ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثاني/فصل في أقسام السنن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

اذهب إلى: الإبحار, البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل في أقسام السنن
المؤلف: ابن حزم


  • قال أبو محمد: السنن تنقسم ثلاثة أقسام:

قول من النبي صلى الله عليه وآله وسلم

أو فعل منه صلى الله عليه وآله وسلم

أو شيء رآه وعلمه فأقر عليه ولم ينكره .

فحكم أوامره صلى الله عليه وآله وسلم الفرض والوجوب على ما نبينه إن شاء الله عز وجل في باب الأوامر من هذا الكتاب ما لم يقم دليل على خروجه من باب الوجوب إلى باب الندب ، أو سائر وجوه الأوامر وحكم فعله صلى الله عليه وآله وسلم الائتساء به فيه، وليس واجباً إلا أن يكون تنفيذاً لحكم، أو بياناً لأمر على ما يقع في باب الكلام في أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الكتاب، وأما إقراره صلى الله عليه وآله وسلم على ما علم وترك إنكاره إياه، فإنما هو مبيح لذلك الشيء فقط، وغير موجب له، ولا نادب إليه، لأن الله عز وجل افترض عليه التبليغ وأخبره أنه يعصمه من الناس وأوجب عليه أن يبين للناس ما نزل إليهم فمن ادعى أنه صلى الله عليه وآله وسلم علم منكراً فلم ينكره، فقد كفر لأنه جحد أن يكون عليه السلام بلغ كما أمر، ووصفه بغير ما وصفه به ربه تعالى ، وكذبه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» فقال الناس: نعم، فقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» قال ذلك في حجة الوداع.

فإن اعترض معترض بحديث جابر أنه سمع عمر رضوان الله عليهما يحلف بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن ابن صياد هو الدجال فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة علينا في هذا، لأن ابن صياد في أول أمره كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاكاً في أمره، أهو الدجال أم لا ؟

بذلك جاءت الأحاديث الصحاح ويبين ذلك قول عمر فيه: دعني يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ» أو نحو ذلك من الكلام، فحلف عمر على تقديره ومن حلف على ما لا يعلم ولا يوقن أنه باطل ولا حق فليس هو عندنا حانثاً ولا آثماً، إذا كان تقديره أنه كما حلف عليه، فهذا الحديث حجة لنا، وليس فيه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدق يمينه فإنا في الحديث أن أمر ابن صياد كان حينئذ ممكناً، والحالف على الممكن كما ذكرنا لم يأت منكراً، فيلزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغييره.

  • قال أبو محمد: وأما من قال: إن أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم على الوجوب، فقوله ساقط ، لأن الله تعالى لم يوجب علينا قط في شيء من القرآن والسنن أن نفعل مثل فعله صلى الله عليه وآله وسلم بل قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }

وإنما أنكر صلى الله عليه وآله وسلم على تنزه أن يفعل مثل فعله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا هو غاية المنكر كمن تنزه عن التقبيل في رمضان نهاراً وهو صائم، أو تنزه أن يمشي حافياً حاسراً زارياً على من فعل ذلك، وأما من ترك أن يفعل مثل فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا عن رغبة عنه فما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قط، وهذا التارك للائتساء به غير راغب عن ذلك لا محسن ولا مسيء ولا مأجور ولا آثم، والمؤتسي به صلى الله عليه وآله وسلم محسن مأجور والراغب عن الائتساء به بعد قيام الحجة عليه إن كان زارياً على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر، وما نعلم لمن صحح عنه فعلاً ثم رغب عنه وجهاً ينجو به من الشرك، إلا أن يتعلق بفعل له صلى الله عليه وآله وسلم آخر، أو بأمر له آخر أو يكون لم يصح عنده ذلك الأمر الذي رغب عنه، فإن تعلق بأنه خصوص له ، فهو أحد الكاذبين الفساق، ما لم يأت على دعواه بدليل من نص أو إجماع.

