودحض ضده كذلك، لا سيما ان انضاف إلى ذلك تأمل أحوال هؤلاء المشركين وما هم عليه من عدم الرضا إلا باعتقادهم في معتقداتهم. وتأمل معنى قوله تعالى: { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } فإن هؤلاء المعتقدين إذا قيل لهم توبوا وارجعوا إلى الله وادعوه واستعينوا به وحده واستغفروه نظروا إلى القائل بعين العداوة نظر المغشي عليه من الموت اشمئزازًا لقوله وكراهة، وزعموا أنه قد سب الأولياء وأنكر كراماتهم، فإن لم يذكر لهم شيئًا من ذلك ولم ينكر عليهم بل أثنى عليهم وعلى عقيدتهم وان ما اعتقدوه في معتقدهم حق ولعله عدو لله ظاهر الفسق استبشروا وسروا واتخذوه صديقًا لهم.

والإيمان باليوم الآخر لا يعصم إلا بوجود التوحيد الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب لتكليفه على العبيد، وقد صحح الله به عقائد كثيرة حتى من أعدائه ولله الحمد، فهم مع شدة العداوة له لعهدهم الأول إما تقليدًا وجهلًا أو تكبرًا أو تجبرًا عن الحق الذي قال ودعا إليه قد اكتسبوا منه وأخذوا عنه ولكن يسبونه ودينه وما أمر به عنادًا وبغيًا وحسدًا كما حل بالأسلاف الذين مضوا قبله، وذلك كله دليل على فضله وعلمه، وأنه قد ميز بين الخطأ والصواب، وما زاد، وفرق القشر عن اللباب لتفرقته بين ما أمر الله به العباد وأرسل به الرسل وأنزل به الكتب ومعناه وكيفيته، وبين ما نهاهم عنه وعلق على وجوده عدم المغفرة مع أنه كتب على نفسه الرحمة وبين ما غفر أنه تحت مشيئته تعالى ومعنى كل منها. ثم انه دعا الناس إلى الحق وأسر وقال مفرقًا بين ما عليه الفرقة الناجية ووضحهم بسيماهم وميزهم عن ضدهم فبينهم بعلاماتهم. وإنما الذي لم يميز بين معنى قوله وما في تسطيره فهو الناقض لحكم الله ورسوله قولًا واعتقادًا مستدلًا على ذلك بما يخالفه منطوقه ومفهومه، لكن ضاقت عليه مدارج الإدراك والشعور فعدل إلى مجرد الادعاء بلا نور، كما قيل الأقرع يفتخر بحمد وابن عمه وابن الحمقاء يذكر حالته إذا عيب بأمه.

وأما قولكم (وتفريعكم في مقدمتكم التي قال فيها قائلكم فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق أجمعت الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي" وهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه).

فنقول معنى التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة ضد الخذلان لأنه حصول الشر والمعصية وأزمة الشيء ما يقوم بها وينتهي إليها والتحقيق هو المعنى المطابق للحق وهو اسم مصدر حقق والواو في قوله بالله والحال وهذا إقرار القائل بلسانه فإن صح اعتقاده حصلت الموافقة لقوله فيما أقر به وإلا فهو مجرد لفظ.

تعريف الإجماع

والإجماع لغة يطلق على معنيين:

أحدهما: العزم كقوله { فأجمعوا أمركم } أي إعزموا ومنه لا صيام لمن لا يجمع الصيام من الليل.

وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأثمر.

وفي الاصطلاح: اتفاق خاص وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أمر، فلا يعتبر موافقة المقلد ومخالفته والمراد بقولنا في عصر في زمان ما قل أو كثر وقولنا على أمر يتناول الديني والدنيوي، ثم أنه قد اختلف في أنه هل يشترط في الإجماع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، فمن اشترط ذلك لا يكفي عنده الاتفاق في عصر بل يجب استمرار ما بقي من المجمعين واحد، فيزيد في الحد إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجماع المقصود وهو ما يكون حجة شرعًا، وأيضًا قد اختلف الأصوليون في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حي أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ قال يجوز أو قال يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحد، ومن يرى أنه لا يجوز ولا ينعقد فلا بد أن يخرجه عن الحد بأن يزيد فيه ولم يستقر خلاف مجتهد. وقال الغزالي هو اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور الدينية مستدلًا بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة" وبقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" وبقوله: "يد الله على الجماعة من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" واستدل الإمام الشافعي على حجية الإجماع بقوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } بضمه إلى مشاقة الرسول التي هي كفر فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد، وإذا حرم إتباع غير سبيلهم فيجب إتباع سبيلهم إذ لا مخرج عن طاعة الرسول واتباع سبيل المؤمنين، وهذا أصل كلي خال من معارض ظني إذ متابعة الرسول شاملة لنصرته في حياته أو شريعته بعده، ولما به صاروا مؤمنين وهو التوحيد والإيمان به لا مخصوصة بما لا يخرج عن شريعته.

رجوع الأشعري عن معتقداته

وقولكم (الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي" وهم الأشاعرة) وهذا غلط ظاهر لوجوه:

منها: أن هؤلاء المنتسبين إلى عقيدة الأشعري لم يرجعوا عنها كما رجع عنها وتاب وأقلع منها فإنه اسمه علي بن إسماعيل بن اسحق الأشعري من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، كنيته أبو الحسن ولد بالبصرة سنة سبعين وقيل ستين ومائتين وتوفي ببغداد ودفن بها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة كما قال ابن الصلاح، وكان من تلامذة المعتزلة كأبي علي الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم انه رجع إلى بغداد فتاب من عقيدته وانتسب إلى الإمام أحمد وغيره من السلف وانتصر لطريقة أحمد كما ذكر ذلك الأشعري في كتبه التي صنفها ومنها كتابه الإبانة الذي سماه في أصول الديانة، وكتابه الذي صنفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وكما قاله أبو اسحق الشيرازي إنما حل الأشعري في قلوب الناس لانتسابه إلى الحنابلة، وكان أئمة الحنبلية المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسين التميمي ونحوهما يذكرون كلام الأشعري ورجوعه وتوبته في كتبهم وتفقه على أبي اسحق المروزي الحنبلي وأخذ عن حنبيلة بغداد أمورًا من العقائد وسائر العلوم الشرعية، وكان ذلك آخر أمره كما ذكره هو أصحابه في كتبهم.

ومن أجل أصحابه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم فهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس في مثله لا قبله ولا بعده وقد تاب عن عقيدته وما يقول أهل الكلام ورجع إلى سلف الأمة وخيارها، ذكره ابن الصلاح والشيخ تقي الدين وغيرهما فالمنتسبون إليه لم رجعوا كما رجع، بل خاضوا في علم الكلام حتى زعموا أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه وهم حيارى في أصول مسائل التوحيد. ولهذا كثير منهم لما لم يتبين له الهدى نكص على عقبيه فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك لعدم العلم واليقين بما كان عليه السلف الصالح، وفي الحديث المأثور: "إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومعضلات الغث في قلوبكم" وهؤلاء المعرضون عن الطريقة النبوية يجتمع فيهم هذا وهذا. فهم بخلاف الفرقة المستثناة.

(ومنها) أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية أو دعوى اجماع لا حقيقة له والتمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة (وإذا كان فحول النظر) وشياطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها إلا إلى حيرة وارتياب، وأما إلى الاختلاف بين الأحزاب، فكيف غيرهم المقلدون لهم ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه، أم كيف يكون هؤلاء المقلدون للمتكلمين الذين قد كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية أقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيرت طرقي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعًا كفى حائر ** على ذقن أو قارعًا سن نادم

وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم وهو الفخر الرازي:

نهاية اقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وغاية دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقال

من الذين أثنى الله عليهم في كتابه وممن استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم في جملة اتباعه وأحبابه لأن هؤلاء داخلون في عموم قوله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرشدين وأعلام الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، قد وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر اتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق ما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، بعكس من نبذ الكتاب رراءه واستدل بقول الأخطل، فإن من تأمل عقيدة المتكلم والمقلد له تأملًا يميز به بين الضدين ويفرق فيه بين الجنسين. علم يقينًا أن من أعرض عن الكتاب لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو مركب. فالأول { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } والثاني { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } فأهل البسيط أهل الحيرة. وأهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمونها عقليات.

(ومنها) أن الإمام الشافعي رضي الله عنه تكلم على أهل الكلام ومن قلدهم فقال رحمه الله: (حكمي فيهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام والعقل فإنهم أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا أعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. ومن كان عليمًا بذلك ظفر له من الفرقة المستثناة كيف كان حذقهم وفضلهم وعلمهم وان من لم يقتصر على ما جاء عن الله ورسوله لم يزدد من الله إلا بعدًا فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم).

تعريف السلف

(وإذا عرف ذلك فنقول معرفين السلف) وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأفضل الأصحاب الحلفاء الراشدون الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (ومنهم أيضًا الأئمة المجتهدون) الذين يقولون الحق وبه كانوا يعدلون. ثم من تبعهم بإحسان وقفى أثرهم عاملًا بطريقتهم إلى آخر الزمان، لم يغير ولم يبدل ما كانوا يقولون ويعتقدون. وهؤلاء هم الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ما أنا عليه اليوم وأصحابي" كثير من المبتدعة الضالين يفضلون طريقة غيرهم ظانين أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ } وإن طريقة غيرهم هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب قول طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنه لا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين. فلم يعرف قدر السلف من هذا وصفه، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين حقيقة المعرفة المأمور بها، لأن هؤلاء المحجوبين المنقوصين المسبوقين الحيارى لم يكونوا أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء الذين وهبهم الله علم الكتاب وحكمته، وأحاطوا من حقائق معارفه وبواطن حقائقه ما عجز أولئك عن فهم معانيه وإدراكه. ثم كيف يكون خير قرون الأمة انقص في العلم والحكمة لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم. أم كيف يكون المتفلسفة واتباعهم واليونانيون وورثة المجوس والمشركين وضلال الصابئين واشباههم واشكالهم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان، وقد استولى الضلال والتهوك على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا من البينات والهدى وتركهم البحث عن طريق السابقين، والتماسهم علم معرفة الله تعالى بصفات الكمال ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه وبشهادة الأمة عليه، وبدلالات كثيرة منها أنهم ينزهون وهم يكذبون. وهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة غيرهم، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي أشركوا فيها إخوانهم من المتفلسفين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ لمعان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة غيرهم. فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل وإنكار السمع، فان النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه فلما انبنى أمرهم على هاتين القاعدتين كانت السجية استهمال السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي. وإن غيرهم هم الفضلاء فقد حازوا قصب السبق في هذا كله.

ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلال. فهذا كتاب الله من أوّله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أوّلها إلى آخرها، ثم كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة أن من اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، فليس أهل السنة والجماعة إلا السلف الصالح وذوو العقل الراجح والواقفون عند النص من كتاب الله وسنة رسوله، مستغنين بهما عن كل هاجس وقول مخالف للكتاب والسنة مما هو عارض تائح، فهم بحبل الله معتصمون وبكلام رسوله آخذون وعليه واقفون وبالعروة الوثقى مستمسكون. والدليل على ذلك أنهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق. فتؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل وتكييف. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عملا فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله على كل شيء قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن انفاذ أمره، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبورًا إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارًا بما يفعله، فهو مختار مريد والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس لله نظير فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء. والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالعقاب بالكلية. فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الأيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وان النبي صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهم أيضًا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أو يعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة رضي الله عنهم ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك وإنما جعلوه نبيًا وإلهًا. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سب علي وعثمان ونحوهما، أو يقدحون في خلافة علي وإمامته، وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط لأنهم مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

حدوث العالم وأنه لا خالق سوى الله

(وقولكم على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه).

فنحن نقول كل ما سوى الله وصفاته حادث. والله سبحانه هو الذي أوجده وخلقه وابتدأه من العدم، لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا، بل بالحق والحكمة التي لو لم يكن منها إلا ليعرف بسائر صفات الكمال فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله كما أن الأمر كله له تعالى فلا خالق لجسم ولا جوهر ولا عرض ولا شيء إلا هو تعالى، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله خيرها وشرها حسنها وقبيحها، فالله خالق لا مكتسب. والعبد مكتسب لا خالق، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانية الصانع فهو المتفرد بالألوهية، كما أنه متفرد بالربوبية فهو الخالق لجميع العوالم كلها، وبه قامت الحوادث كلها، إذ هو القادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الآثار الإلهية، وكما قال تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وان الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي بعض الآثار: "ويدحوها كما يدحو أحدكم الكرة" وقال ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) وهو تعالى لا خالق سواه. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل كلها فلم ينكر أحد أنه خالق لجميع المخلوقات، إلا أنه قد جرى للمعتزلة كلام في خلق الإنسان أفعاله نفسه وخلافهم غير معتد به بعد قوله تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وقوله: { أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } فان العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله. لأنه تعالى طعن في ألوهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئًا. فهذا يقتضي أن كل ما كان خالقًا كان إلهًا، فلو كان العبد خالقًا لأفعال نفسه لكان إلهًا، ولما كان ذلك باطلًا علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه.

ومن الدليل على علم ذلك عند كل أحد، تقرير الله الخلق وإقرارهم بأن الله هو الخالق وحده. قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ولذلك قرعهم سبحانه بالاستفهام الإنكاري في قوله عز وجل: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } لكن لما كان بعضهم منكرًا للمعاد الجسماني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: { قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } ثم انه جرى كلام هل الخلق غير المخلوق أو هو هو، والجمهور يقولون الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، إذ الخلق مصدر، والمخلوق هو المفعول، والمصدر مغاير للمفعول لا نفسه. وهذا قول جماهير الصوفية وأهل الحديث بل كلهم، ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك قولان والذي عليه أئمتهم ان الخلق غير المخلوق وهو أيضًا قول أكثر أهل الكلام وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة.

(وأما قولكم وأنه قديم متصف بالعلم والقدره وسائر صفات الكمال والجلال منزه عن سمات النقص).

فنقول إنه تعالى قديم أزلي، فإن كل أزلي قديم ولا عكس، فهو الأوّل ولا بداية، والآخر ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه متصفًا بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، فهو إله واحد لا شريك له في عبادته فلا يتجزأ في ذاته. أحد لا من عدم، فرد صمد لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولا معين له في خلقه، ولا مثل له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، حي موجود لم يزل ولا يزال. ومتصف سبحانه بالعلم. فهو تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه تعالى بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها. ليس بضروري ولا كسبي، ولا نظري، ولا استدلالي، ومتصف بالقدرة، فهو على كل شيء قدير، وقدرته واحدة وجودية قديمة باقية ذاتية متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء إلا بها لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع. وقد خلق المخلوقات فوجدت بالفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى. والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة على الفعل. قال تعالى: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى } وقوله: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } وقوله: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وقوله تعالى: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، لأن نفس خلقه السموات والأرض غير السموات والأرض، ومتصف سبحانه بسائر صفات الكمال والجلال فهو تعالى مريد إرادة واحدة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن. وهو تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية. وهو تعالى سميع وبصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر. وهو تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف يسمعه منه أهل الجنة في الجنة إذا دخلوها. والمراد بقوله تعالى: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } من جهة النزول لأنهم لم يسمعوه قبل إنزاله قط ولا يشبه كلام المخلوقين، أو المراد بالذكر المحدث تذكير النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يذاكرهم قبل أن ينبأ، ونسبته إلى الله تعالى لأن المذاكرة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم كانت بأمره تعالى، ومنزه تعالى عن سمات أي علامات النقص، فهو تعالى لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه. فمن اعتقد أو قال أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه تعالى بائن من خلقه مستو على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان قبل خلق المكان، ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، ولا مدخل في ذاته وصفاته وأفعاله للقياس، لم يتخذ صاحبة ولا والدًا، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني عنه شيء، ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، فمن شبهه بمخلوقه فقد كفر. وأما قوله تعالى: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } فقال ابن عباس ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم، يعنى أن نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم.

المعاد الجسماني والمجازاة

وأما قولكم (وان المعاد الجسماني حق وكذا المجازاة والمحاسبة والصراط والميزان وخلق الجنة والنار وخلود أهل الجنة وخلود الكفار في النار). فنقول هذا مما أجمع عليه المسلمون قاطبة وعلم من الدين ضرورة، إن إعادة الأجسام على هيئتها قبل الموت مبعوثة ثم مجازاة ومحاسبة فهذا حق واجب الإيمان به قال تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وقال تعالى: { مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل عبد على ما مات عليه فالمؤمن على إيمانه والكافر على كفره" وكذا حديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فعد منه الإيمان باليوم الآخر والمجازاة على فعل الخير والشر قال تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } وقال تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } وقوله تعالى: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ } والمحاسبة على ما مضى من جميع الأعمال حق قال تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } الآية وقوله تعالى: { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } وحديث من نوقش الحساب عذب. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، فيحاسب المسلمون المكلفون إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب. وكل مكلف مسؤول، ويسأل الله من شاء من الرسل عن الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل. فالكفار لا يحاسبون ولا توزن صحائفهم قال تعالى: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } وإن فعل كافر قربة من نحو عتق أو صدقة أو عمل حسن وفي له في حياته الدنيا، وليس له في الآخرة جزاء عمل، لكن نرجو أن يخفف عنه من عذاب معاصيه. لحديث ثويبة حين أعتقها أبو طالب. وكذا الصراط وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركبانًا وزحفًا، يمر عليه المسلم والكافر فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار، قد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه قال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى في وصفه الصراط أنه سبع جسور فيحاسب العبد في أولها على الإيمان فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء والشرك والعجب نجا وإلا تردى في النار، وفي الثانية عن الصلاة فإن أداها مكملًا شروطها وأركانها وواجباتها نجا وإلا تردى في النار، وفي الثالثة عن الزكاة فإنا أداها تامة بطيب نفس نجا وإلا تردى في النار، وفي الرابعة عن الصيام فإن أدّاه تامًا نجا وإلا تردَّى في النار، وفي الخامسة عن الحج والعمرة فإن أداهما تامين بشرائطهما وأركانهما نجا وإلا تردَّى في النار، وفي السادسة عن الوضوء والغسل من الجنابة فإن أداهما تامين نجا وإلا تردى في النار، وفي السابعة عن بر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أتمه نجا وإلا تردى في النار.

وكذا الميزان الذي توزن به الأعمال من الحسنات والسيئات، وفيه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فهو حق وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "توزن الحسنات في أحسن صورة وتوزن السيئات في أقبح صوره" وكذا خلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن، فعن أبي سلمة وهو ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها بالمكاره. ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها" رواه أبو داود والترمذي والنسائي قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وأخرجه أيضًا في صحيحه من حديث الأعرج عن أبي هريرة، وقد ذكر بعضهم أن هذا من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، وأن حفاف الشيء جانباه فكأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره، وكذلك النار لا يوصل إليها إلا بتخطي الشهوات وما تميل إليه النفوس، وان إتباع الشهوات يلقى في النار ويدخلها وأنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات. ففي هذا الحديث حث على اجتنابها وعن سهل بن حوشب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين مات إبراهيم: "أن له مرضعًا في الجنة". وعن أبي هريرة مرفوعًا: " اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير" وعنه أيضًا مرفوعًا: "ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قيل يا رسول الله ان كانت لكافية قال لقد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءًا كلهن مثل حرها" وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" أخرجه البخاري في صحيحه.

وخلود أهل الجنة فيها وخلود الكفار في النار حق قال عز من قائل: { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا } قال ابن عباس في الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال مقاتل والضحاك الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وخالدين فيها أي مقيمين ما دامت السموات والأرض. قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها. فكل ما علاك وأظلك فهو سماء. وكل ما استقر عليه قدماك فهو أرض. وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد، أتي به على عادة العرب، يقولون لا آتيك أو لا يكون الأمر كذا ما دامت السموات والأرض، أو ما اختلف الليل والنهار، يعنون لا يكون ذلك أبدًا وأما الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، فقال بعضهم هو في الأول منفصل معناه إلا من مات موحدًا فإنه يخرج من النار فيدخل الجنة وسماه الله شقيًا لدخوله النار بالمعصية مع من شقى وهذا المعنى قد روي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وعمران بن حصين. فأما حديث أنس ابن مالك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليصيبن أقوامًا سفع من نار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون" وأما حديث ابن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم بإذن الله فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين". وما وإن كان وضعها لما لا يعقل غالبًا فهي هنا للوقت، ولكن لما كان الكلام عن حال من يعقل صار لها مناسبة فيه، وقال بعضهم إلا بمعنى سوى أي خالدين فيها هذا القدر سوى ما شاء الله من الزيادة عليه وقيل إلا بمعنى الواو أي وما شاء ربك كقولهم لعمر: أبيك إلا الفرقدان. أي والفرقدان، وأما معناه في الثاني وهو قوله: { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ } فهو استثناء متصل إذ لا يخرج من الجنة بعد دخولها أحد، ومعناه يرجع لمدة لبث هؤلاء المستثنيين في النار قبل دخولهم الجنة. وقيل ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث قبل مصيرهم إلى الجنة والنار يعني هم خالدون في الجنة والنار إلا هذا المقدار. ولذلك قال الضحاك عند قوله إلا ما شاء ربك: إي إلا ما مكثوا في النار حتى دخلوا الجنة فهو مراد الفريق. وظاهر اللفظ يأباه. وقال قتادة: الله أعلم بتنياه. والحاصل أنه يجب علينا اعتقاد أن المؤمن يخلد في الجنة، وأن الكافر يخلد في النار، وإن كلا لا يخرج عن محله بعد أن يدخله، وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا" وعن أبي هريرة نحوه فمعناه عند أهل السنة إن ثبت أن لا يبقى فيها أحد من أهل التوحيد والإيمان. فأما مواضع الكفار فمملوءة منهم ومعنى قوله تعالى: { لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } واحدها حقب وهو ثمانون سنة. قال المفسرون الحقب الواحد بضع وثمانون سنة. السنة ثلاثمائة وستون يومًا. مقدار اليوم ألف سنة من أيام الدنيا وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة بل قال أحقابا فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر هكذا أبدًا، وقد بشر الله أهل الجنة بدوام لبثهم فيها قال: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } وقال في الآية الأخرى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا }

جواز العفو عن المذنبين

(وأما قولكم ويجوز العفو عن المذنبين).

فنقول أجمع أهل السنة على أن المسلم لا يكفر بذنب فكل من لم يأت بما يقتضي الخروج عن الملة يجوز العفو عنه ويدخل تحت مشيئته تعالى إن شاء غفر له بفضله وإن شاء عاقبه بعدله مع عدم تخليده في النار، كما نطق به القرآن والسنة قال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم } فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغى بعضهم على بعض. وفي البخاري عن عمر ابن الحطاب رضي الله عنه: "أن رجلًا يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شاربًا فلعنه رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" وفي المسند للإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدواوين عند الله عز رجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبؤ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه وصلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا القصاص لا محالة. وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك". قال عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّار } ثم ان كانت الذنوب صغيرة وضابطها ما أوجب تعزيرًا فأقل فهذا يغفر بالوضوء والصلاة والجمعة والصيام ما اجتنبت الكبائر.

