الإسلام أو الطوفان, رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب بقلم الأستاذ عبد السلام ياسين
من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب
بقلم الأستاذ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة "العدل والإحسان"
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم قاصم الجبارين وناصر المستضعفين، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الناصح الأمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
للنصيحة في الإسلام شأن عظيم ومكان خطير ؛ فقد ذكرها الله عز سلطانه في كتابه العزيز، فجعلها وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ولبَّ رسا لاتهم فأعلن على لسان نبيه نوح عليه السلام في خطابه لقومه : )ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ([1]، وكذلك كان إعلان هود عليه السلام لقومه حيث قال : )ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين([2]، وقال صالح لقومه مبرئاً ذمته في أداء مهمته : )لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين([3]، وكذلك كان قول شعيب عليه السلام، وكذلك شهد لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أصحابُه رضي الله عنهم يوم عرفة لما نادى فيهم سائلاً : "أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت"[4]، فأشهدَ اللهَ على شهادتِهم.
ويكفي النصيحة شرفاً أن جعلها النبي صلى الله عليه وسلم تستغرق الدين كلَّه لما عرف الدين بالنصيحة فقال : "الدين النصيحة. قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"[5]. فالنصيحة إذن هي رسالة المرسلين، وقربة العابدين، بل هي قوام الدين. لذلك كان من سادة الصحابة رضي الله عنهم من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم -والبيعة من أقدس ما عبدوا الله به- على النصيحة بعد الصلاة والزكاة، كقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه : "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"[6]. وفي رواية أخرى : "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم"[7].
ومازال دأب علماء الإسلام ورثة النبوة من السلف الصالح والخلف المبارك من التابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم التمسك بالنصيحة بكل شعبها، والتحلي بالصبر الجميل في تحمل تبعاتها الجسيمة، تقديساً لأمانة العلم التي طوق الله بها أعناقهم ؛ فنذروا حياتهم من أجل النصيحة، وكان انتصابهم وقيامهم بفريضتها وسط الأمة كانتصاب الجبال الرواسي في الأرض تمسكها أن تميد.
كانوا أعلاماً للهدى ومنارات للحق ساطعة في تاريخ الإسلام المجيد، رغم المحن العظام، والفواجع الجسام، والفتن كقطع الليل المظلم، لو حلت بأمةٍ غير أمة الإسلام لأبادتهم ولصيرتهم أثراً بعد عين.
كما جعل الله تعالى النصيحة أحب العبادات إليه، فقال في الحديث القدسي : "أحب ما تعبدني به عبدي إلي النصح لي"[8].
كانوا معاقد عز الإسلام ومفخرته. ما إن سمعوا قول متبوعهم الأعظم صلى الله عليه وسلم ينادي : "الدين النصيحة... لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" حتى قاموا لله قومتهم ؛ فكانوا في الإخلاص لله عز وجل آيات وحججا يؤتم بها ويقتدى، وكانوا في علم القرآن والعمل به أئمةً ربانيين يهدون إلى الحق وبه يعدلون، وكانوا سُرُجا وهاجة في الاستنان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علما وعملا وحَالاً وتفانيا في محبته وتعظيمه وآله الكرام.
كما كانوا مُثُلا نادرة في الشجاعة والصدق في نصيحة حكام المسلمين ووعظهم محبةً، وإشفاقاً، وغيرة على دين الله عز وجل من كل كذاب مُبير أو طاغية جبار أو مبتدع مضل. ونصحوا لعامة المسلمين بتعليمهم أحكام الدين وبيان طريق الله المستقيم في المساجد والربط وساحات الجهاد ؛ فنصحوا رضي الله عنهم لهؤلاء وهؤلاء ابتغاء مرضاة الله، وبراءً للذمة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
لكن نصيحة العلماء لأئمة المسلمين -أي حكامهم وولاتهم- أصبحت بعد انتقاض عروة الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عاض ثم جبري مهمة خطيرة لا يتجشمها كل حامل نقول ؛ وإنما اضطلع بها العلماء الشجعان حقاً الذين باعوا الله عزّ وجل أنفسهم إعزازاً للدين وشوقاً إلى الله رب العالمين.
دشن هذه الملحمة العظيمة الإمام الشهيد الحسين عليه السلام، فقام قومته الاستشهادية ضد حكم يزيد الظالم الفاسق باتفاق العلماء والعامة. وقام بعده عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في وجه عبد الملك بن مروان وسفاحه الحجاج بن يوسف الثقفي الخبيث المبير. وكان ممن قام في وجه الحجاج سعيد بن جبير، فقتله الحجاج وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، فدعا الحسن البصري على الحجاج فقتله الله بالدود في جوفه ؛ )وما يعلم جنود ربك إلا هو([9].
وقام بالنصيحة والإنكار على فساد حكم بني مروان فقيه الفقهاء سعيد بن المسيب فضربوه بالسوط، وحاصروه بالإقامة الإجبارية، وعرضوه على السيف فما استسلم لطغيانهم وما لان رحمه الله.
ووقف طاووس اليماني التابعي الجليل موقف الصدق أمام هشام بن عبد الملك ونصحه بما يكسر غلواءه وظلمه.
ونصح أبو حازم سليمان بن عبد الملك، وشدد له في القول لينزجر كما سيأتي في الرسالة التي بين أيدينا إن شاء الله.
ووقف الإمام الأوزاعي موقف الناصح الشجاع مع عبد الله ابن عم السفاح، والسيوف مصلتة عن يمينه وشماله، فما منعه ذلك من قول الحق والإخلاص في النصح، وكان ينتظر أن تقطع رأسه من شدة غضب الأمير، ولكن الله سلم.
وقام الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه بالنصيحة للأئمة والأمة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحث الفقهاء على ذلك. فاستشهد منهم على النصيحة فقيه خرسان إبراهيم الصائغ لإنكاره الظلم والبغي على أبي مسلم الخرساني. وناصَرَ أبو حنيفة أئمة آل البيت وقَوْمَاتِهم ضد الفساد، كقومة زيد بن علي، ومحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم. وتجافى أبو حنيفة عن خدمة دولة الظلم، فكان أن نزل به ما هو معروف من الضرب والعذاب والإقامة الإجبارية في البيت والقتل بالسم.
ونزل بإمام دار الهجرة مالك بن أنس من العذاب ما هو مشهور لمنابذته للحكم الفاسد، ونصيحته للأمة بعدم جواز بيعة الإكراه. وكتب بقلمه نصيحة للرشيد يدعوه فيها إلى الحق.
كما كتب الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة مقدمة لكتابه "الخراج" ينصح فيها لهارون الرشيد باتباع العدل والحق ومجافاة الظلم.
أما قصة الإمام أحمد وما نزل به من البلاء والعذاب من طرف السلطان فأمر مشهور ومنشور. وذلك بسبب ثباته على قول الحق ونصحه للجميع في رد قول المبتدعة في "مسألة خلق القرآن"، وأشدّ ما لاقى رحمه الله من قضاة السلطان وعلمائهم قولهم فيه إنه "ضال مضل مبتدع" وهو يضرب بالسوط بين يدي المعتصم إلى حدّ الإغماء. واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاءٌ للروح لا ينال إلا من الجسوم.
ونصح الإمام الغزالي لأمراء عصره وكاتبهم في ذلك بالكلام الشديد. وأفرد لذلك رسائل وكتباً وفصولاً لبيان مكانة النصيحة والحسبة وفريضتها.
واشتهر شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني بمجاهرته بالنصيحة وتقريعه للحكام المنحرفين على المنبر، وفي مجالس وعظه، حتى كان يبكي من شدة وعظه كبراء الدولة بما فيهم "الخليفة". وقد اختص رضي الله عنه في نصيحة الخلق على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم، وانتفعوا به جداً.
كما اشتهر سلطان العلماء العز بن عبد السلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورزقه الله من قوة القلب، وصدق التوكل، ورباطة الجأش، ما جعل لنصحه للملوك والأمراء من نفاذ التأثير وجلال الهيبة حظاً عظيماً، ضربت به الأمثال وسارت به الركبان.
وسار الحافظ ابن تيمية سيرة الشجعان في نصيحة أصحاب السلطة، وقصته مع طاغية التتر قازان شاهدة على جرأته في الحق وصلابته في الدين.
وعلى هذا الدرب اللاحب سار أئمة الدعوة والتربية والنصيحة عبر القرون المتوالية كالإمام الرباني السرهندي، والإمام حسن البنا الذي ظهر في هذا العصر بدعوة "الإخوان المسلمين" الشمولية. وظهر رجال ربانيون هنا وهناك وهنالك يتوسطون الأمة ويبعثون فيها روح الجهاد، والاستقامة إلى الله تعالى، وكراهية الظلم والفساد وأهل الظلم والفساد... وأخذت دعوة تجديد الدين والنصيحة على أيديهم -رضي الله عنهم- بعداً أرحب وأوسع من القرون الأخيرة، لأمر عظيم يهيئه الله تعالى لهذه الأمة القائمة، برجالها المخلصين، مقام الأنبياء في الدعوة والنصيحة والشهادة على العالمين، مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "لاتزال طائفة من أمتي قوّامة على أمر الله لا يضرها من خالفها"[10]. وزاد في رواية "حتى تقوم الساعة"[11].
وإنها لسعادة كبرى ومنة عظمى أن نعيش اليوم ملحمة جديدة من ملاحم التجديد والنصيحة، نعلن -والقلب مفعم بالفرح بالله، واللسان لهج بالثناء الجميل على الله- أن قد جعل الله فينا اليوم الداعي إلى الله، القائم بالنصيحة لوجه الله ؛ رجلاً عاف الدنيا بعد أن خبرها، فنذر حياته لتنفيذ الوصية النبوية بالنصيحة، سيراً على منهاج ورثة النبوة الذين ذكرنا غيضاً من فيضهم رضي الله عنهم ؛ إنه الداعية المجاهد والمربي الكبير الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين صاحب الرسالة التاريخية التي بين أيدينا.
لقد ظل الأستاذ عبد السلام ياسين حيناً من الدهر يتحرق قلبه المؤمن لما يرى من تضييع طائفة من العلماء واجبَ النصيحة، واستشراء الفساد في الأمة قاعدة وقمة. وكان لحسن ظنه بملك المغرب يلتمس طريقاً سرياً لتبليغ نصيحته له عبر رسائل إلى القصر، فلم تلق أي اعتبار من طرف الملك.
وعيلَ صبر الأستاذ ياسين وطال بكاؤه ونحيبه بين يدي مولاه لما يرى من تمادي الأمة في الانحراف عن الدين وهوانها ومذلتها. وطغيان الحاكم وطيشه وفيشه، واستهتار أصحاب المسؤوليات بمسؤولياتهم على كل المستويات. فاستخار الله ربه في تجريد قلمه لتدوين رسالة مفتوحة للملك. فانشرح صدره لذلك سنة 1394هـ \ 1974م.
طفق يكتب رسالته التاريخية إلى الملك ويعد عدة القبر استعدادا لتحمل كل تبعات النصيحة الفصيحة. ثم بدا له أن يشرك في هذا الأمر الجليل رجلين من أصحابه المقربين إليه لمساعدته في طبع الرسالة التي ناهزت مائة صفحة. ففاتح في الموضوع الأستاذ محمدا العلوي السليماني (مدير إحدى المدارس بمدينة مراكش)، والأستاذ أحمد الملاخ (أستاذ علم النفس بمدرسة تكوين الأساتذة بمراكش). فاستخار الله الصاحبان الحميمان وقبلا بهذا العرض الخطير. ثم شرعوا في إحضار وسائل الطبع التقليدية من حروف ومداد وورق...إلخ إلى بيت الأستاذ العلوي واستمروا في عملية الطبع حوالي ست عشرة ساعة يوميا، حتى طبعوا أكثر من ألف نسخة. ثم قاموا بتوزيعها بالسيارة على عناوين العلماء والوجهاء والمسؤولين في المدن، ثم أرسلوا إلى الملك نسخته.
ما إن قرأ الملك الرسالة حتى جمع مستشاريه فاتفقوا على إعدام الناصح الأمين، ثم تراجعوا عن ذلك -لحكمة يعلمها الله- وقرروا أن الرجل مجنون. فوضعوه في مستشفى المجانين، ثم نقلوه إلى معتقل معزول، لمدة ثلاث سنوات ونصف بدون محاكمة. أما صاحباه فقد قضيا خمسة عشر شهرا في معتقل سري قذِرٍ مقيدي اليدين معصوبي العينين.
وسعت السلطات بكل وسائلها لجمع نسخ الرسالة من أيدي الذين بلغتهم، وجاء بها البعض إلى الشرطة جبنا وهلعا. ولم يفلت من عملية التمشيط هذه إلا نسخ قليلة. وعملوا على إعدام هذه الرسالة ومحوها من ذاكرة الأمة نهائيا.
وهكذا مضت أكثر من خمس وعشرين سنة دون أن تجد رسالة "الإسلام أو الطوفان" طريقها السهل إلى جمهور الأمة ؛ فالسواد الأعظم لا يعرف من هذه النصيحة إلا عنوانها، أما مضمونها فلم يطلع عليه إلا القليل النادر. فمن أجل ربط جهاد سلف هذه الأمة الصالح من الصحابة والتابعين بجهاد إخوان رسول رب العالمين الناصحين المحسنين، ومن أجل الوقوف بالعلماء العاملين، والدعاة الصادقين على حقيقة ما يُطلب إليهم من دور دفاعا عن حرم الدين والمستضعفين، ارتأينا إعادة طبعها وتعميم نفعها. سائلين الله جل علاه أن نكون بهذا التقديم المقصر مساهمين في إخراج هذه الرسالة الفريدة، في طبعة جديدة منقحة من أخطاء مطبعية موجودة في الأصل، ملتمسين من الله رضاه وجزيل ثوابه. والدال على الخير كفاعله. وإليك أيها القارئ العزيز موجزاً بأهم مضامينها.
تضمنت رسالة "الإسلام أو الطوفان" مقدمة، وثلاثة فصول، وخلاصة، ونداء إلى الأمة. على أن الرسالة الأصل كانت سياقا واحدا مسترسلا لاَ عنونة فيه. وإنما نضع في هذه الطبعة عناوين لتسهل قراءة القارئ.
المقدمة : أعلن فيها الأستاذ ياسين عن هدف الرسالة وهو النصح، ثم عرف بنفسه ماضيه وحاضرِه ومطمحِه من أجل الوضوح التام.
ثم وصف حال الملك، بالنقد الصارم، والكشف عن الحقائق النفسية والاجتماعية والسياسية، وملابساتها الفتنوية، ومآلاتها القاتمة.
الفصل الأول : شرّح فيه الناصح الوضع الفتنوي القائم، ورد ذلك إلى فساد العلاقة القائمة بين الأمراء والعلماء على غير النصح والصدق. وتلا ذلك وتخلله وعظ قوي للملك، وقول بليغ، ورفق رفيق.
ثم عرض الأستاذ ياسين ثلاثة نماذج من العلماء الصادعين بالحق في وجه الحكام الظلمة، وهم : الشيخ الكتاني، والإمام حسن البنا، والشهيد سيد قطب رحمهم الله.
ثم بين ضرورة اتخاذ موقف واضح من تاريخ المسلمين، وكيف انتقضت عُرَا الإسلام تباعا بعد انتقاض عروة الحكم، وكيف ساند ديدان القراء من علماء السوء المُلك العاض المنحرف، وسكت آخرون. ثم عرض نصيحة أبي حازم لسليمان بن عبد الملك كنموذج للنصح الصادق القوي.
ثم عرض نموذج عمر بن عبد العزيز، ودعا الملك إلى توبة عمرية على غرار توبة عمر رضي الله عنه. وعدّد للملك دروس النموذج العمري الأخاذ، ورشحه لإعادة المثال العمري الباهر تحفيزاً وتحدياً.
بعد ذلك أخذ الأستاذ المرشد يطرح أسئلته المنهاجية في التغيير الإسلامي ؛ فقال : كيف كان المسلمون مسلمين ؟ وكيف يكونون ؟
أثناء الجواب عن هذه الأسئلة طرح الأستاذ أسئلته السياسية العميقة ؛ فتساءل حول مشروعية النظام الملكي، والفرق بين المبايعة والبيعة... ثم ذكّر بضرورة المشروعية من أجل تعبئة الأمة ؛ إذ لا تعبئة إلا بمشروعية استحقاق. ويعود فيضرب المثال من سيرة عمر بن عبد العزيز، ويدعو الملك إلى المبايعة لا البيعة، ويلوّح بفتوى الإمام مالك بأن "ليس على المكره طلاق" التي تتضمن نبذا وتحللا من بيعة الإكراه، التي سنها الملك العاض.
الفصل الثاني : وفيه يتوجه الأستاذ ياسين بالنصيحة إلى إخوانه العلماء، فيصف واقع الدعوة الإسلامية المحزن، وقوة المد الإلحادي الذي ينخر في أحشاء شباب الأمة، ويزكي الملك وعلماء القصر هذا المد الشيطاني بسيئ تصرفاتهم التي يتبرأ منها الإسلام.
ثم طفق يعرض الحلول المقترحة لأزمة المغرب، وعلى رأسها الحل الشيوعي الثوري العنيف، المتأهب لسفك الدماء، ببثه لنظرية الصراع الطبقي، المبطنة بالإلحاد الفلسفي، المحلاّة بالتحليل المادي التاريخي. وهنا يعود الكاتب إلى التنبيه على خطورة التحالف الفاسد في تاريخ الإسلام بين الأمراء المنحرفين مع علماء السوء والدجالين من المتصوفة. ويعرض لتحليل الشيوعيين للوضع القائم ومقاتل إصابتهم. ويتوجه بالنقد المشفوع بالنصح إلى العلماء الذين تركوا مهمتهم في تعليم الأمة وتربيتها، وانصرفوا عنها إلى جمع الأموال وتكديسها، وسكتوا عن الجهر بالحق.
ثم عرض الأستاذ ياسين تجربته على العلماء -في معرض النصح- وما حصل له من إعراض عن الدنيا، وإقبال على المجاهدة بعد لقائه بشيخه العارف بالله الشيخ العباس القادري البوتشيشي رحمه الله، وكيف وجد الحق مع الصوفية مغلفا بالتقاليد والعادات والطقوس والشطحات والترهات ؛ منهم صوفية مجاهدون وآخرون قاعدون.
وتناول بالنقد اللاذع الفتّانين ممن يتصدى لمحاربة الصوفية بدون معرفة لحقيقتهم والتمييز بين صادقيهم ومن دونهم. ويستعرض مواقف النصر في تاريخ المسلمين فيجد قائديها وباعثيها رجالا ربانيين صوفية أو تلامذة للصوفية.
ثم ذكر الأستاذ ياسين-في معرض حديثه عن نماذج الرجال المغاربة- الزعيم علالا الفاسي بعلمه، وذكائه، وعلو همته، وأخطائه السياسية، ومعاناته مع جيوب اليسار في حزبه.
الفصل الثالث : وفيه عرض للمنهاج الإسلامي في التغيير وحل الأزمة. في بداية هذا الفصل يدعو الأستاذ إلى انبعاث إسلامي جماعي، ويضع شروط هذا الانبعاث، ومبادئه، ومعالمه، وآفاقه. (وهو مختصر لما سيفصله في مطلع القرن الخامس عشر الهجري في كتابه "المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا").
- أول شروط الانبعاث عنده وجود العالم الرباني المؤثر في الجماعة بالصحبة والقدوة الصالحة.
- ثانيا : استعداد المؤمن داخل الجماعة "لاقتحام العقبة"، وما أدراك ما العقبة ؟ ! ثم رسم -كمثال- معالم العقبة التي على الملك اقتحامها للعودة إلى الإسلام.
بعد ذكر الشروط يبين الأستاذ كبرى معالم "المنهاج" وهي الخصال العشر مع شرح شديد الإيجاز. والخصال العشر هي : الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد.
وفي ثنايا ذلك يناقش الكاتب أطروحات المنافسين للإسلام واقتراحاتهم الجاهلية العنيفة الحمراء وغير الحمراء، وينبه على أن القوة الوحيدة القادرة على النهوض للعمل في المغرب هي قوة الجيش، إن وجدت قيادة صادقة، وتفرغ العلماء لتوعيتهم وتربيتهم... ويؤكد على ضرورة وحدة اقتصادية بين الدول الإسلامية من أجل بناء خط فكر اقتصادي سليم من أمراض المناهج الاقتصادية الجاهلية...
الخلاصة : يركز فيها مشروع النصيحة كله متوجها إلى الملك بسرد بنود المشروع، وهي :
- حاجة الملك إلى مشروعية.
- ضرورة إعداد الجيش -بما هو شوكة الإسلام- تحت لواء الجهاد الإسلامي الحق.
- العلماء دعامة كبرى للبعث الإسلامي إن قاموا لله ناصحين.
- طريق الانقلابية طريق مسدود، لا خير فيه للأمة. لكن الله يسلط ظالما على ظالم،ويصنع سبحانه للأمة غدها الإسلامي الموعود كيف يشاء.
- دعوة الملك إلى التوبة، مع بيان مبادئها العملية، وهي :
1- على الملك أن ينحي بطانة السوء من حوله من الدجالين والجاهليين. وأن يستبدل بهم صحبة رجال مومنين عبر المبايعة.
2- إعلان الملك التوبة بكل وضوح.
3- رد المظالم بإصلاح عام، ترجع فيه الأموال إلى بيت مال المسلمين.
4- مبايعة مجلس منتخب انتخابا إسلاميا، يكون عماده خيار شباب الجيش، بعد فتح المجال لرجال الدعوة ليشرحوا للأمة فتنتها وسبيل خلاصها.
5- بناء اقتصاد إسلامي أساسه توزيع عادل للحقوق والواجبات، وتصرف الدولة في الأموال صوب الرخاء العام، وإبطال الظلم الاجتماعي بجمع فضول الأموال وردها للأمة.
6- التوبة العامة بجمع الطاقات واستصلاحها، وفتح المجال للمهارات والخبرات للمساهمة في مشروع جهاد البناء. هذه التوبة لا بد لها من قائد تائب ذي مشروعية عبر المبايعة.
في آخر هذه الشروط يسرد الكاتب أحاديث نبوية مبشرة بعودة الخلافة على منهاج النبوة، فيها تبشير لأهل المغرب. ثم يختم الرسالة بنداء ووصية لرجال الدعوة وعامة المومنين.
تلكم معالم رسالة "الإسلام أو الطوفان" بأهم مضامينها. على أن أهم ما تميزت به هاته الرسالة كونها أحيت لنا سنة علمائنا العظام في القيام بالنصح للحكام، ولو كان في ذلك اضطهادهم رضي الله عنهم. وقد تَمَثَّلت الرسالة ما عرف في رسائلهم ونصائحهم للحكام من صدق، وشجاعة، وإخلاص، ورحمة، وحكمة، وموعظة، ورفق، ووضوح... وزادت على ذلك بعمق نقدها، وجذرية طرحها، ودقة فحصها لموضوعها، وروعة أدبيتها، وشمولية منهاجيتها...
إن النصـائح لا تخـفى مناهجها على الرجال ذوي الألباب والفهم
ورغم ذلك فقد وجهت إلى رسالة "الإسلام أو الطوفان" بعض الانتقادات من مواقع مختلفة ومتناقضة ؛ منها ما ينتقد على الرسالة شدتها وعلانيتها، ومنها ما ينتقد ما ورد فيها من قول لين رفيق كقوله : "يا حبيبي يا حفيد رسول الله!" وقوله : "يا أخي"...إلخ
كأنه غاب عن هؤلاء المنتقدين أن الشدة واللين أسلوبان قرآنيان نبويان، وهو تطبيق لقوله تعالى : )وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا([12] وقوله : )فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى([13] والآيات والأحاديث في الباب كثيرة.
أما بخصوص علانية الرسالة فلعله لا علم للمنتقد بالرسالة التي قوبلت بالإهمال. ثم إن المنتقد عَزَبَ عنه مفهوم إقامة الحجة بجر المنصوح إلى ساحة الوضوح ؛ فالمنصوح هنا ليس شخصا عاديا ككل الناس، بل هو حاكم أمة، ولا بد للأمة أن تعرف حقيقة من يحكمها. من أجل ذلك اشتدت حاجتها إلى من يسلحها بالحجة الشرعية -وهي النصيحة الفصيحة- ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.
ومن الانتقادات الموجهة للرسالة كذلك الاعتراضُ على ما ورد فيها من ذكر للشيخ العارف الذي لقيه الكاتب، والزاوية، وبعض المصطلحات الصوفية. ويرد الكاتب على ذلك بأنه لا يحب أن يكون عاقا لمن أحسنوا إليه.
وننبه على أننا حذفنا فقرات متعلقة بالزاوية بإشارة منه، وأخبرنا أن ما كان كتبه يومئذ عنها وعما آل إليه الأمر بعد وفاة الشيخ العباس رحمه الله رحمة واسعة دائمة إنما قصد به ألا يصاب أحد من الزاوية بسوء بسبب الكلمة الصادعة التي كان لابد أن يقولها.
والأستاذ المرشد عبد السلام ياسين لا يكن للشيخ حمزة بن العباس إلا الود الخالص والنصيحة المخلصة. وكم يتأسف على بعض المربين الذاكرين، وهم أهل الفضل، حين لا يعرضون اجتهادات مشايخهم على السنة المطهرة.
وقد سألناه هل يعتبر نفسه صوفيا كما ذكر في الرسالة، فأجاب أن في كتاب "الإحسان" الجواب عن السؤال، إذ لا تغني في الموضوع الكلمة والكلمات. وليس في ديننا أوثق عروة من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ثم إنه ينص في الرسالة نفسها في الفصل الأول والثاني على أن ذكره للاصطلاحات الصوفية إنما هو ذكر مؤقت من أجل الأمانة التاريخية والتربوية، ولا بد من الزهد في هذه الاصطلاحات وتجاوزها. يقول في الصفحة 81 : "...اصطلاح الصوفية، وكل اصطلاح يفرق ولا يجمع، فما أزهدنا في تقاليد الصوفية ومصطلحاتهم متى ضمن لنا هذا المبدأ المهم الأساسي، وهو مبدأ الصحبة".ويقول في الصفحة 118 : "وما أحب أن يبقى هذا الاصطلاح المفرق،لكن أحرص عليه الآن لكيلا تضيع حقيقة احتضنها قوم عرفوا باسم معين".
كما نجد في آخر ما كَتَبَ عن التصوف سنة 1418هـ/1998م في كتاب "الإحسان" تأكيد نفس المعنى بقوله : " لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان"[14].
لم تقف جهود الأستاذ عبد السلام ياسين الدعوية عند كتابة رسالة "الإسلام أو الطوفان"، بل تابع مشروع النصيحة كما فصله الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لله، بالإخلاص ؛ ولكتابه، بالعلم والعمل ؛ ولرسوله، بالمحبة والاتباع ؛ ولأئمة المسلمين، بإعانتهم على الحق ونهيهم عن الباطل ؛ ولعامة المسلمين، بتعليمهم الدين وجمعهم على التعاون على البر والتقوى. فلما نسأ الله في عمره بخروجه من المعتقل في شهر مارس 1978م تفرغ، بعد شهر واحد، لنصيحة عامة المسلمين في المسجد، فمنعته سلطات الجبر من مواصلة دروسه في المسجد. فأسس بعد شهور مجلة "الجماعة" لمخاطبة الطبقة المثقفة، فحارب أعوانُ السلطة انتشار المجلة وضيقوا عليها أيما تضييق. عندها أسس "الجمعية الخيرية" التي ستتحول فيما بعد إلى جماعة "العدل والإحسان"، بعد أن حاول جمع الإسلاميين المغاربة في تنظيم واحد.