  • قال أبو محمد: وأما من ادعى أن أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرض علينا أن نفعل مثلها فقد أغفل جداً، وأتى بما لا برهان له على صحته، وما كان هكذا فهو دعوى كاذبة، لأن الأصل ألا يلزمنا حكم حتى يأتي نص قرآن أو نص سنة بإيجابه، وأيضاً فإنه قول يؤدي إلى ما لا يفعل، ولزمه أن يوجب على كل مسلم أن يسكن حيث سكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يجعل رجليه حيث جعلهما صلى الله عليه وآله وسلم وأن يصلي حيث صلى صلى الله عليه وآله وسلم وأن يصوم فرضاً الأيام التي كان يصومها صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يجلس حيث جلس، وأن يتحرك مثل كل حركة تحركها صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يحرم الأكل متكئاً وعلى خوان والشبع من خبز البر مأدوماً ثلاثاً تباعاً ، وأن يوجب فرضاً أكل الدُّبَّاء ويتتبعها وهذا ما لا يوجبه مسلم ، مع أن هذا يخرج إلى المحال، وإلى إرجاع ما لا سبيل إلى إرجاعه مما قد فات وبطل بالأكل والشرب منه صلى الله عليه وآله وسلم .

فبطل بما ذكرنا أن تكون أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم واجبة علينا، إذ لم يأت على ذلك دليل، بل قد قام الدليل والبرهان على أن ذلك غير واجب بالآية التي ذكرنا، وكل من له أقل علم باللغة العربية فإنه يعلم أن ما قيل فيه: «هذا لك» أنه غير واجب قبوله، بل مباح له تركه إن أحب كالمواريث وكل ما خيرنا فيه، وأن ما جاء بلفظ: «عليك كذا» فهذا هو الملزم لنا، ولا بد فلما قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } كنا مندوبين إلى ذلك، وكنا مباحاً لنا ألا نأتسي غير راغبين عن الائتساء به، لكن عالمين أن الذي تركنا أفضل والذي فعلنا مباح كجلوس الإنسان وتركه أن يصلي تطوعاً، فليس آثماً بذلك ولو صلى تطوعاً لكان أفضل إلا أن يكون ترك التطوع راغباً عنها في الوقت المباح فيه التطوع، فهذا خارج عن الإسلام بلا خلاف، لأنه شارع شريعة لم يأت بها إذن.

  • قال أبو محمد: وإنما نازعنا في وجوب الأفعال بعض أصحاب مالك، على أنهم أترك خلق الله تعالى لأفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر أربعين ، وهم يجلدون ثمانين وودى حضريّاً وهو عبد الله بن سهل ادعى قتله على حضريين وهم يهود خيبر بالإبل، فقالوا هم : لا يجوز ذلك ولا يودى إلا بالذهب أو الفضة. وصلى على قبر ، فقالوا هم: لا نفعل ذلك ، وصلى على غائب، فقالوا هم: لا نرى ذلك ، وقبّل وهو صائم. فقالوا هم: نكره ذلك، وصلى صلى الله عليه وآله وسلم حاملاً أمامة، فقالوا نكره ذلك، وصلى صلى الله عليه وآله وسلم جالساً والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم.

فقالوا: لا يجوز ذلك، ومن صلى كذلك بطلت صلاته، في كثير جداً اقتصرنا منه على ما ذكرنا.

وبعضهم تعلق في هذه الأفعال بأنها خصوص له صلى الله عليه وآله وسلم ومن فعل ذلك فقد تعرض لغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن تعرض لغضبه صلى الله عليه وآله وسلم فقد تعرض لغضب الله عز وجل، فقد غضب صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً حين سأله الأنصاري عن قُبْلة الصائم: فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه يفعل ذلك، فقال القائل: لست مثلنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنت قد غفر لك ذنبك ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ غضباً شديداً وأنكر هذا القول، فمن أضل ممن تعرض لغضب الله عز وجل، وغضب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في تقليد إنسان لا ينفعه ولا يضره، ولا يغني عنه من الله تعالى شيئاً.

  • قال أبو محمد: واحتجوا في تخصيص القُبْلة للصائم بقول عائشة رضي الله عنها: وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
  • قال أبو محمد: وهذا القول منها، رضي الله عنها، أعظم الحجة عليهم، لأنها لم تقل ذلك على ما توهموا، وإنما قالته إنكاراً على من استعظم القُبْلة للصائم. فأخبرهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أورع منهم، وأملك لإربه، ولكنه مع ذلك لم يمتنع من التقبيل وهو صائم، فكيف أنتم.