وإن كانت كبيرة فإن استحلت فهي كفر، وضابطها ما أوجب حدًا في الدنيا ووعيدًا في الآخرة، وإن لم تستحل فإن تاب قبل الغرغرة أو رؤية الملك قبلت التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها وإن لم يتب بأن مات مصرًا فأمره مفوّض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له. وفي صحيح مسلم من حديث المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة بر ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بقرابها مغفرة" وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم غفرت لكم".

شفاعة الرسل

(وأما قولكم والشفاعة حق وبعثة الرسل بالمعجزات حق من آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

فنقول: أما الشفاعة فقد قال أهل المعاني أنها مأخوذة من الشفع المقابل للوتر، فاستعملت في الشفيع باعتبارين:

الأول: كونه شافعًا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسئلة.

الثاني: كونه شافعًا للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها. فمن الأول قوله تعالى: { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } ومن الثاني قوله تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقوله: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } { وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ } الآية وقوله: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }.

ثم إن الشفاعة من حيث هي قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: طرفان ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة قد أثبتوا الشفاعة التي نفاها الله وذلك أنهم اتخذوا وسائط ووسائل من الخلق شفعاء لهم يسمونهم آلهة ومنه قول صاحب يس: { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } لكن هؤلاء الباقون نفوا بألسنتهم اسم الإله عما سوى الله وأثبتوا معناه في معتقدهم وقولهم الذي يسمونه واسطتهم ووسيلتهم من الخلق في تفريج كربهم وكشف شدائدهم. كما تكون الوسائط والوسائل بين السلطان ورعيته فشبهوا الحالق تعالى بالمخلوق. وصريح القرآن من أوله إلى آخره رادًا عليهم إذ السلاطين جاهلون أحوال الخلق إلا بمنبه ومفطن، والله تعالى عالم يعلم ما في السموات وما في الأرض كما أن له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والملوك عاجزون عن تدبير الخلق إلا بمعين ومظاهر والله تعالى هو المدبر للأشياء كلها { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } والملوك محتاجون إلى محرك خارجي يحركهم بالموعظة ونحوها والله تعالى لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل هو الخالق للسبب والمسبب وليس في الأسباب ما هو مستقل بل هي جميعها من الله وحده لا شريك له لا قيام لها إلا بمشيئته وقدرته، فلا حول وهى الحركة والتحول من حال إلى حال ولا قوّة كل ذلك الحلول إلا به تعالى وسواء في ذلك الحول والقوّة الموجود في السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن وسائر الدواب وغيره { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فليس لغيره ملك ولا شرك في ملك غيره ولا شريك له. وهذان الصنفان هما اللذان لهما ملك إما كامل وإما مشاع، ومن ليس له ملك فإما أن يكون عونًا للمالك كالوكلاء والإجراء والغلمان والجند والأولياء. وإما أن يكون سائلًا طالبًا منه لأنه إما أن ينفع المالك فيكون له عليه حق وإما أن لا ينفع لكن يسأله فأخبر سبحانه أنه ليس له من المخلوقات من ظهير.

وأما مسئلة الشفاعة فلم ينفها لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة له وقبل استئذان المشفوع إليه. وهكذا كقوله: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } وقوله: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } وقال: { وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى } وقال: { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره ولو كان ملكًا أو نبيًا فكيف بالمشايخ والعلماء والملوك فإن غاية الراجي لهم المعتمد عليهم أن يقول هم يشفعون لي فقد أخبر سبحانه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إلى ربه ورآه سجد وحمد بمحامد يفتحها عليه ولا يبتدئ بالشفاعة حتى يقال له: أي محمد أرفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. وبهذا تتبين الشفاعة المنفية يوم القيامة كما قال جل ذكره: { وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } وقال تعالى: { يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وذلك ان الإنسان في الدنيا يحصل ما ينفعه، تارة يكون بمعاوضة حسية، وتارة معنوية، والله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقيرًا إليه بخلاف الخلق فإنهم محتاجون إلى ظهير يظاهرهم ويعاونهم فهذه الوسائط في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك كما ليس له شريك في استحقاق العبادة بل هو المختص بها ولا تليق إلا لجلاله وعظمته فلا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع عنده غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته لاسيما إن كانت من غير إذنه فجعله يفعل ما طلب منه والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } وقال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } وقال تعالى: { مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } والآيات في ذلك كثيرة جدًا رادة على المشركين قولهم وعقيدتهم.

إنكار الخوارج والمعتزلة للشفاعة

وأما الخوارج والمعتزلة فقد أنكروا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته. بل أنكرت طائفة من أهل البدع والأهواء انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه غير الواجب باصل الشرع عنه. وأنكروا الشفاعة من أصلها محتجين بقوله تعالى: { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ } وبقوله: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } وغير ذلك.

عقيدة السلف الصالح في الشفاعة

وأما سلف الأمة وخيارها وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا" وروى حديث الشفاعة بطوله أنس بن مالك. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذك يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون" ثم ساق الحديث بطوله والشفاعة العظمى العامة هي المقام المحمود الذي جاء منكرًا في الآية لعظم شأنه قال تعالى: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } فأهل السنة والجماعة أثبتوا ما أثبت الله ورسوله ونفوا ما نفى الله ورسوله.

بعثة الرسل بالمعجزات حق

(وكذلك بعثة الرسل بالمعجزات حق) قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقد جعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان وفسره به في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر بن الحطاب والإيمان المفسر هو الاعتقاد فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وفي رواية واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } وقوله تعالى: { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } وقال تعالى: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما جاءوا به من الكتب والتوحيد ومعجزاتهم التي جعلها الله لهم علامة على صدقهم فيما يدعونه ويقولونه وما أخبروا به مما غاب عنا.

وكذلك الملائكة والكتب والأنبياء والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار. ومن كذب بشيء من ذلك بأن نفى ما أثبتوه، أو أثبت ما نفوه، فقد كذبهم وان نطق بذكرهم لسانه إذ الغرض من الإيمان بهم تصديقهم في جميع ما أخبروا به. والإيمان بجميع ما جاؤا به، والعمل بمقتضى ذلك، إذ لازم الإيمان، العمل فلا يكون بدونه ولا ينفك عنه. قال علماء السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وان الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم وقد أنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولًا محدثًا سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، والنخعي، والزهري، وابن أبي كثير، وغيرهم قال الأوزاعي: "كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا العمل). وقد دل على ذلك قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } إلى قوله { أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } وقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث الإيمان في محله بأتم من هذا ونبين الفرق بينه وبين الإسلام. والرسول عام يطلق على الملك والبشر. والنبي خاص لا يطلق إلا على البشر. وفي معالم التنزيل وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. والمذكور في القرآن منهم ثمانية عشر نبيًا، وأولو العزم منهم خمسة: محمد وإبراهيم ونوح وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم، وأوّل الرسل نوح كما قال تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم وبدأ بذكر نوح لأنه أوّل نبي من أنبياء الشريعة المرسل بها وأوّل نذير عن الشرك، وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان

أطول الأنبياء عمرًا وجعلت معجزته في نفسه لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم ينقص له قوّة ولم يصبر على أذى قومه أحد ما صبر هو على طول عمره. وأما آدم صلى الله عليه وسلم فهو نبي لا رسول إلى أمة. وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالنص والإجماع.

قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } وفي ربيع الأبرار للزمخشري عن فرقد السبخي: لم يبعث نبي قط من مصر من الأمصار وإنما بعثوا من القرى، لأن أهل الأمصار أهل السواد، والريف وأهل القرى أرق. وعن أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله من أوّل الأنبياء قال: "آدم" قال: قلت: من أول الرسل قال: "نوح" ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيتْ وخنوخ وهو إدريس وهو أوّل من خط وخاط ونوح، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى" قلت: كم أنزل الله من كتاب قال: "مائة صحيفة وأربعة كتب على شيتْ خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والزبور والإنجيل والفرقان ولم يذكر آدم".

أهل الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة

(وأما قولكم وكذلك أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة).

فنقول أما شجرة فهي شجرة كانت في الحديبية وقد أمر عمر بن الحطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة توهم أنها الشجرة التي بويع الصحابة تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها المسجد الحرام أو مسجد المدينة. وأما الصحابة المبايعون رضي الله عنهم فكان عددهم ألفًا وأربعمائة وقيل وسبعمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وستمائة وقيل وخمسمائة وعشرين وقد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحتها على أن لا يفروا من قريش وأن يناجزوهم وذلك معنى قول بعضهم:

على الموت بايعت الرسول قتالا ** فإما النصر وإما الموت بلا فرار

وكان سبب البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرًا عام الحديبية وأرسل خراش بن أمية الحزاعي لقريش يعلمهم بما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وحمل على جمل يقال له الثعلب فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فرجع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل لهم عثمان بن عفان مخبرًا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى إذا بلغ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثم حبسوه عندهم فشاع في الناس أن عثمان قتل ولم يبرح رسول الله صلى الله عليه وسلم من المكان الذي بلغه فيه الخبر حتى بايع أصحابه، ثم أتاه الخبر أن عثمان رضي الله عنه لم يقتل وأنزل الله تعالى { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } الآية. وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قال النووي في شرحه: قال العلماء معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا كما صرح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب بن أبي بلتعة، وإنما قال إن شاء الله للتبرك، وأهل بدر عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وقد قال صلى الله عليه وسلم مخاطبًا لعمر بن الحطاب: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" الحديث في مسلم قال النووي: قال العلماء معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فلو توجب على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وأقامه عمر رضي الله عنه على بعضهم قال وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مسطحًا الحد وكان بدريًا وهم أفضل الصحابة بعد العشرة.

وجوب نصب الإمام على المكلفين

(وأما قولكم الإمام يجب نصبه على المكلفين).

فنقول هذا الحد وهم إذ نصبه فرض كفاية، وحده شرعًا ما إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فهو مباين للواجب لغة، مرادف له شرعًا، إلا أن الواجب وضعه على الأعيان والكفاية على العموم. وقالت الحنفية الكفاية آكد من الواجب لأن حده ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، وهو رواية عن أحمد، وحد الواجب من حيث ما عوقب تاركه أو توعد بالعقاب على تركه. فنصب الإمام فرض كفاية يخاطب بذلك طائفتان من الناس أحداهما أهل الاجتهاد حتى يختاروا الأصلح. الثانية من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب احدهم لها ويعتبر في أهل الاختيار ثلاثة شروط. أحدها العدالة. الثانية العلم المتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. الثالث أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو الأصلح للإمامة. ويشترط فيه الحرية والذكورة والعدالة والعلم بالأحكام الشرعية والكفاية في أمر المسلمين وسياستهم وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك، ويجبر شخص متعين لها وهو كيل المسلمين فيما لهم وما عليهم ويثبت نصبه بإجماع أهل الحل والعقد، وبنص إمام بها لمن بعده لأن أبا بكر رضي الله عنه عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يحتج في ذلك إلى أحد، ويثبت باجتهاد كفعل عمر وجعله الأمر شورى بين ستة من الصحابة ويثبت بقهر كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح كل منهم لها فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصى المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، والخارج قد دخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان". وقريش إن وجدوا وتوفرت فيهم الشروط المذكورة أحق لقوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها" أخرجه الحاكم من حديث على بن أبي طالب وله شواهد أخر عنه صلى الله عليه وسلم، والمراد بالفجار الفسقة المسلمون، وإنما نصب الإمام لأن بالناس إليه حاجة الحماية لبيضة المسلمين والذب عنهم وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي نصب الإمام مصالح الدنيا والآخرة وسعادة المسلمين في الدنيا ونظم مصالحهم في معايشهم وما يستعينون به على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برًا كان أو فاجرًا يعبد المؤمن ربه.

وقال الحسن في الأمراء: ثم إنهم يلون من أمورنا خمسًا. الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وان جاروا وظلموا والله إن الله ليصلح بهم أكثر مما يفسدون. وتحرم مشاقة الإمام والخروج عن طاعته فيما ليس بمعصية، فأخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح قال: "فهل حشدتم كما أمرتكم" قالوا: نعم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا هل عقلتم هذه ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة

هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم كلامًا طويلًا ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله. فبالسمع والطاعة وصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطته في حجة الوداع فأخرج، الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فسمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله وان أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله" وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم" وفي رواية أخرى: "يا أيها الناس أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم" وذكر الحديث بمعناه وفي المسند للإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئًا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبًا وسمع وأطاع فله الجنة أو دخل الجنة" وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه.

الإمام الحق بعد الرسول أبو بكر ورد قول الرافضة

(وأما قولكم والإمام الحق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر).

فنقول: قد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سئلت عمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفًا لو استخلفه قالت: أبو بكر فقيل لها: من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا يعني وقفت على إلى عبيدة، وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ادع لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ففي الحديث الأول دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته صريحًا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمًا لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أوّلًا، ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أوّلًا ولم يكن هناك نص. ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم في زمن علي، وأول من كذبهم في شأن علي رضي الله عنه قوله ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة الحديث، ولو كان عنده نص لذكره، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحدًا ذكره له. وفي الحديث الثاني دلالة ظاهرة لأهل السنة بفضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه واخبار منه صلى الله عليه وسلم بما سيقع في المستقبل بعد وفاته وبأن المسلمين يأبون عقد الحلافة لغيره وفيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع ووقع كل ذلك وقد عجز النبي صلى الله عليه وسلم عن حضور الجماعة فاستخلف الصديق غير مرة بل مرات متعددة، وتقديمه في الإمامة الصغرى دليل على تقديمه في الكبرى. وقد قيل لعلي كرم الله وجهه عن ذلك فقال: قد كنت ادخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج وشعري قد ملأ وجهي فلا مرة من المرات إذا تخلف قال لي صَلِّ بالناس بل يقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فرجل رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وخلافة عمر رضي الله عنه ثبتت بنص من أبي بكر (ثم عثمان بن عفان) رضي الله عنه وكان نصبه باجتهاد من الصحابة واتفاق من ذوي الشورى الذين عهد إليهم عمر رضي الله عنه في المشاورة في أمر الإمامة، وقد رضي علي بها له واطمأنت نفسه فلم يخالف ولم ينازع (ثم علي) بن أبي طالب رضي الله عنه بعد خلافة عثمان.

الأفضلية على ترتيب الخلافة

قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله تعالى: اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض فقالت فرقة لا يفاضل بل يمسك عن ذلك. وقال الجمهور بالتفضيل. ثم اختلفوا فقال أهل السنة والجماعة أفضلهما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقالت الخطابية أفضلهم عمر بن الحطاب رضي الله عنه، وقالت المراوندية أفضلهم العباس رضي الله عنه. وقالت الشيعة علي رضي الله عنه، واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما. وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم علي على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان رضي الله عنه. قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان وفي قول عطاء ومحمد بن كعب أهل بدر. وذهبت طائفة منهم ابن عبد البر إلى أن من توفي من الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ممن بقي بعده. وهذا القول غير مرضي ولا مقبول.

واختلف العلماء في أن تفضيل المذكور قطعي أم لا. وهل هو في الظاهر والباطن، أم في الظاهر خاصة، بعد الاتفاق على أن جميعهم في الجنة بالنص القطعي من النبي صلى الله عليه وسلم. وممن قال أنه قطعي أبو الحسن الأشعري قال وهم في الفضل على ترتيبهم في حديث العشرة والإمامة. وممن قال أنه اجتهادي ظني أبو بكر بن الباقلاني. وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن الفضل هل هو في الظاهر، أم في الظاهر والباطن جميعًا.

وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة رضي الله عنهما أيتهما أفضل. وفي عائشة وفاطمة رضي عنهن أجمعين. وحقيقة القول فيه أن عائشة أفضل من جهة العلم، وفاطمة أفضل من جهة الذات فإنها بضعة من أفضل الحلق.

فأما عثمان رضي الله عنه فخلافته صحيحه بالإجماع وقتل مظلومًا وقتله الفسقة لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه ما يقتضيه ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة وإنما قتله همج من الناس ورعاع في غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأراذل تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه.

وأما علي رضي الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع. وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره. وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنهم. وأما الحروب، التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة فاعتقدت تصويب نفسها بشبهها القائمة في ذهنها وكلهم عدول رضي الله عنهم. ومتأولون في حروبهم وغيرها ولا يخرج بشيء من ذلك أحد منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم وليعلم أن سبب تلك الحروب ان القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:

(قسم) ظهر لهم الاجتهاد أن الحق في هذا الطرف. وان مخالفهم باغ فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقادهم.

(وقسم) عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.

(وقسم ثالث) اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها فلم يظهر لهم ترجيح أي الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حق هؤلاء لأنه لا رجحان ولا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأنه الحق لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه، فكلهم عدول رضي الله عنهم ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين.

عدم تكفير أحد من أهل القبلة

(وأما قولكم ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة إلا بما فيه نفى للصانع القادر العليم أو شرك العليم أو إنكار ما علم مجيئه صلى الله عليه وسلم به ضرورة أو إنكار لمجمع عليه كاستحلال المحرمات التي أجمع على حرمتها).

فنقول: أهل القبلة هم الموحدون الله تعالى في عبادته ومعاملته كما أمرهم بجعلهم الدين الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه كله لله وحده لا شريك له، فهم فيه لله مستسلمون ومنقادون، ولما أحل الله ورسوله محللون، ولما حرم الله على لسان رسوله محرمون، وعما ينافي الإسلام تاركون، قال سبحانه وتعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا أكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" فقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوا هذه الكلمة الطيبة ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله فلا تتأله قلوبهم غيره تعالى وحتى يؤدوا حقها ومنه أن يصلوا الصلاة المفروضة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته المضافة إلى الموصوفين منهم بأتباعه، وهي لا تضاف إليهم إلا أن تكون طيبة أي صالحة بصلاح شروطها وأركانها وواجباتها إذ الطيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن يؤدوا الحق الواجب في أموالهم، وأن يستقبلوا قبلتهم، وأن يأكلوا ذبيحتهم، وهذه الإضافة في الصلاة والقبلة والذبيحة للتشريف شرف الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وشرف ملته الحنيفية ودينه الإسلام، فجعل منه تلك الصلاة التي فيها كمال العبودية والتواضع لله تبارك وتعالى، وجعل منه هذه القبلة المشرفة فهي قبلتهم في الصلاة وغيرها أحياء وأمواتًا، وأحل ذبيحتهم وجعل أكلها علامة الإيمان، وذلك لشرفهم وشرف ملتهم ودينهم وهديهم، والمستوجبون لذلك معصومة دماؤهم وأموالهم لإتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم في دينه وملته، فليس أهل القبلة إلا من عمل بمعنى الشهادتين اللذين هما رأس دين الإسلام وملته وقوامه، وصفته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله قولًا وعملًا واعتقادًا، فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الالوهية له سبحانه وتعالى فلا يتأله القلب ولا اللسان غيره تعالى لا بحب ولا خشية ولا إنابة ولا توكل ول ارجاء ولا إجلال ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال عز من قائل: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فإذا جعل بعض الدين قولًا وعملًا واعتقادًا لله، وبعضه كذلك لغيره لم يكن الدين كله لله بل قد تأله معه غيره، فأهل القبلة يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } وأهل القبلة يخلصون الدعوة لله، والمشركون يجعلونها لغير الله، كما قال تعالى: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ }.

والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن تصديقه صلى الله عليه وسلم في جميع ما أخبر به وطاعته واتباعه في كل ما أتى وأمر به، فما أثبته واجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، فروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وروى أيضًا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يتيقنها قال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان قالوا فالدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد مفرق بين الناس أي مميز بين مؤمنهم وكافرهم. فأهل القبلة هم أهل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد لله وحده وترك جميع الآلهة سواء، وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإخلاصها له فمن استسلم وانقاد لله ولغيره في معناها فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، فلفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص أخذًا من قوله: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فأهل القبلة هم العابدون الله بدين الحق المتبع لا بهوى النفوس والبدع.

التوحيد وما يتعلق به

(فمن الأول) قوله تعالى: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } يعني من الشرك وما سواه من الأديان فليس بدين الله المأمور به، بل هو عين ما نهى الله عنه قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بمعناها وبحقوقها (ومن الثاني) اتخذوا من دونه شفعاء يعتقدون بهم ويتقربون بشفاعتهم كما قال عز من قائل: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } يعني ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى اسم أقيم مقام المصدر كأنه قال إلا لتقربنا إلى الله تقريبًا (ومعنى العبادة) في اللغة: الذل والانقياد كما قال أهل المعاني (وأما معناها) حقيقة: فهي ما كان مختصًا لله لأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ولذلك توعد سبحانه هؤلاء الذين جعلوا حقه لغيره بقوله تعالى: { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يعني بين المتفرقين من أهل الأديان فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، كل يقول الحق ديني فهم مختلفون وحكم الله بينهم أن يخلد في النار من لم يتبع كتاب الله بل نبذه ورغب عنه باتباع هواه ولا يتدين بدين رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم إلى طريق النجاة فقال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } في زعمه ان معتقده يشفع له، كفار في اتخاذه أولياء من دون الله أو معه ليشفعوا له ويقربوه، فالدين المأمور بالإقامة عليه واحد وهو دين الإسلام الذي بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وجملة من الأنبياء لم يختلفوا في أصله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء أخوة العلات" وإنما تنوعت شرائعهم فيه كتنويع القبلة في وقتين فإنه قد كان في وقت يجب استقبال الصخرة التي في بيت المقدس في الصلاة وذلك بعد هجرته صلى الله عليه وسلم فصلى إليها بضعة عشر شهرًا ثم بعد ذلك وجب استقبال الكعبة، فهذا التنوع الذي كان بين الأنبياء لا يوجب اختلاف الملة، وإنما يوجبه من لم يفرق بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان قال سبحانه وتعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي هذه ملتكم دينكم الإسلام ملة واحدة فلا تتفرقوا عنها، وأنا ربكم أي معبودكم الذي خلقتكم وأمرتكم بعبادتي وإخلاصها لي وحدي، فاتقون لا تشركوا بي شيئًا بل احذروا عقابي، خطاب لهم وقصد لغيرهم وقال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فأهل القبلة لله مخلصون وفي الدين متفقون، وأهل الإشراك عن الحق معرضون وهم متفرقون قال تعالى: { وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } ولذلك خلقهم فأهل الرحمة هم أهل القبلة لأنهم فيما شرع الله متفقون، وفيه مجتمعون وعليه واقفون وبه آخذون، فهم فيما أمرهم الله ورسوله به عاملون، وعلى ما يرضى الله ورسوله مقتصرون، وعما لم يشرعه الله متحادون.

