أبو حامد الغزالي - المنخول في علم الأصول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

 




أبو حامد الغزالي




 


بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين قد تقرر ثم ذوي الألباب أن الفقه أشرف العلوم وأعلاها قدرا وأعظمها خطرا إذ به تعرف الأحكام ويتميز الحلال عن الحرام وهو على علو قدره وتفاقم أمره في حكم الفرع المتشعب عن علم الأصول ولا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والإطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول ولتعلم أن علوم الشرع ثلاثة الكلام والأصول والفقه ولكل واحد منها مادة منها استمداده وإليها استناده ومقصود به يتعلق قصد الطالب وارتياده فلابد من التنبيه على مادته ليقتبس الخائض فيه منها مبلغ حاجته فيتوسل إلى بغيته ولا غنى عن التنبيه على مقصوده لئلا يكون الطالب على عماية من مطلبه.     

فأما علم الكلام فمادته الميز بين البراهين والاغاليط والميز بين العلوم والاعتقادات والميز بين مجاري العقول ومواقفها وأما مقصوده فهو الإحاطة بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع مؤثر متصف بما يجب منزه عما يستحيل تخيله صفة لذات قادر على بعثة الرسل وتأييدهم بالمعجزات وأما الأصول فمادته الكلام والفقه واللغة ووجه استمداده من الكلام أن الإحاطة بالأدلة المنصوبة على الأحكام مبناها على تقبل الشرائع وتصديق الرسل ولا مطمع فيه إلا بعد العلم بالمرسل.

 ووجه استمداده من الفقه أنه المدلول وطلب الدليل مع الذهول عن المدلول مما تأباه مسالك العقول.      

ووجه استمداده من اللغة كون الأصولي مدفوعا إلى الكلام في فحوى الخطاب وتأويل أخبار الرسول عليه السلام ونصوص الكتاب، ومقصوده معرفة الأدلة القطعية المنصوبة على الأحكام التكليفية وأخبار الآحاد ومسالك العبر والمقاييس والمستثارة بطرق الاجتهاد ليس من الأصول فإنها مظنونات بجانب أخذها مأخذ القطعيات ولكن افتقر الأصولي إلى ذكرها لتبين الصحيح من الفاسد والمستند من الحائد ولأن الترجيحات من مغمضات علم الأصول ولا سبيل إليها إلا ببيان المراتب والدرجات وأما الفقه فمادته الأصول ومقصوده معرفة الأحكام الشرعية وتقرير الأحكام ثم ظهور العلامات المظنونة معلومة بأدلة قطعية لا ظن فيها. فصل

   ما من علم من هذه العلوم إلا وله مواقع إجماع ومثارات نزاع فمطلع الإجماع في الكلام المدركات بالبداية والضروريات والمعقولات التي يتحد فيها صوب النظر ولا يتعدد كإجماع العقلاء على أن القديم لا يعدم ومثار الخلاف فيه تعارض الأدلة والشبهات.
 وأما علم الأصول فمنشأ الوفاق فيه يضاهي منشأ الوفاق في الكلام ومنبع الخلاف فيه أمران: أحدهما تعارض الأدلة والشبهات والثاني امتزاج القطع فيها بالظنيات وأما الفقه فموضع الإجماع فيه ما يستند إلى نص كتاب الله أو حديث متواتر أو إجماع واجب الإتباع وما عداها فهو من مظان الظنون وعند متعبا فيها يختلف المجتهدون وتضطرب آراؤهم فيتحزبون.


باب القول في الأحكام الشرعية

   ليست أحكام الأفعال صفات ذاتية وإنما معناها ارتباط خطاب الشارع بها نهيا وأمرا وحثا وزجرا فالمحرم هو المقول فيه لا تفعلوه والواجب هو المقول فيه لا تتركوه وهو كالنبوة ليست صفة ذاتية للنبي ولكنها عبارة عن اختصاص شخص بتبليغ خطاب الشارع فقولنا تجوز فإنها جماد لا يتعلق بها الخطاب وإنما المحرم تناولها.

مسألة: لا يستدرك حسن الأفعال وقبحا بمسالك العقول بل يتوقف دركها على الشرع المنقول فالحسن عندنا ما حسنه الشرع بالحث عليه والقبيح ما قبحه بالزجر عنه والذم عليه وقد خالف في ذلك المعتزلة والكرامية والروافض فقالوا الحسن حسن لذاته والقبيح كذلك ثم قسموا ذلك إلى ما يستدرك بمحض العقل والى ما لا يستدرك إلا بانضمام الشرع إليه كحسن الزكوات والصلوات وأنواع العبادات لأن مصالحهما الخفية لا يطلع عليها إلا بتنبيه وما يستدرك بمحض العقل على زعمهم ينقسم إلى المعلوم بضرورة العقل عندهم كحسن الشكر وإنقاذ الغرقى والهلكى وكقبح الإيلام ابتداء أو الكذب الذي لا غرض فيه والى كالكذب الذي يرتبط به غرض ولنا في هذه المسألة مسلكان:

أحدهما: إبطال مذهبهم.   
والثاني: إثبات مذهب أهل الحق.     
ولنا في إبطال مذهبهم طريقتان: إحداهما جدلية والأخرى معنوية:    
أما الطريقة الجدلية: فهي أنا نقول ادعيتم أن حسن بعض الأفعال وقبحها مستدرك ببداية العقول وكثيب ونحن ننازعكم في ذلك ومواضع الضرورات لا يتصور فيها الخلاف بين العقلاء فإن نسبونا إلى عناد عكسنا عليهم دعواهم ثم العناد إنما يتصور في شرذمة يسيرة ونحن الجم الغفير والجمع الكبير لا يتصور منا التواطؤ على كر العصور وتوالي الدهور فرض رجوع من واحد إلى الإنصاف وقولكم أنكم وافقتمونا على اصل العلم وخالفتمونا في مسندة اهو العقل أم الشرع وذلك لا يمنع دعوى الضرورة كمخالفتكم الكعبي في علم التواتر في كونه نظريا قلنا أيلام الله سبحانه البهائم معلوم عندكم قبحه بالضرورة لو لم يقدر تعويض ونحن ننازعكم في نفس هذا العلم مع اعتقاد نفي التعويض وبطلان مذهب التناسخية ثم نحن لا نسلم لكم لحسن الراجع إلى الذات وإنما المعني بالحسن عندنا ما يحسنه الشارع بالحث عليه ولو قدر عدم ورود الشرع لضاهى الكفر الإيمان عندنا فكيف يستقيم ادعاؤكم الموافقة في أصل العلم وأما الطريقة المعنوية فهي أنا نقول ما قولكم في واقف على فوهة طريق اجتاز به نبي وأشياعه واتبعه غاشم يبغي قتله واستخبره عن حاله أيصدق أم يكذب فإن صدق فهو سعي في روح نبي وان كذب فهو مستقبح لذاته عندكم وصفات الذات لا تتبدل ونحن نعلم إن الكذب أحسن من الصدق ههنا.      

المسلك الثاني: في إثبات المذهب نقول القتل الواقع اعتداء يجانس القتل المستوفى قصاصا في الصورة والصفات بدليل إن الغافل عن المستند فيهما لا يميز بينهما والمختلفان في صفة الذات يستحيل اشتباههما وتجانسهما وكذا الوطء في النكاح والزنا فآل مأخذهما إلى الأغراض جلبا ودفعا ونحن لا ننكر تفاوت الأفعال ثم العقلاء لتفاوت الأغراض وإنما الخلاف في الأفعال بالنسبة إلى الله تعالى وهو منزه عن الأغراض لا يتضرر بالكفر ولا ينتفع بالإيمان فلا معنى للتمييز في حقه وكذا فعله تعالى لا يطلب له غرض فيه حتى إذا خالف غرضه قبح ولا تحكم للعباد عليه وهو يفعل ما يشاء فلا يجب عليه تطبيق أفعاله على غرض العباد وهو متصرف في ملكه لا اعتراض عليه أصلا ولهم أربع شبه.

احدها: أنهم قالوا استحسان مكارم الأخلاق من الشكر والإحسان وإنقاذ الغرقى والهلكى واستقباح الكذب و الإيلام أطبق عليه العقلاء مع تفاوت قرائحهم فدل على انه مدرك بالضرورة قلنا نعم ذلك مسلم فيما بين الناس ومنشؤ أغراضهم والكفر كالإيمان بالنسبة إلى الله عز وجل وليس كالكفر والشكر بالنسبة إلينا فإنا نفرح ونرتاح بالشكر ونغتم بالكفران وسر العبودية التلفت إلى الحظوظ حتى لو ورد الأمر المجرد من الشارع عقاب لما قضى العقل بامتثاله إذ لا غرض لنا ولا للرب سبحانه فيه فإذا أورد العقاب قضى العقل باجتنابه وسر الربوبية التنزيه عن الحظوظ ومن لم ينزه فقد ذهل عن حقيقة الإلهية 

الثانية: إن قالوا ما بال الملك العظيم الولي على الأقاليم يحسن إلى والحاصل وان اشرف على الموت توقع غرض فيه ليس ذلك إلا لتحسين العقل قلنا المستحث عليه أما استمرار العادة وهي طبيعة خاصة يعسر خلافها أو رقة الجنسية والرب تعالى منزه عن الرقة والشفقة. الثالثة: أنهم قالوا إن البراهمة ونفاة الشرائع أدركوا الحسن والقبح ولا مستند لهم إلا محض العقل قلنا ذلك اعتقاد فاسد كاعتقادكم وليس ذلك بعلم كإحالتهم بعثة الرسل.

الرابعة: قولهم إن العاقل يؤثر الصدق على الكذب ثم استوائهما في الإفضاء إلى الغرض وسببه تحسين العقل قلنا لا بل سببه الشرع أو حذر اللوم من الناس أو رحمة مذهبهم الفاسد فإن فرضوا عدم هذه المعاني فيستوي عنده الصدق والكذب ثم غايتهم اعتبار الغائب بالشاهد ويقبح من السيد شاهدا إن يترك عبيده وإماءه يموج بعضهم في بعض يزنون ويقتحمون الفواحش وهو قادر على منعهم وقد فعله الرب سبحانه والخلائق في قبضته وقهره فإن قيل تركهم لينزجروا بأنفسهم مؤثرين فيستحقون الثواب قلنا وقد علم أنهم لا يفعلون فليمنعهم إجبارا وكم من مجبر ممنوع بزمانة أو عجز عن ارتكاب الفواحش.      

مسألة: لا يستدرك وجوب شكر المنعم بالعقل خلافا للمعتزلة لان العقل لا يوجب الشيء هزلا هملا فلا بد من تخيل غرض وذلك يستحيل رجوعه إلى المشكور فإنه تعالى منزه عن الأغراض والشاكر أيضا لا يلتذ به في الحال بل يتعب نفسه فإن قيل يعرض له انه إن شكر ربه بعد أن عرفهاثيب فيثاب وان كفر فربما يعاقب فعقله يستحثه على سلوك طريق الأمن كالمسافر إذا تصدى له طريقان على هذا الوجه قلنا توقع العقاب مختصا بجانب الكفر خيال فاسد مستنده تخيل غرض في الشكر والمعرفة وهما متساويان ثم الرب فلا تمييز ثم نقول وقد يخطر للعبد انه إن نظر وشكر ربما يعاقب فإنه عبد لعاقبتك أمده الله تعالى بأسباب التنعم فلعله خلقه للترفه فإتعابه نفسه تصرف منه في مملكته إذنه ولهم شبهتان.

إحداهما: ادعاؤهم إطباق العقلاء على استحسان الشكر واستقباح الكفران وذلك مسلم فيما يرجع إلى الناس لأنهم يهتزون بالشكر ويغتمون بالكفر والرب تعالى يستوي في حقه الأمران ويعضد هذا الكلام شيئان أحدهما إن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية حجرته يسفه في عقله وعبادات العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة والثاني إن من تصدق عليه السلطان بكسرة من رغيف مخمصة فلو أخذ يدور في البلاد وينادي على رؤوس الأشهاد يشكره كان ذلك خزيا وافتضاحا وجملة إنعام الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك بالنسبة إلى السلطان.     
الثانية: قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع المنقول دون مسالك العقول يؤدي إلى إفحام الرسول فإنه إذا اظهر المعجزة ودعا الناس إلى النظر قالوا لا يجب علينا النظر في معجزاتك إلا بشرع مستقر فثبت شرعك حتى ننظر في معجزتك والجواب من وجهين: 

أحدهما: إن هذا يلزمكم أيضا لأن العقل بجوهريته لا يدل على الوجوب إذ لو دل ذلك لما انفك كل عاقل عن العلم بكل معقول وقد يرى العاقل المعجزة ويذهل عنها فلا يتدبر حتى يتبين وجوب النظر وقولهم إن الإنسان لا يخلو عن خاطرين اجتراء على الحس وبالحري إن يتذكر ذلك ثم ظهور المعجزة لا قبل ولا يختص وجوبه عندكم بورود الشرع ثم قد يستهين بالرسول فلا يقيم له وزنا ويستمر على غفلته كما نرى فيمن يحضرون مجالس الوعظ فينغمسون في الغفلات والواعظ يعظهم على رؤوس المنابر مع الزعقات. والجواب الثاني: وهو التحقيق إن الوجوب يثبت بثبوت الشرع فإذا ظهرت المعجزة فقد استقر الشرع فلا يتوقف ذلك على قبول قابل والتكليف لا يستدعي إلا الإمكان وقد أمكن فإن وفق له فاز وإلا هلك وعن هذا قيل لا يتقرب إلى الله تعالى بأول نظر فإنه لا يعلمه إذ لو علمه لعلمه بنظر آخر وخرج الأول عن أن يكون أو لا؟. مسألة: لا حكم قبل ورود الشرع ونقل عن بعضهم إن الأفعال محظورة قبل ورود الشرع وعن بعضهم إنها مباحة ولا يظن بالحاظرين تخيل الحظر في مستحسنات العقول وفيما لا بد للنفس منه من أكل وشرب ولا بالمبيحين إباحة ما استقبح بالعقل كالإيلام والكذب فلعلهم قالوا ذلك فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح فنقول الحكم بالحظر تحكم لا يدرك بنظر العقل ولا بضرورته إذ لا يرتبط بالانزجار غرض ولا يمكن تقديره في الأقدام وأما الإباحة فإن عنوا بها تساوي الإحجام والإقدام مع نفي الأحكام فهو المتمنى وان زعموا أن الإباحة حكم فحكم الله خطابه فمن المبلغ ولا رسول. القول في الأحكام التكليفية

التكليف مأخوذ من الكلفة على وجه التفعيل ومعناه الحمل على ما في فعله مشقة ويندرج تحته الإيجاب والحظر ولا وفق ما يتشوف إليه الطبع أو ينبو عنه إما الندب فهو ثم القاضي من التكليف لان تخصيص الفعل بوعد الثواب يحث العاقل على الفعل وهذا من الكلفة والاختيار انه ليس من التكليف لأنه ورد مع رفع الجناح والإباحة ليست من التكليف إلا ثم الأستاذ أبى اسحق قال ووجه الكلفة وجوب اعتقاد كونه مباحا شرعا وهذا ضعيف فإن ذلك مأخوذ من تصديق الرسل ونفس الفعل لا كلفة فيه وتفصيل القول في التكاليف يحصره أربع مسائل:
مسألة: ذهب شيخنا أبو الحسن رحمه الله إلى جواز تكليف ما لا يطاق مستدلا بقوله تعالى ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولا وجه للابتهال لو لم يتصور ذلك بالبال واستدل بأن أبا جهل كلف تصديق رسول الله  بعد أن أتى على لسان الرسول انه لا يصدق في اصل تكليفه فحاصله تكليفه أن يصدقه في انه لا يصدقه وهذا المذهب لائق بمذهب شيخنا أبى الحسن لازم له من وجهين:     
إحداهما: إن القدرة الحادثة عنده لا تأثير لها في المقدور وهو وعشرون باختراع الله تعالى وقد كلفنا فعل الغير.      

والآخر: أن القاعد قادر على القيام وهو مأمور بالقيام وقدرة القيام تقارن القيام ولا ينجي من هذا قول بعض أصحابنا إن القعود مقدور فهو مأمور بتركه فان الأمر متوجه بالقيام مقدور والقاعد إذا أمر بالطيران فقد أمر بما لا يطيق قطعا وان قدر على ترك القعود والمختار عندنا استحالة تكليف ما لا يطاق نعم ترد صيغة الأمر للتعجيز كقوله تعالى كونوا قردة خاسئين والإنباء عن القدرة كقوله تعالى كن فيكون ولم ترد للخطاب والطلب وهذا كقوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط معناه الإبعاد لا ما يفهم من صيغة التعليق فإنه يستحيل أن يطلب من المكلف ما لا يطيق والدليل على استحالته إن الأمر طلب يتعلق بمطلوب كالعلم يتعلق بمعلوم والجمع بين القيام معقول فلا يكون مطلوبا ويستحيل طلبه إذ لا يعقل في نفسه واختيارنا أن للقدرة الحادثة تعلقا بالمقدرو والاستطاعة وإن قارنت الفعل فلم يكلف في الشرع إلا ما يتمكن منه قطعا وذلك بين في مصادر الشرع وموارده ووعده ووعيده إذ لا معنى لتخصيص فعل فاعل عن آخر بعقاب أو ثواب مع تساوي الكل في العجز عنه وهذا شيء مستحيل وحكم الإستطاعة يذكر في الكلام وأما أبو جهل فقد كلف أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وكان قادرا عليه ثم الرب سبحانه أنه سيمتنع عنادا مع القدرة فأخبر الرسول به كما علمه فإن قيل الكفار الذين لم يؤمنوا كلفوا الإيمان وقد علم أنهم لا يؤمنون وخلاف المعلوم لا يتصور وقوعه فكان تكليف ما لا يطاق قلنا ينعكس على الملزم هذا في خلاف المعلوم في حق الله تعالى فانه مقدور بالاتفاق وإن لم يقع والتحقيق إن ما كان مقدورا في ذاته جائز الوقوع لا تتغير حقيقته بالعلم فقد اقدر الله سبحانه الكفار على الإيمان ثم علم أنهم يمتنعون مع القدرة فكان كما علم فلم ينقلب المقدور معجوزا عنه بسبب علمه. مسالة :لا يكلف السكران لأن شرط الخطاب فهمه وهو مضمن به والسكران لا يفهم فإن قيل له افهم كان تكليف ما لا يطاق وذهب الفقهاء إلى أنه مخاطب تمسكا بقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وظاهر الآي لا يصادم المعقولات ثم هو خطاب مع المنتشي الذي لم يزل عقله بدليل أنه نزل في شارب خمر أم قوما فقرأ الفاتحة فتخبطت عليه سورة قل يا أيها الكافرون وكان معه من العقل ما يفهم به وقوله سبحانه وتعالى حتى تعلموا ما تقولون معناه لتكونوا على تثبت تام وربما يتمسكون بوجوب القضاء في الصلوات ونفوذ الطلاق و جملة الأحكام قلنا جريان الأحكام عليه تغليظ لان السكر متشوف النفوس وقد تعدى بالتسبب إليه فلا يتوجه إليه الخطاب في حالة السكر أصلا والأحكام جارية والصلاة تقضي بأمر جديد ولو أمر به المجنون بعد الإفاقة أو الحائض بعد الطهر بفعل الصوم لم يبعد وسببه تعديه بالتسبب إليه مع كونه مجنونا حتى لو ردى نفسه من شاهق فانخلعت قدماه لا يجب القضاء لأن النفس لا تتشوف إليه والخلاف آيل إلى عبارة إن سلموا لنا استحالة تكليف ما لا يطاق لأنا نسلم الأحكام وجريانها وذلك لا يدل على التكليف والسكران لا يفهم ولا يقال له افهم وهو شرط كل خطاب وكذا الناسي الذاهل حكمه حكم السكران في التكليف.

 مسألة: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ثم الشافعي خلافا لأبي حنيفة والدليل على جواز تكليفهم الفروع أن العقل لا يحيله إذ التوصل إليه بتقديم الإيمان ممكن كما خوطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الطهارة وكما سلموا لنا في المعطل أنه مخاطب بتصديق الرسول عليه السلام بشطر تقديم المعرفة بالرسل وهذا دليل الجواز فأما وقوعه فهو مقطوع به عندنا وتردد القاضي في انه مقطوع أو مظنون ونحن نعلم قطعا إن الرسول عليه السلام كان مبعوثا إلى طبقات الخلائق وقد كلفوا قبول شريعته نفسا بعد نفس تأصيلا وتفصيلا وان كان الوصول إليه يترتب على الإيمان كالصلاة في حق المحدث والمعطل وسر المسألة إن الكافر لا يخاطب بنفس الصلاة مع الكفر ولكنه مأمور بها على وجه التوصل وكذا نقول في حق المحدث وحكي عن أبى هاشم إن المحدث لا يخاطب بالصلاة ونسب إلى خرق الإجماع فإن عني به ما ذكرناه فهو حق وإن عني به انه لا يعاقب على ترك الصلاة فهو باطل.     
مسالة: المضطر إلى الشيء المكره عليه يجوز إن يكون مخاطبا به خلافا للمعتزلة لان ايثارة باق وهو متمكن من الأقدام وشرط التكليف التمكن من الامتثال وآية بقاء خيرته تخيره بين الإقدام والإحجام وهم يقولون جلبته تحثه على فعله لخليص الروح فهو سبب إقدامه لا قصد الامتثال فلا يستحق الثواب عليه ويقبح إن يؤمر بما لا يستحق الثواب عليه وعلى هذا قالوا يقبح من الرب جل وعز إن يبدي آية تخضع لها الأعناق ويؤمن لأجلها جملة العباد لان ذلك لا اختيار فيه فلا يتعلق به أمر وهذه الأصول عندنا باطلة وحد ما يجوز به التكليف عندنا ما لا يستحيل في العقل وقوعه مع تمكن الكلف منه والزمهم القاضي  إثم المكره على القتل ونسبهم في هذه المسألة إلى خرق الإجماع لازم فإنهم يقولون لا يبعد كونه مأمورا بالانزجار ومراغمة قضية الجبلة بل أولى باستحقاق الثواب كالوضوء في السبرات وتحمل المشقات في العبادات والله أعلم.











باب الكلام في حقائق العلوم والكلام فيه يحصره بابان ويشتمل كل باب على خمسة فصول الفصل الأول من الباب الأول

   في إثبات اصل العلم على منكريه من السوفسطائية وقد نفوا العلم والحقائق في الذوات وأثبت مثبتون للذوات حقائق وقالوا لا تعلم بالقوى البشرية وقال بعض أصحابنا هؤلاء لا يناظرون فإنهم انكروا المحسوسات فإن كلمناهم فأقرب مسلك أن نقول أتعلمون تمييزكم في اعتقادكم عن مخالفيكم فإن علموه بطل اعتقادهم وإن جهلوه لم يسمع قولهم.

الفصل الثاني في حقيقة العلم وحده

    ولأصحابنا فيه ست عبارات:
أولها: قول شيخنا أبى الحسن العلم ما يوجب بمن قام به كونه عالما وهذا فاسد فإنه لا يفيد بيانا ولا يجدي وضوحا إذ العالم مشتق من العلم فمن جهل العلم جهله فهو حوالة على المجهول كقول من فقد خاتما في بيت لمن يسأله عن البيت فيقول البيت الذي تركت فيه خاتمي. 

وثانيها: قول أبى القاسم الإسكافي العلم ما يعلم به ووجه تزييفه كالأول إذ الحد يرد للبيان ولا بيان. وثالثها: قول ابن فورك العلم صفة يتأتى للموصوف بها إتقان الفعل وأحكامه وهو باطل بالعلم بالله وبجملة المستحيلات فانه علم ولا يتأتى به الإتقان ثم الإتقان بالقدرة لا بالعلم ولا معنى بأكلة فإنه عبارة عن الانتظام وليس الانتظام صفة لذات المنتظم ولكن إن وقع حسب المراد فهو المنتظم بالنسبة إليه وقد يقبح بالنسبة إلى غيره. ورابعها: قول بعضهم تبيين المعلوم على ما هو به أو درك المعلوم ولفظ التبيين مشعر باستفتاح علم بعد سبق استبهام ويخرج عنه علم الباري سبحانه وكذا لفظ الدرك وهو أيضا متردد بين درك الحاسة والعقل واللفظ المتردد لا يحد به.

وخامسها: قولهم الإحاطة بالمعلوم والرب تعالى معلوم ولا يحاط به إذ الإحاطة تشعر بالانطواء والاحتواء      

وسادسها: قول القاضي  معرفة المعلوم على ما هو به قال القاضي تحديد العلم لا يتأتى إلا بذكر عبارة تزيد في الوضوح عليه تنبئ عنه فغاية الإمكان ترديد العبارة على السائل حتى يفهم قال لو سألني سائل عن العلم فأقول هو المعرفة ولو سأل عن المعرفة فأقول هو العلم سديد لأنهما عبارتنا عن معبر واحد ولو سئل عن المعرفة والعلم فماذا يقول ثم المعرفة خلاف العلم في اللغة فإنها لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد والعلم يتعدى إلى مفعولين وأما المعتزلة فقالوا اعتقاد الشيء على ما هو به فأبطل عليهم بالعلم بنفي الشريك وليس ذلك شيئا فإن الشيء عندهم هو المعدوم الذي يجوز وجوده ويبطل بالمخمن وقد زادوا عليه مع طمأنينة النفس إليه ونحن نعلم سكون نفس المقلد إلى اعتقاده فإنه يقطع اربآ ولا يكيع عنه فإن زادوا مع كونه مستندا إلى ضرورة أو نظر قيل لهم لو خلق الرب سبحانه جنس اعتقاد المقلد على سبيل الاختراع لم ينقلب علما وهو مستند إلى الضرورة والمختار أن العلم لا حد له إذ العلم صريح في وصفه مفصح عن معناه ولا عبارة أبين منه وعجزنا عن التحديد لا يدل على جهلنا بنفس العلم كما إذا سئلنا عن حد رائحة المسك عجزنا عنه لكون العبارة عنها صريحة ولا يدل ذلك على جهلنا ولكن سنبين العلم بالتقاسيم فنقول لا خفاء بتمييزه عن الظن والشك والجهل وإنما مظنة الاشتباه الاعتقاد المشتبه مع العلم ووجه الفرق إن المقلد لو طلب متنفسا عز في مسلك النظر لوجده والعالم لا يتمكن منه إذ لا وضوح بعد الوضوح والمعتقد المقلد إن أصغى إلى الشبه تزلزل اعتقاده دون العالم ولو عرض على المعتقد ما يعلم ضرورة لأدرك الفرق بينه وبين ما يعتبره تقليدا مع إن العلوم بعد حصولها ضرورية بأسرها لا تختلف والمعتقد إذا نظر فعلم ذاق من نفسه أمرا على خلاف ما وجده قبله والاعتقاد افتعال من العقد وهو مشعر بتكليف ربط العقد به والعلم انشراح صدر ربط تكليف والقول الوجيز أن المعتقد سابق إلى أحد معتقدي الشاك وواقف عليه إذا الشاك يقول أزيد في الدار أم لا فيقف المعتقد على أنه في الدار ولا يقدر خلافه ولو قدره لتمكن من ذلك ولذلك نقول في اعتقاد المعتقد أن زيدا في الدار وهو في الدار كاعتقاد من يعتقد أنه في الدار وليس فيها والعلم لا يجانسه الجهل فقد بان الفرق. الفصل الثالث في تقاسيم العلوم

     العلم ينقسم إلى قديم وإلى حادث فالقديم علم الباري سبحانه الذي لا أول له وهو محيط بجملة المعلومات فلا يتعدد بتعددها ولا يوصف بكونه كسبيا ولا ضروريا وأما الحادث فينقسم إلى الهجمي والنظري فالهجمي ما يضطر إلى علمه بأول العقل كالعلم بوجود الذات والآلام والملذات والنظري ما يفضي إليه النظر الصحيح مع انتفاء الآفات على وجه التضمن لا على وجه التولد خلافا للمعتزلة والنظر مكتسب بالاتفاق والعلم المترتب عليه ضروري بعد حصوله عندنا خلافا لجماهير الأصحاب ودليله أنه لو كان مقدورا لقدر على دفعه بعد إتمام النظر وانتفاء الآفات ممكن كدفع الرعدة التي لا اختيار له فيها وهو بها أشبه منه بالحركة المرادة المجتلبة بالإيثار.

الفصل الرابع في ماهية العقل

     ذكرناه في هذا الباب لأنه من جملة العلوم وليس كلها إذ الخالي عن جمل العلوم عاقل وليس من النظري إذ شرط كل نظر تقدم العقل عليه وليس كل العلوم الضرورية والأخرس والأعمى عاقل وقد اختل بعض حواسه وليس آحاد العلوم أي علم شئت إذ للبهيمة علم في الميز بين التبن والشعير وليست عاقلة فالوجه أن يقال هو علم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات احترازا عن البهائم ثم هكذا قاله القاضي وهو مزيف فإن الذاهل عن الجواز والاستحالة عاقل والوجه أن يقال هو صفة يتهيأ للمتصف بها درك العلوم والنظر في المعقولات وقال الحارث المحاسبي رضي الله عنه هو غريزة يتوصل بها إلى درك العلوم وقال الفلاسفة هو تهيؤ الدماغ لفيض النفس عليه.

الفصل الخامس في مراتب العلوم

وهي عشرة:    
أولها: العلم بوجود الذات والآلام واللذات.    
الثاني: العلم باستحالة اجتماع المتضادات وهو ثاني العلم بأصل الذوات.    
الثالث: العلم بالمحسوسات ووجه استئخاره ما يتطرق إليه من التخيلات والآفات.     
الرابع: العلم الحاصل من أخبار التواتر إذ لا بد فيه من مزيد نظر لإستبانة الصدق وعدم التواطئ على الكذب. 

الخامس: فهم فحوي الخطاب ودرك قرائن الأحوال من الخجل والغضب والوجل وهو أخفى من التواتر. السادس: العلم بالحرف والصناعات وسبب تأخره توقفه لخفائه على تعلمه ومعاناته. السابع: العلم بالنظريات ووجه استئخاره ما فيه من الخفاء ولذلك كان مظنة ارتباك العقلاء.

الثامن: العلم بانبعاث الرسل وهو أغمض وأدق فإنه يزاحم السمعيات.     

التاسع: العلم بالمعجزات ووجه خفائه بعده عن محض العقل واستناده إلى العلم باطراد العادات. العاشر: العلم بالسمعيات وهو يضاهي التقليد فلذلك جعلناه أخيرا.

ولتعلم أن العلوم لا تفاوت فيها بعد حصولها وإن دق مدركها ولكن لكل علم مستند من البديهة والضرورة فما قرب من الضرورة كان أجلى وما بعد عنها كان أغمض وإليه الإشارة بهذه المراتب لا إلى التفاوت في نفس العلم ومما ذكر في هذا إن الحواس على مرتبة واحدة وقيل والبصر أقوى ثم قيل أقوى من البصر وقيل عكسه وخلافه أيضا وقال القلانسي العقليات أقوى من الحسيات لأنها بعرض لحوق العاهات.

الباب الثاني في مآخذ العلوم ومصادرها وهي خمسة فصول الفصل الأول

في نقل إذنه فيه قال قائلون من الحشوية مأخذ العلوم الكتاب والسنة دون نظر العقل وهذا لا خفاء ببطلانه وقال آخرون مدركه الحواس وزاد زائدون من السمنية أخبار التواتر ولا يظن بهؤلاء أنهم أنكروا المعقولات ولكنهم سموه معقولا وسمو المحسوسات معلوما فإنه يتشكل في خزانة التخيل وهذا تضايق في عبارة وقال علماء الهند مأخذ العلوم التفكر والتأمل وقال القلانسي مأخذه العقل ولا يظن به إنكار الحواس ولكنه يقول العقل مسيطر عليه فيدركه الحس ثم انبعاث الأشعة ويعلم بالعقل عنده وقيل الصبي يرى نفسه في المرآة ويدرك المدركات ولا يعلمها لعدم العقل وقال آخرون مأخذ العلوم الإلهام ولعلهم عنوا به أن العلوم كلها ضرورية مخترعة لله تعالى ابتداء كما ذكرناه والمختار عندنا أن مأخذ العلوم الميز والميز قد لا يكون عقلا كميز البهائم فنعني به ميز العقلاء ثم إنه قد يفضي به إلى بعض العلوم بغير واسطة كالعلم بالذات وصفاتها وقد يفضي بوسائط والوسائط ثلاثة: الحواس وهي الوسيلة إلى المحسوسات، ونظر العقل وهي الوسيلة إلى العقليات، واطراد العادات وبه يعرف معاني الخطاب وقرائن الأحوال ثم قد لا يفضي الميز إلى العلم إلا بواسطتين كالمعجزة تتوقف على واسطة العقل والعرف فيستبان بالعقل كونه فعل مخترع صانع متصرف ويستبان بالعرف أنه دال على الصدق إذ لا يناسب انقلاب العصى ثعبانا صدق موسى في كونه رسولا وأما السمعيات فإنها معلومات ولكنها لا تظهر في العقل ظهور العقليات ومستنده قول حق وخبر صدق وقول النبي عليه السلام صدق وكلام الله سبحانه كذلك وقول أهل الإجماع بتصديق الرسول إياهم.


الفصل الثاني في مراسم المتكلمين

     حووا به جميع مآخذ العلوم قالوا العلوم تنقسم إلى الضرورية والنظرية فأما الضرورية فتنقسم إلى سابقة ونتيجة ومثاله من الهندسة قولهم خطان متماثلان زيد عليهما مثلهما فهذه مقدمة وقولهم بعد ذلك الجملتان متماثلتان نتيجة ومثاله من الكلام والبياض ضدان فهذه مقدمة وقولك بعده والجمع مقدور نتيجة ثم قد تقع المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية كالتفرقة البديهية بين حال السكون والحركة مقدمة نتيجتها العلم بجواز وقوعها نظرا وقد يكون على العكس كقول مثبتي حدوث العالم بعد إثبات الأعراض وحدوثها واستحالة خلو الجواهر عنها بطريق النظر إن ما لا يسبق الحوادث حادث وهذه نتيجة ضرورية من مقدمة نظرية فأما النظريات فينحصر مسلك مأخذها في أربع جهات رد غائب لشاهد ورد مختلف إلى متفق وسبر وتقسيم وتمسك بمسلك جدلي والمعنى بالغائب ما غاب عن علمك فترده إلى ما علمته والتحكم بالجمع باطل إذ لو جاز لجاز للزنوج الحكم على جميع الخلائق بالسواد وللمعطلة الحكم بأن لا نطفة إلا من آدمي ولا آدمي إلا من نطفة بدليل الفرض ولجاز لمن رأى نجارا صغيرا أن يقضي على جميع النجارين به ثم قالوا وجه الجمع الصحيح أربع جمع لعلة كقولهم العلم علة كون الذات عالمة فليكن كذلك في الغائب وجمع بالحقيقة كقولهم حقيقة كونه عالما قيام العلم به والجمع بالشرط كقولهم الحياة شرط العلم شاهدا فكذا غائبا والجمع بالدليل العقلي كقولهم رسم الخط المنظوم وإتقانه دليل على علم المتقن شاهدا فكذا غائبا وأما رد المختلف إلى المتفق كقولنا لمنكري استحالة خلو الجواهر عن الألوان إذا سلموا ذلك في الأكوان سبب استحالة خلوه عن الأكوان قبوله لها فكذا في الألوان وعكس ذلك مع من يعكس النزاع فيه وأما المسلك الجدلي كقولنا لهم إذا سلموا استحالة الخلو عنها في ثاني حال وجودها فليكن في أول حال وجود الجوهر كذلك إذ حقيقة الكون ما يخصص الجوهر بحيز وهذه التقاسيم عندنا باطلة والمختار إن أساليب العقول لا ضبط لها فإن العلوم لا نهاية لها ولا ننكر ترتيب بعض العلوم على بعض وانقسامها إلى مقدمة ونتيجة ولكنها بعد الحصول ضرورية وإن غمض مدركها ولا دليل عندنا في العقل إذ لا رابط ولا جمع ونهاية النظر تجريد العقل عن الغفلات لما يعرض عليه ومن فعل ذلك أدرك المعقول وهو كتحديق البصر إلى صوب المرئي فإنه يفضي إلى العلم تقدير دليل ونبين ذلك بمثال كلامي وآخر هندسي فأما الهندسي كقولهم في صدر كتبهم الكل أكثر من الجزء وهو ضروري والأشياء المتساوية كشيء واحد ثم يقال سائر الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى الخط المحيط بها من كل الجوانب متساوية وهذا أيضا معلوم ضرورة ثم يرتبون عليه العلم بأن المثلث المتساوي الأضلاع هو الذي تركبت آحاد أضلاعه من مراكز الخطوط الدائرة المتماثلة وهذا خفي يفتقر إلى تدبر ولكنه بعد العلم به ضروري كالأول وهكذا إلى الشكل الأخير إلا انه عسر الاحتواء عليها لتعلقها بمقدمات لا يحويها الذهن ويذهل عنها في غالب الأمر والمثال الكلامي كقول مثبتي الأعراض التفرقة الحاصلة بين الحركة و السكون مهجوم عليها تأمل ثم العلم بجوازه يفتقر إلى تأمل في إبطال جهة الوجوب استنادا إلى إن تخصيصه ببعض الأوقات وبعض السمات مع تساويها في العقل دليل على بطلان الوجوب ويتعين ثم بطلانه جهة الجواز إذ التقسيم حاصر ولا قسم سواه ثم يبتدي له بعد ذلك انه هل وقع جائزا بنفسه أو بمقتضى فليس إلا تنبه العقل واستبانته انه وقع بمقتضى إذ لو وقع بنفسه لما اختص ببعض الأوقات وبعض السمات ويدرك العقل ذلك بعد التنبه إدراكه التفرقة الضرورية ابتداء هكذا إلى نهاية النظر في حدوث العالم فقد بان أن لا دليل في العقل فها نحن نبطل تفاصيل تقاسيمهم فنقول أما الجمع بالعلة فكون العلم علة العالمية باطل إذ لا علية ولا معلول في العقليات عندنا فالعلم عين العالمية ولا فرق وإن سلم فنقول إن دل العقل بعد التجريد عن الغفلات للتدبر فيه أن العالمية في حق الرب مفتقرة إلى علم لا محالة فهو الدليل ولا حاجة إلى رد الغائب إلى الشاهد وإن لم يدل فلا مقنع في الجمع ثم علم الباري يخالف علمنا بالاتفاق فكيف يقولون إذا دلت العالمية على العلم شاهدا ينبغي أن تدل في الغائب على علم يخالفه وكذا نقول في رد المختلف إلى المتفق ولا استرواح في المعقولات إلى إجماع ولا إلى مسلك جدلي وإلزام فإن دل العقل على شيء منها في محل النزاع فهو كاف وإلا فلا فائدة في الاتفاق وتسليم الخصم نعم ذلك يورد للتضييق وتبكيت الخصم إن جحد البديهة ليختزي وأما التقسيم فقد مثلوه بقولهم في مسألة الرؤية الجوهر مرئي فلا يرى لجوهريته بدليل العرض ولا لصفاته بدليل جواز تعلق الرؤية به ثم تقدير عدم كل صفة تتخيل مصححة له فدل أن المصحح هو الوجود بالاستخفاف المعتزلة أن الرب لا يرى الآن وليس ذلك لقرب مفرط ولا لبعد مفرط إذ ذاك محال عليه فدل مرئي في نفسه وهذه التقاسيم عندنا باطلة إذ لا يستحيل أن يكون مصحح الرؤية أو مانعها أمرا آخر جهله السائل والمسئول إذ ليس التقسيم دائرا بين نفي وإثبات وإذا تطرق خيال بعيد إلى مظان القطع فسد والله أعلم.

الفصل الثالث في مواقف العقول واثنتي ولا مطمع في استيعاب مجاري العقول بالذكر إذ المعقولات لا ضبط لها فلا ضبط لمراتبها ولو ذكرناها برحبها إلى ذكر الهندسة والفلسفة والنجوم والشعوذة وعلوم الصناعات الشيماء فالوجه الرمز إلى ما يتعلق بالديانات ونهاية المغزى فيه الإحاطة بحدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بصفات تجب للذات متنزه عما يوجب إثبات مشاركته للمحدثات قادر على ما لا يكون وقوعه من المستحيلات ومن جملته انبعاث الرسل وتأييدهم بالمعجزات ومستند المعجزات أسلوب العقل أو العرف وأما درك حقيقة الإله فمن مواقف العقول وكذا كل ما يتوقع في القيامة ما لم يرد به النص ولا مجال للعقل فيه وكيف لا والعلم إما مهجوم عليه أو مستند إلى مهجوم وحقيقة الإله لا يهجم على دركها ولم يسبق لنا علم هجمي بما يفضي إليها نعم ندرك حقيقة ما نحسه ونعانيه وكذا حقيقة الآلام واللذات. الفصل الرابع

أدلة العقل تتعلق بمدلولاتها لأعيانها والحدوث يدل على المحدث بعينه والسمعيات لا تدل لأعيانها فإنها عبارات تفهم بالإصلاح لا يتعدى الاصطلاح بها على نقيضها وأما المعجزة تدل على الصدق وتستمد من أسلوب العقل ليتبين به أنه فعل فاعل ومن أسلوب العرف إذ لا مناسبة بين شق القمر وصدق الرسول بين يدي الأمير إذا ادعى أنه رسوله متلصصين عليه في روم تصديقه أن يخرق عادته ففعل علم على الضرورة صدقه ولهذا لم يعترف أحد بالمعجزة إلا واعترف بالنبوات.

الفصل الخامس

     فيما يستدرك بمحض العقل أو ما يشتركان فيه والقول الضابط في ذلك أن كل ما يمكن إثباته دون إثبات كلام الباري كمعرفة الله تعالى وصفاته ودرك استحالة المستحيلات وجواز الجائزات ووجوب الواجبات العقلية دون التكليفية بأسرها فيستحيل دركه وأما الذي لا يدرك إلا بالسمع فكل ما لا يمكن إثباته إلا بعد إثبات الكلام فلا يدر بمحض العقل مستنده الكلام فلا يثبت أولا دون إثبات الكلام وتردد بين جهة الجواز على التجرد ومنها ما يجوز أن يؤخذ منهما كخلق الأعمال وجواز الرؤية وكذا كل ما يجول العقل فيه فلا نتوقف في ترتيبه على تقديمه على الكلام ثم السمعيات مراتب فما قرب من المعجزة كان أوضح فإنها من وهي كالبديهة في المعقولات ثم دونها القرآن ثم الأخبار المتواترة وقربه من المعجزات كقرب النظريات من البداية.