ثم أسس صحيفة "الصبح" لمعالجة قضايا الناس اليومية، فصادروها بعد صدور العدد الأول، وحكموا على مديرها الأستاذ ياسين بسنتين سجنا وغرامة مالية. واضطهدوا أعضاء الجماعة كل مُضطهَد وعذبوهم في مخافر الشرطة شر تعذيب، )فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين([15].
وبعد خروج الأستاذ عبد السلام ياسين من السجن أواخر 1985م أصبح بيته قبلة للزوار، فطوق البوليس البيت ليل نهار. غير أن ذلك لم يزد جماعة "العدل والإحسان" إلا مضاء في الدعوة، واتساعا وتغلغلا في الشعب. فلما رأت السلطات أن الأمور قد تجاوزتها شنت حملة اعتقال واسعة في صفوف الجماعة قبيل مطلع التسعينات، ووضعت المرشد العام قيد الإقامة الإجبارية بأمر إداري ؛ فهو محاصر في بيته منذ 30 دجنبر 1989م إلى يوم كتابة هذه السطور.
ومهما يطل عمر المظالم في الورى فأطول أعمار المـظـالـم أقصر
أخي القارئ نهنئك بظفرك بهذه الوثيقة التاريخية رسالةِ "الإسلام أو الطوفان"، ونتركك لتسعد بقراءتها مخرجة أحاديثها، مصححة طبعتها، ممهدة مطالعتها، فاسعد بقراءتها. وكن من )الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه([16]. واختر لنفسك مع من تكون، فإن "المرء مع من أحب"[17]. وإن الله سائلك -كما جاء في الأثر- : "هل عاديت فِيَّ عدوا، أو هل واليت فيَّ وليا ؟ ". وأقسم جلّ جلاله : "وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال فيَّ ولم يعاد فيَّ"[18].
فلا تُصْفِيَنَّ الـوُدَّ من ليس أهله ولا تُبْعِـدَنَّ الـوُدَّ ممن تـوددا
نسأل الله عزّ وجلّ بمعاقد العز من عرشه، ومنتهى الرحمـة من كتابه أن يجزي خير الجزاء الناصح الأمين الأستاذ عبد السلام ياسين على ما بذله من نصح وجهد وجهاد في سبيل الله والمستضعفين. كما نرجوه -جلت قدرته- أن يرفع عنه الحصار، ويبارك في عمره ليرى ما غرست يداه المخلصة من تربية صالحة، ونصيحة صادقة ؛ ويرى ما يرجوه، ويرجوه الدعاة الصادقون حفظهم الله، من صلاح الأمة وعزتها واستقامتها... في صبح قريب، ونصر مكين، وفتح مبين ؛ إن الله ولي ذلك وقادر عليه. وصلى الله وسلم على إمام الهدى والخير سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب ي.ع. و م.ر.
الخميس 16 جمادى الثانية 1419.
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم إلى المولى الحسن بن محمد بن يوسف حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم المبتلى بالجلوس على
"عرش أجداده" في الظروف العصيبة التي يجتازها المغرب خاصة ملكه.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
رسالتي إليك ليست ككل الرسائل ؛ إنها رسالة تفرض الجواب عنها فرضاً، وحتى السكوت عنها جواب بليغ. إنها رسالة مفتوحة حرصت أن تحصل في أيدي الأمة قبل أن تصل إليك منها نسختك. لعلك تقرأها كما يقرأ الملوك رسائل السوقة، وعهدنا بالملوك التيه والفيش، لكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها بعنف السلطان وجبروته، حين ترفض الوضوح الذي تتسم به النصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم، أو تجيب عنها بالإخبات إلى الله والرضوخ للحق إن دعاك لذلك النسب الذي شرفك الله به، أوتداركك الله سبحانه وتعالى بنور يقذفه في قلبك تميز به الحق والباطل، وتسمع به الكلمة الطيبة التي جاءك بها بشير هذه الصفحات التي ما خططت فيها حرفاً إلاّ ابتغاء رضى الله ربي، لا عدواناً ولا كيداً، والله حسبي منك ومن العالمين.
وأياً ما كان جوابك يا حبيبي يا حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن تمنع كلمةَ الحق والصدق التي أصدع بها من غايتها. وسواء برز لي الملك بسلطانه، أو المؤمن عبد الله المسكين بقبول النصيحة، فاعلم أن الله جلت قدرته يقضي ولا يقضي الناس، وأنه تعالى يبعث للأمر المهم أضعف عباده، فيؤيده ويفتح له وبه. وإنني يا أخي المبتلى لذلك العبد الضعيف. وإنني لا أشك في إيمانك لِما بلوت من أخبارك، رغم أعمالك التي لابد أن أحدثك عنها من خارج حتى يتبين لك أي إسلام هو إسلامك، وأي الرجال أنت. وسأحدثك فيما أحدثك، عن الجاهلية وعن الفتنة، وأحدثك عن الفساد، ثم أنهي رسالتي بعرض المنهاج النبوي لبعث إسلامي حق ؛ وقد كنت كتبت في الموضوع كتابين تلقاهما المؤمنون، ولله الحمد، كما تتلقى البشرى، وأعرضت عن الرفق الذي تضمنته تلك الصفحات. فالآن أخرج من التلميح والتلويح الذين فرضهما علي حال عارض، لأوضح بياناً وبلاغاً.
ومن حقك أن تعرف، وحق المسلمين، من يكتب إليك لكيلا يشوب النصيحة غموض. وإن أول ما يحب القارئ أن يعلمه، خاصة في أمر خطير مثل الذي نحن فيه، شخصية الكاتب وماضيَه ومشربَه ومطمحَ طرفه، فبذلك يمكن للنّاس أن يزنوا أهمية الأحكام التي يصدرها، وما تستحقه تلك الأحكام من تأمل واعتبار، أو رفض واستصغار.
أنا عبد الله المذنب ابن فلاح بربري نشأ في القلة والحرمان المادي، ثم قرأت القرآن فهو كان بحمد الله ولا يزال قراءتي الحقيقية الوحيدة. ودرست تلميذاً لعلمائنا في المعهد الديني. ولم ألبث أن طلبتُ معرفة أوسع من النقول التي تعيش عليها معاهدنا الدينية. فدخلت إلى الثقافة الأجنبية من المدخل الصعب، من المجهود الفردي، حتى نلت منها ما جعل أقراني يضعونني موضع الشاب النابغ. وجاء الاستقلال فوجدني في منصب مسؤولية إقليمية في التعليم. فعاصرت الأقدمين يافعاً، وعاصرت نشأة الفساد الإداري في مراحله كلها منذ الاستقلال. فإن تحدثت عن العلماء فعن معرفة ومخالطة ومشاركة، وإن تحدثت عن المغرب وشبابه ورجاله وإدارته فعن خبرة سبع وعشرين سنة كنت فيها معلماً، وإدارياً، وخبيراً.
ولما أذِن الله عز وجل شأنه بعتق رقبتي من الجهل والإسلام الموروث المجهول إلى طريق الحق والحياة، أنهضني لطلب معرفته. وكانت أزمة روحية لم يستطع من يعرفونني أن يميزوا بينها وبين الأزمات النفسية المرضية. ولما قيض الله لي شيخاً صوفياً لزمته وأحببته، شاع في جملة الكلام التّافه أنّ فلاناً حَمِقَ وتصوف. وإنها لمحنة قاسية، خاصةً في زمننا بعد ما جنى فيه محترفو الدّين من معممي الصّوفية قبل الاستقلال، أن يقال عن المرء كلمة هي الوصمة الكبرى والحجة الدّامغة في أعين أهل السطوح صغار الأحلام.
ووجدت أن الحق مع الصوفية كما وجده الغزالي ؛ ولا أقف لأعتذر و"أتواضع" وإنما أذكر نعمة الله عليّ، وما وهبني من رحمة، وما علمني من علم بصحبة أهل الله. فله الحمد والشكر، شكراً يزيدني به علماً ورحمة. وأذكر نعمة الله عليَّ في الملإ لأنه وهبني بعد وفاة شيخي منذ ثلاث سنوات ما يقصده المريدون من الصحبة.
كاتب هذه الرسالة يسهل تصنيفه من كل وجهات النظر السائدة المتضاربة ببلادنا، وأترك لكل أن يحكم كما يشاء. لكن ملك المغرب بمعرفته حقيقة الوضع السياسي، وحقيقة المتصوفة والزوايا التي يلعب بها كما يشاء، أقرب الناس أن يتلقى شهادتي بالبصر النافذ. وإن احتقاره غير المكتوم لديدان القراء المتملقين، ومعرفته لوجه من وجوه الحياة الرّوحية كفيلان أن يوقظا حسه بأهمية أحكام من اختبر علماء الوقت بالتلمذة والمخالطة، وعاش في أكناف الصوفية الكرام، حين ينتقد هؤلاء وأولئك، وحين ينتقد في مقدمة عوامل الفتنة ملكاً يسخّر الإسلام ويتستر به ويذكر الله منتسبا إلى أهل الله نسبة حظوظ، وعلماء المسلمين وأمة الإسلام كلها في مشارق الأرض ومغاربها تحيي الملك الصوفي، وتنتظر من حفيد النبي أن ينهض ليحيي للأمة عهد الإيمان والتقوى ويضرب لها مثلا.
ولست أدعوه إلى غير ذلك، لكن دعوة لا يسبقها نقد دعوة ساذجة، ودعوة لا تميز بين الإسلام الفردي والإسلام الجماعي، بين الإسلام الموروث المجهول والإيمان المكتشف الصادق المتعرف للناس ببراهين صدقه، دعوة إلى غموض واتكال النيات الطيبة على مبادرات من يجهل الإسلام جهلا مطبقا.
وها أنا دخلت في الموضوع أو كدت. وأزيد إيضاحاً أجده ضرورياً هو أن ابن الفلاح البربري الفقير إدريسي شريف النسب. وبهذا أعطي ما كتبته وأكتبه عن القومية العربية[19] بعده الحقيقي في فكري. أعوذ بالله أن أدعو إلى عنصرية قبلية، وإن من شكر الله نعمته علي بالنسب الشريف أن أعرف للعرب فضلهم بما جعلهم من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشرط واحد جوهري، هو أن لاتكون العروبة غلاًّ في أعناقنا، وعائقا جاهليا عن عالمية الدعوة الإسلامية.
فها أنت سيدي حفيد النبي ترى أن أدائي للنصيحة قيام بفريضة فرضها الله على علماء هذه الأمة وعامتهم. ولستُ إلا طالب علم أعرف كل يوم الحدود التي يقف بي عندها جهلي. وتستحق مني النصيحة بكونك ملك هذه البلاد، وتستحقها مني صلة للرحم عبر العداء المزمن بين أسرة الأدارسة والأسرة العلوية، عداء جهل ونزاع على الرئاسات عافانا الله. ولا يهمني بعدئذ أن تقول : بربري إدريسي، ومتعلم مخضرم، وصوفي هجره إخوانه. فإن الحق لا يعرف بالرجال،بل الرجال يعرفون بالحق.ومن حقي أنا أن أرى في كوني إدريسيا مشرداً،ومتعلماً مخضرماً،وصوفياً هجره أحبابه وذوو الفضل عليه، هجرة مثلثة في طلب الحق، لعل الله جلت قدرته يبلغ بها إلى شهادة في سبيله بعد أن أبلغ ما عليّ أن أبلغ،وبعد أن يبلغ الحق إلى نصابه.
لندع الآن كل ذلك بعد أن عرفناه، ولنقل كلمة هي أقرب للحق : رجل مؤمن يتقدم بالنصيحة ويأمر ملكاً حائراً مذعوراً مهدداً يجهل الإسلام، رغم السبحة والأذكار، بتقوى الله جلت قدرته. ولو وجدت لك عذراً غير الجهل لالتمسته لك إبقاء عليك ورفقا بك. لأنك تحكمنا منذ سنتين بدعوى عريضة صاخبة أنك باعث الإسلام، وما بك إلا تبرير سياستك المزرية بالإسلام وأهله، متألها تائها كعهدنا بك.
وأول النصيحة أن تأخذ ما أقوله مأخذ الجد، فإنه لا أقوى قوة وأمضى سلاحاً، من رجل وحيد يقول كلمة الحق معتمداً على الله مسنداً ظهره إليه. وقد حمل إليك أقوام أسلحة النار فأنجاك الله منهم، فلا تتعرض لغضب الله وبطشه بالاستهانة بما أدعوك إليه، فإن الله تعالى يقول في حق من أعرض عن الحق : )وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخذَتْهُ العِزَّةُ بِالاثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّم، وَلَبيسَ المِهَاد!.([20] وما رجل أحق أن يوعظ بهذه الآية من ملك أمضى شبابه في الطيش، حتى إذا رشد أو كاد ذكر أسماء الله لقضاء حاجات نفسه، فلا هو اكتسب من تربيته الأميرية وازعا يبعده عن عزة الملوك، ولا انتمى إلى الله جل وعلا بأكثر من انتماء الذي يعبد الله على حرف. آثم عزيز بسلطانه أحق أن يوعظ بهذه الآية!. ولست والله أخافك وإني أشتهي الشهادة في سبيل الله، لكن أكره أن يكون خصمي بين يدي الله من ذرية رسول الله!
ذكرت أيها الملك في خطابك بسطات منذ شهور قليلة جو الخوف والتخوف الذي تعمل به. ما ملكت نفسك أن بحت بذات صدرك. وإن الخوف والذعر حالك الغالبة حين تبلغك هذه الرسالة. لطالما بحثت عن سند وأحلاف داخل المغرب وخارجه، ولطالما سلكت سياسة التمويه، حتى إذا أعيتك الحيلة رجعت إلى "الشخصيات" السياسية تعقد معها ميثاق التعاون غير المشروط على أن يحموك من الخوف ويستأمنوك على حياتك. وإن أقل الناس معرفة بالناس قادر أن يستنتج أن الخائف المذعور لارأي له ولا حكم. حيكت لك المؤامرات وأحاط بك كيد الناس، وكدت أنت ولجأت إلى السلاح المنطقي في مثل موقفك، فنحن اليوم في المغرب يسيطر علينا الرعب البوليسي يترجم رعب الملك وهلعه. وانظر إلى نفسك وهواجسها، وإلى أوهامك فإنها مرآة صادقة لتفتت دولتك وذهاب أمرك.
إن من يتزعم أمة ويزعم أنه لها أب وخادم، ثم لا يجد من نفسه ثقة بمقدار ما يعصمه من التماس الحماية عند شخصيات نخرة لرجل بعيد عن العقل والزعامة. أأقول للأمة ما يعرفه الخاص والعام من أن الملك بعد حادث الصخيرات زاد إلى قصوره قصراً بفرنسا هرب إليه نفائسه وأثاثه استعداداً للطوارئ ؟ أم أخبر الناس أن الملك باع ويبيع أملاكه وأراضيه التي تغطي جزءاً مهما من المغرب ؟ فما زَعْمُ الملك الإصلاح وبأي ثقة يزعم ما يزعم، وأين تلك الأموال التي حصلها ؟
إنك يا أخي تستطيع، إن حَزَبَك حازب، أن تهرب إلى قصرك المؤثث الفخم مستنداً إلى حساباتك بأبناك أوروبا. وإنك يومئذ تاركنا في الفتنة والغموض الذين تعمل على توسعة ظلامهما بوسائل إعلامك وبخطبك التي يأبى الله إلا أن يخذلك فيها لحظة حتى تخبرنا بالهلع الغالب عليك، وحتى تنطق بكلمتك الخالدة في سجل الساسة غير المسؤولين، إذ قلت في خطابك بأرفود : "إني لا أحب أن أرى المتسولين!".
هكذا السياسة وهكذا الحكمة وهكذا القيادة! إن الإسلام يعطي الحق لمن بات جائعا أن يحمل السلاح على من حرمه رزقه، وإن وجود المتسولين بالمغرب بشهادتك دليل على أن التخمة لا تتأتى إلا إن وجد الحرمان على بابها. وإن قصورك وأموالك والفئة المترفة في البلاد تفسر جميعاً وجود التسول والبؤس. ومنذ قلتها وسمعتك آذان حراسك من الخوف، والبوليس يبادر إلى جمع المتسولين من الشوارع التي تمر بها لئلا يؤذي مولانا مشهد مؤلم لا يحب أن يقذي عينيه.
ملك مرعوب فقد توازنه هو الرجل الذي يتلقى رسالتي ويتلقاها الناس. ملك مع ذلك معتز بعرش أجداده كما يسميه، حريص على تخليد مُلكِ الأسرة المالكة المحصلة لأموال المغرب وخيراته المحتكرة لها. فهذا هذا. وهذا لايمكن إلا بأحلاف يجد الملك عندهم حماية وأمناً يلهيه وهمهما عن الحقائق المرة التي لمسها ويلمسها كل يوم ؛ الملك على بركان يوشك أن ينفجر، مؤامرات أعداء خارج المغرب، وجيش موتور قتل الملك زهرة شبابه كما قتل فراعنة منه أنذالا طالما اتخذهم، قبل أن يغدروا به، أخلاء وأعوانا. واقتصاد يسنده التسلط الأجنبي والأموال الصهيونية وكل ما وراء ذلك من كيد، وشباب ثائر حائر، وثقة بالملِك وحُكْمِه تجاوزت درجة الصفر من الجهة السلبية. فما عسى يقترح رجل وحيد من حلول ؟
الحلول تتلخص في كلمة واحدة هي "الإسلام"، وتتفصل على طول هذه الصفحات. فلنبدأها بحل مشكلة أساسية، هي علاقتنا بالإسلام وتاريخه، والرباط الذي يربطنا بالحاضر البائس والماضي المجهول. لابد لنا أن نتخذ موقفا من تاريخنا بعد أن نعرفه على حقيقته. فإن المسلمين اليوم قلما يطرحون هذا السؤال : هل نحن مسلمون ؟ وإذا طرحوه فجواب بعضهم يكون سالباً. وفي كلا الجوابين تضيع منا حقيقة وضعنا كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أخبرنا أن أمام الأمة من بعده فتنة وظلاماً. وبدأت الفتنة بذهاب الخلافة وتسلط الملوك الذين احتفظوا باسم "الخلافة" وعمروه بالفساد. نحن مسلمون لاشك، لكن إسلامنا إسلام فتنة وفساد ؛ فساد بدأ بالحكم المتسلط ووجد أعوانه وكهنته عند المرتزقة من القراء، عند ديدان القراء كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويؤدينا هذا إلى الجزء الأول من صلب الرسالة بعد هذه المقدمة التي عرفت بالكاتب والمبلّغ ووضعت للفكر خطاًّ هو خط النصيحة، أي الوضوح والتوضيح في الجو القاتم، جو الفتنة في دار الإسلام ومكر الجاهلية الجاثمة على صدرنا.
الفصل الأول
صنفان من هذه الأمة يصلح الإسلام بصلاحهما ويفسد بفسادهما، هما صنف الأمراء وصنف العلماء. هما رجال الدعوة ورجال الدولة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم : "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس : العلماء والأمراء"[21]. ولعلماء الأمة مواقف في وجه الأمراء في كل عصور الفتنة أستعرض بعضها تعليما لي ولعلمائنا الساكتين عن الحق. لكني أبدأ قبل ذلك بوصف العلماء والأمراء في مغرب اليوم، خاصة ملك المغرب وعلاقاته بطائفة من المهرِّجين المتكلمين باسم الدين جماعة ديدان القراء.
عاش ملك المغرب عيشة الأمراء إذ تربى تربيتهم، وزاده تيها على الأمراء ما وهبه الله من ذكاء، وما تعلمه في أحضان الجامعات الأوروبية ؛ فكان يُدِلُّ بدرجته الجامعية ويغنم كل فرصة ليذكر الخاص والعام أنه دكتور في الحقوق. وكما يليق بمن بضاعته مستقاة من مُنتسكيو وسييس شفع الملك الشاب فكره اللبرالي بقشرة من الإسلام اتخذها تمويها منذ اكتشف ضعفه السياسي بعد الاستقلال. ومنذ أدرك أن الأمة لا تزال متمسكة بإسلامها ولا تزال ترى في الملك إمامها الشريف. فكان الرأس المدبر في حياة والده محمد بن يوسف رحمه الله وغفر لنا وله.
ولما تولى مقاليد الحكم واستقل بها تعلم من رجال الحاشية أهمية "التقاليد" والمظاهر الدينية، وتعلم من أفاضلهم الإيمان. بيد أن الملك الشاب الفاتك اللعوب لم يُقْبِل من طيشه الذي كانت أحاديثه تسلي قراء المجلات الصاخبة في أوروبا والعالم إلا منذ أربع سنوات بعد هجوم الجيش على قصره. كان ذلك الهجوم منبها للملك من اغتراره بقوته، وكان أن نجاه الله من الهلكة بعد ساعتين ونيفا أمضاها تحت تهديد السلاح، وأمضاها في ذكر أسماء الله. كان المنعطف الذي أظهر رجلا جديداً هو الحسن الصوفي المؤمن.
لكن ما حقيقة هذه التوبة ؟ هل كف الملك عن لهوه في مجالس الليل مع مهرجي القصر ؟ وهل كف عن احتجان الأموال وتضييع الأمة ؟ أم هل نبذ أحلافه القديمة ؟ ثم ماذا فعل الحسن في إقباله هذا من دنيا الأحلام الذهبية إلى حقائق الخوف ثم الجزع والرعب ؟
إنك يا حفيد النبي أعلنت منذ أكثر من سنتين، بعد أن خاب ظنك في حلفائك وصنائعك من الجيش، البعث الإسلامي. اخترت لبعثك هذا أخس الناس همة وأقدرهم على التمويه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف علماء السوء الأرذلين في ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك الزمان فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم الأنتنون. والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على جمرة، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين. قالوا منا أو منهم ؟ قال : بل منكم"[22]. فمن هؤلاء الديدان جلساء الملك حين يختلي لسمره، ومنهم وجوه تمثل على مسرح الحياة العامة رجس المنافقين وكذب الدجالين. وفي صحبة هؤلاء يتعلم الملك كيف يتخذ الإسلام ذريعة لكسب ثقة الأمة بعد أن ذابت وذهبت أدراج الرياح. إنهم يزينون للملك شهواته ويتسابقون لتبرير تحركاته، بل يفتون الفتاوي أن الحسن مجدد الإسلام وهم والله يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون.
في الدروس الرمضانية يفد لهذه الديار علماء أجلاء، فيتصدر الملك المجلس كما يفعل الجبارون. إذ لو كان في قلبه مثقال حبة من حرمة للصالحين لجلس إليهم مجلس التلميذ، مجلس المتعلم وهو مجلس رحمة ومجلس صدق. لكنه يعلم أن من الناطقين باسم الدين من يبيعه ضميره ودينه بمنصب وحظوة دنيوية. أولئك الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم. فلذلك يعمّم حكمه ويستعلي على العلماء الصادقين لما اختلط في صفوفهم الديدان. ويقوم هؤلاء فيعلنون أن التجديد قد بدأ، وأن البعث الإسلامي قد عمنا نوره. والواقع يكذبهم ؛ وما يتحرك الملك حركة وما ينطق كلمة إلا ولسان الحال يدعو لمقارنة الدعوى بالواقع.
إنك يا حبيبي يا حفيد رسول الله تؤمن بالله واليوم الآخر، فدعني أصدقك وأنصحك لكيلا تهوي في النار. دعني ألتمس لك عذر الجهل بالإسلام لئلا يحشرك الله مع الذين اتخذوا دينهم هزؤاً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا. ثم تعلم مني الصدق فإنه لم يجرؤ أحد أن يصارحك ويصدقك.وما كانت تأوهات بعض أفاضل علمائنا في دروسك الرمضانية وتلويحاتهم لك كافية لإيقاظك. ويرحم الله علالا الفاسي فقد بذل الجهد في آخر درس له أمامك، لكنه لم يبلغ لصمم الآذان ولتداخل المصالح والأعيان. يقول جدك المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول : "ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة". وفي لفظ آخر عنه : "ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة"[23].وإنك يا هذا أكلت وحاشيتك وأقاربك أموال المسلمين بغير حق،وهتكت حرمات الله وغششتنا بدعواك، وتألهت واستعبدت الناس. فبأي صحيفة تلقى ربك يوم حسابك ؟ ويحك بأي صحيفة تلقاه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم! ؟ إن جدك لايغني عنك من الله شيئاً إن رحلت من الدنيا، وأنت راحل كما رحل آباؤك، ولم تتب إلى الله. وإن معصية عامة الناس لاتقارن بغش الملك. إنك أصبحت مستنسراً في أرض البغاث، وأصبحت تفتي في مجلس العلماء بغير علم وتؤول القرآن كما تحب وهم سكتوا : من كان منهم يعرفك سكت خوفاً أو طمعاً. ومن كان لايعرفك يصرها في نفسه، ويستريح من وهم الآمال التي علقها عليك.
يا حبيببي يا حفيد رسول الله! في زمننا زمن الفتنة العارمة، تضرب المثل الحي في كل يوم بتلاعبك بالإسلام وشعاراته وشعائره أن "الدين أفيون الشعوب". شباب هذه الأمة يرون الظلم والفساد والاستبداد الغاشم ينعت بأنه إسلام، ويسمعون بعقولهم الناقدة المستجيبة لدعوات الجاهلية نداء من يخبرهم ويؤكد لهم بالمثال الحي الذي تعطيه "أن الدين أفيون الشعوب"، وأن الدين شعوذة يستغل بها الحاذقون المتسلطون سذاجة العامة ويستعبدونهم بها. وأنت لا تعقل أنك حليف الشيوعية في بلادنا وأن أعمالك العشوائية المضطربة أدلة ناصعة على ما يزعمه أعداء الله. بأي وجه تلقى الله ياهذا! ؟ قل لي بأي وجه إن كنت مؤمناً ؟ ثم اقض ما أنت قاض، أو ابك على خطاياك وجهلك والجأ إلى الله لَجْءَ الخائف من عقابه، التائب إليه.
تب إلى الله من تألهك وشركك لأنك جعلت شعار جيش المسلمين ثالوثا تشرك نفسك فيه وتؤلهها. وإن تثليت النصارى حين ينادون "الأب والابن وروح القدس" لشرك أهون خطراً من شركك حين تفرض على المسلمين أن ينادوا "الله والوطن والملك". ومن الشعار تتولد طقوس الكفر التي تحشد لإقامتها كل قوتك. فاتخذت لنفسك أعياداً لم يأمرنا الله بها، وتنفق بغير حساب من أموال المسلمين لاستيراد المغنين والمغنيات والرقاصات من المشرق والمغرب ليغنوا لأعيادك الكافرة. بل تجند بنات المسلمين في المدارس ليرقصن في أعيادك. والطامة الكبرى أن ديدانك يحملون وزرك معك، ولا تستحيي إذاعتك وتلفازك أن تعلن بين المسلمين أن شيخ بعثك ترأس حفلة الرقص في عيدك، ولا تستحي أن تظهر شيخك المغبون يقبل فتاة في استقبال رسمي حين قدمت له الورود. أولسنا أمة متحضرة! ؟ أو لست أفتيت فتواك مفسرا قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" من ابتلي منكم بهذه القاذورات فليستتر"[24]، تفسير المبدإ الأصل، لتتفرغ أنت، في ظل الحديث الشريف، ويتفرغ معك كذابوك لقاذوراتك وقاذوراتهم! ؟
تب إلى الله إذ جعلت نفسك له نداً ونسبت لنفسك عرشاً، وتب إلى الله إذ بنيت على أبيك رحمه الله وغفر لنا وله قصراً بملايير كانت كافية لبناء سكن لثلاثين ألف أسرة. إنك لاتزال تنفخ في أبواقك لإحياء مجد آبائك، وهم والله رهن أعمالهم، لاتغني عنهم قصورك وقصورهم وأبواقك ونفخك من غضب الله شيئاً. أو لست تستحي أن تدخل بيتاً من بيوت القصدير لتبرهن بهذا التمويه البليد أنك ملك شعبي، ولكي تعطي لمأوى البؤس قداسته بحضورك فيه بضع ثوان ؟ أو لست تستحي أن تفعل ذلك تمويها وتمنية للناس وأنت تعلم كم ملايير تهربها وكم أموال تنفقها على شهواتك وإعداد عشك الذهبي بفرنسا! ؟ أولا تعلم أن الله جلت قدرته يمهل الظالم ويستدرجه! ؟ وأنت المستدرج حين تزعم لنفسك وللناس أن لك بركة نجّتك من هجومين!