وأما من نبذ القرآن وراءه فلم يعمل بما أنزل لأجله فليس من أهل القبلة بل من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون وان تلاه بلسانه تلاوة وهو يتدين بشرك كما يتدين به الأولون وتنسك به المتحادون، ومجرد تلاوة القرآن بلا عمل فيما هو الموجب لإنزاله من التوحيد لإله كل العبيد وانحاز عن منافيه من الشرك الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه والتجريد لا تخرجه تلك التلاوة عن ملة الأولين قال سبحانه وتعالى: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ } ولهذا يوجد ما أحدث من الشرك والبدع قد تفرق فيه أهله فكان لكل قوم منهم معتقد يعتقدون فيه دفع الضر وجلب الخير يهتفون باسمه عند نزول الشدة نائيًا كان المعتقد أو ميتًا، فكل منهم يدعو معتقده ليكشف عنه شدته ويفرج كربته ويجلي غمه، فالموحدون لله وحده لا شريك له العاكفون على توحيده من إخلاص الدعوة له هم أهل القبلة قال تعالى: { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص } وضدهم هؤلاء المشركون العاكفون على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ويتخذونه من تلك المعتقدات في الأحياء الغائبين والأموات يشركون به في عبادة الله ومعاملته فيرجونه يفرج كربتهم ويكشف شدتهم راغبين راهبين منيبين إليه متوكلين عليه أو ليكن شافعًا لهم عند الله في قضاء مطالبهم، فقد عطلوا توحيد الله تبارك وتعالى في ألوهيته وصمديته بإشراكهم معه في عبادته ومعاملته وبجعلهم الدين لغيره، ونفي الصانع القادر لم يقل به أحد من المشركين الذين كفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم، فإن المشركين الأولين لم يكن أحد منهم يقول ان العالم له خالقان بل ولا يقولون إن الله له إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا مقرين بأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم في قوله: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } وقوله: { قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } وقوله: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } وقوله: { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، كما يقول هؤلاء المشركون الذين لمشاكليهم مقتفون إن هؤلاء الذين اعتقدناهم ودعوناهم ورجوناهم هم وسائلنا ووسائطنا إلى الله فإنه فوض إليهم وأعطاهم فلهم ما يشاؤن ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومنهم من يصرح بقوله وهم في الكون يتصرفون فوبخهم الله تعالى وذمهم ولامهم وضرب لهم الأمثال في ذلك فقال عز من قائل: { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } الآية ولكن تتأله قلوبهم وألسنتهم إما نبيًا أو وليًا أو ملكًا أو غيرهم مما يصورونه على صورة أحد هؤلاء يتخذونه واسطة تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } وقال تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } الآية وقال تعالى: { وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

فقد قطع الله تعالى بهذه الآيات جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعًا قطعًا يعلم من تأمله ويحقق من تدبره أن من اتخذ من دون الله وليًا أو شفيعًا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فمن استمسك بغير الله في حال شدته وكربه وغمه فدعاه ورجاه بما لا يقدر عليه إلا الله فليس في يده ممن استمسك به سواه تعالى إلا كمن يستمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علم المستمسك هذا الحال لما اتخذ من دون الله وليًا ولا شفيعًا، وهذا بخلاف أهل القبلة فإنهم لله مخلصون وله في العمل مستسلمون ومحسنون وفي إتباع ما جاء من الله على لسان رسوله منقادون وبالله معتصمون وبالعروة الوثقى مستمسكون وهي العقد الوثيق المحكم في الدين التي لا انفصام لها لقوتها وثباتها وهي الكلمة الطيبة لا إله إلا الله قال تعالى: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } والطاغوت كل باطل ليس من الدين وكل ما طغى من شيطان جني أو أنسي وكل عبادة ليست لله فهي باطلة، فالمشرك إنما يتخذ أحدًا غير الله لما يحصل له في زعمه من النفع وهو لا يكون إلا فيمن كانت فيه خصلة من أربع: إما أن يكون مالكًا لما يريد متخذه، فإن لم يكن مالكًا كان معينًا، فإن لم يكن كان ظهيرًا، فإن لم يكن كان شفيعًا، فنفى سبحانه وتعالى هذه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا منتقلًا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك عن غيره والشركة والمظاهرة والشفاعة التي لأجلها وقعت المخالفة والعداوة والمخاصمة، وأثبت سبحانه شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه في قوله سبحانه وتعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الآية وإنما ذكر ذلك تعالى لأنهم دعوا الملائكة دعاء عبادة لشفاعتهم لهم، قاله المفسرون فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك، وكافية لمن عقلها على أن القرآن مملوء بأمثالها ونظائرها، ولكن الغفلة والجهل هما المؤديان إلى فهم قصور العام على السبب، فالأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، ولم يميز بين ما عابه القرآن وذمه، وبين ما أنزل لأجله ودعا إليه، فَصَوَّب المستقبح وحَسنَّه، وهو لا يعرف حقيقة وصفه. وإنه الذي كان عليه الجاهلية أو نظيره أو أسوأ منه أو دونه فتنقض عرى الإسلام بذلك ويعود المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وهذا بعينه مشاهد، فإنه قد آل الأمر إلى الشك بالشرك والتدين به في اتخاذ الوسائل والوسائط من الأولياء والأنبياء بل والشياطين من الجن والإنس المعاندين والأشجار والنيران والقبور يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم وينسكون النسك لهم راغبين إليهم راهبين منهم ويستدلون على جواز ما اعتقدوه وفعلوه بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } وإلى فعل الولايات لقبض النذور على الأموات لدفع ما حل من البلايا والمصيبات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات، وتنحر في باب قبته النحائر من الأنعام للتقرب إليه ورجاء ما لديه، فهذا بعينه هو الذي كان عليه عباد الأصنام. وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عقر في الإسلام" قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.

فكل ما تقدم مما ذكرنا داخل في معنى لا إله إلا الله التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوها ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله قولًا وعملًا واعتقادًا. وأما حقها فقد جعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه فعل الصلاة وإيتاء الزكاة منه، ومن العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج. واستدلوا بحديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فعد منه هذين الركنين فمن لم يقوّمهما مع القدرة عليهما لم يأت بالإسلام، إذ أركانه لا يقوم بعضها ولا ينوب عن بعض. واستدلوا أيضًا بحديث أبي بكر حين بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس وبقول عمر لو ترك الناس الحج لقاتلناهم عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليًا يوم حنين فأعطاه الراية وقال: "أسر ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار على ما شاء الله ثم وقف فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس فقال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية "إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل" فجعل من حقها الامتناع من الصلاة والزكاة مع الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم. ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من اقام الصلاة وإيتاء الزكاة قوله تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وقوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } وقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا لم يفر حتى يصبح فإن سمع مؤذنًا وإلا أغار عليهم. وكان يوصي سراياه إذا سمعتم مؤذنًا أو رأيتم مسجدًا فلا تقتلوا أحدًا. قال العلماء: معنى ذلك والمقصود فيه إذا أظهر قوم توحيد الله والقيام بشرائعه وجب الكف عنهم، لأن فعلهم ذلك دليل على إسلامهم. ثم إن أظهروا منكرًا ينكره الشرع ولم ينتهوا عنه إلا بقتال فللإمام قتالهم كما لو تركوا فرض كفاية فيقاتلهم على تركه. ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتل الرجل الذي أظهر الإسلام ظانًا أسامة أنه إنما قال الشهادتين والسلام خوفًا، وأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا } الآية فإنه لم يدع الإسلام قبل ذلك؛ ثم انه قد قاله وصدر منه بلا وجود مناف له لا في معناه ولا فيما هو حق له، ولهذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتثبت لذلك. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا فيه: "من محمد النبي إلى أهل عمان - وكان بعضهم يدعي الإسلام- سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" أخرجه البزار والطبراني وغيرهما فهذا يدل على أنه كان يغير على الداخلين في الإسلام إذا لم يمتثلوا أمر الله ولم يقوموا بشرائعه فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوّموا الشرائع كف عنهم وإلا لم يمتنع عن قتالهم. وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن إلى هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه كفر من كفر من العرب فقاتلهم على الإسلام وقاتل أناسًا يدعون الإسلام قد امتنعوا من أداء الزكاة قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" فقال أبو بكر رضي الله عنه: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالًا كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال له عمر رضي الله عنه: فوالله ما رأيت إلا أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقه" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين ومنع حقهما جائز، ومن حقهما أداء حق المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكًا بعموم ألفاظ وردت وليست حال الأمر على ذلك، ثم ان عمر رضي الله عنه رجع إلى موافقة أبي بكر رضي الله عنهما. وقد خرج النسائي قصة توافق مناظرة أبي بكر وعمر بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر رضي الله عنهما: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ليأتوا بذلك كله". وخرجه ابن خزيمة في صحيحه وإنما قال أبو بكر لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، أخذًا والله أعلم من قوله إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام، فجعل من حق الإسلام فعل الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لارتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى من قوله إلا بحقها وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على ان من ترك الصلاة فإنه يقاتل لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة فإنها حق المال، وهذا فيه إشارة إلى أن تارك الصلاة قتاله أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلًا لقتال مانعي الزكاة مقيدًا عليه وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر، وإنما أخذه من قوله إلا بحقها فكذا الزكاة فإنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام، ويستدل أيضًا على قتال تاركي الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع" فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم قال: " لا ما صلوا" وحكم ترك سائر أركان الإسلام أو واحد منها أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. فروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. قال سعيد بن جبير قال عمر بن الحطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع من الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال: "لعله يكون مصليًا" فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق قلوبهم" وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي بن الخيار: (أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" قال: بلى ولا شهادة له قال: "أليس يصلي" قال: بلى ولا صلاة له قال: " أولئك الذين نهانا الله عز وجل عن قتلهم"، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي فدل على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين فدل على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تارك الصلاة إذا كان واحدًا يحبس حتى يموت وتقاتل الجماعة. وأما قتل الرجل الواحد الممتنع عن أداء الزكاة والصوم والحج مع القدرة فعن أحمد والشافعي ومالك أنه يقتل تارك الزكاة وهي الرواية المشهورة عنهم ويستدلون بحديث ابن عمر "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث وأما الصوم فقال أحمد ومالك في رواية عنه: يقتل بتركه واستدلا بما روى ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: "أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصوم فهو كافر حلال الدم" قال الشافعي في رواية عنه وأحمد في الرواية الأخرى لا يقتل الواحد بل يؤدبه الإمام بالحبس والضرب على ما يرى حتى يصوم واستدلا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وغيره مما في معناه فإنه ليس فيه ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم لم يجيء فيه شيء، وهذا والله أعلم قبل أن يثبت عنده حديث ابن عباس فقد رواه ابن الجوزاء عن ابن عباس قال: ولا أحسبه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم شهر رمضان من ترك منهن واحدة فهو كافر حلال الدم" ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن ابن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا وقال من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده. وأما الحج إذا تركه رجل واحد مع القدرة عليه فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعض أصحابه رواية قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره مع غلبة ظنه على موته في ذلك العام، فأما من أخره معتقدًا أنه على التراخي كما يقوله بعض العلماء فلا قتل في ذلك وقد روي عن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على من لم يحج، وقال ابن عيينة المرجئة يسمون ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم وان ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج وقال: قد روي عن عمر ضرب الجزية على من لم يحج وقال ليسوا بمسلمين ولا إله إلا الله مفتاح الجنة وحقها أسنانه ولا مفتاح إلا بأسنان رواه البخاري عن وهب بن منبه ولفظه: (قال البخاري: قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح).

(وأما استحلال) المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا معاند للإسلام ممتنع من التزام الأحكام غير قابل للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وذلك كما لو جحد حل بهيمة الأنعام أو غيرها مما أحله الله في كتابه ورسوله أو في سنته مما لم يجر فيه اختلاف بين الأمة، بخلاف حل النبيذ ونحوه من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين العلماء فلا تكفير بذلك، أو جحد أمرًا مجمعًا عليه قال بعضهم: إجماعًا قطعيًا لا شبهة فيه ولا تأويل ولذلك لم يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم قاتل أفضل الخلق في وقته ولا بكفر مادحة عمران بن حطان حيث قال:

يا ضربة من تقى ما أراد بها ** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يومًا فأحسبه ** أوفى البربة عند الله ميزانا

وقدر عليه في ذلك فقيل:

يا ضربة من شقى لم يزل أبدًا ** بها عليه إله الخلق غضبانا

إني لأعلم أن الله جاعله ** أوفى البرية عند الله خسرانا

وكذا قد اختلف العلماء في كفر الخوارج الذين قتلوا الموحدين وأخذوا أموالهم بالتأويل مثل قوم ذي الحويصرة التميمي فإن من الفقهاء من لم يحكم بكفرهم لادعائهم وتأويلهم في نصرة دين الله والاجتهاد فيه وفي إظهاره طالبين المصلحة في ذلك.

الاعتقاد المكفر أقسام

(وأما قولكم ثم الكفر كفران كفر اعتقاد كفر عمل فكفر الاعتقاد حكمه قتل مرتكبه وسبي ذراريهم ونهب أموالهم وهؤلاء الذين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى التوحيد ولا يدفع عنهم هذا الحكم ويعصمهم إلا الإقرار والاعتراف منهم بالشهادتين وبكل ما علم بالضرورة مجيئه صلى الله عليه وسلم به) فنقول الاعتقاد المكفر أقسام (منها) قدم العالم وبقاؤه والشك في ذلك (ومنها) تناسخ الأرواح وانتقالها من شخص في شخص أبد الأبد (ومنها) إثبات شريعة غير الشريعة المحمدية وان للشريعة باطنًا لا يعلمه العلماء ولها ظاهر وهي خيالات يقولون بها ويعملون (ومنها) ان ظواهر الشريعة وأكثرها ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون في الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها مفهوم خطابها وإنما خوطب بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم (ومنها) خلق القرآن (ومنها) التكذيب بالشفاعة التي أثبتها الله في كتابه والصراط والميزان (ومنها) خيانة الأمين جبريل عليه الصلاة والسلام وأن المبعوث أولًا علي بن أبي طالب أو أن عائشة لم يبرئها الله (ومنها) مجالسة الله تعالى لبعض خلقه في الدنيا وحلوله في الأشخاص (ومنها) تجويز الكذب على الأنبياء أو تكذيبهم فيما أتوا به أو أنهم كتموا منه شيئًا (ومنها) القدح في كلام الله من كونه سحرًا أو شعرًا أو منسوخًا جملة (ومنها) نسبة الصاحبة والولد إليه سبحانه وتعالى (ومنها) اعتقاد الذين اتخذوا من دون الله أولياء لينصروهم ويشفعوا لهم ويقربوهم كالذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والذين قال الله فيهم: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا } الآية وقال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ } الآية وقال تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } الآيتين وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } الآية وكل هذه الفرق من أصحاب الاعتقادات المتقدمة كفار بإجماع المسلمين والذين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم يدعوهم إلى التوحيد فأبوا وامتنعوا فجاهدهم لكفرهم وعنادهم، وأنزل القرآن بسبب اعتقادهم لم يكونوا يعتقدون في معتقداتهم كشف ضر أو جلب نفع بل إنما قصدهم رضا رب العالمين والقرب إليه والتحصيل لما لديه. لكن ضرهم جهل لكيفية الموجبة لحسن الماهية التي يكون بها التعبد أجل مطلوب مقربًا إلى المحبوب قال تعالى: { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكانوا إذا جاءتهم الشدة أخلصوا الدين لله وحده قال تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الآية وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } وقال تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } الآية والمتخذون وليًا ونصيرًا من دون الله أو معه من أهل هذا الزمان اعتقادهم أسوأ وأشد جناية ممن نزل القرآن بسبب اعتقادهم وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجهادهم فان من تأمل أحوال هؤلاء المشركين الذين يرجون من معتقداتهم كشف الشدائد وتفريج الكربات ودفع المضار وقضاء المطالب والدعوات وتيسير الحاجات التي لا يقدر على كشفها وتفريجها ودفعها وجلبها إلا الله رب العالمين من سلامة غائب وعافية مريض ورزق وتحميل عقيم مع أحوال مشركي الأوّلين علم يقينًا ان بينهم مباينة كلية في اعتقاد الضر والنفع، ومجانسة حسية في انخاذ تلك المعتقدات للشفاعة وقضاء الحاجات، والأولون وان تفرق اعتقادهم وتنوع بما ينسبونه لله، تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا أجناسهم فليس وجود هذه الأجناس من الخبائث المتقدمة وإجتماعها شرطًا في إثبات حكم الله ورسوله من القتل والسبي وخلود النار، هذا لم يقل به عالم من العلماء بل وجود واحد منها كاف، فإنه لم يقل أحد بأن الكفر الاعتقادي لا يحكم به على المعتقد إلا إن اعتقد إجتماع الصاحبة والولد مع وجود معين يعاونه وظهير يظاهره وشريك يستحق معه وشفيع عنده بلا إذنه. بل اتفق العلماء قاطبة على أنه لو وجدت من ذلك خصلة لكفت في الحكم عليه إلا أن الأولين اشد حذقهم ومعرفتهم معنى الإله وموضوعه فإنه عندهم، كل مألوه ومتأله أبت قلوبهم أن تنفر ما تألهته لتتقرب إلى الله وتنال بهم رضاه، ونفي الإله غير الله باللسان مع العكوف عليه في الاعتقاد والجنان يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويقصده ليتقرب بشفاعته إليه لا يوجب نفيه حقيقة، والإيمان بالقرآن قول باللسان واليوم الآخر بالجنان، وفعل الصلاة والصوم وسائر الأعمال يشترط لصحتها وجود التوحيد والإسلام. والشرك الأكبر في القول والعقيدة منافيًا للشهادة برسالة المبعوث بالمحجة البيضاء والفرقان، وشهادة أن محمدًا رسول الله لا تغني عن شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه الشهادة لا تصح ولا تعصم مع التأله مع الله. فبهذا الاعتقاد حصلت الخاصمة والعداوة ولأجله حصل التمييز بين الفرقة الناجية والهالكة، وشرع الجهاد لدحضه مع سائر الفساد فيعبد الله وحده وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ونحن لم نجاهد ونعاد ونوال إلا في ذلك، ولم يجر بيننا وبين الخلق اختلاف في سائر المحرمات ووجوب إزالتها في أصل الدين الذي هو منهاج المرسلين وصراط رب العالمين الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله فلا يكون لسواه ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، مع إزالة سائر الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها استحلال ما حرم الله كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو إثبات ما نفى الله، أو نفي ما أثبت، أو تحريم ما أحل الله كالزينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وكعمل أهل الجاهلية من البحائر والسوائب معتقدًا لحلها، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح منه فلذلك مدح نفسه".

وكما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضًا بالقول كسب الله أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء به قال تعالى: { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } وبالفعل أيضًا كإلقاء المصحف في القاذورات والسجود لغير الله ونحوهما. وهذان وان وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل مغلبان عليها لظهورهما وإسلام أهل العقائد المكفرة والرجوع عنها والبراءة منها مع تجديد الشهادتين وإخلاص الألوهية لله وحده قولًا وعملًا واعتقادًا فلا يدين الله إلا بذلك ولا يرضى إلا به من نفسه وغيره مع الإيمان بجميع الرسل ومعجزاتهم وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتمهم وأفضلهم مع الإيمان بما تضمنه قوله سبحانه وتعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ } الآية وكذا أولياء الله والترضي عنهم والإقرار بكراماتهم لا عبادتهم واتخاذهم في جلب النفع ودفع الضر اللذين لا يقدر على جلبهما ودفعهما إلا الله تبارك وتعالى ولا إثبات الشفاعة التي نفاها الله في كتابه أو نفي ما أثبتها فيه، بل لابد من إثبات ما أثبته الله مها ونفي ما نفاه. وكذا المستحل لما حرم الله، والمحرم لما أحل، يحتاج مع الإتيان بالشهادتين إلى تحليل الحلال وتحريم الحرام، فيثبت ما أثبت الله وينفي ما نفاه، ومن حكم عليه بإسلام فسب الله أو رسوله أو دينه فهل تقبل توبته ظاهرًا على قولين للعلماء. ففهم من قال تقبل توبته وهو أصح قولي الشافعي ومن وافقه، ومنهم من لا يقبلها وهي الرواية المشهورة عن أحمد، وكذا الخلاف فيمن تكررت ردته والزنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والكافر الأصلي تقبل توبته قولًا واحدًا، وإذا لم يتب حكمه القتل وسبي الأهل والأولاد، والمرتد يستتاب على الأصح فإن تاب وإلا قتل، وما له فيء إلا في حالة الحرب، وإذن فيجب على الإمام قتالهم وغزوهم لفعل الصحابة رضي الله عنهم، وما أخذ منهم في حالة الحرب فهو غنيمة وإذا علمت الدعوة فلا يلزم الإمام تجديدها قبل الغارة بجيشه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده.

تارك الصلاة كافر وإقامة الدليل عليه

(وأما قولكم وكفر العمل هو الكفر بإتيان الكبائر وارتكابها كما ورد في تارك الصلاة انه يكفر بتركه إياها أخرجه مسلم في صحيحه وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه أهل السنن وصححه الترمذي، ومن حديث بريدة بن الحصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" أخرجه الطبراني وقال الإسناد صحيح على شرط مسلم، ومن حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" وفي هذا الباب أحاديث كثيرة يسمي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة عمدًا كافرًا).

فنقول: أما الكبائر من الذنوب فقد تقدم كلامنا فيها ويأتي له إن شاء الله تتمة.

وأما الصلاة فهي لغة: الدعاء بخير قال تعالى: { وَصَلِّ عَلَيْهِم } أي ادع لهم، وعدي لتضمنه معنى الإنزال أي انزل رحمتك عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائمًا فليصل" وشرعًا: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، ولا يرد عليه صلاة الأخرس ونحوه لأن الأقوال فيها مقدرة، والمقدر كالموجود، وهذا التعريف باعتبار الغالب فلا يرد صلاة الجنازة وسميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، وقيل لأنها ثانية الشهادتين، كالمصلي من خيل الحلبة، واشتقاقها من الصلوين وأحدهما صلى كعصى وهما عرقان من جانبي الذنب، وقيل عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وفرضت ليلة الإسراء. أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أنس كانت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بسنة والأول هو المشهور عند الأكثر، وكان في رجب وقيل في رمضان والأول هو الصحيح، وترك الصلاة كفر عملي يشترك فيه عمل القلب والجوارح كالاستهانة بالمصحف وقتل الأنبياء لا ككفر سائر أعمال المعاصي التي لا تخرج عن الملة كما توهمه صاحب المقدمة لأن عمل القلب هو ومحبته وانقياده للأوامر باق على حاله وإنما غلب عليه إفراط الشهوة وران الغفلة ولعله أن يكون مستدلًا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان منه من العمل" أخرجاه في الصحيحين وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وهو رديفه على الرحل: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اله وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشرون قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته. متفق على صحته. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قبله" رواه البخاري وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية في القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: "دعوت لأمتي وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة" فقال أبو ذر: أفلا أبشر الناس قال: "بلى" فانطلق فقال عمر: إنك ان تبعث إلى الناس يتكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع" وبالآية: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } رواه الإمام أحمد في مسنده، وفي المسند أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا وديوان لا يترك منه شيئًا وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبأ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا القصاص لا محالة، وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } " وفي المسند أيضًا عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" وفي المسند أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوّع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" رواه أهل السنن وقال الترمذي: حديث حسن وبما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي لفظ آخر: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " وفي الصحيح قصة عتبان بن مالك وفيها أن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، وفيه فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط" وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مدّ البصر ثم يخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في بطاقته غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم يخرج له صحائف حسناته فتوزن بسيئاته، ويكفي في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط إذ لو كان كافرًا لكان مخلدًا في النار غير خارج منها، فظاهر هذه الأحاديث المنع من تكفير تاركها وتخليده في النار والوجوب له من الرجاء ما يرجى لسائر أهل الكبائر، ولأن الكفر جحود التوحيد والاستهزاء به ومعاداته ومشاقة أهله ليرجعوا عنه وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول عنادًا وهذا مقر بالوحدانية عامل بها شاهد أن محمدًا رسول الله مؤمن بالله وبما جاء عن الله ومن أنه تعالى يبعث من في القبور، فكيف يحكم بكفره. والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل أم كيف يحكم للمصدق بحكم المكذب.