كتاب البيان وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول

في حد البيان وفيه ثلاث عبارات:
إحداها: قول أبي بكر الصيرفي إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي وهو فاسد فإن الحيز والتجلي من العبارات المنقوضة وقد كثر متعبا فيه والبيان في نفسه أبين منه ولا يحد الشيء إلا بعبارة بينة تزيد في الوضوح عليه.      

الثانية: قول بعض أصحابنا البيان هو العلم وهذا فاسد إذ لو جاز ذلك لقيل أيضا العلم هو البيان ويحد به ويخرج عنه علم الباري سبحانه إذ البيان مشعر بتبيين مفتتح ثم يقال انظر إلى بيانه يعني إلى عبارته وتقريبه المعاني إلى الأفهام.

الثالثة: ما قاله القاضي إن البيان هو الدليل يقال بين الله الآيات لعباده أي نصب لهم أدلة دالة على أوامره ونواهيه ثم الدليل قد يحصل بالقول والفعل والإشارة وهذا هو المختار والله أعلم.

الفصل الثاني في مراتب البيان وهي باتفاق الأصوليين خمسة ولكنهم اختلفوا في ترتيبها على ثلاث مقالات قال الشافعي رضي الله عنه:

المرتبة الأولى: النص الذي لا يختص بدرك فحواه الخواص المتأكد تأكيدا يدفع الخيال كقوله وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة.      

الثانية النص: الذي يختص بدركه بعض الناس كقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة الآية إذ لا بد من فهم معنى الواو ومعنى إلى. الثالثة: ما أشار الكتاب إلى جملته وتفصيله محال على الرسول  كقوله سبحانه:  أقيموا الصلاة  وقوله:  وآتوا حقه يوم حصاده . والمرتبة الرابعة: ما يتلقى أصله وتفصيله من الرسول عليه السلام.

الخامسة: ما لا مستند له سوى القياس واعترض عليه بالإجماع فإنه لم يذكره وهو أقوى من القياس.    
المقالة الثانية: إن المرتبة الأولى نصوص الكتاب والسنة والثانية ظواهرهما والثالثة المضمرات كقوله فعدة من أيام أخر الرابعة الألفاظ المشتركة مثل القرء وغيره والخامسة القياس المستنبط من موقع الإجماع وهذا مزيف من وجهين: أحدهما أنه أخر المضمرات عن الظاهر وهو معلوم بالضرورة والآخر أنه عد القرء من البيان وهو مجمل إذ ثبت تردده واشتراكه.     
المقالة الثالثة: إن المرتبة الأولى أقوال صاحب الشرع  في الكتاب والسنة والثانية أفعاله كصلاته ووضوئه الثالثة إشارته كقوله الشهر هكذا هكذا هكذا وسكوته وتقريره الرابعة المفهوم ثم ينقسم إلى مفهوم مخالفة وموافقة كمفهوم تحريم الشتم من آية التأفيف الخامسة الأقيسة وهذا مزيف لأن فهم حظر الضرب من آية التأفيف مقطوع به فكيف يؤخر عن الأفعال والإشارات والمختار إن البيان هو فيترتب على ترتيب الأدلة فما قرب من المعجزة فهو أقوى كالنظر القريب من مرتبة الضرورة الفصل الثالث تأخير البيان عن وقت الحاجة محال لأنه من جنس تكليف ما لا يطاق وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز والمعتزلة منعوا ذلك ومنعوا جواز تأخير التخصيص عن العام إلى وقت الحاجة ومنهم من لصاحب تأخيره ولم يجوز تأخير الخصوص لأن العام يعمل بظاهره والمجمل لا يعمل به ونحن نتكلم في جوازه ثم في وقوعه فنقول أولا يتصور أن يقول السيد لعبده خط هذا الثوب غدا ولا يبين له كيفية خياطته في الحال فإذا تصور وقوعه فلا مأخذ لاستحالته فإن العقل لا يقبح ذلك في العادات وإن تلقوه من الاستصلاح فلا نقول به ثم لعل الله علم أنه لو بين في الحال لطغوا وعصوا فتدرج في البيان ليمتثلوا ثم سلموا لنا جواز تأخير النسخ والنسخ عندهم بيان وقت التكليف وهذا تأخير البيان وآية وقوعه قصة موسى عليه السلام في تأخير بيان البقرة إلى المراجعة وقصة نوح عليه السلام في تأخير بيان الأهل حتى ظن إن ابنه من أهله والنبي عليه السلام في ابتداء أمره أمر بالصلاة والزكاة والحج ثم بيانه ذكره على طول الدهر ولم يذكره على الفور فإن قالوا فجوزوا موت النبي عليه السلام قبل البيان قلنا يجوز وتبين أن لا تكليف ثم يعكس عليه في النسخ وإن قالوا هذا إلغاز قلنا لا يعد ذلك وأنصفوا في العرف.

القول في اللغات وفيه مسائل:

قال القائلون اللغات كلها اصطلاحية إذ التوقيف يثبت بقول الرسول عليه السلام ولا يفهم قوله دون ثبوت اللغة وقال آخرون هي توقيفة إذ لا اصطلاح يفرض بعد دعاء البعض البعض بالاصطلاح ولا بد من عبارة يفهم منها قصد الاصطلاح وقال آخرون ما يفهم منه قصد التواضع توقيفي دون ما عداه ونحن نجوز كونها اصطلاحية بأن يحرك الله تعالى رأس واحد فيفهم الآخر أنه قصد الاصطلاح ونجوز كونها توقيفية بأن يثبت الرب تعالى مراسم وخطوطا يفهم الناظر فيها العبارات ثم يتعلم البعض من البعض وكيف لا يجوز في العقل كل واحد منها ونحن نرى الصبي يتكلم بكلمة ابوبه ويفهم ذلك من قرائن احوالهما في حال صغره فإذا الكل جائز وأما وقع أحد الجائزين فلا يستدرك بالعقل ولا دليل عليه وقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ظاهر في كونه توقيفا وليس بقاطع إذ يحتمل كونها مصطلحا عليها من خلق خلقه الله تعالى قبل آدم.      

مسألة: اختلفوا في أن اللغات هل تثبت قياسا ووجه تنقيح محل النزاع أن صنع التصاريف على القياس ثابت في كل مصدر نقل بالاتفاق أو هو في الحكم المنقول وتبديل العبارات ممتنع بالاتفاق كتسمية الفرس دارا الدار فرسا ومحل النزاع القياس على عبارة تشير إلى معنى آخر وهو حائد عن منهج القياس كقولهم للخمر خمر لأنه يخامر العقل أو يخمر وقياسه أن يقال مخامر أو مخمر فهل تسمى الأشربة المخامرة للعقل خمرا قياسا وكذا قولهم استحق البعير فهو حق فإنه مشتق وجوز الأستاذ أبو اسحق مثل هذا القياس والمختار منعه وهو مذهب القاضي قلنا إن كان إثبات هذا القياس مظنونا فلا يقبل إذ ليس هذا في مظنة وجوزب عمل وإن كان معلوما فاثبتوا مستنده ولا نقل من آهل اللغة في جواز ذلك ولا من الشارع عليه السلام ومسلك العقل ضرورية ونظريه منحسم في الأسامي واللغات وإن قاسوا على القياس في الشرع فتحكم لان مستند ذلك التأسي بالصحابة فما مستند هذا القياس ثم أطبقوا على أن البنج لا يسمى خمرا مع كونه مخمرا فإن سموه فليسموا الدار قارورة لمشاركتها القارورة في المعنى وهذا محال.

مسالة: قسمت المعتزلة الاسامي إلى اللغوية والدينية والشرعية فاللغوية ما لم يتصرف فيه والدينية الإيمان والكفر والفسق ووجه تغيره إن الإيمان مجرد التصديق في اللغة والكفر الستر والفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها ثم دخلها تخصيص في الدين وميزوها عن الألفاظ الشرعية لأنهم ظنوا أنها مستدركة بمحض العقل والشرعية كالصلاة والصوم والحج وقد قال بعض أصحابنا إنها منقولة بالكلية عن وضعها في اللغة وقال القاضي هي مبقاة على ما كانت عليه ولم تغير إذ الصلاة الدعاء والصوم الإمساك والحج القصد إلى الزيارة عليها في الشرع وهذا مزيف إذ اسم الصلاة يشمل الركوع والسجود شرعا   فإن قيل سمي به لقربه منه فنعلم أن أهل اللغة لا يسمون الواقف بين يدي الأمير على الخضوع مصليا لأنه يدعوه في وقوفه والمصير إلى أنها منقولة بالكلية محال لما قاله القاضي والمختار لا يتبين إلا بمقدمة وهي أن تصرف أهل اللغة فيما تصرفوا فيه ينقسم إلى ما غالب التصرف فيه الوضع كتخصيصهم الدابة ببعض الحيوانات حتى لا يسمى الآدمي دابة وإن كان يدب وإلى ما يتغير به الوضع كتسميتهم لارتباط التناول بها وهو المحرم وكتسميتهم والمحرم وطؤها فتصرف الشرع في اللغة على هذين الوجهين إذ خصص الحج بزيارة مكة حتى لا يسمي زيارة بقعة أخرى حجا وسمي الإمساك عن الأكل والشرب والجماع صوما دون غيره وكاحتكامه بتسمية الفعل صلاة لقربه من الدعاء.    
مسألة: اللغة تشتمل على المجاز والحقيقة وقال الأستاذ لا مجاز فيها وخالفه القاضي فيه و نحن نجمع بينهما إذ عني الأستاذ بنفي المجاز أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال وهذا مسلم ويرجع البحث لفظيا فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن بأصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك لأن المجاز ثابت بثبوت الحقيقة وهذا لا ينكره القاضي ولا نظن بالأستاذ إنكاره الاستعارات مع كثرتها في النظم والنثر وتسويته بين تسمية الشجاع والأسد أسدا. 

مسألة: القرآن يشتمل على المجاز وعلى الحقيقة خلافا للحشوية ودليله كثرة الاستعارات سيما في سورة يوسف وإن عنوا بنفيه أن المجاز هو الكلام المردود ولا يوصف به كلام الباري سبحانه فالأمر كما قالوه.

مسألة: قال أبو حنيفة رحمه الله الفرض هو ما يقطع بوجوبه والواجب ما يتردد فيه وعندنا لا فرق إذ الشارع لم ينص عليه وأهل اللغة لم يخصصوا واشتقاق الفرض لا يقتضيه فإنه القطع ومنه المفراض والفرائض وفرضة القوس الحزة التي تستقر فيها عروة الوتر فعلى هذا تجوز تسمية التقرب فرضا والوجوب هو الثبوت يقال وجب الجدار إذا سقط ووجبت الشمس إذا ثبتت ثم الغروب في نظر الناظرين ثم نقضه بتسمية الطهارة ثم الفصد فرضا وهو متردد فيه.     
مسألة: صيغة النفي بلا إذا اتصلت بالجنس لم تقتض الإجمال كقوله لا عمل إلا بنية ولا صيام ولا صلاة وزعمت المعتزلة أنها مجملة من حيث إنه يتردد بين نفي العمل حسا وبين نفيه حكما وهذه جهالة إذ يعلم بالضرورة أن النبي  لم يقصد مخالفة المحسوس وقال بعض الفقهاء هو عام فيهما وهذا محال لأن العام هو الذي يمكن تقدير عمومه ويستحيل أن يكون نفي العمل مندرجا تحت اللفظ قطعا ولا يفهم من الشارع ذلك وقال آخرون هو عام في نفي الكمال والجواز وهذا فاسد لأن نفي الجواز يتضمن نفي الكمال لا محالة فلا معنى لتعميم نفيهما وقال القاضي هو مجمل لتردده بين نفي الجواز والكمال والمختار أنه ظاهر في نفي الجواز محتمل لنفي الكمال والمتمسك به متمسك بظاهر لا يدرأ إلا بدليل والله أعلم.

باب في مقدار من النحو ومعاني الحروف

الكلم ينقسم إلى اسم وفعل وحرف ولم يقل الكلام لأنه المفهوم والحرف لا يفهم وكذا الاسم والكلام المفهم جملة مركبة من مبتدأ وخبر كقولك زيد منطلق أو فعل وفاعل كقولك قام زيد أو شرط وجزاء كقولك إن جئتني أكرمتك وقولك يا زيد أضمر فيه النداء وخاصة الاسم قبوله للجر والتنوين ودخول الألف واللام عليه وحده ما يشعر بمسمى إشارة إلى زمن محصل والفعل يخالف الاسم في خاصيته وهي صيغ دالة على أحداث مشعرة بزمان منقسم انقسام الزمان من ماض وحاضر ومستقبل وأما الحرف الذي جاء لمعنى تنعدم خاصية الاسم والفعل فيه ويظهر المعنى في غيره ثم الاسم أقوى في التأصيل من الفعل لأنه مستقل ويتركب من جنسه جملة مفيدة كقولك زيد قائم وما من فعل إلا ويحدث به ولا يحدث عنه فيقدر أعطى والحرف دون الفعل فإنه لا معنى له في نفسه ثم الاسم ينقسم إلى المبني والمعرب أما المبني كقولك من وكيف وأين ومتى وإنما سميت مبنية لأنها لا تتحرك كالأبنية المتمكن لأنها تضاهي الحروف في صيغها والمعرب ينقسم إلى المتمكن حفظني فالمتمكن كقولك عمر حفظني كقولك زيد ويدخله الاعرابات الثلاثة بخلاف عمر. 

والفعل ينقسم إلى ماض ومستقبل فالماضي كقولك قام والمستقبل كقولك يقوم وتقوم وأقوم فهذه زيادات وأصل الزيادات حروف المد واللين و ا ى فأما الياء فقد زيد في قولك يقوم والألف لا يمكن البداية بها فأبدل بالهمزة في قولهم أقوم وأما الواو فالبداية بها تشبه صياح الكلب فأبدل بالتاء لأنها تقوم مقام الواو إذ أصل التخمة الوخمة وأصل التراث الوراث وأما النون فإنما زيد لأن فيها غنة تشبه غنة الياء وسمي المستقبل مضارعا لأنه يضارع الاسم إذ يشابه إعرابه ويقوم مقام الاسم فتقول جاء زيد يركض يعني الراكض وأما الحروف فتنقسم إلى مقطعة وإلى حروف المعاني فأما المقطعة فكالباء والواو والفاء وثم فأما الباء فترد للإلصاق كقولك مررت بزيد وبمعنى على كقوله من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك وبمعنى في كقوله تعالى بدعائك رب شقيا وقيل معناه لأجل دعائك وقيل معناه بسبب دعائك وقد ترد للتعدية كقولهم دخلت به الدار وهو بدل الهمزة ولا يجمع بينهما فهما متعاقبان وقوله أسرى بعبده بمعنى سرى وهي لغة فصيحة قال الشاعر: إن السري إذا سرى فبنفسه ابن السري إذا سرى أسراهما

وظن ظانون أنه للتبعيض في مصدر يستقل دونه كقوله وامسحوا برؤوسكم وتمسكوا بقولهم أخذت زمام الناقة إذا أخذها من الأرض وأخذت بزمامها إذا أخذ بطرفه وليس الباء للتبعيض أصلا وهذا خطأ في أخذ الزمام أيضا ولكن من المصادر ما يقبل الصلات كقولهم شكرت له ونصحت له وجلست بصدده وأما التبعيض في مسألة المسح فمأخوذ من فمصدر المسح لا يشير إلى الاستيعاب ففدي الضرب بخلاف الغسل وأما الواو فهي للعطف وهي أم العواطف وتقتضي الاشتراك في الإعراب والمعنى فتقول رأيت زيدا وعمرا يعني هما مرئيان وقولك وعمرا لا يستقل فيقتضي العطف ولو استقلت الجملة الثانية فالواو للنسق لا للعطف وظن ظانون أنه للعطف وتمسكوا به في مسألة المحدود في القذف وهو خطأ إذ قد يجمع بين جمل متناقضة كقولك أكرمت زيدا وأهنت عمرا فلا عطف إذا وليس الواو في وضعه للترتيب بدليل دخوله على التفاعل تقول تضارب زيد وعمرو ولا تقول ثم عمر وليس للجمع ولكنه صالح له إذ لا يبين رجاء على التثنية فلو قلت رأيت زيدين لم يقتض جمعا وقول الرجل لزوجته قبل الدخول أنت طالق وطالق إنما تقع الواحدة لأن الطلاق يساق إليها وقد بانت فالثاني وعشرون بعد البينونة لا لكونه للترتيب وقد يكون للجمع كقولهم جاء البرد والطيالسة واستوى الماء والخشبة معناه معها وكقولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن يعني لا تجمع ولو أفردت جاز وإذا قلت وتشرب اللبن كان النهي عنهما أفرادا وجمعا قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذ فعلت عظيم وهو منع عن الجمع وأما الفاء فهي للتعقيب كقولك إذا دخلت الدار فاجلس وللترتيب فإنه من ضرورة التعقيب وللتسبب كقولك إن جئتني فأكرمك وبمعنى الواو كقوله: بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقال سيبويه أفاد التعقيب فمعناه فالممر بعده إلى حومل ومعناه أنه موضع تجوز على صوب الدخول لا على عرضه وأما ثم فهي لترتيب الفعل أو لترتيب الكلام قال الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده

 يعني ثم أفهم أنه كان كذا وظن ظانون منهم أنه ليس للترتيب وليس كذلك وهذا كقوله والأرض بعد ذلك دحاها وهي قد دحيت قبل ذلك ومعناه ثم أفهم وأما حروف المعاني فقد تغير الإعراب والمعنى كقولهم لعل زيد منطلق وهو للترجي وقد لا تغيرهما كقوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم يعني فبرحمة وقد تغير المعني دون الإعراب كقوله هل زيد منطلق وقد تغير الإعراب دون المعنى كقوله إن زيدا منطلق وقال سيبويه إن للتحقيق ولا زيادة في لغة العرب وقوله فبما رحمة من الله يشعر بالتنبيه والحث كقوله صه ومه والعامل لا يكون معمولا فيه كقولك لعل زيدا والمعمول لا يكون عاملا كقولك زيدا إلا المضارع فإنه عامل ومعمول فيه والعامل الذي يتصل بالاسم لا يتصل بالفعل كقولك لعل والمتصل بالفعل لا يتصل بالاسم كقولك أن ونتكلم في خمسة عشر حرفا منها ما وقد يقع حرفا لا يفيد كقوله فبما رحمة من الله وقد يقع مفيدا للنفي في غيره كقولك ما زيد قائم وهي على لغة أهل الحجاز عاملة فتقول ما هذا بشرا وعند بني تميم لا تعمل فتقول بشر وهي كافة لعمل إن ثم الكوفيين فتقول إنما زيد منطلق وقال البصريون لا تكف فتقول إنما زيدا منطلق وقد تقع أعطى منكورا بمعنى الاستفهام فتقول ما عندك فجوابه إنه ثوب أو فرس وبمعنى الشرط كقولك ما تفعل أفعل أي الفعل الذي تفعله أفعل وبمعنى التعجب كقولك ما أحسن زيدا أي شيء حسن زيدا وبمعنى الصفة كقولك مررت بما معجب وقد يقع موصولا بفعل فتقول علمت ما عندك أي ما هو قار عندك وبمعنى المدة كقولك أقوم ما تقوم كقوله تعالى والسماء وما بناها أراد وبناءها وبمعنى الذي كقولك أتخمت مما اختلفا يعني من الذي اختلفا أو من أكلي أو من طول أكلي بمعنى المدة ولم يعبر بما عمن يعقل بخلاف من وقال أبو عبد الله المغربي يعبر به عنه كقوله والسماء وما بناها أي ومن بناها.        

فصل أو للترديد تقول رأيت زيدا أو عمرا وكذا أم ولكن أم المساجد للاستفهام فتقول أزيدا أكرمت أم عمرا ولا تقول أو عمرا وقد يراد به التخيير في آحاد الجنس كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين يعني هذا الجنس وقيل بمعنى الواو كقوله مائة ألف أو يزيدون والأصح أن معناه هم قوم إذا رأيتهم ظننتهم مائة ألف أو يزيدون والأصح كقوله تعالى لعله يتذكر أو يخشى يعني قول من يرتجى أنه يتذكر أو يخشى وهذا على قدر فهم المخاطب وقد يراد بها حتى كقوله لا أفارقك أو تقضيني حقي معناه حتى تقضيني ديني. فصل

هل للاستفهام ولا يغير الإعراب وقد يكون بمعنى قد ك قوله تعالى هل أتى على الإنسان والمختار أن معناه استدعاء التقرير كقوله هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وإذا اتصل به لا كان للتخصيص. 

فصل لو ترد لامتناع الشيء لامتناع غيره كقولك لو جئتني أكرمتك ولولا لامتناع الشيء لثبوت غيره كقولك لولا زيد لجئتك وقد ترد لو بمعنى إن كقوله ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم معناه وإن أعجبتكم وإذا اتصل به لا كان للتخصيص كقوله فلولا نفر من كل فرقة. فصل من حرف جار لا يرد إلا على الاسم بمعنى التبعيض كقوله أخذت من مال زيد أو للعموم كقوله ما في الدار من رجل أو بمعنى على كقوله سبحانه ونصرناه من الذين كذبوا بآياتنا أو بمعنى ابتداء الغاية كقوله من البصرة إلى بغداد ويجوز أن تقول عن البصرة ومن هذا الجنس قولهم فلان أفضل من فلان إذا ساواه ثم ابتدأ فضلا ولا يقال عن فلان لأن من صريح في اقتضاء الابتداء من غاية بخلاف عن وجوز في قولهم عن البصرة لأن الاعتماد ثم على الجنس فهو معلوم ويجوز أن يقول تلقنت عن فلان وهو أفصح من قوله منه ولا يقول رويت منه لأن تخييل التبعيض في الرواية بعيد وهو متخيل على الجملة في العلم فكأنه يأخذ بعض عمله وعن قد ترد أعطى فيقال أخذته من عن الفرس. فصل

إلى إذا اتصل بها من كان صريحا في التحديد ومطلقة قيل للجمع وقيل للتحديد وقال سيبويه ظاهره للتحديد ويحتمل الجمع كقوله تعالى إلى المرافق و من أنصاري إلى الله.

فصل على قد تقع فعلا كقولك علا يعلو وتقع أعطى كقولك أخذته من على الفرس وحرفا كقولك لي عليك حق وفيه شوائب الاسم يعني الحق ثابت له وقال أبو عبد الله لا تقع قط فعلا وقولهم علا ليس ذلك هذه الحروف وهو إنما يطابق في اللفظ. فصل

بلى لاستدراك النفي كقوله تعالى ألست بربكم قالوا بلى ولو قال نعم لكان معناه نفي الإلهية وجواب القائل إذا قال أليس زيد في الدار ثم روم الإثبات يقال بلى وهذا لا يعتبر في الفقه في الإقرار بل يسوى بينهما إلا في حق النحويين.

فصل من لا يقع إلا أعطى ويعبر به عمن يعقل في الاستفهام كقولك من عندك أو في الشرط كقولك من جاءك فأعطه درهما. فصل

إذا تصلح للشرطية فيقول إذا دخلت الدار ولا يتمحض له لأن شرط الشرط أن يرتبط بما لا يقطع بوقوعه كالدخول ويصح أن يقول إذا طلعت الشمس و إذا جاءت القيامة ولو قال إن جاءت القيامة فهذا تردد.   

فصل إذن للتعليل كقول عليه السلام في حديث الرطب فلا إذن وقيل إنه بمعنى إذا وهو فاسد.

فصل

حتى بمعنى الغاية بمعنى الغاية كقوله اكلت السمكة حتى رأسها أي و يكون للعطف تقول حتى رأسها أي ورأسها ويكون بمعنى الاستئناف ومعناه حتى رأسها أكلته وهذا كقول الشاعر:

  ألقى الصحيفة كي يخخف       رحله والزاد حتى نعله ألقاها
  وبمعنى إلى كقوله حتى تقضيني ديني ولا تعطف به إلا ما كان من جنس المعطوف فتقول اكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى الخبز ولو قلت والخبز جاز كما تقول رأيت القوم حتى زيدا أو وزيدا ولا تقول حتى الحمار ولكن تقول والحمار. 

فصل مذ حرف يتصل بالزمان دون المكان يقال مذ الجمعة كما يقال من الجمعة وقد يقع أعطى.








كتاب الأوامر

الأمر قسم من أقسام الكلام واصل الكلام قد أنكره المعتزلة فلا بد من تقديمه والكلام فيه في ثلاثة فصول   

الفصل الاول في إثباته عليهم والكلام عندنا معنى قائم بالنفس على حقيقة وخاصية يتميز بها عما عداه وأما العبارات فهل تسمى كلاما مجازا أو حقيقة تردد فيه شيخنا أبو الحسن وهو متلقى من اللغة وانكرت المعتزلة جنس الكلام وزعمت انه فعل حركات مخصوصة وأصوات مقطعة وزعموا أن الرب تعالى متكلم بمعنى انه فاعل الكلام والدليل على إثباته ثلاثة مسالك: أحدهما: يختص بالكلام الباري سبحانه وقد نطقت الأمة بقولهم قال الله تعالى ونطق به القران العزيز كما نطقت بقولهم علم الله فليدل على معنى هو قائل به ويستحيل أن يكون قائلا بفعله إذ لا حكم للفاعل في اخص أوصاف الفعل ولو جاز أن يقال هو قائل بكلام يخلقه في غيره لجاز أن يقال هو متحرك بحركة يخلقها في غيره. المسالك الثاني: أنهم ردوا الكلام إلى الفعل ونحن نعلم قطعا جواز الإحاطة بكون الشخص متكلما قبل التنبه للفعل وكونه فاعلا.

المسلك الثالث: وهو الأقوى في إثبات الغرض أن من قال لعبده افعل صادف ثم الأمر طلبا جازما قائما بذاته وتتحدث بقوله افعل وهو معبره ومدلوله فهو الكلام الذي ينبغي إثباته وهو معلوم على الضرورة وليس ذلك إرادة لمعنيين:     
أحدهما: إن الإرادة تنقسم إلى تمن لا ينفك عن تردد ولا تردد في هذا الطلب وإلى قصد جازم ويستحيل تعلقه بفعل الغير مقدور للمريد ولأن السيد المعاتب من جهة السلطان بسبب ضربه عبده إذا اعتذر باستعصائه فكذبه فأراد تحقيقه عيانا فيأمر عبده وهو يبغي عصيانه لتمهيد عذره وليس مريدا له ولا وجه لإنكار كونه أمرا فإن العبد فهم منه الأمر وميز بينه وبين الهاذي ولو أحاط أيضا بقرائن الأحوال بمعنى غرض السيد يفهم الأمر ولكن يعلم منه إرادة العصيان فلا وجه لحمل ذلك الطلب على إرادة إيقاع الصيغة أمرا تمييزا له عن الحكاية والهذيان لأن العبد يفهم طلبا وراءه ولأن الصيغة بعد أن صارت أمرا فله معبر ومدلول وهو الطلب الذي ذكرناه. 

الفصل الثاني

في حد الكلام

وقد قيل إنه حديث النفس أو نطق النفس أو مدلول أمارات وضعت للتفاهم وهو الأصح ولعلنا نقول لا حد له كما ذكرنا في حد العلم إذ العبارات المنقولة قاصرة على المعاني المعقولة. الفصل الثالث

في أقسام الكلام

والمختار فيه أنه خمسة: طلب وهو متناول للأمر والنهي والدعاء، وخبر واستخبار وتنبيه وهو مشير إلى النداء، وتردد وهو متناول للتمني والترجي وأنواعه. ولو حذفنا التردد اكتفاء بقسم التنبيه أو الخبر وكون التردد تنبيها من وجه للزم الاكتفاء به في الكل إذ الأمر والنهي والخبر والاستخبار أيضا فيه تنبيه وخبر وإذا ثبت أصل الكلام فنقول الأمر قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ويندرج تحته الندب وقيل قول يتضمن إيجاب المأمور به ويخرج منه الندب واستدل القاضي على صحة الحد الأول وكون الندب أمرا بكونه طاعة ولم يقع طاعة لكونه مرادا إذ المعصية مرادة فوقع طاعة لكونه مأمورا به وهذا تحكم على اللغة إذ يقال له وقع طاعة لكونه مطلوبا فإن سمي كل مطلوب أمرا قياسا على الواجب فلا قياس في اللغة ولم ينقل متواترا ونقل الآحاد لا يوجب العلم وأما حد المعتزلة فإنهم قالوا الأمر قول القائل افعل فأبطل عليهم بقوله قم وكل وكل أمر مشتق من مصدر آخر وبقوله قم لتأكل فإن الأكل مأمور به لا على صيغة الأمر ثم قالوا لا بد من إرادة إحداث الكلمة وإرادة المأمور به وإرادة إيقاع الصيغة المحدثة أمرا تمييزا له عن الحكاية وخالفهم الكعبي في الإرادة الأخيرة وقال إنما تتميز عن الحكاية بصفة ذاتية فقيل له وكيف يتميز الشيء عن مثله بصفة ذاتية فقال وكيف يتميز عنه أيضا بالإرادة والجوهر لا يتميز عن الجوهر بالإرادة في ذاته فكفونا الكلام عليهم فهذه مقدمات الكتاب ومقصوده يحويه أربع عشرة مسألة:

مسألة: اختلفوا في مفهوم صيغة الأمر ومقتضاه وهو قول القائل افعل فقال الجبائي يدل على كون المأمور به مرادا والوجوب لا يتلقى منه وقال بعض الناس يدل على رفع الحرج والإباحة لأنه متردد بين الوجوب والندب وهذا القدر مستيقن وهذا من جنس الاستصحاب الفقهي ولا تؤخذ منه اللغات ما لم ينقل أن قولهم افعل موضوع عندهم للإباحة ففيه المباحثة وقال الفقهاء هو للوجوب بدليل أوامر الشارع وأمر الله تعالى إبليس بالسجود واستيجاب المأمور للتعزير بتركه وكل ذلك يمكن تلقيه من القرآن وإنكار كون اللفظ بمجرده دالا عليه فلا دليل فيه فأما شيخنا أبو الحسن والقاضي وجماعة من الأصوليين فإنهم توقفوا فيه وقالوا لا مفهوم له إلا بقرينة مخصصة له بإحدى جهات الاحتمال ثم قال بعضهم اللفظ مشترك بين هذه المعاني المحتملة كلفظ العين مشتركة في العين والميزان وعين الشمس ظاهرا وغيرها وقال آخرون يتوقف أيضا ثم استدلوا على المخصصة بأن العقل لا يهتدي إلى تخصيص اللغات وصريح النقل متواترا لم يوجد والآحاد ولو فرض فلا يورث العلم ولو تمسكتم بالنقل ضمنا زاعمين أنا فهمنا ذلك من إطلاق أهل اللغة إياها في شيء من ذلك يخصصها به ومن فهمهم ذلك منها فما الذي يؤمنكم من اعتمادهم في الفهم على القرائن دون مجرد الصيغ فإن قلتم الأمر معنى قائم بالنفس فليكن عنه صيغة دالة عليه فلم عينتم هذه الصيغة لكونها دالة عليه تحكما نقل ثم صيغته أن تقول أوجبت كما تقول في الندب ندبت أو استحب فنقول للواقفية إن قضيتم بكون اللفظ مشتركا كلفظ العين فمن أين أخذتموه أمن عقل أم نقل متواتر أو آحاد وندير عليهم معتمدهم ولئن قالوا بحسن الاستفصال من المأمور تبينا تردده قلنا ذلك لتعارض القرائن المتناقضة لا لتردد الصيغة في نفسها فإن قالوا لا ندري أهو مشترك أم لا قلنا نرى أهل اللغة يبحثون عن معاني ألفاظ شاذة لا تتداولها الألسنة فيبرزون معناها فما تراهم تركوا هذه اللفظة مع تكرارها على الألسنة في الساعات والأزمنة في حيز الإجمال ولم يذكروا معناها واستحالة ذلك مقطوع به فلا يخلون وتجاهلهم فيه وإذا أبطلنا إذنه فالمختار أن مقتضى صيغة الأمر في اللسان طلب جازم إلا أن تغيره قرينة وقد فهمنا ذلك على الضرورة من فرق العرب بين قولهم افعل ولا تفعل وتسميتهم أحدهما أمرا والآخر نهيا وإنكار ذلك خلاف لما عليه أهل اللغة قاطبة ولكن الوجوب يتلقى من قرينة أخرى إذ لا يتقرر معناه ما لم يخف العقاب على تركه ومجرد الصيغة لا يشعر بعقاب والشافعي حمل أوامر الشرع على الوجوب وقد أصاب إذ ثبت لنا بالقرائن أن من خالف أمر رسول الله  عصى وتعرض للعقاب.      

مسألة: مطلق النهي محمول على التكرار واختلفوا في مطلق الأمر وهو قول القائل افعل فتوقف الواقفية وزعم غيرهم أنه يختص بفعلة واحدة والمأمور بالقيام المغيظ عن الأمر بقومة واحدة وإليه صار الشافعي رضي الله عنه والفقهاء وقال الأستاذ أبو اسحق إنه لا بد من قيام مستدام فهو للتكرار عنده وكذا ثم المعتزلة وعند أبي حنيفة رحمه الله وقد تمسك الأستاذ بمسلكين: أحدهما: أن النهي للتكرار فكذا الأمر وعضد ذلك بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده والمأمور بالقيام منهي عن القعود فلو نهاه عن القعود صريحا لوجب ترك القعود أبدا وقد نهاه ضمنا وقياسه الأمر على النهي في مسموح ودعواه اقتضاء الأمر بالشيء نهي عن ضده ممنوعة وبعد تسليم جدلا نقول الأمر المطلق ثم الخصم كالمقيد بفعلة واحدة فالنهي الذي هو ضمنه يكون بحسبة لا محالة كما إذا صرح بالتقيد بخلاف النهي الصريح مطلقا.

المسلك الثاني: أن مطلق الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الوجوب ووجوب   العزم على الامتثال ثم يجب كونهما على الدوام فكذا مقتضاه الثالث وهو الفعل قلنا أما اعتقاد الوجوب فيكفي في لحظة فلا يفعل يعد ذلك كالإيمان والمعرفة ثم اعتقاد الوجوب مستند إلى القيام الدلالة على صدق الرسول عليه السلام لا إلى مطلق الصيغة وأما العزم فلا يجب إذ لو ذهل حتى أقدم جاز ذلك ثم يبطل ذلك صريحا بالأمر المقيد بفعلة واحدة ووجهه ظاهر وتمسك الفقهاء في معارضتهم بمسلكين:    
أحدهما: أن قول القائل قام فلان إخبار عن فعل واحد فكذا قوله قم يتقيد مرة واحدة لأنهما مشتقان من مصدر واحد ووجه الأخبار لا يتفيد بفعل واحد إلا بقرينة فلا نسلم هذا.   
المسلك الثاني: أن الرجل إذا قال والله لأدخلن الدار يبر بدخلة واحدة ولو قال لا ادخل لا يبر إلا بإنزجار أبدا والأمر مشبه بالبر والنهي مشبه بالحنث وهذا أيضا ضعيف لأن البر والحنث محل احتكام الشرع والعرف فلا يستبان به وضع اللغة والعرف قد يؤثر في وضع اللغة كما يحمل الدرهم على المغشوش في الشراء المطلق ويحمله على النقرة في الإقرار مع استواء اللفظين فالمختار أن الفعلة الواحدة مفهومة قطعا وما عداه متردد فيه متوقف إلى بيان قرينة ودليل ذلك بطلان ما عداه من إذنه.     
مسالة: قال الشافعي وجوب البدار إلى المأمور به لا يفهم من مطلق الأمر خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وجماعة من الاصولين وتوقف الواقفية فيه وغلا بعضهم وقال لو بادر أيضا لا ندري هل يقع الموقع أم لا وهذا بعيد والذين قالوا بالتراخي تمسكوا بأن الأمر لا يختص بمكان فلا يختص بزمان أيضا فعورضوا بأنه يختص بمكان بلوغ الأمر فيه فإن في الانتقال تأخيرا وتمسك الشافعي رضي الله عنه بأن الامتثال مفهوم وليس فيه تعرض للوقت ولا يختص بزمان فيقال له وليس فيه تعرض لجواز التأخير فكيف فهمته وهلا توقفت فيه كالواقفية وتمسكوا أيضا بأن الأزمنة لا معنى لها إلا حركات الفلك وذلك إلى الله تعالى والمرتبط باختياره فعله لا الزمان فينزل اختلاف الزمان منزلة اختلاف الهواء بالصحو والغيم فإن البدار مقدور وهو قد يكون مقصودا أما الصحو والغيم فلا يرتبط به قصد وتمسك القائلون بالفور بالنهي فإنه على الفور وهذا فاسد فإنه قياس في مقتضى اللغة ثم النهي للاستغراق وذلك لا يتصور إلا بالبدار والخلاف في هذه المسألة ينبني على أن الأمر المطلق يقتضي فعلة واحدة فلاح الفرق وتمسكوا بأن المؤخر تارك فرض متعرض للعصيان فإن قلتم لا يعصي فهذا تغيير للوجوب وإن عصيتموه فليس ذلك إلا لوجوب البدار قلنا لا يكون تاركا إلا باختلاء العمر عنه ولا يعصي إلا به ثم نعارضهم بالأمر المقيد بالعمر على التوسيع وقد أجيب عن هذا بأنه إنما يجوز التأخير بشرط العزم على الامتثال فإن لم يعزم عصى وهذا فاسد لأن المحذور إثبات وجوب على الفور مشير إلى زمان وقد أثبتوه ولأنه ترديد للوجوب بين الفعل والعزم لا على التعيين مشعر به ثم الوجه أن يقال إن غفل ولم يعزم ثم اتفق الإقدام على الفعل فلا يعصي أصلا فالمختار إذن القضاء بأنه لو بادر وقع الموقع ولو أخر توقفنا فيه لما بيناه.  
مسألة: الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده ولا النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده لا على التعيين خلافا للأستاذ أبي اسحق والكعبي لأن قول القائل قم لا يقتضي إلا الأمر بالقيام وترك ما عداه يقع من ضرورة الجبلة لا لكونه مقصودا بالأمر بدليل جواز تقدير ذهول الآمر عن جملة أضداده وبدليل تفصي المأمور عن الأمر لو قدر على استحالة الجمع بين القيام والقعود والإقدام على القيام مع عدم الاتصاف بضد من أضداده محال والأمر يتلقى من فحوى الخطاب لا مما يقع من ضرورة الجبلة وليس ذلك مقصود المخاطب وبغيته وهذا كالسيد يقول للعبد أوجبت عليك كسر هذه الجوزات ثم نهي عن كسر جوزة واحدة فإذا كسر جوزا غيره من الجملة لا يقال إنه ارتسم أمرا واجبا إذ اشتغاله به انحجاز عن كسر الجوزة المنهي عن كسرها وتمسك الأستاذ بأن قول القائل قم لا يتصور امتثاله إلا بترك القعود فترك القعود مضمر فيه والمتصف بالأمر لا محالة متصف بالنهي على هذا التقدير حتى لا يتصور خلو أحدهما عن الآخر وزاد فقال إذا تلازما وجب القضاء باتحداهما فإن قول القائل قم أمر في نفسه نهي في نفسه كما أن العلم بالسواد والعلم بالعلم به لما تلازما اتحدا وكما اتحد علم الباري بتلازم معلوماته في حقه قلنا قولك المتصف بالنهي متصف بالأمر وعلى عكسه ممنوع إذ فرض ذهول الآمر بالقيام عن أضداده ممكن فكيف ينهى عما هو ذاهل عنه وقولك التلازم مشعر بالاتحاد تحكم لا يغني فيه الاستشهاد والقياس فلا بد فيه من مسلك عقلي ثم العلم بالعلم بالسواد غيره عندنا فلا نسلم وعلم الباري سبحانه لا يتحد للتلازم إذ يلزم على مساقه اتحاد علمه وحياته وسائر صفاته فإنها متلازمة في حقه ثم الأمر بين أن يحد بقوله افعل وهو متميز عن قوله لا تفعل أو يحد بطلب جازم وذلك يفرض مع الذهول عما عداه.   

مسألة: الشريعة تشتمل على المباح خلافا للكعبي واستدل بأن كل فعل يعد مباحا متضمن تركا لأمر محظور وترك المحظور واجب إلا أن إحدى جهاته لا يتعين وذلك لا ينافي وجوبه كخصال الكفارة فقيام الرجل إذا تضمن تركا للزنا وقع واجبا وهذا منه بناء على أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده وقد أبطلناه ثم يلزمه وراء ذلك شيئان:

أحدهما: إنكار النوافل والتطوعات فإن فيها ترك الزنا فليقع على جهة الوجوب وهذا خرق الإجماع     

والثاني: أن يصف الزنا بالوجوب فإن فيه ترك القتل والسرقة وإن قال واجب من وجه محرم من وجه كالصلاة في الدار المغصوبة فليقل القيام مباح من وجه واجب من وجه وقد أنكره

مسألة: الأمر بالشيء أمر بما لا يتم الواجب إلا به إذ ثبت أن صحة الصلاة موقوفة على الطهارة فالأمر المطلق بالصلاة الصحيحة أمر بالطهارة خلافا لبعض العلماء ودليله أن المأمور لا يكون ممتثلا إلا بفعل الطهارة فإذا وجبت فلا مستند لوجوبه إلا الأمر بالصلاة فإنه من ضرورة الصلاة الصحيحة وهو كبعض أجزائها بعد أن ثبت أنه شرطها وليس هذا يعود إلى الجبلة من ترك القعود وتوقف القيام عليه فإنا لو قدرنا عدم الاستحالة على فعل القيام مع القعود كان ممتثلا والمقتصر على ممتثل صحيحة.     
مسألة: الأمر بالشيء مشعر بوقوع المأمور به ثم الامتثال مجزئا عن جهة الأمر إذ لا معنى للأجزاء إلا موافقة الأمر والامتثال قد حصل فأجزأ وأنكر بعض الفقهاء هذا وقال المفسد حجه بالجماع مأمور بأفعال الحج ولا يجزئه عن حجة الإسلام وهذا فاسد فإنه مأمور بالمضي في حج فاسد وهو مجز عن هذه الجهة.      