علمني الصوفية الكرام المحبة وعلموني الرفق فأنا بك رفيق ولك محب بما أمرني الله من محبة آل بيت نبيه. لكن المحبة التي لا تنصح، والرفق الذي يغرك بحلمِ الله عليك، خداع ممقوت. إني أحاول أن أبث إليك شعـوراً بالحق، ولا سبيـل لذلك إن لم أكشف لك وللناس الباطل الذي أنت عليه وبراءة من الله ورسوله من أعمالك. لا وضوح ولا نصيحة ولا إسلام إن لم تخرج للوضوح الذي يفرق بين الحق والباطل.
إن تسعين بالمائة من هذه الأمة يعيشون البؤس والجهل والمرض وأنت على قمة حلفائك وأعوانك تعيش البذخ والترف، ويغرك بالله الغرور فتحسب أنك من هذه الأمة، وأنك في وضعك المتكبر خادمها. هذا والله زور، هذا والله كذب على الإسلام، وهذا والله أقوى حجة يقدمها الشيوعيون في بلادنا على صحة رأيهم ومذهبهم ودينهم. ولو شئت لعددت مثل ما بك من بلايا ورزايا في صفوف أصحاب الزوايا والمواسم الذين أحييت بدعهم وأنهضت جاهلية جموعهم لشغل الناس عن حقوقهم. وإنك لو فكرت لحظة لوجدت تخلفك الفكري والإسلامي عن عصر المولى سليمان حين ندد بهذه المواسم والموبقات. ولو شئت لعددت مثل ما بك في صفوف علمائنا حماة شريعة الإسلام ؛ إنهم منهمكون في جمع الأموال، فمنهم مقاولون في النقل، ومنهم سماسرة في البنايات، ومنهم قوالون للكذب أكالون للسحت. فما من هؤلاء وأولئك إلا من يحرص على حياة أي حياة! وما منهم إلا من يمني نفسه بالنجاة كلما اختلى في مجلس وأبدى للناس يأسه من الناس، يحسب أنه نصح وأدى ما عليه. وهو لو علم لبدأ باليأس من نفسه ولالتمس بابا من أبواب الجهاد في الله. ما منهم من يستطيع أن يمحضك النصح، ولو كان لظهر.
فدعني أوجهك إلى الله جل شأنه خالقك ومتوفيك إلى أجلك، ودعني أقل لك ما لا تقوله بطانتك السوء، وما لا يقوله مستشاروك الأجانب. دعني أُعْلمك وأُعْلِم الناس أن الحسن الباني لايبني سدوداً إلا ليأكل هو وحاشيته وحلفاؤه خيراتها، وأن وباء هذه الأمة وباء في الرأس لا تصلح معه الأمة إلا بصلاح الرأس وهو الملك.
جاءتك من الله آيتان حتى أيست من الحياة، فلما نجاك أعرضت وزدت طغياناً. فابتلاك الله بالرعب وشغلك بتدبير خلاصك عن الأمة وأمرها، فها أنت اليوم تعمد إلى ألاعيب في الداخل والخارج، وتتصدر المؤتمرات لتوهم نفسك والمغرورين من الناس أنك الملك القائم، وأنت والله المسكين المدبر أمره. وهذه آية من الله ثالثة تأتيك، وهي رسالتي. فإن يرد الله بك خيراً وضعتها موضع الحق وقمت وتبت، وإن يخذلك فمن ذا الذي ينصرك من بعده ؟
في حياة هذه الأمة أمثلة ناصعة لآية الله المتمثلة في قيام رجل ينهى الأمير ويزجره. وفي قرننا هذا آتيك بنماذج ثلاثة لم يتخلف فيها برهان الله ونصره لمن اتخذه سبحانه وكيلا. ملكان ورئيس، نهض لهم ثلاثة من رجال الدعوة إلى الله. قتل الملكان والرئيس الداعي فكانت للعلماء العاملين الشهادة والمحمدة عند الله والناس، وكان للقتلة الخزي السريع وسخط الله وغضبه.
وأنا رابع أربعة فانظر لنفسك مع من تود أن تكون ؛ عبد الحفيظ العلوي تاه بعلمه وملكه فلما نصح له ولي الله تعالى سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني حميت فيه حمية الجاهلية فجلد الرجل وقتله، فكان عبد الحفيظ بعد ثلاث سنوات محط غضب الله تعالى وخذلانه،إذ استنصر بالعدو الكافر، وسلم المغرب، وأمضى عقد الاستعمار. فهو وصمة دولتكم ومذلتها الخالدة. وفاروق فرعون مصر طغى وبغى، وسرح في مسارح الفساد، واستعبد المسلمين. وكان ولي الله تعالى سيدي حسن البنا أيده الله بنصره فبنى جماعة من المؤمنين برهنت عن فعالية المسلمين حين يكون الموت في سبيل الله أحب إليهم من الحياة. فلما أصبح للبنا شأن خافه الفرعون واغتاله فلم تمض ثلاث سنوات حتى سلط الله عليه فرعوناً أطغى وأبغى، وأنت تعلم مصير فاروق ونهايته المخزية في خمارات روما. وصدق في الله ولي الله تعالى مفخرة العلماء في هذا العصر سيدي سيد قطب، فدعا العبد الخاسر فرعون الاشتراكية والقومية المتدجل بالشعارات الإسلامية إلى الحق، فغضب الفرعون وسفك دماء المؤمنين الزكية، وقتل عالم الإسلام ولم يقبل فيه شفاعة المسلمين في مشرق ومغرب. ورأيت ورأى الناس خزي الفرعون بعد سنة واحدة ومذلته وهزيمته وحزبه أمام أخس الناس وأرذلهم على وجه الأرض. ونعلم ما أخبرنا به الحق جل جلاله من مصير الظالمين السفاكين يوم القيامة.
وأنت يا أخي يا حفيد النبي تجري في تيار عصرك الرهيب بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وتلاحظ أنواع التدجيل باسم الإسلام حين يدجل أقرانك من رؤساء الدول الإسلامية. وأرجو أن يجعل الله لك من رسالتي صدمة توقظك لمحاسبة نفسك حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. وحتى تمضي حكم الله وقدره باختيارك موقفاً مع عبد الحفيظ وقرينيه، أو مع من سأسرد عليك بعض نماذجهم ممن يقبلون النصيحة ولو كانت مرة. أما أنا فقد اخترت الجهر بالحق، وبعت الله عز وجل نفسي، وتحملت في ذلك مقاطعة إخواني وأحبابي، وتحملت مسبقاً ما يصدر من جهلك علي أن ابتلاني الله بك وابتلاك بي. اخترت أن أكون في جوار الله مع الناصحين المنذرين حينما اختار غيري السكوت عن الحق، واخترت صحبة الكتاني والبنا وقطب في نصحهم للمسلمين وصبرهم على الأذى.
كان الكتاني رحمه الله شيخاً صوفياً، وكان له أتباع في الجبل والسهل، وكان تاج العلماء ورجل الجد. نصح عبد الحفيظ ببذل الأموال وإعداد العدة وحشد الرجال لمواجهة العدو، واختار الملك المتعالم غير ذلك واتهم الشيخ الشاب الناصح بمطاولته وتشوفه للملك. وأنا ليس معي ناصر إلا الله عز وجل فلا تجد تهمة كالتي لفقها عبد الحفيظ. وكانت قتلة البنّا غدراً ثعلبياً فعل النذل الجبان. أما سيد قطب فقد ورث أسلحة وسهل على الفرعون العصري تهمته بتنظيم الإرهاب والاغتيال. وأنا لاسلاح معي ولاجماعة[25]، فانظر في أمرك يرحمنا ويرحمك الله.
ما درى عبد الحفيظ وقريناه من آذوا، وما عرفوا من حاربهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وإن الله عز وجل أعلمنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يغار على أوليائه ويحارب من يؤذيهم، وإنك لقيت أهل الفضل وإنك تحب الصالحين وتزور الأضرحة، وإنك لتعلم تعظيم آبائك لأهل الله وتذكر منبع دولتكم من زاوية المولى علي الشريف رحمه الله، وها هي كلماتي تأتيك غير محتشمة ولا وجلة، فإن عرفت صولة الحق فذاك، وإلا فأي بديل لديك غير الحل الذي أقترحه ؟ أتتمادى في تأرجحك بين القوى الوهمية التي تتخيلها عند الشخصيات والأحزاب، أم تستمر في تعنتك تجاه القوى الحقيقية التي يمثلها جيش المسلمين الذي رجع من الشرق ببطولات بعد أن اكتشف له ذاتية جديدة ؟ لاملجأ لك ياأخي إلا الحق سبحانه توجه وجهك إليه، وتعلن توبتك على الناس، وتنفض يديك من ماضيك كله ومن كل ما جمعته وجمعه آباؤك من زينة الدنيا ومتاعها.
إني يا حبيبي يا حفيد رسول الله يبلغ بي حسن الظن بك أن أقترح عليك نموذجاً سلوكياً فريداً في تاريخ الإسلام ؛ إني أنتظر منك أن تسمو بك الهمة إلى صف الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله. لا أريد لك ما تخوض فيه من أراجس الكيد وحوك المؤامرات دفاعاً عن حياتك المهددة من الداخل والخارج، ولا أريد لك حمأة الدناآت السياسية من كذب وتمويه، بل أقترح عليك الهمة القعساء والانطلاق من قيود الشهوات والأنانية الملكية. لو فكرت لحظة لوجدتني صديقك الوحيد، إذ أعنف عليك في القول لأمسك بحجزتك أن تقع في النار، وإذ أهدي إليك عيوبك، وإذ أقترح عليك المخرج الشريف الوحيد الممكن في نفس الوقت الذي أرفع به همتك إلى مصاف الرجال.
لو فكرت لحظة لرأيت رأي من ينافقونك من ديدان القراء أو من محترفي السياسة رأياً قاتلا. إنهم يزيدونك انغماساً في دائرة همك المغلقة وفي دائرة الرعب المخيم عليك والذي لن يلد لك وللأمة إلا عنفاً. وأنا بحمد الله لاتسقط همتي فأنافقك رهبة أو رغبة، بل أصارحك وأحذرك حدباً عليك ونصيحة لك وللمسلمين. وكم اعترض علي الناس فيما كنت أخطه ذاكراً وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، ولو جار، ما أقام الصلاة. ولعل من الناس من اعتبر ذلك ضعفاً وتملقاً، أو مماراة للملك وتزلفاً. وأنا لاشأن لي إلا بالتماس مخرج للمسلمين في هذه الديار على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حقناً لدماء المسلمين وتفادياً للمتاهات "الاشتراكية" التي ضيع فيها المسلمون جهودهم ووقتهم.
لكن هل من يستمع لصوت الإسلام وهل يمكن حل لمشاكلنا في المغرب بغير عنف ؟ ذلك يرجع للملك واختياره، فأنا أضع بين يديه نموذجاً سلوكياً، فلينظر لنفسه وللمسلمين. فإما يستشير من لهم في نظره رأي فيثنونه عن عزمه إن عزم وحينئذ يحصد الله من يشاء حصداً كما حصد فرعون المغرب منذ عامين، وإما يستفتي ديدان القراء فيخرجون له قولة مريضة مثل التي خرج بها علينا منذ عامين حين خطب أن من فقهاء المالكية من يحل قتل ثلث الأمة إن كان ذلك ضرورياً لصلاح باقيها. ولاشك أن الديدان اللزجة الرخوة في قصورها وقاذوراتها لاتعي ما تقول، وإن نظرت في مذهب مالك فلا تعثر على رشد بل تعثر على قولة مريضة قالها مترف من جنسهم يدعو فيها لجاهلية وعنف، ويدعو فيها لاستئصال المسلمين، ويحمل للملك المحنق من غدرة فرعونه الذي حكمنا باسمه أعواماً طويلة فعاث في الأرض فساداً، تلك الفتوى الجهنمية التي لفقها خصوم الملك واتخذوها حجة عليه خالدة.وأنا بحول الله أورد على الملك فتوى الإمام مالك نفسه في الملوك الظلمة حين يعصف بهم العنف. أدع ذلك لأنهي به هذا الجزء من رسالتي، وأؤخر الحديث عن النموذج الذي أقترحه للملك إلى حين.
من علماء المسلمين اليوم ورجال الدعوة الأخيار من يوصي المسلمين ألا يتعرضوا لتاريخهم بالنقد، وألا يرموا سلفهم بالضلال. وأهم هؤلاء الرجال عالم المسلمين سيدي أبو الحسن الندوي.
وأرى أن تجديد الإسلام لا يمكن إن لم يتخذ رجال الدعوة موقفاً واضحاً من تاريخ الإسلام بصفة عامة. إن هذا التاريخ حافل بالرجال المؤمنين، حافل بالعلماء العاملين، حافل بالمفكرين اللوذعيين والعقول المستنبطة المبدعة. لكن هذا النتاج الفخم كان نتاج حضارة ونتاج مجتمع فقدت منه روح الجماعة الأولى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الأربعة. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الخلافة بعده ثلاث وثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضا[26]. وهكذا كان. ومن يومئذ حلت الفتنة في القمة وفسد الحكم وجر معه فساد أمر الأمة. الملك العاض يؤازره ديدان القراء المتزلفون المنافقون مارس الحكم وفق نواميس التكاثر والعنف والجهل. أي وفق نواميس الجاهلية. ورزح تحت كابوسهم المسلمون فناهضوا الفتنة والفساد وأوذي العلماء وقتلوا وكان منهم في كل عصر رجال يتشوفون لموعود الله ورسوله أن سترجع الخلافة على منهاج النبوة كما كانت.
أوذي الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، وأوذي كل من قال الحق عند السلطان إن كان هذا الحق لا يدغدغ شهوات السلطان، وقد رأينا ثلاثة من علماء المسلمين في عصرنا منذ قليل.
ولكي نلقي نظرة على فساد الصنفين الذين ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم نفتح كتاب أحد ديدان القراء الذين يعج بهم تاريخنا كما يعج بالصالحين، ذاك هو الجاحظ أمير البيان الأديب الكذا وكذا. عاش في عصر بلغت فيه عنجهية القومية العربية أشدها،إذ جعل ملوك الأمويين الناس خولا للعرب وموالي بمعنى عبيد. وهبت ريح الردة الشعوبية وريح المقاومة من القوميات الأخرى. فكان الجاحظ ترجمان هذه الكسروية التي تحالفت مع السلاطين الذين سموا أنفسهم خلفاء، فخدمت شهوات سكان القصور ومكنت فيها للبروتوكول الكسروي والترف والمجون.
نفتح كتاب "التاج" للجاحظ فنقرأ : "...إن أكثر العامة وبعض الخاصة لما كانت تجهل الأقسام التي تجب لملوكها عليها، وإن كانت ممسكة بجملة الطاعة، حصرنا آدابها في كتابنا هذا لنجعلها قدوة لها، وإما لتأدبها. وأيضاً فإن لنا في ذلك أجرين : أما أحدهما فلما نبهنا عليه من معرفة حق ملوكها، وأما الآخر فلما يجب من حق الملوك عليها من تقويم كل مائل عنها، ورد كل نافر إليها. ومنها أن سعادة العامة في تبجيل الملوك وطاعتها كما قال أزدشير بن بابك : "سعادة الرعية في طاعة الملوك وسعادة الملوك في طاعة المالك". ومنها أن الملوك هم الأس والرعية هم البناء ومالا أس له مهدوم".
هكذا من المقدمة يمزج الجاحظ الأديب نموذج الديدان وإمامها الأجر بين معرفة حق الملوك ومساندتها والاستشهاد بأزدشير. لاجرم أن الكتاب تقنين لبروتوكول البلاط الكسروي بما يناسب الدولة العباسية التي انغمست في اللذات حتى عصف بها التتر. ولايتورع الجاحظ من الاستشهاد بالكتاب والسنة في الاتجاه الذي يجب أن يزكي به استعباد الملوك للناس. وهم عنده الأس والناس خول وموالي وعبيد.
ويتملق الجاحظ ملوك الوقت ويرفع في سلم البذخ والترف أعلى من آل ساسان فيقول : "ولعل قائلا يقول إذا رآنا قد حكينا في كتابنا هذا بعض أخلاق الملوك الماضين من آل ساسان وملوك العرب : قد ناقض واضع هذا الكتاب، إذ زعم أنه ليس لأخلاق الملك الأعظم (يعني رئيس الدولة) نهاية، فيظلم في اللفظ ويعتدي في المقال. وأولئك الملوك هم، عند ملوكنا، كالطبقة عند النمط الأعلى". ثم يمضي الكاتب يسرد تنظيم القصر ولذاته ومجالسه، بل يبين قواعد الخدمة وعبادة الملك، وصلة الملك بالجواري والمحظيات إلى غير ذلك مما يعطي صورة عن معاني الفتنة والفساد في أجلى صوره في القمة،في دار من حكموا المسلمين ويحكمونهم تحت أسماء السلطان أو الخليفة أو الملك. والملوك شأنهم العربدة ليلا، وبعقول معربدة يدبرون أمور الرعية بالنهار. فلا غرو أن يتسلل الفساد إلى الرعية وأن تقتل فيها المروءة والرجولة وأن تنهار قوة الأمة تحت تسلط الحكم الفاسد، وأن تمضي جهود القيادة بدداً في لهو الليل وحياكة الدسائس بالنهار. ولاغرو أن يكون تاريخ المسلمين كما نعرفه، تكاثراً وعنفاً وجهلاً.
هذا الجاحظ يقول : "...ملك يزيد بن عبد الملك فسوى بين الطبقة العليا والسفلى، وأفسد أقسام المراتب، وغلب عليه اللهو واستخف بأمر المملكة، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل في مجلسه والرد عليه. وهو أول من شُتِمَ في مجلسه من الخلفاء، على جهة الهزل والسخف. قلت لإسحاق بن إبراهيم : هل كانت الخلفاء من بني أمية تظهر للندماء والمغنين ؟ قال :أما معاوية ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد، فكان بينهم وبين الندماء ستارة، وكان لايظهر أحد من الندماء على ما يفعله الخليفة إذا طرب للمغنين والتذ، حتى ينقلب ويمشي ويحرك كتفيه ويرقص ويتجرد حيث لايراه إلا خواص جواريه... وأما الباقون من خلفاء بني أمية فلم يكونوا يتحاشون أن يرقصوا ويتجردوا ويحضروا عراة بحضرة الندماء والمغنين".
خلفاء عراة يرقصون وينقلبون، وكلما تقدم العصر زاد المجون، وكلما تقدم العصر واتسعت المملكة زاد التبذير على اللهو. ويذكر الجاحظ تبذير أموال المسلمين الجنوني على المغنين والفسقة والجواري ويذكر سكر الأمويين والعباسيين الذين يبيتون سكارى ويصبحون مخمورين. والحال هي الحال حيثما كان القصر وكان الملك وكانت السلطة المطلقة. بيد أن مجون قرننا وتهتكه وبذخه يُخجل ترف الماضين لما يتيحه العصر من وسائل صنعتها الجاهلية وتوردها على ملوكنا الفاتكين. ويستطيع ديدان عصرنا أن يلهوا ملوك الجاحظ وابن المقفع بسيارات الذهب وحسناوات العالم كله ومخدراته التي تكتظ بها القصور، وبضجيج المغنين يحمله التلفاز والمذياع عبر العالم ليغطي أنين الجائعين والمحرومين من أمة رسول الله. وذلك في منطق يجعل الملك أساً والأمة فرعاً أمر بسيط طبيعي. ويستطيع من له عقل ورأي أن يترقب عاصفة تمحق الباطل كما محق جنكيز خان أصحاب الجاحظ، عاصفة تتارية كعاصفة أتاتورك الكافر، أو عاصفة جبار يسلطه الله على جبار كما رأينا في مصر. وحين يشاء الحق عز وجل أن يصنع لهذه الأمة يوقظ عبداً من سكان القصور ليعيد سيرة عمر بن عبد العزيز،أو يحصده حصداً لتنبت أرض الإسلام القائد المجاهد الذي نتوقعه ونرجو الله أن يجعلنا من جنده.
كان ملك المسلمين قبل عمر بن عبد العزيز رجلاً فاتكاً كأسلافه، غارقاً في تقاليده الكسروية، لكن كانت به مسكة من دين عصمته من سفك دم عالم صالح من المسلمين، وهيأته يد الله القوية ليعهد بالملك من بعده لابن عمه عمر بن عبد العزيز متخطياً وجوه بني أمية لأمر أراده الله، ولكي يضرب الله مثلاً لمن يجيء من ملوك المسلمين أن بشراً يستطيع ما استطاعه الخليفة الخامس إن سلك لذلك سبيل معاداة نفسه ومحاربتها وحملها على الحق لتجانب الباطل الموروث.
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأرسل إلى عالمها أبي حازم[SB1] [27]، فلما جلس إليه سأله : ما لنا نكره الموت يا أبا حازم ؟ قال أبو حازم : لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب!
أسرد إليك ياحبيبي يا حفيد رسول الله تاريخ الفتنة والباطل، وأقص عليك حديث أبي حازم إن كنت لا أحسن أن أقول كقوله ؛ وأرجو أن تأخذ نصيحته على لساني وترتعد من خوف الله وتخشى عذابه ولا تغتر بحلمه عليك فقد خربت آخرتك وعمرت دنياك، وعرضت نفسك لغضب ربك فتب إليه قبل أن يخسف بك الأرض أو يسقط عليك كسفاً من السماء، فكيف تلقى الله إن لم تتب وتكفّر عن خطاياك! اسمع نصيحة أهل الله أهل القرآن من أمثال أبي حازم على لساني، أنا الحدِب عليك المستبشر للمسلمين بالخروج من الفتنة وشيكا بحول الله على يدك إن سَمت همتك أو يحصدك الله ربي عز وجل ويبعث لنا من يشاء من عباده. ذلك إليك فابك على خطاياك وتب أو بؤ بغضب الله.
قال سليمان : كيف القدوم على الله يا أبا حازم ؟
- أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
- فبكى سليمان ثم قال : ليت شعري مالي عند الله ؟
- قال : اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال : )إِنَّ الابْرارَ لَفي نَعيِم وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيم([28].
- قال سليمان : فأين رحمة الله ؟
- قريب من المحسنين.
- قال سليمان : يا أبا حازم أي عباد الله أكرم ؟
- أهل البرّ والتقوى.
- فأي الأعمال أفضل ؟
- أداء الفرائض مع اجتناب المحارم.
- فأي الكلام أسمع ؟
- قول الحق عند من تخافه وترجوه.
- ما تقول فيما نحن فيه ؟
- أو تعفيني!
- لابد، فإنها نصيحة تلقيها إلي.
هنا يا حبيبي جلجل صوت الحق وفضح صدق أبي حازم أباطيل الديدان من لدن كانوا إلى يوم القيامة حيث أجاب : "إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة، من غير مشورة من المسلمين ولا رضى منهم، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة. وقد ارتحلوا، فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم! قال رجل من الجالسين : بئسما قلت! فقال أبو حازم : اسكت فإن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولايكتمونه".
وإني يا حبيبي يا ابن رسول الله أصدع لك بالحق الذي كتمه عنك علماؤنا الأفاضل الخجلون الذين يسرون إليك النصيحة ويدسونها إليك دساً. وكأنهم لايعلمون أن المنادي ينادي يوم القيامة على كل ظالم ليأخذ منه كل ذي حق حقه. ينادي على رؤوس الناس يفضح الظلم وأهله. وإني يا حبيبي أنصح لك بما نصح به أبو حازم صاحبه. وأزيد على ذلك اقتراح النموذج السلوكي والحل الكامل لوضعك المتهرئ ورعبك من العنف الذي بنيت أنت آلته بيدك ويبنيه ليلا ونهارا فعلة ماهرون من منظمي حروب العصابات في الخارج ومنظمي الخلايا الشيوعية في الداخل. وتدعم كل ذلك أنت بديمقراطيتك التي اتخذتها محراباً وضعت أسسها على هواك، ثم ما كانت إلا ربقة في عنقك وفرصة لحماية دعاية الصهيونية والشيوعية ببلادنا. اسمع نصيحة أبي حازم وابك على خطاياك، والله سبحانه الآخذ بناصيتنا وناصيتك يصنع لهذه الأمة.
قال سليمان : "وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد ؟ " قال أبو حازم : "أن تأخذ كل شيء من حله وتضعه في حقه".
كم يبدو مفهوم الحلية والحرمة غريبا في زمننا. وذلك يبين لنا مقدار بعدنا عن الله وغفلتنا عنه، وإن كنا نحمل السبحة ونزور الأضرحة ونبعث الإسلام سنة كاملة زوراً وبهتاناً ثم نتبع ذلك ببعث الاشتراكية. خلط في الأفكار والنوايا وبلبلة في الأعمال ورعب وفزع تكون جواً لا يتبين فيه الحرام من الحلال. وكم أرثي لعلمائنا المبجلين حين يطلبون استقبالك ليسروا إليك بمطالبتهم منع الفجور والخمور وهم لا يتساءلون لحظة من يملك معاصر الخمور التي تسميها أدوات الإعلام المحتشمة نبيذاً، ولا يتساءلون لمَ يفشو الزنا والفسوق وما السبب في هذه الظواهر. إنهم لا يرون إلا الظواهر ويحسبون أن حذفها ممكن بدون استئصال جذورها الموجودة في احتكار أرض المغرب وحقول المغرب وناس المغرب من لدن طائفة تجمع المال وتخدم رأس المال الجاهلي حليفها. فأين مفهوم الحلية والحرمة وأين معاني الحق والباطل في واقع أعمى مغمض يعبد العجل الذهبي ويركع الناس فيه كل يوم أمام الملك ؟ إن من يعبد العجل الصهيوني ويركع للملك لايقدر أن يتبين حلالا من حرام ولا حقا من باطل. فابك يا أخي يا حسن على خطاياك وتب إلى ربك أو بؤ بغضبـه وتهيأ ليوم يحصدك فيه الله عز وجل كما حصد فرعون وفاروقاً والعبد الخاسر.
إني أصدق إيمان الملك وأعرف أن سبحته ليست كذبا كما يظن عامة الناس، وأعلم أنه يخشى الله أحيانا ويبكي، لكني أعتقد أن بكاءه لايغني عن جهله للإسلام، وجهله لمتطلبات الرجولة التي أدعوه إليها. لابد أن يتوب جهاراً نهاراً ولابد أن يبرهن لنا عن توبته كل يوم بأعماله على غرار ما أقصه عليه من أعمال ولي الله تعالى وفخر الرجال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. سليمان بن عبد الملك على مسكة الدين التي عصمته من سفك دم أبي حازم، استعظم نصيحة العالم الناصح. ولعله استعظمها لعلمه ببعد ما كان فيه عن الحلّية، ولعلمه أن دولة قامت على الباطل لاتستطيع إلا أن تسلك مسالك الباطل. كان سليمان رجلا عاديا،لم تكن له همة عمر بن عبد العزيز، ولم تكن له ذمته، ولم تكن له رجولته.فهل يرتفع الحسن بن محمد بن يوسف حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فتنة دولته وفسادها ويقطع من الباطل الأوصال ؟ أم هل تسمو به الهمة إلى مصاف الرجال ؟
قال سليمان : "ومن يقدر على ذلك" ؟ قال أبو حازم : "من يطلب الجنة ويخاف النار". قال سليمان : "ادع لي يا أبا حازم". قال : "اللهم إن كان سليمان بن عبد الملك وليك، فيسره لخيري الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى". قال سليمان : "أوصني" ؛ قال : "أوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك".