(الجواب عن ذلك كله) إن رواة هذه الأحاديث التي قد يستدل بظاهرها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم تكفير تاركها بأعيانهم وهم أعلم بمعناها من غيرهم قال أبو محمد ابن حزم وغيره من الأئمة الأعلام إن كبار الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا، ويحكمون عليه بالردة. منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الحطاب وابنه عبد الله وابن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وغيرهم من سائر الصحابة: (أن من ترك صلاة فرض واحد متعمدًا حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد قالوا ولا يعلم لهؤلاء مخالف من الصحابة وممن ذهب إلى تكفير التكفير المذكور من غير الصحابة أحمد بن حنبل والشافعي في أحد روايتيه وهي المشهورة عند بعض أصحابه وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين كلهم قد قال بكفر تاركها وأنه ليس من أهل الإسلام بل يقتل كفرًا وما له فيء ما لم يتب. وتلك الأحاديث المتقدمة أعني قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " ونحوها جميعها محمولة عند من تقدم ذكرهم على عدم المحافظة عليهن في وقتهن مع الإتيان بهن بعد، بدليل الأحاديث الواردة وفي تركها بالكلية فإنها مقيدة وتلك مطلقة والمطلق يحمل على المقيد إذا أمكن الحمل ولم يوجد نسخ، ولذلك لم يأخذ رواة تلك الأحاديث المطلقة ولا غيرهم من الأئمة الأعلام بظاهرها في عدم تكفير تاركها بل حملوها على الآيات والأحاديث المقيدة الآتي بيانها. وأما إخراج الله من النار من لم يعمل خيرًا قط بل كفى عن العمل وجود أدنى إيمان في قلبه وإقرار بالشهادتين في لسانه فهو إما لعدم تمكنه من أداء ما افترض الله عليه من أركان الإسلام بل بمجرد أدنى إيمان في قلبه وشهادة بلسانه خرمته المنية لكنه قد عمل عملًا مفسقًا به لوجود ما صدر منه عالمًا به فاستحق دخول النار عليه وإما لكونه نشأ في مكان قريب من أهل الدين والإيمان فلم يعلم ما أوجب الله على خلقه من تفاصيل الدين والإيمان والإسلام وأركانه، بل جهل ذلك ولم يسأل أهل الذكر عنه، فإن الله أوجب على خلقه المكلفين التفقه في الدين وان لم يحصل إلا بقطع مسافة كثيرة غير معذور بهذا الجهل إذ مثله لا يجهل ذلك لقربه من المسلمين فيعاقبه الله على ترك تعلم ما أوجب الله عليه، ولهذا لا يخلد في النار إن لم يوجد منه مناف للإسلام من إنكار أمر علم من الدين ضرورة ولم يمتنع من إجابة إمام المسلمين إذا دعاه لتقويم أركان الدين بل هو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر لا ينكر منه شيئًا وبأركان الإسلام كلها، لكنه جهل تفاصيل ذلك وأحكامه وما يجب عليه منه، والإيمان يتفاوت ويختلف بحسب أحوال الخلق فمنهم من إيمانه كالجبال الراسيات بحيث لا يزحزحه مزحزح فيزيد إلى ما لا نهاية له، ومنهم من ينقص إيمانه حتى ينتهي إلى مثقال الذرة. فالأول سببه الطاعة والعلم والتفكر في مصنوعات الله، والثاني سببه المعاصي والجهل والغفلة والنسيان. وهذا السبب الثاني لا يوجب الخلود في النار حيث وجد الإيمان وما استطاع عليه من أركان الإسلام لكن لجهله أو غفلته أو نسيانه أو معاصيه وهن إيمانه، ولا يلزم من وهنه عدم فعل الصلاة وسائر أركان الإسلام مما يقدر عليه، بل قد يفعلها وإيمانه ضعيف حتى ينتهي إلى مثقال الذرة واطلاق عدم العمل عليه لكونه عمل جاهل، ولذلك أكثر العلماء منهم الإمام مالك يقول بعدم صحة عبادة الجاهل بتفاصيل أعمال الصلاة فلا يميز بين أركانها وواجباتها وسننها وكذا غير الصلاة فكأنه في هذه الحالة لم يعمل وإخراجه من النار ودخول الجنة سببه الإيمان الذي صدر منه لا مجرد فعل الصلاة من غير إيمان، ولذلك لم يقبل الله صلاة المنافق ولا سائر عمله بل جعله الله في الدرك الأسفل من النار مخلدًا مع أنه يفعل الصلاة وسائر الطاعات حتى الجهاد في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، لكن لما كان صلاته وعمله من غير إيمان بطل من أصله ولا يخرج بعمله ذلك عن الكفر إلا أنه ظاهرًا يعصم ماله ودمه فأما مجرد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر وسائر ما كلف الله به العبيد مع العمل فهو الكلي والصلاة قوام الدين وعماد اليقين فمن تركها فقد أضاعه.

الأدلة على كفر تارك الصلاة

أولا: الاستدلال بالكتاب

(وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة) أما الكتاب فقوله تعالى: { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } إلى قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وان هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا حكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين بقوله يوم يكشف عن ساق وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود مع المصلين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين ولو كانوا ممن جحد وجوبها رأسًا ولم يدع الإيمان بها لذهب مع الذاهبين الذين قيل لهم ألا تردوا أو تتبع كل أمة ما كانت تعبد إذ لا يخلو أن يكون من أحد الطائفتين ولم يبق مع من يدعي الإسلام العاملين به وغير العاملين.

الدليل الثاني:

قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } فلا يخلو هؤلاء إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين أو مجموعها فإن كل واحد منها مستقل بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إلى ما هو مستقبل بمجموعهما، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطًا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف في العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن قائلًا أن يقول لا يعذب الكافر ولا يحكم عليه بالكفر إلا من جمع هذه الأوصاف فإذا كان كل واحد منها موجبًا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر. وقد قال تعالى: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ } وقال تعالى: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ } فجعل ضد المؤمنين.

الدليل الثالث:

قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فوجه الدلالة أنه تعالى علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.

الدليل الرابع:

قوله تعالى: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } قال أهل المعاني السهو في الشيء تركه من غير علم به، والسهو عنه تركه مع العلم به، والفرق بين الساهي والناسي أن الساهي متى ذكر تذكر، والناسي لا يتذكر مع التذكير. وقد اختلف السلف، الصالح في معنى السهو عنها فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق بن الأجدع وغيرها هو تركها حتى يخرج وقتها، وقد روى ذلك في حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي قال: حدثنا شيبان بن إلى شيبة قال: حدثنا عكرمة بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد رضي الله عنهما أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: "الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قوله تعالى: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } أينا لا يحدث نفسه قال: انه ليس ذلك ولكنه اضاعة الوقت. وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله تعالى: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } قال: هو تاركها، ثم سأله عن الماعون قال: منع المال من حقه وأكثر المفسرين على أنه اسم شامل لكل ما يحتاج إليه كإبرة وفاس وقدر وقصعة وآنية البيت إذا طلبت للعارية كما صححه الحاكم عن ابن عباس فهو اسم شامل لجميع أنواع المعروف، وحصول الويل شرط في اجتماع الثلاثة غالبًا كما جاء عن عكرمة حيث سأله بسام قال: الماعون القدر والفاس والدلو قال بسام: قلت لعكرمة: من منع هذا فله الويل قلت: لا ولكن من جمعهن من راآى في صلاته وسها عنها ومنع هذا فله الويل وإلا فمجرد السهو عنها كاف في حصول الويل وإن لم يوجد المنع لكن وصف الساهين بالمانعين للحكم الأغلبي ومجرد المنع بلا سهو ولا مراآة لا يوجب الويل إلا على من يقول بوجوب العارية، ولعله مع الاضطرار إليها ولم يلحق ربها ضرر بإعارته إياها ولم يكن وقت الاستعارة محتاجًا إليها وإلا فربها إذن أحق بها فلا تجب عليه الإعارة، إذا علم هذا فالوعيد بالويل مطرد في القرآن للكفار كقوله تعالى: { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } وقوله: { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا } إلى قوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } وقوله: { وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } إلا في موضعين منه وهما في { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ } فعلق الويل بالتطفيف وهو نقص المكيال والميزان والمطفف الذي ييخس في الكيل والوزن ومثله العد والذرع قال الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان ونحوهما مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. والهماز كثير الطعن في الناس ويكون باليد والعين أيضًا واللماز آكل لحوم الناس باغتيابه لهم واللمز هو العيب ومنه قوله تعالى: { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي لا يعب بعضكم بعضًا فيجعل فيه من العيب ما ليس فيه، إذا فهم ذلك فقد علق سبحانه الويل بالتطفيف والهمز واللمز وهذا لا يكتفي به بمجرده فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقًا بويل الكفار أو بويل الفساق وإلحاقه بويل الكفار هو الحق لوجهين:

أحدهما: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها لكانوا كفارًا ولكن ضيعوها عن وقتها فجعل تركها كفرًا.

الثاني: ما سنذكره من الأدلة الدالة على كفره يوضحه الدليل الخامس هو قوله تعالى: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن أودية جهنم لتستعيذ منه ومن حره يسيل قيحًا ودمًا. قال كعب: هو أبعد قعرًا وأشدها حرًا فيه بئر تسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البهيم فتستعر منه لشدة حرارته وعذابه وما أعد الله فيه لأعدائه فوجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل هذا المكان لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كانوا مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من جهنم ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو من أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، وفي الآية دليل آخر، وهو قوله تعالى: { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان فإنه يكون تحصيلًا للحاصل (فإن قيل) قد قال عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي في تفسير أضاعوا الصلاة بأن أخروها عن وقتها لغير عذر، وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى يأتي المغرب، ومفهوم قولهم أن المضيعين عن وقتها يصلونها قضاء ومن أخرها عن وقتها حتى خرج ثم قضاها بعد ذلك فهو فاسق لا كافر مرتد، وأيضًا قد ورد في السنة أن ذلك الوادي الذي فيه تلك البئر البهيم أعده الله لمن لم يتب من الزناة ومدمني الخمر وأكلة الربى وعاق والديه وشاهد الزور وهؤلاء فسقة ليسوا بكفار إذا لم يستحلوا ذلك، والطبقة العليا من النار إنما هي للعصاة من الموحدين وهذا الغي فيها (الجواب) ان الإضاعة ليست خاصة في تأخيرها عن الوقت مع القضاء بعد ذلك بل هي في من تركها بالكلية أولى ولذلك ذهب عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة والتابعين إلى تكفير تاركها مطلقًا وأولوا الآية على ذلك فالترك أخص والإضافة أعم، وقد قال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة أضاعوا الصلاة أي تركوا الصلاة المفروضة فلم يأتوا بها والله سبحانه أوعد المضيعين للصلاة بهذا الغي ولا مانع من اشتراك الكافرين والفاسقين في نوع المعذب فيه ويختلفون في ألمه إذ العذاب على الكافر أشد منه على العاصي والله على كل شيء قدير. وظاهر كلام ابن عباس رضي الله عنهما كغيره من الصحابة أن الغي في جهنم خاصة لا في غيرها من طبقات النار إذ هي سبع طبقات بعضها فوق بعض، قال علي كرم الله وجهه: تدرون كيف أبواب النار هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض وان الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها جهنم وفيها يعذب الله العاصين من الموحدين، وفي قعرها هذا الوادي الذي سمى الغي تستعيذ منه جميع أوديتها يعذب الله فيه من أضاع الصلاة واتبع الشهوات، وإنما عذب فيه تارك الصلاة بالكلية مع الحكم عليه بعدم الإسلام والكفر المخلد في العذاب، لأن كفره عناد بعدم فعله لها لا جحود ولا انكار ولا نفاق فليس فيه من مجانسة أفعال من يستحق الدركات الباقية لا شرك ولا غيره ولما كان المضيع للصلاة عن وقتها مع قضائها يعد فيه مجانسة في نوع فعل التارك لها بالكلية عذب معه قي نوع المعذب فيه وفارقه في ألم العذاب لإيمانه الذي قد مات عليه ثم الثانية لظى للنصارى، ثم الثالثة الحطمة لليهود، ثم الرابعة السعير للصابئين، ثم الخامسة سقر للمجوس، ثم السادسة الجحيم لأهل الشرك، ثم السابعة الهاوية للمنافقين، وبهذا الترتيب يعلم أن عذاب أهل الشرك أشد عذابًا من الكافرين بترك الصلاة ولا ريب في ذلك أن توحيد الله لا أفضل منه فهو أساس الصلاة وكل عبادة فلا تصح إلا به ولا تثبت إلا عليه ولذلك قدمت الشهادتان رتبة على سائر الأركان.

الدليل الخامس:

قوله تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين } فعلق أخوّتهم في الدين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوها لم يكونوا أخوة للمؤمنين فلا يكونون مؤمنين لقوله { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }.

الدليل السادس:

قوله تعالى: { فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل الله سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: { وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر وكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادة { فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى } لا صدق بكتاب الله ولا صلى ولكن كذب وتولى كذب بآيات الله وتولى عن طاعته أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وعيد على أثر وعيد أي الذم والعذاب أولى لك من غيره فأولى أي لك أيضًا وهذا وان كان السبب خاصًا فالحكم عام إذ الآية محكمة إلى يوم القيامة.

الدليل السابع:

قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أنه سبحانه حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكافرين، فإن المسلم لو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد.

أحدها: أنه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.

الثاني: تصدر الاسم بالألف واللام المشعر بحصول كمال المسمى لهم فإنه إذا قيل زيد العالم والصالح أفاد ذلك إثبات كل العلم والصلاح له بخلاف ما إذا قيل عالم وصالح.

الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ في قوله تعالى: { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } كما في وأولئك هم المفلحون والكافرون هم الظالمون وأولئك هم المؤمنون حقًا ونظائره.

الرابع: إدخاله ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريتين قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } وقوله: { وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } وقوله: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ونظائر ذلك.

الدليل الثامن:

قوله تعالى: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكر بآيات الله لم يخر ساجدًا مسبحًا بحمد ربه ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها فلم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن بما لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه فلم يؤمن بقوله تعالى وأقيموا الصلاة إلا من التزم إقامتها.

الدليل التاسع:

قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } ذكر هذا بعد قوله: { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ } ثم توعدهم تعالى على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه سبحانه انما أخبرهم عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد، على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة اصرارًا مستمرًا من يصدق بأن الله أمر بها أصلًا فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقًا تصديقًا جازمًا بأن الله سبحانه فرض عليه في كل يوم وليلة خمس صلوات وأنه تعالى يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها مصدق بفرضها أبدًا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان ولا يصغي إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وليتأمل هل في الطبيعة أن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعيد والوعد والجنة والنار وان الله تعالى فرض عليه الصلاة وانه معاقبه على تركها وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على ذي الجهل المركب حيث أثبت الإيمان لمدّعيه مع تركه من الإسلام أعظم الأركان وجعله الإيمان مجرد التصديق وان لم يقارنه فعل واجب ولا ترك وهذا من أن محل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم وليس من لازمه ولا يقتضيه القيام بالأركان ولا فعل طاعته وترك معصيته، ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق الخبر دون الانقياد إيمان، وإلا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والذين عرفوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى: { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ } أي يعتقدون أنك صادق { وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، وقال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وقال موسى لفرعون: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ } وقال تعالى عن اليهود: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وأبلغ من هذا قول النفر من اليهود لما جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عما دلهم على نبوته فقالا: نشهد إنك نبي، فقال: "ما يمنعكما عن إتباعي؟"، قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك تقتلنا يهود فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقًا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره. ومن هذا كفر أو طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين:

أحدهما: اعتقاد الصدق.

والثاني: محبة القلب والانقياد.

ولهذا قال تعالى لإبراهيم: { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا } وإبراهيم كان معتقدًا لصدق رؤياه حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقًا لها بعد أن فعل ما أمر به وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فجعل التصديق عمل الفرج ما عناه القلب والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه والمقصود أنه يمتنع من التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها المحافظة على تركها واجتماعهما محال.

الاستدلال بالسنة

(وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه. الدليل الأول: ) ما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" ورواه أهل السنن وصححه الترمذي.

الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن صحيح، إسناده على شرط مسلم.

الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها ففد أشرك" رواه هبة الله الطبري وقال إسناده صحيح على شرط مسلم.

الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم بن حبان في صحيحه وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفر، وفيه نكتة بديهة وهي أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله عنها ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته فمن يشغله عها ماله فهو مع قارون، ومن يشغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن يشغله عنها رياسته من وزارة وغرها فهو مع هامان وزير فرعون كلمن يشغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.

الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تتركوا الصلاة عمدًا فمن تركها عمدًا خرج عن الملة " رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه.

الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام.

الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال: "أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه.

الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" وهو حديث صحيح مختصر ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة يسقط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث بعينه.

الدليل التاسع: ما في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" رواه مسلم ورواه الإمام أحمد في بعض ألفاظه "الإسلام خمس" فذكره ووجه الاستدلال به من وجوه:

أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام.

الثاني: أنه جعل هذه الأركان في كونها أركانًا لقبة الإسلام قرينة الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها.

الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان اسمًا لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولاسيما إذا كان من أركانه لا من أجزائه التي ليست ركنًا له كالحائط للبيت فإنه إذا سقط، سقط البيت بخلاف العمود والخشبة واللبنة ونحوها.

الدليل العاشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا" ووجه الدلالة فيه من وجهين:

أحدهما: أنه إنما جعله مسلمًا بهذه الأربعة فلا يكون مسلمًا بدونها.

الثاني: أنه إذا صلى إلى المشرق والقبلة في غير ناحية بالنسبة إليه لم يكن مسلمًا حتى يصلي إلى جهة قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية.

الدليل الحادي عشر: ما رواه الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مفتاح الجنة الصلاة" وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهى تفتح لكل مسلم فليس تارك الصلاة بمسلم ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: "مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله" فإن الشهادة أصل لمفتاح الصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: "ما يمنعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟" قال: بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: "إذا جئت فصل مع الناس وان كنت قد صليت" رواه الإمام أحمد والنسائي فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة ويوجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلمًا لصليت ولم تصل في بيتك وهذا كما يقال لرجل حي ناطق: مالك لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ألست بحي ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي "ألست برجل مسلم".

الاستدلال بالإجماع

(وأما الاستدلال بإجماع الصحابة) فقد تقدم ذلك عن عمر بن الحطاب وابنه عبد الله ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهم ولا يعلم عن صحابي خلافهم. وعلى هذا نهج الأئمة الأسلاف كسفيان بن سعيد الثوري وأبي عمر الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح والإمام مالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي في أشهر قوليهما وأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وأصحابهم كلهم قالوا: بكفر تاركها وقتله، ثم جمهورهم قالوا: يقتل بالسيف ضربًا في عنقه، وقال بعض الشافعية يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت، وقال ابن شريح ينخس بالسيف نخسًا حتى يموت لأنه أبلغ، والجمهور على ضرب عنقه بالسيف لأنه أحسن القتلات وأحسنها إزهاقًا. وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار والمرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف، والجمهور عند هؤلاء كلهم أنه يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل، هذا قول الشافعي وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه مذهب مالك أنه يقال له ما دام الوقت باقيًا صل فإن فعل ترك، وان امتنع حتى خرج الوقت هل يستتاب أم لا، قال بعض أصحابنا يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بعضهم لا يستتاب لأن هذا تحتم فلا يسقط كالحد، وهذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض أصحابهم أنه يقتل من غير استتابة هو رواية عن مالك، وفي استتابة المرتد روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي ومن أوجب الاستتابة قال الرعاية إليها شرط في قتله لأنه قد يتركها لعذر أو ما ظنه عذرًا أو لكسل لا يستمر ولذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر بقتالهم ولم يأذن في قتلهم لأنهم لا يصرون على تركها فإذا دعي فامتنع لا من عذر حتى خرج الوقت تحقق تركه وإصراره. وهل يقتل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات؟ هذا فيه خلاف بين الناس. فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في إحدى الروايات عنه: يقتل بترك صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، وحجة هذا القول ما تقدم من الأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. فقد روى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد في مسنده وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا أترك صلاة متعمدًا فمن ترك صلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه، واعتبار التكرار ثلاثًا ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صحابي، وقال أبو اسحق من أصحاب أحمد ان كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والمغرب لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فأورثت شبهة ههنا وان كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالصبح والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة في التأخير، وهذا القول حكاه اسحق عن عبد الله بن المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك من اسحق في تعيينه، فعلى هذا متى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم يضق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد قال القاضي وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها وقال شيخ الإسلام أبو البركات تقي الدين متى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم يضق وقت الثانية، وفي المثال الذي ذكر يعني أبا الخطاب أولى لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها. وكذا حكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة والقيام في الفرض لقادر أو الركوع أو السجود لقادر عليهما كترك الصلاة، وكذا حكم ترك الجمعة لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: وصريح القرآن مشعر بفرضيتها وآمر بإقامتها إلزامًا، وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض كفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين ولم يقل الشافعي هذا قط وإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد أنها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي رضي الله عنه على أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيدين من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من الصحابة ولا تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان وعلى إنا نقول بفرضية صلاة العيدين لا نكفر من تركها لجريان الخلاف في فرضيتها بخلاف ما تقدم من الصلوات. ولذلك لم يختلف أحد ممن تقدم في قتل تارك الصلاة إلا أبو حنيفة رحمه الله ومحمد بن شهاب الزهري وداود بن علي المزني فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" رواه البخاري ومسلم وحجة من قال بالقتل وهم من تقدم من الصحابة والتابعين والأئمة من كبار المجتهدين تعليقه في الحديث بحقها قالوا: وهذه الصلاة من أعظم حقها وقد قال تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والقول بأنه متى تاب من شركة سقط عنه القتل وإن لم يقم بالصلاة ولا آتى الزكاة خلاف ظاهر القرآن والسنة وإجماع صدر الأمة، فلا يعتد به بعد انعقاد الإجماع والله تعالى أعلم.

الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة

(وأما قولكم وأخرج الطبراني والبزار عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" رواه أبو هريرة في الصحيح وابن عمر وعائشة وجماعة آخرون، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الإيمان ومن لازمه إثبات الكفر لهم وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضًا أو في دبرها فقد برئ بما أنزل على محمد" وأمثال هذا كثير في كلام الصادق المصدوق فهذا النوع الذي هو الكفر العملي وان أطلقه الشارع على مرتكب هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد من الإيمان، ولا يفارق به الملة المحمدية ولا يباح ماله ودمه وأهل كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ولم يميز بين الأمرين).