مسألة: الجائز خلاف الواجب وكذا الواجب خلاف الجائز وقال بعض الناس كل واجب فهو جائز فنقول إن عنيتم به أنه لا حرج في فعل الواجب فهو مسلم وإن عنيتم به أن الجواز حكم فمحال إذ الجواز يشعر بالتخيير والوجوب يشعر بالتعيين فلا يصطحبان وفائدته أن الوجوب إذا نسخ عن الشيء لم يبق للإباحة حكم في الشرع بل يتوقف فيه وقالوا بنفي الجواز وهذه خيرة أثبتوها نص يشعر بها.

مسالة يجوز الأمر بخصلة من ثلاث خصال مع تفويض التعيين إلى خيرة المكلف خلافا لأبي هاشم ولنا فيه مسلكان:     
أحدهما: أن يقول لا شك في جواز وقوعه وتصوره إذ لا يستحيل أن يقول السيد لعبده ادخل إحدى هذه الدور أيتها شئت لبعض عنك الواجب بما تريد منها وإذا تصور جاز ورود الشرع به والاستصلاح أيضا لا يرده وربما يقتضي الصلاح ذلك ليتخير في ذلك ولا يعصي.

المسلك الثاني: الكفارة المخيرة واجبة شرعا بالاتفاق ولا تجب الخصال الثلاثة جميعا ولا أحدها على التعيين فلم يبقى إلا وجوب واحدة على الإبهام فان قال الكل واجب لكن يسقط الوجوب بواحدة فهذه لفظة لا حاصل لها إذ لو تركها لا يعاقب على ثلاثة أوامر ولو أقدم على واحدة لا يثاب على الثلاثة تمسك بأن الأمر بالمجهول محال والجهل لا يرتفع بالخيرة كما لا يرتفع في بيع عبد من ثلاثة أعبد مع إثبات الخيار قلنا التكليف وجد مستقرا ومتعلقا وهو خيرته خصلة منها فتقرر وأما البيع عقد يتلقى من تقييد في تعيين المحل. مسألة: الأمر المطلق بأداء الصلاة لا يتلقى منه وجوب القضاء ثم فوات الوقت لأن العقل لا يهتدي إلى وجوب القضاء واللفظ لم يتناول إلا صلاة في وقت وقد فات ولا تدارك له فإنشاؤها في وقت آخر صلاة أخرى كإنشاء العبادة في مكان آخر إذا تعذر أداؤها بالمكان المأمور بفعلها فيه فيجب القضاء بأمر مبتدأ في الشريعة أو بقياس مقتضب من أصل مجمع عليه. خلافا للفقهاء حيث قالوا يجب القضاء لمطلق الأمر الأول بالأداء مسألة: الصلاة تجب بأول الوقت على التوسيع ولا يعصي بالتأخير وقال أبو حنيفة لا يوصف بالوجوب إلى أن يضيق الوقت والكلام معه وقد ناقض في القضا والكفارات الزكوات سهل فأما من أنكر الوجوب الموسع أصلا وقال إذا جاز الإعراض وتخير الرجل فلا معنى للوجوب ولا يغني عن هذا الإشكال تصويرنا قول السيد لعبده أوجبت عليك خياطة هذا الثوب وجعلت الشهر متسع فإن هذا لم يمنع جواز التأخير وهو يقتضي الوجوب ولا يغني ما قاله القاضي ذبا عن الفقهاء أن التأخير لا يجوز إلا بشرط العزم على الامتثال فإن الفقهاء لا يوجبون ذلك إذ لو ذهل جاز ولأن الأمر ليس فيه إشعار بوجوب العزم وترديد بينه وبين الفعل لا على التعيين وهذا تحكم والمختار أن تبين الوجوب لا يتحقق إلا في آخر الوقت لما ذكرناه من جواز التأخير ولكن الشرع سماه واجبا توسعا كالكفارة وغيرها ودلت الأمارات عليها وهذا التجويز لا مانع منه فيتبع أمارات الشرع في إطلاقه مسألة: المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن وإليه صار أبو هاشم خلافا للقاضي لأن التمكن شرط يقرر التكليف ويحتمل اخترام المنية قبل التمكن فكيف يعلم مع احتمال ذلك وقد ثبت أن التكليف بما لا يطاق محال عندنا والقاضي يعتقد ثبوت الأمر قبل التكليف وعلى هذا لصاحب النسخ قبل التمكن وتمسك بأن البدار إلى الإقدام واجب ولا يجوز التأخير لارتقاب الموت قبل الإقدام على الفعل فإذا تمكن وجب لأنه لو تكاسل لأدى إلى خرم الشرع وأبطل غرض الشارع فأما العلم فلا يثبت مع الاحتمال مسألة: ثم المعتزلة المأمور يخرج عن كونه مأمورا حال الامتثال وحدوث الفعل المطلوب لأن الأمر طلب والكائن لا يطلب كما قالوا يخرج عن كونه مقدورا لأن القدرة لا تتعلق بالموجود وخالفهم أصحابنا في فإذا جميعا وبنوا الأمر على القدرة ونحن نعتقد أن تعلق القدرة بالمقدور حالة الوجود لو قدر مسلم وهو اعتقادنا فيجب القطع بأنه يخرج عن كونه مأمورا لأن الكائن لا يطلب وأما القدرة فهي سبب الوجود فإذا لم تقارنه لم يحصل الوجود لأن العدم المستمر لا حاجة فيه إلى قدرة وكذلك الوجود المستمر وبينهما حالة لطيفة هي أول حالة الحدوث ولا تحدث إلا بقدرة تقارنها فإنها في حكم الموجد لها والمخرج لها عن العدم فأما الأمر فإنه ليس موقعا للفعل حتى تجب مقارنته لها فإن قيل هو موقع لكونها طاعة قلنا يمكن إيقاعها بطلب سابق إذ ليس وجود الفعل متعلقا به ووصفه بالطاعة ممكن بخلاف القدرة السابقة فيتنزل الأمر مع الطاعة منزلة النظر مع العلم ثم العلم يحصل بتصرم النظر وإن كان لا بد من تقدم النظر

مسألة: قال شيخنا أبو الحسن الأشعري رحمه الله المعدوم مأمور على تقدير الوجود إذ ثبت عنده الكلام القديم وثبت كون الباري آمرا أزلا وأبى المعتزلة له ذلك وقالوا الأمر طلب فكيف يتوجه على المعدوم والمجنون يستحيل خطابه لأنه عديم الفهم فالمعدوم أولى بأن لا يخاطب ثم جعلوا هذا ذريعة إلى رد الكلام ولا يغني في الجواب ما ألزمهم القاضي من كون المأمور معدوما إذ ذلك من ضرورته فلا استحالة فيه ولا قوله إن النبي  إذا توفي فهو كالمعدوم في حقنا وقد بقي آمرا بعد العدم فإنه لا أمر للرسول عليه السلام وهو سفير فالأمر لله تعالى الذي لا يموت ولأن القاضي لا يجوز كون الآمر معدوما قطعا فلا معنى لهذا الكلام فالوجه أن يقول لا يبعد من حيث التصور أن يقوم طلب بذات شخص لزيد من ولده الذي لم يحدث تعلم العلم إذا حدث ويبقى الطلب مستمرا فإذا وجد اتصل الطلب الذي هو الأمر به فكذلك الباري تعالى كان الطلب الذي هو الأمر قائما بذاته قديما ولم يتوجه الطلب على المعدوم ولكنهم إذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الطلب السابق تغير وتبدل والمعدوم لا يكلف قطعا وهذا معنى قوله على تقدير الوجود فإن المعدوم إذا قدر وجوده لم يكن معدوما وحكى عن عبد الله بن سعيد انه قال كلامه كان قائما بذاته قديما ولم يكن أمرا إنما صار أمرا ثم الوجود فإن عني به ما ذكرناه وهو الظن فسديد وإلا فهو قول بحدوث الأمر إذا الأمر إثما كان أمرا لعينه فلا يتغير بالأوقات وثبت الكلام القديم بدليل آخر ووجه تصور الأمر قديما ذكرناه والله اعلم


القول في النواهي

وقد اندرج معظم مقاصدها تحت الأمر فإنها تلوها فمن توقف في صيغة الأمر توقف في صيغة النهي ومن حملة على الوجوب حمل النهي على الخطر ومن حملة على الندب حمل هذا على الكراهية ومن حمل ذلك على رفع الحرج في الفعل حمل هذا على رفع الحرج في ترك الفعل ومقصود الباب تحويه خمس مسائل      

مسالة: النهي محمول على فساد المنهي عنه على معنى انه يجعل وجوده كعدمه وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ولكنا مع هذا نقضي بصحة الصلاة في الدار المغصوبة خلافا لأبي هاشم فإنه قضى ببطلانها واستدل بأن المكث منهي عنه والصلاة مكث في الدار بحركة أو سكون فقد تمكن النهي من نفس الفعل فيستحيل وقوع النهي طاعة إذ ذلك يؤدي إلى وصف الشيء الواحد بالوجوب والتحريم فأورد عليه البيع في وقت النداء وتحريم وقد طولب بالرد وأجناس لهذه المسالة فارتبك وقال اقضي بفساد كل عقد تمكن التحريم منه إن ثبت التحريم وعورض استبعاده بوقوع فعل الذاهل في أثناء صلاته طاعة مع عدم التقرب فقال لا بعد في هذا فإنه لم يكلف القصد إلا في أول الوقت ثم حكمه منسحب كما ينسحب حكم الإيمان في لحظة على جميع العمر وإنما البعيد كون الشيء الواحد مأمورا مطلوبا واجبا منهيا مطلوب الترك قال القاضي هذه الصلاة لا تقع طاعة كما ذكره أبو هاشم ولكن يسقط الفرض عندها ولا يسقط بها بعيد كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه يسقط قضاء الصلوات الزكوات بالرد وليس ذلك طاعة وامتثالا فقيل له ثبت جوازه عقلا فما الدليل على وقوعه قال ذلك موكول إلى رأي الفقهاء فلينظروا فيه نظرهم وليتمسكوا بغلبة الظن ثم قال يمكن إثبات وقوعه بالتمسك بمسالك الصحابة فإنهم كانوا يأمرون الظلمة بتدارك المظالم ورد المغصوب مع علمهم بأن عمر الظالم لا يخلو من أداء صلاة في دار استولى عليها ولم يأمروا بإعادة الصلاة فتبين سقوط الفرض به والمختار أن الصلاة واقعة طاعة لان أفعاله تضمن مكثا في الدار وأداء الفعل للصلاة فله جهتان المقصود بالنهي جهة الكون والواقع طاعة أداء الصلاة ولا نظر إلى اتحاد صورة الفعل إذ الأمر والنهي يتلقى من قصد المخاطب وعن هذا قلنا الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده وان وقع من ضرورته ولو قال السيد لغلامه لا تدخل هذه الدار وخط هذا الثوب فدخل الدار وخاط الثوب عد في العرف ممتثلا في الخياطة مخالفا في الكون في الدار وان كان الكون من ضرورة الخياطة ونحن نحمل النهي على الفساد إذا تمكن من الشيء مقصودا بالنهي وان تضمن منع المالك من الأخذ وهو المنهي

مسالة: إذا دخل عرصة مغصوبة وتوسطها وجب عليه الخروج وانتحاء اقرب الطرق وقال الجبائي يحرم الخروج لأنه تخطى في دار الغير قلنا والمكث أيضا كون في دار الغير والنهي عنهما جميعا تكليف مستحيل فليجب الخروج إذ به الخلاص فإن قال الساقط على إنسان محفوف بأناس صرعى إذا علم انه لو مكث قتل من تحته ولو انتقل قتل غيره فينهي عن المكث والانتقال جميعا قلنا قال القاضي حظ الأصولي انه لا يجمع بين الأمر والنهي عنهما في المسالتين أما ما يؤمر به من الجانبين فذاك إلى رأي الفقهاء والمختار في صورة القتل أن يقال لا حكم لله تعالى فيه فلا يؤمر بمكث ولا انتقال ولكن إن تعدى في الابتداء انسحب حكم العدوان وان لم يقصد فلا يعصي ولا تكليف عليه ونفي الحكم حكم لله تعالى في هذه الصورة وأما الخروج فمكن فانه لا يؤدي إلى إتلاف وهو اقرب من المكث     
مسالة: السجود بين يدي الصنم على قصد الخشوع يحرم وقال أبو هاشم المحرم هو القصد إذ عين هذا الفعل يقع طاعة بقصد التقرب وهذا فاسد فإنه إذا قصد اكتسب الفعل حكم القصد فصار محرما كما يكتسب حكم النية فيصير طاعة وهذا يجره إلى نفي التحريم عن فعل الزاني وإخراج الأفعال عن وقوعها قربة وهو محال     
مسالة: أجمع القائلون بأن صيغة النهي للتحريم على انه إن تقدمت صيغة عليه لا تغيره فأما صيغة الأمر بالشيء بعد تقدم النهي عليه اختلفوا فيها قال القاضي في التفريغ على مذهبهم هو للوجوب لأن الصيغة لم تتبدل وما سبق ليست قرينة مقترنة بها وصار آخرون إلى أنه للإباحة بدليل قوله وإذا حللتم فاصطادوا وله الاعتضاد بالعرف أيضا والمختار أن نتوقف فيه إذ يحتمل أن يكون تقدم النهي عنه قرينة تؤثر في هذه الصيغة ويحتمل خلافه ولا تثبت فيه فيجب التوقف في فحواه إلى البيان     
مسألة: إذا قال لا تلبس ثوبا من هذه الثياب الثلاثة وأنت بالخيار صح النهي خلافا لأبي هاشم ومسلك الكلام ما ذكرناه في خصال الكفارة معه في الأوامر فلا نعيده هنا   فصل فيما تستعمل فيه صيغة الأمر تستعمل للوجوب كقوله أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وللندب كقوله تعالى فكاتبوهم وللإرشاد كقوله تعالى واستشهدوا وللإباحة كقوله تعالى:  وإذا حللتم فاصطادوا  وللتأديب كقوله عليه السلام لابن عباس : " كل مما يليك " وللامتنان كقوله تعالى:  كلوا مما رزقكم الله  وللإكرام كقوله تعالى:  ادخلوها بسلام  وللتهديد كقوله تعالى:  اعملوا ما شئتم  وللتعجيز كقوله تعالى:  كونوا حجارة أو حديدا  وللتسخير كقوله تعالى:  كونوا قردة خاسئين  وللإهانة كقوله تعالى:  ذق إنك أنت العزيز الكريم  وللتسوية كقوله عز وجل:  اصبروا أو لا تصبروا  وللإنذار كقوله تعالى: كلوا وتمتعوا قليلا  وللدعاء كقوله عز وجل اهدنا الصراط وللتمني كقول الشاعر 

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل

وقوله تعالى: كن فيكون  إخبار عن نهاية الاقتدار فظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه ومجموعه ثلاثة عشر ويرد النهي لسبعة معان للتحريم كقوله تعالى:  ولا تقربوا الزنا  وللكراهة كقوله لعائشة : " لا تتوضئي بالماء المشمس " وللتحقير كقوله تعالى:  ولا تمدن عينيك  ولبيان العاقبة كقوله تعالى:  ولا تحسبن الله غافلا  وبمعنى الدعاء كقوله تعالى:  ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وللإياس كقوله تعالى:  لا تعتذروا اليوم  وللإرشاد كقوله تعالى:  لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم  والله أعلم

باب بيان الواجب والمندوب والمكروه والمحظور

     قيل في حد الواجب ما يستحق العقاب على تركه وهذا فاسد لأن الرب تعالى يتعالى عن أن يستحق عليه ثواب أو عقاب وله أن يفعل ما يشاء لمن يشاء وقيل ما ورد الوعيد على تركه ووجه فساده أنه لو ورد الوعيد قطعا لكان لا يتوقع المغفرة والعفو فإن كلام الباري سبحانه حق وصدق ولا يمكن تحديده إذ الوجوب إنما يتميز عن الجواز باستحثاث عقل العاقل على فعله لاجتناب أمر محظور مقطوع به واقتحام منفعة ناجزة لا يقطع بالعقاب عليه ليس بعيدا عن العقل فوجب تحديده بما ورد اللوم على تركه أو بما يعصي تاركه فإن العصيان اسم ذم يقضي العقل باجتنابه وأما المحظور فكل يحده بنقيض ما حد به الواجب وأما المندوب فكل مأمور لا لوم على تركه وأما المكروه فقيل هو ترك المندوب وهو باطل بترك استغراق الأوقات في العبادات فإنه ليس بمكروه وإن كانت العبادات مندوبا إليها وقيل ما أو يخاف عليه العقاب أو تضمن اقتحام الشبهة والكل فاسد فإنه مرتبط بتردد والكراهية حاصلة مع القطع بنفيها فالوجه أن يقال المكروه كل منهي لا لوم على فعله وأما الإباحة فتخيير بين فعلين لا يتميز أحدهما عن الآخر بندب ولا كراهية وأما التروك فعبارة عن أضداد الواجبات كالقعود ثم الأمر بالقيام ثم يعصي بترك القيام لا بالقعود ووافقنا عليه أبو هاشم فسمي أبو هاشم الذمي من حيث أنه علق الذم بالمعدوم

كتاب العموم والخصوص

العام نوع من أنواع بالنفس كما ذكرناه في الأمر وحده ما يتعلق بمعلومين فصاعدا من جهة واحدة احترازا عن قوله ضرب زيد عمرا ومقصود الكتاب تحويه ثلاث عشرة مسألة:     
مسألة: المتوقفون في صيغة الأمر توقفوا في صيغة العموم وإليه صار شيخنا أبو الحسن ولزمه ذلك من أسئلة الوعيدية الصائرين إلى أن المؤمن يعذب بالمعصية وقول الجهمية المرجئة الذين يقولون إن المؤمن لا يعذب بالمعصية والخوارج الذين صاروا إلى أن من ارتكب معصية خلد في النار مع زعمهم أن لا صغيرة إذ مخالفة الأمر كيف كان فهي كبيرة ومنهم من أثبت الصغيرة وقضي بإحباطها إلا إذا وقع الإصرار عليها ثم اختلفت الواقفية فمنهم من قال العام مشترك للواحد والجمع كلفظ العين ومنهم من توقف في ذلك أيضا ووجه إبطال مذهبهم ما ذكرناه في صيغة الأمر على أنا نعلم تفرقه العرب بين الرجل والرجلين والرجال وتمييز الواحد عن الجمع والجمع عن الثنية وقال الشافعي رضي الله عنه العام نص في كل ما يصلح أن يكون متناولا له وعزي إلى شيخنا أبي الحسن أنه قال وإن اقترنت به القرائن المؤكدة فهو متوقف فيه وهذا صحيح وقيل لم يتوقف في أداة الشرط إذا اتصل بالكلام في قولهم من دخل الدار فأعطه درهما والمختار أنه نص في أقل الجمع كما ذكرناه ظاهر فيما وراءه ووجهه ظاهر وغرضنا من صيغ الجمع يتبين بتقسيم فنقول العموم يتلقى من أدوات الشرط ومن صيغ الجموع أما أدوات الشرط كقولهم من دخل الدار فأعطه درهما ومن أحيا أرضا ميتة فهي له وكلمة من اسم تقتضي الإبهام فتقتضي الاستغراق وقد يتلقى من ظرف الزمان كقوله متى أكرمتني أكرمتك ومن ظرف المكان كقوله حيث كنت حضرتك قال القاضي وكذا إذا قال إن أكرمتني لأن إن تقتضي إبهاما وعندنا إنه لا يقتضي الاستغراق لأن الإبهام آيل ومعناه إن كان منك إكرام يكن مني إكرام فهذا نص في الإكرام الأول أما الثانية والثالثة فنتوقف فيه وأما صيغة الجمع فتنقسم إلى جمع السلامة وهو ما يسلم فيه بناء الواحد وإلى جمع التكسير وهو الذي لا يسلم فيه بناء الواحد ثم جمع السلامة ينقسم إلى جمع الذكور كقولك مسلم ومسلمون والأصل فيه زيادة الواو والنون وزيادة الياء والنون وإلى جمع الإناث وهو منقسم إلى ما لا يظهر فيه علامة التأنيث كقولك هند ودعد فيجمع بزيادة الألف والتاء وإلى ما يظهر فيه علامة التأنيث بالتاء كقولك مسلمة فيجمع بزيادة الألف والتاء مع حذف تاء التأنيث فتقول رأيت المسلمات لان التاء لم تكن من وضع الاسم ومنها ما تظهر فيه العلامة بالألف الممدودة كقولك صفراء وحمراء فالوجه إبدال الألف الثاني وهي الهمزة بالواو وزيادة الألف والتاء وما يكون الألف مقصودا كالحبلى والسكرى تبدل الألف الأخيرة بالياء وتزاد الألف والتاء وأما جمع التكسير وهو الذي ينكسر فيه بناء الواحد بزيادة حرف كقولك رجل ورجال أو نقصان كقولك كتاب وكتب أو تبديل حركة كقولك أسد وأسد قال وجمع السلامة في اللسان للتقليل وهو العشرة فما دونه وما كان من جمع التكسير على وزن الأفعال كالأثواب أو الافعلة كالأرغفة أو الافعل كالأكلب أو الفعلة كالصبية فهي للتقليل وما عداه للتكثير وأما المؤمنون والكافرون حيث ورد في القران فهو للتكثير قطعا ويحتمل أن يكون ذلك من احتكام الشرع كما احتكم على لفظ الصوم والصلاة ويحتمل أن يكون كما قاله سيبويه أن كل اسم لا تسمح العرب فيه بصيغة التكثير فصيغة التقليل محمول على التكثير ابتغاء لكثرة ملكا كقولهم في جمع الرجل أرجل فهو للتكثير وعلى الجملة نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يترددوا في ذلك بل فهموا التكثير وليعلم أن الحرف والفعل لا يجمعان وإنما يجمع الاسم وقولك قاما وقاموا ليس جميعا للفعل إنما هو بعديد للفاعل فإذا أردت جمع الفعل ترده إلى الاسم فتقول قام قومتين
 مسالة: لفظ المسلمين صالح لاندراج المسلمات تحته تغليبا للتذكير على التأنيث ولكنه في موضوع له خلافا لبعض الناس كقوله تعالى:  وكانت من القانتين  لأنه جمع المسلمين مختص بالرجال ولفظ الناس في وضعه يشتمل على النساء مع الرجال إذ يقال لها إنسان وقد خولف فيه أيضا والعبيد يندرجون تحت لفظ المؤمنين في لسان الشارع ولا بد من دليل في استثناثه لأنه يقال لآحادهم عبد مؤمن وقيل انه لا يندرج لوقوعه مستثنى عن بعض الألفاظ وهو فاسد لأن ذلك لقيام الدليل على استثنائهم      

مسالة: قال قائلون لا يندرج المخاطب تحت مطلق الخطاب بدليل قوله الله:  خالق كل شيء  وقول القائل من دخل الدار فأعطه والمختار انه يندرج لان اللفظ عام والقرينة هي التي أخرجت المخاطب عن قضية الخطاب فيما ذكروه ويعارضه قوله وهو بكل شيء عليم فإنه عالم بذاته

مسالة: اسم الفرد إذا اتصل به الألف الاستغراق كقولهم الدينار أفضل من الدرهم والمختار أن ما يتميز لفظ الواحد فيه عن اسم الجنس بالهاء كالتمرة والتمر فإذا عري عن الاستغراق للجنس وانكره الفراء واستدل بجواز كم على تمور ولكن هذا جمع على اللفظ لا على المعنى وأما ما لا تدخل الهاء فيه للتوحيد ينقسم إلى ما لا يتشخص ولا يتعدد كالذهب فهو لاستغراق الجنس إذ لا يعبر عن ابعاضه بالذهب الواحد وما يتعدد كالدينار والرجل فلا يتناول إلا الواحد والألف واللام فيه للتعريف إن اتصل بالرجل أو تعريف الجنس ولا اثر له في تخصيص واستغراق وإنما يفهم الجنس من قولهم الدينار أفضل من الدرهم بقرينة التسعير
 مسالة: نكرة الوحدان في النفي تشعر بالاستغراق كقوله ما رأيت رجلا وفي الإثبات تشعر بالتخصيص كقوله رأيت رجلا لان النفي عام لا خصوص له بأقوام مضبوطين والنكرة فيه ابهام فلا تقطع عموم النفي والإثبات خاص إذ الرؤية يستحيل عمومها في كل مرئي والنكرة تقتضي تخصصا وابهاما فإذا اتصل تخصيصه معين وان اتصل بالإثبات كلمة الشرط كقوله من أحيا أرضا ميتة فهي له كان للاستغراق لأن كلمة من فيه ابهام فلا تقتضي الخصوص فأما نكرة الجمع في النفي كقوله ما رأيت رجالا قال القاضي هو للاستغراق كنكرة الوحدان بل هو أولى وقال أبو هاشم لا يقتضيه بدليل قوله ما لنا لا نرى رجالا ووجهته ظاهرة إذ يحسن أن يقال ما رأيت رجالا لكني رأيت رجلا ولا تقول ما رأيت رجلا ثم تقول رأيت لأن فيهم رجلا      

مسالة: قال الشافعي رضي الله عنه الاسم المشترك إذا ورد مطلقا كالعين والقرء عمم في جميع مسمياته إذا لم يمنع منه قرينه وكذا اللفظ الذي يستعمل مجازا في محل وحقيقة في محل يعمم كلفظ اللمس يحمل في نقض الطهارة على اللمس باليد والجماع قال القاضي والجمع بين الحقيقة والمجاز تناقض إذ المجاز ما تجوز به عن محله فكيف يجمع بينه وبين الحقيقة وهذا اعتراض على اللفظ فإنه لا يجمع بينهما في محل واحد ولكنه يقول يعمم مفهومه في محلين والمختار خلاف ما قاله الشافعي رضي الله عنه لان لفظ العين ما وضعته العرب لعموم جملة مسمياته فإنه لا يطلق لفظ العين لإرادة جملتها كما يطلق لفظ الرجال لإرادة الجمع بل وضعت لآحادها على البدل فهو ثم الإطلاق عندنا مجمل ولا يجمع أيضا بين الحقيقة والمجاز ولكنه يحمل على الحقيقة على إنفرادها أو على المجاز على حياله لعلمنا بأن العرب لا تطلق لفظ الأسد وتعني به الجمع بين الأسد والشجاع نعم يشتمل الجماع على لمس فيكون التعميم لذلك مسألة: أقل الجمع ثلاثة ثم الشافعي رضي الله عنه وقال مالك اثنان وقال ابن عباس رضي الله عنهما لعثمان  ليس في الأخوين إخوة لما أن رد الأم من الثلث إلى السدس بهما فقال حجبها قومك يا غلام وابن مسعود أحب للمقتدين أن يقف أحدهما على اليمين والآخر على الشمال فإذا كانوا ثلاثة اصطفوا وهذا مشعر من مذهبهما بأنهما وافقا الشافعي رضي الله عنه ولا شك أن حكاية الضمير متصلا كقولنا فعلنا ومنفصلا كقولك نحن فعلنا يعبر عن اثنين والعضوان أيضا يجوز إضافتهما بلفظ الجمع إلى الجملة كقوله فقد صغت قلوبكما وذلك لاستثقالهم الجمع بين تثنيتين مع انطباق صيغة القلوب على لفظ الوحدان في بعض المواضع ومحل الخلاف في لفظ الرجال والمختار عندنا أن أقل ما يتناوله ثلاثة بدليل تفرقتهم بين التثنية والجمع وتسميتهم الرجلين تثنية لا جمعا مع حصول ضم أحدهما إلى الآخر وفائدة هذا المذهب عندنا أنا نحوج بروم رد الجمع إلى اثنين إلى دليل أوضح مما يحتاج إليه ثم رده إلى ثلاثة ونسميه أيضا نصا في الثلاثة ظاهرا فيما عداه وليس من فائدته المنع من الرد إلى اثنين إذ الرجال قد يطلق ويراد به واحد ثم القرينة كقول الرجل لزوجته أتخرجين وتكلمين الرجال ويعني به رجلا واحدا وقد أجمع الفقهاء على أن المقر بدراهم لا تفسر بأقل من ثلاثة فهذا مفروع عنه

مسألة: إذا قيل لرسول الله  أفطر فلان بالجماع فقال فليعتق رقبة فيختص ذلك بالجماع خلافا لمالك عنه بأن ما عداه ليس في معناه مستقل فارتبط بالمذكور وإنما لم يختص بالسائل لاستواء جميع العالمين في التكليف شرعا      

مسألة: إذا قيل لرسول الله  أفطر فلان فقال ليعتق قال الشافعي رضي الله عنه يتعلق العتق بكل إفطار لأن حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال وأضرب الشرع عن الاستفصال فمطلق كلامه لعموم المقال والأمر على ما قال إن تبينا عدم إحاطة رسول الله  بسبب الإفطار وإن توقعنا علمه فلا نتمسك بعمومه ولا يكفي في قطع التوهم عدم النقل من الراوي مسألة: اللفظ الذي لا يستقل إذا ورد في سبب خاص فهو مختص به كما لو قيل أحلال فقال نعم واللفظ المستقل بعمومه الوارد على سبب لا نظر إلى سببه عندنا كقوله عليه السلام أيما إيهاب دبغ فقط طهر وقيل إنه يختص لاحتمال أنه أراد بيان هذه الواقعة وهو باطل لأنه يعارضه احتمال إرادة تمهيد الشرع فبقي عموم اللفظ بعد تعارض الاحتمالات وليس من محل الخلاف قوله إنما الأعمال بالنيات لأنه انعطف على الواقعة وخصصها بحكمها فقال فمن هاجر الحديث مسالة: عزي إلى أبي حنيفة  تجويز إخراج السبب عن عموم اللفظ استنباطا من مصيره إلى أن الحامل لا يلاعن عنها مع أن الآية وردت في امرأة العجلاني وكانت حاملا ومن مصيره إلى أن ولد المشرقية يلحق بفراش المغربي مع عدم الاحتمال تليقا من قوله عليه السلام: " الولد للفراش " وقد ورد في عبد بن زمعة إذ تداعى ولد وليدة أبيه وكانت رقيقة ولدت على فراش أبيه وعنده أن الأمة إذا أتت بولد لا يلحق بالسيد وان أقر بوطئها وهذا أسوأ رأي له في فإذا جميعا فلا ينبغي أن يتخيل من عاقل مصيره إلى تجويز إخراج السبب عن قضية اللفظ مسالة: العام إذا دخله التخصيص كان مجملا في الباقي إن كان المخصص عنه مجهولا وان كان معلوما فهو حقيقة في الباقي يجب العمل به إلا انه مجاز في الانحصار عليه لان اللفظ الراوي الكل فإن اخرج البعض بقي الباقي على أصله وقال القاضي هو مجاز يجب العمل به فإن عني به ما ذكرناه فذاك إلا فما ذكرناه رد عليه وقال الشافعي رضي الله عنه حقيقة في الباقي يجب العمل به وقال جمهور المعتزلة هو مجمل لا نتمسك به وقال أبو هاشم نتمسك به في واحد ولا نتمسك به جميعا وهذا محال لان المخرج عنه معلوم فكيف يصير الباقي مجملا نعم لو كان مجهولا فلا نتمسك به كما لو تمسك متمسك في مسألة الوتر بقوله وافعلوا الخير لا يجوز لان المستثنى عن عموم هذا معلوم القول في الاستثناء وفيه أربعة فصول الفصل الأول في حروفه

يرفع عموم اللفظ بقرائن حالية لا ضبط لها نفهمها من معانيها وكقولك رأيت الناس نعلم انك ما أردت جميعهم وبقرائن لفظيه وهي منقسمة إلى الاستثناء والتخصيص إما الاستثناء فحروفه إلا وعدا وسوى وغير وحاشا وأم الباب إلا ثم هو منقسم إلى ما يرد على الإثبات والى ما يرد على النفي والوارد على الإثبات كقولك اقبل القوم إلا زيدا والأصل فيه النصب وكأنك تقول استثني زيدا سيما على تقدير الإضمار كما تقول يا عبد الله أي أنادي عبد الله ويجوز رفعه على تقدير كون إلا بدلا ونقل إلى ما بعده فانك تقول اقبل زيد فتنقله إلى ما بعد إلا بدليل قول الشاعر         

وكل أخ يفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان والأصح النصب يرفع بتقدير الصفة معناه اقبل القوم المغايرون لزيد وتقدير الصفة في الاستثناء بعيد وإنما قال الله تعالى:  لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  لأن الكلام ليس مستقلا فصار الباقي جزءا منه وتتمة له فتقدر تقدير الصفة وأما الوارد على النفي إن كان مستقلا كقولك ما جاءني القوم إلا زيدا فهو كالإثبات والأصل فيه النصب والرفع على تقدير البدل فالذي لا يستقل فهو تزوجها أبدا كقولك ما جاءني إلا زيد وإلا ساقط الأثر في الإعراب فهو كقولك ما جاءني زيد ولو عقبت الاستثناء بغيره نصبته كقولك ما جاءني إلا زيدا أحد بدليل قول الكميت فما لي آل احمد شيعة وما لي إلا مشعب الحق مشعب

 وكقول كعب بن مالك         

القوم الب علينا فيك ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر

 وقال بنو تميم لا يجوز أن يقال ما جاءني أحد إلا حمارا لان اسم أحد لا يطلق عليه فلا يقال فيه رأيت أحدا وجوزه أهل الحجاز وأجابوا بقولهم ركبت أحد حماري والله اعلم

الفصل الثاني

                 في شرائطه

وأما شرائطه فثلاثة:

أحدها: أن يكون متصلا بأول كلام لأنه جزء منه والرجوع فيه إلى العرب وعاداتهم ولو جوزوا انفصاله لبطلت أيمانهم ومواثيقهم وما وجب الوفاء بها وعزي إلى ابن عباس رضي الله عنهما انه لصاحب تأخير الاستثناء فإن صح فوجه بطلانه ما ذكرناه والوجه تكذيب الناقل فلا يظن به ذلك أو يقال أراد به إذا أضمره في وقت الإثبات وأبداه بعد ذلك فقد يقول انه يدين ومذهبه أن ما يدين الرجل فيه يقبل منه إبداؤه أبدا وقيل انه أراد به في استثناءات القرآن وقد قال بعض الفقهاء والتأخير قادح لان كلامه تعالى بنفسه وهو واحد لا ينقطع ولا انفصال فيه وهذا فاسد لان القرآن نزل على لسان العرب ونحن نتكلم في الألفاظ فلا نفهم منها إلا ما يفهم من كلام الرسول وما ذكروه إبطال لكل طريقة لطيفة ذكرها المفسرون     
الشرط الثاني: أن لا يكون مستغرقا لئلا يتناقض ووجه ظاهر وليس من شرطه استبقاء المعظم خلافا للقاضي واستدل بأن المستغرق إنما رد وأحبار عن عادة العرب لا لتضمنه نفيا بعد الالتزام بدليل قبول قوله عشرة إن شاء الله تعالى واستثناء التسعة عن العشرة حائد عن العادة قلنا إنما رد المستغرق لتناقضه متناقض نعم هو ركيك حائد لكن لا ننظر إليه في الأقارير بدليل قبول قوله إلا تسع بينها وخمس سبع وسبع بينها فهذا ركيك ثم هو مقبول نعم لا يصدر مثله من الشارع لركاكته لا لتناقضه
 الشرط الثالث: أن يكون الاستثناء من الجنس لأنه مشتق من الثني وكأنه يثني الكلام والجواب ويصرفه عن أن يفهم منه العموم فلا معنى لقول القائل رأيت الناس إلا حمارا لان الكلام لا يتناوله والشافعي رضي الله عنه لصاحب الاستثناء الجنس بتقدير الرجوع إلى الجنس كما يقول المرء لفلان علي ألف درهم إلا ثوب إن فسره بقيمة ثوب رده إليه قبل وان فسره بعين الثوب لم يقبل فهو بتقدير الرجوع إلى جنس الدراهم وأبو حنيفة رضي الله عنه منع ذلك إلا في استثناء المكيل عن الموزون عن المكيل

الفصل الثالث

قال الشافعي رضي الله عنه الجمل المستقلة إذا عطف البعض منها على البعض بالواو الناسقة وعقب باستثناء رجع إلى الجمل كلها وبنى عليه قبول شهادة المحدود في القذف وقال أيضا لو أقر لبني عمرو وبني بكر إلا الفساق يستثني الفساق من القبيلتين وكذا في الوصية واستدل بأن الجمل صارت كجملة واحدة بالواو العاطفة وهذا ضعيف لأن الواو للنسق لا للجمع وكيف تجتمع جمل متناقضة كقولك أكرمت بني عمرو وأهنت بني خالد وضربت بني زيد وليس هذا كقوله رأيت زيدا وعمرا لأن قوله وعمرا لا يستقل بنفسه فالقطع بانعطاف الاستثناء على الكل تحكم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه ينحصر على الأخير وناقض في المشيئة حتى لو قال لبني فلان وبني فلان إن شاء الله رجع إلى الكل وناقض في الوصية كقوله أوصيت لبني زيد وبني بكر المساكين منهم قال يرجع إليهما والتحكم أيضا بالانحصار باطل إذ لا يبعد أن يقول الرجل أوصيت لبني فلان وبني فلان إلا الفساق ويعني به استثناءهم عن الكل ولكن اللفظ متردد ولا قرينة فالوجه التردد وإبطال التحكم بكلا الجانبين نعم يساعد الشافعي رضي الله عنه في مسألة الإقرار والوصية لتعارض الاحتمالات ووجوب الاقتصار على المستيقن ويوافقه في مسألة المحدود في القذف ولأن الجملة فيه قوله وأولئك هم الفاسقون وهو وصف وذكر علة فلا يرجع الاستثناء إليه أصلا على وجه الانحصار

الفصل الرابع في تمييز الخاص عن الاستثناء فليعلم أن العام قد يكون عاما لذاته كالمذكور والمعلوم فلا تخصيص فيه وقد يكون عاما بالنسبة كالموجود والجوهر وما ضاهاه فالخاص لذاته كالواحد الذي لا يتجزأ والخاص بالإضافة مثلا كالثلاثة خاص بالإضافة إلى ما فوقه عام بالإضافة إلى ما دونه وحد الخاص في غرضنا القول الذي يندرج تحته معنى لا يتوهم اندراج غيره معه تحت مطلق ذلك اللفظ والفرق بين الاستثناء وبين التخصيص أن الاستثناء جزء من الكلام ولهذا يعتبر اتصاله بخلاف التخصيص والآخر أن التخصيص بيان لمعنى اللفظ المطلق حتى يبين أنه المراد به والاستثناء ليس بيانا فإنه إذا قال لفلان علي عشرة إلا خمسة لا يبين أن العشرة أريد بها الخمسة ولكن العشرة للعشرة ولزوم الخمسة يتبين بتتمة الكلام ولفظ الناس إذا خصص بالعشرة تبين أنه المراد به ثم الإطلاق ولكنا تبيناه ثم التخصيص وعن هذا كان الاستثناء رافعا وناسخا ولم يكن التخصيص كذلك والاستثناء يجوز اتصاله بالنص والتخصيص لا يتطرق إلى النص نعم يتطرق الاستثناء إلى الظاهر أيضا إذ يقول رأيت الناس إلا ثلاثا كتاب التأويل

يتقدم على مقصوده أن مأخذ الشريعة ينقسم إلى الألفاظ وإلى ما عداها وغرضنا ذكر الألفاظ وضبطها إذ عليها نتكلم بمسالك التأويل ثم هي تنقسم إلى ألفاظ القرآن وإلى ألفاظ الرسول فأما ألفاظ القرآن فتنقسم إلى ما يقطع بفحواه وهو النص وإلى ما يظهر معناه مع احتمال وهو الظاهر وإلى ما يتردد بين جهتين ترجح وهو المجمل وألفاظ الرسول تنقسم إلى متواتر وهو نازل منزلة القرآن في التمسك به وفي انقسامه فإنه مقطوع به وإلى المنقول آحادا وهو الذي لا يقطع بأصله وهو أيضا ينقسم إلى نص وظاهر ومجمل كآيات القرآن ولفظ الصحابي إذا رأيناه دليلا فهو كالإخبار والان إذا انضبط مأخذ الألفاظ فلا بد من بيان أقسامه ومجموعها النص والظاهر والمجمل
   أما النص فقيل في حده انه اللفظ المفيد الذي لا يتطرق إليه احتمال وقيل هو اللفظ الذي يستوي ظاهره وباطنه ولا يرد عليه الفحوى المفهوم على القطع وإن كان لا يسمى نصا فهو مفهوم النص وفائدته فلا يسمى نصا ثم قال الأصوليون لا يوجد على مذاق هذا الحد في نصوص الكتاب والسنة إلا ألفاظ معدودة كقوله تعالى قل هو الله أحد وقوله تعالى محمد رسول الله وقوله عليه السلام في قصة العسيف أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها وقوله عليه السلام لابن نيار الانصاري تجزي عنك ولا تجزي عن أحد سواك فإنها ألفاظ صريحة بعيدة عن الاحتمال وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه سمى الظاهر نصا ثم قال النص ينقسم إلى ما يقبل التأويل والى مالا يقبله والمختار عندنا أن يكون النص ما لا يتطرق إليه التأويل على ما سيأتي شرط التأويل وتسمية الظاهر نصا منطلق على اللغة لا مانع في الشرع منه إذ معنى النص قريب من الظهور تقول العرب نصت الظبية إذا شالت رأسها وظهرت وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليها العروس وفي الحديث كان إذا وجد فجوة نص ولو شرط في النص انحسام الاحتمالات البعيدة كما قال بعض أصحابنا فلا يتصور لفظ صريح وما عدوه من الآيات والأخبار تتطرق إليها احتمالات فقوله قل هو الله أحد يعني اله الناس دون الجن وقوله محمد رسول الله أي محمد والى أي إقليم والى أي زمان وقوله تجزي عنك أي تثاب عليه وقوله إن اعترفت فارجمها أي إذا لم تتب فهذه احتمالات بعيدة تطرقت إليها فالوجه تحديده بما ذكرناه   
وأما الظاهر قال الأستاذ أبو إسحاق هو المجاز والنص هو الحقيقة ورب مجاز هو نص كقوله والتحريم لا يتعلق بالخمر حقيقة وقوله تعالى والحافظات بعد قوله والحافظين فروجهم مجاز في حفظ الفرج على الخصوص وهو نص في مقصوده وكذلك تخصيص الدابة ببعض الحيوانات مجاز وهو مفهوم قطعا فالوجه أن يقال الظاهر ما يغلب على الظن فهم معنى قطع      