هذه يا أخي يا حسن يا مسكين وصية موجزة بليغة. وإن رجلا مثلك يستقي نصائحه من منتسكيو ودوفرجي ويتخذ الأجانب الجاهليين مستشارين في أمر الدولة، في أمر سياسة المسلمين يغفل عن نظر الله إليه فلا يستحسن أمراً إلا بما حسنه له مستشاروه من ديدان وجاهليين، ويغفل عن نظر الله إليه سبحانه القهار القوي العزيز، فلا يقيس أعماله بأمر الله عز وجل ونهيه. ويذكر أسماء الله منتسباً للصادقين ليحمي ملكه وعرشه وهو غافل عن وعيد الله عز وجل حيث قال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : "أيما وال بات غاشاً لرعيته حرم الله عليه الجنة"[29].
لايغرنك أنك تذكر أسماء الله وتنتسب إلى أولياء الله. إن لأسماء الله نوراً وجلالا[AN2] يغار الحق سبحانه على من ناداه بها أن يخيبه، وقد يكون الذاكر مثل بلعام بن باعوراء عابد بني إسرائيل الخاسر الذي كان معه اسم الله الأعظم. فلما استعمله في الدعاء على موسى عليه السلام جعله الله مثلا لمن جاء بعده، فسلخه من الإيمان وجعله كالكلب، قال تعالى في حقه : )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي آتَيْنَاهُ آيَاتِنا فَانْسَلخَ مِنْهَا فَأَتْبَعهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغَاوين. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفعْناهُ بِها ولكِنَّهُ أَخْلدَ إِلى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ، فمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِل عَليْهِ يَلْهَثَ أَوْ تَتْرُكه يَلْهَث. ذلِك مَثلُ القَوْمِ الذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا، فَاقْصُص القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرون ([30].
وأنت أخلدت إلى أرض شهواتك واتبعت هواك. وضربت في كل يوم بضلالك مثلا لشباب المسلمين أن الإسلام أفيون وتضليل وظلم وبهتان. فاحْذر مكر الله ياهذا وانظر لنفسك قبل أن يحق عليك القول.
ماذا يغني عنك يا أخي المبتلى بالملك أن تتصدق ذات اليمين وذات الشمال، وأن تواظب على قصاع الكسكس لأضرحة الصالحين،إن كنت تشتري الضمائر في سوق ما أرخص الضمائر فيها، فقصعة الكسكس يطعمها مساكين ثم يجوعون. أما ديدانك ومادحوك ومغنوك فتعطيهم عطاءك البرمكي بل الكسروي المشهور وتبذر أموال المسلمين. فبأي وجه تلقى الله وأنت تزعم لعالم يجهل الإسلام ولأمة تجهله أيضاً وفي مقدمتها علماؤنا الخرس عن الحق، تزعم للعالم أنك من الإسلام وأنك تبعث الإسلام حين تلعب بدين الله ؟ ! والله يراك والملائكة تحصي أقوالك وأفعالك ؛ فبأي صحيفة تلقى ربك ؟ ويحك كيف تلقاه ؟ ! ديدانك يعبدونك وثناً ويذكرون في أشعارهم أنك جئت من السماء وأنك نور الإسلام وأنك لم يخلق مثلك. والعلماء خرس ساكتون. وسوقك سوق نفاق نافقة. فأي إسلام هو إسلامك ؟ إنك شوهت وجه الإسلام. أما الفيلاّت بسبعين مليوناً أو مئات الملايين فتعطى للشخصيات من أموال المسلمين التي احتكرتها وبذرتها وعرضت اقتصاد البلاد للإفلاس المزمن حين وضعت شؤون الدولة في أيدي الساسة المرتزقين، وحالفت رأس المال الجاهلي على ظهر الأمة.
لا تغتر يا أخي يا حسن بحلم الله عليك، وارتعد وابك واصعق إن قدرت متى صحوت من غفلتك لحظة وعلمت أنك إما أن تكون عدواً لله فذاك الخسران وذاك خزي الأبد عافانا الله وإياك من سخطه، وإما أن تكون ولياً لله، وإذا فلا مكث لك حيث أنت. فانظر ما يقذفه الله في قلبك يوم تقرأ رسالتي، وانظر هل تثبت للنصيحة كما ثبت سليمان، وانظر هل تزيد عليه وتطلب رضى الله ربّي وربّك كما طلب عمر بن عبد العزيز، أم هل يَحْمَى أنفك وتأخذك العزة بإثمك. إنه الهول الأعظم يا أخي، إنه غضب الله عز وجل أو رضاه. إنه خلود في النار أو خلود في الجنة. ولن يغني عنك جدك صلى الله عليه وسلم شيئاً كما لم يغن عن فاطمة ابنته. ولن تغني عنك قصاع الكسكس وزيارة الأضرحة ولا سبحة الحظوظ إن تماديت في التدليس والخداع وشراء الضمائر وصرفت وقتك وهمك في توقع الانقلاب أو حملة العصابات. لو لجأت إلى الله بتوبة جاهرة صادقة تعلن بها على الناس خطأك فيما مضى ونيتك في استئناف حياة الحق منقطعاً عن باطلك لوجدت الله تواباً رحيماً.
ولو اتخذت الله وكيلا بتوبتك عن شرك الشعارات واستعباد المسلمين الذين ترغمهم على الركوع بين يديك وتطرد من تأبى رجولته أن يفعل لكفاك الله وصنع لك. يقول جدك عليه الصلاة والسلام :"أوحى الله إلى داوود : وعزتي ما من عبد يعتصم بي دون خلقي،أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات والأرض بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً. وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهُوِيَّ (بمعنى الهوة) من تحت قدميه.وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، ومستجيب له قبل أن يدعوني، وغافر له قبل أن يستغفرني"[31]. رواه تمام وابن عساكر والديلمي.
انظر إلى خبرائك الأجانب في البوليس والجيش والسياسة، وانظر كيف أحقرت وسفهت جيش المسلمين حين جردته من السلاح كما يجرد الخونة، وانظر كيف قتلت صفوة شباب الجيش وكيف انقدت لفرعونك أوفقير، ولا أقول لهامانك لتكون أنت الفرعون رفقاً بك ومودة أمر الله بها لآل بيت نبيه. هل كنت في كل ذلك تعتمد على الله وتسند ظهرك إليه، أم هل كنت تماكر وتعتمد على قوتك وتغتر بأحلافك ؟ هل تعتقد أن الله عز وجل سلطك على أعدائك من أمثال أوفقير والمذبوح، أولئك الجبابرة الذين مسحوا حذاءك ثم نصبوا لك الأشراك، جزاء طاعتك لأمره! ؟ لاوالله بل عصيت واستكبرت وتألهت واستدرجك الله تعالى وأمهلك. أيريد الله بك خيراً ففسح لك أم هو مكر نعوذ بجلال الله ؟
إن من يتأمل في إعدادك لعشك الذهبي بفرنسا وتهريبك للأموال لايرى رجلا يطيع الله ويعتمد على الله ويعتصم بالله دون خلقه، بل يرى رجلا يخشى الناس ولا يخشى الله ويعتمد على دهائه ولا يعتمد على الله. لاجرم أن يرسخ الله الهوي تحت قدميك وهو الرعب الذي ابتلاك الله به. فتب إلى الله من قريب يكن لك نصيراً، ولا تجعل توبتك ورداً تقرأه ثم تمضي في غيك. بل اجعلها عهداً بينك وبين الله ومبايعة بينك وبين الأمة أن قد مات الحسن الطائش الفياش الغر الفاشل، وها هو الحسن المسكين المؤمن عبد الله يلتمس غفران الله، ويكفر عن ما مضى ببذل الجهد في التنصل من الفتنة وعقابيلها، وليس أدرى بالفتنة من موقدها وسادنها، ولا أَقدَر على محاربتها منه.
هذا يا أخي يا حسن، مدخل الرجولة ومدخل الرفق بديل العنف، ومدخل رضى الله أنصحك بسلوك سبيله، وإلا فاستعد للعنف المحيط بك أن يطحنك بعد أن يدوسك جزاء خيانتك للأمانة واستهانتك بأمر الله عز وجل. وهذا عمر بن عبد العزيز سيد الرجال أضع أمامك نموذجه عل الله يجدد لنا فيك الخير والشهامة والخلافة على منهاج النبوة. لا أعيد عليك أسوتنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كتبت فصلا في كتابي "الإسلام غداً " فما قرأتَ ولا دريتَ. ولا أقترح عليك رجولة الصديق الأعظم أبي بكر فذلك ما لايبلغ إليه الأقزام أمثالنا. وكيف يقدر مثلك أن يخطو خطوة ولا عشرها من خطا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؟
كان أبو بكر رضي الله عنه يحلب لجاراته منائحهن، فلما ولي الخلافة بقي يحلبها حتى مات رحمه الله. وأنت لاتقدر على ذلك، لا لعدم مهارتك في الحلب، بل لأنه لاجيران لك ولاجارات، بل قصرك مدينة قائمة بذاتها لايجالسك فيها إلا من يقدر أن يبني لك قصراً بعدة مليارات فيهديه إليك، أو سفيه فاحش يضحكك في سمرك وينادمك حتى إذا جاء أمر الله ندمت وحدك. ولا يجالسك فيه إلا سفيه فاحش يكذب عليك ويغرّك بالله، فإذا خرج من عندك خطب في المسلمين وهرج وأنشد فيك القصائد يؤلهك ويخدم أنانيتك واستكبارك حتى تنتفخ كما انتفخ نمرود وفرعون فيلقيك الله حطباً لجهنم.
ولا تقدر أن تخطو خطوة ولا عشرها من مسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين لبس المرقع وأكل خبز الشعير القَفارَ ليلبس المسلمون ويخصب المسلمون. ولا تقدر أن تصعد المنبر كما فعل يوم جمع الناس ليذكرهم أنه في صباه كان يرعى لخالاته على حفنة من تمر حشف. فلما سأله الناس لِمَ خطب بهذا أعلمهم أنه يحب أن يهين نفسه ويذكرها بحقارتها حتى لا تطغى. كيف وأنت نشأت في الديباج وأكلت وتأكـل في أواني الذهب! كيف ومن حولك ديدان القراء يستدعيك أحدهم فيغذيك في آنية الذهب وبملاعق الذهب! أي كسروية كانت للأمويين والعباسيين ؟ لو أطلوا عليك في قصورك إطلالة لحقروا أنفسهم.
أفمن كسرويتك وطغيانك وتيهك على الله وعلى المسلمين تعود لنا عمر بن عبد العزيز ؟ غيري يستحمق من يظن ذلك، أما أنا فأعلم أن الله على كل شئ قدير، وأبدأ فأحدثك عن رجلنا المؤمن القوي تبشيراً لك إن كنت عند الله الرجل الذي ننتظره. وتحديا لك أن تكون عبرة الدهور وسيد الرجال، وحجة عليك بين يدي الله عزوجل إن خنست وآثرت شهواتك على رعاية أمانة الله التي طوقك إياها فخنت واتخذت آيات الله هزؤا ولعبا. لا أفعل هذا وايم الله لأنافقك وأضلل المسلمين، بل أفعله ليتضح للمسلمين نيتك ومبلغ همتك. فمتى بان أني كنت أنفخ في رماد وأن الهرّ لايكون أسداً ولو انتفخ وانتفش، وأني فشلت في حسن ظني بك وترشيحي إياك للمقام الأكمل، عدت عندها لفتوى إمامنا مالك أدحض بها فتوى ديدانك المريضة إن نسأ الله في أجلي. فإن قضيت تركتها في آخر هذا الجزء من الرسالة ليبحث المسلمون عن رجل غيرك. والله المستعان.
نشأ عمر بن عبد العزيز أميراً مترفاً في قصور بني أمية مع الذين رأيناهم يرقصون ويتجردون وينقلبون ويبيتون سكارى ليصبحوا مخمورين. نشأ في ظل دولة تنكرت للإسلام واستعبدت المسلمين وسلطت عليهم طغاة فراعنة مثل الحجاج بن يوسف يجبون الأموال ويقتلون الرجال. شب عمر في القصور بين الجواري، وكان جميل الصورة فارهاً يتزين ويلبس الحلل بمئات الدنانير. وكان مشهوراً بمشيته الخيلاء العمرية كما كانوا يسمونها. وكان متكبراً كالأمويين بني أمية. ولا أحتاج أن أصف للملك سليل الملوك من أمور هذه النشأة الأميرية وما تتيحه من فرص العبث والمتعة، فهو أعلم بذلك مني. وكان لعمر مالم يتح للحسن بن محمد بن يوسف. ذلك أنه كان في عصر فتنة ساذجة، إذ بقيت عقيدة المسلمين فيها سليمة، وكان الويل مقصوراً على طبقة الأمراء وأعوانهم لا يجرؤون أن يمسوا شعائر الدين مخافة غضب الأمة. فإذا تهتكوا فعلوا ذلك بين ندمائهم وأظهروا للعامة وجه الصلاح. أما في عصرنا فالعقيدة فسدت واختلطت المفاهيم، وما يهم الملك أن يحدث بدعة إلا سبقه إليها وحسنها له ديدان القراء.
كان لعمر بن عبد العزيز مربّ من علماء الأمة الصالحين اسمه صالح بن كيسان، ضبطه مرة تأخر عن الصلاة في المسجد فكتب لأبيه فعزره عليها. وكان لعمر أخوال من آل عمر بن الخطاب ورثوا الجد وورثوا الدين، فأثروا في حفيدهم الأمير بالقدوة الصالحة. أدرك عبد الله بن عمر رضي الله عنه فكان يتأثر خطاه ويأخذ عنه ويتمنى أن يكون مثله.عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوى المسلمين في الله بعد أبيه.
وكبر عمر وولي إمرة المدينة ولقي عالم التابعين وسيد المسلمين سعيداً بن المسيّب فكان يكلأه برعايته ويحميه ما استطاع من ظلم عبد الملك بن مروان جلاد العلماء سفاك الدماء ما استطاع. ولقي عمر ولياًّ من أولياء الله اسمه رجاء بن حيوة كان معروفاً بفضله وحكمته. وكان بنو مروان يستوزرونه ويستشيرونه.فكان رجاء مثال المؤمن القوي الحكيم يعالج المواقف برفق لاهوادة فيه، فيكسر غلواء الملوك وينحو بهم نحو الخير ما استطاع. وهو كان صاحب سليمان في أواخر حياته. وهو الذي أوعز إليه أن يولي بعده عمر بن عبد العزيز، فقد كان يعرف ما يضمه قلب الأمير التياه من جوهر طاهر لايطمئن لظلم بني أمية رغم مخالطته لهم وتأثره برفاههم. فبعثه سليمان يختبر له عمر فبات عنده أياماً حتى توثقت بينهما صلات المحبة، ورغب رجاء في صحبة عمر على النسك والعبادة كما يروي ابن عبد الحكم.
هذا بإيجاز تاريخ صحبة عمر للأفاضل قبل خلافته. وكان يومها المسلمون في القرن الأول أفضل القرون. كانوا أمة واحدة لما تفرق بينهم المصطلحات والمذاهب. كانت صحبة الأخيار أمراً معلوماً لاجدال عليه. ولم ينشأ الجدل في صحبة الأفاضل إلا بعد أن اختلط الناس، وتمايز رجال زهدوا في الفتنة بأسرها، وبحثوا عن الصفاء، واعتزلوا في صحبة رجل خير ينير لهم الطريق سموه شيخاً. وسماهم الناس صوفية إذ أصبحوا قلة تَنَحَّتْ عن ميدان الدنيا لمّا أصبح هم الأمير والمأمور الخوض في بحر من العمى أهوج مواج. كان عمر بن عبد العزيز يصحب الأخيار، وكان رجاء له شيخا إن استعملنا اصطلاح الصوفية. وكل اصطلاح يفرق ولايجمع. فما أزهدنا في تقاليد الصوفية ومصطلحاتهم متى ضمن لنا هذا المبدأ المهم الأساسي وهو مبدأ الصحبة.
وتمادى عمر في انتقاء الأخيار بعد خلافته يجالسهم ويشاورهم يأخذ عنهم. وسأله الناس في رجل كان يصحبه قبل خلافته فلما وليها هجره فأجاب : تركناه كما تركنا الخز والوشي. فللّه دره رضي الله عنه إذ عبر عن فتنة الغافلين لمن صحبهم كما تفتن زينة الدنيا المحرمة على المؤمنين كالخز. وجمع عمر سيرة جده عمر بن الخطاب، وطلب إلى الحسن البصري يستكتبه نصيحة جامعة. فنفقت عنده سوق العلم والصلاح، وقصده العلماء بالوعظ. فمن أحسن ما قيل لديه موعظة زياد بن أبي زياد إذ قال : "يا أمير المؤمنين! أخبرني عن رجل له خصم ألد ما حاله ؟ " قال عمر : "سيِّئ الحال"، قال زياد : "فإن كانا خصمين ألدّين ؟ " قال عمر : "ذلك أسوأ لحاله"، قال : "فإن كانوا ثلاثة ؟ " قال عمر : "فذلك حين لايهنئه عيش". قال زياد : "فوالله يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد إلا وهو لك خصم!" فبكى عمر حتى تمنى زياد ألا يكـون قد قال له ما قال.
وكان عمر يقول لجلسائه : "من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال : يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي إليه. ويكون لي على الخير عوناً، ويبلغني حاجة من لايستطيع إبلاغها، ولايغتاب عندي أحداً، ويؤدي الأمانة التي حملها بيني وبين الناس، فإذا كان ذلك فحيَّهَلاَ وإلا فقد خرج من صحبتي والدخول علي". وهذا ما عَبَّر عنه ميمون بن مهران إذ قال له : "إنك سوق، وإنما يحمل لكل سوق ما ينفق فيها".
هذا هو الدرس الأول من حياة عمر رحمه الله. فانظر أيها الملك ما ينفق عندك إنما أنت سوق. إن كان يطوف بمجالسك ومن حولك سفهاء الناس ومهرّجوهم فما ذلك إلا لأنك تفضل من يكذبك الحديث، ويزين لك الجرأة على الله، ويبرر لك نزواتك.وأنت والله مطلوب بأعمالك، وما من أحد من أمة محمد في هذا البلد إلا وهو لك خصم كما قال زياد، وأنت لاه لاعب. إن كنت تحسب أن الذين تستعملهم بشرط أن يعبدوك ويركعوا أمامك عبادٌ لك ولدولتك فأنت مجنون. وإن كنت تحسب أن الذي يركع لك يفعل ذلك عن اقتناع فأنت مغرور. إن أخسَّ الناس وأكثرهم ظلاماً لايقيم على المذلة حتى لو كان أوفقير أو المذبوح، وإن من يتقربون إليك إنما يفعلون ما تأمر رهباً أو رغباً، طمعاً في حظوة ومنصب ورشوة، أو خوفاً من جبار ينصِّب نفسه مركزا لكل علم ولكل دراية وسلطان.
ما من أحد يدخل عليك ويجالسك إلا وهو حامل أمانة، فإن نصحك وبصَّرك بتيهك وظلمك وباطلك ودعاك لخيرك وخير الأمة فقد أدى الأمانة، وإن سايرك في باطلك فجاهل خائن أو رجل قهرته الظروف فهو يتربص فرصة ليزفر زفرة الراحة يوم تجتث ريح الحق جذور الباطل.
إنك سوق وما نرى في سوقك إلا الضمائر الرخيصة ؛ في سوقك وزراء قدماء سرقوا الملايير من أموال المسلمين وافتضحوا، ثم حالت بينهم وبين العدالة يدك، وسترت فضائحهم بالأمس، وأنت اليوم تستقبلهم استقبال التكريم وتلتمس منهم ومن أمثالهم العون ذليلاً، لأنك لاتعرف كيف تعتز بالله القوي العزيز فتمسك على يد اللصوص.
إنك سوق يا أخي يا حبيبي، وما نرى في سوقك إلا أنصاف الرجال وأشباه الرجال، لانرى في سوقك إلا المتملقين والماكرين، ومن ورائهم عملة واعون أو غير واعين هم التقنيون الذين تسدُّ بهم الثغرات وتفرض عليهم الركوع والخنوع. أولا يخطر ببالك يوماً أن لكل منهم رجولته ؟ ! وأن من تكرهه على الركوع أمام الأمة كلها على التلفاز قد يلعنك في قلبه لما قتلت رجولته وأحقرتها ؟ أم تحسب أن في صدر كل الناس قلبا كقلب جلسائك السفهاء وخاصتك ؟
يا حفيد رسول الله يا حبيبي دعك من موعظة علمائنا الخجلين يهمسون إليك همسـاً، وابرز طالباً النصيحة بصدق كما كنت تطلبها وأنت حديث عهد بالصخيرات في خطبك. إنك يومها كدت تتحول إنساناً ذا عقل ومسلماً ومؤمناً حقاً. لكن تلك النيات بقيت في مجال الخطب. بقيت وثائق وحجة عليك. إنك رجل خفت فتخاذلت، ووعدت أن تعيد أمر المسلمين شورى بينهم، ثم ما لبثت أن نسيت وعود ما بعد الصخيرات، ونفقت في سوقك البضاعة المعهودة، بضاعة الملق والغـش. عمر بن عبد العزيز الذي شمر عن ساعديه يحارب نفسه ويضرب مثلا خالداً في الصالحين يدخل عليه محمد بن كعب القرضي واعظ المدينة بعد أن أصبح خليفـة، وبعد أن طلق ماضيه الجاهلي، فيخاطبه قائلا :" إن فيك عقلا وإن فيك جهلا ؛ فَدَاوِ بعض ما فيك ببعض، وآخ من الإخوان من كان ذا معلاة في الدين ونيَّة في الحق، ولا تؤاخ منهم من تكون منزلتك عنده على قدر حاجته إليك، فإذا قضى حاجته منك ذهب ما بينك وبينه".
أيدخل عليك من يأمرك بهذا ؟ أم تحسب أن شعراءك ومغنيك ورقاصاتك إن صكوا أسماع الأمة يصرخون "يا حبيب الجماهير" يسترون عن الأمة بؤسها وبأسك حين سلطت عليهم حجاج زماننا حليفك بالأمس، وحين تسلط عليها اليوم بوليسك أشد ما يكون شراسة وشراً ؟ إنك على عهد بوليسك المتناسل المتسلسل تحمل وزر كل جريمة ارتكبت باسمك، فبأي صحيفة تلقى الله ربك ؟ أوَ ما آن لك أن تستيقظ يا رجل ؟ !
إن فيك عقلا وفيك جهلا، وإن جهلك بمعاني الجهل كلها ومشتقاته، العنف والجبروت والتنكر للإسلام، يغلب عقلك، هذا دأبه. أفما تستطيع أن تصحو من استكبارك قبل أن تجيء قاصمة الظهر ؟ إن الله جلت قدرته يقول : )إنَّ الانْسَانَ لَيَطْغَى أَن رآه اسْتَغْنَى([32] وأنت استغنيت بسلطانك الذي قلدك الله إياه ابتلاء تحسبه حقاً لك موروثا، واستغنيت بأموال المسلمين التي جمعتها لاتدري ولا تسأل ما الحلال وما الحرام، ولاتدري ولاتسأل من مات من البرد والجوع حين يبيت خدمة حظائرك في الدفء والتخمة، وتبيت أنت في اللهو والعبث، أتراك تفهم عن الله وتدرك مدى طغيانك ؟ أم لايتفتح ذهنك حتى أذكرك بقول باسكال : "إن السلطان المطلق يحول صاحبه مجنوناً"، وقول لورد أكتون : "السلطان يفسد، والسلطان المطلق يفسد إفساداً مطلقاً" وقول هيكل : "إن الدول أغوال باردة" ؟ إن كنت لا تنتصح بكلام الله فلا نصحك الله. وما أذكرك بالفكر الذي ألفته ونشأت عليه إلا تلميحاً لغفلتك عن خالقك. وإن المستغني الطّاغي لايدخل عليه ناصح ولايقبل نصيحة ؛ وسيرى الناس جميعاً ما جوابك عن رسالتي.
يا حفيد رسول الله إن العرب تقول : "العرق دساس"، وإنه إن كان لعمر بن عبد العزيز خؤولة من ذرية الهِزَبْرِ عمر بن الخطاب، فإن لك أبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فهل تراك ينزع بك ذلك العرق الطيب فتبهر العالم بتوبتك وبرجولة جديدة غير تلك التي صنعتها على مر الأعوام بالدعاية وبناء القبة على والدك المرحوم بكرم الله. أتستطيع ذلك ولم تلق مثل سيدنا عبد الله بن عمر وأنّى لك، ولامثل رجاء بن حيوة وزياد والقرظي ؟ هيهات هيهات أن تقتحم العقبة ما دمت لم تطرد ديدانك وأشباه الرجال من حولك! هيهات هيهات مادمت لم تضع يدك في يد الذين تعرف أنهم لم يركعوا أمامك مرة! هيهات هيهات ما دمت تحلم بتأييد ملكك بواسطة حلف جديد مع محترفي السياسة المفتونين الفاسدي العقيدة. تلك الشخصيات النخرة التي تحاول أن تقيم بها واجهتك المنهارة! والشخصيات لاتطلب إلا الرئاسة والمجد السياسي ربما بدافع إحساس وطني حقيقي، لكنها إذ تتفاوض في الظلام تنسى دروس الماضي. وتنسى ما أوصاها به أحد زعمائها منذ تسع سنوات ألا تسلك سياسة العمل : "في الأواني المغلقة". وإن المصلحة المباشرة وطلب المجد والرئاسة تنسي الشخصيات وتنسي الملك أن ملكاً مرعوباً زائد شخصيات لاتمثل أحداً إلا نفسها وطموحها الفردي معادلة جزؤها الثاني الفشل المسبق.
كان بنو أمية في شامهم تألهوا فما يعارضهم معارض فلما ولي عمر الخلافة كرهوه، ولما أصبحت وفود العلماء تتوارد على دمشق على سوق الصدق والعدل العامرة، كره بنو أمية أن يفسد عليهم العلماء أهل الشام الذين ألفوا الكسروية المروانية. وبتعبير الفتنة المعاصر كانت طبقة الأمراء تخشى من طبقة العلماء أن يفسدوا عليهم الجماهير. وأنت يرحمك الله لك من كبريائك مانع أن يفتح بابك لمن يعظك. ولك من حاشيتك موانع، ولك من ديدان القراء خاصة المانع الأكبر. وإنك واجد منهم، إن شئت، من يفتي بقتل من يكتب جملة واحدة من مثل ما كتبته. وما دمت حبيس حلفائك وجلسائك ومهرجيك فلن تنهض أبداً لمثل ما نهض له عمر بن عبد العزيز. وللرجولة ثمن تؤديه إن قدرت من كبريائك ومن جلسائك وحاشيتك وأسرتك المالكة لكل ما يستحق أن يملك في هذه البلاد. وليس لك مع هذا مخرج إلا المَعْلاَةُ في الدين. ليس لك منقذ من وضعك المتورط جداً إلا من أعلى، من طلب خير الدنيا وخير الآخرة كما طلب عمر. وإني قائل لك ما قال عبد الله بن الأهثم الإمام الفذ، أقولها غداً يوم تفعل ما فعل، وأسرد لك القولة هنا محرضاً لك مشجعاً مستبشراً : "إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألغيتها، وأحببت لقاء الله وما عنده. فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا. امض ولا تلتفت، فإنه لايغني عن الحق شيء".