فنقول يحتاج كل قائل ومعترض إلى تحقيق معاني قوله وما يعارض به، ومن أعظم الحاجة في ذلك تحقيق معاني كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا عورض به أمر، لا بد من التأمل والتحقيق حتى يسوغ التكلم ويسوغ المعارضة، والعاقل اللبيب إذا تأمل ووعى ما نحن فيه مما اعتقدناه وقلناه علم يقينًا الفرق بين ما عنيناه وقصدناه من عقيدتنا ودليلنا ومدلولنا وبين معارضتنا بهذه الأحاديث والاعتراض بها علينا، وعلم أيضًا أن بين ما عارضه صاحب المقدمة من عقائدنا ودلائلنا وبين ما عارضنا به من نقل هذه الأحاديث واعتقاده فينا مباينة ومخالفة من وجوه:

أحدها انه لم يفهم قصدنا ولا ما اعتقدنا وقلنا فإن أعظم قصدنا وأمرنا الحث والأمر بتوحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته حتى تثبت وتتم الألوهية كلها له وحده لا شريك له، فكما أنه تعالى منفرد بالربوبية فكذلك هو منفرد بالألوهية قولًا وعملًا واعتقادًا فلا يرجى في جلب نفع أو كشف ضر إلا الله وحده ولا يتوكل إلا عليه وان الخلق ليس لهم ولي من دونه ولا شفيع إلا من بعد إذنه، وصاحب المقدمة قد فهم فينا ما لم نقله، واعتقد متقولًا علينا ما لا نعتقده فانه يزعم إنا نكفر بالذنوب بدليل السياق.

والاعتراض الثاني: أنه لم يميز بين ما حرم الله به دخول الجنة وأوجب الخلود في النار وبين ما هو تحت مشيئته تعالى إن شاء غفره فلم يعذب عليه وان شاء طهر فاعله في النار ثم مآله إلى الجنة حيث مات موحدًا بل عارض الأول بالثاني كما دل عليه صنيعه.

الثالث: أنه لم يميز بين الإيمان الذي يستحق المتصف به أن لا يخلد في النار بل ترجى له الشفاعة بإذن الله والمغفرة منه له فضلًا وكرمًا ويثبت له مناكحة المسلمين وموارثتهم وبين الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب وتكفير السيئات وقبوله الطاعة وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا موصوفًا بصفات الثناء لا بصفات الذم بل جعل القسمين قسمًا واحدًا.

(وأما الكلام) على معنى هذه الأحاديث التي قد أدلى بها وأوردها صاحب المقدمة علينا فنقول لا يحقق ذلك إلا من حقق معنى الإيمان وعرفه ومازه حتى تحصل له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى هذه الأحاديث وأمثالها والمدلي بها يحتاج إلى فهم معاني ما تضمنته من نفي الإيمان ومعرفة حقيقته، وما هو، كيف هو، ثم ينفي بها نفيًا لا إثبات معه أو معه إثبات، أو يثبت إثباتًا لا نفى معه، أو معه نفي، ثم يفصل ويبين ذلك المثبت والمنفي وعكسهما، إذا علم هذا فالإيمان قد اشتهر وشاع عن السلف وأهل الحديث أنه قول وعمل ونية وان الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولًا محدثًا سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، وقال الثوري: (هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره) وقال الأوزاعي: (كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا العمل) وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى أهل الأمصار: (أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع وسننًا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) ذكره البخاري في صحيحه وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم قال الخطابي في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم بمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان" وفي إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته، هذا آخر كلام الخطابي.

وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مصعب البغوي الشافعي في حديث سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك، لأن الأعمال ليست من الإيمان أو أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ } { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا } { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوي، وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق فان عني به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتى يتصور كماله تارة ونقصه أخرى والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالاسي المغربي في شرح صحيح البخاري مذهب جماعة أهل السنة ممن سلف من الأمة وخلفها ان الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري رحمه الله تعالى من الآيات يعني قوله تعالى: { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } وقوله تعالى: { وَزِدْنَاهُمْ هُدىً } وقوله تعالى: { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً } وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً } وقوله تعالى: { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } وقوله تعالى: { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } وقوله: { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } ومجرد التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينقص إلا شكًا ولذلك توقف مالك رحمه الله تعالى في بعض الروايات مع القول بالزيادة عن القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شاكًا فخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتناول موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي بالذنوب وإلا فقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة، قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحاب سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين وهو إتيانه بهذه الأمور التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع انه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه فلا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه بقلبه وجحده بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم المؤمن، فكذلك إذا اقر بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق وان كان في كلام العرب يسمى مؤمنًا بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله لقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } فأخبر سبحانه وتعالى إن المؤمن من كانت هذه صفته، وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل فان قيل قد تقدم ان الإيمان هو التصديق قيل له التصديق هو أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق دخول الأعمال فيه ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا إلا باستكمال شعب أعماله، هذا مذهب جماعة أهل السنة وان الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: هو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا المعنى أراد البخاري رحمه الله إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئه في قولهم ان الإيمان قول بلا عمل وتبين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذهب الأئمة.

(وأما الفرق) بين الإيمان والإسلام فالتحقيق في الفرق بينهما ما قاله المحققون ان الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته مع الأعمال بجميع ما فرض الله. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله الإسلام دينًا في كتابه تعالى وهو حديث جبريل حين سمى صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، وهذا أيضًا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر لجامعية الأعمال كلا منهما وان انفرد التصديق في دخول مسمى الإيمان، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، فأما ما ورد من إثبات أحدهما ونفي الآخر من نحو قوله تعالى: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } فإنما هو بالنظر إلى معنييهما اللغويين، ولذلك ذكر الصدقة والصوم وغيرهما بعدهما بطريق العطف مع الإجماع على عدم خروج الأعمال عن الإيمان والإسلام، لكن الإيمان أصله تصديق القلب بكل ما جاء عن الله ورسوله، وهو لا يظهر إلا بالعمل الظاهر علانية فهو الإسلام والاستسلام الانقياد لأوامر الله عز وجل، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه إذا صلى على الميت: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" لأن العمل بالجوارح إنما يتمكن منه في حال الحياة فأما عند الموت فلا يبقى إلا التصديق بالقلب ومن ههنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" فلا يتحقق العبد الإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فانه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب تحققًا تامًا مع عمل الجوارح في أعمال الإسلام فيكون مسلمًا وليس مؤمنًا الإيمان التام كما قال تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول عبد الله بن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفًا ويدل عليه قوله تعالى: { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } يعنى لا ينقصكم من أجورها فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم. وكذلك ما روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطًا وأنا جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا هو أعجبهم إليّ فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال رسول الله: "أو مسلمًا؟" فسكت قليلًا ثم غلبني ما علمت منه فعدت لمقالتي فقلت: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال: "أو مسلمًا؟" ثم غلبني ما أعلم منه فأعدت وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم قال: "يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية من أن يكبه الله في النار على وجهه" قال الزهري فيرى يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإسلام هو الكلمة مع التزام الأعمال، والإيمان هو العمل الصالح، قلنا فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله عز وجل، فالإيمان هو الإسلام وزيادة، وحقيقته ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون" وفي رواية "بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ولمسلم وأبي داود "فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وقد أخبر الله عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه دعا بالموت على الإسلام، وهذا كله يدل على ان الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق، وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عدي أسلم تسلم" قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها حلوها ومرها" فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام، ثم ان الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد الإتيان بلفظها من غير تصديق بهما ولا عمل بمعناهما بل ذلك كله داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام } بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا صادقًا قاله طائفة من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير، وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر عنهم فإنه ينفى عنهم رسوخ الإيمان في القلب وأثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل إذ لو لا هذا القدر لم يكونوا مسلمين وإنما نفى عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على ان التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح من مذاهب جماهير السلف وهو أصح الروايتين عن أحمد، فإن إيمان الصديقين الذين تتجلى أنوار المعرفة لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ولهذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن يعبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم ما سبقهم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره وسئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كان الصحابة رضي الله عنهم يضحكون قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال، فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار، فهو لا يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم.

مسائل الإيمان والإسلام والفرق الضالة

(وهذه المسائل) أعني مسائل الإيمان والإسلام والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا فإن الله عز وجل علق بهذه الأشياء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها وقع في هذه الأمة وهو كخلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعد خلاف المعتزلة، خلاف المرجئة القائلين أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان. وقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وغيرهم من الأئمة الأعلام، فمن حقق هذا المعنى في الإيمان وعرفه ومازه حصلت له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" الحديث، ثم صار وسطًا بين طرفين فينفي بها نفيًا معه إثبات، ويثبت إثباتًا معه نفي، فلا يقول مؤمن كامل الإيمان كما قالته المرجئة، ولا كافر خارج عن الملة مخلد في النار كما قالته الخوارج، بل ليس إيمانه تامًا، فهو مؤمن واهن الإيمان جارية عليه أحكام الإسلام. قال النووي في شرحه هذا الحديث: وأمثاله مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون ان معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا قال لهم صلى الله عليه وسلم: "فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، ان تابوا سقطت عقوبتهم، وان ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة، فكل هذه الدلائل تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم ان هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرًا، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهرًا وجب الجمع بينهما، وقد وردا ههنا فيجب الجمع وقد جمعنا، وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًا مع علمه بورود الشرع بتحريمه، وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: معناه ينزع اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ان معناه ينزع منه نور الإيمان وقال المهذب تنزع منه بصيرته في طاعة الله وفيه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" رواه الترمذي وأبو داود.

حكم الفاسق

(وقد انقسم الناس) في الفاسق من أهل الملة كالسارق والزاني والشارب ونحوهم على ثلاثة أقسام طرفين ووسط.

(أحد الطرفين) أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان، ثم من هؤلاء من يقول هو كافر كاليهودي والنصراني، وهو قول الخوارج وفيهم من يقول ننزله منزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة، وهؤلاء يقولون أن أهل الكبائر يخلدون في النار وان أحدًا منهم لا يخرج منها وهذا من مقالات أهل البدع التي دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافه، قال الله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } فسماهم الله مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال تعالى في بيان الكفارة: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ولو أعتق مذنبًا أجزأه عتقه بإجماع العلماء ولهذا يقول العلماء السلف في المقدمات الاعتقادية لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا ورجم هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: "لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم" وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل.

(الطرف الثاني) قول من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص، بناء على ان الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وإنما نقصت شرائع الإسلام، وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وهو أيضًا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } والآيات في ذلك والأحاديث كثيرة جدًا كما تقدمت وقد تقدم أيضًا إجماع السلف على ان (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) ومدين ذلك أنه قول القلب وعمله، وثم قول اللسان وعمل الجوارح، فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر، ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه في معنى الإيمان برسالته (ثم الناس) في هذا على أقسام:

منهم من صدق به جلة ولم يعرف التفصيل.

ومنهم من صدق به إجمالًا وتفصيلًا.

ثم منهم من يدوم استحضاره فيه بما قذف الله في قلبه من النور والآيات.

ومنهم من جزم به لدليل قد تعترضه منه شبهة أو لتقليد جازم، وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسله وتعظيم الله ورسله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال.

فهذه الأعمال القلبية كلها من الآيات، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون اسم الإيمان على الإطلاق ولا يثبتونه على الإطلاق، بل يقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقال ليس بمؤمن حقًا، أو ليس بصادق الإيمان، وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة فلا بد أن يدين المراد منه، والأحكام منها ما يترتب على أصله وفرعه كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك. إذا علمت هذه القاعدة فالذي في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا تنتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن" والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة للرواية المشهورة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط، وأحسن ما قيل في معنى هذا الحديث أن نفس التصديق الفارق بينه وبين الكافر لم يعدمه لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقًا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه تعالى توعد عليها بالعقوبة العظيمة، وأنه تعالى يرى الفاعل ويشاهده، وهو تعالى مع عظمته وجلاله وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا التصور لامتنع صدور الفعل منه متى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد ثلاثة أمور:

وإما اضطراب العقيدة بأن يعتقدان ان الوعيد ظاهره ليس كباطنه، وإنما المقصود منه الزجر كما قالته المرجئة أونما يحرم هذا على العامة دون الخاصة كما قالته الإباحية وغير ذلك من العقائد المكفرة التي تخرج عن الملة.

وإما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب تعالى وتقدس وشدة بأسه فيغتر بسعة رحمته وغفرانه ويقتحم هذا الذنب الكبير ولا يبالي.

وإما فرط الشهوة بحيث تقهر مقتضى الإيمان وتمنع موجبه فيصير الاعتقاد مغمورًا مقهورًا كالعقل في النائم والسكران وكالروح في النائم ومعلوم أن الإيمان الذي يسمى إيمانًا ليس باقيًا كما كان إذ ليس مستقرًا في القلب ظاهرًا، واسم الإيمان عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيًا على حاله عاملًا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم فان الله سبحانه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، والنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه، عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه، فإذا قال القائل السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقًا مع العلم أنه ليس بمنزلة البهيمة إذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حالة يعزب فيها عقله ورأيه، وفي الأثر: (إذا أراد الله أنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم ليعتبروا) فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب، وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة، كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي يستحق أن لا يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عدم الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا، وهذا يبين ان الحديث على ظاهره الذي يليق به، فلا يؤوّل بتأويلات تخرجه ونظائره عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن علماء السلف كسفيان ابن عيينة وأحمد بن حنبل والزهري وأنهم يقرؤون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون تأويلها بما يخالف اللائق بها على مراد الرسول فيها، ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ان مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلًا يخرجه عن ظاهره المقصود به، وقد تأوله الخطابي وغيرهم تأويلات مستنكرة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي أي ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك وقولهم المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما شاع ذلك لما بين حاله وحال من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة، وقولهم إنما عدم كمال الإيمان وتمامه أو شرائعه أو ثمرته ونحو ذلك، فكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر فيها فالحق ما تقدم من معنى القول فيها والله أعلم.

كفر دون كفر

(وأما قولكم وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا الكفر دون كفر) فنقول: من أطلق الشارع كفره بالمعاصي التي لا تخرجه عن الملة كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا أو في دبرها ونحو ذلك، فإنما هو تشديد لا يخرج به عن ملة الإسلام بل كفر نعمة، قاله طوائف من العلماء عن أئمة الفقه والحديث، وكره ابن رجب في شرح البخاري كغيره من الشراح عن أكثر الشيوخ من العلماء، وقد قال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: "من أتى عرافًا فقد كفر بما أنزل على محمد" أي جحد تصديقه بكذبهم فقد يكون معناه ان اعتقد تصديقهم بعد معرفتهم بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم لهم فهو كافر كفرًا حقيقة، وما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى لا مخالفة فيه إذا وجد شرطه إذ فيه تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وتكذيب الكتاب، وهذا النوع ليس نعني هنا، مع أنه داخل في عموم دعوانا على أهل الباطل من أنهم يصدقونهم فيما يقولون لهم ويعملون به بعد سماعهم نهي النبي عنهم وتكذيبه لهم، بل أكثرهم يعلمونه ويسمعونه عنادًا للدين وإتباعًا للشياطين والمعاندين وما ادعوا ولايتهم وهم مردة الشياطين، وإنما نعني ما هو كفر دون كفر لا يخرج عن الإسلام ككفران العشير وهو ما عنى البخاري رحمه الله تعالى، وقوله باب كفران العشير وكفر دون كفر فيه عن إبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط"، فقد أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن السائل القائل أيكفرن بالله فأجابه بما هو ليس من المخرج عن الملة بل من الذنوب التي يستقر معها حكم الإسلام فقال: "يكفرن العشير" كفران العشير كفران نعمة لا يخرج عن الملة، وقد نص عليه أئمة الحديث من العلماء في شرح البخاري وغيره، ولهم في هذه الأحاديث التي يطلق الكفر فيها مسالك، منهم من يحملها على من يفعل ذلك مستحلًا، ومنهم من حملها على التغليظ لا على الكفر الذي ينقل، منهم ابن عباس وعطاء، قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن الإمام أحمد وقاله طاووس، وحكى ابن حامد عن الإمام أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسيره هذه النصوص تورعًا ويمرها كما جاءت من غير تفسير لها كغيره من أئمة السلف كما تقدم مع اعتقادهم ان المعاصي لا تخرج عن الملة وقد قال البخاري: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "انك امرؤ فيك جاهلية" وقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } فسماهم مؤمنين.

(وأما قولكم وقال العلامة ابن القيم في كتابه في الصلاة الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة كفر عملي وتحقيقه ان الكفر كفر عملي كفر جحود، فكفر الجحود ان يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه إذ حقيقة الإيمان التصديق وأما الكفر العملي فهو نوعان نوع يضاد الإيمان ويصير فاعله في حكم الكفر الاعتقادي كالسجود للصنم وسب الرسول وقتله والاستهزاء والاستهانة بالمصحف والذي يقوي عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معًا، فإنه لا يسجد للصنم وهو مؤمن بالله ولا يهين المصحف أو يسب نبيًا أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، ألا ترى إلى قريش في صلح الحديبية لم يرضوا أن يكتب "هذا ما صالح عليه رسول الله وقالوا: اكتب محمد بن عبد الله لو نعلم أنك رسول الله لما صددناك عن البيت" الحديث، ونوع لا يضاده كالحكم بغير ما أنزل الله فان الله سمى فاعله كافرًا ومثله تارك الصلاة سماه رسول الله كافرًا كما سمعته آنفًا ولكن هذا كفر عملي لا كفر اعتقاد).

فنقول: أنتم إنما فهمتم من كلام ابن القيم أن الكفر الصريح لا يصرن عمليًا بل هو خاص بالاعتقادي أو مع اقترانه بالعملي فأما مجرد العملي فلا يكون كفرًا موجبًا للردة حقيقة وفهمتم منه أيضًا ان مراده بالكفر العملي عمل الجوارح الخاص بها وهذا فهم باطل وتعليل عاطل من وجوه:

(أحدها): أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد شنع في كلامه التشنيع الكلي على من شك في كفر تارك الصلاة كفرًا موجبًا للردة والخلود في النار والحالة هذه وعبارته ما نصه: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودُعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه وشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدًا، ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول هو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل أفلا يستحي من هذا قوله، من إنكاره تكفير من شهد بتكفير الكتاب والسنة واتفاق الصحابة.

(الثاني): أنه جعل في كتابه في الصلاة شعب الإيمان قسمين قولية وفعلية وكذلك شعب الكفر نوعين قولية وفعلية فكما ان من شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان كالصلاة، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بكلمة الكفر اختيارًا وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف والصلاة وقتل الأنبياء فإنه كفر عملي.

(الثالث): أنه جعل حقيقة الإيمان مركبة (من قول) وقسمه إلى قسمين: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام (ومن عمل) وقسمه إلى قسمين أيضًا، عمل القلب وهو نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، وعمل الجوارح، ورتب زوال الإيمان بكماله على زوال هذه الأربعة، فإن زال بعضها، فإن كان التصديق، لم ينفع باقي ما أتى به، وان كان غيره، فإن كان عمل القلب فقط أو مع الجوارح فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وانه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر وان عملت الجوارح ظاهرًا ومع انتفاء عملها اللازم منه انتفاء عمل القلب وعبارته ما نصها: ومنها أصل آخر وهو ان حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفعه بقية الأشياء فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها لكونها نافعة صحيحة، وإذا زال عمل القلب فقط مع وجود اعتقاد الصدق أو زال عمل الجوارح أيضًا فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع مجرد التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر سواء عملت الجوارح ظاهرًا أو لم تعمل ووجد التصديق، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرًا وجهرًا ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم عمل الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان فإنه ليس مجرد التصديق كما تقدم كلامنا فيه ودلائلنا عليه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس مجرد معرفة الحق وتثبيته، بل هو معرفة المستلزمة لإتباعه والعمل بموجبه، وان سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن التصديق وان سمي تصديقًا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان.

(الرابع قوله): وههنا أصل آخر وهو ان الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكام دينه وما جاءت به رسله، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالأول: كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا راضيًا بذلك وترك الصلاة عنادًا وبغيًا.

الثاني: من أتى بمعصية لا تخرجه عن الإيمان بالكلية كالزاني والسارق وشارب الخمر ومن لا يأمن جاره بوائقه، لكن السجود لصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به عمل قلبي لظهوره مضاد للإيمان، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي المحض قطعًا ولا يمكن ان ينفي عنه اسم الكفر بعد ان أطلقه الله ورسوله عليه بلا قرينة تقتضي انتفاءه عنه كما انتفت حقيقته عن مرتكب الكبيرة مع تسميته كافرًا فالحكم بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هو كفر عملي لا كفر اعتقادي ومن الممتنع أن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا وسمى رسوله تارك الصلاة كافرًا ولا يطلق عليهما اسم الكفر حقيقة مع انتفاء نص على بقائهما مؤمنين فان مراد ابن القيم رحمه الله بالكفر العملي هنا زوال شعبة فعلية موجب زوالها زوال الإيمان وثبوت شعبة فعلية من شعب الكفر موجب ثبوتها ثبوت الكفر، فالعملي هنا أعم من عمل القلب والجوارح في الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة وغيرهما وان بقي قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه لانتفاء عمله وهو محبته وانقياده لفعل الأوامر، وفائدة قوله العملي المحض أي مع بقاء تصديق القلب من غير انقياد، وهو لا يستلزم الإيمان الموجب للإسلام.

(الخامس): تصريحه بأن ترك الصلاة عمدًا والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا كفر حقيقة مضاد للإيمان.

(السادس): تفصيله وتفرقته بين كفر تارك الصلاة والحاكم بغير ما أنزل الله بشرطه، وبين كفر السارق والزاني وشارب الخمر ومن لم يأمن جاره بوائقه، فجعل كفر هؤلاء من جهة أعمالهم الظاهرة في قوله، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم اسم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لم يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل الظاهر منه منتف عنه كفر عمل القلب لبقاء محبته وانقياده حكمًا، فحكم الإسلام جار عليه كما تقدم، لكن ليس بمؤمن حقًا، وإلى ذلك أشار بقوله وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد إذ عمل القلب هنا باق لم يفقد زيادة على قوله الذي هو التصديق وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" فهذا كفر عملي ظاهر في الجوارح فقط، وعمل القلب على حاله كما تقدم في الذي قبله، وكذا يقال في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنًا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد" وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" وأمثاله هذا كما تقدم الكلام فيه موضحًا.