مسألة: لا يتمسك بالظواهر في العقليات لان المطلوب فيها القطع وينخرم ذلك بأدنى احتمال ويكفي المعترض إبداء احتمال ولا يحتاج إلى تعضيده بدليل وأما النص فجوز أبو هاشم التمسك به في العقليات وقال الوحدانية ثابتة بقوله قل هو الله أحد قال القاضي يجوز التمسك به في كل معقول ينحط إثباته عن إثباتا لكلام للباري فإنه مستند السمعيات كما في مسألة الرؤية وخلق الأفعال ولكن ليعتقد أن الدليل لا ينحصر فيه

أما المجمل مشتق من قولهم أجملت الحساب إذا جمعت مفرقه ولهذا يمكن تسمية العام مجملا لاشتماله على الآحاد والمجمل في غرضنا ما لا يفهم معناه وكذا المبهم واشتقاق المبهم من قولهم أبهمت الطريق إذا تتبع آثار السالكين بالمحو ومنه الفارس المبهم وهو الكمي المقنع الذي لا تدري عينه ثم قد يقع الإجمال في المحل والمقدار والمصرف كقولك لفلان في بعض مالي حق وقد يرتفع البعض ويبقى البعض كقوله وآتوا حقه يوم حصاده بين الوقت والمحل وبقي المقدار مجملا ومثال الإجمال ثلاثة صفة مجهولة كقوله مسافحين فإن الإحصان متردد بين صفات وزيادة مجهولة كما إذا فرض ورود الشرع بتوقف صحة الصلاة على زيادة فيما عهد ولم تتبين الزيادة وتقصان مجهول كقوله لفلان علي عشرة إلا شيئا ولهذا لا يتمسك بعموم قوله افعلوا الخير لان المستثنى عنه مجهول في نفسه 

فصل في بيان المحكم والمتشابه قد اختلف الناس فيه على ست مذاهب قال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد المحكم هو الوعيد الوارد على الجرائم والكبائر والمتشابه ما ورد منه على الصغائر قال الأصم المحكم نعت رسول الله  في التوراة والمتشابهة نعته في القرآن وقال بعض السلف الحروف المقطعة في ابتداء السور متشابهة وما عداها فمحكمة وقال آخرون المتشابه ما ورد عليه النسخ والباقي محكم وقال آخرون المتشابه ما عسر إجراؤه على ظاهره كآية الاستواء إليه ميل ابن عباس رضي الله عنهما وأما الزجاج فقال الكل محكم إلا آيات القيامة فإنها متشابهة إلا لم يكشف الغطاء عنه بدليل قوله فيتبعون ما تشابه منه وكانوا لا يتبعون إلا أمر القيامة بدليل قوله عز وجل يسألونك عن الساعة ويشهد لكونها متشابهة قوله تعالى إن الساعة آتية أكاد أخفيها قال المفسرون على نفسي فإنه أخفاها تحقيقا عن غيره وقال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله يعني حاله وعليه وقف أبو عبيد وابتدأ من قوله والراسخون في العلم إذ العلوم كلها يحيط بها الراسخون فيها وليس هذا من غرض الأصول وغرضنا من المتشابه في الآيات المتضمنة للتكاليف محال ويتبين المقصود منه برسم مسألة

مسألة: في آية الاستواء قال مالك لما سئل عن الاستواء الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وقال سفيان بن عينيه يفهم منه ما فهم من قوله ثم استوى إلى السماء وقد تحزب الناس فيه فضل فريق وآجروه على الظاهر وتبعهم آخرون إذ ترددوا فيه وان لم يجزموا وفاز من قطع بنفي الاستقرار فإن تردد في مجمله ورآه فلا يعاب عليه وتكلف تعلم الأدلة على نفي الاستقرار لا نراه واجبا على آحاد الناس بل يجب على شخص في كل إقليم أن يقوم به ليدفع البدع إذا ثارت فإذن المتشابه ما لا يفهم معناه وذلك محال في محل التكليف فنعلم قطعا أن هذه الآية ما أريد بها الاستقرار فلا تشابه فيها نعم الحروف المقطعة إن كانت متشابهة فلتكن فليس ذلك مما كلفنا فهمه هذه مقدمات كتاب التأويل ولا يتوصل إلى مقصوده إلا برسم مسائل يتعرض فيها للتاويلات الصحيحة والفاسدة ومجموعها ثماني عشرة مسألة:
   مسألة: قالت المعتزلة لا يخصص عموم القرآن بأخبار الآحاد فإن الخبر لا يقطع بأصله بخلاف القرآن وقالت الفقهاء يخصص به لأنه يتسلط على فحواه مقطوع به قال القاضي أنا أتوقف فيه إذ ظاهر القرآن مقطوع الفحوى ونص إخبار الآحاد مقطوع الأصل والمختار انه يخصص لعلمنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون حديثا نصا ينقله إليهم الصديق في تخصيص عموم القرآن كيف وكانوا يقبلون نقل التفسير من الآحاد وهو أعظم من التخصيص ولما أن هموا بقسمة تركة رسول الله  نقل أبو بكر عنه انه قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " فتركوه وان كان آية الوراثة تشمله بعمومها وأما القياس فقد اختلفوا في تخصيص عموم القرآن به كما في الخبر ونحن نتوقف فيه إذ لم يثبت من الصحابة فيه نفي ولا إثبات وقول الصحابي  فيما رأيناه حجة فهو كالخبر   

مسألة: تأويل الراوي الحديث مقدم فإنه حضر فكان أولى بفهم القرآن وتخصيصه لا يقدم لاحتمال انه اعتمد فيه القياس ومذهبه مقدم ثم مالك رضي الله عنه وعند القاضي على رواية لان إحسان الظن به يقتضي حمله على ضعف وجده في الحديث وان أسيء الظن به فلا نقبل روايته قال الشافعي رضي الله عنه لا يقدم والحديث حجة عليه وعلى غيره فكأنا سمعناه من فلق في الرسول عليه السلام والمختار انه إن أمكن حمل مذهبه على تقدمه على الرواية أو على نسيانه فعل ذلك جمعا بين قبول الحديث وإحسان الظن وان نقل مقيدا انه يخالف الحديث مع علمه فالحديث متروك ولو نقل مذهبه مطلقا فلا يترك لاحتمال النسيان نعم يرجح عليه حديث يوافق مذهب الراوي

مسألة: زعم أبو حنيفة رضي الله عنه أن حمل المطلق على المقيد زيادة على النص وهو نسخ وجعل إيجاب الرقاب المؤمنة في الظهار اعتبارا له بالقتل من هذا الفن ثم اختلفوا في وجه النسخ فقال قائلون وجهه أن فيه شرط الإيمان والنص لم يقتضه وهذا هوس إذ يجب من مساقة على الرسول عليه السلام أن يبين أحكام الشرع دفعة واحدة فإذا أمر بالصلاة مقتصرا عليه فأمره بالصوم بعده ينبغي أن يكون نسخا وهذا ظاهر البطلان وقال النص اجزاء كل ما يسمى رقبة فشرط الإيمان يغير مقتضى النص وهذا أقوى لهم في 

مسألة: النية في الوضوء فإن الله تعالى تولى بيان أفعال الوضوء وأركانه فاقتضى ذلك وقوع الاجزاء بتحصيل ما يعرض له وشرط النية زيادة عليه قال الشافعي رضي الله عنه الزيادة على النص تخصيص وإنما قال ذلك لأنه يسمي الظاهر نصا والمختار أن الزيادة على النص نسخ حتى لو ثبت نص في اقتضاء الاقتصار فضم شرط إليه ينسخه وما نحن فيه تخصيص واجمع أصحابنا على جواز حمل المطلق على المقيد إذا تدانت الواقعتان وان اتحدت الواقعتان فهو مقول به بإجماع الأمة وان تباعدتا من كل وجه فهو ممنوع بالإجماع كشرط الشهادة في اليمين مثلا لان الله تعالى قيد المداينات بها والضابط فيه ما قاله القاضي انه إذا اختلف في الواقعتين الموجب والموجب فلا اعتبار وان اتحدتا جميعا فلا بد من الحمل وان اتحد الموجب واختلف الموجب ففيه الخلاف ومثاله شرط الأيمان في كفارة الظهار لثبوته في القتل ثم قال قائلون من أصحابنا يجوز الحمل عليه تحكما وهذا باطل إذ لا يقتضيه عقل ولا نقل مشعر به فلا بد من إذن من استنباط ثم قال قائلون لا يجوز الاستنباط من محل التقييد فليكن من محل آخر وهو عدم احزاء المزيد عليه بالاتفاق وهو باطل فإن المستنبط من محل التقييد إن كان مخيلا صلح للجمع وإلا فهو باطل لعدم الإخالة ولنا في الرد على أبي حنيفة  ثلاثة مسالك:

 احدها: أن نعارضه بقوله والسارق والسارقة وقد خصصه فشرط فيه كم وانتفاء الشبهات ونص الرب تعالى على ذوي القرى فزاد أبو حنيفة رضي الله عنه الحاجة ونص الله عز وجل على الرقبة فزاد بالاتفاق السلامة حتى قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجزي الأخرس فترك النص باجتهاد انفرد فيه والأخرس يسمى رقبة كيف وقد قال الاقطع بجزيء     
المسلك الثاني: أن التخصيص ينقسم إلى تخصيص الإبهام كقوله للفقراء فخصصه بثلاثة منهم اختصاص بوصف والى تخصيص تمييز كقوله اقتلوا المشركين فخصص بأهل الحرب دون أهل الذمة ولم يكن ذلك نسخا واسم الرقة في تناوله لجملة الرقاب مع اختلاف صفاتهم كاسم المشركين وكاسم الفقراء في تناوله لجميع الفقراء فليكن هذا تخصيصا كذلك      

المسلك الثالث: أن تقول إن ادعوا أن قوله تعالى فتحرير رقبة نص في نفي شرط الإيمان فقد افتروا على اللسان فإن اعترفوا بكونه ظاهرا فقد خصصنا بقياس سديد فليجز إذ لا منع منه كيف وهو ضعيف الظهور فإن الغرض من سياق الآية تمهيد اصل الكفارة لا بدليل انه لم يتعرض للسلامة فإن قيل كرر الرب تعالى الإيمان في كفارة القتل ثلاث مرات فلو كان شرطا في الظهار لذكره مرة واحدة قلنا سبب تكريره ذكره الكافرين بين ظهراني المسلم فلو اقتصر لتخيل أن الكافر مجز عن الكافر والمسلم عن المسلم

مسألة: قال رسول الله : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " حمل أبو حنيفة رضي الله عنه الحديث على الأمة فأعترض عليه بقوله فإن وطئها فلها المهر والأمة لا تستحق فحمل على المكاتبة وزعم أن هذا تأويل صحيح لأن المرأة اسم عام يتناول الإماء والمكاتبات والحرائر ويندرجن تحته اندراجا واحدا ولا يندرجن في حكم التبعية إذ التبعية لا معنى لها في الألفاظ ومثل هذه اللفظة يجوز تخصيصها بالحرائر فكذا بالإماء قال ولا يغني قولكم انه لو أراد المكاتبة لنص عليها فإن هذا يطرد في كل عام يخصص وهذا التأويل عندنا باطل قطعا بمسالك خمسة:    
الأول: أنه عليه السلام أطلق كلمة لاح فيها قصد العموم والعام إذا ظهر فيه قصد العموم للمتكلم فيه لا يخصص ودليل قصد العموم انه صدر الكلام ب أي وهي من أدوات الشرط وهي من أعم الصيغ ولهذا لم يتوقف فيها الواقفية ثم لما فرغ منها أكده بكلمة ما وهي من المؤكدات المستقلة بنفسها إذ هي من أدوات الشرط وردت مؤكدة للعموم لا تستقل كقولك اكتعين لا يذكر إلا بعد قوله رأيت القوم بجملتهم فهي أيضا تقتضي العموم ثم قال كويت باطل ذكر جملة مستقلة ثم رتب عليها جملة أخرى فوقعت الجملة الأخيرة جملة موقع الجزاء من الشرط والجملة الأولى في محل الشرط وهو كقول القائل بيع لازم فيفيد الملك فهذه ثلاث قرائن دلت على القطع على قصد العموم فلا يظن برسول الله  وهو الشارع للأحكام والقادر بفصاحته على الإتيان بعبارة ناصة على الغرض بأن يأتي بأعم الصيغ ويعني به اخص الصور وقد كان عليه السلام عالما بمواقع الكلام وما يفهم منها وعلم انه لا يفهم من قوله أيما امرأة المكاتبة      

المسلك الثاني: علمنا على القطع أن الصحابة ما فهموا المكاتبة منه وغايتنا الإقتداء بهم في التأويل المسلك الثالث: أن هذا الكلام لو صدر عن واحد منا لم يفهم منه المكاتبة به لنسب إلى الإلغاز

المسلك الرابع: أن القرائن قد تجعل العام نصا يمتنع تخصيصه مثاله أن المريض إذ قال لغلامه لا تدخل علي الناس وقرينة الحال تشهد لتأذيه بلقيانهم فأدخل عليه العبد جماعة من الثقلاء وزعم أني خصصت لفظك بمن عداهم استوجب التعزير     
المسلك الخامس: أن العدول عن الظاهر قد يقرب فيقبل وإذا بعد رد ولم يقبل بيانه أن من يقول التقيت اليوم بأسد إذا فسره بشجاع عظيم يقبل تفسيره لقربه ولو حمل على الابخر لاختصاص الأسد من بين سائر الحيوانات بالبخر رد كلامه ونسب إلى الهذيان لبعده عن الظاهر وحمل قوله أيما امرأة على المكاتبة حمل الأسد على الابخر وتفسيره به فإن قيل أليس لو صرح به رسول الله  باستثناء الكل إلا المكاتبة لكان اللفظ صحيحا والتخصيص كالاستثناء قال القاضي مثل هذا الاستثناء عندي باطل لأنه يستغرق معظم المقصود كقوله علي عشرة إلا ستة والمختار صحة هذا الاستثناء في التقارير ولكنه يستحيل صدوره عن ذي الجد في كلامه فإنه الغاز وحيد عن منهج كلام الفصحاء ثم ليس كلما يجوز استثناؤه للشارع يجوز ذلك لنا فإنه له أن يتحكم بتغيير لفظه وليس لنا ذلك والجملة المغنية أن المسميات الخاصة تقصد بالتخصيص والتنصيص عليها فأما أن يعبر عنها بألفاظ عامة فمحال   
مسألة: حمل أبو حنيفة قوله عليه السلام: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " على القضاء والنذر وهو باطل لان قوله لا صيام صيغة للتبرئة وهو يقتضي العموم في الوضع والذي يبتدر إلى الفهم منه الصيام المتأصل المترسخ في الشريعة وهو صوم رمضان فإنه ركن الدين فلا يظن به عليه السلام انه يطلق لفظ الصيام عاما ويريد القضاء على الخصوص قرينة وخصوص واقعة إذ لا يفهم ذلك منه قطعا فإن قيل ليمتع كل تخصيص من أجله قلنا اللفظ عام لا يخصص إلا بقرينة تقترن به فإن لم تكن قرينة امتنع تخصيصه والقرينة كقوله أحسنوا إلى الناس مثلا يعلم بالقرينة انه ما أراد جميع الناس في جميع الأحوال وكقوله عليه السلام: " في سائمة الغنم زكاة " يقتضي وجوبها فيما دون النصاب ولكن اعتمد على فهم النصاب قبل ذلك قالوا هذا حديث محمول على نفي الكمال كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فنقول قد حمل في بعض المسميات على نفي الجواز وهذا القضاء والنذر فلا وجه للتنويع قالوا ذلك مأخوذ من دليل آخر وقوله لا صيام مختص بالفرض فإنه الركن في الشرع على ما ذكرتموه قلنا إن جحدتم كون لفظ الصيام عاما في الكل في وضعه فهو عناد وان اعترفتم فلم يبق لكم إلا تحكم بتخصيص ليترتب عليه تأويل منحرف لا دليل عليه ونحن نعلم أن من تمسك بهذا الحديث في اشتراط التبييت في القضاء لم ينسب إلى الخطأ ونحن لم نقل أن تخصيصه بالصوم المتأصل واجب ولكنا ادعينا اندراجه تحت عمومه فكذلك القضاء يندرج تحت عمومه فالتحكم بالتخصيص بأحد النوعين قرينة مردود   

مسألة: قال رسول الله" : من ملك ذا رحم محرم عتق عليه " فحمل هذا على الأب تخصيصا به باطل لان الغرض من سياق الحديث إثبات مزية اختصاص بسبب القرابة والأب متميز بمزيد الإدلاء من جملة القرابات بكونه متميزا بمزيد خاصية توجب على ذي الجد في كلامه أن يخصصه بالذكر إن كان هو المقصود على الخصوص فأما إدراجه في لفظ يعمه مع أقوام ينحطون عنه في الاختصاص المقصود ركيك غث ومثاله قول القائل من دأبي إكرام الناس وكان مشهورا بإكرام أبيه على الخصوص وأراد بالناس الأب كان ملغزا في كلامه ولا يحمل كلام رسول الله  على مثله والشافعي رضي الله عنه لم يؤول لذلك لكن قال الحديث موقوف على الحسن بن عمارة مسألة: قال رسول الله  لغيلان حين أسلم عن عشرة نسوة: " امسك أربعا وفارق سائرهن " ولفيروز الديلمي حين اسلم على أختين: " امسك إحداهما " والجواب الأخرى فاقتضى لفظ الإمساك استمرار النكاح على المسكنات فحمل أبو حنيفة رضي الله عنه لفظ الإمساك على ابتداء وقال ومعناه اعد النكاح على أربع واترك الباقيات ويدل على بطلان هذا التأويل أربعة مسالك

احدها: علمنا على القطع بأن الذين حضروا الواقعة من الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا من لفظ الإمساك ما فهموه فإنا لو سمعناه من واحد منا لم نفهمه     
المسلك الثاني: هو أن لفظ الإمساك صريح في الإمساك وقد اقترن به قرائن أورثت القطع به:
احدها: مقابلته بلفظ المفارقة وتفويضه الفراق إلى خيرته فليكن ذلك مرتبطا بتعيينه الذي ينشأ بلفظ الإمساك ولفظ الإمساك مع مقابلته بلفظ المفارقة صريح 

والأخرى: انه لو أراد ابتداء النكاح لذكر النكاح وشرائطه فإنهم كانوا حديثي العهد بالإسلام ولو ذكره لكان ذلك أهم منقول في القصة

الثالث: انه لا يتوقع في طرد العادة انسلاكهن في ربقة واحدة في الرضا والإباء إذ كان يحتمل امتناعهن كلهن عن النكاح فكيف يظن برسول الله  إطلاق الأمر كذلك والأمر على التردد     
الرابع: انه عليه السلام حصر هذا الأمر فيهن وعندهن وسائر نساء العالم على وتيرة واحدة فلم خصصه بهن وقال امسك أربعا وامسك واحده والجواب الأخرى والقرائن ليست أجناسا بصنف وبجنس ولكنها مخايل يختص بدركها من شاهدها كاحمرار الخجل واصفرار الوجل وهذه قرائن واضحة يورث آحادها القطع فما الظن بمجموعها      

المسلك الثالث: أن تقول إن لم تسلموا كون ما ذكرناه مقطوعا به فتعلمون قطعا انه أغلب على الظن مما فأحمي ويجب تقديم ما يغلب على الظن بالإجماع

المسلك الرابع: هو أنا نقول قياسكم المناقض لهذا الحديث هل تشكون في صحته لأحل ما قررناه فإن قالوا لا فقد عاندوا وان اعترفوا به وهو مقطوع به فالقياس المشكوك في كونه مقولا به من الصحابة رضي الله عنهم باطل قطعا   
مسألة: ومن تأويلاتهم لهذا الحديث قولهم يحتمل أن غيلان كان قد نكحهن في ابتداء الإسلام في كفره قبل ورود الحصر في النسوة ثم ورد الحصر ثم أسلم وكان قد وافق نكاحهن شرط الإسلام في ابتدائه وفي مثل هذه الواقعة نقضي ببقاء النكاح في أربع والجواب من ثلاثة أوجه     
احدها: أن هذه الواقعة لو وقت لاقتضى القياس التدافع فإن مثاله طريان الرضاع المحرم على الزوجين من جهة الإخوة ولا خيرة للزوج في التعيين بل يبطل النكاح فيهما وليس كالطلاق الذي ينشئه المرء باختياره ولذلك يفوض التعيين إليه ولو صح على تقدير هذا التأويل لكفانا في المسألة قياس محل النزاع عليه ولا فرق    
الثاني: هو أنهم يعتمدون فيه مجرد الاحتمال فلم ينقل إلينا رفع الحجر في ابتداء الإسلام واجمع المفسرون على أن قوله إلا ما قد سلف في الأختين محمول على ما جرى في الجاهلية فلم يبق لهم إلا الاحتمال والامكان وهو كادعاء النسخ في كل حديث ولا ترد الأحاديث بالاحتمالات والاحتمال لا يكفي في التأويل ما لم يعضد بدليل     
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مناكحين لشدة غلمتهم ولو كان كما قالوه لنقل عن واحد من جملة الصحابة الزيادة على أربع كما نقل عن عمرو وطلحة شرب الخمر في حالة الإباحة فعدم النقل يعلمنا قطعا انه لم يكن قال القاضي ولو نقلوا وقوع ذلك في ابتداء الإسلام فلا يكفهم ما لم ينقلوا وقوع هذه الحادثة في ذلك الوقت ومجرد الاحتمال لا يدرأ التمسك بالحديث فاستدل بأن الحديث قد استقل في نفسه حجة لنا في المسألة قطعا فمن أراد درأه احتاج إلى نقل مقطع به وما ذكره مرضي من وجهين وفي بيانه تمهيد قاعدة في التأويل يستدل به على أمثاله    

احدها: هو انه لا يسلم للقاضي أن الحديث استقل بكونه حجة فإنه متردد بين وقوعه أولا فلا يكون حجة وبين وقوعه أخيرا وليس أحدهما بأولى من الآخر إذ ليس يشهد له قرينة ولا دليل فهو المتمسك بمجرد الاحتمال لا خصمه والآخر أنا نعلم انه لو نقل إلى الصحابة رضي الله عنهم إباحة مؤقتة وتحريم متأخر عنه مقيد وحديث يوافق الحالة الأولى مطلقا تقييد كانوا لا يبادرونه بالقبول بل كانوا يخوضون في البحث عنه فإذن يكفيهم نقل الإباحة في ابتداء الإسلام فلا إلا احتمال وقوعه آخرا ويعارضه نقيضه فوجه الكلام عليه إذا ما مضى

مسألة: قال القاضي رحمه الله كل تأويل تضمن الحط عن المنصوص فهو باطل وذكر جملا منها ورسمها بمسائل 
احدها: تخيل أبو حنيفة رضي الله عنه سد الحاجة من قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين ومصيره إلى جواز صرفه إلى صنف واحد وهذا التأويل باطل بمسلكين      

أحدهما وهو أنه تعالى ذكر الأصناف وجنسهم ووصفهم بصفاتهم التي يتميزون بها عما عداهم ثم أضاف المال أليهم بلام التمليك فاقتضى ذلك توزيع المال عليهم إذ تعريف الأصناف بصفاتهم كتعريف الأشخاص بألقابهم ولو أضاف إلى أشخاص معينين وجب صرفها إلى جميعهم هذا مع أن الصدقات مال يتكرر وجوبها على الأغنياء جعل مناطا لحاجات الفقراء دون الكفارات التي لا تجب إلا ثم ارتكاب جرائم وليس لفظ الصدقات متناولا لأنواع حتى يتخيل توزيع الأنواع على الأجناس مع اختصاص كل نوع بكل جنس كقولك الدار والفرس لزيد وعمرو فلا حاجة إلى تخيل التوزيع فإن قيل سد الخلة متخيل وذكر الأصناف فائدته ضبط جهات الحاجة المدعى سدها قلنا يبطل بقول الموصي أوصيت بثلث مالي للفقراء والمساكين وعد الأصناف الثمانية يصرف إليهم وتخيل غرض سد الحاجة ممكن ولكن قيل أضاف إليهم بلام التمليك فينقض عليهم قالوا قول الشارع عليه السلام يقبل التخصيص بالقياس دون قول الموصي وأقوالنا وعلى هذا لو خصص المعلل علته بعد الانتفاض لم يقبل منه قلنا المفهوم من كلام النبي عليه السلام متبع كالمفهوم من كلامنا ولا يخصص العام منهما إلا بقرينة إلا أن لفظ الشارع عليه السلام إذا عارضه قانون في القياس كان طرده على الظن اغلب من فهم العموم فيكون قرينة في فهم التخصيص ولا قياس يقتضي الحرمان في مسئلتنا وأقوالنا يتطرق إليها التخصيص بدليل تخصيص لفظ الدراهم من المقر والموصي بثلثه فأما المعلل فإنما يتصدى ليبدي العلة فإذا ورد عليه نقض فذلك لعدم ذكره كل العلة وشطر العلة لا يكون علة فقرينة حاله قضى عليه بذلك

المسلك الثاني: وهو الجواب عن سؤالهم وهو أن نقول مراعاة سد الخلات مع مراعاة جملة الجهات ممكنة ولا يبعد أن تكون مراعاة الجهات مقصودة فقد تعارضت الاحتمالات فمطابقة الظاهر أولى من تركه     
مسألة: قال الله تعالى:  واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى  فمقتضى الآية صرف بعض إلى ذوي القربى اعتبار حاجة وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا بد من اعتبار الحاجة منهم وهذا منه بزعمه زيادة على النص وهو نسخ وهو باطل بمسلك مقطوع به وهو أن الرب تعالى أضاف المال إلى الجهات بلام التمليك وعرف كل فريق وجعل القرابة مستند تعريف إحدى الفرق ولم يتعرض للحاجة وأبو حنيفة رضي الله عنه تعرض للحاجة التي لا تعرض لها وألغى اعتبار القرابة وهو مصرح بها إذ قال لا يتعين صرف شيء إليهم بل يجوز حرمانهم وفي هذا المذهب إبطال النص بالكلية قال القاضي في نصرة تأويلهم فائدة ذكر ذوي القربى تمييز الغنيمة في حقهم عن الصدقات إذ عليهم وكان هذا منحة في مقابلة ذلك المنع وفقارؤهم ممنوعون عن الصدقات فكانت المنحة لهم ثم قال وهذا الوجه أيضا فاسد فإنه أضاف المال إليهم بلام التمليك فاقتضى اللفظ كما ذكرناه قسمة المال عليهم وأبو حنيفة رضي الله عنه لصاحب حرمانهم فلم يغادر للقسمة فائدة نعم لو كان يرى المنع من حرمانهم لكان يقرب ذلك وأما اليتم فلا تعتبر معه الحاجة على قول فإن سلم فلفظ اليتم مشعر بها دون لفظ القرابة      

مسألة: قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا يقتضي مراعاة عدد المساكين وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يراعى ومعناه إطعام طعام ستين مسكينا فجوز صرفه إلى واحد وقال ذكر عدد المساكين لبيان الطعام وهذا باطل بمسلكين:

أحدهما: أن الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين تنقسم إلى ما ينتظم من مفعولين مبتدأ وخبر كقولك ظننت زيدا عالما فتقول زيد عالم فيفهم فهذا لا بد فيه من ذكر المفعولين فأما ما لا يتأتى من مفعوليه كلام يفهم كقولك أعطيت زيدا درهما فهذا فن يجوز الاقتصار فيه على أحد المفعولين إذ تقول إذا أردت بيان المعطى أعطيت درهما ويبقى المعطى له مجملا وإذا قصدت بيان المعطى له قلت أعطيت زيدا والقدر المعطى مجمل والإطعام من جنس الإعطاء وقد ذكر الرب تعالى أحد مفعوليه وهم المعطى لهم وجرد القصد إلى بيانه وترك مقدار الطعام وجنسه مجملا فألغى أبو حنيفة رضي الله عنه ما صرح به وقدر في محل الاحتمال بيانا من لفظ لا يدل عليه لا تصريحا ولا إضمارا وهذا تناقض     
المسلك الثاني: هو أنا نقول نعلم أن أبا حنيفة رضي الله عنه لم يراغم الشرع وإنما حمله على مخالفة النص تخيل سد الخلة فهلا جمع بينه وبين مقتضى النص ويحتمل أن يكون إحياء مهج أقوام معدودين مقصودا للشارع واللفظ دال عليه وأتباعه أولى وفيه تقرير للنص      

مسألة: قال رسول الله : "في أربعين شاة شاة " فعين الشافعي رضي الله عنه الشاة ولم يقم بدلها مقامها قال لأن الزكاة من جملة العبادات وهي من الأركان الخمسة فتنزل منزلة الصلاة والصوم والعبادات يغلب الإتباع فيها ويجب ترك القياس عندها ولو لاح معنى على بعد فلا تعويل عليه وينضم إليه أن الزكاة عبادة محضة وهو خالص حق الله تعالى وقد تحكم فيه وتحكم ذي الحق ينفذ على وجهه وقد خص الشاة فليتبع أمره فان قيل إنما خصص الشاة لأنه كان يخاطب العرب وأصحاب المواشي منهم كانوا يقطنون البوادي فلا يملكون النقود فذكر ذلك تسهيلا عليهم ولأن الزكاة تجب مواساة وهي تختلف باختلاف صفة الشاة في العبالة والنحولة والقيمة مجهولة وكانت العرب أمة أمية فلم يورطهم في جهالة القيمة وجعل الشاة الواحدة مرد نظرهم ومدرأة للجهالة فهذه فائدة التخصيص ثم لاح لنا على القطع من وضع الزكاة سد الخلة والدراهم في معنى الشاة وأقرب منه فإنها مهيأة للصرف إلى المآرب على قرب ولنا في إبطال كلامهم أربعة مسالك: احدها: أن نقول هلا تخليتم معنى فلهذا في جانب المالك ومجتمعين الشاة فان الثروة لا تختص بالشاة كما لا يختص سد الخلة بها فلتجب الزكاة في كل مال يحصل به فلهذا وهذا فاسد فإن سد الخلة معلوم قطعا والدراهم في معنى الشاة فيه فلا بعد في اختصاص بعض أصناف الأصول بكثرة الدر والنسل به بالعدد جهالة وبالقيمة نحكم لا يعلم قطعا قيامه في المقصود مقامه

المسلك الثاني: هو أن الشارع عليه اللام نص على الشاة في خمس من الإبل ولما أن انتهى إلى الجبران ردده بين الشاة وبين الدراهم ثم قدر الدراهم فمن اعتقدا التسوية بين ما أطلق وبين ما ردد فيه كلامه فقد نسبه إلى الهذيان ولا يلوح فائدته إلا كما ذكرناه     
المسلك الثالث: قال الشافعي رضي الله عنه لا ابعد كون سد الخلة مقصودا ولكن لا يبعد أيضا كونه مقصودا بجنس مال الزكاة ليحصل للفقراء الاستغناء بجنس مال الأغنياء ويبقى في أيديهم أعيانها وهي تدر عليهم وتنسل والدراهم بالنسيء في تثاقلتم على قرب فيعودون إلى أدبارهم ويشهد له تخصيصه عليه السلام الاثنى بالذكر والمالية فيهما على السواء فانضم إليه أن الباب باب العبادات والواجب فيها ترك القياس     
المسلك الرابع: قال القاضي رحمه الله هذا الاحتمال حسن لا قصور فيه ولكنه مجرد عن الدليل والاحتمال المجرد لا يقبل ولا يكفيهم استنباط خيال الحاجة من نفس النص فإن هذا دليل مستنبط من النص يكر على ظاهره بالأبطال والرفع وهذا الفن باطل على ما سيأتي ولا بد لهم من التمسك بعبادة من العبادات تضاهى ما نحن فيه من صلاة أو صوم وإلا فيعلم إن الخضوع متخيل من الصلاة والسجود ابلغ من الركوع في الخشوع فلا يقوم مقامه لتجرد الاحتمال عن الدليل ولا يكفيهم التمسك بالجزية فإنها معاملة تتعلق بالتراضي بخلاف الزكاة     
مسالة: قال القاضي حمل كلام الشارع  على ما يلحقه بالكلام الغث محال ومن هذا الفن قول بعض أصحابنا في قوله تعالى و أرجلكم مكسورة الكلام لقرب الجوار ردا على الشيعة إذ قالت الواجب فيه المسح وهو كقوله وحور عين وكقوله حجر ضب خرب قال الشاعر         

كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل معناه مزمل به لأنه من نعت الكبير وهو تزوجها لكن كسر لقرب الحركة وليس الأمر كما ظنوه في هذه المواضع بل سببه أن الرفع أثقل من الكسر فاستثقلوا الانتقال من حركة خفيفة إلى حركة ثقيلة عذبتك بين الكسرتين وإما النصب في قوله وأرجلكم نصب في المعنى والنصب اخف الحركات فالانتقال إليه أولى من الجمع بين كسرتين ثقيلتين بالنسبة إلى النصب فلم يبقى لقرب الجوار معنى إلا مراعاة السجع والتقفية وذلك لا يليق بالقرآن نعم حسن النظم محبوب من الفصيح إذا لم يخل بالمعنى فأما الاخال بالمعنى وإتباع التقفية فمن ركيك الكلام فالوجه فيه ما قاله سيبوبة وهو أن العرب تعطف الشيء على الشيء إذا قرب منه من وجه وان بعد من وجوه كقول الشاعر ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا

والرمح لا يتقلد لكن لكونه من الأسلحة عطف عليه فكذلك امساس الماء بطريق الغسل قريب من امساس الماء بطريق المسح فعطف عليه لا لكونه ممسوحا بدليل ذكره الكعبين وعند الشيعة لا يتقدر به ومما ذكره أصحابنا أن الكسر في الرأس دخل بسبب الباء فإنه مفعول وموضعه النصب ويستحيل أن يستنبط من الكسر الواقع في الأرجل ما يوجب المسح بسبب متأصلة وهذا فاسد لأنهم يقولون لو لم يكن مشاركا له في المسح لنصب كقول الشاعر     

معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا

مسالة: كلام رسول الله لا يحمل على الاستعارة ما أمكن فإنها لا تليق إلا بواعظ أو خطيب أو شاعر ينتحي التسجيع لإيقاعه في القلوب فأما الشارع إذا بين حمكا لعجوز مثلا فيبعد منه التجوز وهو تشدق وثرثرة وقد نهى الرسول الله عليه السلام عنه نعم لا بعد في الاستعارة إذا ذكر الثواب والعقاب ووصف الجنة والنار لعظم وقعه في الصدور     

مسالة قال رسول الله : " فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو داليه نصف العشر " فلا يتمسك بعمومه في وجوب الزكاة في كل مستنبت إذ لاح من تقابل اللفظين أن الغرض تمييز العشر عن نصف العشر فبطل بالكلية عمومه ولا حاجة في تخصيصه إلى دليل إذ يقبح في سياق هذا الكلام التخصص بما يقتات نعم لو اقتصر على قوله فيما سقت السماء العشر لكان كذلك

مسالة: المناهي بجملتها في العقود محمولة على الفساد وقد اجمع عليه الصحابة فمن حمل النهي عن نكاح الشغار أو عن غيره من العقود على الكراهية منع منه فإنهم اجمعوا على فهم الفساد في كل العقود ولا خيال تفرضه في عقد إلا وفرضه في غيره ممكن فإذ تركوه دل على انه باطل

مسالة: المسئول الشافعي عن سلب العبارة إذا استدل بقوله : أيما امرأة نكحت الحديث فلا يكون دالا على سلب العبارة ولا يكفيه أن يقول لسقوط عبارتها صوروا استبدادها بالنكاح من تلك الصور فإن الحديث يدل على عدم استقلالها فليقدر الاستقلال ممنوعا على مذهب ذي مذهب ولكن استقلالها كاستقلال الرجل بالعقد دون الشهود فإن قال نعم ذلك على سلب الاستقلال ولكن إذا بان ذلك انثنى عليه سقوط العبارة فإن الولي لا حق له قيل له إن ثبت لك سقوط حق الولي كان كذلك ولكن لا يستقيم ادعاؤه فقد تحصلنا من مجموع هذه المسائل أن ما لاح قصد العموم فيه من الألفاظ بقرينة لا يتسلط عليه القياس إذ ليس القياس تفسيرا للفظ حتى يخصصه ومعنى التخصيص به إن يظهر في معارضته الحديث قانون في القياس كان طرده على الظن اغلب من قصد العموم في الحديث فيكون كالقرينة المخصصة للفظ فإذا عارض أحدهما اعني القياس غلبة ظن العموم ترجيح فالحديث مقدم لان مستند هذا الظن اللفظ فيرجح عليه وان تقاصر عنه قليلا فلير المجتهد فيه رأيه فان هذا فن لا مطمع في ضبطه ولكن لا خفاء به على الناظر المحيط بما قدمناه من القواعد كتاب المفهوم

المفهوم من الألفاظ من مأخذ الأحكام ثم الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو منقسم إلى: مفهوم موافق والى مفهوم مخالف لظاهر اللفظ      

فأما مفهوم الموافقة فينقسم إلى مقطوع به كتحريم الضرب فهم من نهي الشارع عن تأفيف الأب والى ما يغلب على الظن كما ادعاه الشافعي رضي الله عنه من تنبيه الله تعالى بإيجاب الكفارة على الخطأ على إيجابها على العمد فإنه أعلى تنبيه وتنبيه النبي  على جريان التحالف في البيع ثم هلاك السلعة بذكره حالة قيام السلعة مع إمكان الاستظهار بالقيمة في تصديق أحد المتبايعين وأما المفهوم المخالف للمنظوم كفهمنا نفي الزكاة عن المعلوفة من تخصيص الرسول عليه السلام السائمة بالذكر في قوله عليه السلام في: " سائمة الغنم زكاة " وقد بدل ابن فورك لفظ المفهوم بدليل الخطاب في هذا القسم لمخالفته منظوم اللفظ وأبو حنيفة رحمه الله أنكر المفهوم إلا ما يقطع به كآية التأفيف والقائلون به انقسموا فعمم أبو بكر الدقاق القول به حتى التخصيص بالألقاب فهم منه نفي الحكم عما عدا الملقب به وأما الشافعي رضي الله عنه فلم ير التخصيص باللقب مفهوما ولكنه قال بمفهوم التخصيص بالصفة والزمان والمكان والعدد وأمثلته لا تخفي وضبط القاضي مذهبه بالتخصيص بالصفة وادعى اندراج جميع الأقسام تحته إذ الفعل لا يناسب الزمان والمكان إلا لوقوعه فيه وهو كالصفة له وتمسك أصحابنا في نصرة مذهب الشافعي رضي الله عنه بطريقين مزيفتين أحداهما: قوله اللغات يكفي في دليلها نقل المذهب عن أربابها والمسالة لغوية والشافعي رضي الله عنه إمام الصنعة وقد قال بها وكذلك نقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي في كتاب صنفه في غريب الحديث إذ حمل قوله عليه السلام: " لان يملئ بطن أحدكم قيحا يربه خير من أن يمتلئ شعرا " على ما إذا لم يحفظ الرجل سواه وهذا قول بالمفهوم ونحن نجتزي في تفسير القران بقول الاخطل وغيره من أجلاف العرب فالاكتفاء بقول الأئمة أولى ووجه تزيفيه إن ادعاء الإطباق من أهل ممكن وقول الآحاد يعارضه مثله فقد نفي محمد بن الحسن رضي الله عنهما المفهوم وهو من الأئمة فلا مقنع في النقل مع التعارض