أنت أحق أن يقال لك مثل هذا لنسبك. وعسى الله العلي القدير أن يرينا منك رجلا يحطم قيود نفسه ويفتح مغلقات الدوائر من حوله حتى يتحرر من عبودية شهوته، وعبودية عشيرته، وعبودية أحلافه، وينصره الله عز وجل بهمة هاشمية. لانستبعد على الله أن يمنح من جاء في آخر القافلة مثل ما منح الأولين.
قم يا حبيبي يا حفيد رسول الله إلى نصرة الله ينصرك ويثبت أقدامك. واقرأ قرآن ربك : )يَاأيُّها الذّينَ آمَنوا إن تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُم ويُثَبِّت أقْدامَكم، والذّين كَفَروا فَتَعساً لَهُم وأضَلَّ أعْمالَهُم([33]. انتبه إلى الالتفات في الخطاب من المؤمنين المبشرين بنصرة الله لهم، إن هم نصروه، إلى الغائبين المهجورين الذين كفروا،أصحاب التعس والضلال. وأنت تعلم سيدي أن المفسرين من علمائنا يجعلون الكفر درجات، من كفر الشرك إلى كفر العصيان، وكل من جَحَدَ نعمة الله واستعمل ما أعطاه الله من حول وطول في غير مرضاة الله فهو كافر أي عاص. وقد فعلت كل ذلك في ماضيك الطائش، فهلا رجعت لبشرى ربنا الغفور الرحيم! هلا قومة إلى نصرته سبحانه على نفسك وشهوتك وأنانيتك! ها أنت تعيش في كل لحظة الفزع والرعب وتحسب كل صيحة عليك، ولا من يثبت أقدامك المتخلخلة إلا ربك إن نصرته.
ها أنت ترى أعمالك في ضلال، لايستقر لك رأي حتى أصبحت وعودك للأمة المطنطنة المجلجلة المخلوفة مع ذلك أكثر شهرة من مواعيد عرقوب.أو ليس ذلك ضلالا في القول والفعل ؟ وها أنت ترى أن مشاريعك الاقتصادية، التي تتكفف لها المشرق والمغرب وتؤوي من أجلها أموال صهيون وتُرْبيها، وتقبل من أجلها شروط الجاهلية المتسلطة، جهود ضائعة ؛ لأن اقتصادك ينمو بنسبة تتراوح بين 2% و3% كما ينشر ذلك تحت إشرافك معهد أبحاثك العلمية وعنه أخذت الرقم. جهودك ضائعة وحياتك وأيامك رغم دعايتك الصاخبة أن اقتصادك ينمو بسرعة 7% ورغم أعيادك ورقاصاتك ومغنيك وشعرائك الديدان. فانصر الله ينصرك، وأخلص وجهك له سبحانه يعزك من ذلك المذهب ويثبت أقدامك. اتخذه وكيلا تنج وتسلم وتغنم لك ولأمتك. وإلا فارتقب يوم ياتيك من الله سوط العذاب.
جرب أولا صدقك وبع قصرك بفرنسا واسترجع إلى المسلمين ما سلبته من أموال ادَّخرتها ليوم الكريهة، تتربص بنفسك وبالمسلمين ما تعلمه ضرورة منطقية ناتجة عن أعمالك وسياستك. استرجع النفائس والأموال ثم افعل ما فعل عمر حين نحى عنه أصحابه بالأمس، هذه مقدمة العمل فقط. أما الرجولة فهاكها كما أبرزها الله من حفيد عمر بن الخطاب.
مات سليمان وأعلن للناس أن خليفتهم هو عمر بن عبد العزيز، فاجتمعوا في المسجد ينتظرون خطبة الخليفة الجديد، وعمر جالس في أخريات الناس يحوقل ويقول : "والله إن هذا الأمر ما سألته قط في سر ولا علانية!" وجاءه شيخه رجاء يطلبه إلى المنبر فقال عمر : "أناشدك الله يا رجاء!". رجاء كان رضي الله عنه صنع للمسلمين إذ اختار لهم رجلا عرف منه التوبة والصدق وقدمه على كل بني أمية، وحمل سليمان على تخطي بنيه ليجعل الأمر لعمر. قال رجاء : "أناشدك الله أن يضطرب بالناس حبل!". فعُقِر عمر ولم يستطع النهوض. فأخذ رجاء بضَبْعِه وأصعده المنبر. فجلس عمر قليلا ثم وقف والناس على لهفة لما يقول، فبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم صلى على نبيه وقال : "أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم!".
وكاد الناس يضطربون لما سمعوا، حتى قام رجل من الأنصار فقال : يا أمير المؤمنين. ذاك والله أسرع فيما يُكره". ثم دنا من المنبر فقال : "ابسط يدك أبايعك". وضج الناس بعد هذه المبايعة وقالوا : "قد اخترناك ورضينا بك فَلِ أمرنا باليمن والبركة". فلما تمت البيعة خطب عمر وأعلن مبادئه ووجهته، قال : "أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلَف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلَف. فاعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، وأصلحوا سرائركم يصلح الله الكريم علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا له الاستعداد قبل أن ينـزل بكم. وإن من لايذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم أباً حيا لمغرق في الموت! وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عز وجل ولا في نبيها ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم. وإني والله لاأعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا". ثم رفع صوته فقال : "يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
ولم يكتف عمر بهذا بل وجه إلى عماله : "أيها الناس، والله ما سألت الله هذا الأمر قط في سر ولاعلانية، فمن كان كارها لشيء مما وليته فالآن!". وهكذا أقال كل عامل يكره التعاون معه على المبادئ التي أوضحها في خطبة المبايعة. وكان الناس يومئذ لايعرفون الردة التي فشت في صفوف شبان المسلمين اليوم، ولااختلاف المذاهب التي شتَّتَتْ علماء المسلمين وعامتهم. لكنهم كانوا يختلفون كما نختلف اليوم على الدنيا والدرهم. وكان الحق والباطل يقتصران على ميز قسمة الأموال. وبلغة العصر كان المجتمع يومئذ لا يعرف الخلافات الإديولوجية لكنه يعرف التطاحن الطبقي.
هكذا سيدي الملك نصل إلى النقطة المركزية في هذه الرسالة وهي المشروعية الكفيلة أن تحرك أمة المسلمين حركة جديدة مجددة، نصل إلى أساس التجديد الإسلامي الذي أعلنت سنته قبل إعلانك سنة الاشتراكية في اضطراب يفضح الهوي الذي وضعه الله تحت قدميك، فأخذت في المزايدة على شعارات التدجيل، بدل التجديد الإسلامي. باعك ديدانك شعاراً مكذوبا اتخذته ملهاة ريثما تنبذه وتعانق دمية شعارية أخرى أكثر موتا وبرودة وهي الاشتراكية المغربية العتيدة. مامعنى الإسلام أولا ؟ ومن يكون مسلماً ؟ وكيف يكون ؟ وكيف كان المسلمون مسلمين ؟ وكيف يكونون ؟ هذه أسئلة يعجز حتى عن تصورها أولئك الذين أحرقوا أمامك بخور الشيطان، وسموك مجدداً وهم لايفهمون للإسلام معنى بله التجديد. وراجت لديك البضاعة واستطبت البخور ورددت الشعار. وعمدت في خطبك إلى آيات الله وأحاديث رسوله تبرر بها ترفك وتفتري على الله ورسوله.
لا أحد في هذه البلاد إلا ويتساءل عن معنى المشروعية التي تعتمد عليها أساساً لحكمك وبقائك على "عرش أسلافك"، من أين جاءت هذه المشروعية ؟ وكيف نشأت في الإسلام الفتنة التي سماها الديدان ملكية وراثية أو خلافة ؟ وليس كل من يعلم ذلك يقدر أن يقول ما قاله أبو حازم لسليمان : "إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة، من غير مشورة من المسلمين ولا رضى منهم".
أما علماؤنا التقليديون فيذكرون يوم بايعوك على عهد أبيك المرحوم. كان الناس يومئذ في نشوة الاستقلال، وكان حزب سياسي، مات منذ حين، هو سند الملك وعماده. فحضر العلماء وبايعوا بيعة تقليدية لايرون في عملهم إلا تشريفاً لهم، وهم يعون أو لا يعون أنه لاخيار لهم في الأمر ولا مشورة، إذ الأمر بيعة لامبايعة، الأمر بيعة من جانب واحد، من جانب مقهور بالسيف مكره أن يسمع ويطيع، لامبايعة من جانبين بين مسلمين أحرار اختاروا رجلا عاهدهم على طاعة الله والنصيحة للمسلمين وخدمتهم. البيعة منذ يزيد بن معاوية قهر ينطق عدول المسلمين بوعد الطاعة المطلقة. والمبايعة التزام من جانبين، عقد بين أحرار يبطل إن عصى الأمير الله ورسوله. وقد جعلها عمر بن عبد العزيز مبايعة بعد أن كانت بيعة. البيعة بدعة وتَعَدٍّ واستعباد، والمبايعة عقد يزكيه الله ورسوله.
فما العمل يا سيدي يا حفيد النبي ؟ لقد التزمت من أول رسالتي أن أنصح بكل معاني النصيحة. ومعانيها ما يلي :
1- الوضوح على كتاب الله وسنة رسوله والصراحة.
2- جمع أمر المسلمين على الحق، فإن النصاح هو الخيط والمنصحة الإبرة، ومن ينصح يجمع الأمة ولا يفرقها.
3- النصيحة بمعنى الصراحة والجمع لاتتأتى إلا بنقد للناصح والمنصوح بمعيار كتاب الله وسنة رسوله وهذا ما أفعله فلا تعجل.
ها أنت ملك لأمة المسلمين بالمغرب، وأمرك في اضطراب متزايد، وقلبك ينبض نبضاً سريعاً من الرعب، من الهوي الذي وضعه الله تحت قدميك حين نسيت أن تعتصم به وحده وتخلص له وجهتك. فما نحن فاعلون وأنت بيننا تصلي وتدعو للإسلام ؟ إنك تجهل الإسلام لاشك وتحتاج من يعلمك الإسلام والإيمان، لكنك لاتجد إلا من يرفعك إلى الثريا تملقاً وتزييفاً.
ما نحن فاعلون نحن الأمة المستضعفة وليس في البلد الأمين هذا من يدعو للإسلام غيرك إلا نقابة العلماء حين يطالبون بكذا وكذا ثم يتفرغون لمقاولاتهم ؟ ما نحن فاعلون وليس يدعو للإسلام غيرك إلا رجال قلائل تتحرق أفئدتهم وتناجيهم أحلام التغيير العنيف الذي أفسد ما بناه حسن البنا في مصر رحمه الله ؟ ما نحن فاعلون وكل من يفكر تفكيراً على مستوى العصر في بلادنا لايرى لأمته إلا الاشتراكية أو الشيوعية، والمسلمون الأغرار من المحظوظين يسارعون للعادات الاستهلاكية التي توفرها الأنظمة القتالة للأمة المستضعفة المبددة لجهودها ومستقبلها مثل نظامك ؟ ما نحن فاعلون وأنت تصلي وتوحد الله بين قوم مرتدين ؟ ما يكون إن طبقنا فتوى مالك إمامنا وطرحناك ؟ أفلا يضطرب حبل المسلمين في هذا البلد أكثر مما هو مضطرب ؟ أفلا نتيه في متاهات العبد الخاسر القومية لنلقى أنفسنا بعد أكثر من عشرين سنة نخطو خطوات عشوائية مثلما تخطو أمة الإسلام كلها اليوم ؟
الأمة اليوم يفكر لها ويحكمها ويتحكم في أموالها 10% فيهم الشيوعي الأحمر وفيهم المسلم الفاتر والبارد وعلى رأسهم يحكم واقع القهر البوليسي ؛ ملك يقول ربي الله جهراً يصلي ويبكي في خلواته ويبحث عن حق لا يهتدي إليه. والردة فاشية والجاهلية غالبة. وقد كان في آخر القرن الخامس عالم صوفي يسمى أبا حامد الغزالي إن سمعتم به معشر المتمسلمين أفتى بحرمة أموال السلاطين وحرمة الدخول عليهم، لكنه كتب فصولا طـويلة لملك الزمان العباسي المستظهر ينصحه ويدعو الناس لطاعته لأنه يمثل شوكة الإسلام. ويخاف الغزالي أن يذهب الإسلام بذهاب شوكته.
وقد كتبت أنا طويلب العلم الصوفي بحمد الله ومنته فيما كتبت أذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تأمرنا بالطاعة للأمير ما أقام الصلاة، واتهمني قوم بأني عميل القصر وأني وأني... واستعمل آخرون كتابي في سياق الصالونات، واستبشر المؤمنون بدعوة تبشر برفق يمثل البديل الوحيد للعنف الانقلابي الثوري. وكتبت وأكتب هنا أيضاً ضرورة استبداد تربوي يقوم به قائد مجاهد يتوب من جاهليته ويرشح نفسه ليضرب المثل الناصع للمسلمين وللناس أجمعين. فأنا كنت ولا أزال في طاعة الله ورسوله إن عملت بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوت إليه. وأنا كنت ولا أزال أرجو أن يبتعث الله لنا رجلا في إيمان عمر بن عبد العزيز وقوته. وها أنا أرشح لهذا الأمر الجلل حفيد النبي الذكي الألمعي المؤمن الصوفي، التائه بعدُ المغرور. فهل يسمع، بل هل يجد بديلا ؟ إني أقول كما قال الأنصاري حين استقال عمر من البيعة : "ذاك والله أسرع فيما يكره". وما إخال الحسن إلا رجلا شجاعاً رغم رعب ألقاه الله عليه ابتلاء، ثم هو بعد ذلك ومعه حفيد النبي ومظنة الخير.
فلعل المولى الحسن يخرج لنا يوما من هذه الأيام ويصرح بتوبته وحوبته وينصر الله على نفسه وأهله والناس أجمعين، فإن لم يفعل فلدينا فتوى إمامنا مالك التي أدخرها لآخر هذا القسم من الرسالة. ويومئذ نهبط من الاجتهاد في فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلد. فإنما أنا طويلب علم يجب في حقه تقليد العلماء، ما أنا مجتهد.
أيفكر الملك في الموت ويستعد له كما فعل عمر وأعلن في خطابه ؟ أيدرك أبعاد الصراع الضخم على الدنيا والدرهم، صراع تغيب معه الإنسانية كلها في جاهلية لاتعرف الله ولا تؤمن باليوم الآخر ؟ أيدرك الملك أهمية العدل الاجتماعي وضرورة مشروعية جديدة مستحقة لامفروضة بقهر السيف ؟ أيدرك أن لاخلاص لهذه الأمة وأن لاقوة لها أمام الجاهلية إلا بتعبئة تعم الأمة كلها، وأن لا تعبئة إلا بمشروعية استحقاق ؟
خرج عمر بن عبد العزيز بعد المبايعة وجمع الناس في المسجد، وقد نبذ حُلله ووشيه ورد لبيت المال كل ما كان لديه حتى حُلِيَّ نسائه. فصعد المنبر فقال : "أيها الناس، إن هؤلاء (يعني من سبقه من الملوك) أعطونا عطايا ما كان لنا أن نأخذها، وما كان ينبغي لهم أن يعطوناها. وإني قد رأيت ذلك ليس علي فيه دون الله محاسب. وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم!" (وكان قد جمع سجلات الإقطاع التي في يد بني أمية). فجعل مزاحم يخرج سجلا سجلا، ثم يقرأه فيأخذه عمر وبيده الجلم (أي المقص) فيقطعه. فجاءه هشام بن عبد الملك يكلمه عن المروانيين ليرد لهم أملاكهم. فقال له عمر : "يا هشام، أرأيت إن جئت بسجلين أحدهما من معاوية والآخر من عبد الملك بأمر واحد، فبأي السجلين آخذ ؟ قال هشام : "تأخذ بالأقدم!". قال عمر : "فإني وجدت كتاب الله الأقدم، فأنا حامل عليه من أتاني ممن تحت يدي وفيما سبقني!".
وكاده بنو مروان على ما حرمهم من أموال وكفهم من ظلم. وغضب عليهم مرة فقال : "إن لله عليَّ من بني مروان يوما يكون ذبحاً! وايم الله لئن كان ذلك الذبح على يدي!".
وكان رضي الله عنه صارماً حازماً فنشر العدل وآمن الخائفين وأخاف الظالمين، وجمع إليه الرجال بعد أن قمع رؤوس الفتنة وطرد المرتزقة الديدان والجواري والولدان. نصر الله فنصره. وثبت على الحق فثبت الله قدميه. وضرب الله لنا ولك يا حسن يا مسكين مثلا لم يدم إلا عشرين شهراً، ثم قضى الله أمره ؛ فسم الأمويون الثعالب هذا الأسد الكاسر فذهب إلى ربه بعد أن عطر تاريخ الإنسانية بأريجه.
فهل لك ياحسن ياحفيد النبي إلى الفلاح! هل لك إلى الرجولة والفحولة! هل تقدر أن تبايع المسلمين مبايعة لابيعة قهر وإذلال وتمسك بضَبع نفسك وأهل بيتك وأهل كل إقطاع ؟
إن لاتقدر فنحن مالكية هددتنا بقتل ثلثنا، فنحن نقلد إمامنا وعالمنا. ومن قلد عالماً لقي الله سالماً.
أبو جعفر المنصور أكره الناس على البيعة وحلفهم بطلاق زوجاتهم إن نكثوا، فقام مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لَيْسَ عَلى مُسْتَكْرهٍ طَلاق!"[34] ومعنى الحديث في سياق الأحداث : ليس على مكره بيعة! وعذب مالك، وطيف به في الشوارع وهو يردد بالجهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسئل مالك عن الخارجين عن السلطان أيجوز قتالهم فقال : "نعم إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قالوا : فإن لم يكونوا مِثْلَه ؟ قال : دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما". وأفتى بمثل هذا الحسن البصري وأبو حنيفة والشافعي. والحمد لله رب العالمين.
الفصل الثاني
تحدثت في القسم الأول من رسالتي بكتاب الله وسنة رسوله، وتحدثت عن موعود الله لمن تاب، وعن الجنة والنار والنبيئين والمرسلين، وأنذرت من أعرض عن الموعظة وأخذته العزة بالإثم. والملك الحسن يفهم هذه اللغة وتفهمها الأمة المسلمة. بيد أن العنصر السياسي الحي في هذه البلاد هم قادة الرأي في صفوف الشباب، والشباب مادة الأمة وعصبها وقوتها. وقد غلبنا عليه المرتدون من ذرارينا الشيوعيون والاشتراكيون والدوابيون بصفة عامة. فكلامي عندهم غيبية وخرافة، والدين أفيون الشعوب كما علمهم دجال الجاهلية وحبرها ماركس.
ويحز في نفسي أن أعترف وأعرف أن أمراءنا وعلماءنا ومن يلف لفهم ما يتحركون ولا يتكلمون إلا ويعطون للمرتدين من ذرارينا دليلا آخر على صحة ما يؤكده الشيوعيون : أن ملكنا وأمراءنا وديدانه، ومن ورائهم كل من يزكي أعمالهم أو يسكت عنها راضياً أو مبرراً أو طامعاً أو خائفاً يراجعون دروس الكفر التي يتلقنها الشباب المسكين ويوطدون لتعاليم الحقد وأساس العنف في بلادنا.
اقترحت في الصفحات الفائتة وأقترح فيما يلي الحل الإسلامي لعقدتنا، وأعرض الرفق الإسلامي والمحبة والوحدة على كلمة الله ؛ فمن بيده اليوم مقاليد الأمور، من بيدهم القوة والسلطان يرغبون رغبة أكيدة في حل يجنبهم العنف ويبقي عليهم، ولعلهم أيضاً تراودهم أحياناً نفحات من الله تدعوهم للتوبة الصادقة. لكن الذين لهم عقول تفكر وتدبر، الذين لهم حماس وحيوية لايعتبرون الدّين إلا أحبولة ولا يعرفون الله ربهم، وبالتالي يسخرون من عرضي للتوبة والضمير وخشية الله تعالى والصدق له، ويعتبرونها مقولات أخلاقية ذاتية بعيدة عن التحليل الموضوعي لواقع المغرب، عاجزة عن حل مشكلته الوسطى وهي الظلم الطبقي. ومن لهم عقل يفكر ويدبر لا يفكر إلا في ثورة ولا يدبر إلا مؤامرة. ويعتقد هؤلاء مثل كلامي هراء خطيراً يخدر الحس الثوري ويساهم في تأخير ساعة الخلاص، ساعة يقتلون المسلمين ويسفكون دماء الأبرياء، ويدوسون عمائمكم معاشر علمائنا الناعسين.
إن الإسلام والحل الإسلامي هو البديل الوحيد للعنف الذي يصنع آلته دائبين عناصر الإلحاد.
وإن نظرتهم للواقع في مغربنا وفي دنيا الناس جميعاً تختلف عن نظرتنا ؛ نحن نصنف الناس إلى مسلمين ومرتدين، إلى قابلين للتوبة وغير قابلين، إلى ظلمة متكبرين ومظلومين. أما هم فتصنيفهم واضح قاطع بسيط، إنه التصنيف الطبقي الذي يرى في الشعب قطيعاً تحلبه وتجز صوفه وتأكل لحمه طبقة الإقطاعية وحلفاؤها. ولا شيء غير ذلك. أما هم فلا يتعثرون بتقاليد الماضي البالية، بل يحملون السلاح متى قدروا. ويهيئون لحمله بالقلم واللسان وتنظيم الخلايا في مدارسنا من أبنائكم معشر علمائنا الأمجاد، حين نختلي نحن الصوفية إلى ركن نحمل السبحة ونمني أنفسنا الأماني. وحين يفرغ علماؤنا لمحاسبة مديري شركاتهم ومقاولاتهم ومراجعة ناظري حظائر أغنامهم.
العنصر السياسي الحي في البلاد هم الشيوعيون والاشتراكيون، شديدو الحرص على تعلم الفلسفة وبثها واتخاذ مبادئ الإلحاد وسيلة لتخريب عقيدة النشء. وإن كان في بلادنا اقتصاديون كفاة فمنهم، وإن كان خبراء في العلوم والصناعة فمنهم. نحن ننظر إليهم ونحكم عليهم حكماً أخلاقياً دينياً قبل كل شيء. أما هم فيصيبون الهدف في أحكامهم لا يكادون يخطئون ؛ كل قرار تتخذه الحكومة يفهمونه تواً. ذلك لأنهم يسألون : في صالح من هذا القرار ؟ فيفهمون لأن حكومتنا حكومة فتنة. أي مباءة تعشش فيها حوافز الجاهلية وقيمها. والماركسية هي الأداة الوحيدة الفعالة لفهم الجاهلية وتحليل تحركاتها. ومتى قام معمم من معممينا المبجلين أو متعصر من متعصرينا ينشد قصيدة طنانة في مدح الدولة ورئيسها وينشرها على صفحات جرائد العلماء أو الأحزاب نادوا طلبتهم وتلامذتهم أن تعالوا تروا نموذجاً آخر لتحالف الإقطاعية و"العلماء". (إنهم يضعونكم دائما بين هلالين كما يضع المشرِّح دويبة في إطار المجهر يفضحها ويستخبرها).
إنه التحليل الماركسي يصنف نوع الحكم الذي نعيش في ظله، بل قل في لظاه، تصنيفاً دقيقاً في غاية الدقة ؛ إنهم يسمونه رجعية، يجهلون الإسلام ومعناه ومعنى وجودهم على الأرض، فهم قد قبلوا دوابيتهم بارتياح، فكلما نطق ناطق باسم الإسلام أو البعث الإسلامي قارنوا قوله وفعله بفعل أمراء تاريخ الإسلام المفتون منذ قتل الإمام علي رضي الله عنه. وضبطوا حوافز الأمراء وديدان القراء ودوافع تحالفهم على مر الأعصار. ولا يأبهون لعامة العلماء الغافلين أو المدجنين. وسأعود لأعرف معنى التدجين. أهو حكم خاطئ ؟ أما إذا وقفنا ندافع عن التراث الإسلامي ككل، ونغفل عن معنى الفتنة التي حددها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقتها، فنعم. وأما إذا قرأنا تاريخنا قراءة ناقدة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فنحن واجدون أن صلاح الأمراء والعلماء حالات استثنائية في تاريخنا، وإذن فهم على صواب.
إنه ما أفسد الدين وفرط في الدين إلا نحن معاشر الصوفية وأنتم يا حماة شريعة الله يا علماء المسلمين. منا معاً كان الديدان والدجالون، ومنا وظف كل طاغية من طواغيت الحكم أعوانه. وما عهد الحماية في آخر لحظاتها في المغرب إلا نموذج ساطع لتمالؤ المتصوفة المحترفين مرتزقة الشياطين مع العدو. وما حاضرنا إلا مثال ناصع لتطارح العلماء على بساط الدولة يبررون أعمال الملك، ويزينون له الشرك، ويسكتون عن الحق. وفي الأثر "السّاكِتُ عَن الحَقِّ شَيْطان أَخْرَس"[35].
لعل منكم معشر العلماء، معشر الرجعيين كما ينبِزكم أبناؤكم الذين لم تجدوا من أشغالكم فراغاً لتنشئوهم على الإسلام، من يبرر سكوته وضعفه بالهمسات التي يتبادلها مع خاصته إذا خلوا إلى أنفسهم وأمنوا أن يسمعهم الناس ؛ يقول لنفسه يغرها : لقد أديت الواجب ونهيت عن المنكر.
إن أبناءنا المرتدين الشيوعيين ما كانوا لينصرفوا عن الحق لو وجدوا منا رجالا. ما فروا إلى الفكر الجاهلي والأسلوب الجاهلي في التنظيم والتدبير العنيف إلا بعد أن رأوا فسولتنا ورخاوة إرادتنا وضعف عقولنا بل بلادتها. هكذا نقول نحن. أما هم فتصنيفهم يسير على نمط تاريخاني يضعوننا بمقتضاه في ركن المخلفات المحنطة المنحدرة في عصر التنوير العلمي للأفكار والأعمال من ماض متخلف. وإن نحن قلنا : إن هؤلاء الشيوعيين المرتدين أعداء الله ورسوله، فكروا هم في كون إسلامنا إيديولوجية مبررة يسخرها الحكم الإقطاعي المتحالف مع الإمبريالية. وأستعمل اصطلاحهم فهو أضبط. ويصيبون ونخطئ دائما لأن أقوالنا لاصلة لها بالأعمال، ولأننا لانعي شيئا وعاه سيدنا عمر بن عبد العزيز وهو أساس الماركسية ومنطلقها، وهو أن الناس في الدنيا يقتتلون على الدينار والدرهم، ويختلفون ويتخذ كل منهم إيديولوجية لتبرير موقفه. إنهم يفهموننا على حقيقتنا حين نعجز نحن عن الفهم، ذلك لأنهم يفكرون ولانفكر، ويدأبون على التعلم والعلم ولا ندأب. إنهم يرون في كل عالم موظف عنصراً مدجناً. وجنابكم يا معشر العلماء تعلمون أن الداجن حيوان أليف يعلف ويسمن. هم يفهموننا حق الفهم ولا نفهم نحن، لأنهم يضعون أصبعهم أول وهلة على النقطة الحساسة الحافزة في حياة الجاهلية والفتنة، ألا وهي المصالح المادية.