(السابع): جعله الإيمان العملي يضاده الكفر العملي فيما إذا اتصف شخص بذاك تارة وبهذا أخرى كالذين ثبت إيمانهم بما عملوا به من الميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب { لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } ثم ثبت كفرهم بما تركوه منه ومخالفتهم له، كمن يؤمن عاملًا ببعض ويعرض تارة عن بعض، فالإيمان الاعتقادي والحالة هذه يضاد الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسقًا لا يكفر به، والآخر كفر، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي الظاهر لا الاعتقادي، وهو عمل القلب، فما دام محبًا منقادًا لفعل الأوامر لزم منه فعل المأمورات من صلاة وغيرها، ومتى فقد عمله فقدت المأمورات وان وجد قوله وهو مجرد التصديق بلا انقياد، وإذا حصلت هفوة للقلب بوجود الران عليه من نحو شدة فرط الشهوة فحصل شيء من المعاصي المتقدمة الظاهرة في الجوارح وعمل القلب باق على ما كان عليه أولًا فحكم الإسلام باق ولكن انتفى عنه كمال الإيمان بظاهر أعماله السيئة، ومتى أطلق عليه اسم الكفر بذلك فإنه لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما تقدمت دلائله من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وان زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فان المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة أهل الكبائر ونصوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين، وهؤلاء الذين جعلوهم مؤمنين لا يرون ترك الصلاة كفرًا بل عندهم الإيمان مجرد التصديق وهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة.

(الثامن): انه قد قال والمقصود ان سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، إلى أن قال هل هي شرط لصحة الإيمان، هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها وان أتى بها صورة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا في قوله: "وإن ضيعها فهو لما سواها أضيع" وفي قوله: "أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وان لم تجز له لم ينظر إلى شيء من أعماله" فصريح كلام ابن القيم المتقدم موافق لكلام الله وسنة رسوله ان تارك الصلاة عمدًا كافر مستوجب لخلوده في النار، وقد زعم صاحب المقدمة ان الكفر الحقيقي خاص بالاعتقاد وهو عدم تصديق القلب أو مع عمل الجوارح أيضًا كالسجود للصنم وإهانة المصحف وقتل النبي فأما فقدان عمل القلب فقط فلا يكون كفرًا حقيقيًا واستدل على ذلك بقوله: ولا يهين المصحف أو يسب نبيًا أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، وبقول قريش لو نعلم انك رسول الله لما صددناك عن البيت وزعمه ذلك وهم باطل وفهم عاطل من وجوه:

(أحدها): انه قد فهم ان العمل إنما منشأه ومورده الجوارح خاصة، فأما القلب فليس فيه إلا الاعتقاد وهو التصديق خاصة وهذا مناف لمعرفة حقيقة الإيمان الذي تترتب على معرفته دعوى العلم والقول به، فان حقيقته مركبة من عمل القلب وهو محبته وانقياده وإخلاصه لفعل الأوامر وإتباع الرسل في كل ما جاؤا به من عند الله، وعمل الجوارح فيما يوجد من قبلها عند طاعة القلب وانقياده قال سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } وقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ومن قوله وهو تصديقه في كل ما جاءت به الرسل وقول اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام والإقرار بما يجب الإيمان به، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم.

(الثاني): انه فهم ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق القلبي وان لم يوجد عمله ولا عمل الجوارح وهذا بعينه قول المرجئة ومعتقدهم، فإنهم يقولون الإيمان قول بلا عمل، وقد رد البخاري وغيره من الأئمة الأعلام على هؤلاء القوم اللئام وبينوا غلطهم وسوء اعتقادهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة كمالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل العراق والحجاز والشام وغيرهم قال البخاري في رده عليهم باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان، فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط أو هو مع عمل الجوارح زال الإيمان بكليته وأن وجد مجرد التصديق فلا ينفع مجردًا عن عمل القلب والجوارح معًا أو أحدهما، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم سرًا وجهرًا.

(الثالث): قوله والذي يقوى عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معًا فإنه عني بالاعتقاد عدم التصديق من الذين سبوا الرسول واستهزؤوا به وهذا يرده صريح قوله تعالى: { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } قال المفسرون معنى ذلك أنهم لا يكذبونك يا محمد ولكنهم يجحدون آيات الله، فالجحدان والتكذيب راجع للآيات نفسها لا للرسول، فان القوم لم يكونوا يكذبونه في السر بل أكثرهم يصدقه علانية فان الحرب ابن عامر من قريش قال: يا محمد والله ما كذبت قط ولكن ان اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب وقال الأخنس بن شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم اخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له: والله ان محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فهم لا يكذبونه بقلوبهم بل ولا بألسنتهم فيما بينهم ولكن لا يعترفون به ظاهرًا عنده، فهم وان قالوا ظاهرًا لولا أنزل عليه ملك، يعرفونه في قلوبهم كما يعرفون أبناءهم لكن منهم من يتعنت فيقوله بلسانه يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة، وذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام شبهة لهم وأجاب تعالى عنهم، ومنهم من يقول ان محمدًا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال، وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته ظاهرًا فذكر الله ذلك وأجاب عنهم بأجوبة كثيرة هي موجودة في القرآن فشافهتهم له بالسفاهة والاستهزاء أو القتل كما قتلوا الأنبياء من قبل وقلوبهم معترفة ولكن جحدوا بآيات ربهم كما قال تعالى في قصة موسى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا }.

الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي

(الرابع): نفيه الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، ان يكونا عملي قلب بل جعلهما عمل جوارح خاصة، واستدل به على عدم كفر من لم يحكم بما أنزل الله عيانًا عمدًا، وتارك الصلاة عمدًا، لوجود التصديق والاكتفاء به، فأما كفر من لم يحكم بما أنزل الله فقد قال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانًا عمدًا لعدم انقياده له والعمل به محبة وإتباعًا فانه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده للنص عدم التصديق المستلزم للطاعة التي هي حقيقة الإيمان، فإما مجرد التصديق من غير استلزام ولا انقياد فليس بإيمان البتة، وإذا كان كذلك فترك الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره من أعمال القلب، لاسيما وقد قال قتادة والضحاك في سبب نزول هذه الآيات انه في اليهود الذين كانوا يعلمون صدق ما حكم عليهم في الكتاب فخالفوهم، وقد قال العلماء ان من خالف نص كتاب الله وحكم بضد ما فيه وما تضمنه عيانًا عمدًا تناوله حكم هذه الآية لا إن أخطأ معنى التأويل، وقال عكرمة: من عرف بقلبه أنه حكم الله ولم يقر بلسانه وينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفرًا لا إيمان معه، أما من اعترف بقلبه ولسانه انه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب، أو حكم بضده مع علمه والإقرار به فلا كفر. وقد قال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل متى وجد منه ذلك كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.

وسئل عبد العزيز بن يحيى الكتاني عن قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أُنزل فهو كافر ظالم فاسق. فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع لم يستوجب الكفر حقيقة، وعلى هذا يحمل كلام ابن عباس وطاووس. وأما ترك الصلاة عمدًا فهو مناف لحقيقة الإيمان المستلزم للإسلام المترتب على وجوده تخلية السبيل، فإنها وان اقترن فعلها بالجوارح ظاهرًا فهي مستلزم عملها لعمل القلب ظاهرًا وباطنًا فان وجد علمه وجدت، وان عدم عدمت، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى مفصلًا. بأدلته التفصيلية من الكتاب والسنة وكلام صالح سلف الأمة.

(وأما قولكم أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } أنه ليس كفرًا ينقل عن الملة انه كفر دون كفر وقال عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق).

فنقول: كلام ابن عباس رضي الله عنهما فيمن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشأها الفروع خاصة مع الاعتراف بالقلب والإقرار باللسان إنما عدل عنه هو حكم الله كما قال عكرمة في قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ان من عرف بقلبه انه حكم الله ولم يقر بلسانه ولم ينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفرًا لا إيمان معه وأن من اعترف بقلبه وأقر بلسانه أنه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب وأتى بما يضاده من مسائل الفروع التي ليس لها تعلق بالأصل من غير استحلال فلا يدخل في الكفر الحقيقي.

وقد سئل علقمة ومسروق وابن مسعود عن الرشوة في الحكم أهي من السحت فقال: ذاك الكفر ثم تلا { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية قال من لم ينقد إليه بقلبه ولم يقر بلسانه كفر كفرًا حقيقيًا، ومن أقر به وانقاد إليه ولكنه لم يحكم به ظاهرًا فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير، وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }، قال: هذا في المسلمين { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالمون } قال: في اليهود { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقون } قال: في النصارى. وكذا رواه هشام والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، وقال البراء وحذيفة وابن عباس وغيرهم نزل قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } في أهل الكتاب، قال الحسن وهي علينا واجبة وقال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم الحربي نزلت في بني إسرائيل رضي الله لهذه الأمة نبيها فعفى عنها الكفر.

وسبب النزول وان كان خاصًا فعموم اللفظ إذا لم يكن منسوخًا معتبر ولأن قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله كلام داخل فيه كلمة من في معرض الشرط فتكون للعموم، لكن تحقيق معنى الآية ان الحكم بغير ما أنزل الله ان كان في الأصل من التوحيد وترك الشرك، أو كان في الفروع ولم يقر اللسان وينقد القلب فهو كفر حقيقي لا إيمان معه كما تقدم عن عكرمة، فأما من اعترف بقلبه وأقر بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهرًا في الفروع خاصة فليس بكفر ينقله عن الملة قال طاووس: ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري عن ابن جريح عن عطاء أنه قال: هذا كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق درن فسق. رواه ابن جرير وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاووس قال: ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة وعن طاووس عن ابن عباس قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية وقالوا أنها نص في ان كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافرًا. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على خلافهم، ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد بل حكم بضده وفعل الشرك ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين أو من لم يقم أركان الدين عنادًا وبغيًا بعد ان دعوناه فامتنع وأصر أو من جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من سائر الأمور الدينية والمغيبات الإيمانية.

الجمع بين حديثي من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وبين حديث لا يزني الزاني

(وأما قولكم قال ابن القيم ان الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث حتى يقولوا لا اله إلا الله وحديث من قال لا اله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق، مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي من عدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عامدًا وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر مع ان مرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل).

فنقول: أما كلام ابن القيم الذي قاله بفمه محبه بقلمه فهو ان الاعتقاد ما كان من وظائف القلب الشامل لعمله كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر وتصديق الرسول فيما جاء به وأخبر عنه، والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان، أو ما يضاده من التكذيب أو الشرك أو عدم العمل به بعدم الحكم بما أنزل الله ان كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا، وترك الصلاة بالكلية عامدًا عنادًا. فالأول هو الدين الذي لا يقبل الله غيره. والثاني هو الكفر الذي ليس معه إيمان. فأما أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن بلا تقديم لكلامه على كلام الرسول ومن لم يأمن جاره بوائقه وضرب أعناق بعض المسلمين بعضًا وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده إليه فيهما وعدم المحافظة على الصلاة في أوقاتها فهذا وان أطلق الشارع على مرتكبه الكفر فلا يخرج عن الملة لحديث أبي ذر وغيره وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور مع قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وعلى هذا مضى سلف الأمة وخيارها وهم أعلم بمعنى كلام الله ونص رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وحديث "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق" مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي كعدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عن وقتها عامدًا وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر ونفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية ومرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل، فمنه يعلم معنى جعله ترك الصلاة بالكلية وعدم الحكم بما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا كفر عملي انه عني عمل القلب وهو عدم انقياده ومحبته لأوامر الله والعمل بها ظاهرًا وباطنًا، فأما ان كان قد جحد وأنكر شيئًا من أركان الدين فهو اعتقاد محض وان كان الترك مع الإقرار والاعتراف فهو من عمل القلب المحض، وعمله ملحق باعتقاده في عدم انقياده كما قدمه آنفًا فبذلك فارق أعمال الجوارح الظاهرة من سائر المعاصي التي لا تخرج عن الملة وتقسيم اسم الكفر إلى قسمين باعتبار أعمال الجوارح الظاهرة واعتقاد القلب الشامل لعمله، ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" دليل على انه لا بد من إقامة حقها ومن أعظمه أقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما تقدم عن الصحابة والتابعين، ولحديث ابن عمر بني الإسلام على خمس فعدّ منه هذين الركنين اللذين هما أعظم دعائمه بعد الشهادتين، وكذا الحكم بما أنزل الله فيما نص على حكمه عيانًا وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به وأخبر عنه والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان المقتضي للإسلام وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة مطلق، والأحاديث التي وردت في الصلاة ونفي الشرك مقيدة وكذا الآيات، والمطلق يحمل على المقيد. وقد انعقد الإجماع على ان كلام الله وكلام رسوله لا يخالف بعضه بعضًا وانه لا يخرج أحد من المسلمين بعمل ذنب من غير استحلال له، فيا سبحان الله كيف يدلي علينا بكلام ابن القيم من لم يعلم حقيقة أمرنا وما أدلى به علينا فإنه يزعم انا نكفر بالذنوب وهذا توهم منه وجراءة وبهتان بلا خشية علام الغيوب فهو من القول بلا حلم والحكم بلا علم ومن تصدر لدعوى القول والقيل فإنما يطلب منه الدليل.

وإذا أقررتم بالكفر الاعتقادي وبالحكم به على المشركين فلما لا تحكمون به على هؤلاء الذين يعتقدون النفع والضر في المخلوقين من الأولياء أو من الشياطين وان الله أعطاهم وفوّض إليهم فهم ينفعون ويضرون ويقبضون ويبسطون وأنهم للخلق أولياء مع الله، ويشفعون فيما سئل منهم وفي الكون يتصرفون بل تعترضون علينا في رسائلكم ومقدماتكم وتقولون ان ذوى العقائد الذين اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون في جلب ما طلب منهم ويفرون كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن هؤلاء جاهلون يقرون بألسنتهم أن لا إله إلا الله ونحن نقول أفلا ميزتم الفرق بين الفريقين إذ الأوّلون لم يعتقدوا ما اعتقده هؤلاء الآخرون من هذا الاعتقاد المنافي للدين والمثبت للفساد هذا لم يعتقده أحد ممن سلف من العباد، وإنما حدث من عمى القلوب والجهل في حقيقة ما هو من العبيد مطلوب، والأولون لم يعتقدوا إلا مجرد الشفاعة والتقريب في نبي أو ملك أو ما هو مصوّر على صورته ليشفع له ويقرب له من الرب المجيب ولم يشركوا في كل حين بل يشركون تارة في مجرد الشفاعة والتقريب، ويخلصون الدين تارة لله رب العالمين، واحراها وقت حاجتهم في كل شدة وغمة يخلصون له الدعوة التي سماها الله دينًا وقولهم لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك دليل على أنهم لم يعتقدوا فيه الضر والنفع والعطاء والمنع والتفويض وإنما اعتقدوا ما حكى الله عنهم في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أفلا نهيتم عن هذا الاعتقاد. وأنكرتموه على معتقديه حتى لا تكون فتنة ولا في الدين فساد. بل من نهى عنه أو عن منكر أقل منه نسب ذلك الناهي إلينا. وحصرت عقيدته علينا. فقيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي. وإن كان نائيًا عنا ولم يعرفنا. أفلا أجبتم الداعي حين دعاكم إلى سبيل الرشاد. فإن القرآن ينادي وبآياته للسبيل المطلوب يهدي ويبدي وعلى المختلفين يحكم ويقضي. والسنة الغرّاء بما حكم به القرآن تحكم. ولمعانيه المرادة منه تعطي مبتغيها وتتم. ومن استمسك بالكتاب والسنة فقد غنم وسلم قال سبحانه وتعالى لحبيبه أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم معلمًا له أن يقول ما يدل على أن الخير والشر من عند الله، وأنه لا يقدر على جلبهما أو دفعهما إلا الله وحده: { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الآية وقال تعالى: { قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وقال تعالى: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ } وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } وقال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } وقال تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } وقال تعالى لصفوة خلقه: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } وفي البخاري "أنه صلى الله عليه وسلم قنت على حي من العرب المشركين يدعو عليهم شهرًا" فأنزل الله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه مبلغ عن الله تجب محبته في القلوب على الأهل والنفس والمال والولد، وعلامتها اتباع شرعه وما جاء به، لا عبادته وجعله بمنزلة رب العالمين، فإنه لم يقاتل هو وصحابه ويعادي ويوالي ويهاجر من بلد مولده ويبارز عشيرته ويمثل بعمه ويرسله الله هو وسائر الرسل وتنزل الكتب إلا بسبب عبادة الله وحده لا شريك له ليكون الدين كله له، وغيره صلى الله عليه وسلم من الأولياء من باب الأولى فإن الولى لا ينال الولاية ولا يؤتى الكرامة إلا بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، والإخلاص في اتباع ما جاء به عن الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وحاشاهم أن يرضوا بزعم من زعم أن لهم من الأمر شيئًا، بل هم أطاعوا الله واتبعوا رسله وأحبوه فأحبهم ورضي عنهم وأكرمهم كما قال جل ذكره: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } وأما الأمر فإنه كله لله فليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه كما قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر الشفعاء لا يشفعون إلا من أذن الله لهم فيها لمن رضي عنهم. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء يوم القيامة يخر ساجدًا ما شاء الله فيقال له ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعط. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية للترمذي: "احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. واعلم ان ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرًا" وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". فهذا كله نص في أن الضر والنفع والاستعانة والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله لا يلتمس شيء من ذلك إلا من الله وحده، وان الخلق ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه فلا يدعي بما لا يقدر علية أحد من المخلوقين إلا الله وحده، ولا يتوكل فيه إلا عليه ولا يرجى فيه إلا هو ولا يلتجأ إلا إليه إذ هو المعطي والشافع في القيامة فإنها إذا وقفت على إذنه كان الأمر كله له فحينئذ نقول اللهم إنا نسألك شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم اللهم شفعه فينا، فالعبادة بأنواعها لله وحده ليس له شريك. ولذلك قدم المعمولين ليفيد تقديمهما حصر العبادة والاستعانة لمستحقها وهو الله تبارك وتعالى وحده في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وقوله: { إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ } الآية وقوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } وقوله: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ }. أفلا تدبرتم معاني هذه الآيات وما ورد في سياقها من الأحاديث. فانقدتم لعمل ما دعت إليه وأعلنت به ودلت عليه من ان الدين كله لله والأمر كله له. فحينئذ وقفتم على صحة عقيدة من نسب العامل بها وبمعانيها والناهي عن ضدها ومخالفيها إليه، إذا قيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي كما قيل في الصدر الأول لمن تبع ما جاء عن الله وخالف من خالف أوامر الله أنه صابئ ومن وافق الحق تبع وان كان واحدًا ويسمى وحده أمة. كما قال الله عن إبراهيم حين خالف قومه فيما نهى الله عنه واتبع رضوانه وعمل بتوحيده: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } وقد سمى الله تبارك وتعالى كلمة الإخلاص كلمة التقوى لأنها السبب لكل خير دنيوي وأخروي عكس كلمة الفجور، فإنها السبب في كل شر دنيوي وأخروي، ومن اكتفى بمجرد لفظها عن معناها فجانبه وعمل بضدها وهو الكلمة الخبيثة المنافية لاسمها ومسماها من كل فعل أو قول أو اعتقاد خبيث معناه يبطلها ويأباها فإنه قد عكس اسمها في اعتقادها ومنشئها إذ في زعمه أنه متى قالها مع قرينتها وهي الشهادة لمحمد بالرسالة فلا ينافيها من القول أو الفعل أو الاعتقاد مهما قال أو فعل أو اعتقد وهذا مناف لحقيقة الإسلام فزاع عن الإيمان لعدم استسلامه وانقياده للعمل في الدين الذي قال الله عنه: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } وإذا فقد العمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة ووجد العمل بضدها الشامل للقول أو الاعتقاد عدمت بالكلية وان تلفظ بها وقالها باللسان إذ لا يجتمع متضادان في شيء واحد والمثبت له الإسلام في هذه الحالة جامع بين النقيضين وهو غير ممكن فلا أحد كائنًا من كان يجعل عبادة الله التي هي خاصة بجلاله لغيره تعالى من الخلق إلا كانت للشيطان وأعوانه كما قال جل ذكره: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } وقال تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْس } يعنى من إغوائهم في دار الدنيا.

(وأما حديث) أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب (فالجواب عنه من وجوه).

(أحدها): أن لفظ الحديث بيأس لا يئس وإذا كان اليأس جاء من قبل نفسه لأمر رآه من أمور النبوة وانتشارة الدعوة وإنزال التنزيل مع كثرة الإجابة في تلك المواطن فلا مانع من عبادته ولو بعد حين، وإنما يئس لما قام في ذهنه مما رأى مع حرصه على إغواء بني آدم.

(الثاني): ان اللعين كان يداخل الصور التي صوّرها المشركون ويكلمهم فيها كما قال جل ذكره: { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ } فلما نزل قوله تعالى: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } كسرت تلك الصور التي يكلمهم فيها يئس في نفسه ان يعبد كذلك، ولا منافاة ان من عبد الله فعبادته واقعة للشيطان لأن إياسه إنما هو بالنسبة إلى إعادة تلك الصور إلى ما كانت على صفتها الأولى.

(الثالث): انه يئس ان يعبد ظاهرًا بلا واسطة قبر أو تمثال كما عبد في غير الجزيرة كذلك فإنه قد وجد من عبد صورته استقلالًا.

(وأما بيان) الجزيرة فقال سعيد بن عبد العزيز والأصمعي وأبو عبيدة هي من ريف العراق إلى فدك طولًا ومن تهامة وما وراءها إلى طرف الشام عرضًا وقيل هي من أقصى عدن أبين اسم رجل إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى طرف الشام وقال الخليل إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاط بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضهم ومسكنهم ومعدنهم، وقال الإمام أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها وهو مكة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لا من تيما ولا من اليمن، والآيات والأحاديث فيما ذكرنا كثيرة جدًا ولكن اتباع الهوى من أكبر البلوى ولا أشد ضررًا على الإنسان من ميل الهوى وإتباعه فيما يسخط الله تبارك وتعالى فانه قال عز من قائل: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله } عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من هوى".

(وأما قولكم وقد قسمه العلامة ابن الجوزي في النهاية إلى أربعة أقسام. كفر إنكار بأن لا يعرف الله تبارك وتعالى أصلًا ولا يعترف به. كفر جحود ككفر إبليس لعنه الله إذ كان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه. كفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا واستكبارًا واستحياء من قومه ككفر أبي جهل وأبي طالب واضرابهما. وكفر نفاق وهو أن يعترف بلسانه ولا يعتقد بقلبه).

فنقول: قد شاع وذاع وتقطعت به الاسماع وتواترت الأخبار وامتلأت الدواوين أن الكفر من حيث هو ينقسم في تعريفه إلى أربعة أقسام وكل قسم مغاير لقسيمه في المعنى الذي يسمى به وهذه الأقسام متفقة في حقيقة معنى الكفر وأصله من الستر ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرًا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده إياه.

(الأول كفر الجحود): وهو أن يكفر بما يعلمه في قلبه من أسماء الرب أو صفاته أو أفعاله أو دينه وأحكامه أو رسله أو ما جاء به من الحق فلا يقر به في لسانه ولا يعمل به في جوارحه وهذا كفر إبليس عليه اللعنة ومشابهيه الكاتمين الحق بعد علمهم إياه كاليهود ومشاكليهم من علماء السوء العاملين بالباطل والبهتان والقائلين الزور فيما جاء به القرآن وهم المجوّزون المنكر والعاكفون عليه والناهون عن المعروف وما يوصل إليه والصادون عن سبيل الله وما يقرب لديه. قال سبحانه وتعالى في حق أولئك: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } وقال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } فكل من عرف الحق من الدين ولم ينقد إليه ولم يعمل به فهو كافر ككفرهم، وهو ملعون كما لعنوا، وقال تعالى في حق هؤلاء: { الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } وهذه شاملة الفريقين.