الثانية: قولهم لا بعد في اقتباس العلم من أمر تواترت عليه الصور على التطابق وان كان نقله آحاد الصور الخطوا عن مبلغ التواتر وبه العلم على القطع شجاعة علي وسخاء حاتم وآحاد وقائعهما لم ينقلها إلينا إلا آحاد الرجال فادعوا مثل ذلك من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في المفهوم وعدوا وقائع كقول يعلي بن أمية لعمر  ما بالنا نقتصر وقد أمنا فهما للتخصيص من قوله أن تقصروا من الصلاة إن خفتم واختلف الصحابة رضي الله عنهم في وجوب الغسل بالنقاء الختانين فهما للنفي من قوله الماء من الماء وقول ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم حيث حجب الأم بأخوين من الثلث ليس في الأخوين إخوة وقوله عليه السلام  في قول الله جل وعز إن نستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم : " أنا أزيد على السبعين " وهذا مزيف فإن هذه الوقائع لو جمعت ونقلت دفعه واحدة لم تورث العلم كوقائع حاتم وعلي مع كثرتها على أن ما نقل في آية الاستغفار كذب قطعا إذ الغرض منه التناهي في تحقيق اليأس من المغفرة فكيف يظن برسول الله  ذهول عنه وقول ابن عباس رضي الله عنهما في حجب الأم يعارضه قول عثمان حجبوها قومك يا غلام وقول يعلي بن أمية يستند إلى صيغة الشرط وكلمته وهو قوله إن خفتم وهذا مقول به أو اعتد بأصل الإتمام في الإقامة واختصاص القدر المستثنى بحال الخوف ففهم وجوبه من الأصل لا من التخصيص وقوله عليه السلام: " الماء من الماء " حصر مصرح به وليس ذلك من فن المفهوم كما سيأتي وقد نقل أن رسول الله  مر بباب واحد من الصحابة ودعا فتباطأ قليلا فخرج ظاهرا بقطر من رأسه فقال: " لعلنا تعجلناك إذا أقحطت فلا غسل عليك " فلعلهم فهموا نفي الغسل من هذه الواقعة ولا مقنع في هذه الطريقة وتمسك الشافعي رضي الله عنه في نصره مذهبه بان قال إذا خصص الشارع صفة بالذكر سؤال خاص وعرف مقتضى التخصيص مع الموصوف للموصوف في الذكر كان كلامه نازلا منزلة ما لو خصص اليوم المتغيم بإيجاب الصلاة فيه والغنم الأسود بإيجاب الزكاة فيه مع اعتقاد التساوي وهذا هجر من الكلام يتعالى عنه منصب آحاد الناس فضلا عمن هو الشارع للأحكام المبعوث لتمهيد الدين وهو أفصح من نطق بالضاد ولا يظن به التضمخ بغرض دينوي في روم تخصيص فإن ذلك قادح في النبوة فلا بد من تخيل فائدة لتخصيصه وليس ذلك إلا اختصاص الحكم به إذا لم يتخيل سواها فائدة فإن قيل لعله خصص ليستثير القياسيون معنى مخصوص بالنص ويعتبرون به غيره فتتسع بسبه قضايا الشريعة قلنا هذا هذيان فإن رسول الله  كان لا يزوي عن بيانه عمدا ليفوض الحكم إلى ارتباك المجتهدين في ظلماتهم واشتباكهم في عثراتهم ولو أمده الله تعالى بالبقاء لما غادر في الشرع معوصا إلا حله ونحن إنما نصير إلى القياس للضرورة فلا وجه لهذا الظن والمختار عندنا لا نذكره إلى بعد إبطال مذهب الدقاق وقد تمسك بطريقة الشافعي رضي الله عنه وقال تخصيص البر بالذكر مع اعتقاد مساواة الذرة إياه في حكم الربا كتنصيص الرجل على لبنة من لبنات وقوله اعلموا إن هذه لبنة مربعة فلا فرق إذن بين الصفة واللقب والتمسك به بتخصيصه وقد وقع قلنا لا متعلق في مجرد التخصيص عندنا إذ الأخبار المنقولة عن الرسول  معظمها انطبقت على وقائع وأسئلة وإن اعرض النقلة عن نقلها اكتفاء بنقل اللفظ فلا يؤمننا عدم النقل مع احتماله إذ القواعد المبتدأة فصلها القرآن وكان الرسول عليه الصلاة والسلام بينهما في مواقع الحاجات ولكنا نقول التخصيص منقسم إلى ما يقع بصيغة الشرط كقوله إن أكرمك فأكرمه وهذا نص في التخصيص إذا الجزاء يرتبط بالشرط ثم أهل اللسان والنقل فيه كاف والى تخصيص التعليل كقوله أكرمه لإكرامه إياك وهذا أوضح من الشرط والى تخصيص المكان والوقت والعدد كقولك أجرتك هذه الأرض من هنا إلى الشجرة بإلف درهم الشهر الفلاني وهذا أيضا معلوم فائدته لا يخالف فيه وإلى تخصيص بصفة باللقب ولا متمسك فيه وإلى تخصيص بصفة لا تخيل كقوله عليه الصلاة والسلام لا تبيعوا الطعام بالطعام فإن الطعم لا يناسب حكم الربا فهو كاللقب وإلى صفة مخيلة مناسبة للحكم كقوله في سائمة الغنم زكاة فهو المقول به فيفهم نفي الزكاة عن المعلوفة لا من مجرد التخصيص بل من الرابطة المتقررة في عقل الفقيه بين السوم المرفق المقل للمؤنة المحقق للثروة وبين وجوب الزكاة الواجبة رفقا للفقراء من فضلة أموال الأغنياء فيفهم لذلك ثم التخصيص من فحوى اللفظ ارتباط لا يستريب الناظر فيه فيترتب عليه نفي الحكم عن المعلوفة ثم لا يعتبر الاطراد مع الإخالة إذ الفحوى لا تبطل به والشارع نصب ما لا يطرد علة فإن قاس أبو حنيفة رحمه الله الصفة على اللقب قيل له لا قياس في فهم معاني الألفاظ وفحواها وإن قال لو كان المفهوم ثابتا لكان تركه نسخا ووقايته قلنا إليه صار ابن مجاهد وزعم انه لا بد من ترك نفيه منه كما في المنظوم والمختار خلافه إذ ليس المفهوم جنسا من الكلام ولكنه بعض مقتضيات اللفظ فليس في تركه مع تبقية المنظوم نسخ كما في تخصيص العموم فإن قال قائل فهل اللقب مفهوم قط قلنا نعم فإذا تلقينا من تخصيص رسول الله  الأشياء الأربعة بالذكر في الربا الرد على ابن الماجشون في تعليله الربا بالمالية العامة إذ قلنا لم تكن الأشياء الأربعة غالب ما يجري عليها التعامل وكان الحجاز مصب التجار في الأعصار الخالية فلو ارتبط الحكم بالمالية لكان التنصيص عليها أسهل من التخصيص كما قال في العارية على اليد ما أخذت حتى ترد وكان هذا مأخوذا من قرائن الأحوال مع التخصيص باللقب
مسالة: قال الشافعي رضي الله عنه خصص الرب تعالى الخلع بحالة الشقاق وهذا مفهوم لا أقول به إذ ظهرت للتخصيص فائدة وسبب وهو العرف القاضي بانحصار الخلع في حالة الشقاق إذ لا يتفق في حالة المصافاة والموافقة وإذا لاح للتخصيص فائدة تطرق الاحتمال إلى المفهوم فصار مجملا ووقايته المجمل قال ولا حاجة إلى دليل ترك هذا المفهوم والمختار خلافه إذ الشقاق يناسب الخلع فإنه يدل على بغية الخلاص وتعذر استمرار النكاح فلا يرتفع الفحوى المعلوم منه بمجرد العرف فلا بد من دليل وان لم يبلغ في القوة مبلغ ما يشترط في ترك مفهوم لا يعتضد بالعرف فإنه قرينة موهمة وهذا كما قلنا إن للأمر صيغة وهو محمول في الشرع على الطلب الجازم بصيغته فلو اقترنت به قرينة كقوله وإذا حللتهم فاصطادوا وهي اعني القرينة تقدم الحظر جاز حمله على الإباحة بدليل خفي واه ومثار هذا الاختلاف أنا نتلقى المفهوم من الفحوى والشافعي رضي الله عنه يتلقاه من التخصيص وهو فعل فإنه عبارة عن قصد القاصد إلى مسمى بالذكر والفعل لا صيغة له فتطرق الاحتمال يكفي في رده كالفعل المردد بين الوجوب وبين رفع الحرج لا يحمل إلا على الأقل لتعارض الاحتمال في الوجوب وعلى هذا القياس أعني مسألة الخلع يجري تخصيص رسول الله : " في قوله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " إذ الغالب أنها إذا عقدت لا تستأذن وإذا استأذنت لم تعقد بنفسها فلا فرق بين فإذا      

مسالة: تمسك الشافعي رضي الله عنه في تعيين لفظ التكبير بقوله عليه السلام: " تحريمها التكبير " فقال أبو حنيفة رحمه الله فيه ما يدل على إجزاء التكبير وليس فيه نفي لما عداه وهذا بعد إثبات القول بالمفهوم باطل وإن قدر القول بتركه فهذا نص فإنه حصر التحريم وهو انعقاد الصلاة في التكبير وليس كقوله لو فرض به الصلاة والدليل على الفرق إطباق أهل اللغة على الفرق بين قول القائل زيد صديقي وبين قوله صديقي زيد في انحصار الصداقة وهذا على الإجمال كاف وإن بحثنا عن سببه فنقول قول القائل زيد صديقي شرطه أن يجري بين متجاوبين علما عين زيد قبل افتتاح الكلام إذ ليس الغرض من سياق الكلام تعيينه وإنما الغرض بيان حالة مجهولة بينهما وهما معلومان ثم المخاطب فتقول هو صديقي فتنبه على تلك الحالة المجهولة بينهما لتعلم فليس فيه نفي ما عداه فإذا قال صديقي زيد فكأنه قدر الصداقة معلومة بينهما فهو مبتدأ الكلام كما كان زيد في تلك الصيغة هو المبتدأ به ثم أراد أن يبين لهذه الحالة المعلومة محلا هو مجهول ثم المخاطب فقال زيد ومن ضرورة كونه محلا لهذه الحالة أن لا يكون غيره محلا لها إذ لو كان لما صح اعتناؤه ببيان المحل بمجرد ذكر زيد وقوله عليه السلام: " تحريمها التكبير " يضاهي قوله صديقي زيد مسألة: تمسك أصحابنا بقوله عليه السلام: " صبوا عليه ذنوبا من ماء " في مسألة إزالة النجاسة فلو قيل لنا فيه مفهومه قصد إزالة العين فهلا فهمتم ذلك ورتبتم عليه زواله بالخل قلنا هذا مفهوم لو قيل به بطل المنظوم به إذ منظومه وجوب استعمال الماء فهذا الفن من المفهوم لا نقول به إلا أن التمسك بهذا صحيح إذ الغرض قطعا من تخصيص الماء ما اختص به الماء من عموم الوجود والمقصود من الحديث البدار إلى تطهير المسجد لا بيان ما تزال به النجاسة ويقبح فيه التعرض للخل الذي يعسر وجوده

مسألة: يجوز ترك المفهوم بنص يضاده وبفحوى مقطوع به يعارضه كفهم مشاركة الأمة للعبد في سراية العتق والنص كقوله في عوامل الإبل زكاة وهي معلوم يعارض بمفهوم قوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم زكاة فأما القياس فلم يجوز القاضي ترك المفهوم به مع تجو يزه ترك العموم به ولعله قريب مما اخترناه في المفهوم فإنه تلقاه من الفحوى الظاهر والعموم قد لا يترك بالقياس بل يجتهد الناظر في ترجيح أحد الظنين فيهما على الآخر فكذا القول في القياس إذا عارض المفهوم والله أعلم

القول في أفعال الرسول 

لا يتوصل إلى ذلك إلا بذكر مقدمة في عصمة الأنبياء عن المعاصي وهي منقسمة إلى الصغائر والكبائر وقد تقرر بمسلك النقل كونهم معصومين عن الكبائر وأما الصغائر ففيه تردد العلماء والغالب على الظن وقوعه وإليه يشير بعض الآيات والحكايات هذا كلام في وقوعه أما جوازه فقد أطبقت المعتزلة على وجوب عصمة النبي عليه السلام عقلا عن الكبائر تعويلا على أنه يورث التنفير وهو مناقض لغرض النبوة وهذا يبطل بكون الحرب سجالا بينه وبين الكفار وبه اعتصم بعض اليهود في تكذيبه والمختار ما ذكره القاضي وهو أنه لا يجب عقلا عصمتهم إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظر العقل وليس هو مناقضا لمدلول المعجزة فإن مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى فلا جرم لا يجوز وقوع الكذب فيما يخبر به عن الرب تعالى لا عمدا ولا سهوا ومعنى التنفير باطل فإنا نجوز أن ينبئ الله تعالى كافرا ويؤيده بالمعجزة والمعتزلة يأبون ذلك أيضا والذين أوجبوا عصمته عن الكبيرة اختلفوا فمنهم من قال كل مخالفة كبيرة بالنسبة إلى عظمته فلا صغيرة أصلا وكل مخالفة كبيرة وهذا كما أن رفع الصوت من يماثل الإنسان قد يعد صغيرة وهو بعينه في مجلس الملوك كبيرة دونه تحز الرقاب فللنسبة تأثير في تعظيم أثر المخالفة والذين أثبتوا الصغيرة اضطربوا ومثار الاضطراب في أنه هل يورث التنفير أما النسيان فلا يجب كونه عندنا معصوما عنه في أفعاله وأقواله إلا فيما يخبر عن الله تعالى لأن تجو يزه مناقض مدلول المعجزة ونرجع إلى المقصود فإذا نقل فعل عن رسول الله عليه السلام فهل يتلقى منه حكم أما الواقفية فقد توقفوا فيه وعزي إلى أبي حنيفة وابن سريج وأبي علي بن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه يتلقى منه الوجوب مطلقا والمختار عندنا وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إن اقترن به قرينة الوجوب كقوله صلوا كما رأيتموني أصلي فهو الوجوب وإن لم يقترن نظر فإن وقع من جملة الأفعال المعتادة من أكل وشرب وقيام وقعود واتكاء واضطجاع فلا حكم له أصلا وظن بعض المحدثين أن التشبه به في كل أفعاله سنة وهو غلط وإن تردد بين الوجوب والندب فإن اقترنت به قرينة القربة فهو محمول على الندب لأنه الأقل والوجوب متوقف فيه وإن تردد بين القربة والإباحة فيتلقى منه رفع الحرج وليس هذا متلقى من صيغة الفعل إذ الفعل لا صيغة له ومستنده مسلك الصحابة فإنا نعلم أن الممنوع من فعل فيما بينهم لو نقل عن الرسول  فعله لفهموا منه رفع الحرج وأما الإباحة فلا نتلقاه فإنه حكم يقتضي التخيير مع تساوي الطرفين وهو يناقض الندب والفعل متردد بينه وبين رفع الحرج فأقل الدرجات رفع الحرج فإن تمسك أبو حنيفة رحمه الله بإجماع الأمة على كون النبي عليه السلام أسوة وقدوة ومطاعا وشرطه الإقتداء به في كل ما يأتي ويذر قلنا معناه أن أمره ممتثل كما يقال الأمير مطاع في قومه لا يراد به أنهم يتربعون إذا تربع أو ينامون إذا نام فإن تمسك بقوله تعالى:  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  وقوله:  فليحذر الذين يخالفون عن أمرهوقوله:فاتبعوني يحببكم الله  فكل ذلك محمول على الأمر وهو الذي أتانا به دون الفعل     
مسألة: إذا نقل عن الرسول عليه السلام فعلان مختلفان في واقعة واحدة وعدل الرواة كما نقل في صلاة الخوف قال الشافعي رضي الله عنه يتلقى منها جواز الفعلين والمختار في ذلك أن نقول إن اتفق الفقهاء على صحة الفعلين واختلفوا في الأفضل توقفنا في الأفضل فإن ادعى كل فريق يتمسك برواية بطلان مذهب صاحبه فيتوقف ولا يفهم الجواز فيهما فإنهما متعارضان ونعلم أن الواقع من رسول الله  أحدهما ولا يترجح وإن اتفقوا على صحة واحد فنحكم به ونتوقف في الآخر والشافعي رضي الله عنه إنما قال ذلك في صلاة الخوف وقد رجح إحدى الروايتين على الأخرى لقربه إلى أبهة الصلاة

مسألة: إذا نقل عن رسول الله  فعل حمل على الوجوب بقرينة أو على غيره ثم نقل فعل يناقضه قال القاضي لا يقطع بكونه نسخا لاحتمال أنه انتهى لمدة الفعل الأول وإن كنا نعلم أن الفعل الأول لو بقي لاقتضى الحكم على التأبيد ولكنه لا صيغة له وهذا محتمل فيتوقف في كونه ناسخا ونعلم انتهاء ذلك الحكم قطعا فإن النسخ رفع للشيء بعد الثبوت عندي وأما اللفظ فإنه بصيغته يتضمن إثبات الحكم إطلاقا وابن مجاهد صار إلى أنه نسخ ويتردد في القول الطارئ على الفعل ولا وجه لهذا الفرق والأصح ما ذكره القاضي مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه استبشار رسول الله  وسروره بالشيء يدل على كونه حقا وتمسك بسروره في قصة مجزز المدلجي وإلحاقه زيدا بأسامة في إثبات القيافة وقال لا يسر رسول الله  إلا بالحق ولا يستبشر بالباطل وهذا ضعيف فإنما سر بكلمة صدق صدرت ممن هو مقبول القول في ما بين الكفار على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسب أسامة إذ كان رسول الله  قد نادى به فإن قيل لو كان باطلا لرد فإنه حكم على الغيب قلنا من نسب ابنا إلى أبيه الذي شهر به لا يمنع منه والفاسق إذا شهد على النسب لا يزجر وإن لم يقبل منه ولا يقال هذا حكم على الغيب

مسألة: تقرير رسول الله  مسلما على فعل وتركه النكير عليه مع فهمه الواقعة وعدم ذهوله عنه يتمسك به في جواز التقرير إذا كان الفعل بحيث لو قدر الإقدام عليه لكان كبيرة إذ كان يتحتم عليه بيان الحكم فسكوته مع العيان دل على الجواز وإن كان الفعل صغيرة لو قدر محرما وكنا لا نجوز الصغيرة على الرسول عليه السلام تمسكنا به وإن جوزتا فلا نتمسك به إلا أن يتكرر في مجلسه ذلك ولا ينكر إذ الإصرار على الصغيرة كبيرة ولا يقرر رسول الله  على الصغائر والعلم ثم الله قطع القول بجواز التمسك به تفصيل بين الصغيرة والكبيرة فإنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفهمون منه الجواز وإن كان الفعل من جملة الصغائر لو قدر محرما وإن تمسك متمسك به في إثبات عصمة النبي عليه السلام عن الصغيرة لقبول الصحابة ذلك تفصيل فله وجه وأما تقريره الكافر فلا تمسك فيه لأنه كان يعرض عنهم وفي تقرير المنافق خلاف لأنه كان ينحو بهم نحو المسلمين فإن قيل إذا قرر مسلما فيحتمل أنه كان ينتظر الوحي قلنا لو كان كذلك لأمر بالتوقف كما نقل عنه في بعض الوقائع والله أعلم

القول في شرائع من قبلنا ونقدم عليه أن النبي  قبل أن أوحي إليه هل كان على شرعة رسول أجمعت المعتزلة أنه لم يكن على شرعة رسول فأنه يورث التنفير فإن التابع لا يكون متبوعا واختلف أصحابنا فمنهم من قال كان على شرعة نبي فإن الانسلال عن ربقة التكاليف والخروج من ضوابط الشرائع يزري بمنصبه ثم اختلفوا فقيل كان على شرعة نوح عليه السلام بدليل قوله تعالى:  شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وقيل كان على شرعة إبراهيم عليه السلام بدليل قوله تعالى:  إن أولى الناس بإبراهيم  وقيل على شرعة عيسى عليه السلام فإنه محمود المتأخر فإن قيل كانت محرفة مغيرة قلنا كان منهم أحبار يعرفونها على وجهها فتحريف بعضهم لا يرفع الشرع كاتفاق فترة في شرعنا فإن قيل للذين قالوا كان على شرعة إبراهيم شريعة عيسى ناسخة أجابوا بأنه لا يثبت كونه مبعوثا إلى الجميع فلعل ملة إبراهيم استرسلت على ذريته فكان رسول الله  منهم وأما القاضي فإنه قال أقطع بأنه لم يكن على شريعة نبي إذ لو كان لتواتر فإن أحوال الرجل العظيم في مثل هذا تتوافر البواعث على نقله نعم كان على عقد التوحيد والمختار التوقف فيه وما ذكره القاضي يعارضه أنه لو كان منسلا عن التكليف أربعين سنة متميزا عن أصناف الخلائق بأجمهم لتوفرت البواعث على نقله فإذا لم ينقل هذا ولا ذاك توقفنا ولعل الله تعالى قطع بواعث الخلق على نقله ولعل الله تعالى قطع بواعث الخلق وطمس حالته والتحق هذا بمعجزاته الخارقة للعادة رجعنا إلى المقصود قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الأطعمة الرجوع في استحلال الحيوانات إلى النصوص وآثار الصحابة رضي الله عنهم فإن لم يكن فإلى استخباث العرب واستطابتها فإن لم يكن فما صادفنا حراما أو حلالا في شرع من قبلنا ولم نجد ناسخا له اتبعناه وعضد هذا المذهب بالدليل أن يقال نفس بعثة الرسول لا تتضمن نسخ الشرائع إذ أصحاب الملل من الشرائع ستة آدم ونوح وإبراهيم وموسى ونصف عليهم السلام ورسول الله  فلا بعد في التظاهر على دين واحد فكان في زمان موسى عليه السلام ألف نبي يحكمون بالتوراة ولم ينقل من الرسول عليه السلام نص في نسخ شريعة من قبلنا وقد عجزنا عن مأخذ من شريعتنا رجعنا إليه ثم اختلفوا فيمن يتبع شريعته ورددوه بين نوح وإبراهيم ونصف كما ذكروه في دين الرسول قبل النبوة والمختار أن لا رجوع إلى دين أحد من الأنبياء إذ لو كان من مآخذ الشريعة لبين لنا رسول الله  كما بين القياس وغيره من المآخذ ورجع إليه واحد من الصحابة رضي الله عنهم مع طول الدهور وكثرة الوقائع وشدة ترويهم فيها ورجوعهم في الاشتوار إلى الجماعة وكان فيهم كعب الأحبار ولم يراجع قط فاستبان بهذا أنه لا حكم له أصلا كتاب الأخبار والكلام يقع في هذا الكتاب في قسمين الأول أخبار التواتر وفيه أربعة أبواب الباب الأول في إثبات كون الخبر المتواتر مفيدا للعلم الضروري وقد أنكرت السمنية كونه مفيدا للعلم فنقول لهم إن استربتم أن في الدنيا بلدة يقال لها بغداد فقد جحدتم وإن اعترفتم فلم تناطقكم البلدة ولا رأيتموها فلم تعرفوه إلا بالتواتر كيف ولولا التواتر لما ميز المرء بين أمه وسائر نساء العالمين وإن اعترف الكعبي بأصل العلم ولكنه ادعى أنه نظري فقيل يعلمون ما يخبر عنه العدد المتواتر ولم يهيئوا للنظر ودرك المعقولات بالتأمل ثم يقال لهم نظر أفضى إلى أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد سوى الضرورة الحاصلة من الأخبار فإن قالوا علمنا بأن الجمع الذي أخبروا عنه في العادة لا يتواطئون على الكذب قلنا ولم علمتم ذلك ولم الشيع الكذب منهم وهو جائز الوقوع من حيث التصور فلا نزال نطالبهم إلى أن يعجزوا عن إبداء مسلك نظري فيبوحوا بما إليه ذهبنا وغايتهم أنه لا بد من أدنى تأمل ليعرف أن هؤلاء لا يكذبون ولو صار العلم نظريا بمثله لقيل المدركات إذ لا بد فيها من فتح الجفون والتحديق وارتفاع الموانع وغيرها تمسك الكعبي على أصحابنا بأن قال أعلمتم كون هذا العلم ضروريا بالضرورة فإن علمتموه ضرورة فمحال لأنا لا نعلمه وإن ادعيتم النظر فكيف يتصور أن يعلم الشيء ضرورة ثم يعلم كونه وهذا العلم أولى بأن يكون معلوما ضرورة وهو قائم بنفس العالم بما أخبر عنه المخبرون ولا يتعلق به إدراك أجاب القاضي بأن هذا استبعاد مجرد فإنا نعلم كون بغداد بالضرورة كونه ضروريا ووجه النظر أن نبطل كل مسلك يتصور إحالة العلم عليه وهذا يلزمه أن يعلم أن العلم المتعلق باستحالة المتضادات ضروري ثم إبطال مسالك النظر فيه وهذا لا وجه له ثم يقال للقاضي العلم المتعلق بهذا العلم يزيد عليه أم هو عينه إن كان لا يزيد عليه فلا وجه لتنويعه فإن زاد عليه فهذا محال إذ يلزم عليه إثبات علوم لا نهاية لها أو إثبات علم لا يعلمه العالم وهذا محال والمختار عندنا في هذه المسألة وفيه الجواب عن السؤال أن نقول الذي نعتقده أن العلم لا يتلقى من أقوال المخبرين إنما يتلقى من القرائن الدالة على الصدق الحاسمة لخيال الكذب ولذلك يجوز اقترانه بقول واحد على انفراده فإذا ثبت هذا فنقول ورآه الكعبي علم ما علمناه ضرورة من صدق المخبرين ومن كون العلم ضروريا نعم نوافقه في أن العلم يتلقى من القرائن فإن كان توقفه على الإطلاع على القرائن بالبحث والتأمل فهذا مسلم له ووراء الإطلاع على القرائن يحصل العلم ضروريا نظر وتوقف وهذا لا ينكره الكعبي فقد التقت إذنه وعاد الخلاف إلى لفظ والله أعلم الباب الثاني في العدد وقد أجمع أصحابنا على اعتبار أصل العدد وإن اختلفوا في أقله وقد أحالوا تلقي العلم الضروري من شخص واحد خلافا للنظام وتمسكوا بأن قول الواحد وإن انضمت إليه القرائن فاعتماده الكذب في العرف ممكن لا استحالة فيه بخلاف اعتماد الجمع العظيم بالتواطئ فإن ذلك يحيله العقل في اطراد العرف وعلمنا به كعلمنا باستحالة إجماع أهل الدنيا في وقت واحد على أكل الزبيب وهذا لا يطرد في الواحد وحققوا ذلك بأن الشرع تعبد القضاة ببناء الحكم على قول الشهود وهم على طوال دهورهم لم يبنوا قط قضاياهم على علم ضروري مستفاد من قول الشهود ولو تصور لوقع لا محالة تمسك النظام بأن قال إذ فرضنا رجلا من أهل المروءة والسيرة المرضية استمرت عادته على أن لا يخرج من داره إلا راكبا محفوفا بحشده وخدمه لا يلتفت إلى أحد ولا يتكلم فرأيناه خرج من داره وقد مزق ثوبه حاسر الرأس حافي الرجل يضرب صدره وينتف شعره رافعا عقيرته بالويل مخبرا عن موت ابنه يعلم على الضرورة صدقه ولا نتمارى فيه فناكره أصحابنا وقالوا لعله أخبره كاذب أو اعتور ابنه سكتة فظنه ميتا وهذا مزيف والمختار أن العلم قد يستفاد من القرائن المنضمة إلى قول واحد كما فرضناه نعم زل النظام حيث قال يتلقى العلم من قوله وما ذكروه من السكتة وتوهمه يرتفع بإخباره عن الدفن وذلك ممكن تقديره وما ذكروه من عدم قطع القضاة بقول شاهد قط تحكم على الغيب مسألة: اختلف المعتبرون في أقل عدد التواتر فقال القاضي أقطع أن الأربعة ليسوا عدد التواتر وتردد في الخمسة لأن الشرع رقى الشهادة إلى الأربعة ولم يكلف إلا غلبة الظن وقال ملقى مجلس أبي الهذيل عبد الرحمن الخمسة اقل عدد التواتر تردد وقال قائلون أقله عشرون تلقيا من قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون وقال آخرون أربعون تلقيا من قوله تعالى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين وقد كانوا أربعين وقيل أقله سبعون تلقيا من قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا وقال آخرون ثلاثمائة وثلاثة عشر وهو عدد المحاربين يوم بدر إذ بهم استقر الدين وظهر وهذه أعداد يضرب البعض منها بالبعض ونقول العقل لم يهد إلى التقدير وهذه الآيات لا تناسب الغرض والحكم بتقدير محال فإن قيل كأنكم جهلتم أقل العدد قلنا هذا مرتبط بالعرف والقرائن فلا ضبط لها وهي مختلفة باختلاف أحوال المخبرين والمخبر عنه فيجب على كل عاقل أن يضرب عن التقدير فيه إذ العرف لا ينضبط نعم نشير إلى تزاحم شرائط الخبر فنقول إذا بلغوا مبلغا في العدد يبعد منهم في العرف التواطؤ على الكذب في مثل ما أخبروا عنه وعلم على القطع خروجهم عن ضبط ضابط وإيالة ذي إيالة لأجل مصلحة علم على القطع الصدق وهذا قد يحصل بقول الواحد وقد لا يحصل بقول عسكر عظيم إذ توهم انسلاكهم تحت سياسة سايس وذهبت الرافضة إلى أن العلم متلقى من قول الإمام المعصوم إلا أنه مشتبه بالمخبرين ولو انفرد وتعين لعلم على الضرورة صدقه وهذا محال إذ عصمته لم يعلموها بالضرورة ولا يثر على عصمة الأنبياء ولم يعرف صدقهم بالضرورة كيف وقد أخبر علي كرم الله وجهه في زمانه عن أمور واختلفوا في صدقه وهو معصوم عندهم الباب الثالث في شرائط التواتر قال علماء الأصول شرطه استواء الطرفين والواسطة والحديث المتواتر عن رسول الله  في عصر الصحابة ينبغي أن يتواتر عنهم في العصر الثاني فلو نقل الآحاد كونه متواترا لم يكف وهذا خطأ فإن خبر الواحد ليس له طرف وواسطة وكل من ينقل عنه قول وإن كان راويا فهو خبر في نفسه ولا بد من التواتر فيه فهذه أخبار لا بد من تواتر كل واحد منها طاعة الذي لا بد منه لتحصيل العلم أن يستند علم المخبرين إلى الحس والضرورة فأما ما كحدث العالم وغيره لا يعلم صدقهم فيه وإن بلغوا عدد التواتر فإن قال قائل ما سببه والعلوم عندكم كلها ضرورية فأي فرق بين الإدراك ببصيرة العقل وبين الإدراك بالبصر قلنا العرف فارق بينهما فإن العلم لا يحصل بحدث العالم بسبب الخبر بخلاف المحسوسات فلعل السبب فيه أن المعتقد لحدث العالم لم يميز نفسه عن العالم به وكل يظن أنه عالم وهو معتقد مخمن ولا قرينة تميزه وما من مخبر إلا ويتصور كونه معتقدا وهو يظن أنه عالم وعلى هذا شأن النظريات جميعا دون المحسوسات قال الأستاذ أبو اسحق الخبر ينقسم إلى متواتر ومستفيض وآحاد فالمستفيض ما اشتهر فيما بين أئمة الحديث وذلك يورث العلم كالتواتر وليس الأمر كذلك فإن المستفيض إذا لم يتواتر تصور فيه التواطؤ والغلط إذ العدل لا يستحيل منه الكذب


الباب الرابع في تقسيم الآحاد قال علماء الأصول الآحاد ينقسم إلى ما يعلم صدقه وإلى ما يعلم كذبه وإلى ما يتردد فيه أما ما يعلم صدقه ينقسم إلى ما يعلم بضرورة العقل كإخبار المخبر عن استحالة اجتماع المتضادين وإلى ما يعلم بنظر العقل كإخبار المخبر عن حدث العالم وإلى ما يعلم بالسمع كإخبار من قال رسول الله  هو صادق وإخبار الرسول عليه السلام عن الصراط والجنة والنار قالوا ومن هذا القسم خبر الواحد إذا عمل بموجبه أهل الإجماع وأما ما يعلم كذبه فينقسم إلى هذه الأقسام وهو الإخبار عن عكس هذه الأمور وهذا وإن كان صحيحا فلا فائدة له في كتاب الأخبار فإن غرض الكتاب بيان ما يتلقى علمه من الخبر وهذه الأمور معلومة لا من الخبر وما ذكروه من انعقاد الإجماع على العمل وكونه دليلا على صدق خبر الواحد ليس كذلك فان قيل لا تجتمع الأمة على الضلالة قلنا ما اجتمعوا على صدقه بل اجتمعوا على العمل به فنقول العمل واجب ومستنده هذا الحديث المتردد بين الصدق والكذب والمختار في التقسيم أن يقال الخبر المعلوم صدقه على القطع ما استجمع شرائط التوتر وذلك لا ضابط له والمعلوم كذبه أقسام منها تحدي الرجل بالنبوة مع العجز عن إقامة المعجزة يدل على كذبه إذ لو كان رسولا لأيد بمعجزة فإن تكليف الإتباع من دونه مما لا يطاق وهذا محال هذا إن قال أنا نبيكم فأما إذا ادعى بأنه يوحى إليه في نفسه فيما يؤمر به وينهى عنه فلا يعلم كذبه بذلك وكذلك إذا قال معجزتي أن الله تعالى ينطق هذا الحجر فنطق بتكذيبه فيعلم كذبه إذ لو كان صادقا لما أظهره على هذا الوجه بخلاف ما لو قال معجزتي أن احي هذا الميت فأحياه فنطق بتكذيبه لأنه ذو اختيار كسائر الخلق والإعجاز في أحيائه ومما يعلم كذب المخبر فيه انفراد الرجل بالإخبار عن واقعة عظيمة تتوفر البواعث على نقلها وتواتر الخبر فيها كانفراد رجل واحد بالإخبار عن برزة الخليفة على هيئة خارقة للعادة على ملا من الناس في مفرق الطرق بعدوهم الخلق فيعلم كذبه إذ لو كان لتوفرت الدواعي على نقله ولاستحلال انفراده به وسكوت الباقين عن نقله فإن قيل فلم اختلف الناس في النبي عليه السلام انه دخل مكة صلحا أو عنوة وقد كان في مزدحم الخلق وقد تمسكتم فيها بأخبار الآحاد قلنا تواتر كونه  شاكا في السلاح متهيئا لأسباب الحرب وإنما الخلاف في جريان أمان لهم وذلك مما يخفي فلا يبعد انفراده الآحاد به فإن قيل لم لم يتواتر قران رسول الله  أو إفراده في الحج وقد كان احرم على الملأ من الناس قلنا لأن الميز بين الأفراد والقران مما يخفى ولا يدركه إلا الخواص فلا يبعد استبهامه فإن قيل انشقاق القمر لم يتواتر قلنا أنكره الحليمي لذلك واعتذر القاضي بأنها كانت آية ليلة أظهرت في جنح الليل ولم يكن مع النبي  إلا أشخاص معدودة في وقت استرسال ثوب الغفلة على الناس فلذلك لم يتواتر فإن قيل الإقامة من شعائر الإسلام فهلا تواتر الأفراد إذا كان واقعا قال القاضي اقطع بأن بلالا كان يثني ويفرد فلم يطرد الإفراد على التجرد دون التثنية فلذلك تعارضت الأخبار فان قيل لم لم يتواتر التثنية والأفراد جميعا قلنا لضعف اعتناء الناس به فانه كان يخفض الصوت بها نهارا والمختار في الجواب القطع بان الأفراد كان متواترا في العصر الأول إلا أن النقلة اضربوا عن نقله استغناء بالاستفاضة والإجماع من حيث الفعل وحيث انقرض العصر أحدث بعض التابعة التثنية ولم يبق ممن عاين عصر رسول الله  سوى الآحاد ولا يبعد أن يتواتر خبر عظيم ثم تنحبس الدواعي على ممر الأيام وتندرس فقد تقررت هذه القاعدة واستمرت وعليه بنينا الرد على الروافض حيث ادعوا نصا من الرسول على إمامة علي كرم الله وجهه فان الصحابة اشتوروا بعد وفاة الرسول عليه السلام واضطربوا فيمن ينصب له حتى اتفقوا على أبي بكر  ولم ينقل أحد عن الرسول عليه الصلاة والسلام النص ولو كان لتوفرت الدواعي على إبدائه ونقله وكذلك اليهود إذ نقلوا عن موسى عليه السلام انه خاتم النبيين قيل لهم تحدى رسول الله  على اليهود وكانوا ينازعونه في بعثه ولم ينقل أحد من أحبارهم ذلك ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله وأيضا فلا يمكنهم إنكار معجزة عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وغيره ولو صدقوا لما ظهرت المعجزة بعد وأما المتردد فيه فجملة أخبار الآحاد وكل ما لم يستجمع شرط التواتر وأمكن وقوعه ومن هذا القسم انفراد رجل واحد ينقل حالة لرجل عظيم إذا تخيلنا استناد سكوت الباقين إلى سياسة واياله ذي اياله هذا تمام الكلام في هذا القسم والله اعلم القسم الثاني في إخبار الآحاد وفيه خمسة أبواب الباب الأول في إثبات كون المخبر الواحد مفيدا للعمل وذهب بعض المحدثين إلى انه يفيد العلم وهذا محال إذ لا يجب صدقه عقلا ولا نقلا وإذا جاز كذبه فلا علم بالصدق وكيف وما من شخص إلا ويتصور أن يرجع عما ينقله وقد عهد مثله وبعد فلو تعارض نقل عدلين فليت شعري يجعل العلم بهما على التناقض أو بأحدهما ولا تمييز ولا ترجيح فإن قيل لو لم يوجب العلم لما أوجب العمل قلنا عن هذا صار الروافض إلى انه لا يعمل بأخبار الآحاد ونحن نبطل الآن مذهبهم فنقول إن الشيع وقوعه وزعمتم انه لا يتصور فوجه تصوره أن يقول السيد لغلامه اعمل بما ينتهي إليك من أمري على لسان الآحاد وان أحالوا لاستقباح أو لاستصلاح فنحن لا نساعدهم في ذلك ثم قلب كل خيال يبدونه في إثبات القبح ونقيض الصلاح ممكن عليهم وان تلقوا منعه فلا بد من نقله قالوا ودليله قوله تعالى إن بعض الظن إثم قلنا خصص البعض وليس هذا منه ودليله بناء القاضي قضاءه على ظن صدق الشهود بالإجماع فإن قيل لا نعلم وجوب العمل به بضرورة العقل ولا يدل عليه دليل فلا يعمل به قلنا دليله أمران قاطعان:

أحدهما: علمنا بأن رسول الله  يبعث ولاته ورسله إلى البلاد ويفرقهم في الأقطار وهم آحاد وكان يضم إليهم الصحائف ويأمر بإتباعه الحاضر والبادي ولو توقفوا إلى التواتر لحزت رقابهم     
المسلك الثاني: علمنا بان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين إن ارتبكوا في واقعة فنقل إليهم الصديق  قولا عن رسول الله  على انفراده اتبعوه وقولهم انه لا يورث العلم يبطل بالشهادة والله اعلم




الباب الثاني في عددهم وصفتهم ذهب الجبائي إلى انه لا يعمل إلا بما ينقله رجلان ثم شرط ثم تكرر العصر أن يحتمل قول كل رجل رجلان هكذا إلى حيث ينتهي وهذا استئصال لهذه القاعدة إذ لا يستقيم على هذا المذاق حديث في عصرنا ومعتمدنا نقل الصحابة واكتفاؤهم بالواحد وقد نقل أبو بكر الصديق  قوله عليه السلام: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " فتركوا قسمة تركته فإن قيل نقل عن أبي موسى الاشعري انه قرع باب عمر فلم بفتح فانصرف فأمر عمر  حتى أتي به فقال ما الذي حملك على الانصراف فقال قال رسول الله : " الاستئذان ثلاثة فان أجبت وإلا فانصرف " فقال من بشهد لك قلنا اتهمه عمر ونحن إذا اتهمنا الراوي لقرينه فلا نقبله فإن قيل قال علي كرم الله وجهه في رواية معقل بن يسار كيف نقبل قول أعرابي بوال على عقبيه قلنا لعله لتهمه إذ ليس فيه انه رده لانفراده وقد أشار إلى السبب في كلامه فإن قيل روي أن عليا  كان يحلف الراوي علنا فحلفوا انتم واقبلوا قلنا كان يحلفه ثم التهمة وكان لا يحلف أعيان الصحابة رضي الله عنهم فان قاسوا الرواية على الشهادة فأخبار الآحاد لا تنفي قياسا كما لا تثبت قياسا ثم في الشهادة تقييدات بدليل اعتبار الذكورة والحرية ورده فيما ينتفع به الشاهد أو ولده بخلاف الرواية مسالة: الإسلام والعقل شرط بالإجماع في الراوي وظهور الفسق قادح والأنوثة قادح وفي ترجيح قول الرجل على قول المرأة كلام وأما الصبي فان كان عدما لا تقبل روايته كالبالغ الفاسق وأما الصبي المراهق المتثبت في كلامه إذا روى قال قائلون يقبل والمختار رده واليه ذهب القاضي واستدل برد رواية الفاسق وليس من ضرورة الفسق الكذب ولكن يستدل به على قلة مبالاته فيقال ربما يخبر عن الكذب أيضا والصبي وان لم يكن به غرامة فيعلم انه لا ليث بالكذب فلا وازع له من جهة الدين فرد روايته أولى والمسلك المختار عندنا منهج الصحابة وسيرتهم على طول دهورهم لم يراجعوا صبيا والعبادلة بصبون في عهد رسول الله  وبعد وفاته وكذلك من عصرهم إلى بكذا لا عهد لشيخ ينقل عن صبي حديثا ولو كان مقبولا لما عطلت روايتهم وهم شطر الخليقة كما لم يعطل النسوة والعبيد قال القاضي فأنا لا أقطع برد الصحابة ونحن نقطع به لما ذكرناه

مسالة: المستور لا تقبل روايته خلافا لبعض الناس وقد استدلوا بأن الصحابة كانوا يقبلون الأحاديث ممن يرويها بحث عن حالته والمتبع سيرة الصحابة وينضم إليه وجوب إحسان الظن بالمسلم وظاهر المسلم العدالة قلنا نقل إلينا من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يردون رواية الغرباء والمجهولين من الأعراب ونعلم أنهم ما ردوا لجهلهم بنسبهم أو مسكنهم أو مسقط رأسهم وإنما ذلك لجهلهم بعدالتهم وما ذكروه من أن الغالب العدالة قلنا الرجوع في الغالب إلى الواقع في العادة والفسق اغلب على الخليقة والكذب أكثر ما يسمع ويكفي المستور في إحسان الظن به أن يستوي في حقه العدالة والفسق وظهور الفسق إنما قدح لانخرام الثقة وعليه التعويل في الأحاديث والفسق محتمل لا يحقق الثقة أصلا      

مسالة: قال القاضي كل صورة من هذه الصور إذ دل عليها دليل قاطع على قبول الخبرية قبلت وإذا لم يدل عليه قاطع ولا على رده أيضا قطعت برده لعدم القاطع على قبوله والمختار انه إن لم يدل قاطع على الرد ولا على القبول نتردد ولا نجعل عدم القطع بالقبول سبب القطع بالرد إذ القاطع بالقبول إجماع الصحابة والصحابة كانوا يختلفون في قبول الأحاديث والرواة كانوا لا يعترضون على القائلين ولا وسيحلفون إلى ترك القطع والله اعلم الباب الثالث في الجرح والتعديل وفيه خمسة فصول الفصل الاول في العدد وقد قال المحدثون لابد من معدلين أو جارحين والواحد لا يكتفي به لان سبيل الاكتفاء براوية واحد سيرة الصحابة ولم يتقل هذا منهم في المعدل فيرد إلى قاعدة الشرع وكلما مست الحاجة إلى إثباته لا يثبت إلا بقول اثنين قلنا نعم لم ينقل ذلك ولكن المختار الاكتفاء بواحد لأننا نفهم مما نقل أمورا لم تنقل ولذلك اتسع باب القياس فلو اقتصرنا على الاقيسة المنقولة عنهم ومنهم تلقينا القياس لضاق باب القياس ولكنا فهمنا مما نقل تشوفهم إلى القياس في وقائع لم تتفق لهم إذ أقدموا على القياس إقدام من لا يرى على الوقائع حصرا وكذلك فهمنا من حالهم أنهم لو تماروا في قول راوي وعدله الصديق لكانوا يكتفون الفصل الثاني في كيفية الجرح والتعديل

والمنصوص للشافعي  أن التعديل المطلق في الشهادة والرواية مقبول والجرح المطلق لا يقبل العدالة لا حصر لها والجرح يحصل بخصلة واحدة ولأنه قد يعتقد الشيء سببا للجرح ونحن لا نراه فليبينه قال القاضي رحمه الله الجرح المطلق كاف فإنه خارم للثقة المبتغاة من الحديث والتعديل لا بد فيه من ذكر سببه فإنه قد يكتفي بمبادئ العدالة جريا على الظاهر وإحسانا للظن به وقال آخرون لا بد من ذكر السبب فيهما أخذا بطرفي كلام الشافعي والقاضي رضي الله عنهما وعكس عاكسون وقالوا يكفي الإطلاق فيهما والاختيار أن الجرح المطلق خارم للثقة فهو كاف والتعديل المطلق من مثل مالك مع علوه في الاحتياط مقبول وممن يظن به التساهل فيه فلا


الفصل الثالث في التعديل بالفعل وقد اختلفوا في الاكتفاء به وله صورتان:

إحداهما: أن يروي المستجمع لخلال التعديل حديثا عن شخص ويقتصر عليه فهل يجعل ذلك تعديلا والمختار أن ذلك كالتعديل من مالك ومن كل محدث لا يستجيز نقل الأحاديث الضعيفة وألا فلا   

والصورة الثانية: أن يعمل بموجب حديث لم ينقله إلا رجل واحد هل يجعل ذلك تعديلا فيه خلاف والمختار انه إن أمكن حمل عمله على الاحتياط فلا وإن لم يمكن فهو كالتعديل لأنه محصل للثقة


الفصل الرابع في صفة المعدل والجارح

ولا بد من العقل والإسلام وظهور العدالة والبلوغ ولا تقدح الأنوثة والرق ويشترط معرفة أسباب الجرح والعدالة فيما قاله الأصحاب وفيه تفصيل وهو انه إن ذكر سبب الجرح والعدالة فلا تعتبر معرفته به فإنه عدل في الأخبار وقد فوض الرأي إلينا وان لم يذكر السبب فتعديله المطلق وكذا جرحه مردود نعم قد يترجح رواية من لم يتطرق إليه جرح مطلق من مثله على رواية من تطرق إليه ذلك الفصل الخامس في عدالة الصحابة رضي الله عنهم وهو معتقدنا في جميعهم على الإطلاق وعليه ينبني قبول روايتهم واستثنت المعتزلة طلحة والزبير وعائشة رضوان الله عليهم تعويلا على ما صدر منهم من هناتهم وحالات نقلت من محاربتهم وما من أمر ينقل إلا ويتطرق إليه احتمال فالنظر إلى ثناء رسول الله  وتبجيله إياهم أولى من إساءة الظن بهم بالاحتمال ولا فرق بين علي وعثمان وبينهم في مثل ما يعولون عليه.