كان علماؤنا الأجلاء أحلاس مساجد، يجالسون المسلمين ويشاركونهم معاشهم وقلة ذات يدهم، ويعظون ويعلمون. أما اليوم فأصبح العلم مقننا مضبوطا بالشواهد والأوراق، وأصبح حامل الأسفار موظفاً تغذوه الدولة وترعاه وتزيده العلاوات والرتب. لاجرم أن ينقطع العالم بعد أن سكن الفلات وعمر العمارات وأنشأ الشركات عن الأمة المستضعفة المسكينة. ولا جرم أن تتكون لديه عقلية جديدة لها الهيمنة على حياته كلها ؛ فإن تكلم فدفاعاً عن أمواله وتبريراً لموقف، وإن ألف جمعية فلا تكون إلا نقابة تدافع عن الحقوق، ولا تتحدث عن الواجبات. وفي فلات العلماء ينشأ الانحلال على نسق كل الفلات، فما يدري عالمنا المسكين كيف يجد مخرجاً من الحال التي تضطرب به. ولو سأل تلميذاً من تلامذة الشيوعية لأخبره : إن البلاء كله في بطنك الذي تفكر به. ولو كنت تفكر بعقيدتك وإيمانك لكان لك شأن غير شأنك.
سادتي العلماء، إنكم والله أحب الناس إلي، وأعظمهم في عيني مع إخواني الصوفية أهل الله وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكم لمظنة الخير. وإنكم إن قرأتم اليوم عصارة قلب يتلهف على الإسلام والمسلمين، قلب طويلب علم جلس أمامكم على حصير المعهد الديني ثم ترونه يتقدم إليكم اليوم، فلسكوتكم عن الحق وغفلتكم وقلة جدواكم وأنتم كثر. وإيمانكم لاأشك فيه ولا في قدرتكم على تغيير وجه المغرب لو أخلصتم لله ووجهتم إليه وجوهكم.
إنكم سادتي العلماء ملح هذه الأمة وذخرها إن طرحتم عنكم كبرياءكم وشحكم وتكالبكم على الدنيا. إن داءكم وداء الأمة سماه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبركم عن تحول الأمة غثاء كغثاء السيل، وحين أخبركم أن مغلوبيتكم وهوانكم وتشتتكم الغثائي وتنافركم سببه حب الحياة وكراهية الموت ؛ وهو الوهن كما تعلمون.
إنكم تحقرون عدوكم وعدو الإسلام بين ظهرانيكم، وتحسبون أنكم قضيتم على الكفر إن أصدرتم فتوى بكفر الشيوعيين وأخرى بحرمة بيع الخمور. وأنتم تجهلون كل شيء عن دنيا الناس التي تعيشون فيها لانشغالكم بشهواتكم وداراتكم. لو أمكن لأحدكم أن يطرح حياءه وكبره ويتعلم بادئاً من ألف باء لكان له شأن. ولو أدركتم مقدار سخرية أساتذة أبنائكم في الجامعة والمدارس، وهم العقول المفكرة في هذه البلاد، وهم شيوعيون وملحدون، بكم وبدروسكم حين ينسج أحدكم جملا طنانة تياهة يعرض فيها قياس أرسطو يحسب أنه بلغ ذروة العلم، لو أدركتم مقدار سخريتهم بكم وصبيانية عقليتكم وتخلفكم الفكري لغصتم في الأرض خجلاً. ذلك لعلمهم وجهلنا وجهلكم. وأحشر نفسي معكم تبركاً بصدور فيها نور القرآن، وقلوب مؤمنة ما أسرعها استجابة لنداء الرحمن ؛ أرجو ذلك وأدعو ربي.
ولو قدرتم سادتي العلماء أن تطرحوا كبرياءكم وشحكم لذهبت عنكم الغثـائية وداؤها، ولاجتمعتم فاجتمعت الأمة عليكم. إنكم الحلقة الضرورية في غد الإسلام الزاهر بين القيادة المجاهدة والأمة، وإن الأمة لن تسمع إلا لندائكم إن اتحدتم وتطهرتم وتزكيتم. وإن سألتموني كيف تطرح الكبرياء وكيف يذهب الشح وكيف تتزكى القلوب، فإني ناصح لكم. واسمعوا إن شئتم من رجل وضع قدما في الآخرة وينتظر قضاء الله ليضع القدم الثانية ويلقى الأحبة محمداً وصحبه. اسمعوا أو لا تسمعوا فإنها كلمة مودع وهي صدق مخلص لوجه الله تعالى.
وأعطيكم نصيحتي مشخصة في تجربتي، لاأزورُ ولاَ أفتات. كان لي منذ تسع سنوات ما يتطلع إليه كل مدجن سادر في غفلته لما تداركني الله عز وجل بحرقة الطلب الملح لمعرفة الحق. ألقى الله عز وجل في قلبي همة عِفْت معها الحياة على جهل بالله ودينه. كنت أسأل نفسي : أأنا مسلم مؤمن حقاًّ ؟ أأنا مؤمن بالله واليوم الآخر حقاًّ ؟ وطلبت المعرفة وغصت في كتب الفلسفة والصوفية، وما من عالم حاذق من علماء المسلمين الأجلاء إلا ويحيلني على طلب شيخ ناصح. ولقيت رجلا طيب الله ثراه أجلسني بين جماعة من المسلمين فيهم الصانع والعاطل، أجلسني بين جماعة من المساكين، وكنت من سكان الفلات وأمراء الإدارات ؛ وذكرت الله مع المساكين وذهب الكبرياء وما لبث أن أذهب الله أيضا الشح، وكان ما لست أذكره هنا. ونمت نومة صوفية دامت ست سنوات قرأت خلالها، بل أعدت قراءة القرآن الكريم وقراءة السنة النبوية بقلب جديد. فكنت ولا أزال أسأل الله أن يديم علي الحال ويزيدني فيه قوة، أبكي إلى الله أضرع في حال المسلمين، ثم أراجع نفسي فأبكي على خطاياي وأستغفره. فإذا أصبحت فكرت ودبرت كيف العمل وتألمت لما أرى من انصراف المسلمين عن حقهم وتخاذلهم أمام باطل الذرية المرتدة.
ومنذ ثلاث سنوات بعد وفاة شيخي كتبت كتابين، كتبتهما لأتعلم قبل النية الثانية وهي أن أبشر بالإسلام وأدعو إلى الله. ومنذ ثلاث سنوات اكتشفت جهلي التام بآليات الفكر والتدبير التي يسير العالم بناموسها وهو ناموس الله الأزلي. ومنذ ثلاث سنوات بدأت دراسة الفكر الجاهلي والسياسات الثورية، ووجدت المجال فسيحا، فلذا لا أزال طالب علم بل طويلباً صغيراً. وأرجو الله تعالى أن يميتني وأنا طالب علم وأن ألحق لحدي وأنا طالب علم.
لا أذكر لإخواني العلماء ما يهبه الله للذاكرين المسبحين، فإن منهم من لم يسمع بالغزالي وأضرابه، وإن سمع فهو يكفر هذا ويسفه ذاك. وإني لحريص كل الحرص أن أشهد لله شهادة مخلصة أني وجدت الحق مع الصوفية. وجدته مغلفاً بتقاليد وعادات، وجدته مغلفاً بالشطحات والترهات. لكن ثم حقاً هو الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصحبة والذكر والصدق. بيد أن من الصوفية صوفية قاعدين ذوي حرج لايجدون همة لجهاد، بل همهم وهمتهم أن ينالوا المقامات في ظل الزاوية وعلى موائد الطعام.وإن الله عز وجل جعل وسعا للضعفاء أن يأخذوا بالرخصة. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمسلمين أن يلزموا الحياد ويفروا لرؤوس الجبال إن ذر قرن الفتنة. فعل ذلك الصحابة على عهد الفتنة الأولى،وهذا مايفعله الصوفية أصحاب الزاوية وهم إخواني وأحبابي ولهم علي الفضل. ولست عن هؤلاء أتحدث في معرض أمر المسلمين فهم قد نفضوا أيديهم منه، ونتركهم لما هم فيه.
إنما أتحدث عن الصوفية المجاهدين. وإني والله لأعجب لسفه قوم ندبوا أنفسهم لحرب الصوفية وهم يجهلون عنهم كل شيء، ندبوا أنفسهم للتفريق بين المسلمين وهم يجهلون الإسلام. إنهم جماعة عمروا مساجدكم معشر العلماء وطردوكم منها وأكذبوكم في دروسكم، لا هم لهم إلا تكفير المساكين الذين لا يزالون يغشون المساجد. فإن سمعوا من يذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيادة صاحوا : ياللشرك! ويعمدون إلى الجزئيات المذهبية يفتنون بها الناس. إنهم عمّار المساجد وفتانها في غيابكم معشر العلماء، وإنهم باسم السنة والحديث يقبحون أئمة المذاهب ويسفهونهم وينعتونهم بأقبح النعوت. وقد كتب يرد على أمثالهم عالم المسلمين سيدي سعيد رمضان البوطي في كتيِّب عنوانه : "اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية" فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
إن هؤلاء وأضرابهم والمرتزقة من الديدان والمدمنين على المخدرات والمسكرات من حثالتكم معاشر العلماء، يجمعون الصوفية والمتصوفة المرتزقة الدجالين إخوان الشياطين في قرَن واحد. وهم لو فطنوا لأنفسهم لوجدوا الجهل ورِقَّة الدين والمروق من سنة سيد المرسلين داءهم هم. إن رواد الفتنة في المساجد بعد طردكم منها، وانشغالكم عنها بشهواتكم أيها العلماء، لا يتدبرون القرآن ولا يتدبرون صنع الله لهذه الأمة كيف كان ويكون. إنهم أجهل من أن يستقرئوا تاريخ الإسلام، ولو فعلوا لوجدوا أن السلف الصالح رضي الله عنهم كانوا على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عصر يبتعث الله عز وجل رجالا على قدمهم فيحيي بهم الأرض بعد موتها، ويجدد بهم الإسلام. لايقدر فتان المساجد والمؤمنون المخدرون أن يتدبروا سيرة عمر بن عبد العزيز وما جاءه من صحبته أخواله وصحبة رجاء، ولا يعللون كيف انحدر المسلمون حتى نصرهم الله بصلاح الدين الأيوبي صاحب العلماء والصوفية. ولا يتدبرون كيف غلب التتار المسلمين جميعا حتى ردهم قطز وبيبرس المملوكان الصوفيان، ولا يتدبرون أن كل نبضة حياة في تاريخ المسلمين إنما تأتي على يد صوفي.
أفيظن هؤلاء أن الله خالقنا والعالم بسرائرنا يزكي مبادرات الصوفية عبثاً ؟ من انتصر للإسلام في الهند بعد غزو الإنجليز ؟ صوفي يدعى أحمد بن عرفان الشهيد. من انتصر للإسلام في السودان ؟ صوفي يدعى المهدي كتب عنه الأفغاني ومحمد عبده كتابة طاعم كاس في باريز يشككان ويدعوان المسلمين لقومية على نسق اللبرالية. يفعلان ذلك في الوقت الذي حمل فيه المهدي وأتباعه حرابا وعصيا يقاتلون بها بواخر الإنجليز التي لم يروا مثلها قط، ونصرهم الله. ثم من قاتل الطليان في ليبيا ورفع رأس المسلمين ؟ إنهم صوفية يسمون السنوسية، إنهم أبناء وحفدة ولي الله تعالى سيدي محمد بن علي السنوسي. ويغني المغنون القوميون، وينشد الشعراء بطولة عمر المختار، وهو ما كان بطلا قوميا لكن مؤمناً شيخَ رباط صوفي، سنوسياً من أهل الله.
ثم من جدد الإسلام في عصرنا وضرب مثلا لشهامة المؤمن وصدقه وقوته في الله ؟ إنه رجل يدعى حسن البنا إن سمعتم به معاشر العلماء ؛ فإني قد تصفحت المجموعة التي تحت يدي من جريدتكم "الميثاق" بالأمس فما وجدت فيها ذكراً للرجل الوحيد الذي يستحق الذكر منذ مات عمر المختار. ألا وهو حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين. ما سهّر أعين المستعمرين وأقض مضاجعهم مثل هؤلاء الرجال الكرام، ورما هم الجاهليون المتكالبون على الإسلام بأنهم عملاء الصهيونية ورمتهم الصهيونية بأمثال ذلك. وهم وحدهم كانوا نبراس الأمة حتى برز فرعون العصر العبد الخاسر في مصر. ومن حسن البنا ؟ إنه شيخ صوفي ألهمه الله فطرح تقاليد الصوفية ومخلفات العصور وجدد الإسلام بالرجوع إلى السنة الغراء المطهرة. وكان لأصحابه ورد ورابطة ووظيفة، وطهر الله قلوبهم وآزرهم ونصرهم ونصر بهم الإسلام. وهم الخميرة الطيبة لغد الإسلام المشرق، وهم عدته، أتاح الله لهم رجلا مثل البنا، رجلا ذكر الله وصحب أهل الله حتى أعطاه الله نوراً وحكمة.
هؤلاء رجال الإسلام، بل بعض رجاله، في تاريخه الطويل، وما تجد ناصراً للدين إلا وله صحبة وتبتل. لا والله ما ينقص عندي قدر ابن تيمية حبة، بل هو عندي من أكابر المسلمين، وهو عندي من أكبر المجاهدين. وما نقد المتصوفة مثله رحمه الله وفسح له في جناته. نصح للمسلمين حين أبدى عُوار المتصوفة، وكفر بعضهم سداً للذريعة. ونسبته للصوفية ببرهان قاطع يجتمع لمن قرأ كتاب تلميذه عالم الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية "مدارج السالكين". يجتمع لمن صبر على قراءته الشاقة لأن الشيخ جمع فيه من اصطلاحات الصوفية ما لا تجده عند غيره. والكتاب تفسير لرسالة الهروي. والهروي من أكابر الرجال. نازع ابن القيم طائفة تاهوا في المصطلحات والشطحات، فذكر أن الهروي كان من أصحاب وحدة الشهود لا وحدة الوجود.
وإني لأضج إلى ربي من كل قول يفرق المسلمين ويفتنهم. لذا أقف عند قول الرسول المعصوم فيما رواه عن ربه لا أعدوه ولا أتأوله كما يفعل الجهلة الباغون حين يتأولون مالا يقبل تأويلا، ويكذبون بذلك الله ويسفهون رسوله حين لم يبلغ في زعمهم البلاغ الكامل. إني بحمد الله ذكرت الله وذقت كما يقولون، لكني أراها جريمة منذ اليوم أن ينصرف المسلمون للجدل حول ماض غابر ليكفر بعضهم بعضاً. وإني أرى أن لا تجديد ولا قوة ولا عمل إلا بالوقوف عند سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة إيمان ورضى وطلب من الله أن يعلمنا ما لا نعلم. بلغ الصادق المصدوق المعصوم صلى الله عليه وسلم عن ربه قائلا : "من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه. ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها". رواه البخاري.
حول هذه النقطة اختلف المسلمون وتناحروا، وما نجد رضى الله وتزكيته إلا عند من يومنون بمحبة الله وتوليه عبده. لانجدها إلا مع من يذكر الله ويصحب أولياء الله. وقد رأينا في التاريخ حيوية المرابطين الصوفية. وما أحب أن يبقى هذا الاصطلاح المفرق، لكني أحرص عليه الآن لكيلا تضيع حقيقة احتضنها قوم عرفوا باسم معين. ونرى تعظيم المسلمين للصوفية على مر العصور وتلمذة فطاحل العلماء لهم حتى بنوا عليهم القبب وأصبحوا بذلك فتنة للناس. وإني لأرى في عالم المسلمين محمد ابن عبد الوهاب، رحمه الله، أحد رجال المسلمين الأجلاء. رأى الفتنة والضلالة حين اختلطت التزكية السنية التي عاش عليها المشايخ بالشرك والكفر. فنهى وعمل وأصلح. بيد أن الفُتَّانَ في مساجدنا لا يستأسدون إلا على ضعفة الناس وجهلة المسلمين الذين لم يجدوا عالماً يعلمهم، ولا نراهم يعملون مثل عمل ابن عبد الوهاب. إنهم لاينهون منكراً قوياًّ في يده السيف والسوط، بل يكفرون المسلمين أن سيدوا رسول الله. وهم الأغبياء لو قرأوا قوله تعالى : ]لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا[[36]. ولايستحق هؤلاء أن يجادلوا ؟ ]ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور[37][.
لا وزن لكم يا علماءنا إن لم تتحدوا وتتعلموا وتتطببوا من داء الوهن. ولا طب لكم إلا بالتزكية. فلا سبيل لبعث إسلامي إن لم تسووا صفوفكم بإمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تطبقون سنته كلها، لا تومنون ببعض الكتاب وتكفـرون ببعض، لا وزن لكم ولا جدوى إلا إن غلبتم من يفرق بين المسلمين ويبدأ عمله بتكفير الجميع مدعياً الهداية لنفسه. أولئك الأبعدون.
لم أجد في جريدتكم التي تصفحتها بالأمس ذكراً للبنا ولا لرجال البنّا.وإنما اكتشفت أن من مشايخكم الذين تنشرون لهم بعناوين بارزة رجلا اسمه علي يعته، وهو، بحمد الله الذي لايحمد على مكروه سواه، زعيم الحزب الشيوعي المغربي (انظر الميثاق عدد 117 ص8 بتاريخ 1 رجب 1390). وتحدث الزعيم الملحد[38] عن القومية والإمبريالية وفلسطين. وكأن علماءنا الأمجاد لما يدركوا بعد، أو لايحبون أن يدركوا أن الشيوعية معناها أولا وقبل كل شيء الردة والكفر بالله ورسوله. فما يودّ علماؤنا أن يكون فهم عامة الناس للإسلام إذا كانوا هم لا يعرفون أعداء الإسلام، بل يفتحون جريدتهم للحمر الملحدين، ويسيدونهم على صفحاتها ويعظمون ؟ لاغرو أن يتنكب ملك المغرب قوماً راكدة أفكارهم وأن يطلب حلف "الشخصيات". وسأرجع بعد قليل لنعلم من هم "الشخصيات". وهل يستعين المقاتل بالعجزة والمقعدين ؟
واكتشفت سادتي العلماء في جريدتكم التي تصفحت مجموعتها بالأمس صورة لبطل العروبة والاشتراكية العبد الخاسر. وكنتم، ولعلكم لا تزالون، تجهلون أن أعتى دجال حارب الإسلام في عصرنا بعد أتاتورك هو صاحبكم الذي زينتم برسمه وجه جريدتكم النقابية. غركم، إخواني، ما كان يوزعه من مصاحف وما يبعثه من مقرئين إلى بلاد المسلمين، ونسيتم أن العبد الخاسر قتل عبد القادر عودة وأصحابه وقتل سيد قطب. ومن هم عبد القادر عودة وسيد قطب في ميزان بطل بيده السيف الذي يبهر أنظار الخفافيش بلمعانه ؟ كنتم، ولا تزالون معاشر العلماء، تجهلون أن العبد الخاسر عرض بلاده للهزيمة المنكرة وبات ليلة 5 حزيران وأركان حربه يرقصون ويعربدون ليخزي الله حَجَّاج زماننا وفرعونه. بل جهلتم معاشر العلماء بربكم وبأتقيائكم جهلا حتى قارنتم بطلكم القومي بالإمام علي كرم الله وجهه! هذا ما نشرتموه بالصفحة 7 من جريدتكم "الميثاق" المؤرخة 1 شعبان 1390 المرقومة 119 : "إن السنوات الأربع الأخيرة من حياة علي بن أبي طالب وما لاقاه في خلافته من جحود ونكران لا تذهب أبداً بفضل جهاده وسابقته في الإسلام وإمامته التي يعترف بها العدو والصديق. وكذلك ماضي جمال عبد الناصر وتاريخ حياته الحافلان بالأمجاد. هما كفيلان بأن يبوآه مقام الصدارة بين القادة والزعماء العرب والمسلمين. بل بين رجال العالم قاطبة في عصرنا الحديث. وبهذا يعلم أن الخسارة فيه لا تعوض إلا أن يأذن الله ببعث جديد... وما ذلك على الله بعزيز".
مساكين أنتم يا إخواني يا قرة عيني أيها العلماء.إنكم لاتدرون ما تقولون، وإن الملاحدة الشيوعيين يسمون لفظيتكم وانعدام التفكير عندكم باسم "الكلامولوجيا"، وهي كلمة كما ترون مناسبة تماماً لمن يرثون زعيم البطولة القومية سفاك دماء المؤمنين، ويعدون عمله بعثاً. وهو بعث حقاً، لكنه بعث شيطاني نسأل الله أن لايرد لنا عهداً مثل عهده.
إن أذكى من حمل القلم وجاهد الاستعمار منكم في مغربنا منذ خمسين سنة هو الأستاذ علال الفاسي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته وغفر لنا وله أخطاءنا، وهو قنطرتي من جمعكم الموقر للشخصيات السياسية التي ستحكمكم غداً حين تضع يدها في يد حسنكم المرعوب اليائس منكم ومن غنائكم عن جدارة واستحقاق.
كان رحمه الله وغفر لنا وله رجلا أي رجل، شهماً عالي الهمة نقي الضمير في الحد الذي يكون كذلك رجال السياسة. وباح في أواخر أيامه لبعض خاصة تلامذته تأسفه أنه لايقدر على الدعوة إلى الإسلام لأن السياسة لطخته. واستبسل رحمه الله رغم أن أتباعه تنكروا له ولزعامته. وبث العلم وجادل الملحدين. وذكر لي من حضر المجلس في مكة المكرمة في الموسم الفائت أن أستاذنا المرحوم ترأس الجلسة الختامية لمؤتمر رابطة العلماء، فقام رجل يخبر أنه تخرج من جامعة الأزهر بامتياز، وبعث به إلى نيجيريا ليعلم الناس الإسلام. وذكر الرجل أنه لبث يكفر الناس سبع سنوات قبل أن يكتشف أنه يجهل الإسلام جهلاً مطبقاً. وتاب وتعلم الإسلام من مسلمي نيجيريا. ومعنى هذا أن عالم الأزهر تتلمذ للصوفية وعلموه الإسلام كما أخبرتكم أنا العبد المذنب أن فضل الله علي أتاني على يد الصوفية. ومثل هذه الشهادة يتلقاها علال رحمه الله آخر عهده بالحرم الشريف إشارة لمن يفهم، لفشل من ادعوا السلفية والسنية وصنعوا للمسلمين مثلما صنع علال. وبئس ما ربوا، أحزاباً متحزبة أبعد ما يكون الناس فيها عن الإسلام.
برز في المغرب أربعة رجال كلهم أبناء زوايا وحفدة الصوفية. أولهم الحسن بن محمد بن يوسف ملك المغرب، وثانيهم علال رحمه الله، وثالثهم محمد المختار السوسي، ورابعهم لا ألوث قلمي بذكره. فأما السوسي رحمه الله فقد برئ من مرض السلفية المزعومة وكتب ما سماه تاريخا. وليس في الحقيقة إلا اعترافاً بفضل الصوفية. وأما الحسن الثاني فخطا في موكب السلفية المتزعمة للحركة الوطنية خطو موافق. وكان له من تقاليد بيته ما مكنه من صحبة رجال صالحين، فقد كانوا أهل بيت ملك وسبحة دائما. والشيخ ماء العينين رحمه الله تتلمذ له أربعة ملوك، وترك في حاشية الملك من لقن الحسن وعلمه فضل أهل الله. فأنا أرجو أن تعود بركتهم عليه. وأما أستاذنا علال الفاسي رحمه الله حفيد أبي المحاسن يوسف فقد بقي سلفيا كعهده. لكنه في أخريات أيامه كان يذكر الصوفية ويحاضر في الصوفية ويكتب في الصوفية بتجلة واحترام. وبلغني غضبه علي رحمه الله حين صدر كتابي "الإسلام بين الدعوة والدولة" ولم أتعرض فيه لذكره بين دعاة الإسلام. فأذكره هنا بالخير والفضل وألتمس له العذر فيما وقع فيه هو وحزبه من أغلاط، وما فرطوا وضيعوا من أموال وذمم، وما سفكوا من دماء، وأشاعوا من فساد في البلاد. ما مغرب اليوم إلا نتاج تربيتهم وبئس ما ربوا. وأما الآخر فقد وكله الله إلى نفسه وغلبته شهواته وضرب لنا ويضرب مثلا للدودية والمراء والملق عافانا الله.
ترك علال رحمه الله وغفر له تلامذة في الوطنية،لم يأخذوا عنه، رغم إيمانه القوي وفضله، ولو ذرة من الإسلام. إنهم تلامذة الجيل الأول الشخصيات الاشتراكية التي يفاوضها الحسن،والتي لا تمثل إلا نفسها.وستحكمكم معاشر العلماء. وغداً إن لبثتم في خوَركم ووهْنكم تنشرون القصائد الطنانة في مدحهم. ولعلكم تقارنون أحدهم بعمر بن الخطاب كما قارنتم فرعون الزمان بعلي الإمام.
حضرت في الرباط وعلال يتهارش مع ذرية خاسرة من تلامذة الجيل الثاني والثالث للوطنية السلفية. وهم كانوا صنفوه بورجوازيا يدافع عن مصلحة طبقة بعينها. ومن منا يستطيع تكذيبهم وعلال الفاسي رحمه الله وغفر له عاش في نخوة وشمم. لكنه مات بعد أن سكن قصراً فخماً لإرضاء من وهبه القصر ؟ من يقدر على تكذيبهم وعلال، رحمه الله، يضم بين جناحيه من سرق من معمل آسفي أربعة ملايير ؟ وعلال رحمه الله مغلوب على كل حال. فإنه لم يختر مولده ولاوسطه ولا رفاقه، وبعبارة أخرى طبقته، وهو لم يفكر ولم يقدر على كسر نطاق المصالح التي أحاطت به وبحزبه، ودفعت حزبه إلى ما تعرفه الأمة من فساد وإفساد يوم كانوا يحكمون.
وحضرت مناظرة واجه فيها علال تلامذته من الجيل الأول وخصومه قبل الكتلة الوطنية المجهضة. وتكلم رحمه الله أمام نحو سبعمائة من الشباب الجامعي الحاقد الثائر المحتقن الصاخب جداً. فما قدر رحمه الله أن يذكر من الإسلام إلا البسملة واسم المملكة السعودية. فلما نطق بها صاح الجمع وصرخ واحتج وأسكت الشيخ. وسمعته أذناي رحمه الله يقول ما معناه : إن الإسلام والاشتراكية والشيوعية كلها تؤدي للهدف. ضعفا منه رحمه الله. ومن منا يقوى على مواجهة بحر من العنف الصارخ إلا أن يؤيده الله ؟ ثم إنه كان في مجال جدل سياسي. فنلتمس له العذر في ذلك، نلتمس العذر ولا تفوتنا العبرة. ونطق تلامذة الوطنية السلفية فما تسمع إلا حقداً حاقدا عنيفاً ثورياً، وحق لهم أن يفعلوا لأن الإحساس بالظلم وإرادة التغيير لم يلتقيا عند التلامذة بإيمان وصدق.
هل يكفي أن يحاضر الشباب نفر من المؤمنين وعلماؤنا راقدون والظلم والفتنة تواجه الكفر الجاهلي ونداء العدالة الاجتماعية باسم الاشتراكية الشيوعية والإلحاد ؟ إن رأس الفتنة الحسن. وأمل الأمة الحسن إن نهض وتاب ونشد الرجولة. وإنكم إخواني وأحبتي العلماء الحلقة الضرورية الوحيدة لاتصال حبل الإسلام بحاضرنا المفتون إن صلحتم وكنتم رجالا. فاعذروني إن قسوت. وإنما هي نفثة مصدور مودع وأمام الله ما تجيبون عن أمانات ضيعتموها ؟ .