ويدل على صحة هذا التأويل دليلان بينان:

أحدهما: أنها رضي الله عنها هكذا قالت في مباشرة الحائض أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرها فتتزر ثم يباشرها، وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيلزمهم أن يتركوا إباحة مباشرة الحائض، لقول عائشة، وأيكم أملك لإربه كما قالت في قُبْلة الصائم سواء بسواء.

والثاني: أنهم رووا عنها أنها قالت لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن وهو أشب ما كان: ألا تُقبِّل زوجتك وتلاعبها؟ تعني عائشة بنت طلحة وهي بنت أختها وأجمل جواري أهل زمانها قاطبة، فقال: إني صائم. فقالت لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّل وهو صائم، فهي دأباً تحض الصائم الشاب على التقبيل للجارية الحسناء، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وائتساء به.

وهذا هو قولنا لا قولهم، ففعلوا ما ترى فيما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه عموم، وغضب على من ادعى أنه خصوص ، ثم أتوا إلى ما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه خصوص له دون سائر الناس ، وهو قتله بمكة من قتل الكفار، وخطب صلى الله عليه وآله وسلم الناس فنهاهم عن أن يسفك فيها أحد دماً، ثم لم يقنع صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، حتى قال في خطبته تلك : «وإنْ أحدَ تَرَخَّصَ لقتالِ رسول الله فيها فَقُولوا: إِنَ الله أحَلَّهَا لنبيهِ ولمْ يُحِلَّها لَكُمْ، وإنما أحلّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ كَحُرْمَتِها بِالأمسِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» أو كلاماً هذا معناه، فقالوا: هذا عموم وليس خصوصاً.

  • قال أبو محمد: فلو قيل لهؤلاء القوم اعكسوا الحقائق، ما زادوا على ما فعلوا، وأن هذا لعظائم لا ندري كيف استجاز من له أدنى ورع التقليد في مثل هذا، لمن قد أداه اجتهاده إلى الخطأ في ذلك، ممن قد بلغتهم الآثار، وقامت عليهم الحجة، وسقطت عنهم المعذرة، وإن الظن ليسوء جدّاً بمن هذا معتقده، ونعوذ بالله من كل حب رياسة تقود إلى مثل هذا، وبالله تعالى التوفيق.
  • قال أبو محمد: وإذا مدح الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً على فعل ما كان ذلك الفعل مندوباً إليه، مستحباً يؤجر فاعله ولا يؤجر تاركه ولا يأثم، وليس ذلك الشيء فرضاً لما قد أوردنا في الحجاج في أن الفرض ليس إلا ما جاء به الأمر فقط، وإن لم نؤمر به فمعفواً عنه، وأما ما ذمه الله تعالى فهو مكروه، وليس حراماً إلا بدليل، لما ذكرناه في المدح ولا فرق، وقد ذم الله تعالى الشح، وليس حراماً إذا أدى المرء فرائضه، ولكنه مذموم مكروه، وقد مدح الله تعالى المغتسلين بالماء للاستنجاء، وليس فرضاً، ومدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لم يكتوا ولا استرقى، وليس كل ذلك حراماً، لكن إن قام دليل من أمر أو نهي على الشيء المذموم أو الممدوح صير فيه إلى دليل الأمر والنهي، وبالله تعالى التوفيق.
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثاني

فصل في المرسل | فصل في أقسام السنن | فصل في خلاف الصاحب للرواية وتعلل أهل الباطل بذلك | فصل في حكم العدل | تتمة فصل في حكم العدل | فصل وقد يرد خبر مرسل إلا أن الإجماع صح بما فيه متيقناً | فصل أجاز بعض أصحابنا أن يرد الحديث الصحيح | فصل ليس كل قول الصحابي إسناداً | فصل في قوم لا يتقون الله فيما ينسب إلى النبي | فصل ليس كل من أدرك النبي ورآه صحابياً | فصل في حكم الخبر عن النبي | فصل في زيادة العدل | فصل في إبطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة وإبطال الاحتجاج بعملـهم أيضاً | فصل فيه بيان سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة | فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن | فصل في صفة الرواية | فصل وقد تعلل قوم في أحاديث صحاح بأن قالواهذا حديث أسنده فلان وأرسله فلان

أدوات شخصية