الباب الرابع فيما يعتمده الراوي وفيه ثلاثة فصول الفصل الاول في شرط الشيخ والقارئ والمتحمل أما الشيخ فشرطه أن يصغي لما يقرأ عليه بحيث لا يذهل عن كلمة منه أو يقرأ بنفسه أو يأخذ النسخة ويحتاط في النظر فيه ليتنبه للزيادة والنقصان فإن لم يكن في يده نسخة وكان يحفظ الحديث بحيث يتنبه للزيادة والنقصان كفى وإلا فوجوده كعدمه وقوله سمعت شيخي أو قال اخبرني أو حدثني على وتيرة واحدة فأما القارئ فشرطه أن يقرأ نسخة صحيحه على وجه يسمع على الشيخ تمام كلمات الأحاديث هل عليه أن يقول للشيخ بعد قراءته هل كان كما قرأته شرطه بعض المحدثين وهذا لا حاجة إليه فإن قوله إذ قال قرأت لا يفيد القطع والثقة حاصلة بسكوته وتقريره بقرينة الحال فإنه متصد لهذا الشأن وأما المتحمل إن كان يقرأ فذاك وان كان لا يقرأ فسبيله أن يسمع تمام كلمات الأحاديث ولا يشترط فهم معنى الحديث ولا حفظه وان كان يسمع صوتا غفلا ولا يحيط بمقاطع الكلمات ومباديها لا يصح سماعه وان عول على النسخة بعده فهو تعويل على الصحيفة الفصل الثاني في الاعتماد على الكتب وقد منعه المحدثون والمختار انه إذا تبين صحة النسخة ثم إمام صح التعويل عليه في العمل والنقل ودليله مسلكان:

أحدهما: اعتماد أهل الأقطار المتفرقة على صحف رسول الله  في الصدقات المضمومة إلى الولاة والرسل توقف على نقل الراوي عن رسول الله      

والثاني: أنا نعلم إن المفتي إذا اعتاصت عليه مسألة فطالع أحد الصحيحين فاطلع على حديث ينص على غرضه لا يجوز له الإعراض عنه ويجب عليه التعويل ومن لصاحب هذا فقد خرق الإجماع وليس ذلك إلا لحصول الثقة به وهي نهاية المرام نعم لا يقول سمعت شيخي وهو لا يسمعه الفصل الثالث في الاجازة وقد رده بعض المحدثين وقبله بعض وحطوه عن السماع وقال الأستاذ أبو بكر  يعول عليه في أحكام الآخرة والمختار انه كالسماع لان الثقة هي المبتغاة والإمام أبغيه في الصنعة الغالي في الاحتياط إذا عين حديثا وأشار إلى نسخة وقال هذا قد صح عندي على وجهه فأجزت لك في النقل فقد حصلت الثقة ولا تعبد في السماع وأما المناولة فلا فائدة فيها وهي من جهالات بعض المحدثين ولا يشترط أيضا أن يقول أجزت ويكفي أن يقول قد صح عندي ذلك أو هذه النسخة مصححة على شيخي فأما إذا قال أجزت لك فيما صح عندك من مسموعاتي مطلقا فهذا لفظ مبهم لا بد فيه من نثبت فليقع البناء على التعين وثلج الصدر وليتجنب رواية كل ما يتردد فيه ولا يجوز التعويل على خط المجيز المكتوب على حاشية النسخة أصلا والله اعلم الباب الخامس فيما يقبل من الأحاديث وما يرد

ويحصر مجموعه تسع مسائل:      

مسألة: المراسيل مردودة ثم الشافعي رضي الله عنه إلا مراسيل سعيد ابن المسيب والرسل الذي عمل به المسلمون وصورته أن يقول التابعي قال رسول الله  ولم يلقه أو يقول حدثني الثقاة أو اخبرني رجل ولم يذكر اسمه وقبل أبو حنيفة رضي الله عنه والجواب ومنهم من قدمه على المسند واعترض القاضي على الشافعي رضي الله عنه في استحسانه مراسيل سعيد ابن المسيب وقال ما الفرق بينه وبين غيره وقال قال الشافعي رضي الله عنه مراسيله مسانيد ولكنه لا يذكر لكثرة شيوخه فإذن قد استحسن مسانيده لا مراسيله وقال القاضي لم قلت إذا عمل به الأمة كان مقبولا نعم الإجماع هو المقبول والعمل إن كان متلقى منه فلا أثر للمرسل وان تلقى من الحديث فليقبل دون الإجماع وتمسك الشافعي رضي الله عنه بأن قال إذا أرسل الناقل الحديث فحقه أن يذكر من اخبر به ليبحث عن حاله فربما لا يكون ثقة وتمسك القائلون بأن العبادلة الأربعة لم يدركوا إلا أواخر عمر الرسول  ولم يسمعوا منه إلا أخبارا معدودة ثم لم يقتصروا في النقل عليها قطعا ولذلك غزر علمهم وكثرت روايتهم ثم كانوا يقولون قال رسول الله  إسناد إلى واحد ولم يزعهم عن ذكر ذلك دينهم ولا اعترض عليهم غيرهم فدل أن الإرسال جائز مقبول يحققه أن الرجل العظيم القدر في هذا الشأن إذا جزم قوله وقال قال رسول الله  أو قال اخبرني الثقة بكذا فالثقة به ابلغ مما إذا ذكر اسم الرجل فإنه يطرق أمره إذا قال هو ثقة وثبت في كون الحديث صادرا من فلق في رسول الله  والمبتغى هو الثقة قال القاضي والمختار عندي أن الإمام العدل إذا قال قال رسول الله  أو اخبرني الثقة قبل فأما الفقهاء والمتوسعون في كلامهم قد يقولون ذلك لا عن تثبت فلا يقبل ومنهم من قال هذا هو منقول عن الحسن البصري والشافعي رضي الله عنهما ولا يقبل في بكذا هذا وقد كثر الرواة وطال البحث وتشعبت الطرق فلا بد من ذكر اسم الرجل والأمر على ما ذكره القاضي إلا في هذا الأخير فإنا لو صادفنا في بكذا متثبتا في نقل الأحاديث مثل مالك رضي الله عنه قبلنا قوله قال رسول الله  ولا يختلف ذلك بالاعصار ثم قال القاضي تبينت أن مذهب الشافعي رضي الله عنه قبول المراسيل فإنه قال في المختصر اخبرني الثقة وهو والجواب بعينه وقد أورده لينقل عنه ويعتمد عليه ويعتقد معتمد مذهبه وعن هذا قبل مراسيل سعيد بن المسيب وإنما رد ما تردد فيه مسالة: إذا روى الراوي حديثا عن شيخه فروجع فيه فقال لا أدريه فالحديث مقبول عندنا إذ لم يكذبه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه هو مردود ومثاله ما نقله ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري من حديث النكاح بغير ولي وقال ابن جريج راجعت الزهري في الحديث فقال لا أعرفه وتمسك أبو حنيفة رحمه الله بأن التعويل على الثقة وقد انخرمت الثقة وعارض قوله قول شيخه ونزل هذا منزلة اتفاق أسيئي شهود الأصل قبل القضاء وقولهم لا ندري ما ذكره شهود الفرع والاختيار عندنا قبوله لأن الثقة عندنا تنخرم إذا كذبه فأما إذا قال لا أدريه فحمله على الذهول والنسيان ممكن فلا حاجة بنا إلى تكذيب عدل مع إمكان التصديق وليس كذلك إذا كذبه إذ ليس أحدهما بالتصديق أولى نعم لا ننكر أن هذا في الثقة دون ما إذا وافق الشيخ ولكن نباهة معتبرة إذ حديث ينقله أبو عوانة في الثقة دون ما ينقله مالك مع تقلت وذلك لا يقتضي رده وإنما يؤثر في الترجيح ولا وجه للنظر إلى الشهادة فإن مبناها على تعبدات ذكرناها ولذلك لا يراجع شهود الفرع مع حضور شهود الأصل بخلاف الرواية فإن منعوا ذلك استدللنا بسيرة الصحابة وقد علمنا أنهم في مخاليف مكة والمدينة في حياة رسول الله  وحافتهما كانوا يعتمدون على قول أبي بكر وعمر وغيرهم مع إمكان الرجوع إلى الرسول  أن النسوة لا يكلفن البروز إلى الرسول في كل حكم من الصلاة والطهارة بل كن يعتمدن قول أزواجهن فلا وجه لإنكاره

مسألة: إذا قال الصحابي من السنة كذا أو سنة الرسول عليه السلام كذا قال المحدثون هو كقوله قال رسول الله  كذا لأنهم يعبرون به عن قول النبي عليه السلام وهذا تحكم فإن السنة يعبر به عن الطريقة والشريعة بدليل قوله تعالى سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا فلعله قاله قياسا وسنة النبي اتباع القياس وكذا لو قال امرنا بكذا فإنه أمر بإتباع القياس وان كان هو أظهر من الأول ولو قال أمرنا رسول الله  فهو كراوية قوله مثل قول صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله  إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا الحديث      

مسألة: أوجب المحدثون نقل ألفاظ رسول الله  على وجهها وغالوا حتى منعوا إبدال اسم الله تعالى باسم آخر من أسماء الله تعالى تمسكا بقوله عليه السلام: " تضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو افقه " منه والمختار أن الألفاظ منقسمة إلى ما يتميز بخاصية الإعجاز وهو ألفاظ القرآن ولا بد من نقلها إذ الإعجاز بها يتعلق وما لا إعجاز فيه ينقسم إلى ما يتعلق به تعبد لا بد من قراءته كألفاظ التشهد فلا بد من روايتها على وجهها ومالا يكون كذلك يجوز تغييره بشرط أن يكون الناقل على ثبت من تبقية المعنى بتمامه إذ لا تبعد في اللفظ والمعنى هو المبتغى مسألة: إذا نقص الراوي شيئا من الحديث نظر فيه فإن كان المتروك لا يرتبط بالمنقول أصلا فذاك جائز وعليه درجت الصحابة إذ كان رسول الله  يشرع لهم أحكاما جمة في مجلس واحد وخطبة واحدة ثم كانوا ينقلونها متفرقة على حسب الحاجة وان ارتبط به بحيث لا يستقل المنقول بإفادة الغرض فلا يحل نقصانه فإنه إخلال بالغرض وان استقل الأول وكان الباقي يفيد مزيد وضوح فيجوز الاقتصار على الأول كما نقل عن ابن مسعود في بعض الروايات انه قال: أتيت رسول الله  بحجرين وروثة لما استدعى ذلك مني فرمى الروث وقال: " انه رجس " ولم ينقل قوله ابغ لي ثالثا وقد نقل عن الرسول عليه السلام انه قال: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " وفي بعض الروايات لم ينقل الجلد قال الشافعي رضي الله عنه لا أتلقى سقوط الجلد من الثيب من اقتصار الراوي إذ يحتمل أن النبي عليه السلام كان قد ذكره في هذا الحديث أيضا فاستحقره الراوي بالنسبة إلى الرجم فاقتصر على نقل الرجم ولكنه مأخوذ من قصة ماعز وفعل رسول الله  مسألة: القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات فلا يشترط التتابع خلافا لأبي حنيفة  فإنه قبله وهو يناقض أصله من حيث انه زيادة على النص وهو نسخ بزعمه كما قاله في كفارة الظهار ومعتمدنا شيئان

أحدهما: أن الشيء إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه وإما لكونه متواترا ولا أعجاز ولا تواتر ومناط الشريعة وعمدتها تواتر القرآن ولولاه لما استقرت النبوة وما يبتني على الاستفاضة لتوفر الدواعي على نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة فإن قيل لعله كان من القرآن فاندرس قلنا الدواعي كما توفرت على نقله ابتداء فقد توفر على حفظه دواما ولو جاز تخيل مثله لجاز لطاعن في الدين أن يقول لعل القرآن قد عورض فاندرست المعارضة وجوابنا عنه أنه لو كانت سبوحا وتوفرت ولتوفرت الدواعي والجبلات على نقلها مع تشوف الطاعنين في الدين إلى إبطاله
   المسلك الثاني: مبنانا فيما نأتي ونذر الإقتداء بالصحابة رضي الله عنهم وقد كانوا لا يقبلون القراءة الشاذة وعن هذا كسر عثمان  أضلاع ابن مسعود فكيف يقبل فإن قيل لا ينحط عن خبر الواحد فليعمل به قلنا العمل به ينبني على كونه من القرآن وقد بطل ذلك ثم مستندنا في العمل بخبر الواحد سيرة الصحابة وهم لم يعملوا به      

مسألة: إذا انفرد بعض النقلة بزيادة في اصل الحديث قبلت الزيادة خلافا لأبي حنيفة  وقد عول على انه يبعد أن يحضر مجلس الرسول  جمع قد اعتنوا بحفظ كلامه ثم يختص بعضهم بسماع كلمة مع ذهول الآخرين عنه والعجب انه لم يتنبه لهذا في القرآن ومبناه على الاستفاضة والتواتر واعتبره مظنته إذ وقوع غفلة أو فترة لمعظم الحاضرين واختصاص البعض بالاستماع لا يحيله العرف والعقل والناقل عدل والجمع بينه وبين المقتصرين ممكن فلا يجعل للتهمة موضعا على ما قاله الشافعي نعم لو كذبوه وقالوا لم يقله فعند ذلك تبطل الثقة فلا يقبل فان قالوا ذلك مما يندر قلنا لا يرد حديث الثقة لندوره إذ قبل رواية من روى أن النبي  بال قائما مع ندوره بالنسبة إلى حاله وقد كان بحيث غشي عليه حياء لو انحلت عقد أزاره وانكشفت عورته والدليل عليه أن رجلين لو انفرادا من بين سائر الشهود في واقعة شهدوها وشهدوا على زيادة قبل ذلك منهم التفات إلى الندور

مسألة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه إخبار الآحاد فيما تعم به البلوى مردودة فنقول إن عنيت به ما يعظم موقعه في القلوب وتتوفر الدواعي على نقله فمسلم وان عنيت به ما يتكرر في اليوم و الليلة كالصلاة والطهارة فليس كذلك إذ معظم الصور المتعلقة بالصلاة والسهو فيها انفرد به الآحاد وقد ردوا مذهبنا في الجهر بالبسملة بهذا السبب وقالوا لو كان لاستفاض فإن البسملة متكررة وهذا يعارضه أن الإسرار لو وقع لاستفاض أيضا ثم يقال لهم أتقطعون بكذب ناقل الجهر أم لا فإن قطعتم به فلا يدرك كذبه بضرورة العقل ولا نظره وان جاز وقوعه فهو عدل فلا وجه لتكذيبه والقول الوجيز أن ما يقتضي إحلال الاستفاضة فيه إذا لم ينقل نفيه وإثباته متواترا فهو محمول على أحد أمرين أما على قصور الدواعي وضعف الاعتناء بنقله وأما على اندراسه بعد التواتر وهذا مما لا يعظم وقعه في القلب حتى يتواتر والعجب أنهم اثبتوا تثنية الإقامة بمثله وهو شعار الإسلام يتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات

مسألة: كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نظر إن تطرق إليه التأويل قبل وأول وان لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل فإن رسول الله  كان مسدد أرباب الألباب ومرشدهم فلا يظن به أن يأتي بما يستحيل في العقل وقوله عليه السلام: " يضع الجبار قدمه في النار " مقبول مؤول محمول على الكافر العتل قال رسول الله : " أهل النار كل جبار جظ جعظري " وتشهد له قرائن وهو قوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقد علم الرب تعالى متسع النار وما يملؤها فكيف افتقر إلى وضع القدم وهلا جعل الحجارة حشوها كما قال تعالى وقودها الناس والحجارة وحمله على الظاهر نسبة جهل إلى الله تعالى عن قول الظالمين أو لعجزه عن أن يملأ النار بخلق يخلقه ورب حديث علم علي القطع إزالة ظاهره كقوله عليه السلام: " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " وخلاف الظاهر فيه مشاهد وقوله عليه السلام: " خلق آدم على صورته " فالهاء فيه قيل راجعة إلى آدم ومعناه أنشأه كذلك بخلاف من دونه فإنهم كانوا أولا على صورة الآباء وقد قيل سببه أن رسول الله  رأى رجلا يلطم وجه غلام فقال: " لا تفعل فإن الله تعالى خلق آدم على صورته " والقول الوجيز أن كل ما لا تأويل له فهو مردود وما صح وتطرق إليه التأويل قبل والله أعلم











كتاب النسخ وفيه أربعة أبواب الباب الأول في إثبات النسخ على منكريه وبيان حقيقته

وقد أنكر اليهود جواز النسخ فنقول لهم إن تلقيتم استحالته من عدم تصوره فتصويره أن يقول السيد لعبده افعل ثم يقول بعده لا تفعل وان تلقيتموه من استصلاح واستقباح فلا تساعدون عليه ثم لا بعد في تقدير مصلحة فيه وان نقلوا استحالة النسخ من موسى عليه السلام فقد كذبوا إذ شريعة عيسى عليه السلام نسخت شريعته ولا طريق لهم إلى إنكار معجزته فإن قالوا النسخ يدل على البداء قلنا إن عنيتم انه يدل على تبين شيء بعد استبهام شيء فليس كذلك وان قلتم يؤدي إلى افتتاح أمر لم يكن فالله تعالى يبدل الأحوال يحيي ويميت ويحرك ويسكن وان قالوا كلام الله تعالى قديم والقديم كيف ينسخ قلنا تعلق الخطاب بنا ليس قديما فلا بعد في انقطاعه كما ينقطع بالجنون وغيره فدل أن استحالة النسخ لا تعلم بضرورة العقل ولا بنظره فإن قيل أمر الله إن فهم منه التأبيد فنسخه يشعر بالخلف وان لم يدل إلا على التأقيت فلا حاجة إلى النسخ إذ النسخ رفع ولا رفع قلنا يندفع هذا السؤال ببيان حقيقة النسخ وقد اختلفت العبارات فيه فقال قائلون النسخ بيان أمد العبادة وهو فاسد من وجهين:     
أحدهما: أن النسخ لا يختص بالعبادة      

الثاني: أن البيان لو قارن لم يكن نسخا فلا بد من التراخي وقال الفقهاء النسخ تخصيص الأمر بزمان قال القاضي رحمه الله في روم افاسده اجمع الفقهاء واليهود على رد النسخ إذ الأمة مجمعة على إثباته معنى وراء التخصيص فلا تغني الموافقة في اللقب ورد المعنى إلى التخصيص إذ النسخ رفع لا رفع فيما قلوه والتخصيص بالقياس وأخبار الآحاد مسوغ دون النسخ قال القاضي والنسخ رفع الحكم الثابت وهذا يرد على ما ذكره اليهود من أن رفع الثابت خلف وقالت المعتزلة النسخ هو النص الذي يتضمن رفع مثل الحكم الثابت في مستقبل الزمان الذي لولاه لاستمر الحكم والمختار أن النسخ إبداء ما ينافي شرط استمرار الحكم فنقول قول الشارع افعلوا شرط استمراره أن لا ينهى وهذا شرط تضمنه الأمر وان لم يصرح به كما أن شرطه استمرار القدرة ولو قدر عجز المأمورين تبين به بطلان شرط الاستمرار فإن قيل ما الفرق بينكم وبين المعتزلة قلنا القوادم في مسألتين:

إحداهما: أنا نجوز نسخ الأمر قبل مضي مدة الإمكان وهم لا يجوزون لأن الأمر ليس بثابت والأخرى انه لو قال افعلوا أبدا جوزنا نسخه لأنا لا نتلقاه من اللفظ وهو كما لو قال افعلوا أبدا إن لم أنهكم عنه إذ شرط استمراره عدم النهي ونقول للذين حملوا النسخ على التخصيص إن عنيتم به أن الحكم في علم الله تعالى كان متخصصا بهذا الوقت فهو مسلم وان عنيتم أن اللفظ في وضعه تخصص به فليس كذلك فإنه لو قال افعلوا أبدا فهو نص ويجوز نسخه نعم لا يجوز الهجوم عليه بالقياس لأن التخصيص أيضا تلقيناه من الصحابة لا من العقل ولم ينقل عنهم ذلك في النسخ فإن قيل هذا نسخ لا يتضمن رفعا قلنا يتضمن رفع اعتقادنا مصف فإنا كنا نظن استمرار الحكم ابدأ وإلا فالثابت في علم الله تعالى لا ينقلب فإذن تحصلنا على إثبات النسخ وراء التخصيص متضمنا لرفع الاعتقاد دون الحكم في علم الله تعالى مفارقا للاستثناء إذ شرط النسخ الاستئجار ولو قارن لناقض وشرط الاستثناء المقارنة ولو إستأخر لناقض فبان بما ذكرناه وجه الرد على اليهود فيما ذكروه من السؤال

الباب الثاني محمود

هو الله تعالى وهو المثبت وقولنا الخبر ناسخ أو الشيء ناسخ تجوز ثم لا خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ الكتاب بالسنة جائز ثم الأصوليين خلافا لمالك والشافعي والأستاذ أبي اسحق في زمرة الفقهاء فنقول ليس في العقل ولا في الشرع ما يحيل قوله النبي عليه السلام لأمته هذه الآية منسوخة أن يتلو معها آية وكان رسول الله  لا يقول ما يقوله إلا عن وحي وكان لا ينطق عن الهوى وان كان يجتهد لم يكن مترددا في اجتهاده بل كان يقطع بما يقول فإن قيل نسخ المعجز بغير المعجز محال قلنا ليس كذلك بدليل جواز نسخ آية بنصف آية لا أعجاز فيها فإن تمسكوا بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها الآية قلنا هذا إن دل فإنه يدل على أنه لم يقع ثم لا يدل عليه أيضا فإنه محمول على العلم والأمارة ثم لم يذكر انه لم ينسخ إلا بالكتاب وإنما فيه تعرض للمنسوخ والإتيان بآية أخرى وان لم يكن هو محمود ثم الآية مجملة لترددها بين هذه الجهات هذا هو الكلام في جوازه ونحن نقطع بوقوعه فإنا نرى آيات من الكتاب منسوخة كآية الوصية وغيرها وليس لها ناسخ من الكتاب فأما ورود آية على مناقضة ما تضمنه الخبر جائز بالاتفاق ولكن الفقهاء قالوا النبي  هو محمود لخبره دون الآية وهذا كلام لا فائدة فيه فلا استحالة في كون الآية ناسخة للخبر وعزي إلى الشافعي رضي الله عنه المصير إلى استحالته ولعله عني في فإذا إن النبي علي السلام لا ينسخ فلا يثبت أيضا حتى تكون الآية ناسخة لحديثه وإنما محمود والمثبت هو الله تعالى والنسخ بأخبار الآحاد تردد القاضي فيه وقال لا أدري لو نقل الصديق عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسخ آية هل كانوا يحكمون وهو في مظنة التردد كما قال ولا شك في أنهم كانوا لا يسلطون القياس على الكتاب بالنسخ والله اعلم

الباب الثالث فيما يجوز أن ينسخ

ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم جائز خلافا للمعتزلة فنقول التلاوة حكم مستقل بنفسه فلا يستحيل نسخه كنسخ الحكم دون التلاوة والدليل عليه قوله تعالى والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله تعالى فالتلاوة منسوخة والحكم باق     
مسألة: يجوز نسخ الأمر قبل مضي زمان إمكان الامتثال خلافا للمعتزلة بدليل نسخ الذبح عن إبراهيم قبل امتثاله وكان قد اعتقد وجوب الذبح ولذلك تعاطى سببه فإن قيل لم يكن مأمورا إلا بمعالجة الذبح قلنا فلم فدي وكان قد فعل ثم لا نظر في ذلك وقد قال تعالى إن هذا لهو البلاء المبين ولا يظن أيضا به التقصير في التأخير حتى يقال كان النسخ بعد الإمكان وقوله صدقت الرؤيا معناه حاولت الإقدام اعتمادا على الرؤيا والمسلك المختار أنا نقول لا يدرك استحالة هذا النسخ بضرورة العقل ولا بنظره وغاية المسألة انه يبين بالنسخ أن الأمر ثابت والنسخ رفع حكم ثابت وقد قال القاضي  الحكم قبل الإمكان ثابت ولذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن ونحن نقول كان ثابتا في وهمنا فارتفع وهمنا      وكان الله عالما بأن لا مطلوب ولا طلب كما إذا أمره ثم عجز قبل التمكن ولا فرق بينهما فان قيل وما فائدة هذا الأمر قلنا لا يطلب لأفعال الله تعالى فائدة ثم فائدته اعتقاد الوجوب كما إذا أمر ثم عجز قبل الإمكان فإن قيل لو أمر لأراد وإذا أراد نفذت أرادته فكيف ينسخ قبل الفعل قلنا عندنا قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد ثم يعارضه ما إذا أمر ثم سلب القدرة     

مسألة: الزيادة على النص إذا لم ترتبط بالمزيد عليه كالأمر بالصلاة بعد الأمر بالزكاة لا تكون نسخا بالاتفاق وإذا ارتبطت بالمزيد على وجه أبطل الانحصار المتلقى من النص فهو نسخ كما إذا قدر صلاة الصبح بركعتين ثم زيد فيهما ثالثة فأما إذا لم يرتبط به لا يكون نسخا كقولنا الإيمان شرط في كفارة الظهار كما ذكرنا في كتاب التأويل وقد يدعي أبو حنيفة رحمه الله ذلك في شرط النية في الطهارة من حيث إن الله تعالى تولى بيانها ولم يتعرض لها ولا يغني في الجواب المعارضة بطهارة الماء وستر العورة واستقبال القبلة لان ذلك لا يتعلق بمقصود فعل المتطهر ولا المتيمم فان ذلك مناقضة من أبي حنيفة فالجواب أن نقول الظاهر يدل على الاقتصار ولكن خصصناه بدليل آخر وعن هذا قال الشافعي رضي الله عنه الزيادة على النص تخصيص عموم ووجه الإجمال أن الله تعالى أراد به التعرض للأفعال الظاهرة فلم يتعرض للنية وقد يستدلون به في الشاهد واليمين من حيث إن الله تعالى قال:  واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتانولم يتعرض له فنعارضهم باعتبار العدالة والحرية والقضاء بالنكول فإنه من أحد الحجج ثم الشاهد الواحد يقوي جانب المدعي والحجة هي اليمين والتحقيق فيه أن الله تعالى في سياق هذه الآية حث الناس على ما فيه مصلحتهم والأصلح الاستظهار بالبينة الكاملة الباب الرابع في حكم المنسوخ قال قائلون النسخ المطلق إذا ورد على الحكم يتضمن إثبات نقيضه وهذا فاسد إذ الأحكام تتلقى من أوامر الشرع ولفظ النسخ بمجرده لا يدل على إثبات نقيض المنسوخ ولكن يدل على رفع ذلك الحكم فيقدر كأن ذلك الحكم لم يكن أصلا وتلتحق تلك الواقعة بالأفعال قبل ورود الشرع مسألة: قال قائلون من لم يبلغهم خبر النسخ فالحكم في حقهم ثابت مستمر إذ لو ثبت في حقهم النسخ لكان ذلك تكليف ما لا يطاق فان الإمكان يترتب على الفهم ولهذا قالوا لا يجوز لهم ترك المأمور الأول والوجه عندنا رفع الخلاف فإن النسخ لو استعقب حكما آخر فلا يكلفون ذلك قطعا وليس لهم ترك ما أمروا به قطعا ولو فاتهم الفعل قبل بلوغ الخبر فوجوب القضاء من مجوزات العقول فلا نقطع به وإنما يتلقى من أمر متجدد إن ورد موجب وألا فلا مسألة: رأى أبو حنيفة رضي الله عنه استنباط ترك التبيت من الحديث الوارد في صوم عاشوراء قبل أن ينسخ وجوبه وقال أصحابنا الاسنتباط من المنسوخ باطل فإنه فرع ثبوت الحكم والمختار انه إن قدح فيه معنى مخيل اعني في المنسوخ جاز التمسك به صححنا الاستدلال بالمرسل ا لم نصححه لأن فريضة الصوم في وضع الشرع لم تنسخ ولكن ابدل زمان بزمان ولكن لا يستقيم لأبي حنيفة  استنباط معنى مخيل من فرضية عاشوراء في ترك التبييت فالتشبيه في هذا المحل لا يقبل والله اعلم


كتاب الإجماع وفيه خمسة أبواب الباب الأول في إثبات كون الإجماع حجة وبيان صورته والإجماع عبارة عن اتفاق أهل الحل والعقد، وهو حجة كالنص المتواتر ثم أهل الحق، وانكر منكرون تصوره وأحال وقوع الاتفاق بين الأمة، في تصوره وانكر منكرون تصور العلم به مع اعترافه بتصوره في نفسه، وزعم آخرون أنه يتصور ويعلم لكن لا يحتج به.

ومعتمد من جحد تصوره، أن الإجماع لا انتفاع به في مواقع النصوص وإنما يحتاج إليه في مظان الظنون خضت الأمة على كثرة عددها على حكم واحد في مسالة مظنونة مع اختلاف القرائح وتباين الفطن في الاستحالة كإطباق أهل بغداد في حالة واحدة على قيام أو قعود أو أكل زبيب وذلك مستحيل عرفا.
فنقول المسالة التي تتعارض فيها الظنون على وجه لا يترجح جانب على جانب يبعد في العرف الإطباق عليها من الجم الغفير، فأما إذا ترجح أحد الجانبين في مسلك الظن فلا بعد في الإطباق عليه إذ صفو الإفهام بجملتها إلى الأغلب، على أن الإجماع متصور انعقاده عن نص على ما سنذكره بعيد ولا يغني في الجواب قول القاضي رضي الله عنه نرى النصارى على كثرتهم يطبقون على مذهب واحد وكذلك القول في أصحاب إذنه كلها لان جامعهم التعصب ورابطتهم التقليد وأتباع الهوى وإنما يبعد الاتفاق من الجماهير في مظان النظر إذا وإذا تبين تصوره فطريق العلم به أن ينقل عن جملتهم ذلك ويمكن تصويره في ملك سايس يجمعهم على صعيد واحد يستفتيهم فيتفقون أو يراسلهم أو يكاتب جميعهم ويعلم توافقهم في وقت واحد فهذا طريق تصوره والعلم به

أما إثبات كونه حجة فقد تمسك الشافعي فيه بقوله :ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى سبيل المؤمنين ‏نوله ما تولى الآية تواعد على ترك إتباع سبيل المؤمنين فإذا أجمعوا على حكم فهو سبيلهم فإن قيل تنطوي عليه السريرة ولا إطلاع عليها فما ندري إن الذين اجمعوا أهم المؤمنين الذين يجب إتباعهم أم لا ؟ قلنا لم نكلف البحث عن الضمائر وإنما امرنا ببناء الأمر على الظاهر وإذا أجمعت الأمة على حكم يجب القضاء بأنهم هم المؤمنون إلا انه ينقدح حمل الآية على ترك الإيمان والمخالفة فيه ويشهد له قوله قبله( ومن يشاقق الرسول) وهذا إن لم نقطع به فهو محتمل والقطيعات لا تثبت بالمحتملات.

ومما تمسك به الأصوليون قوله عليه السلام: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " وروى على الخطأ ولا طريق إلى رده بكونه من إخبار الآحاد فإن القواعد القطعية يجوز إثباتها بها وان كانت مظنونة كما سيأتي في كتاب القياس ولكن هذا الحديث يحتمل حمله أيضا على البدعة والضلالة في الدين والاعتقاد وعلى الإخلال بأصل الدين فضعف التمسك به من هذا الوجه.
   فان قيل فما المختار عندكم في إثبات الإجماع ؟ قلنا لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدل عليه ولم يشهد له من خبر متواتر ولا نص كتاب، واثبات الإجماع بالإجماع تهافت والقياس المظنون لا مجال له في عواقبها وهذه مدراك الأحكام ولم يبق وراءه إلا مسالك العرف فلعلنا نتلقاه منه فنقول الإجماع يعرض على ثلاث صور: 

الصورة الأولى: أن تجمع الأمة على القطع في مسالة مظنونة فإذا قطعوا قولهم وقد كثر عددهم بحيث لا يتصور منهم في طرد العادة التواطؤ على الكذب فهذا يورث العلم إذ يستحيل في العادة ذهولهم وهم الجمع الكثير عن مسلك الحق مع كثرة بحثهم وإغراقهم في الفحص عن مأخذ الأحكام، ففرض الغلط عليهم كفرضه على عدد التواتر إذا أخبروا عن محسوس لأن هؤلاء قطعوا محل القطع ولا يظن بهم التحكم فيعلم على الضرورة أنهم تلقوا من نص عن الشارع مقطوع به فهذا مسلك إثباته وهو قريب مما ذكرناه في أخبار التواتر. فإن قيل لو رأوا نصا لنقلوه، قلنا لا بعد في اندراسه على ممر الأيام استغناء عنه لاستفاضة مقصوده وركونا إلى إطباق الناس على العمل به فإنا نعلم أنهم لا يقطعون مظنة القطع هزلا فكانت الحجة مستند الإجماع إذن والإجماع وسيلة إلى الحجة فإن سميناه حجة فيجوز كما يسمى رسول الله  آمرا وناهيا والأمر والنهي إلى الله تعالى وهو مجاز. الصورة الثانية أن يطبقوا في مسألة ظنية على حكم واحد أن ينقل عنهم القطع بذلك فطريق إثباته أنا نعلم أن التابعين لو رأوا من يبدي خلاف ذلك لشددوا القول عليه بالتخطئة والتضليل قاطعين بأنه أساء وتعدى في مقالته ولا يقطعون بذلك تحكما وهزلا فنعلم أن مستندهم حديث قاطع حملهم على الإنكار على خارق الإجماع فالتحقت هذه الصورة بالصورة الأولى إذ نهايته قطع لا في محل القطع.

الصورة الثالثة أن يشتوروا في مسألة ويستقر رأيهم على حكم ويجمعوا عليه وكانوا بايحين بأنهم قالوه عن قياس وظن غالب راجح فيعلم ضرورة من التابعين تشديدهم النكير على من يبدي خلافا وهذا قطع منهم لا في محله فالتحقت بالصورة الأولى ولا يبعد أن يكون قوله لا تجتمع أمتي على الخطأ مستندهم في قطعهم بذلك أو حديث آخر أوضح منه. فإن قيل فهل يتصور انعقاد إجماع عن قياس ؟. قلنا أنكره منكرون وتعلقوا بأن القياس مظنون وهو مختلف فيه فكيف يتلقى منه قاعدة قطعية والمختار تصور انعقاده منه كما ذكرناه لعلمنا بإبداء التابعين النكير على المخالف بعد استمرار العصر الأول عليه فإن اشتوروا وحكموا به قياسا فهذا قطع منهم لا في محله فيستدعي مستندا قاطعا بحكم العرف كما ذكرناه ويمكن أن يتمسك عليه بقوله: " لا تجتمع أمتي على الخطأ " فإذا اجتمعوا على قياس كان حقا في نفسه لا يسوغ خلافه كما أنهم لو أجمعوا على أصل القياس وجب إتباعهم فالإجماع على نوع من القياس يتبع أيضا وقولهم الظن لا يتلقى منه القطع ليس كذلك فإنا نتلقى القطع بوجوب العمل بأخبار الآحاد وإن تطرق إليه خيالات لاستناده إلى إجماع مقطوع به وكذلك هذا وإذا تلقينا الإجماع من العرف لم نخصصه بشرعنا وخصصه من تلقاه من الحديث لتخصيص الرسول أمته وأحكام العرف لا تتفاوت باختلاف الشرائع ولا نخصصه بالصحابة بل نحكم به في كل عصر بعدهم وهذا خارج عن حكم الخبر والعرف جميعا وقال قائلون يختص بالصحابة فإن قيل فهل تكفرون خارق الإجماع قلنا لا لأن النزاع قد كثر في أصل الإجماع لأهل الإسلام والفقهاء إذا أطلقوا التكفير لخارق الإجماع أرادوا به إجماعا يستند إلى أصل مقطوع به من نص أو خبر متواتر والله أعلم.

الباب الثاني في صفات أهل الإجماع

     لا تعويل على وفاق العوام وخلافهم. والمستجمعون لخلال الاجتهاد هم المعتبرون، والمجتهد المبتدع إذا خالف ينعقد الإجماع دونه ثم من كفره أو فسقه والمختار أنه لا ينعقد دونه فإنه مجتهد يعول على قوله فيما نختاره ولا نكفره وتقبل شهادته ولا يفسق. والمجتهد الفاسق قيل لامبالاة بخلافه إذ لا يقبل قوله وفتواه في الدين والدنيا والمختار أنه لا ينعقد الإجماع مع خلافه لأنه مستجمع لخلال التهدي والتبصر في الأحكام وصدقه ممكن والأصل عدم الإجماع فلا ينعقد على تردد ينشأ من خلاف عالم بالشرع وهو يضعف مأخذ الإجماع على ما ذكرنا، نعم لا تقبل روايته وشهادته لأن الأصل عدم ما يخبر عنه.
فأما الفقيه المبرز في الفقه الذي لا يعلم الأصول أو الأصولي الذي لم يتعمق في الفقه فلا عبرة بخلافه فإنه ليس بصيرا بمآخذ الشرع بعد ويجب عليه أن يستفتي فيما يقع له فكيف يتوقف الإجماع على قوله نعم إن كان يحقق بكسبه وفقهه إشكالا فحق أهل الإجماع أن يبحثوا عنه ثم قوله بعد إجماعهم كإشكال يبدي بعد انعقاد الإجماع فلا أثر له واختار القاضي رحمه الله أن خلافه معتبر لأن أهل الإجماع يستندون إلى رأيه وفقهه وهو فقيه هبنا إليه وقد بينا أنه لا تعويل على عناده بعد بحث أهل الإجماع عن قوله وتزييفهم رأيه واستدل بأن ابن عباس رضي الله عنهما كان يخالف وكان صبيا ولم يكن مجتهدا ومن وافقه لا يعد خارقا. قلنا لم يخالف إلا وهو مجتهد ولا نسلم له ذلك.
وصار محمد بن جرير إلى أنه لا مبالاة بقول أقل من ثلاثة وإن كانوا مجتهدين فإنه يندر إصابتهم وخطأ الباقين والمختار أن خلاف واحد يمنع صحة الإجماع لأنه يقطع ما ذكرناه في مأخذ الإجماع والندور يبطل عليه بثلاثة مع ثلاثة آلاف فإن إصابتهم أيضا نادرة.