الفصل الثالث
صلاح الأمة بصلاح أمرائها وعلمائها كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم[39]. وصلاح الأفراد فرداً فرداً داخل الإسلام الفردي لايخرج الأمة من غثائيتها وتفككها، حتى لو أصبحت الأمة كلها أفراداً صالحين. وإنما سميت أمة للجماعة الجامعة على أم واحدة وأصل واحد. ومن الأمراء على مر العصور صالحون متهجدون عابدون ذاكرون، وكان العلماء دائما ولا يزالون في أغلبهم رجالا يخشون الله ويتقونه، لكن أولئك وهؤلاء لا يُجْدون في سير الأمة نحو الصلاح فتيلا ما لم يعملوا على ربط أفراد الأمة برباط الجماعة. ألا ترى عبد الله الغالب السعدي كيف كان رجلا صالحاً عابداً، وكيف بعث يبحث عن شيخ صوفي يربيه. حتى إذا وجده رحل إليه بجيشه وأخذ عنه. لكن هل بعث عبد الله السعدي الإسلام وهل جدد للمسلمين حياة وقوة ؟ ومثل هذا يقال في كثير من ملوك المغرب خاصة الأشراف العلويين. وقارن هذا بيوسف بن تاشفين الذي نشأ في الرباط الصوفي والتحم بجماعة المؤمنين حتى أصبحوا كالجسد الواحد، وحتى أصبحوا كالبنيان يشد بعضهم بعضاً. وقارن بإنشاء الجماعات السنوسية التي ضربت لنا أقوى مثال في العصور الأخيرة للجهاد والاستماتة في سبيل الله. كذلك كان في زمن حسن البنّا رحمه الله من هو أعلم منه وأوسع مادة في المنقول والمعقول، ومن هو أكثر منه عبادة وتبتلاً. لكن البنّا كان يملك سر المحبة التي تربط بين قلوب الناس برباط المودة والتعاون، فأنشأ هو جماعة، وماعدا خير الفضلاء من معاصريه أنفسهم.
إن حديثنا عن المنهاج النبوي وبحثنا عنه يعني البحث عن الطريقة التي بها يكون المسلم مسلماً، والتي بها ينجذبُ إلى الإسلام، ويحب الإسلام، ثم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، ويعمر كيانه بمحبة المؤمنين المشتقة من محبة الله تعالى. ثم كيف يكتشف الإنسان الغافل نفسه ويكتشف بذلك ربه وقيمته. ثم كيف يصل المؤمن إلى كماله الذي خلق من أجله. فالمنهاج النبوي تربية ثم تربية ثم تربية،التربية كما كانت على عهده صلى الله عليه وسلم.
إن من رجال الدعوة من يرى أن المنهاج النبوي تتبع خطى النبي صلى الله عليه وسلم في مراحل دعوته، حتى إنهم ليسمون مرحلة دار الأرقم، ومرحلة الجهر بالدعوة، ومرحلة الهجرة ثم مرحلة بدر وهكذا. ينسى هؤلاء المؤمنون أمرين : أحدهما أن الداعي الأول صلى الله عليه وسلم، ونبدأ منه عليه السلام لأنه النموذج الكامل وإلا فقد سلف قبله أنبياء ورسل فعلوا مثل ما فعل ؛ قلت إن الداعي الرسول المعصوم غير الداعي المتبِع. وثانيهما أنه دعا الناس من جاهلية ونحن لا ندعو قومنا من كفر، رغم فشو الردة في ذرارينا، لكن ندعوهم من فتنة. فشخص الداعي وظروف الدعوة واختلافهما يحتمان علينا البحث عن المبادئ بدل البحث عن المراحل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "العلماء ورثة الأنبياء"[40] وميراثه صلى الله عليه وسلم كما قال أبو هريرة هو قرآن الله يتلى في المساجد. فمن يستحق أن يسمى وارثا ؟ كل حامل أسفار ؟ أم كل قارئ قرآن في المسجد ؟ ظاهرة واحدة هي التي يمكن اتخاذها معياراً لمعرفة الشخص الوارث، هي أن تكون صحبته مؤثرة في الناس، وكلامه وقدوته. دعنا الآن من تعريف الشيخ الصوفي، فإن المؤمنين المتقين درجات، ولكل منهم أثر على جلسائه وأصحابه يتنوع ويتفاوت. كل من أثرت صحبته ووعظه وهديه على علم وسنة و اتباع واستقامة على الهدى فهو وارث بنسبة من النسب. وهؤلاء الأشخاص النورانيون هم استمرار النبوة في الأرض، إذ هم ورثة الأنبياء. وما كان الأنبياء عليهم السلام إلا رجالا يدعون إلى الله مؤيدين بالوحي، مؤيدين بالطاقة النورانية التي تجعلهم موضع محبة الناس، ونموذجاً سلوكيا للناس، وهداة إلى الحق. وقد ارتفعت النبوة وختمت بنبينا عليه الصلاة والسلام، وبقي الوارثون. فمن وجدناه متبعاً يدعو إلى الله على بصيرة وتأتي دعوته بصلاح الجمـاعة فذاك وارث. أمر الله نبيه أن يقول : ]هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُواْ إِلى الله، عَلى بَصِيرَةٍ أَنا وَمَنْ اتَّبَعَني[[41]. ومن دعا إلى حركة ولو باسم الإسلام، أو دعا الأفراد ولم تنشأ عن دعوته جماعة فما هو على المنهاج النبوي إلا بنسبة غامضة لاتبين. وبعد حين نقول ماهي الجماعة.
أصل قرآني جعلناه مبدأ موجها هو"اقتحام العقبة" في قوله تعالى : ]لَقَدْ خَلَقْنَا الانْسَانَ فِي كَبَد، أَيَحْسِبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَد ؟ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدا. أَيَحْسِبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحد ؟ أَلمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ،ولِساناً وشَفتَيْنِ، وهَديْناهُ النَّجْدين ؟ فلا اقْتَحمَ العَقَبة![[42] وقد صغت المنهاج النبوي كما أراه في كتابي "الإسلام غداً" وأعيد صياغته هنا بإيجاز كثير، ولا أرى أني فرغت من صياغته. فإنما بدأت أفكر منذ ثلاث سنوات. وهي في عمر البحث عن منهاج تجديد للإسلام فترة قصيرة جداً.
أمام القائد المجاهد، الذي يتوب من فتنة المسلمين العامة، كَحَسَنِنَا مثلا إن وفقه الله وأخذ بيده، عقبة كأداء متعددة الجوانب لا بد أن يقتحمها. أمامه أولا عقبة نفسه وهواه وملذاته وعاداته وأفكاره السابقة ونظرته للماضي والمستقبل والحاضر، وولائه لما يسميه عرشه. فمتى اجتاز هذه العقبة ورد المظالم كما فعل عمر بن عبد العزيز حق له أن يقتـرح على الأمة اقتحام العقبة معه، ووجب لذلك أن يجمع حوله جماعة بعقد جديد ومبايعة بدل البيعـة تحت قهر السيف، ومشـروعية جديدة. وبهذه الجماعة المكونة لآلة الدولة يمكنه ويجب عليه أن يكسر أغلال الفتنة ودوائرها المغلقة، دوائر النفرة والفرقة بين الطبقات الاجتماعية، بعدل مفروض، ثم دوائر الاستعمار الفكري والردة بإرادة مومنة تغير كل بنى المجتمع، وبعد ذلك دوائر العادات التي تنغلق على طوائف الناس وتثبط عزائمهم وتقعد بهم عن الجهاد، خاصة دائرة الاستهلاك والترف، ودائرة فساد الإدارة ورخص الضمائر. أقول إن آلة الدولة، أو وازع السلطان كما قال سيدنا عثمان، لا بد منها مع وازع القرآن لبدء تعبئة تحيي الأمة من موات وغثاء.
وأفصّل المنهاج النبوي بعد الأصل القرآني الموجه إلى مبادئ عشرة سميتها الخصال العشر. الثلاث الأولى مبادئ منظمة هي : الصحبة والجماعة وهي خصلة واحدة. ثم الذكر ثم الصدق. وسبع مبادئ تطبيقية هي : البذل، والعلم، والعمل، والسمت، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد.
الخصلة الأولى : الصحبة والجماعة الصحبة الصوفية صحبتان : صحبة للتزكية، وأسمي أصحابها صوفية زاوية، وصحبة للتزكية الفردية بنية الجهاد لتجديد الإسلام وهم صوفية رباط. أما في مشروع إحياء أمة وتجديد أمة يشارك فيه ويتزعمه قائد مجاهد تائب مثل حسننا إن وفقه الله ونصره على نفسه، فتعني الصحبة قيادة موحدة، والقائد إن بدأ بتزكية نفسه وذكر الله حتى طهر قلبه هو إمام الجماعة يبارك الله كل حركة من حركاته ويجمع عليه القلوب. ونحتفظ مع ذلك بالصحبة الفردية كإمكانية لفض أسباب الخلاف بين المسلمين. فيمكن لكل مؤمن أن ينضم إلى الجماعة الناهضة المعبأة دون أن نسمح لأحد أن يكفره أو ينقصه لخلاف مذهبي أو لصحبته شيخاً أو صاحباً من بين الأحياء أو الأموات. بل يجب أن نطرد كل متزمت يفرق بين المسلمين باسم السلفية أو السنية. الصوفي وغيره في الجماعة سواء متى وفوا بشروط الجماعة. ومتى توفر في الإمام شرط الصدق والطهارة. ومجرد اجتماعهم حوله وطاعتهم له ونصيحتهم تكسبهم محبة ضمنية.
أما الجماعة فهي، شكلا ومحتوى، تختلف عن المجتمع. إنها كائن عضوي حي يجمع بين أعضائه رباط ثلاثي لايتجزأ، بل هو وصلة متكاملة تجمع شمل الأمة جمعاً أفقيا وعموديا. رباط المحبة الذي يأتي من المخالطة اليومية. والمجالسة اليومية في مجالس الإيمان في المسجد والصلاة في الجماعة خمس مرات في المسجد مع الجماعة شرط أساسي. والصلاة أهم أمر المسلمين، فهي الجامعة. وبعد المحبة ومعها طاعة الأمير، الإمام الأعظم أو كل من يقوم بأية مسؤولية منظمة، طاعة على مبايعة مشروطة تسقط متى أخل الأمير بطاعة الله ورسوله. والرباط الثالث النصيحة بمعنى حرية النقد وواجب التوضيح وجمع الشمل.
الخصلة الثانية : الذكـــر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي شريح الخزاعي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أليس تشهدون أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قالوا : بلى! قال : إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بيدكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكـوا أبداً"[43]. القرآن هو حبل الله وعروته الوثقى. وهو الصلاة، من لم يتله فيها فلا صلاة له، وهو النور وهو البرهان. فالصلاة في الجماعة خمس مرات في اليوم شرط أساسي لإحياء الأمة وتجديد إيمانها.
ومع الصلاة مجالس لذكر الله، لقراءة القرآن وتدارسه وتسبيح الله وتعلم ما يقيم أمر المسلمين. كان الصحابة رضي الله عنهم يسمون هذه المجالس مجالس الإيمان. وكانت تنظم حول القرآن وتلاوته وفهمه وتدبره وترتيله، وتعلم الدين. وبقي عند الصوفية رضي الله عنهم مجالس يسمونها مجالس الذكر. وكلا الاسمين يدل على أهمية مجالسة المؤمنين بعضهم بعضاً على ذكر يخرجهم من الغفلة عن الله. وإن لمطالب العيش جاذبية تجذب الهمم والعقول خارج دائرة الموضوع الأساسي في حياة كل إنسان، وهو معرفة معنى الحياة والموت وقيمة الإنسان. وما أمرنا الله بشيء أمره لنا بالذكر والتسبيح. وأفضل الاحتفاظ بلفظة الذكر لعمومها، وبعبارة مجالس الإيمان لأنها أدل على الخاصية التطبيبية لهذه المجالس. فإن الإيمان يتعلم كما يتعلم الكفر، والمحبة تعدى كما يعدى البغض، والإيمان والمحبة يتلقاهما المؤمن في مجالس الإيمان المرتبطة بالصلوات الخمس في المسجد جماعة. وإن النفوس الصدئة والقلوب المهمومة العطنة والهمم الفاترة تجد دواءها في هذه المجالس.
ومتى كانت هذه المجالس حول رجل مؤمن مصحوب محبوب تمت الشروط الإكلنيكية لطب الأرواح. وإن ما تسميه الجاهلية تحليلا نفسياً وعلماً ليعطينا نظرة عن نتانة النفس الإنسانية الكافرة والمفتونة الغافلة.صح ما يلاحظه النفسانيون أولا، ولايقدرون أن يتصوروا التحول الجذري للنفس البشرية حين تؤمن بربها وتذكره، وربنا يقول : ]ألا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القُلوب[[44]. وعلامة الصحة القلبية أن تتحول أحلام الشخص رؤيا صادقة. وللرؤيا في الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أهمية قصوى[45].
الخصلة الثالثة : الصدق الصحة القلبية الناتجة عن الصحبة والجماعة والذكر أساس لبناء شخصية إسلامية متكاملة، كما هي كمال لتنظيم جماعة المؤمنين. خصلة الصدق تمثل من وجهة شرطا مبدئياً لنجاح العملية، وعندئذ نتحدث عن صدق الطلب. فبصدق الطلب نعرف المنافق من المخلص الصادق، ورسولنا علمنا أن "آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"[46]. ومن جهة ثانية يتم للطالب الصادق صدق الإرادة في طاعة الله والإخلاص له ولولاية المؤمنين، ويتم له جمع الإرادة ويقظة الهمة ليمضي متضامناً متآزراً مع الجماعة المومنة. صدق الهمة والذمة معناهما صدق الإرادة القادرة على تغيير العادات وتغيير الأوضاع. ومعناهما متانة الضمير وقوته، وفي كل هذا معنى الآية الكريمة : ]إِنَّ الله لايُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسهم[[47]. جاءت الآية في سياق سلبي وهي صالحة للاستعمال في الاتجاه الآخر.
ولا يزال رواد الثورة ودعاتها يغيرون فهمهم لعامل التغيير. فماركسهم كان، بعد بحثه وتهويله، يظن أن الطبقة المظلومة تنهض تلقائيا لطلب التغيير متى تقدمت الرأسمالية تقدماً يكثر من عدد الطبقة العاملة. ولم تنجح ثورة على الفكر الشيوعي إلا بعد أن قبس لينين من تروتسكي فكرة ضرورة الطليعة الثورية، وأن الوعي يجيء ولابد من الخارج إلى الطبقة التي يمكن أن تجند لحرب الظلم. وتكاثرت بعد لينين الثورات. وما منها إلا يؤكد أن إيقاظ الإرادات وتوجيهها وتجميعها بوسيلة التربية الثقافية كما يقول كرامسي، أو بضرب المثال البطولي كما فعل ماو وكويفارا. على كل فأعداؤنا وأعداء الله الشيوعيون يلتمسون في بلادنا فرص تقوية الإرادة الثورية بكل تلك الوسائل. فمن حاول منهم تنظيم حرب العصابات فلكي يضرب المثل ويوقظ الإرادات. ومن قبع تحت ظل ديمقراطية الحسن المترهلة الحائرة، فإنما يفعل ليثقف الشباب على نهج الإلحاد والعنف.
في السنة الدراسية الماضية قام في الدار البيضاء شباب إسلامي بحركة في المدارس أفزعت الشيـوعيين فأحرقـوا مسجدين في ثانويتين كبيرتين. وإثرها نشرت جماعة شيوعية متسترة باسم جمعية لأساتذة الفلسفة احتجاجا في صحيفة الدولة الرسمية (انظر جريدة "الأنباء" بتاريخ 14 أبريل 1974) تحتج على نشرة للإسلاميين تندد بمكائد الفلسفة الماركسية وسدنتها وتكفيرهم للنشء، العبرة ينبغي أن لاتفوت المسلمين والحسن المرعوب الغافل عن مكامن أعداء الله. إنهم يستغلون ديمقراطيته ليتمكنوا من أجهزة الدولة. ومن يهتم مادامت الدولة في شغل باستغلال الأمة بكاملها واستعبادها ورصد بوليسها في كل الواجهات ؟
الخصلة الرابعة : البــذل اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، واستوفى منهم الثمن وأمرهم بالإنفاق في السراء والضراء. والصدق لله صدق الذمة والهمة لايكون صدقاً إلا ببرهان، كما أن الصحبة والجماعة لانعرف صدقهما إلا ببرهان عملي يومي. وأصدق البراهين هو العطاء من أجل القضية التي يناصرها المرء. وبلا عطاء لاصدق يمكن ولا برهان يسبقه يدلنا عليه. وقد استعملت لفظة البذل وهي لفظة نبوية لما تتيحه من إدخال مفهوم المفاضلة في عملية العطاء. فما يمنح المرء إلا شيئاً يحتقره ويبتذله في جنب النتيجة والجزاء. وما ظلم الإنسان الإنسان إلا لأنه يحتقر الإنسان بجنب المنفعة التي يجلبها إليه الظلم.
إن الإديولوجيات الجاهلية قد تدعي أن لها قيما هي العدل وهي الحرية وماشابه. لكنها كلها إديولوجيات تبرير ضرورية لرعاية مصلحة. فالشيوعية بدأت بنفي الفرد، وجعله ماركس مجرد علاقات اجتماعية، لذلك قتل استالين 66 مليون شخص كما أعلن سولينتسين. وإيديولوجيات الغرب حولت الفرد جزءاً من آلة منتجة مستهلكة. وتعرض علينا الجاهليتان نموذج إنسان خاسر وحضارة مفلسة. وأعيى الماركسيين أن يبحثوا عن تلفيق يكملون فيه ماركس بفرويد. لكن محاولاتهم وإن نجحت فلن تنتج آخر المطاف إلا دابة تسمى في الاصطلاح إنساناً.
إن الله عزت قدرته يعرض جزاء ويعد وعداً لا بد للمؤمن إن أراده أن يحتقر كل شيء في جنب طلب جزائه عند ربه، وطلب كماله في مقعد الصدق أبد الآبدين. وإن موعود الله وطلبه هو البديل الوحيد لإنقاذنا، نحن الأمة المستضعفة الموعودة بالميراث والاستخـلاف، متى آمنا وعملنا الصالحات وبذلنا في طلب موعود الله النفس والنفيس. وإن واجبنا الأول أن يحطم جهاز الدولة المنبعثة كل ظلم طبقي في الأرزاق قبل أن يفرض توزيع التضحيات الضرورية لبناء أمة منهارة واقتصاد محتل موبوء. إن البهـائيين في بلدنا المسلم يعطي كل واحد لحركته نصف ما يملك. فهل نحن يا معشر الأمة المائتة واعون ؟
الخصلة الخامسة : العلم الجاهلية جهل أولاً ؛ جهل بالله تعالى ومن ثم بمعنى الحياة والموت. ثم جهل بالإنسان وقيمته، ومن ثم جهل الناس بعضهم على بعض بالعنف والتظالم، وجهل بعد ذلك بالقيم. ومن ثم تكالب على المتع وتكاثر في الأموال والأولاد وأسباب الملذات الدنيا الدنيئة.
كل هذا نشارك فيه الجاهليين، ونزيد عليهم جهلا آخر هو أصل ضعفنا المادي، هو جهلنا بتنظيم دنيانا واتخاذ القوة التي أمرنا الله بإعدادها في وجه الجاهلية. ولكي نتعلم ينبغي أن نبني الجماعة المومنة المتضامنة بالمحبة والطاعة والنصيحة. وما يمكن بناؤها في المسارح وأمام الخطب السياسية. لكن في المسجد في مجالس الإيمان، وهي مجالس علم. وببناء الجماعة نبني شخصية إسلامية لكل مؤمن تتجاوز عقبة الجاهلية.
يبقى لنا تعلم تنظيم دنيانا واتخاذ القوة المادية، أعني قوة الاقتصاد وقوة التعبئة المتكاملة. ولابد لنا أن نتعلم من كتاب العالم كما نتعلم من كتاب الله. فإنه تعالى يعرض علينا آياته لنتعلم ونتدبر، وآياته جلت قدرته تتجدد وتتنوع ويضرب الله بها الأمثال لقوم يعقلون. فلابد لنا أن نتعلم من الجاهلية حكمتها. ذلك شرط أستاذية العالم في مرحلة تابعة كما يعبر شهيد المسلمين سيد قطب. والحكمة كما يعرفها بياجي : تنظيم للقيم. ونزيد نحن فنقول : إنها جعل كل القيم العلمية والتجريبية تابعة للقيمة الوسطى وهي معرفة العبد مولاه وتعرضه لرضاه وحمله لرسالته يدعو الإنسانية كلها إلى الله. وفي الأثر بل هو حديث : "لا حكيم إلا ذو تجربة"[48]، وإن أهم تجارب الأمم في عصرنا تجربة الصين. فما أمل أكرر أهمية هذه الظاهرة العظيمة. هذه الآية العظيمة من آيات الله. إنها تجربة جاهلية لكنها تجربة إنسانية. وأحذر القارئ أن ينسى أن الله آخذ بناصية كل شيء، فلا يجري شيء إلا بإذنه. وأن الجاهلية الحمراء في الصين تضم حكمة نحن أحوج الناس إليها، إلى التعلم منها. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بطلب العلم ولو في الصين[49]. وما كان في الصين علم قط أنفع لتدبرنا من العلم الثوري الذي يبني إنساناً جديداً.
الخصلة السادسة : العمـل أمة فاشلة كسول، وعاطلون لايجدون عملاً، وظلم اجتماعي لايتيح أن تبنى معه أمة. ذلك أن الطبقة المترفة تحتكر وسائل العمل وتسخر العمل لمصلحتها. وتتضامن على مصلحتها وبالتالي تطلب الربح من أهون السبل، ولا تفكر أن تبني قواعد الاقتصاد. ثم إنها لاتجد الربح الوشيك إلا متضامنة مع رأس المال الأجنبي، فترتبط به وترتهن بإرادته. والاقتصاد الجاهلي منفعته ومصلحته وربحه أن يصدر لنا منتوجاته الاستهلاكية فنستوردها ونحرم العاطلين العمل. نستوردها فنزداد بالرفاه الذي تخوله ترهلا وعجزاً، ويزداد المحرومون حرماناً. ولا مخرج إلا بتعبئة شاملة وتغيير لبُنَى الأمة من مجتمع يرأسه المترفون ويحلبونه ويعصرونه إلى جماعة قائمة بأمرها تحت قيادة إسلامية قوية ناشئة عن مشروعية مبايعة، أي عقد يمضيه طرفان يتعهد كل منهما به ويحققه كل منهما كل يوم ويعطي على ذلك برهان صدق بالعمل الدائب.
فما العمل في مغربنا ؟ ما العمل يا ملكنا المغلوب على أمره السادر في شهـواته ؟ إن الشخصيات النخرة التي فزعت إلى أحضانها لاتمثل إلا ماضيها الفاشل الخائر. وإن البلاد لاقوة فيها إلا قوة الشيوعيين الملاحدة العاملين النشيطين. وإن الأمة أبقتها سياستك منذ الاستقلال في جهلها وفقرها. ولاتزداد كل يوم إلا فقدانا للثقة بك لكثرة ما وعدت وأخلفت، ولكثرة ما استأثرت ونهبت. في البلاد قوة واحدة يمكن أن تنهض للعمل إن وجدت قيادة صادقة هي الجيش ولاشيء إلا الجيش. مات فراعنتك الذين حكمتهم في الجيش وقتلوا وقتلت زهرة شبابه، لكن لا يزال في هذا الشباب حيوية ولايزال فيهم عناصر لو بايعتها على الإسلام ووضعت يدك في يدها بعهد الله وميثاقه لوجدتها نواة صالحة لتحريك عجلة العمل المعبئ. ولو تاب العلماء من قعودهم وأعانوك على تسييس الجيش، بمعنى توعيته بالإسلام وبالدور العظيم الذي هو دور بعث أمة واختراع حضارة لكنت في بداية عمل حق، لامهاوداتك مع الشخصيات، ولا تسخيرك للأمة بالوعود الكاذبة والتضليل وعبادة الأوثان. ولو فعلت وبايعت شباب الجيش المؤمنين على أن يتركوا الفروق الطبقية بينهم، ويدوسوا الشارات والأوسمة والتأله، لهبطت لساحة العمل قوة تخرق كل الدوائـر المغلقة، وتقتحم كل العقبات. نعم العلماء والجيش، ثم القوة الفاعلة قوة الشباب كله إن آمن وبايع، وطاقة الأمة بكاملها.
الخصلة السابعة : السمت اختراع حضارة واختراع أشكالها ومحتواها ووسائل تحقيق ذلك هو المشروع الذي ينبغي أن يكون نصب عين قائد البعث الإسلامي. إن الدعوة الإسلامية لامعنى لها إن لم تكن دعوة عالمية لاتقف على حدود الدول إلا ريثما تبني نموذجاً شاهداً في العالم على تفوق الإسـلام وصلاح الإسـلام وكون الإسلام المخرج الوحيد للعالم من العنف والخراب الذري، ومن بؤس الإنسان، ومن ظلم الإنسان. إن ثلاثة أرباع الإنسانية تعيش في فقر وتتمتع القلة بالرفاه المستأثر المتكاثر. وما صلحت الاشتراكية مذهباً إلا كإديولوجية تعبئ إرادة التغيير في قطر من الأقطار، فإذا تمكنت سلكت مسلك الدول الغنية وانغلقت في إقليميتها وتنكرت للعالمية التي تدعو إليها. وبذلك تدل أن إيديولوجيات الجاهلية إيديولوجيات تبرير للأنانية المجتمعية الخاصة بإقليم أو جنس أو دولة متسلطة على الأمم مثل روسيا.
ولا تزال الإنسانية تنتظر نموذجاً على ضوئه تنتقد النماذج الفاشلة، وعلى ضوء نجاحه تحلل كذب الوعود التي منّت بها الإديولوجيات المختلفة ثم أخلفت. لاتزال الإنسانية تنتظر نموذجاً حضاريا يعطي الإنسان قيمته كمخلوق مكرم لا كدابة منتجة مستهلكة، ويعطي الإنسان أفق وجوده، ومعنى وجوده وحياته وموته. الإنسانية الجاهلية بحاجة إلى معرفة ربها والعودة إليه واتباع دينه. ولقيام الدعوة المنقذة للإنسانية لابد من نموذج له سمت، ومعنى السمت الطريق والهدى ووجه العمل والرأي. لابد أن نكتشف المنهاج النبوي ونخترع ونبدع حضارة تبهر بتوازنها، وتكون شاهدة بالقسط، أي بالعدل والاتزان بين الناس. ولهذا خلقنا. وبعث إسلامي لايتجاوز هدف بعث دولة إلى مقصد توحيد دار الإسلام فحمل الرسالة وضرب المثل للعالم، بعث وهمي قاصر.
إن السمت في حق الفرد المؤمن معناه بروز الشخصية الإسلامية في معاني النظافة والجمال والإغراء بجاذبية الكمال الخلقي. وفي حق الجماعة شهادة بالقسط، ولهذا بعث الأنبياء.قال تعالى : ]لَقَد أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتَ وأَنْزلْنا مَعهُم الكِتابَ وَالمِيزَانَ ليَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْط[[50]. المؤمن شـامة بين الناس، والأمة المسلمة شامة بين الأمم، وهذا طريق الدعوة إلى الله ووجه العمل والرأي في حمل الرسالة ودفع القضية العظمى قضية هدى الناس إلى الله.