(الثاني كفر إنكار): وهو أن ينكر الله أو دينه أو رسله أو كتبه أو شيئًا مما جاؤا به في القلب واللسان.

(الثالث) كفر العناد وهو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف به في لسانه ولكن لا يعمل به ككفر أبي طالب وأمثاله حين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدين والعمل به من إيمان وغيره فقال: لو لا تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال في النبي صلى الله عليه وسلم ودينه أبياتًا يثني عليه بها وهي هذه:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** وابشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينًا قد علمت بأنه ** من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة ** لوجدتني سمحًا بذاك مبينا

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومقاتل نزل قول الله سبحانه وتعالى وهم ينهون عنه وينأون عنه في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم ويمنعهم منه وينائي بنفسه عن الإيمان بدينه أي يبعد نفسه عن العمل به حتى أنه اجتمع إليه رؤساء المشركين وقالوا: خذ شابًا من أصبحنا وجهًا وادفع محمدًا لنستريح منه فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم. ولما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلًا أكبرهم سنًا الوليد بن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتوا أبا طالب ومعهم أبو جهل وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وفد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك وأنصفنا منه. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعا به فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك فلا تمل كل الميل على قومك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ماذا يسألوني" قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال صلى الله عليه وسلم: "أدعوكم إلى كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" أي تطيع، فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: لا اله إلا الله" فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلهًا واحدًا لظنهم أن الإله الواحد لا يسع الخلق ولا يصلون إلى قربه إلا بوسائط ورسائل يقربونهم إليه يتوكلون عليهم ويتقرّبون لديهم بشفاعتهم عنده، فهم يتألهونهم بقلوبهم بمحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم وإكرامهم زاعمين أن ذلك فيه رضاء الله وانه تعالى أمر به كما قالوا في الآية الأخرى لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، لأن ما تألهوه إما نبيًا أو ملكًا أو صورة أحدهم فلذلك تعجبوا مما دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ان هذا لشيء عجاب، أي عجيب والعجب والعجاب واحد كقول الرب: جل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض. وانطلق الملأ منهم من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب الذي كانوا فيه وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة الطيبة يقول بعضهم لبعض: أن امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادة آلهتكم يوصي بعضهم بعضًا في الصبر على ما هم عليه من الباطل وعداوة الحق أي اثبتوا على معتقداتكم لتقربكم إلى خالقكم لأنه قد أمركم بذلك ولهذا قال ان هذا لشيء يراد أي هذا الاعتقاد بالآلهة يراد منا لا محالة عن ذلك فان الخلق لا يسعهم الإله الواحد بل هم مأمورون بالأسباب الموصلة إليه وقيل معناه أنه لأمر يراد بنا وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه عندهم قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لأمر يراد بنا وقيل يراد بمحمد يملك علينا فيتولى أمرنا وما نحن فيه، ولما كان الدين الذي لا يقبل الله غيره مخالفًا لعادتهم وعادة آبائهم قالوا: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة هي ملة قريش وهي دينهم الذي كانوا عليه بلا أصل وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: يعنون النهاية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة ان بمعنى ما هذا إلا إختلاق كذب وافتعال ثم لما حسدوا بغيًا واستكبارًا عن الحق وإتباعه، قالوا: أنزل عليه الذكر من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } أي وحيي وما أنزلت على عبدي. والمراد به القرآن، وما أنزل لأجله، وهو التوحيد، بل لما يذوقوا عذاب، تهديد لهم أي سيذوقونه ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا حيث لا ينفعهم التصديق، لأن لما تدل على عدم وقوع المنفي بها في الحال لا في الاستقبال.

(وإذا كان) معنى كفر العناد هو ان يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين بما عرفه واعترف به فالعجب ممن يدلي علينا باعتراضاته ويزعم في مصنفاته ويقول في معتقداته ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق فمتى وجد أغنى عن العمل ويسمى المصدق مؤمنًا وحيث ترك العمل فهو كافر كفرًا عمليًا لا يخرج عن الملة بل هو مسلم حكمًا وحقيقة، وهل هذا إلا تناقض فيما قاله أو ادعاه، ونقض لما أبرمه فيما حكاه فلله الحمد والمنة.

(الرابع): كفر النفاق وهو ان يعترف باللسان ويعمل بشرائع الإسلام ظاهرًا ولا يعتقد في القلب بل إما يكذب أو يستخف ولكن يعمل خوفًا وتلجئه فهو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله بواحد منها لا يغفر له بل هو مخلد في النار بنص التنزيل وأحاديث البشير النذير.

(وأما قولكم قال ابن القيم: وهذا الجمع والتوفيق بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ إلا عنهم إذ هم الواقفون على اسرار الكتاب والأحاديث، والمتأخرون لما لم يفقهوا مرامهم افترقوا فرقتين فرقة أخرجت مرتكب الكبيرة عن الملة المحمدية وقضوا عليهم بالخلود بالنار وفرقة جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يقضوا عليهم بالخلود ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي وهذا هو الموافق للمنقول عن علماء الصحابة والتابعين من تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين) فنقول:

هذا مما قدمناه وقلناه والحق ما قاله ابن القيم، ولكن لا يخص بفهمه والعمل به إلا من سبقت له من الله الحسنى والمقام الأسنى والعناية الربانية والسعادة الأبدية، فإنه عنى بذلك ما عناه الأئمة الأعلام الذين هم مصابيح الهدى والدين من سائر الأنام، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة الدين حتى البخاري ومسلم، كلهم على أن المسلم لا يكفر بذنب يفعله ولا يخرج به من الملة كالقتل والزنا وشرب الخمر وقوله لأخيه المسلم يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وسائر أفعال المعاصي إلا الشرك بالله الأكبر، الذي لا يغفره تعالى كما حكاه بنص التنزيل، أو استحلال ما حرمه الله أو تحريم ما حلل، كما قدمنا الكلام فيه وعلى هذا دل الكتاب والسنة وبه نطق أولو العلم والحكمة قال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ.. } إلى قوله.. { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } فسماهم مؤمنين وجعلهم أخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض، وقال تعالى في بيان الكفارة: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ولو أعتق مذنبًا أجزأ عتقه بإجماع أهل العلم. وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم عليهم بالكفر الموجب للردة ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا ورجم هذا وقطع يد هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: "لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم". وفي البخاري: "عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شاربًا فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ولما أن ذو الخويصرة وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية وقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه إنه يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدًا صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما جانبوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغنوا بما معهم عنها وخالفوه وخالفوا الصحابة ودعوا إلى بدعتهم واستحلوا دماء من لا يوافقهم عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم مثل عاد" وذلك الشارب الخمر لما كان محبًا للرسول ولسنته نهى صلى الله عليه وسلم عن لعنه وقال: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله". فهذا يرد ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من التكفير بالذنوب ووجوب النار والتخليد لمن مات عاصيًا لمقلب القلوب. وكذلك المرجئة القائلون بأن الإيمان لا تضر معه المعصية، كما أن الكفر لا تنفع معه الطاعة، وترك الأعمال التي من الدين معصية لا تضر مع وجود التصديق القلبي إذ هو الإيمان عندهم ووجوده كاف عن غيره ولكل شبهة مستند إليها قد ذكرناها فيما تقدم، فهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يحكموا عليهم بالخلود في النيران ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي والاستغراق في الطغيان، لأنهم بقول الله ورسوله متمسكون وعلى قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان معتمدون ولمن خالفهم مجانبون إذ هم على أسرار الكتاب واقفون وبسنة نبيهم آخذون فلا تتلقى تلك المسائل وتؤخذ إلا عنهم ولا يهتدي المهتدي ويفوز المسترشد إلا بهديهم وإتباع سنتهم ومن جانبهم فقد أبعد وضل وأضل فإن انضاف إلى المجانبة الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

(وأما قولكم قال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق).

فنقول: هذا بعينه ما قاله ابن القيم وغيره نقلًا عن الصحابة والتابعين من أن أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن مع عدم تقديم كلامه على كلام الرسول، ومن لم يأمن جاره بوائقه، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع مع الانقياد لحكم الله في الأصول بالقلب والقول باللسان، وسائر المعاصي الظاهرة لا يخرج بها مرتكبها عن خطة الإسلام وان لم يسم مؤمنًا حقًا، فلا يقال عنه كافر حقًا فهاهنا كفر درن كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجر عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس قال: سئل ابن عباس عن قوله: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال: هو بهم كفر ولكن ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وفد تقدم الكلام فيه مستوفى عند قوله وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس في تفسير هذه الآية وأنه رضي الله عنه فصل تفصيلًا حسنًا قد ذكرناه عنه فيما سلف وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وهذا كله رد على المعتزلة والخوارج الضالين عن طريق الحق والصواب والجانحين عن طريقة أفضل الأحباب.

(ونحن ولله الحمد) على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم معتمدون وبكلام الله آخذون ولمن خالفه مجانبون ومعادون والدليل على صحة ما قلناه واعتقدناه إنا لا نكفر إلا من كفره الله بنص التنزيل كالمتألهين غير الله من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم وتفويض جميع أمورهم إليهم قولًا واعتقادًا والراضين بذلك المكفرينا بأمرنا بما أمر الله به ونهينا عما نهى الله عنه يجاهدوننا ويجعلون اليهود والنصارى أخف شرًا منا ومن إتباعنا وكذا الجاحدين من الدين ما علم بالضرورة انه منه عمليًا كان أو اعتقاديًا، ونجاهد على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه بأمر الله له في آيات التنزيل كما قال جل ذكره: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } الآية فقدم تعالى التوبة من الشرك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وسائر أعمال البر لا تعتبر ولا يعتد بها إلا بعد وجود الأصل وهو التوحيد إذ هو كأصل الحائط أو أصل الشجرة وسائر الأعمال كفرعه وهو لا يثبت إلا على أصل فلا يستقيم بدونه ولا يتم إلا به قال سبحانه وتعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فإن حكمتم على ان من جعل بعض الدين لله وبعضه لغيره بأنه عاص لا كافر حقيقة، وقد جنحتم وكيع عن إجماع سلف الأمة في أن المشركين الأولين الجاعلين بعض الدين لله وبعضه لغيره ومن شاكلهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم مستوجبون للكفر حقيقة وان من اعتقد انهم على صواب أو هدى أو شك في كفرهم فهو مكذب لقول الله طاعن في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وان حكمتم بكفره فلما لا تحكمون به على من اتخذ من دون الله وليًا ونصيرًا وشفيعًا يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه قال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }

وقال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } فتعلمون عقيدتنا وحقيقة أمرنا ونهينا ولا تدلوا علينا بكلام هؤلاء الأئمة الأماثل والجهابذة الأفاضل لأن ذلك إنما يلزم به أهل الأهواء من ذوي العقائد الفاسدة الراكسين في المخالفة للنصوص الشرعية والآيات القرآنية لكن من لم يميز الدين ويعرفه عين اليقين عميت بصيرته وأظلمت سريرته فلا حيلة فيه إذا رفعت الشكوى وعمت البلوى.

(وأما قولكم وقال ابن القيم الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فان الله سمى من حكم بغير ما أنزل الله كافرًا ظالمًا في قوله تعالى: { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وسمى متعدي حدود الله في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا فقال: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } وقال يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال صفيه آدم ربنا ظلمنا أنفسنا، وقال كليمه موسى عليه السلام: رب إني ظلت نفسي فاغفر لي ومعلوم يقينًا ان هذا الظلم ليس كمثل ذلك الظلم).

فنقول: كل كافر ظالم ولا عكس لأن قوله تعالى: { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } مبتدأ محصور في خبره أي ولا ظالم أظلم ممن وافى ربه يومئذ كافرًا وتد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون، ومتعدي حدود الله في النكاح بالمضارة، أو نكاح ما لا يحل نكاحه، انشاء، أو رجعة، والطلاق فيطلق لغير السنة أو لها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعهاه، ثم طلقها مضارة لها، والخلع فيضارها بمنع حقها لتفتدي منه وكل من فعل كذلك فقد ظلم نفسه، أي أثم فيما بينه وبين الله وان أبدى للناس حاله عكس ما أخفاه عنهم، وقول يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي في ذهابي مغاضبًا لقومي بلا إذن من ربي ففي نسبة الظلم إلى نفسه اعتراف منه بأنه عمل خلاف الأليق به فان العبد إذا أرسله سيده بأمر وجعله في وظيفة على عبيد لسيده فغاضبوه وامتنعوا من أمره لا ينبغي له الاستعجال والمغاضبة لهم والذهاب عنهم بلا مراجعة من سيده فهو عليه السلام قد فهم ذلك وتذكره بعد ذلك فلام نفسه ورجع إلى ربه مستدركًا ما فات منه من التقصيرات بمناداته في تلك الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وهذه رتبة الخواص الفزع عند الشدائد إلى مالك الناس بالإخلاص ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفزع عند كل شدة إلى الصلاة. والظلم تارة يأتي بمعنى الإثم الذي هو أعم من المعاصي والكفر كما تقدم، وتارة يأتي بمعنى خلاف الأولى كقول يونس صلوات الله وسلامه عليه سبحانك إني كنت من الظالمين، وقول آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا. وكما جاء في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا وقال: "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة فسمى خلاف الأولى ظلمًا. وقد صح في السنة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجيب له" وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ألم تسمع قول الله تعالى ننجي المؤمنين" فالإيمان شرط من الله لمن دعاه بهذه الدعوة إذ قد يقولها وهو يوجد المنافي لها قولًا أو عملًا أو اعتقادًا فليس عنده منها إلا مجرد لفظها وكانت هذه الدعوة مفزع الأنبياء، أخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة وقول آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا فيه الاعتراف بمخالفة النهي وفعل خلاف الأولى وأنه فعل المنهي عنه لا عن عمد وإنما هو ظان أن النهي لا يقتضي التلزيم باجتناب المنهي عنه لأن الغار له أقسم بالله على ذلك فظن أن لا أحد يقسم بالله كاذبًا فنسب التقصير والظلم إلى نفسه وما أحسن الاعتراف بالذنب والتقصير من العبد لسيده وان أبعد اللوم عنه ظاهرًا والعبد إذا ازداد قربه من سيده ازداد خوفه وخشيته ورغبته ورهبته منه وعد ما جرى من غير اللائق به ذنبًا وان لاق بغيره ممن هو ليس في درجته ولذلك كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال موسى عليه السلام: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فسؤاله المغفرة واعترافه بظلم النفس على جهة طلب الكمال، وان اللائق به كان خلاف ما فعل من الاستعجال بقتل القبطي وإلا فمجرد قتله جائز فإنه عدو للدين حربي للاسرائيلين لكن كان الأولى في حق موسى تأخر قتله لينصحه ويعظه بما قاله رب العالمين، فتسميته من عمل الشيطان للاستعجال بقتله، وتسميته ظلمًا من حيث حرمان ثواب المندوب، وقال اعترافًا وانقطاعًا إلى الله فيما هو إليه محبوب وان لم يكن ثم ذنب البتة. والاستغفار منه بمعنى طلب المغفرة بترك هذا المندوب لعمله عدم الأولى المطلوب، ومن المعلوم يقينًا عند كل عاقل ان ظلم الكفر ليس كظلم المعاصي، وظلم العبد المنيب ليس كظلم العبد الجافي، فالظلم مختلف، كما أن الكفر أنواعه مختلفة، وهذا لم يقع فيه نزاع بين علماء أهل السنة، إنما القصد الكلي والفائدة العظمى طلب ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك الإنزال والإرسال وما طلبه من عبيده فما خلقهم لأجله وأمرهم به ونهاهم عن ضده ورتب على وجوده رضاه ورحمته والخلود في جنته وعلى عدمه والعمل بضده غضبه وسخطه وحرمان رحمته والخلود في ناره وغضبه وتضعيف عذابه وكل ما يحتاج إليه الناس في دينهم فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا، ثم إذا عرف ما بينه الكتاب وقاله الرسول، نظر في أقوال الخلق فعرضت على الكتاب والسنة فما وافق قبل، وما خالف نبذه، فهذا هو سبيل الهدى والسنة والعلم والحكمة، وهو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من الأئمة الأعلام إلى آخر الزمان، وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك تجد المبتدع بدعة إما مخرجة عن الدين بالكلية، وإما ليست أصليه منه ولا فرعية بل من رأى رجال وتأويلاتهم، أو من دسائس الشيطان وتحسيناتهم أنها من الدين ومما يقرب إلى رب العالمين، لم يجعل ما جاء به الرسول أصلًا وفرعًا فيعرض عليه سائر ما هو عامل بل يحرف الألفاظ ويتأولها على وفق ما هو له أصل رفي نفس الأمر لا يعتمد على ما جاء به الرسول ولا يتلقاه منه بالهدى ولكن يتأول منه ما يوافق بدعته ليجعله له حجة كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه وقد قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة } التي من أعظمها الشرك وابتغاء تأويله وقال صلى الله عليه وسلم فيما خرجاه في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

(والأعمال قسمان) عبادات ومعاملات. فأما العبادات فكل ما كان خارجًا عن كلام الله ورسوله بالكلية من قول أو اعتقاد أو فعل فهو مردود على عامله ويدخل تحت قوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } فمن تقرب إلى الله بما لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه وشبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وان تلك القربة المعتقدة كقربة الأولين فهي أعظم بعدًا عن الدين، وأبغض معصية إلى رب العالمين، وهذا مناف له من أصله فلا يوجد معه أبدًا كالذين يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانًا ويقولون على الله ما لا يعلمون، وهم الجاعلون بينهم وبين خالقهم وسائط ووسائل من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويلوذون بهم ويتوكلون عليهم ليشفعوا لهم عند مليكهم في قضاء حوائجهم ومع ذلك يقولون: الله أمرنا بهذا فهو يرضى به، ويحتجون بقوله تعالى: { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } ولم يتأملوا أحوالهم وما هم فيه من العقائد الفاسدة والحجج العاطلة فتستنير قلوبهم لمعناها وإنها الأعمال الصالحة لا سواها بل واسطتهم تلك هي معنى الإله المذكور في قوله تعالى: { قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ذكره المفسرون في كتبهم نقلًا عن البشير النذير، وان كانت غير ذلك كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ولا رسوله التقرب بها إليه بالكلية فهي من دسائس الشياطين لتنال الحظ الوافر من العاملين وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل انه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وان يصوم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وان يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرها، وقد روى ان ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخطب اعظامًا لخطبته صلى الله عليه وسلم ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قربة يوفي بنذره مع ان القيام عبادة في موضع آخر كالصلاة والأذان والقيام بعرفة والبروز في الشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربه في موطن يكون قربة في كل موطن إنما يتبع ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي.

(وأما المعاملات) كالعقود والفسوخ ونحوها فما كان منها تغير للأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فانه مردود من أصله لا يقبله الله لأن هذا غير معهود في الإسلام ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله ان ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قال: فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت") وبتأمل ما ذكرناه يعلم اختلاف الظلم كما يعلم اختلاف الكفر وان كل كافر ظالم ولا عكس.

(وأما قولكم وسمى الله الكافر فاسقًا في قوله: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } الآية، وسمى المؤمن فاسقًا في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط على قول الأكثر في قوله تعالى فيمن رمى المحصنات { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } والآيات كثيرة في الأمرين).

فنقول هذا من كلام ابن القيم أيضًا وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، قال الله تعالى في حق إبليس عليه اللعنة ففسق عن أمر ربه أي خرج، وكل كافر خارج من الطاعة فهو فاسق ولا عكس، وان سمي فاسقًا إذ الفسق أعم من الكفر وهو أخص وبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة الكفر، وينفرد الفسق عنه، ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى المؤمن العاصي فاسقًا في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم جابيًا للصدقات على بني المصطلق فلما قاربهم وسمعوا به اجتمعوا فهابهم وخاف على نفسه بسبب عداوة كانت بينهم في الجاهلية فلما خاف الوليد ورجع مخبرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمنعهم الزكاة وارتدادهم غضب النبي صلى الله عليه وسلم وهم بهم فجاؤا معتذرين مكذبين للوليد فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد آمرًا له أن ينظر في أمرهم فان رأى خيرًا أخذ الزكاة وان رأى أمارات غيره فعل بهم كفعله بالكفار، فرأى الخير بسماعه لأذاني صلاة المغرب والعشاء فأخذ الزكاة منهم وأنزل الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ } الآية فاستفيد ان المخبر بشيء لا يعمل بخبره إلا بعد التثبت ومن هنا قيل ان النميمة تمنع قبول خبر النمام لأنه بمجردها يفسق بها لأنها كبيرة إلا أن تكون مصلحة للدين وقمعًا لأعدائه المعاندين إذا سبوه واستهزؤا به أو تعدوا وظلموا فيه فقد يجب رفع خبرهم إلى الإمام أو نائبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه خبر العرنيين، وقيل نزلت الآية في الحكم بن أبي العاص وهو مؤمن أيضًا، والأول عليه الجمهور، واتفقوا على فسق قاذف المؤمن لأن الله سبحانه سماه فاسقًا ما لم يتب، ولا يلزم من تسمية فاعل المعصية فاسقًا كفره لما تقدم أن كل كافر فاسق ولا عكس، ولأن الله سبحانه سمى المؤمن العاصي فاسقًا ولم يحكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر مع وجود فسقه، كما لا يلزم من وجود الظلم الكفر بخلاف العكس قال تعالى: { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وقال تعالى: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } الآية وقال تعالى: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ } والآيات في هذا الحد كثيرة فليس فسق العاصي كفسق الكافر، كما ليس ظلم الأول كظلم الثاني، فالكفر كفران والفسق فسقان، والظلم ظلمان، وكذلك الجهل جهلان، باعتبار الكفر والإيمان.

فالأول كما في قوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }.

والثاني كقوله تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ }. وباعتبار حقيقته إلى مركب، وهو فهم المعنى بالعكس على غير المراد منه مع التصميم على ذلك وادعاء العلم به، وبسيط، وهو الغفلة عن المعنى مع عدم ادعاء علمه.

(وأما قولكم والشرك أيضًا شركان شرك ينقل عن الملة وشرك لا ينقل عنها وهو الأصغر وهو شرك العمل كالرياء قال الله في الأكبر { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } وفي الأصغر { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ومن الأصغر حديث من حلف بغير الله فقد أشرك لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار).

فنقول: أصل دين الله وقاعدته الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وشرع الجهاد لأجله وجعل الجنة والنار بسببه والذل والصغار على من خالفه إنما هو أمران.

(الأول) توحيده سبحانه بالقيام بعبادته له تعالى وحده لا شريك له وهو إخلاصها بأنواعها لجلاله وعظمته المختصة بألوهيته قال سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } وقال تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } وقال: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } وقال تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.

(الثاني) الكف عن الشرك والنهي والإنذار عنه والتغليظ فيه، والمعاداة به، وتكفير من فعله، والبراءة منه، وعدم مودته وموالاته من دون الله، وان كان قريبًا من العشيرة قال الله سبحانه وتعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وقال تعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } والمخالفة في هذين الأمرين (أنواع) أشدها المخالفة في كليهما، والخلق قد افترقوا فيهما فرقًا:

(فمنهم) من عبد الله وحده لكنه لم ينكر الشرك وهو يعرفه.