الباب الثالث في عددهم

 إذا بلغوا مبلغ التواتر فهو النهاية وإن تراجعت أعدادهم إلى واحد وما فوقه إلى مبلغ لا يستحيل عليهم الخطأ والتواطؤ عرفا فلا حجة فيه عندنا، لأن العرف لا يقضي بإصابتهم قضاء باتا إذ الغلط على الواحد مستنكر في العرف. وقال قائلون متصور وإنكار هذا مناكرة المعلوم بالمشاهدة في الحال وإثبات استحالته لا مستند له عقلا وشرعا.
فإن قيل هذا الدين لا بد وأن يبقى محفوظا وإذا نقص عدد أهل الإجماع بطل الركن الأعظم في الدين. قلنا قولوا يحصل الإجماع بقولهم وإن قلوا ثم ذلك مشاهد في الحال وقد وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الفترة في آخر الزمان وقال: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ " وقال : " سيأتي عليكم زمان يختلف فيه رجلان في فريضة فلا يعرفان من يعرف حكم الله فيها ".
وصار صائرون إلى أنه يتصور ولكن ينعقد الإجماع بقولهم وإن عادوا إلى واحد فإن قوله متبع في الإسلام وقال الله تعالى:  سبيل المؤمنين نوله ما تولى  وهذا سبيلهم. قلنا الآية لا حجة فيها كما ذكرنا وإن كان فلا يدل على التفاصيل والإجماع مأخوذ من إبداء أهل العصر الثاني النكير ودعوى ذلك ممكن.
 مسألة: صار مالك رضي الله عنه إلى أن الإجماع يحصل بقول الفقهاء السبعة وهم فقهاء المدينة ولا نبالي بخلاف غيرهم وقدم أيضا مذهبهم على النص. ولا خفاء ببطلان هذا، فإنهم ليسوا كل الأمة والمدينة أطلال لا أثر لها. ولكن لعله صار إلى أن عدد التواتر لا يعتبر ومخالفة الأقل لا يضر وكانوا أكثر المجتهدين في زمانه وإنما قدم قولهم على النصوص لاعتقاده أن مذهب الراوي يقدم على روايته وانحصرت الرواية فيهم عنده.هذا مجمل مذهبه بعد إحسان الظن به وقد تكلمنا عليه وبالله التوفيق.

الباب الرابع في شرائط الإجماع

   شرطه أن يقع في مظنون فإن كان معقولا لا يمكن دركه بنظر العقل فما يتقدم في مرتبته على إثبات الكلام للباري فلا يثبت بالإجماع، لأن مستند الإجماع وهو حجة شرعية كلام الله تعالى وكذا الكلام فأما ما لا يبعد استئخاره عنه كخلق الأفعال ومسألة الرؤية والقضاء والقدر فهذا مما يجب اعتقاده لو ورد فيه نص.
وقال قائلون يحتج أيضا بالإجماع فإن إطباقهم الحق مع كثرة عددهم بعيد. والمختار أنه لا يحتج به لأن العقل لا يحيل ذلك في المعقولات والشبهة مختلجة والقلوب مائلة إلى التقليد وأتباع الرجل أبغيه فيه إذا قال قولا. هذا مما اختاره الإمام رحمه الله وللكلام فيه مجال إذ لو تمسك فيه بقوله: " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وهو نص فيه مع علمنا فتكون التابعين الرد على من يبدي خلاف مسلكهم ولا يقطعون محل القطع إلا مستندين إلى قطع وتقدير اجتماع الصحابة على كثرة عددهم على البدعة والضلالة واعتقاد خلاف الدين بعيد كإجماعهم على قياس خطأ بعد الاشتوار.
ومن شرائطه عمد بعض الناس انقراض العصر بفعلي به استقرار الاتفاق ثم قيل يكتفي يموتهم تحت هدم دفعه واحدة إذ الغرض انتهاء عمرهم عليه وقال المحققون لا بد من انقضاء مدتهم ليفيد فائدة فإنهم قد يجمعون على رأي وهو بعرض التغيير وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أبدى الخلاف في مسائل بعد اتفاق الصحابة رضي الله عنهم. والمختار أنهم إن قطعوا لا في محل القطع لا حاجة إلى انقراض العصر لان ذلك لا يتفق غلطا وعن رأي إلا بقاطع وإن أطبقوا في محل الظن قطع فلا بد من استمرار العصر والرجوع في مقداره إلى الطرف. والغرض تبين الاستقرار ثم يعتبر معه تكرار الواقعة فلو تناسوها فلا اثر للإجماع مع استمرار العصر.
قيل ومن شرطه أن يبوحوا به أو يكتبوه في فتاويهم أما إطباقهم على الفعل لا يكون إجماعا فإن آحادهم لا يعصمون عن زلات متفاوتة وكذا جملتهم. والمختار انه يستدل به لعلمنا أن التابعين لو انكروا على فاعل فعلا فاستدل بفعل الأنصار والمهاجرين إطباقا ترك ورد على من يرد عليه.
ويتصل بهذا رضاهم وسكوتهم عن الشيء قال الشافعي رضي الله عنه في الجديد لا يكون إجماعا إذ لا ينسب إلى ساكت قول وقال أبو حنيفة رحمه الله هو إجماع لأنهم لو اضمروا خلافا لبعد في العرف سكوتهم ورضاهم تقرير عليه كتقرير الرسول عليه الصلاة والسلام واستدلال أبي حنيفة بسكوت بعض الصحابة في كل مسالة مع دعوى الانتشار مزيف إذ لا تنتشر الوقائع التي لا تتوفر الدواعي على نقلها نعم قصة ابن ملجم وما يضاهيها لا يكلفون فيه نقل الاشتهار فانه مشتهر في العرف ولكن دعوى السكوت والرضا من الكل مع تباين ملحقان محال إذ لا يبعد إضمار واحد خلافا وان لم يبده لفوات الأمر أو أبداه ولم ينقل والمختار أن السكوت لا يكون حجة إلا في صورتين أحداهما سكوتهم وقد قطع بين أيديهم قاطع لا في مظنة القطع فالدواعي تتوفر في الرد عليه والثانية ما يسكتون عليه مع استمرار العصر وتكرر الواقعة بحيث لا يبدي في ذلك أحد خلافا فأما إذا حضروا مجلسنا فأفتى واحد وسكت الآخرون فذلك إعراض لكون المسالة مظنونة والأدب يقتضي أن لا يعترض على القضاة والمفتين والله اعلم.

الباب الخامس فيما يكون خرقا للإجماع

     إذا أجمعت الصحابة في مسالة على قولين فإحداث مذهب ثالث ثم بعض العلماء ليس خرقا لأنهم اجمعوا على تسويغ الخلاف وفتحوا بابه والمختار انه خرق لأنهم اجمعوا على الحصر فذهولهم عن الحق على ممر الأيام مع كثرتهم محال ولكن لا بد من طول الزمان وليكن أطول مما يعتبر في الإجماع على قول واحد فأما إذ اجمعوا على قولين ثم اجمع العصر الثاني على أحدهما هل يخرمه الخلاف بعده قال القائلون يخرم لان الأمة لا تجتمع إلا على الحق فصار هذا حقا قطعا

وقال الشافعي والقاضي رضي الله عنهما وهو المختار لا يخرم الخلاف لان الأولين اجمعوا على تسويغ الخلاف فمن لم يجوز فقد خرق الإجماع ولكن ينبغي أن يبقى هذا الإضراب بينهم في الزمان لو فرض مثله على قول واحد لكان إجماعا فأما أهل العصر الأول إذا اجمعوا على أحد المذهبين بعد الاختلاف فاختلفوا في هذه المسألة أيضا كما في إجماع أهل العصر الثاني والمختار انه إن فرض في صورة القطع محله فالرجوع إلى مذهب واحد بعد القطع بجواز الخلاف لا يفرض في العرف ومن آحادهم يحمل على الغلط فأما إذا لم يقطعوا بتسويغ الخلاف فالرجوع بعده إجماع قبل انقارض العصر إذ تبين به عدم الإصرار والإجماع على الخلاف وبعد انقضاء مدة الإجماع لا يفرض الرجوع فان قيل أجمعت الصحابة في مسالة رد الثيب إذا وطئت بالعيب على منع الرد مع العقر فلم أحدثكم مذهبا ثالثا قلنا ذلك منقول عن الآحاد ولا ينتشر مثل هذه الواقعة فلا إجماع فيه ولا معنى لقول بعض أصحابنا أنهم قد قالوا على الجملة بأصل الرد فقد وافقناهم فيه إذ الرد مع العقر يناقض الرد مجانا من جميع الوجوه إذ لو فرض الإجماع عليه لكان الرد مجانا خرقا للإجماع فان قيل بماذا يتبن رجوع المفتي عن مذهبه قلنا إذا أفتى بتحريم ثم أفتى بنقيضه فقد رجع وكذا إذا قال رجعت فلو أفتى وقطع به ثم أفتى بنقيضه فقد رجع عن مذهبين أحدهما الحكم والآخر القطع به وان كان تردد ابتداء فليس ذلك مذهبا في تقدير القطع به لعده رجوعا وان ارتكب خلافه لم يكن رجوعا لأنه ليس معصوما ويتصل به انه لو أفتى أبو بكر  في مسالة وأفتى عمر  فيها بنقيضه وهما علما وقوع الاختلاف يستبان من خلافهما مع عدم النكير إجماع على الخصوص على إن المسالة مختلف فيها وان لم يصرحوا به وذلك معلوم بقرينه الحال قطعا إذ لو كان مقطوعا لما تركوا النكير فيه وقال قائلون لا يتبن به لأنه ليس مصرحا به كالفعل وهو فاسد لما ذكرناه من القرينة والله اعلم



كتاب القياس

وفيه عشرة أبواب

الباب الأول في حده وإثباته على منكريه

     أما حده فقد قيل انه رد الشيء إلى الشيء بجامع وهذا فاسد لان الجامع مجهول والشيء لا يطلق على المعدم وقد يبغى القياس نفيا وعدما وقيل انه اعتبار فرع بأصل بجامع وهذا فيه احتمال أصلا والأصح ما قاله القاضي رحمه الله من انه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه بإثبات صفة أو حكم أو نفيهما عنهما وكذا كل عبارة تنطبق على هذا المعنى وهذه ترجمة للتمييز وليس حدا يقوم المحدود كما يرتضيه أهل التحقيق في الأجناس والأنواع
  والقياس ينقسم إلى عقلي وشرعي وانكر هما الحشوية وأثبتهما الجماهير والحنبلية ردوا قياس العقل دون الشرع لهذا ردوا قياس الشرع دون العقل وصار إلى رد قياس الشرع جملة الروافض سوى الزيدية وجملة الخوارج من الإباضية والازارقة وبعض النجدات ومعهم النظام وأبو هاشم أنكره إلا ما نص الشارع عليه من تشبيه وتمثيل كقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم ورد القاشاني والنهرواني جملته إلا ما في معنى الأصل كالأمة في معنى العبد في حكم السراية والهرة في معنى الفأر في معنى التنجيس بالموت في الماء واليه صار بعض من لم يقل بالقياس من أصحاب الظواهر ثم المنكرة انقسموا منهم من تلقى رده في استقباح العقل ومنهم من قال في الشرع ما يدل ومنهم من قال هو مردود لأنه لا دليل على قبوله من عقل ونقل والذين تلقوا من الاستحسان انقسموا منهم من قال الظن قبيح في نفسه لأنه ضد العلم والعلم حسن وهذا يبطل الموت والغفلة والجنون والوساوس فإنها أضداد العلم وهي من فعل الله تعالى والشك فإنه مأمور به والقبيح لا يؤمر به وهو ضد العلم ومنهم من قال لا يقبح الظن في نفسه لكن يستقبح من الشارع إلقاء الشرع إلى مختبط الظنون ومرتبك الجهالات والخيالات وجعل الأمر فوضى بين العقلاء حتى يتيهوا فيه ويمتد تنازعهم على انقراض العصور كما تراها فنقول لا بل هو المستحسن قطعا فان الأفعال بجملتها إقداما وإحجاما يحسن كونه مستندا إلى رسم الشارع والوقائع لا نهاية لها والألفاظ المحصورة لا تحويها وتركها سدى مهملا ليفعل كل ما يشاء قبيح فتعين تفويضه إلى أراء العقلاء وأرباب الدراية بمآخذ الشريعة المعتذرين ليحكموا بها ملتفتين على مجاريها يحققه أن مثار القبح هو الاعتياد والعقلاء بأجمعهم مطبقون على الالتجاء إلى الظن والرأي ثم الارتباك في واقعة فإنهم يقدمون عليها على ظن غالب ولا يستقبحونه هذا بعد النزول عن قاعدة الاستقباح وهو مردود فإن كل ممكن يجوز ورود الشرع به عندنا فإن قيل لا شك في إن ردهم إلى النصوص أحسن قلنا هذا يحسن من قائله في ترك النص على الخلافة وتعيين الخليفة فإن ذلك ترك الناس على جهالة أفضى إلى فساد وتقاتل هائل وضبطه بالنص أمر ممكن فإنه أمر معين أما الوقائع فلا ضبط لها فبيانها بالنصوص أمر محال تصويره والذين زعموا أن في الشرع ما يدل على رده تمسكوا بقوله إن بعض الظن إثم وبقول أبي بكر الصديق  أي سماء تظلني ونصف أرض تقلني إذا حكمت على القرآن برأيي وقول ابن مسعود  لو حكمنا بالرأي لحرمنا كثيرا مما أحله الله وحللنا كثيرا مما حرمه الله وقول ابن عباس  إن الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في المال الثلث والثلث والنصف في رد قياس العول قلنا قوله تعالى إن بعض الظن إثم مقول به عندنا فليوصف بعضه بخلافه وقول أبي بكر  يتبع ولا نحكم في القرآن برأينا فإن للتفسير مسلكا مضبوطا لا نتعداه وقد قال عليه السلام القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وقول ابن مسعود  محمول على قياس يحرم محللا بالنص ومثل هذا الرأي متروك وقول ابن عباس رضي الله عنهما دليل على قبول القياس فإنه ما قال ذلك عن نص لكنه غلظ الأمر في تفضيل القياس وقد كانوا يعتادون ذلك لاعتمادهم على قلة الرعونات ونحن لا نغلظ الآن على المجتهدين لأنهم لا يحتملون ثم نعلم على القطع منهم أنهم كانوا يشتورون ويقيسون قطعا ثم يعارضها ظواهر أظهر منها كقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار وقوله عليه السلام للسائل عن تقبيل الصائم أرأيت لو تمضمضت وهو قياس وقوله للخثعمية حيث سألته عن أداء الحج عن أبيها الميت فقال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته وهذا عين القياس والفرقة الثالثة قالوا رددنا ما كان العقل لا يدل عليه وليس فيه نص كتاب ولا خبر متواتر يقطع به فلا يتحكم به قلنا يدل عليه ثلاث مسالك أحدهما ما نقل إلينا من الصحابة من والعمي في الوقائع المتفرقة ورجوعهم إلى المصالح والمقاييس وهذا منقول في صور متفرقة تورث علم القطع كأخبار التواتر وقد أجمعوا عليه والإجماع حجة مقطوع بها كما ذكرناه      

المسلك الثاني: أن يجمل الأمر فنقول نعلم أنهم أعني الصحابة رضي الله عنهم من مفتتح أمرهم من بيعة السقيفة إلى موت واثلة بن الأسقع وهو آخر من مات من الصحابة كانوا يفتون في التحليل والتحريم والحقن والإهدار والأمور الخطيرة والوقائع الغرماء على متعرض أيامهم ونقطع بأن النصوص لم تكن وافية بها فإنها كانت محصورة وهم كانوا يهجمون على الفتوى هجوم من لا يرى له ضبطا وأخبار الآحاد لا تبلغ ألفا ولا يظن بهم بناء الأمر على التمني والتحكم فلا مستند لهم سوى المصالح والنظام لما أنكره حمله على قصدهم جلب المال واكتساب الحشمة وهذا من قلة دين المرء فإن قيل فقد قاسوا في صورة مخصوصة ولو اتفقت واقعة لم يعهد مثلها فقستم فيها فمن أين تلقيتموه وهلا توقفتم على ما نقل منهم قلنا فهمنا على الضرورة مما نقل عنهم تشوفهم إلى القياس في وقائع لم تتفق لو وقعت وأنهم كانوا لا يمتنعون عن الفتوى فيها بل كانوا يقيسون فإنهم كانوا على طول آمادهم لم ينقل واحد منهم أنه أبى عن الفتوى في واقعة وقال لا نص فيها المسلك الثالث: روي عن النبي عليه السلام أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " بماذا تحكم فقال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله  قال فإن لم تجد قال اجتهد رأيي فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله " وقرره عليه وأثنى عليه بسببه وهو نص مقطوع به فإن قيل كيف تثبتون قاعدة قطعية بخبر واحد يتطرق إليه الاحتمال قلنا نعلم على الضرورة أن الصحابة لو ارتكبوا في قبول القياس ورده ونقل لهم الصديق على اتحاده هذا الحديث لقضوا بموجبه ونعلم أن الصحف التي كان يرسلها رسول الله  مع ولاته على البلاد لو اشتملت على الحكم بالقياس لاكتفوا فيها بقول الواحد فإن قيل كيف يتلقى القطع من الظن قلنا وقوع الظن مقطوع به ووجوب العمل عنده مقطوع به تلقيا من إجماع قاطع وهو كوجوب الإتمام على المقيم إذا تحقق إقامته بخبر الواحد فكذلك العمل بخبر الواحد ثم وقوع الظن


الباب الثاني في مراتب القياس وضبط أقسامه

    رتب علماء الأصول القياس على خمس مراتب:      

المرتبة الأولى: المفهوم من الفحوى كتحريم ضرب التعنيف من فهم النهي عن التأفيف والثانية: تنصيص الشارع على قياس والثالثة: إلحاق الشيء بما في معناه كقولنا الأمة في معنى العبد والرابعة: قياس المعنى وهو ينقسم إلى الأجلى والأخفى والخامسة: قياس الشبه وهو مصدر بالطرد والعكس

 وقال الأستاذ القياس ينقسم إلى مظنون وإلى معلوم ثم المعلوم قد يقرب دركه وقد يبعد مثاله لافتقاره إلى مزيد تأمل والمظنون ينقسم إلى جلي وخفي إلى أن تتعارض الظنون فيرجح بمسالك نذكرها في الترجيح قال القاضي الظنون متقاربة لا ترتيب فيها ولم يقم لمسالك الظنون وزنا ومنه ثار الخلاف بينهما في تصويب المجتهدين على ما سنذكره ولم يختلفوا في أن قياس المعنى والشبه من أبواب القياس وما عداها من الأقسام الثلاثة اختلفوا فيها أعني المفهوم من التأفيف ومنصوص الشارع وإلحاق الأمة بالعبد وأما فحوى الخطاب وهو فهم تحريم الضرب من آية التأفيف فقال قائلون إنه قياس لأنه ليس بمنصوص وهو ملحق بالنص ولا معنى للقياس سواه قال القاضي ليس بقياس لأنه مفهوم من فحوى فهم المنصوص حاجة إلى تأمل وطلب جامع والمختار أنه من المفهوم لا لما ذكره القاضي إذ لا يبعد في العرف أن يقول الملك لخادمه اقتل الملك الفلاني ولا تواجهه بكلمة سيئة فليس فهم ذلك من اللفظ من صورته ولكن لسياق الكلام وقرينة الحال فهم على القطع إذ الغرض منه الاحترام فلا يعد قياسا والخلاف آيل إلى عبارة وأما سيما الشارع نصا في حق شخص معين هل يعد قياسا قال قائلون لا يعد قياسا لأنه مفهوم من النص فهو الحكم وتأيدوا بأمور أحدها أن خطاب رسول الله  يعمم على جميع الإعصار ولا يعد ذلك قياسا ومنها أن الشارع لو قال لشخص لا تأكل اللبن فإنه سم فهم على القطع منه أن كونه قاتلا في حق جميع الناس من نفس النص ومنها أن هذا القياس إن لم يفهم من النص فهو محال وإن فهم فأي حاجة إلى القياس والمختار أن هذا قياس لا تنقطع مواد النظر عنه وعلينا نظران فيه أحدهما بيان محله والثاني بيان أنه لا يتخصص وعلل الشارع يجوز تخصيصها ويتبين هذا بضرب مثال وهو أن يقول الرجل لوكيله بع هذا الغلام فإنه سيئ الأدب أو ذميم الوجه فوجد في غلمانه من هو فوقه في ذلك المعنى لم يبعه وكذلك الشارع قد يطلق الرجم ويعلله بالزنا ولا يتعرض للإحصان ثم نحن نستنبطه ويستند هذا إلى أمر وهو أن القياس ليس موجبا لذاته ولكنه أمارة الحكم شرعا وهذه أمارة نصبها الشارع وأما ما ذكروه من إلحاق أحد العصرين وصله فينقلب عليهم فإنه لا يفهم أيضا من اللفظ فما مستنده فسيقولون هو الإجماع. فنقول الإجماع أغنانا عن القياس فيه وأما ما ذكروه من أمر السم فذاك مفهوم من القرينة لا من اللفظ إذ بأن على القطع شفقة الشارع على جميع الخلق وأما إلحاق الشيء بما في معناه قال قائلون إنه قياس والمختار أنه ليس بقياس ولا منصوص أيضا ولكنه مفهوم من النص على الاضطرار افتقار فيه إلى افتكا ر ثم قالوا فائدته إن كان قياسا قدم على الخبر وإلا فلا وقال الأستاذ أبو اسحق هو قياس ولكن لا يقدم على الخبر وهذا ما نعتقده في منع التقديم والخلاف بعده يرجع إلى إطلاق عبارة ولا بد من ذكر ضابط لهذا القسم وقد قال الأستاذ أبو اسحق هو منقسم إلى ما يستند إلى ما منه اشتقاق النص كالأمة مع العبد إذا قال عبد وعبدة إذ العبودية تشملهما وما لا يستند إليه فهو دونه والضابط عندنا لهذا القسم ما يهجم الفقيه على فهمه تدبر ونظر فيقع معلوما على الضرورة فلو صار نظريا خرج عن كونه معلوما والعجب أن العلوم العقلية تنقسم إلى النظرية والضرورية وهذا لا انقسام فيه نعم يدرك المرء تفاوتا بين علمه بنفسه وعلمه بغيره فمثل هذا التفاوت لا ينكر وقوعه ههنا وهو في الرتبة دون فهم الفحوى كما ذكرناه في تحريم التأفيف لأن ذلك يشترك في دركه العوام والخواص وكون الأمة في معنى العبد لا يدركه إلا الفقيه المتثبت وذلك لا يخرجه عن كونه معلوما كما أن التواتر المورث للعلم يعتبر في كل فن في حق أهل الخبرة به في القراءة بالقراء وفي الحديث بالمحدثين وبالله التوفيق

الباب الثالث فيما تثبت به علل الأصول

   إذا حرر المعلل قياسا فرده إلى أصل فإذا طولب بإثبات علة الأصل زما ما يستند إليه ثم المطالبة ثلاثة أقسام    
 القسم الأول: أن يسلك مسلك الجدال فيقول السائل مطالب بالاعتراض عليه وليس علي إثباته وهذا مما صار بعض الناس إلى الاكتفاء به وهو باطل فإن ادعى علة الأصل مذهبا كأهل الفتوى فلا يخلى فيه والتحكم ويبطل ذلك بمسلكين      

أحدهما: أن يقول إن كنت طاردا فسنذكر وجه بطلان الطرد وإن لم تقنع بالطرد فلم ادعيت كونه علة

 الآخر: أن يقول تثبت تعليل الأصول بما ذكرته على التشهي أم لك فيه مستند فإن اشتغلت بإثباته تشهيا فالكفر خير من هذا المقام وإن زعمت أنه سيما للشارع فبم عرفت ذلك ولم تحكمت به ابتداء مستند فإن أبان الإخالة دليلا عليه كفاه ذلك وعلى السائل الاعتراض بعده وليس عليه أن يعد جميع الاعتراضات ويدفعها فإن المناظرة معاونة على النظر وقد أسس كلاما ثم إبداء الإخالة وقبله لا يطالب السائل ببيان أنه ليس بمخيل لأن المسئول بعد لم يدل ولم يؤسس حتى يستوجب الاعتراض فإن قال المسئول دليلي على ثبوته عجزك عن الاعتراض عليه معتصما بأن المعجزة صارت دليلا بالعجز عن المعارضة قلنا غمرات المعجزات لا مطمع في الخوض فيها الآن فلا تثبت العلة بأمثاله ثم المعجزة إذا لم تقم بين يدي السحرة أو أهل الخبرة لا تكون حجة فالتحدي بالفصاحة ليكن مع الفصحاء وقلب العصا حية ليكن مع السحرة فالسائل المقل إذ عجز كيف يدل ذلك على صحة الدليل فإن قال الدليل عليه اطراده فهذا أوان ذكر مسألة الطرد 

مسألة: الطرد المحض لا حجة فيه عندنا وقال قائلون هو حجة على الإطلاق يعتمد عليه المفتي وخصصه مخصصون بالمناظر المجادل دون المفتي وقال قائلون ممن ردوا الطرد يكتفى بإحالة أحد وصفي العلة والثاني يحتمل وإن لم يخل الاحتراز وهذا أيضا باطل فإن وصف العلة ينبغي أن يكون مناط حكم الشرع والعبارة المجردة حركات اللسان واصطلاح أهل اللغة فلا يكون مناطا للحكم فلا يضمن وصف التعليل مستند من إخالة أو غيرها فالآن نرد على القائلين بالطرد بأربع مسالك بعد الإحاطة بأن الطرد المحض هو الذي لا يناسبه الحكم أو يناسبه حسب مناسبته لنقيضه المسلك الأول: أن تقول إذا ناسب حسب مناسبته لنقيضه فليس إثبات الحكم به أولى من نفيه فيؤدي ذلك إلى تكافؤ الأدلة وتساقطها

الثاني: أن الشارع لم يؤهل لمنصب الفتوى إلا متجرا في العلم موصوفا بصفات فلا مستند له إلا أن يكون من أهل النظر في مصالح الشريعة ولو اكتفى بالطرد لعلق الحكم بكل ما يسنح لكل أحد افتقار إلى منصب مخصوص     
الثالث: ما ذكره القاضي وهو أن المخيل لا يدل لعينه ولكن المستند فيه مسالك الصحابة رضي الله عنهم فهم الأسوة والقدوة وقد كانوا يعتبرون مصالح الشرع ولا يتمسكون وأصنافهم     
الرابع: وهو المختار أن باب التحكم مسدود في الشرع وإنما أمر ببناء الأمر على معلوم أو مظنون والعلم لا مطمع فيه في هذا المقام وغلبة الظن لها في مطرد العادة مسلك لا يحصل دونه فالظن لا يغلب سبب كما لا يشبع الجائع في العادة دون الأكل والاطراد لا يغلب على الظن قطعا نعم للشارع أن يتحكم بنصب ما ليس بمخيل إمارة كما يتحكم بإثبات الحكم ابتدءا ومثال الطرد قول القائل في مسألة إزالة النجاسة بالخل مائع لا تبنى القناطر على جنسه فلا تزال النجاسة به كالدهن فهذا طرد لا نقض عليه ولا يستجيز التمسك به من آمن بالله واليوم الآخر     
القسم الثاني: ما يتمسك المعلل به في إثبات علة الأصول وهي ثلاثة أنواع

أولها التمسك بنص الشارع على وصف فنجعله علة ومثاله قوله تعالى كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وقوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله وما يضاهيه من ألفاظ التعليل

النوع الثاني: إيماؤه إليه تنصيص كقوله عليه السلام في بيع الرطب بالتمر فلا إذن لما أن سأل عن الجفاف وكقوله تعالى والسارق و السارقة فاقطعوا فإن السرقة مخيلة فإنها جريمة يليق الزاجرة وقوله تعالى جزاء بما كسبا إيماء لانا نعلم انه لا يجازى لإسلامه وحسن عبادته وقوله نكالا كذلك إيماء إليه وكذلك في قوله الزانية والزاني فاجلدوا الآية وإذا حصل الإيماء كفى ذلك عن الإخالة ولذلك قلنا توقع الجفاف في الرطب سبب بطلان العقد وان كان لا يخيل فإن قيل قال رسول الله  لفاطمة بنت أبي حبيش لما سألته عن الاستحاضة: " توضئي فإنها دم عرق " فهلا طردتموه في الفصد و أوجبتم به الطهارة لأنه دم عرق قلنا أجاب أصحابنا بأن ذلك تنصيص على العلة ولم يذكر المحل ونحن جعلنا أحد السبيلين محلا للعلة لدليل آخر وهذا مزيف فإن حق علة رسول الله  أن تطرد إذ ثبتت ولا تخصيص بغلبات الظنون إذ طردها اغلب على الظن وقد نص عليه فيمنع من تخصيصه ولكن الجواب أنها سألته عن الغسل فقال بل توضي فإنه دم عرق علل به في إسقاط الغسل وهو المفهوم منه قطعا   فإن قيل قال رسول الله  لبريرة لما أن أعتقت تحت عبد: " ملكت نفسك فاختاري " وهذا إيماء ظاهر إلى التعليل بالاستقلال فهلا طردتموه في إعتاقها تحت حر قلنا اجمع أهل الحديث على رده فلا نقبله ثم قال القاضي نعلم إن النبي عليه السلام ما عني بقوله ملكت نفسك ملك مورد النكاح إذ لو حصل ذلك لانفسخ العقد ولا مورد النكاح فإنه لا يشعر بالتخيير في مودر النكاح فإن معناه ملكت الاختيار فاختاري وهو تكرير عبارة ومثل ذلك جار في اللسان وقال قائلون هو تنصيص على العلة فيخصص بمحل وهو إذا كانت تحت عبد والمختار أن الحديث إن صح فهو ظاهر في الإيماء إلى التعليل لا يمكن جحده وإنكاره     
النوع الثالث: أن يثبت علته بكونه منبها على المعنى الذي منه اشتقاق اللفظ الذي ربط الحكم به في الشرع كقوله تعالى والسارق والسارقة وكقوله عليه السلام الثيب أحق بنفسها وكقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام فنقول إذا ربط الشارع الحكم باسم مشتق فما منه الاشتقاق ينتهض علة فيه واليه صار الشافعي رضي الله عنه في مسألة علة الربا وأول القاضي رحمه الله مذهب الشافعي رضي الله عنه فقال لعله تمسك بالحديث في إثبات حكم الربا لا في علته وليس الأمر كما ظنه القاضي فإنه أثبت علة الطعم به والمختار أن ما منه الاشتقاق إن كان مخيلا كالسرقة والربا والسوم في قوله في سائمة الغنم زكاة كانت علة وإن لم يكن مخيلا فهو كالتعليق باللقب فنقول من أين قلتم إنه أومأ إلى العلة وما مستنده وما الفرق بين الوصف الذي لا يخيل والطرد الذي لا يخيل وربط الحكم بهما لا يختلف وتصرف الاسم في موضع اللسان لا يوهم إخالة فهو كاللقب الموضوع نعم إن كان مخيلا ابتدر إلى الإفهام من قوله انه معلل به الفهم لا مقايسة فيه ولا يحصل هذا من الوصف الذي لا يخيل ولا إيماء إذن حتى يبنى عليه إن طرد الشارع كمخيله لأنه لا بد من إثبات نص من جهته أولا نعم لو قال قائل تبينا بقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام ثبوت الحكم ثم ثبوته وانتفاءه ثم انتفائه فيغلب على الظن كونه علة فإنه انتهض أمارة له ولا معنى لعلل الفقه سواه قلنا هذه تمسك بالمفهوم وقد بينا أن الصفة التي لا تخيل ليس لتخصيص الحكم بها مفهوم وقد ذكرناه في كتاب المفهوم والله اعلم.
القسم الثالث: في إثبات علل الأصول بمسالك الفقه وهي أربعة الشبه والخالة ولهما باب سيأتي   والطرد والعكس والسبر والتقسيم أما الطرد والعكس فلا يتمسك به في إثبات العلة ثم القاضي واستدل عليه بأربعة مسالك احدها أن الطرد بمجرده لا حجة فيه والعكس لا يقلب الطرد مخيلا ولا حاصل للعكس إلا انتفاء الحكم ثم انتفاء العلة وانتفاء الحكم مسألة أخرى يطلب لها علة فلا يثبت حكم هذه المسألة بعلة بسبب الحكم في مسألة أخرى لعلة أخرى وصورته أن تقول الشدة في الخمر علة التحريم لأن الحكم يتبعه فإنه يقضي بحل الخل ثم زوالها وتحريم الخمر مسألة وحل الخل مسألة أخرى لا بد من طلب علة لها يحققه أن الطرد عكس العكس كما إن العكس عكس الطرد ولو فرض النزاع في الخل لكان يقول العلة في تحليله عدم الشدة بدليل ثبوت التحريم ثم وجود الشدة وهذا محال تخيله المسلك الثاني أن باب التحكم مسدود وأنخلع ليس دليلا لعينه والرجوع إلى سيرة الصحابة رضي الله عنهم ولم يصح عنهم التمسك بالطرد والعكس
 والثالث: أن العكس وجوده كعدمه في المخيل ولا أثر له فيستحيل أن نقلب الطرد الذي ليس بحجة حجة    
 الرابع: أن يقال له إن ادعيت الطرد والعكس في جمع إحكام الشريعة فمحال إذ لو كان كذلك لما فرض نزاع وان قلت جرى في الخمر مطردا منعكسا فليجر في غيره فهو تحكم لا حاصل له فلم قلت ذلك ولا يلزم هذا في المخيل فإن طبع المخيل الجريان والسيلان وليست الشدة مخيلة والمختار أن المسألة في مظنة الاجتهاد فإنا لا نقطع بقبولها ولا ردها من جهة الصحابة رضي الله عنهم وعدم القاطع في قبوله عندنا لا يكون قاطعا في رده كما ذكرناه من قبل ولا يبعد إفضاؤه إلى غلبة الظن في بعض الصور فهو مفوض إلى رأي المجتهد فلينظر فيه     
والنوع الآخر: مما يثبت علل الأصول السبر والتقسيم وقال القاضي لا بد منه في العلل الشرعية كما في العقلية ولا يظن به انه أراد به سوى أبطال علة الخصم فإن ذلك لا يدل على إثبات علتك ولكن يحتمل انه أراد به إبطال سائر العلل بعد أن كانت علته المستبقاة مخيلة لتبين أن الحكم معلل به فإنه لا يجوز ازدحام العلل على حكم واحد وإذا لم يتبين بطلان الأقسام على هذا المذهب لم يستفد بالإخالة شيئا مع توقع مخيل آخر أظهر منه يعلل به دون ما ذكره إلا أن الذي نراه جواز تعليل الحكم بعلتين على ما سيأتي بيانه ويحتمل انه أراد بالسبر والتقسيم في مسألة يتفق على كونها معللة بعلة واحد كمسألة الربا فيستفيد بإبطال الأقسام تعين محل الإجماع إلا أن هذه صورة لا يفرض وقوعها لندورها ومسألة الربا مما اجمعوا على تعليلها فإذن الوجه أن يقال السبر في المعقولات إن دارت بين النفي والإثبات كقولك واجب أم لا جائز أم لا وقد بطل أحدها فتعين الثاني لا محالة فيورث العلم فإن الغرماء الأقسام ولم تدر بين النفي والإثبات لم يحصل العلم كالتقسيم المعتاد في مصحح تعلق الرؤية وتعليله بالوجود فأما الشريعات فالتقسيم فيها يورث غلبة الظن بعد كون الحكم معللا ولا يشترط ارتفاع مواد الاحتمال بعد حصول غلبة الظن وقد اختلفوا في مسألة جدلية وهو أن المسئول لو قال سبرت هل يلزمه إبداء كيفية السبر منهم من قال لا لأنه لا يستفيد درأ قوله يحتمل أن يكون وراءه تقسيم فإنه متوجه ذكره أو لم يذكره وهو محتاج في رسم الجدال إلى إبداء قسم آخر والمختار انه لا بد من إبداء كيفية السبر ليكون مؤسسا مقتصر على مجرد الحكاية والدعوى للتشوف إلى استيعاب الأقسام كما تقول الخمر هو مائع احمر يقذف الزبد ويسكر ولا يعلل بهذه الأقسام لبطلانها لم يبق إلا الاسكار

الباب الرابع في الاستدلال والجواب وقياس المعنى وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في بيان حقيقته وذكر الدليل فيه

   فليعلم أولا إن هذا عمدة كتاب القياس وجه اعواصه أن الصحابة رضي الله عنهم هم قدوة الأمة في القياس وعلم قطعا واعتمادهم على المصالح مع أنهم لم ينحصروا عليها في بعض المسائل ولم يسترسلوا أيضا استرسالا عاما إذ المصالح كانت تنقسم لديهم إلى المتروك وإلى معمول به ولم يضبطوا لنا ما نتمسك به ولا يظن بهم أنهم ضنوا بإبدائها بعد أن عرفوها والمصالح شتى وقد عسرت المآخذ وقصرت عن الدلالة على ضبطها فمنه ثار الثوار وردوا اصل القياس والقائلون به انقسموا فاسترسل مالك رضي الله عنه على المصالح حتى رأى قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها وقتل في التعذير وقطع اللسان في الهذر وللشافعي  مسلكان يحصر في أحدهما التمسك في الشبه أو المخيل الذي يشهد له اصل معين ويرد كل استدلال مرسل وفي المسلك الثاني يصحح الاستدلال والجواب ويقرب فيه من مالك وان خالفه في مسائل فان قال قائل وبم يتميز والجواب عن المردود إلى الأصل ولا يشترط كون العلة في الأصل منصوصا عليها ولا أن يشهد لها اصل آخر فإن ذلك يتسلسل وسيكون الاعتماد فيه على المصلحة المرسلة قلنا نص الشارع على الحكم إمارة لانتصاب تلك المصلحة علما فأنا نفهم تلك المصلحة من تنصيصه على مجرد الحكم و نحن نجعل المصلحة تارة علما للحكم ونجعل الحكم أخرى علما لها وآما والجواب فهو الذي لا يشهد له في الشريعة حكم ينطبق عليه و الآن إذ لاح حقيقة الاستدلال ووجه الإشكال نذكر ما تمسك به الثقات وأهل الإثبات والقاضي رحمه الله من نفاة الاستدلال وقد تمسك بثلاث مسالك بعد أن فرق بين الشافعي ومالك رضي الله عنهما وقال للشافعي إذا قلت بالاستدلال فلا فرق بين أن تقول في المعاملات والأموال وبين أن تقضي به في العقوبات كما فعله مالك وكل حقير فإثباته في الشرع تحكما خطر عظيم وما أثبته بالنسبة إلى ما أجمله الشارع في المعاملات كما أثبته مالك بالنسبة إلى العقوبات التي أجملها الشارع      

المسلك الأول: من المسالك الثلاثة أن الاستدلال لو قيل به لصارت الشريعة فوضى بين العقلاء يتجاذبون بظنونهم أطرافها التفات إلى الشريعة والنبي إنما بعث ليدعو الناس إلى أتباعه في قوله والمفهوم من قوله من المصالح فأما ما يعين ابتداء ولم يفهم منه فما بعث الشارع للدعاء إليه

الثاني: أن المستدل إن لاحظ مصالح الشريعة فهو صحيح وإن اضرب عنها فهو شارع تحقيقا فيطالب بالمعجزة فإنه افتتح أمرا لا مستند له في الشرع مع أن رسول الله  كان خاتم النبيين فكيف يفتتح بعده شرع     
الثالث: إن قال إذا أوجب إتباع المصالح لزم تغيير الأحكام ثم تبدل الأشخاص وتغيير الأوقات واختلاف البقاع ثم تبدل المصالح وهذه تفضي إلى تغيير الشرع بأسره وافتتاح شرع آخر لم يثبت من الشارع وهذا محال إلا أنهم يقولون نحن مع المصالح بشرط أن لا نهجم على نص الرسول  بالرفع وتمسك الشافعي رضي الله عنه بثلاث مسالك:

احدها: الاسترواح إلى سيرة الصحابة رضي الله عنهم عنه ثلاث صيغ: احدها: أنهم استرسلوا على الفتوى وكانوا الحصر والنصوص ومعانيها لا تفي بجملة المسائل فلا بد من المصير إلى المصالح في كل فتوى الثانية: أن الأصول إن كانت محصورة فلا تفيد إلا وقائع محصورة فإن المحصور لا يستوفي مالا يتناهى وان لم تكن محصورة فقد انسل الأمر عن الضبط وصار الأمر فوضى بين العقلاء لا مرد له فلا فرق بين خروجه عن الضبط به أو بانتشار المصالح

الثالثة: أنهم اعني الصحابة رضي الله عنهم على طول زمانهم كانوا يقيسون ولا يعرفون رد الفروع إلى الأصول ولو كانوا يعتقدون ذلك لاعتنوا به ثم كانوا يرسلون الاقيسة تكلف جمع واعتبار قال القاضي في الجواب لعلهم كانوا يعتمدون معاني يعلمون أن أصول الشريعة تشهد لها وان كان لا يعينونها كالفقيه يتمسك في مسألة المثقل بقاعدة الزجر فلا يحتاج إلى تعيين اصل 

فأجيب عنه بأنه لو كان كذلك لأوشك أن يصنفوا الأصول ويميزوا ما يعقل عما لا يعقل مع شدة اعتنائهم بتمهيد قواعد الشرع والذي نراه أن هذا في مظنة الاحتمال والاحتكام عليهم بعد تمادي الزمان لا معنى له

المسلك الثاني: أن معاذ بن جبل قال اجتهد رأيي حيث قال له رسول الله  فإن عدمت النص فأثنى عليه رسول الله  وإعدام النص يشعر بإعوازه وإعوازه المفهوم عنه واجتهاد الرأي مشعر بإتباع قضية النظر في المصلحة ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص معه      

المسلك الثالث: أن الأصل المستشهد به ليس معللا بالمعنى المستثار قطعا بالعقل ولا بالنص وإنما هو مظنون لكونه مناسبا منطبقا على المصالح فليستند إليه في الفرع ابتداء هذه نهاية ما تمسك به الفريقان