الخصلة الثامنة : الـتـؤدة العالم اليوم تحكمه قوانين الجاهلية. وتحركه آلياتها الاقتصادية التي لاترحم. إنه عالم تكاثر وتسارع وتسابق. إنه عالم عنف يسير على قانون الغاب. تفترس فيه الأمم القوية أمماً أضعف منها وتتكتل فيه الدول القوية لاستغلال الدول المحرومة. وفي داخل دولنا الإسلامية تظالم على نهج الجاهلية قمين بالتحليل الشيوعي الواضح. خاصة تحليل الشيوعية المبسطة الدارجة : "يا عمال العالم اطحنوا من يستغلكم". إنه العنف، وإنه التسابق، ومعهما يضيع معنى وجود الإنسان وقيمة الإنسان. إن الجاهلية تصفنا بأننا أمم متخلفة، والمتخلف ينبغي أن يسرع ليتلافى تخلفه، وما توهمنا به الجاهلية من أن أهم أسباب تخلفنا تكاثر السكان يدفعنا بسرعة لتلافي التخلف ويدفعنا للتيه ونسيان الغاية التي خلقنا من أجلها. وفي جو كهذا تتجمع دواعي العنف والثورة وتتسارع الثورات والانقلابات والاضطراب، ولا نهتدي مع ذلك سبيـلا لمعرفة دائنا ومنهاج الخروج من دولاب الجاهلية وحركيتها لنمسك بزمام أمرنا.
إن التؤدة معناها في حق الفرد أخلاق تملك النفس والصبر والمصابرة والمثابرة، وهي أخلاق تعوزنا تماما. أما في حق الجماعة والأمة فالتؤدة هي البناء المكين على أسس ثابتة معروفة، وعلى وعي بالمبادئ والأهداف والمقاصد والغايات. يتخذ الصينيون من شعاراتهم التزام البطء اللازم في كل عمل. ويعني البطء الإتقان في الصنع وتدبر العواقب والتعلم من التجربة.ومن يستعرض اضطراب المغرب منذ الاستقلال في السياسات المتقلبة، والارتجالات العنترية، والفشل الدائم، والتمويه الذي يحاول أن يستر الفشل الدائم، يدرك حاجتنا إلى التؤدة بمعنى التثبت وبمعنى المسؤولية وبمعنى الصبر والمصابرة والمثابرة.
والتؤدة أساساً وبالمعنى الأوسع هي الرفق في مقابل العنف. وإن القائد المجاهد في غد الإسلام إن لم يسلك سبيل التدرج البطيء بما فيه الكفاية، والرفق بالناس ريثما تتم التعبئة ويحمل كل مسلم نصيبه من الحِمْل العامِّ لوشيك أن يتخبط ويتعرض للأخطاء الكثيرة التي تذهب الثقة من الأمة وتقتل روح المبادرات. إن صعوبة تغيير العادات، ومشاكل الاقتصاد، ومشاكل المظالم، ومشاكل البناء بدت لنا في تخبطات الملك وتردداته وأساطير دعايته. فإن تاب غداً وبايعنا بعهد مجدد فلن نطلب إليه أن يحقق المعجزات بين عشية وضحاها، بل نطلب إليه التريث والتثبت ومتانة البناء وملك النفس. فمن لم يملك نفسه لايملك أن يبني أمة.
الخصلة التاسعة : الاقتصاد معنى الاقتصاد في لفظ القرآن لزوم القصد، بمعنى جعل الوسائل خادمة للأهداف. والأهداف مؤدية للمقاصد، والمقاصد محققة للغايات. بلفظ جامع : ينبغي لأمة الإسلام المنبعثة أن تلزم الحكمة كما فسرناها فلا تأخذ الوسائل إلا من حيث فعاليتها بتحقيق الهدف والمقصد والغاية.
والهدف بناء أمة الانبعاث،والمقصد توحيد المسلمين، والغاية حمل رسالة الإسلام للعالم. وهذا لايعني أن ننتظر حتى تقوم أمة قوية منبعثة لكي نبدأ بطلب المقصد والغاية. بل يكون طلبهما وسيلة ضرورية لبناء القطر المنبعث. ومن دار الإسلام ومن العالم كله يفد لقطر الانبعاث رجال يطلبون الحق ويحملون معنا العبء ويبنون معنا الإسلام.
المعنى الثاني للخصلة هو التدبير المعاشي للأمة. والاقتصاد بهذا المعنى هو الهدف والمقصد والغاية عند الجاهليين، وهو الدائرة وهو المحور في نفس الوقت. وإن إعداد القوة كما أمرنا الله تعالى إعداداً موكولا إلينا وإلى اجتهادنا هو التنمية الاقتصادية.وهي لا تمكن إلا بتعبئة،وهي بدورها لا تمكن إلا بقيادة، وهذه لا تمكن إلا بمشروعية ؛ فها أنت ترى تماسك المنهاج النبوي. ولدى المسلمين اليوم موارد ضخمة جداًّ تكون خطراً مهدداً لمستقبلنا. ففي أفق 1985 يترقب الخبراء أن تضبط الدول الإسلامية حوالي ثلاث أرباع نقد العالم. هذا مهول جداً،ويهدد هذه الدول أن تصبح دولا مستهلكة من الدرجة القصوى، وتترهل، ولا تتعلم، وتكسب عقلية الغني العائش على ثروة تعمل هي وهو راقد، وهذا أكبر الخطر. ولا مخرج إلا بطلب وحدة اقتصادية بين الدول الإسلامية. وهذه ضرورة تشعر بها هذه الدول. ولعلها تدرك خطر الثروة المهولة التي إن سقطت عليها أفقرتها من الرجال. ونرى من الآن الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ويسكنون القصور.
ثم إن الإسلام المنبعث لابد أن يخترع طريقاً للتنمية الاقتصادية لا يؤدي إلى مجتمع منتج مستهلك وهذا أصعب ما يمكن أن يخطر على فكر خبراء الاقتصاد. بل هو أمر مستحيل وخيالي في خط نظر علم الاقتصاد الحالي الذي يصف فقط طريق التكاثر ويبني عليه كل حركات التنمية. وقلوب المومنين وحدها إن أيدها الله تهتدي إلى تنمية تحفظ على الإنسان إنسانيته. وقد عجز حتى الآن من يبحثون عن اشتـراكية لها وجه إنساني، ما عدا الصين التي لاتزال تبحث عن تربية جديدة لتكون لنا عبرة.
الخصلة العاشرة : الجـهـاد الجهاد لغة مصدر جاهد بمعنى : جمع الجهد وبذله بمشاركة غيره. وفي القرآن يشمل هذا المعنى ويشمل معاني طلب الله ببذل المال والنفس. إن الجهاد تحقيق كامل لعطاء العوض عن رضى الله وجنته، وهما المال والنفس، ولاجهاد إلا في جماعة. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى جهاد النفس لحملها على الصدق جهاداً أكبر، وكذلك الأمر إن أدى إلى بناء جماعة وجهاد جماعة. أما الصوفية حين يقنعون بعبادتهم وذكرهم في الخلوات غير مهتمين بأمر المسلمين، غير آبهين بالأخطار المهددة في ديارهم للإسلام، وحين يبررون قعودهم بأنهم في الجهاد الأكبر إنما يسوفون ويمنون. وقد نطق لي أخ لي منهم قال : "لم تصدع رؤوسنا بالتقلل وما يوجبه، ما أحسن أن يظل الإنسان على سبحته ثم يروح إلى قصره!". والرجل لا قصر له بل لعله يتمنى ويحسب استعجاله للمتاع قربة إلى الله. واكتشفت أن إخواني الصوفية حين عادوني أن ذكرت لهم الجهاد كان منهم من أمضى حياة فقر على الحصير والشعير، فهو اليوم إذ يكتشف دوائر الاستهلاك غير مستعد تماماً أن يسمع كلمة تقلل وجهاد، وكلمة العدل الاجتماعي والعطاء عليه.وتلا لي أحدهم بفهمه ونيته :]قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْق[[51]. وإنها طيبات وزينة لو كانت الأمة قائمة وطاعمة ومتعلمة وصحيحة، أما وتسعة أعشارها في فقر وجهل ومرض تحت ظلم فئة باغية، فإن القعود في الفيلات على موائد الأغنياء خيانة لأمانة أخذ الله العهد على علمائنا ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
وإن جمع جهود الأمة وتوجيهها للبناء يسمى بلغة النفرة الجهادية والنظام والضبط الضروريين تعبئة. ولا تعبئة إلا بهذه المعاني. وإن جيش المسلمين يجب أن يرجع تنظيمه ووظيفته من النموذج الجاهلي إلى نموذج يحمل أول الناس همَّ بناء الأمة. بمعنى أنه يجب أن يكون العنصر المهم الذي يدخل للجماعة قوة الضبط والانضباط والدقة في الإنجاز بشرط أن يخضع للنصيحة العامة.
خلاصة يا حفيد رسول الله! أصغ لما ألخصه لك وأوجزه، واقرأ كل كلمة مما يلي بتدبر وإمعان، فإنك اليوم أو بعيده بحاجة يائسة لمن ينصحك لا خوفاً ولا طمعاً، وإنك في مأزقك الحاضر لمقبل على أهوال ومدلهمات لن تجد فيها دليلاً إلا مثلي ممن يتلو عليك آيات الله وسنة جدك صلى الله عليه وسلم ليأخذ بضبعك لاليبرر لهوك وهتكك لحرمات الله.
روى الحاكم في المستدرك وصحح إسناده من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله". وروى أبو داود والترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر". وقد عرفنا من جورك كثيراً وبقيت لك هذه.
فلا تعجب أن يتعرض لك رجل منفرد يأمرك وينهاك، فإن من عباد الله من هو بما عند الله أوثق به مما في يده. وإن جوار حمزة بن عبد المطلب في رضى الله لمطمح عال وموعود صادق. أما أنت فما أكتب إليك بهذا التحدي يأساً منك ولا تحريضاً. ولعل الله أن يفتح بصيرتك للحق على يدي إذ ذهبتَ مذهب العشواء في قِصَر نظرك السياسي.
إنك يا ابن النبي خضت وتخوض في سفساف الأمور، وكل أفقك السياسي صراعات ومحالفات. ومنذ الاستقلال وأنت في عناء شديد بين خصومك ومنافقيك وأحلافك المتضامنين معك على مصلحة يقضونها وأموال يبتزونها من أموال المسلمين. إنك قضيت قرابة عشرين سنة في صراع مع منازعيك، وحملك ذلك على سلوك درب الميكيافيلية ففتكت وطغيت، وأوطأت رقابنا أمثال أوفقير حتى صار أمرك إلى ما تعرف من خراب لا يخفيه عن الأمة هيجانك السيـاسي الحاضر واجتماع "الشخصيات" من حولك.
إنك مارست وتمارس السياسة خوضاً تطفو على سطح الأمور وتطفو على سطح الأمة وبهامشها، من حيث تظن -كنت ولا تزال- أنك قطب كل حركة وكل فكر وكل سلطة. لقد مضى زمن كنت تصرح فيه للصحفيين، حين يغيظك خصومك، أنك تستطيع أن تحكم البلد بسائق سيارتك، وذاك ما كنت تفعل استهانة بأمانتك واحتقاراً لهذه الأمة وتضييعاً لحقوقها. فهل علمتك أحداث الصخيرات وما تبعها حكمة، وهل جمعت لك عقلا ؟ هل فكرت لحظة في استبدال سياستك كما تفهمها بفكرك اللبرالي المغيم بغيوم المجد الإسماعيلي، فبحثت عن المبادئ والقيم التي يمكن أن تجمع حولها همم هذه الأمة ؟ وهل تقدر اليوم أن ترتقي من تهافت السطوح إلى البحث عن الجذور والقواعد، ومن الباطل المعتمد على التمويه إلى الحق الناصع حق النصيحة لله وللمؤمنين في أداء أمانة ما أثقلها وأشد حسابها بين يدي الله عز وجل غدايوم تموت وتلقاه.
إنك بحاجة لمشروعية، تشعر بذلك ولكن لا تهتدي لسبيل.
إنك بحاجة لوضوح تبني عليه حقاً لايمكن أن ينبني على دعايتك وتألهك وتهريجك حين تبذر أموال المسلمين، تبني ضريحاً للغابرين، وتصك الأسماع وتلوثها وتلوث الدين بأعيادك الوثنية المخدرة لحس الأمة وشهامتها وحيويتها ووعيها.
إنك ترى بقِصَر نظرك السياسي أنك اليوم أقرب إلى الأمن بعد أن أحرز لك جيش المسلمين نصراً في الشرق وذكراً جمعت حصيلته في محاولتك تعبئة الأمة لتحرير الصحراء، ونعم الهدف هذا لو كان لدى الأمة ثقة بقائدها. والذي لا تراه هو أن حركة كالتي تنضج حول الصحراء أمر عظيم لابد أن يتبعه تغيير جذري في هيكل الأمة.إنك لا تشعر اليوم،لكنك ستفهم غداً ما أحدثك به وأدعوك إليه. وإن حرباً مع إسبانيا إن تمادت في تهديد بلاد المسلمين واقتصاد الأمة المغربية، واستمرت في احتلال أرض الإسلام وثغور المسلمين لضرورة إسلامية كضرورة قتال أعداء الإسلام على القدس وعلى كل بلاد المسلمين أينما اضطهدوا حين تتوحد الدول الإسلامية على لواء الإسلام. وإنها لموعد ميلاد الجيش الإسـلامي، ميلاد قوة ووعي. وإنها لموعد ميلاد البعث الإسلامي الحق لا كبعثك المكذوب، فلا قوة لنا إلا بالحق، بالله القوي العزيز إن أسلمنا له وجهنا وجاهدنا في سبيله، ولا تعبئة إلا تحت لواء الجهاد. ويومها يزهق الباطل.
بعث الإسلام وصلاح الأمة بصلاح أمرائها وعلمائها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصفت الأمراء والعلماء. وأزيدك توضيحاً لحالتهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال فيما رواه سيدنا عبد الله بن مسعود : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم. فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً، فقال : لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً"[52]. معناها : حتى تحملوهم على الحق حملا، ومعنى الحديث أن العلماء حين يجالسون ويؤاكلون الطغاة يندمجون فيهم ويتدجنون وينسون الحق ويسيرون في ركاب الباطل، فلا قيمة لرجل لم يسع ليحمل الطغاة على الحق حملا سيما إن كان ينتسب للعلم وينتسب للمتقين.
ونحن اليوم بطغيانك يا سيدي الملك وحضانتك للطغاة تحكّمهم فينا وبتفاهة ديدانك من القراء في مضيعة ما وراءها ضياع. وأنت وهم عرضة لمقت الله ولعنته كما لعن طغاة بني إسرائيل وعلماؤهم الذين كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. فاترك العوم والخوض، وابحث لنفسك عن مسلك تلتقي فيه برضى الله تعالى خالقك ورازقك والآخذ بناصيتك.
لا يسعني هنا إلا أن أعظ الأمير والعلماء، والوعظ ليس التربية،ولا تربية إلا بوازعين اثنين :وازع القرآن ووازع السلطان، والأمير أصلحه الله بحاجة لتربية مثل أو أشد مما يحتاج العلماء ؛ لكن لمن السلطان حتى يأطر الفريقين أطراً ؟
وبعبارة أوضح : لمن الشوكة التي جعلها الغزالي مناط المحافظة على الأمر القائم ؟ إننا نرى كيف ذهب بك شيطانك أوفقير حتى قتلت زهرة شباب جيش المسلمين، ونعلم أنك أهنت الجيش وسمعنا شهادة كويرة ورفيقه الدالتين على أن شباب الجيش لا يزال يحافظ على عقيدته وعلى روابطه بالأمة المستضعفة الفقيرة المسلمة. فمن يمثل شوكة الإسلام التي يدعونا الغزالي للحفاظ عليها رغم الفتنة ؟
كنت أشجب الانقلابية كوسيلة لحل مشاكلنا ولا أزال، والانقلابية تسلسل جهنمي، كنت أفعل ولا أزال رجاء أن تكون منك بادرة خير لبعث الإسلام حقاً. أما وقد خاب ظن الأمة في بعثك، وتبين لنا أننا كنا لعبة لسياستك العائمة الخائضة، فأنا اليوم مالكي مقلِّد، أدفع فتوى فقيهك الأحمق الذي يبيح لك قتل ثلث الأمة بفتوى إمامنا الذي يكل الظالم الجبار لمصيره إن لم ينهض ليكون عمر بن عبد العزيز. وإنك يا حفيد رسول الله يسوقك القدر المحتوم من حيث تظن أنك تخلق الأحداث وتسوق الأحداث، فإما تهرع للحق وتدخل من باب التوبة تتقي في حمى الله غضب الله ولعنته، وإما تماطل أو تراوغ حتى يأخذك أمر الله، وإنه بك أو بدونك الإسلام في غدنا القريب وفي مغربنا بحول الله ربنا. فانظر في أمرك قبل أن لات حين مناص.
إن جيش المسلمين هو شوكة الإسلام حقا، وإن في شبابه خيراً ينتظر من يستنبطه بعد أن ذهب الله بجنرالاتك الذين حملتهم على ظهورنا حين خدموك، فلما أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر أخذت تعدد مثالبهم وجهلهم وفسادهم كأنما صنعهم غيرك. وإني أنصح لك بجمع إرادة الأمة والدراية الضرورية لإقامة الأمة والقوة الضرورية لجمع شتات الأمة بوضع يدك في يد شباب الجيش على مبايعة يشهدها الله ورسوله وتهيِّئُ عملا إسلاميا أساسه الجهاد في سبيل الله وغايته نيل رضى الله.
فإنك إذ غرقت في عومك وخوضك السياسيين أصبحت ناسيا ربك، لا تذكره إلا في خلوتك إسـراراً، وفي خطبك تنطق بالقرآن تحسب أن الإسلام بخير ما دمت تردد شعاراته، وعملك يكذب قولك، وأنت في واد سحيق. ما أبعدك عن العمل الإسلامي. ما أبعدك عن عمر بن عبد العزيز!
أفأكون مغاليا في الرجاء إن انتظرت من حفيد رسول الله أن يجدد لنا عهد رجل بني مروان ؟ ذلك لك أن تكذبه إن استطعت وإني واضع لك مبادئ عملية لتوبتك وتوبتنا معك لما يرضي الله ورسوله :
1- إن مجتمعات الجاهلية التي تتخذها وتتخذ فكرها نموذجاً بحكم تربيتك وبحكم الفتنة التي تجعلك وأمثالك قاصري الهمة عن مبادرة مستقلة، لَمجتمعات دوابية لأنها لا تفكر أبداً في الغاية التي من أجلها خلق الإنسان ومن أجلها بعث الله الأنبياء والرسل عليهم السلام. وإن في المغرب رصيدَ إيمان عند المستضعفين الوارثين هو غداً في يوم الإسلام الأغر أساس جماعة المسلمين. والملك من حوله من يحبسه عن الخير ومن حوله خبراء جاهليون فيما لايحل لمسلم أن يتخذ فيه بطانة أبداً. فأولئك أصحاب الملك ومستشاروه، ولابد من تنحيتهم جميعاً ولابد للملك من صحبة رجال مؤمنين كما فعل عمر بن عبد العزيز. أولئك بذرة الخير، ومن حولهم تنبني جماعة المؤمنين على مبايعة من طرفين بدل البيعة المفروضة. وإننا مالكيون، وإن مالكا كان يردد حديث رسول الله أن طلاق المكره لا يجوز[53]، يعني أن بيعة المكره لا تجوز. فابحث لنفسك إن رمت خيراً عن مشروعية تستحقها برفع همتك وإنجازك للشروط التي أضعها بين يديك.
2- تعلن توبتك بكل وضوح وتعلن نيتك أن تجدد للإسلام عهداً وتعلن برنامجك لذلك، وتستغفر الله من مسرحيتك التي سميتها بعثاً إسلامياً.
3- عبارة "رد المظالم" أعني بها إصلاحاً شاملا لما أفسدتَه وأفسدك خاصة احتجانك للأموال والجاه واستغلالك ومَن حولك للسلطة.فأَرجع أموالك للمغرب، وبع قصورك،ورد ذلك وأمثاله مما عند أصحابك وأسرتك إلى بيت مال المسلمين.
4- تبايع مجلسا منتخبا انتخابا إسلاميا تستشير في أمره رجال الدعوة بعد أن تمنع كل الأحزاب السياسية، وتفسح المجال لرجال الدعوة يفهمون للأمة فتنتها وسبيل خلاصها. وعماد هذا المجلس خيار شباب الجيـش، إذ هو القوة المنظمـة الوحيدة بالمغرب. ويكون هذا المجلس شريكاً في عملك و رقيبا عليك إلى يوم ترشد وتبرهن على أنك أنجزت ما وعدت.
5- التنمية الاقتصادية لصالح الأمة هي غير ما تفعله حتى الآن حيث تصنع طبقة محظوظة، وحيث تحاول إرضاء الطوائف المتنازعة على أموال المسلمين. فلابد أن تطرح تدريجيا المذهبين اللبرالي والاشتراكي الوهمي الذي تغني حوله لتبحث وتخترع اقتصاداً إسلامياً قوامه هذه المبادئ الثلاثة الممهدة لتنمية سريعة وتربية وتعبئة :
أ- توزيع الحقوق والواجبات بحيث لايكون الغِنَى دولة بين طائفة من الناس دون الأمة، ففي المغرب طوائف وأقاليم محرومة مهجورة يغذي حرمانُها مشاعرَ الكبت والحقد والعنف، وفي المغرب ظلم فادح وغبن للبوادي.
ب- تصرف الدولة في الأمـوال بحرية وشجاعة صَوْبَ الرخاء العام والتكافل العام بين المسلمين بسلطان قوله تعالى : ]ولاتُوتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتي جَعَل اللُه لَكُمْ قِيَماً[[54]. فلا عبرة لنظام اقتصادي لايخدم غاية قيام الإسلام ألا وهي إقامة الدين مخلصا لله، وإقامة قوة بكل ما نستطيعه من إرادة ودراية وتصريف للملكيات الخاصة.
ج- إبطال الظلم الاجتماعي وإبطال فقر الأمة الذي طالما سترته بشعارك الدعِيِّ لإغناء الفقير دون إفقار الغني. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ببذل الفضول، فكل مال يتيح لطائفة لذائذ المترفين على حساب اقتصاد الأمة باطل حقه راجع للأمة لا بد.
6- التوبة العامة تعني أن طاقات الأمة المبعثرة الضائعة لا يجمعها ويستصلحها إلا الرفق الإسلامي، وهو البديل الوحيد للعنف الطبقي والحرب الأهلية التي تهددنا. طاقات العمل عند الشباب وقدرتهم على التجديد والحماس الدائم، وطاقات رجال الفكر، وطاقات رجال الحكمة والتجربة، كل ذلك يضيع اليوم في منافسات مذهبية سياسية أو قَبَلية. وعلى الإسلام فقط يمكن أن تجمع الجهود، ويمكن أن يبدأ جهـاد. فالبعث الإسلامي المرتقب لن يسفك دماً ولن يضطهد أحداً بل يدعو كل ذي ساعد وكل ذي قلب وكل ذي عقل وتجربة ومهارة للمساهمة في مشروع عظيم، وللجهاد من أجل قضية سامية، قضية كلف الله تعالى بالعمل من أجلها من يسرهم لنيل رضاه ونيل العز والرشاد والسيادة وقيادة الإنسانية إلى الحق في الدنيا والآخرة معاً. إن التوبة تجبّ ما قبلها في زمن الفتنة كما يجبّ الإسلام ما قبله ماعدا المظالم. وإن التوبة العامة لا تمكن إلا تحت قائد تائب، ومبايعة مجددة تعطي القائد سلطاناً جامعا بين الوازعين. نواة حق حولها تبنى جماعة المسلمين، بهمة إسلامية وذمة إيمانية، وسمت إحساني يبتكر الحضارة التي تسعد الإنسانية، تحمل إليها رسالة الله إلى الناس شاهدة بالقسط بين العالمين على العالمين.
7- تبشيراً لك وللمؤمنين وإنهاضاً لهمتك وهمتهم، أروي ثلاثة أحاديث نبوية، فيها وعد الله ورسوله بإعادة الخلافة على منهاج النبوة كما كانت. وفيها بشارة للمغرب وأهل المغرب. الحديث الأول : قال صلى الله عليه وسلم : "إن أول دينكم نبوة ورحمة وتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تذر السماء من قطر إلا صبته مدراراً. ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئاً إلا أخرجته"[55]. وأما الحديثان الآخران فرواهما مسلم، وما ورد في الصحيح ذكر لبلد من بلاد الإسلام بهذا الإلحاح وهذا الضبط. عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"[56]. وعن نافع بن عتبة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قوم من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف فواقفوه عند أكمة، فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد. قال : فقالت لي نفسي :ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه! قال : ثم قلت : لعله نَجِيٌّ معهم! فأتيتهم، فقمت بينهم وبينه. قال فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي، قال : "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله"[57]. قال نافع : يا جابر، لانرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم!
ما أعظم البشرى! وإن كلام رسول الله صدق وواقع، وإنه قد فشلت اللبراليات والاشتراكيات في دار الإسلام وتفشل، مالها غير الفشل.فهل أحق بالبشرى من حفيد النبي الحسن إن رفع همته عن آفاق إسماعيل البطل قاهر الخصوم إلى موعود الله ورسوله ؟
هذه البشرى وهذه الذكرى، وإنه الإسلام أو الطوفان!!
والله المستعان والسلام.
نـداء أيها المؤمنون! يا أمة رسول الله! يا رجال الدعوة، أنتم الذين تَفَتَّتُ أكبادكم لما ترون من ضياع دين الله في هذه الأرض! أنشدكم الله ورسوله أن تنهوا كل خلافاتكم المذهبية وتهجروا من يزعم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتمثل في تكفير المسلمين والتسلط على عامة المؤمنين في المساجد، فإذا صعد أحدهم المنبر حيَّى أعياد الملك الوثنية وسبح بحمد الطاغوت. اجمعوا كلمتكم بعدي إن قضى الله أن يكرم عبداً من عباده قال قولة حق عند سلطان جائر، واجمعوا كلمة الأمة حتى تقدروا على أطر كل باغ على الحق أطراً. ثم هذه رسالتي بثوها رحمكم الله في الناس، من يد ليد أو بالبريد من بلد لبلد، لا تحبسوا النصيحة عن المسلمين، فإني ما دعوت إلى فتنة أو قطع رحم، بل هي كلمة الحق بالحق، واعلموا أن صاحبكم إن طرح النصيحة وماطل وراوغ ذاهب أمره وصائر إلى ما يصير إليه من أخذته العزة بالإثم حين قيل له : ]اتَّقِ الله[. ليس لي منظمة[58] ولا أعوان إلا أنتم معشر المؤمنين، فإن قرأتم في رسالتي صواباً وحقاً، فكونوا أنصاراً لله، واعتصموا بالمساجد، وادعوا إلى رفق الإسلام يوم تضطرب المدلهمات بقوم غافلين... وإن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب ؟ ! لا تسكتوا عن الحق بعد اليوم، واذكروا أن : "الساكت عن الحق شيطان أخرس"[59].
ألا وإن الحق أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر.
فما قولكم يا علماء المسلمين ؟
]أَئفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُريدُون ؟ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ العَالَمِين ؟ [[60].
أخذ الله عليكم ميثاقه لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وقد كتمتم وسكتم فما حجتكم بين يدي ربكم يوم تعرضون ؟ والموعد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن الإسلام غداً حق لا مرية فيه بالحسن إن تاب وأصلح وبادر أو بدون الحسن! صدَّقنا موعود الله ورسوله، وكذَّبنا أوهام الواهمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
حرر بمراكش ليلة الثلاثاء السابع عشر من رجب سنة 1394 هجرية.(1974م).