(ومنهم) من أشرك ولم ينكر التوحيد.

(ومنهم) من أنكر الشرك لكنه لم يعاد أهله، بل والاهم من دون المؤمنين أو جعل رتبتهم كرتبة أهل التوحيد محتجًا بأن الكل خلق الله.

(ومنهم) من عاداهم لدنيا أو عصبية لا لشركهم ولم يكفرهم ولم يعب عليهم فيه.

(ومنهم) من لم يحب التوحيد ولم غضه وإنما هو تابع فيه غيره سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.

(ومنهم) من أنكره ولم يعاد أهله.

(ومنهم) من عاداهم لمخالفتهم أهل الأهواء المتبع لهها مع عدم شعوره ولم يكفرهم.

(ومنهم) من كفرهم وأنكر التوحيد بعد أن عرفه وسبه وأهله.

(ومنهم) من لم ينكره لكنه كفر أهله الآمرين به والناهين عن ضده.

(ومنهم) من لم يبغض الشرك ولم يحبه بعدم تمييزه عن ضده.

(ومنهم) من لم يعرف الشرك من أصله فلم ينكره وفعله.

(ومنهم) من لم يعرف التوحيد وأنواع العبادات فلم يقل به مؤديًا حقه.

(ومنهم) من قاله بلسانه ولم يعمل به ولم يعرف معناه في قلبه ولا قدره فلم يعاد أهل الشرك ولم يكفرهم.

فهذه ثلاثة عشر فرقة كلها قد خالفت ما جاءت به الرسل من دين الله وتوحيده وأشدهم مخالفة من عرف بتوحيد الله ودينه فأنكره وكفر أهله، ثم من عرفه ولم ينكر لكنه كفر أهله وعاداهم، سم من قال التوحيد بلسانه ولم يعمل به في اعتقاده ولم يعرفه ولا قدره ولم يسأل عنه أهل معرفته بل تسافه عنه مستغن برأيه، ثم من جعل رتبة أهل الشرك كرتبة أهل التوحيد، فهذا من أعظم الجور والبهتان في حكمه حيث جعل المشركين في رتبة الموحدين { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ثم الباقي سواء في المخالفة.

(واعلم) ان أمر الله تبارك وتعالى شرع شرعه وقدر قدره ولا يتم الإيمان بأحدهما إلا بالآخر ولا يدرك أمره تعالى ليتمثل ويعمل به إلا بتأمل معاني كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } (ثم الشرك من حيث هو) ينقسم إلى اكبر غير مغفور وإلى أصغر لا يقبله الملك الغفور. فمن الأوّل ما يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنه ما يتعلق بعباداته ومعاملاته مع اعتقاد انه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله نوعان:

(أحدهما) شرك التعطيل وهو أقبح أنواعه كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين، وقال لهامان ابن لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين.

والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وسائر صفاته لكنه لما عطل أصل التوحيد الواجب على العبيد الذي لا ينبغي ولا يكون إلا لله وحده فشرك فيه غيره صار مشركًا بذلك، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل (وهو ثلاثة أقسام).

تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.

وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.

وتعطيل معاملته تعالى عما يجب على العبيد من حقيقة التوحيد وهو إخلاص جميع أنواع العبادة والدين لله، فإذا أشرك غير الله في ذلك فقد أشرك شركًا غير مغفور إلا بالتوبة عنه وهذا المشرك مقر بالخالق وصفاته وأسمائه معطل لمعاملته المختصة بجلاله ولا يدخله في الإسلام إقراره ولا ما نفى من الآلهة لسانه لتعطله ما وجب عليه من حقيقة التوحيد يجعله ما يختص بجلال الله لغيره من العبادات المتأله بها من جعلت له، لاحظ المعنى في ذلك الجاعل أو لم يلاحظه، فأما تعطل المصنوع عن صانعه وخالقه فهو كشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلًا بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب وسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس، ومنه شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا ههنا شيئان بل المنزه هو عين المشبه، ومنه شرك القدرية القائلين بأن الحيوان يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله، ولهذا سمادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة لأن شرك المجوس إسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. وفي القرآن العزيز ما يرد عليهم كقوله تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } فالله هو الخالق للأشياء كلها والعبد مكتسب لا خالق وله اختيار في أفعال نفسه لا تقع إلا بهواه وميله إليها ولذلك يحاسب عليها مع كونها بتقدير الله وإرادته فلا يحتج بالقدر لما فيها من الرد على منشيء البشر.

(وأما محاجة آدم موسى) فإنما هي لتسليم الأمر، وله تعالى الحجة البالغة ولو شاء لهدى الناس أجمعين، وهو تعالى حكم عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب، ولا يعاقب إلا عليه، وله تعالى أن يجعل الخلق كلهم مذنبين فيعذبهم عدلًا منه، وله أن يجعلهم سعداء طائعين فيرحمهم فضلًا منه، وقد ركب سبحانه في الإنسان عقلًا وجعل آلة الإدراك يميز به الأشياء الضارة من النافعة فضلًا منه تعالى ورحمة فهو لا يسئل تعالى عما يفعل وهم يسئلون، وهو الملهم للخير والشر قال جل شأنه: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } وقال: { إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ } وكل ميسر لما خلق له، وعلى الإنسان الاجتهاد في طاعة خالقه ما استطاع وسؤال التوفيق والإرشاد إلى الصراط المستقيم.

(وأما تعطيل) الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله فهو شرك الجهمية والقرامطة لم يبقوا له تعالى اسمًا ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.

وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجبه تعالى على عبيده فهي قسمان.

قسم يخرج عن الملة وهو نفي تفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب، ودعاء العبادة، والخوف المحض بجلاله المعلق على وجود الإيمان، والرجاء والالتجاء، والتوكل، وذبح القربان، والإنابة، والخضوع، والتوبة، والاستعانة، وهذا المشرك المعطل قد ساوى التراب برب الأرباب، والعبيد بمالك الرقاب، والفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فلا ظلم أقبح من هذا ولا حكم أشد جورًا منه حيث عَدَل من لا عدل له بخلقه كما قال جل ذكره: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } وعطل حق الله تعالى المختص بجلاله فجعله لغيره بمشاركته بين الله وبين عبده في محض حقه تعالى من الدعاء بما لا يقدر عليه إلا من أمر بسؤاله، وتوعد على ترك طلب أفضاله والإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخشوع والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل وذبح القربان ضد أشرك بينه تعالى وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده إذ هو عدوه على الحقيقة، فإن المشرك مطلقًا إنما عبد غير الله وما عبد من دون الله إلا شيطانًا مريدًا كما قال جل ذكره: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنه يعبدون الملائكة. كما قال عز وجل: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } فلا أحد كائنًا ما كان يعبد غير الله إلا وقعت عبادته للشيطان نفسه، واللعين يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك أو ولي وقد يتصور على صورة المستغاث به والمدعو فهو كثيرًا ما يتراآي لأوليائه إبليس للإيهام والتلبيس فيزداد المشرك في شبهه بواسطة القبر أو التمثال رغبة ورهبة وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها شيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وهكذا عند غروبها، وكذلك من عبد المسيح وأمه وعزيرًا والأنبياء والصالحين وتعلق عليهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويلتجئ إليهم ويقرب لهم وينذر لهم ليدفعوا عنه ضرًا أو يجلبوا له خيرًا فإن ذلك كله واقع للشيطان نفسه لا لهم، بل هم بريؤون منه ومن عبادته وسيتبرأ منهم بمعنى أنه يتبرأ من عبادته إياهم ويتمنى الكرة إلى الحياة الدنيا ليعمل غير الذي كان يعمل قال جل ذكره: { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } وهذا العابد يزعم أنه يعبد من أمره بعبادتهم ورضيها لهم وأمرهم بها فهم يقربونه إليه وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله أو رسوله أو نبيه أو وليه فنزل هذا كله على قوله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } فيستمتع هذا العابد بالمعبود كما يستمتع المعبود بالعابد قال عز من قائل: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ } أي من إغوائهم وإضلالهم: { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ومن أجل ذلك كان الشرك بالله أكبر الكبائر على الإطلاق، وانه تعالى لا يغفر أن يشرك به بغير توبة منه وكف عنه، وانه يوجب الخلود في النار وليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل قبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا أن العابد معظم متأله خاضع ذليل له خائف منه، والرب تبارك وتعالى وحده هو الذي يستحق التأله بكمال التعظيم والإجلال والخضوع والذل والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والدعاء بما لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا هو تبارك وتعالى، وذبح القربان وحلق الرأس عبودية وتواضعًا هذا خالص حقه سبحانه، فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره أو يشرك بينه وبين غيره فيه ولاسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } الآية أي إذا كان أحدكم يأنف من ان يكون مملوكه شريكه في رزقه الذي جعلته له فيكف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به وهو الألوهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح لسواي، فمن زعم ذلك فلا قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني فيما أنا منفرد به وحدي، وقال جل ذكره: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } أي العابد والمعبود، وهذا حال كل من جعل عبادة الله المختصة بجلاله وعظمته لغيره فهو ضعيف هو ومعبوده إذ الكل فقير إلى الله محتاج إليه كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } فاعتماد العبد على المخلوق ودعاؤه إياه بما لا يقدر عليه إلا الله وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد فالحاصل له عكس ما أمله منه، فلا بد من الخذلان كما هو ثابت بالسنة ونص القرآن ومعلوم بالاستقراء والتجاريب قال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } وقال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ }

قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي يغضبون لهم ويحاربون كما تغضب الجند وتحارب عن أصحابهم وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم، كذلك كل بنية على قبر كل على عابديها وسادينها المعتقدين الضر والنفع والتقريب والتبعيد بما فيها لوضعهم التوابيت وتغشيتها بالستور وإيقاد السرج وفتح الباب وغلقه عن لص القبور والهتف بذكره عند الشدائد وبذل النذور ليدفع ما حل بهم من البؤس والشرور قال سبحانه وتعالى: { فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } وقال تعالى: { لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا } وقال تعالى: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } أي غير تخسير، ولما كان المشرك يرجو بشركه النصر تارة والتقرب أخرى، والحمد والثناء تارة، والشفاعة له أخرى، أخبر سبحانه وتعالى ان مقصوده ينعكس عليه فلم يحصل له إلا الخذلان والذم وحرمان ما أمله قبل لعدم الرضا عنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشبته مشفقون، وكما يستحيل على ذاته تعالى العدم، يستحيل عليه ان يشرع عبادة إلى غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، كيف ظن فيمن تفرد بالربوبية والألوهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضي به تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فان من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب والكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها بأنواعها له تعالى مختصة بجلاله، لكن هذا انما ينشأ من نتيجة العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما وهما غاية الحب مع غابة الذل وهو تمامها وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال ان تجيء به شريعة من الشرائع بل قبحه مستقر في كل فطرة وعقل. لكن غيرت الشياطين فطر أكثير الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم وأحالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فقد أرسل تعالى رسله وأنزل كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورًا على نور يهدي الله لنوره من يشاء، بحلاف من أعطى حبه وخضوعه لغير الله فهو في ظلمة الضلال { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وهم لم يسوّوهم به في الخلق والرزق والتدبير والضر والنفع أنما سوّوهم به في الحب والذل والخضوع ليقربوهم إلى المولى على خلاف ما هو مشروع. قال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ومن كان في هذه الظلمات فلا ينظر إلى الآفات في جميع الأوقات ولا يعرف الطريق الموصل إلى الآيات البينات فليس له تأمل ولا تدبر ولا تذكر ولا تفكر فيما ينجيه ولا مخافة مما يرديه، قد غره الأمل وصار كما قال عز وجل: { إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ }.

(النوع الثاني) من الشرك الذي يتعلق بذات المعبود شرك النصارى الجاعلين معه إلهًا آخر لكنهم لم يعطلوا أسماء الرب ولا صفاته ولا ربوبيته، بل جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا إنما جعلوا ذلك لأن أول الإنجيل باسم الأب والأم والابن، كما أن أول القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الزوج ومريم وعيسى، فحينئذ قالوا ان الله ثالث ثلاثة، ولم يعلموا ان المراد بالأب هو الاسم وبالأم كنية الذات المعبر عنها بماهية الحقائق وبالابن الكتاب وهو الموجود المطلق لأنه فرع ونتيجة عن ماهية ما في اللوح المحفوظ، واليه أشار قوله تعالى: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } ومنه شرك عباد الشمس والنار وغيرهم فمن هؤلاء من يزعم ان معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وانه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم ان معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله عز وجل، فتارة تكثر تلك الآلهة إلى الله عز وجل، وتارة تكثر تلك الوسائط المتخذة وسيلة إلى المقرب، وتارة تقل، فهم قد جعلوا الشرك سببًا في تحصيل بعض مقاصدهم وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر لمتخذه فلا يتعاطى. وإذا حقق المؤمن ان الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ومليكه فانه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب كما جعل المطر سببًا للنبات قال الله تعالى: { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } والشمس والقمر سببًا لما بخلقه بهما والدعاء سببًا لما يحصل للمدعو له أو عليه والدواء سببًا لذهاب الداء، قد نبه على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لم ينزل الله داء الا أنزل له شفاء" يعني دواء علمه من علمه وجهله من جهله"، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ "ان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء أو شفاء إلا داء واحدًا" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: " الهرم" وهذا يعم داء القلب والروح والبدن وأدويتها فقد أرشد صلى الله عليه وسلم العرنيين لما شكوا له الوخم ووجع البطن أن يلحقوا ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها وجعل الجهل داء ودواؤه سؤال العلماء. (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة صاحب الشجة: "قتلوه قتلهم الله الا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال") كما أن وجود الداء سبب للألم، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العين حق ولو أن شيئًا سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" وكذا السحر قال تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه } فهو سبب لألم الفؤاد ويوجب البغضاء والفرقة بين الزوجين، والنار سبب للإحراق، والسكين سبب للقطع، والحبل سبب لإظهار الماء في الدلو، وأكل الطعام سبب لذهاب ألم الجوع، وشرب الماء سبب لذهاب ألم العطش، والكدح بالاجتهاد في تحصيل العلم سبب للفهم، والمتاجرة بالمال سبب لفائدة الربح، وطاعة الله سبب لرضائه ورحمته، ومعصيته سبب لسخطه وانتقامه، فالأسباب المنصوص عليها لا تنكر ولا يتكل عليها إذ في إنكارها نقص في العقل وفي الاتكال عليها شرك في الدين وكل من الإنكار والاتكال منتف شرعًا لكن قد يتخلف المسبب عنه مع قيام السبب إذ الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله وحده قال تعالى: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } وقال تعالى: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } وكتخلف إحراق النار عن إبراهيم عليه السلام حين وضع فيها، وحدة السكين حين أمرّها الخليل على حلقوم ولده إسماعيل عليهما السلام، ولا محيص عن الأخذ في الأسباب فليس المتوكل من فتح للسارق الباب، ولا من قال أنا متوكل أستغني عن الطعام والشراب. قال أفضل الأحباب لمن سأل أيعقل الناقة أم يتكل: "اعقلها وتوكل". وأفضل المتوكلين أشد عباد الله حرصًا على فعل الأسباب فقد أمر بإطفاء السراج والتسمية وإغلاق الأبواب ونفض الفرش وطي الثياب وحفظ الصبيان أول الليل لانتشار الشياطين وهذا الباب لا يحصيه العادون من سنن المرسلين فالأخذ فيها لا ينافي التوكل لأنه الانقطاع عن جميع الخلق وتفويض الأمور إلى الملك الحق وحده. وحينئذ فلا بد أن يعرف فيها ثلاثة أمور.

(أحدها): أنها لا تستقل بالمطلوب بل تتعاطى عن غير ركون إليها ومع هذا فلها موانع، فان لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود وهو سبحانه ما شاء كان وان لم يشأ الخلق، وما لم يشأ لم يكن وان شاءه الخلق.

(الثاني): أنه غير جائز اعتقاد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو بما يخالف الشريعة كان مبطلًا في إثباته آثمًا في اعتقاداته.

(الثالث): ان الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا إلا أن يكون مشروعًا إما استحبابًا أو مأذونًا، فان العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا وان يقول على الله بلا علم فيدعو غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى، وان ظن أن ذلك سبب في حصول غرضه لاعتقاده ان ذلك المدعو يشفع له فيما دعاه فيه لأنه جنس ما اعتقده الأولون في آلهتهم، وكذلك لا يجوز أن يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وان ظن ان ذلك سبب في حصول ما يطلبه من أغراض دنيا أو ثواب آخرة على زعم اعتقاده، فان الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراضه فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به والرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ }.

(من ذلك): قول المحرمات وقول السخريات ليتوصل بها إلى تحصيل شيء من أمتعة الدنيا أو القرب لدى ملك من ملوكها قال تعالى: { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } وكل شرك زور ولا عكس وقال تعالى: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ }.

(ومنه): التداوي بالمحرمات مطلقًا فلم يجعل الله الشفاء فيما حرمه بل نزعه عنه وأوهنه، والبدع التي ليست من شريعة الإسلام في شيء بل هي من شعب الشرك الظاهرة كأتربة أضرحة القبور لا يحل استعمالها أدوية ولا تعاطيها لما في استعمالها من الاعتقادات الباطلة والمفاسد في الدين الظاهرة فهي أشبه ما فعله المشركون الأولون بآلهتهم من تعظيم الأصنام والتبرك والتمسح بها في كل مشهد خاص وعام.

(ومنه): ما اعتنى به بعض الأغبياء الجهال وعوام الضلال دعوتهم بدعاء تمخيشًا وتمشيشًا، ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وشمبخ وغيرهم وبالدعوات المجهولات يزعمون أن هذه من الأسماء العظام والأدعية المستجابات وأنه من الإنجيل والتوراة، فكل هذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجند الذين اختاروه واختارهم فلسنا ملتزمين في شريعتنا ملة الإسلام بتلك الأدعية في الصباح والمساء ولم يقل بها أحد من العلماء الألباء، بل الأغبياء السفهاء من القصاص اختاروها لتغرير العوام وجمع الحطام فلم يعاملوا الله بالإخلاص، قال الله تعالى: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وأما الأسماء المنهي عنها فان الشيطان يظهر تأثيرات ويوري تلبيسه فيها منافع ظاهرًا في أكثر الأحيان وهي حسرات، بل قد يكون التلفظ بتلك الكلمات كفرًا لا يعرف معناها بالعربية قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } وكل واسطة أو وسيلة نهى الشارع عنها لا يجوز اتخاذها في جلب نفع أو كشف ضر قال سبحانه وتعالى: لا وقال تعالى: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } وقال تعالى: { فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر الله المسلمين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير المساجد الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره، والأعضاء التي يستعمل بها الإنسان ومن جملتها اللسان الذي هو ترجمان الجنان في كل ما يريد ابداءه من خير ينفعه أو ضر يضره قال تعالى: { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ } وقال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي لا أحد، فلا يدانيه سبحانه أحد، ولا يستقل سواه تعالى بما أراده ولا يعطي لما منعه، فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلا أسبابًا وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد والصلاة بحضور قلب وخشوع وذل وانكسار والدعاء والاستغفار بعد الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على أن لا يعود إليه والأعمال الصالحة من صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه فهي الأسباب في جلب الخير ودفع الشر كما صرح به القرآن والسنة.

(القسم الثاني): من قسمي تعطيل معاملته تعالى وتقدس ما لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار بل ينهى فاعله ويؤدب عليه وهو الشرك الأصغر فمنه الرياء والسمعة بقطع النظر عن صحة العبادة إذ إخلاص النية شرط لصحتها وهو يصدر ممن يعتقد ويقول لا إله إلا الله وانه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع إلا الله وحده ولكن لا يخلص في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وهذا حال أكثر الناس زيادة عن الأول وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قال أبو بكر رضي الله عنه كيف يا رسول الله ننجوا منه قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك قال تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، كذلك ينبغي أن تكون العبادة كلها له وحده فكما تفرد بالألوهية يجب أن ينفرد بالعبودية، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" وفيه أيضًا عن أبي سعيد مرفوعًا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللهم اجعل عملي كله لك صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

وهذا الشرك يبطل الثواب من أصله أو العمل أيضًا لما تقدم، فمن أراد بعمله غير وجه الله أو نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص هو أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، فهذه هي حقيقة ملة إبراهيم التي أمر الله بالقيام بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء لأنه قد هان عليه أمر خالقه فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، فكان هواه آثر عنده من رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة مولاه فيجعل لله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك لأنها المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته في يده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه يستحي من الناس، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وان عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وان قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد فرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه ان ساعده القدر قام قيامًا لا يرضى مثله مخلوق وبذل من ماله ما يستحي ان يواجه به مخلوق لمثله وإذا هو أجهل الجاهلين وأمقت الممقوتين وأظلم الظالمين وأهلك الهالكين ممن عصى ربه من العاصين.

(ومنه الحلف) بغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك" رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن، قال وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله كفر وأشرك على التغليظ فيكون الشرك الأصغر. قال ابن مسعود وغيره لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا. وإنما قال ذلك لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك.

(ومنه) قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده" هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } فكيف بمن يقول أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، أو من بركات الله وبركاتك، والله ولي في السماء وأنت ولي في الأرض، أو يقول والله وجاه فلان، أو أنا تائب إلى الله وإلى فلان، وأرجو الله وفلانًا، وفي ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول ذلك القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجوابه صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله لله ندًا بها فقد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من تلك الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه ندًا لرب العالمين، وفي مسند الإمام أحمد "أن رجلًا أتى به قد أذنب ذنبًا وهو أسير فلما وقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله".

ونحن لم نكفر الناس ونجاهدهم بهذا القسم الثاني بل بالأول، وعليه فانه أمر مجمع عليه مع أنهم هم الذين بدؤنا بالجهاد ليرجعونا عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الدين القويم الذي هو المراد إلي ما كنا عليه أولًا من أنواع الباطل والفساد زاعمين أن اليهود والنصارى أخف شرًا منا ومن مال إلينا، ونحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه كفاية لمن اعتبر وتدبر، وبعين بصيرته نظر وفكر، فانه حجة الله وعهده ووعيده ووعده وأمانه ورفده ومن تبعه عاملًا بما فيه جد جده، وعلا مجده، وبان رشده، وبان سعده، والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد فلا تقليد فيه ولا عناد.

النفاق نفاقان

(وأما قولكم وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي ذكر الله أن أهله في الدرك الأسفل من النار وهو كثير في القرآن، ونفاق العمل كما في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي بعضها أربع بزيادة وإذا خاصم فجر فهذا نفاق عملي مجتمع مع أصل الإيمان).

فنقول: هذا الحديث الذي خرج في الصحيح ليس فيه بحمد الله إشكال ولكن اختلف في معناه والذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار عند أهل السنة والجماعة كما حكاه شراح الحديث ان هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال متخلق بأخلاقهم، فان النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقه من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام ويظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا انه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر الذي رواه مسلم كان منافقًا خالصًا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس هو داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فاخلفوا وفجروا في خصوماتهم ومن كانت حاله كذلك فهو منافق حقًا، وهذا قول سعيد بن ج