الفصل الثاني في بيان المختار عندنا

 والصحيح أن الاستدلال والجواب في الشرع لا يتصور حتى نتكلم فيه بنفي أو أثبات إذ الوقائع لا حصر لها وكذا المصالح وما من مسألة تفرض إلا وفي الشرع دليل عليها إما بالقبول أو بالرد فإنا نعتقد استحالة خلو واقعة عن حكم الله تعالى خلافا لما قاله القاضي كما سنذكره في باب الفتوى فإن الدين قد كمل وقد استأثر الله برسوله وانقطع الوحي ولم يكن ذلك إلا بعد كمال الدين قال الله تعالى:  اليوم أكملت لكم دينكموالذي يدل على عدم تصوره أن أحكام الشرع تنقسم إلى مواقع التعبدات والمتبع فيها النصوص وما في معناها وما لم ترشد النصوص إليه فلا تعبد به وإلى ما ليس من التعبدات وهو منقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ كالإيمان والمعاملات والطلاق والعتاق وقد أحالنا الشرع في موجباتها على قضايا الشرع في موجباتها على قضايا العرف ولا تنفك لفظة عن قضايا العرف فيها بنفي أو إثبات إلا ما استثناه الشارع كالاكتفاء بالعثكال الذي عليه مائة شمراخ إذا حلف أن يضرب مائة خشبة لما ورد في قصة أيوب ولم ينسخ في شرعنا وإلى ما يتعلق بغير الألفاظ وهو منقسم إلى ما ينضبط في نفسه كالنجاسات والمحظورات وطرق تلقي الملك فهذه الأقسام منضبطة ومستنداتها معلومة وإلى ما لا ينضبط إلا الضبط في مقابلته كالأشياء الطاهرة والأفعال المباحة تنضبط بضبط النجاسة والحظر وكذلك الأملاك منتشرة تنضبط بضبط طرق النقل والإيذاء محرم على الاسترسال ضبط وينضبط بضبط ما استثنى الشرع في مقابلته مرأتي إن وقعت في جانب الضبط الحق به وإن وقعت في الجانب الآخر الحق به وإن ترددت بينهما وتجاذبه الطرفان الحق بأقربهما ولا بد وأن يلوح الترجيح لا محالة فخرج به أن كل مصلحة تتخيل في كل واقعة محتوشة بالأصول المتعارضة لا بد أن تشهد الأصول لردها أو قبولها فأما تقدير جريانها مهملا غفلا لا يلاحظ أصلا محال تخيله ونحن نضرب في ذلك مثالين:     
أحدهما: ما قاله الشافعي رضي الله عنه في مسالة الأمة الكتابية حيث قال اعتروها نقصان بعد أن ثبت لكل واحد اثر وأن ازدحام الأسباب مؤثرة في تغليظ الأحكام لا يحتاج فيه إلى اصل معين فان أصول الشرعية شاهدة له على الإجمال وان لم تتعين قطعا ولا حاجة إلى القياس على المجوسية وهذا المثال ذكرناه لضرب المثال وان كنا لا نعتمد هذه الطريقة في تلك المسألة     
المثال الثاني: قول الشافعي رضي الله عنه في المعتدة الرجعية إن العدة لبراءة الرحم والوطء للشغل فهو مناقض للمقصود من العدة فهذا معنى مرسل لا حاجة فيه إلى الاستشهاد بأصل معين لان أصول الشرع على إجمالها تشهد له وقد قاس أصحابنا على المعتدة البائنة قال القاضي وهو باطل فإن الحكم في الأصل معلل بالبينونة لا بالعدة ويستحيل التعليل بهما عنده فإنه يقدم أجلى العلتين على وأحرقوه كما سنذكره في باب التركيب ونحن نبطل هذا القياس مع اعتقاد جواز الجمع بين العلنيين بطريق آخر نذكره في باب التركيب والذي نذكره الآن أن العدة في البائنة لا تخيل التحريم على الزوج فإنها حرمت عليه بالبينونة والعدة أريدت لصيانة مائه والاعتزال عن سائر الرجال ولهذا حرم نكاح غيره ولم يحرم نكاحه والعلة في الأصل شرطها أن تكون مخيلة وليس كذلك في الفرع فإن العلية بمجردها تخيل تحريم الوطء على الزوج فان الغرض منه الاعتزال عنه مع استمرار النكاح وبراءة الرحم هو المقصود والوطء مناقض له ويعتضد ذلك بأمرين أحدهما أن العدة لا يعتد بها في صلب النكاح ولذلك لو قال إن استبرأت رحمك فأنت طالق لزمها استئناف العدة بعد الطلاق وكان يليق بأبي حنفية رحمه الله المصير إلى وجوب استئناف العدة ههنا كما قال في المرأة تسلم في دار الحرب فتتوقف ثلاثة أقراء فان أصر الزوج على الكفر بانت واستأنفت العدة والآخر أن الرجعة ثابتة والغرض منه تدارك فائت وإذا قدر استمرار النكاح على حالة فلا معنى للرجعة فان قيل لو حرمت العدة الوطء لما استقل الزوج بقطعها قلنا لو قطعها بالوطء الشاغل لكان متناقضا ولكنه يقطع بالرجعة ثم يستبيح الوطء بعد انقطاعها فإن قيل نعارضكم فنقول زوجة منكوحة فحل وطؤها وهذا أقوى قلنا هذه معارضة لو ضمناها إلى وصف تعليلنا لم يضرنا فنقول زوجة منكوحة معتدة وكأن العدة أبطلت الحل المستفاد من الزوجية مع استمراره فكل معارضة أمكن المعلل وأعظمهما في وصف التعليل فلا اثر لها فقد تبين أن كل مصلحة مرسلة فلا بد أن تشهد أصول الشريعة لردها أو قبولها

الفصل الثالث في ذكر ضابط الاستدلال الصحيح

     وننقحه بتوجيه الإشكالات والانفصال عنها فنقول كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يرده اصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع فهو مقول به وان لم يشهد له اصل معين ثم أقسامه لا ضبط لها فإنها لا يحويها عد ولا يضبطها حد فقد يتفق معنى مرسل يفيد أمرا كليا على إجمال وقد يفيد حكما جزئيا في صورة خاصة وقد يستثار من عكس علة إذ العلل يفيد عكسها عندنا نفي الحكم كما يخيل طردها على ما سيأتي وقد يفهم من قصد الشارع كقوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشهود يفهم العدالة لان مقصوده الإثبات ذلك من أقسامه فإن قيل ما الفرق بين مذهبكم ومذهب مالك رضي الله عنه حيث انتهى الأمر به في إتباع المصالح إلى القتل في التعزير والضرب لمجرد التهمة وقتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ومصادرة الأغنياء ثم المصحلة وما الذي منعكم من اتبعاها والحاجة قد تمس إلى التعزيز بالتهمة فان الأموال محقونة والسارق لا يقر وإثباته بالبنية عسر ولا وجه لإظهارها إلا بالضرب وهذه مصلحة ظاهرة ذلك مما عداها قلنا الفرق بيننا أننا تنبهنا لأصل عظيم لم يكترث مالك به وهو أنا قدمنا الصحابة على قضية المصلحة وكل مصلحة يعلم على القطع وقوعها في زمن الصحابة رضي الله عنهم وامتناعهم عن القضاء بموجبها فهي متروكة ونعلم على القطع إن الإعصار لا تنفك عن السرقة وكان ذلك يكثر في زمن الصحابة ولم يعزروا بالتهمة ولم يقطعوا قط لسانا في الهذر مع كثرة الهذزان ولا صادروا غنيا مع كثرة الأغنياء ومسيس الحاجات وكل ما امتنعوا عنه نمتنع عنه ومالك لم يتنبه لهذا الأصل فإن قيل روي أن عمر  صادر خالدا وعمرو بن العاص على نصف المال وقال لمن مد يده إلى لحيته ليأخذ القذى منها ابن ما أنبت وإلا أبنت يدك وقطع اليد لا توجبونه في مثله ولا المصادرة وقد فعله   قلنا نعلم أنه لو لم يبن ما أبان لما قطع يده ولكن ذكره تهويلا وتخويفا وتعظيما لأبهة الإمامة كيلا يباسط فتضعف حشمته في الصدور وأما مصادرة خالد فلا تدل على جواز المصادرة مطلقا لأن عمر كان أعلم بأحوالهما وكان يتجسس بالنهار ويتعسس بالليل وكان قد نصب خالدا أميرا في بعض البلاد فجمع عليه أموالا عظيمة فلعل عمر يتحقق على أمر ذلك وذلك مسلم لمثله وهو الذي كان يقول لو تركت جر باء على ضفة واد لم تطل بالهناء فأنا المجيب عنها يوم القيامة فلا ينبغي أن يتخذ ذلك ذريعة إلى مصادرة الأغنياء على الإطلاق كيف وقد كثر الأغنياء في زمن الصحابة رضي الله عنهم فلم يتفق ذلك مع غيرهم قط والتمسك بهذا القطع أولى فإن قيل حد السرقة شرع للزجر وقد يسرق المرء ما دون الربع بحبة فيحتاج إلى الزجر فهلا زجرتموه   قلنا تقديرات الشرع متبعة لا تغير ويسحب ذيل الحسم على تفاصيل الصور وهذا من أعظم المصالح فإن تتبع تفاصيل ممكن فاتبعنا التقدير فيه ولم نقس فإن قيل ما بال علي قاس في حد الشرب وهو مقدر فقال من شرب سكر ومن سكر هذي ومن هذي افترى فأرى أن أقيم عليه حد المفتري ورقى الحد إلى ثمانين للمصالح قلنا حد الشرب لم يكن مقدرا من جهة الشارع ولكنه كان عليه السلام يأمر بالضرب بالنعال وأطراف الأكمام وقدره أبو بكر  بالأربعين وكان ذلك في مظنة الاجتهاد وعن هذا قال علي  ما أقمت الحد على رجل فمات فوجدت في نفسي أن الحق قبله إلا حد الشرب فإنه شيء أحدثناه بعد رسول الله  فإن قيل أليس قد روي أن عليا  بطون لأجل المصلحة وأنتم تركتم هذه المصلحة 
 قلنا هذه المسألة في مظنة الاجتهاد لأن الشق اليسير قريب من الضرب في التخويف والصبيان يضربون على السرقة فنحن رأينا معنى أظهر منه فلذلك تركناه فإن قيل لو حدثت واقعة لم يعهد مثلها في عصر الأولين وسنحت مصلحة لا يردها أصل ولكنها حديثة فهل تتبعونها قلنا نعم ولذلك نقول لو فرضنا انقلاب أموال العالمين لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه المغصوب بغيره وعسر الوصول إلى الحلال المحض وقد رفع فما بالنا بقدر نبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل وتجويز الترفه تنعم في محرم وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم الدينية والدنيوية ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم وأهله فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى صناعاتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعا فيبيح لكل غني من ماله مقدار كفايته ترفه ولا اقتصار على سد الرمق ويباح لكل مقتر في مال من فضل من هذا القدر مثله ويشهد لهذا قاعدة وهي أن الشخص الواحد إذا اضطر إلى طعام غيره أو إلى ميتة يباح له مقدار الاستقلال محافظة على الروح فالمحافظة على الأرواح أولى وأحق وكذلك نقول في المستظهر بشوكته المستولي على الناس المطاع فيما بينهم وقد شغر الزمان عن مستجمع لشرائط الإمامة ينفذ أمره لأن ذلك يجر فسادا عظيما لو لم نقل به

الباب الخامس في الاستصحاب

   ليس من الاستصحاب المقول به استدامة الحكم مع تبدل الصورة كما استصحب أبو حنيفة رضي الله عنه وجوب الحقتين في المائة والعشرين فيه إذ زادت واحدة لأن الصورة قد تبدلت فلا بد من دليل على النفي وكذلك لو سئل عن النكاح بلا ولي مثلا فقال الأبضاع أصلها على التحريم فهو مستصحب إلى أن يلوح دليل في الإباحة لأنه مطالب بإقامة الدليل على فساد العقد المعقود بشرائطه وأن الولي شرط فيه فالاستصحاب لا يغني وإنما الاستصحاب الصحيح ما نذكره في منع وجوب الوتر والأضحية بعد سبر مدارك الوجوب وإبطال كل قياس يذكرونه فبعد ذلك نقول الحال لم تتبدل ولا مأخذ للوجوب وبراءة الذمة يشهد لها العقل والسمع فيستصحب هذا الأصل المستقر فلا بد من دليل وقد بطل مأخذ الوجوب وبالله التوفيق

الباب السادس في الاستحسان

  قال الشافعي رضي الله عنه من استحسن فقد شرع ولا بد أولا من بيان حقيقة الاستحسان وقد قال قائلون من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه الاستحسان مذهب لا دليل عليه وهذا كفر ممن قاله وممن يجوز التمسك به ولا حاجة فيه إلى دليل وقال قائلون هو معنى خفي تضيق العبارة عنه وهذا أيضا هوس فإن معاني الشارع إذا لاحت في العقول انطلقت الألسن بالتعبير عنها فما لا عبارة عنه لا يعقل والصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي وقد قسمه أربعة أقسام منها إتباع الحديث وترك القياس كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر ومنها إتباع قول الصحابي على خلاف القياس كما قاله في تقدير أجرة رد العبد الآبق بأربعين إتباعا لابن عباس رضي الله عنهما وتقدير ما يحط عن قيمة العبد إذا ساوى دية الحر أو زاد بعشر إتباعا لابن مسعود ومنها إتباع عادات الناس وما يطرد به عرفهم كمصيرهم إلى أن المعطاة صحيحة لأن الأعصار لا تنفك عنه ويغلب على الظن جريانه في عصر الرسول ومنها إتباع معنى خفي هو اخص بالمقصود وأمس له من المعنى الجلي فنقول أما إتباع الخبر تقديما له على القياس فواجب عندنا أبو حنيفة لم يف به في مسألة المصارة والعرايا وخيار المتبايعين ولم يستحسن إتباع هذه الأحاديث مع اتفاق أئمة الحديث على صحتها وضعف حديث القهقهة وأما قول الصحابي إذا خالف القياس فهو متبع عندنا وخالفه أبو حنفية في مسألة تغليظ الدية مع ما نقل فيه عن الصحابة وتقدير ابن عباس أجرة رد الأبق بأربعين يحتمل أن يكون بحكم مصالحة أو مصلحة اقتضاها نزاع في تلك الحالة     وقول ابن مسعود في قيمة العبد يلتفت على قياس الذمية ومراعاتها وتقدير الحط ملاحظة لنصاب السرقة فإنه عظيم في الشرع يظهر التفاوت فيه فلذلك لم نتبعه وأما دعواه بأن عمل الناس متبع في المعاطاة لأن الأعصار فيه لا تتفاوت تحكم فإنا نعلم أن العقود الفاسدة والربويات في عصرنا أكثر منه في إبتداء الإسلام وصفوته وعوام الناس لا مبالاة بإجماعهم حتى يتمسك بعملهم وأما إتباع المعنى الخفي إذا كان اخص فهو متبع لان الجلي الذي لا يمس المقصود باطل معه أو مقدم عليه ولكن أبا حنيفة لم يف بموجبه حتى أتى بالعجائب والآيات وسماه استحسانا فقال يجب الحد على من شهد عليه أربعة بالزنا في أربع زوايا كل واحد منهم يشهد عليه في زاوية وقال لعله كان يزحف في زنية واحدة في الزوايا وأي استحسان في سفك دم مسلم بمثل هذا الخيال مع انه لو خصص كل شهادة بزمان وتقاربت الأزمنة واحتمل استدامة الزنا في مثلها لا حد وذلك اغلب في العرف من تخيل أقوين في زوايا البيت بزنا واحد فهذا ونحوه من الاستحسانات الباطلة وما استند إلى مأخذ مما ذكرناه صحيح فهو مقول به والله اعلم بالصواب

الباب السابع في ذكر قياس الشبه وفيه فصلان الفصل الأول في

     ذكر إذنه وبيان ماهيته وقد صار الشافعي رضي الله عنه وأبو حنيفة ومالك وأشياعهم في جملة الفقهاء إلا أبا اسحق المروزي إلى قبول قياس الشبه وذهب القاضي في جمع من الأصوليين إلى رده مع الاتفاق على قبول ما في معنى الأصل كإلحاق الأمة بالعبد وزعم القاضي أن الذرة في باب الربا في معنى البر المنصوص كالأمة في معنى العبد وهذا فيه نظر فان الجنس مختلف ولهذا يجوز التفاضل بين الذرة والبر وليس ذلك مما يبتدر إلى الفهم ابتدار الأمة مع العبد والقائلون بالشبه في الأحكام اختلفوا في التشابه الخلقي كإلحاق الولد بالقيافة بالوالد والنظر في الخلقة في جزاء الصيد وإلحاق المني بالبيض في تولد منه في إثبات طهارته ومثال قياس الشبه تردد العبد بين الحر والبهيمة فشبه البهيمة في كونه مملوكا فلا يملك ويشبه الحر في كونه متصرفا نافذ العبادة ومالكا للبضع بالنكاح إذ شرط هذا الفن أن لا يبالغ في تقريره فليحلق بقياس المخيل ثم المبالغة فيه وربما يضعف مقرره فيضاهي الطرد فلا بد من الاقتصاد فيه وعقد الباب تمييز الشبه عن الطرد ولا خفاء بتميزه عن المخيل فإن الشبه لا يناسب الحكم ويتميز عما في معنى الأصل فان ذلك يعلم بالبديهة فنقول التشابه المعتبر هو الذي يوهم الاجتماع في مخيل يناسب الحكم المطلوب وذلك المخيل مجهولا لا سبيل إلى إبدائه فإذا قلنا العبد يتصرف وتنفذ عبارته كالحر يشعر ذلك باجتماعهما في المخيل الذي هو مناط الملك فكأنه يفضي إلى الحكم بواسطة والطرد هو الذي لا يشعر بالحكم لا بنفسه ولا بواسطة وأنخلع هو الذي يشعر بنفسه فيمس المقصود على وجه المناسبة وان شئت قلت الشبه ما يغلب على الظن كونه في معنى الأصل وهو مشابه لإلحاق الشيء بما في معناه إلا أن ذلك مقطوع به وهذا غالب على الظن ويظهر قبول الطرد والعكس في إثبات العلة إذا قبل قياس الشبه فإنه يغلب على الظن كونه مناط الحكم ولذلك ردد القاضي فيه كلامه مع قطيعة برد الشبه والشبه جار فيما لا يعقل معناه على معنى انه لا ينقدح فيه معنى مخيل فإن قيل ما ذكره الشافعي رضي الله عنه من قياس تعيين لفظ التكبير على تعيين السجود والركوع هل هو من فن التشبيه قلنا قال الشافعي رضي الله عنه ليس ذلك من الشبه ولكنه ضرب مثلا ليبين أن المحل محل الأتباع ولا جريان للقياس كما في السجود والركوع في أن مذهب الشافعي رضي الله عنه في هذه المسالة قريب من القطع وليس للشبه هذه القوة فإن قيل قول الشافعي رضي الله عنه الشهيد إذا لم يغسل لم يصل عليه شبه أم لا قلنا قال القاضي يكاد أن يكون شبها من حيث إن الصلاة مترتبة على الغسل فإذا سقط الغسل أوشك سقوط الصلاة يستطيبوا فيه ترددا فلم يقطع بكونه شبها وهو شبه ضعيف في الجملة

الفصل الثاني في ذكر أدلة صليت

     قال القاضي أقول للمتمسك بالشبه أعلمت انه مناط الحكم أو ظننته فان علمته فبالضرورة لا وجه لادعاء واحد منهما وان ظننت فما مستند ظنك والظن في هذا المقام كالعلم وان ابان مستندا لظنه بإبداء الإخالة فذاك وان لم يبد إخالة عجز عن إثبات مستنده فلا نزال نطالبه حتى نتبين تحكمه وعضد هذا بأن المنقول عن الصحابة النظر إلى المصالح فأما الشبه فلم ينقل عنهم وقولك أن العبد إذا نفذت عبارته ملك تحكم فإن نفوذ العبارة إشارة إلى انتظامها وصحتها وهذا لا يناسب الملك وان قلت يوهم الاجتماع في مخيل قلنا أبد ذلك المخيل وإلا فلا يتمسك بالمجهول فإن قلت ملك البضع فملك الأعيان كان ذلك تحكما إذ لا مناسبة بينهما على انه ينقدح في النكاح مصلحة واضحة وهي محاذرة الإضرار بالعبيد في سد باب النكاح ولا ضرار فيما دونه من الأملاك والمختار عندنا أن الشبه مقبول وهو ما غلب على الظن كونه في معناه فنقول للقاضي قال الشافعي رضي الله عنه طهارتان فكيف تفترقان وعني به الوضوء والتيمم في حكم النية أيغلب على ظنك كون الوضوء في معنى التيمم في حكم النية وكل واحد منهما طهارة عن حدث لا يعقل معناه ويغلب عليه التعبد وقد عسر ذلك الفرق بينهما فإن أنكر غلبة الظن فقد عاند وإن اعترف به فيطالب بمستنده وينعكس عليه الأمر ولا خفاء بظهور الظن ويعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لو عدموا قياس المعنى لتمسكوا بمثل هذه الظنون قطعا فإن جملة المسائل لا ينقدح فيها معنى مخيل والصحابة استرسلوا على الفتاوى فيعلم أنهم اعتمدوا الشبه الشبه نعم يشترط أن لا ينقدح في الأصل معنى مخيل فلو اتجه بطل التشبيه إذ الحكم منوط به ولم يجر ذلك في الفرع فلا يوهم الاجتماع في مخيل موهوم وقد رأينا المخيل المعلوم فيه لم يطرد كما ذكره القاضي في قياس ملك العين على ملك النكاح ثم المعلل المتمسك بالشبه لو قال هذا يشبه ذاك ولم يبين وجه التشبيه قال قائلون يكتفي به وعلى السائل قطع التشبيه والمختار أنه لا بد من الإيماء إلى جهة المشابهة وبيان أن الفرق عسر فلعسر الفرق وتحقق المشابهة غلب على الظن الحكم حتى يكون مناسبا كما إذا ألحق الذرة بالبر فيقربه منه في مقصود الطعم وغيره مما يتشابهان فيه

الباب الثامن فيما لا يعلل من الأحكام

    لا يطمع في تعليل كل حكم في الشرع ولكنها منقسمة والضابط أن كل ما انقدح فيه معنى مخيل مناسب مطرد لا يصدمه أصل من أصول الشرع فهو معلل وما لم يتجه ذلك فيه كالعبادات والمقدرات فيجري فيه قياس ما في معنى الأصل وقياس الشبه إن أمكن تشبيه يورث غلبة الظن وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجري القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والرحض ثم أفحش القياس في درء الحدود في السرقة والقصاص حتى أبطل قاعدة الشرع وفي إثباتها حتى أوجب في شهود الزوايا وأوجب قطع السرقة بشهادة شاهدين شهدا أحدهما على أنه سرق بقرة بيضاء وشهد الآخر على بقرة سوداء لاحتمال أن البقرة كانت ملمعة   الجماع على الجماع في الصوم في إيجاب الكفارة والخطأ في قتل الصيد على العمد في إيجاب الجزاء مع اختصاص النص بالعمد وقدر نزح ماء البئر ثم نجاسته بثلاثين دلوا قياسا ولا ينفعهم قولهم إنا قلدنا الأوزاعي فإنهم أبوا عن رحمة الصحابة في مسائل فكيف قلدوه وقدروا العفو عن النجاسة بربع الثوب والمسح على الرأس بربعه وقاسوا في الرخص في سائر النجاسات على مقدار ما عفي عنه على محل النجو رخصة فقد خبطوا هذه الأصول
 مسألة: إذا وردت قاعدة خارجة عن قياس القواعد كالكتابة والإجارة قال قائلون لا يجري القياس لا في أصلها ولا في فرعها وقال آخرون يجري في فروعها ولا يقاس عليه أصل آخر والمختار أن إطلاق الأمرين سقيم فإن القواعد وإن تباينت في خواصها فقد تتلاقى في أمور جميلة كملاحظة النكاح والبيع والإجارة في كونه معاوضة وإن باينها في مقصوده فيمتنع الاعتبار في المقصود الذي فيه التباين لا فيما فيه التلاحظ والتناسب ومثاله من الكتابة أن أبا حنيفة رحمه الله يقيس الشراء الفاسد على الكتابة الفاسدة ولو استقام له استنباط معنى يجعل الفاسد في مقصود الكتابة كصحيحه فيبني عليه أن فاسد البيع بالنسبة إلى صحيحه في مقصوده الخاص كفاسد الكتابة فيستقيم هذا القياس إلا أنه لم يتمكن منه فرد عليه قياسه لتحكمه في قياس فاسد البيع على فاسد الكتابة مع تباين مقصوديهما وأما فروع الكتابة يجري فيها القياس ولولاها لما اتسعت فروعها

فصل

     قال القاضي من الأحكام ما يعلل جملة بعلة لا تطرد في التفاصيل وذكر ثلاثة أمثلة:
أحدها: أنه قال لا يستقيم قول أبي حنيفة إن رفع الحدث لا يعقل معناه فلا يقاس عليه إزالة النجاسة لأن الغرض منه معقول وهو الوضاءة فلهذا اختص بالأعضاء البادية غالبا واكتفى في الناصية بالمسح لأن الغالب عليه الستر ويشهد لهذا إيماء الشارع من قوله ولكن يريد ليطهركم ويدل عليه أن الإنسان في حالاته في ترددات لا تخلوا من غبرات تلحقه والشرع يستحب مكارم الأخلاق والتنقي عن الدنس والدرن من أحبها نعم اختص بحالة خروج الحدث فوقت معقول كاختصاص وجوب إزالة النجاسة بوقت الصلاة لا يعقل معناه ولكن أصله معقول

والمثال الثاني: أن الشرع قدر الحدث مانعا من الصلاة معقول ولكن بعد اعتقاده يعقل كون الوضوء رافعا له وإذا ارتفع فلا مانع من الصلاة إلى أن يعود ولم يفهم ذلك في التيمم فإنه لا يرفعه وإنما هو استباحة مع حدث فيجب أن يتيمم لكل صلاة إذ قال رسول الله  أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت وقياسه يقتضي أن لا يتنفل به لعدم الضرورة فلعل ذلك من وقفات معاني الشرع أو يقال النوافل جبران الفرائض وقد خففه الشرع حتى لصاحب القعود فيه للقادر على القيام حثا عليه فلا يليق به تغليظ أمره فإن ذلك إضرار بالمسافر

المثال الثالث: أن الحد شرع للزجر وعقل على قياسه أصل تفرقة الشارع بين ما دون النصاب وبين النصاب لأن النفوس لا تتحمل الأضرار لأجل مال نزر ولكن لا يطرد في التفاصيل لأنه قد يتشوق الشخص إلى ربع دينار دون حبة ولكن لا نظر إليه وذلك لا يخرم أصل المعنى المعقول والربع وإن كان قليلا في الهمم العالية فالغالب أنه لا يهجم على السرقة إلا الأرذال من الناس وخساسهم فيكثر ذلك عندهم ووجه الإشكال أنا نرى الروح تسفك في مقابلة الصيال على حبة ولكن ذلك مما لا رادع منه في الطبع بحيث يعظم وقعه فما دام المرء مواظبا على هتك الحرمة كان مدفوعا عن هتكه لا كوزن المال وههنا يجب بسرقة المال ثم اقتحام الغرر وقال القاضي فكان يليق به الفرق بين قليل الخمر وكثيرة لنفرة الطبع عن قليله فلعل هذا من وقفات علة الشرع والعلل الكلية قد يفرض وقوفها بأصل مقطوع به وإن كان لا يرد بغلبات الظنون ولعل المعنى فيه أن قليل الخمر يدعو إلى كثيره والقدر المسكر لا ينضبط مع تفاوت الطباع فحسم الباب حسما

قال القاضي وإن عقلنا الفرق بين القليل والكثير فلا يقاس به في هذا التقدير غيره ردا على مالك حيث قال بغلظ اليمين في عظيم من المال وقدره بنصاب السرقة لأنه ينقدح معنى مخيل في التقدير به ومسلك يشبه الإيمان منقدح الباب التاسع في التركيب والتعدية وفيه أربعة فصول الفصل الأول بيان الجمع بين علتين متظاهرتين على حكم واحد

     وقد منه القاضي تمسكا بأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينقل عنهم ذلك واعتصاما بإجماع القياسيين على اتحاد علة الربا مع إمكان الجمع وقال إذا صادفنا علة منصوصا عليها من جهة الشارع فيغلب على الظن أنه المناط على الخصوص وإن تعلق بغيره معه لذكره الشارع وقد تولى بيانه وكذا لو أجمعت الأمة على التعليل به واقتصروا عليه إذ يبعد أن يذهل أهل الإجماع عن علة صحيحة مع شدة بحثهم وإن هجمنا عليه واستنبطناه فما هو أجلى تقدم على الآخر لا محالة والمختار أن العلل قد تزدحم على حكم واحد ويعلم أن الصحابة رضي الله عنهم في والعمي كانت تتشعب آراؤهم إلى مصالح متظاهرة ولا يشتغلون بالترجيح ومسألة الربا ليست معللة عندنا ولا هي مجمع عليها ولكن كل اعتقد أن علة خصمه باطلة لا تستقل ولذلك لم يجمعوا ومسالك الترجيح فيها باطلة عندنا وما ذكره من نص الشارع أو الإجماع لا ينكر أن ذلك ينتج خيالا ولكن لا بعد في والمعايش الشارع الباقي إلى استنباط الأئمة واستغنى أهل الإجماع بإحدى العلتين عن الأخرى وقوله إذا لاح أحدهما ينبغي أن يقدم

قلنا لا نرى بعدا في اعتقاد ثبوت المسألة بحديث وقياس وإن تفاوتت مراتبهما وإذا تعارضت المصالح ترجيح فلا وجه للقضاء بتساقطها وإلحاق الحكم بالفذ الذي لا يعلل وليس بعضها أولى من بعض ولا بعد في أن يحكم الشارع بحكم واحد لأجل مصلحتين ولا يلزم على هذا أن يصحح قول القائل مس فصار كما لو مس وبال أو معتدة فصارت كالمعتدة البائنة أو أنثى فصارت كالأنثى الصغيرة فهذا باطل قطعا لأن المعلل يحتاج إلى أن يصرح بضم علة أخرى إلى علته لو ألغاها لكان قياسا على نفس المسألة فلتكن العلة الجامعة بحيث لو وقع الذهول عن الثانية لصح الجمع قال القاضي وقول الشافعي رضي الله عنه في جزاء الأسد حيوان لا يجزى بقيمة ولا مثل فلا يجزى كالفواسق الخمس باطل لأن معناه أن ما لا يجزى لا يجزى وهذا استدلال بنفس الحكم وهو مطالب بنصب الدليل على نفي الضمان على الوجه الذي ذكروه وليس فيه ما يدل عليه الفصل الثاني في بيان مراتب التركيب وهو منقسم إلى التركيب في الأصل وإلى التركيب في الوصف فأما التركيب في الأصل فمن أبعد أبوابه قول أصحابنا أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة سنة وهو باطل إذ للسائل أن يقول إن كانت هي في علم الله كبيرة فقد قست على نفس المسألة وإن كانت صغيرة صرت كمن قال مس فصار كما لو مس وبال وأقرب منه قليلا قولهم في البكر البالغ لم تمارس الرجال فتجبر كبنت خمس عشرة سنة فإن جهة الفساد تتحد فيه إذ لو قدرت صغيرة فالصغر ليس مستقلا ثم الشافعي رضي الله عنه بإفادة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فإنها لا تجبر والتركيب في الوصف أبعده كقولنا في قتل المسلم بالذمي لو قتل بالمثقل لم يقتل فكذا بالسيف ووجه بعده أن النظر في الآلة لا يدل على معنى المكافأة وهو المقصود في المسألة وأقربه قولنا في اندراج المؤبرة تحت مطلق العقد ما يندرج تحت استحقاق الشفيع يندرج تحت مطلق العقد ووجه قربه أنه يشير إلى الجزئية المؤثرة في الاندراج إلا أنهم يقولون تخلينا الضرار سببا لإثبات الشفعة في الثمار لئلا تنفى الداخلة لذلك طردنا في المؤبرة فإن صح علة الضرار بطل التعليل وإن بطل الضرار لم نقض باندراجه تحت الشفعة الفصل الثالث في ذكر ضابط الأدلة فيه

    قال الأستاذ أبو اسحق في جماعة إن التركيب صحيح وغلا حتى قدمه المركب لأنه أبعد عن الاعتراضات ومنهم من رجح غيره ومنهم من سوى قال القاضي أبو بكر التركيب باطل واستدل الأستاذ بأن الغرض في المناظرة التضييق على الخصم وتنقيح الخاطر في المشكلات والتركيب أقوى في تحصيل الغرض نعم لا يعول عليه في الاجتهاد كمناقضة الخصم يتمسك بها في المناظرة دون الفتوى ولا خلل في التركيب إلا كون علة الأصل مختلفا فيها فهو مطالب بإثباته وإن عجز فهو باطل لا لأجل التركيب والمختار أن التركيب باطل لأنه فن من القياس لم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم ولا كانوا يفهمونه وأحدث منذ خمسين سنة ولو كان قياسا صحيحا لتنبه له الأولون وهو في رسم الجدال خروج عن مقصود المسألة فإن سن البلوغ وسببه لا يثير نظرا في سلب عبارة المرأة وليس من فروع هذه المسألة ونتيجته فهو تمسك بأمر ظاهر لا في محل السؤال والمناقضة قد لا يرى التمسك بها فيما قاله القاضي أبو بكر وإن رأيناها فهي مورطة للخصم في فقه المسألة والتركيب مخرج لهما عنها وما ذكره من أن علة الأصل أبدا هو مختلف فيها وهو متمكن من إثباته فلم نرده لكون العلة مختلفا فيها ولكنه خروج عن المسألة ولو تمكن من إثبات علة الأصل باخاله فقد استغنى عن الأصل وصار مستدلا وبطل تركيبه وقوله إن الغرض تنقيح الخاطر قلنا نعم في المسألة لا في الأشياء لا تعلق لها بالمسألة

الفصل الرابع في التعدية

   والقائلون بالتركيب اعتقدوا التعدية سؤالا صحيحا على المركب وصورته أن يقول السائل عن قول الشافعي رضي الله عنه أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة سنة إني استنبطت من الأصل الصغر فعديته إلى منع سائر التصرفات فيعارض ما استنبطه من الأنوثة ويستوي فيه الأقدام وكذلك إذا قال أنثى لم تمارس الرجال فتجبر كبنت خمس عشرة سنة في مسألة إجبار البكر فيقول أنا استنبطت الصغر وطردته في الثيب الصغيرة وزعموا أن هذه التعدية أقوى لأن الصغر ثم الشافعي قط لا يكون علة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فلا يمكنه القول به والمختار أن سؤال التعدية باطل بعد قبول المركب لأن المعلل يقول إن لم تسلم لي كون الأنوثة علة فأثبته وعليك إبطاله وإن سلمت فلا نعيد كاستنباط المجبرة أو يسلم المسئول له وجود الصغر جدلا في مسألة نكاح بلا ولي وكونه علة ويقول ليجمع بين العلتين ويسلم وجوده في مسألة إجبار البكر وإن لم يعلل به فلا يغنيه التعليل به وأما المركب الوصف زعموا أن التعدية علة في القبول والرد مبني على قبول الفرق بين الوصف والحكم ورده كفرق السائل بين الطلاق والظهار إذا قال المعلل من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم والمختار أن التعدية لا ترد على تركيب الوصف إذ من ضرورته أن يقع التركيب من حكم فيقول من لا يقتل إذا قتل بالمثقل فكذا بالسيف فلا يمكنه إبراز معنى من القتل بالمثقل في معارضته والمسئول لم يتعرض للمعنى ولا يمكنه المعارضة بحكم آخر نعم لو قال ذلك لخلل في الآلة فهذا بيان منه لخروج المسئول عن مقصود المسألة وهو وعشرون وليس ذلك من التعدية في شيء والله أعلم.

الباب العاشر في الاعتراضات وهي تنقسم إلى صحيح وفاسد الصحيح منه ثمانية أنواع النوع الأول: في المنع وذلك إذا توجه على وصف التعليل لزم المعلل إثباتها ويتوجه على الأصل من أربعة أوجه أن يمنع كونه معللا أو يمنع كون ما ذكره علة بعد ما سلم أصل التعليل أو يمنع وجود ما نصبه علة أو يمنع الحكم ويكفي للمعلل بيان معنى مخيل للحكم في الأصل فيندفع ويثبت كونه معللا بهذه العلة وعليه يترتب الحكم إذا ثبت إخالته وله النقل إلى الأصل إذا منع أو افتتاح الكلام فيه ابتداء إذا توقع المنع وليس له نصب الدليل على نقض يورده إذا منع والفرق أن ذلك خروج من المسألة إذ قد يورد مسألة من النكاح نقضا على مسألة في الكتابة وإما إثبات الأصل إذا منع انتهاض الإثبات في الفرع تحقيقا وليس للسائل أن يدل على المنع بخلاف المسئول للأمر الجدلي وهو أن المسئول لم يتطوق أن يعترض عليه فإن دل فلا يصغى إليه لأنه لم يسأله وقال الأستاذ المنع ليس باعتراض لأن إثباته ممكن للمسئول وقال القاضي هو اعتراض ولولا رسم الجدال لحكم بانقطاعه فإنه إذا قاس على أصل ممنوع فكأنه ما دل بعد في المسألة ولكن الرجوع إلى الرسم ولولاه لساغ للسائل ابتداء إبطال فتوى المستدل ولكن لا بد من اتباع الرسم لينضبط الكلام ويتميز السائل عن المسئول

النوع الثاني: القول بالموجب من الاعتراضات التي ينقطع المسئول فيها ويبطل به مقصوده وقد قيل لا يسمى اعتراضا لأنه مطابقة للعلة والخلاف عائد إلى عبارة ولا يتأتى القول بالموجب مع التصريح بالحكم الذي فيه النزاع فإن فيه رفعا للخلاف وإنما يتوجه إذا أجمل الحكم وقال كان كذا فجاز أن يكون كذا فيقول بموجبه في بعض الصور أو يتعرض لنفي علة الخصم فنقول ماء طاهر خالطه طاهر فالمخالطة لا تمنع جواز التوضىء كما لو خالطه التراب فيقول أقول بموجبه إذ المخالطة لا تمنع فينقطع المسئول فلو قال مع التغير فكذا نقول بالموجب فلو قال منع مع التغير والاستغناء ينبغي أن لا يمنع لا يقال بموجبه ولكن لا نجد أصلا نقيس عليه وهذا من ألزم أنواعه والذي دونه مما يخلص عنه بتغيير عبارة كقولنا الجنون في أحد الواطئين لا يدرأ الحد كالجنون فيها فيقول الجنون لا يدرؤه إذ الدافع خروجها عن كونها ممكنة من الزنا فلو قال ينبغي أن لا يكون صبيا قال قائلون يكفي أن يعدل إلى لفظ السبب فيقول لا يكون الجنون سببا فيه فإن ما ذكره أيضا مثارة الجنون وزعم آخرون أن السبب بمعنى العلة فلا غنية فيه والخلاف فيه قريب المدرك وإنما يظهر العدول إلى لفظ السبب إذا تمكن المسئول من بيان انحصار الحكم في هذا السبب على الخصوص حتى لو قدر اقتصار أبي حنيفة في ذلك على الجنون دون تنزل الصبي والخرس منزلته لكان لفظ السبب أقوى في درء هذا السؤال فهذه مراتب ثلاثة في القول بالموجب
 النوع الثالث: [ النقض ] ومعناه إبداء العلة مع تخلف الحكم ولا يورد على العلة المجملة فإنها باطلة لإجمالها لا يعترض عليها بل يستفسر عنها ومعنى الاستفسار طلب كشف عما استبهم على السائل لقصور فهمه وقد انقسم الناس على ثلاثة مذاهب فقال قائلون ليس ذلك باعتراض فإن العلل قابلة للتخصيص بمحل اطراده ومنع آخرون التخصيص إطلاقا وسوغ آخرون تخصيص علة نصبها الشارع دون ما نستنبطه وتمسك المانعون من التخصيص بثلاثة أمور
 أحدها: أن قالوا الأدلة العقلية تطرد فكذا الشرعية وهذا فاسد فإنها توجب مدلولاتها لذواتها وأعيانها وهذه أمارة لا يعد في تخصيصها قصور لا مانع من طردها 

ثانيها: أن ذلك إلى تكافؤ الأدلة فيقول أحد الخصمين مائع فتزال به النجاسة كالماء ويقول الآخر مائع فلا تزال به النجاسة كالخمر واللبن وكل لا تخصيصا لعلته وهذا عندنا فاسد لكونهما طردين ولا يقع التعارض قط في مخيلين على هذا الوجه وإن اتفق فالترجيح ممكن ولا يؤدي إلى التكافؤ أصلا

 ثالثها: قال الأستاذ يقال للمعلل إن زعمت أنك أتيت بعلة عامة فقد كذبت وإن أتيت بعلة خاصة فلا حاجة إلى التخصيص وهذا تلفيق عبارة لا خير فيه إذ له أن يقول كنت أظن عمومه والآن إذ منع مانع فالتزم طرده حيث لا مانع والمخصصة تمسكوا أيضا بثلاثة أمور:
أحدها: أنه لو خصص العلة بالاتفاق بالزمان جاز فكذا بالمسائل فإن من قال مشتد مسكر تنتقض علته بالخمر في ابتداء الإسلام ثم يخصصه هذا الزمان وهذا فاسد فإن استيعاب الأزمنة لا يشترط في العلل الشرعية وهي لا تدل لذاتها وإنما تدل لظننا أنها منصوبة ولم ينصبها الشارع في ابتداء الإسلام فإذا وضعه العموم
ثانيها: أن عموم رسول الله  يخصص فكذا عموم علة المعلل وهذا فاسد فإن العام عندنا لا يخصص بل نتبين خصوصه في وضعه وإنما لم نفهمه حتى نتبينه لقرينة كيف وقد قيل إن الباقي من عموم الشارع يبقى مجملا وقال القاضي يبقى مجازا وهذا لا يحتمل من المعلل      

ثالثها: ما قال القاضي من أن المعلل وإن لم يصرح بتخصيص علة فيفهم من قرينة قوله أنه لا ينبغي طرد العلة إلا إذا اطرد ولم يمنع منه مانع ليث يقول المتردي من سطح مسقطه الأرض يفهم منه ثم الإطلاق إذا لم يختطفه مختطف والمختار أن إن انقدح فيه فرق مخيل فهو مبطل فإنه مشعر باقتصار المعلل على نصف العلة وحقه أن يأتي بتمامها إذا طولب بإبداء العلة ولو كان مستثنى عن القياس وكان من مناقضات الخصم فالعلة تبطل أيضا إذ حقه أن يطرد ولا مانع وإن كان مستثنى بنص أو إجماع فالذي رآه القاضي أن هذا مجتهد فيه إذ يمكن أن يقال غلبة الظن متبع إلا إذا منع نص يقدم عليه ويمكن أن يقال طبع العلة العموم فإذا لم يعم دل ذلك على بطلانه وهذا الفن من القياس عنده باطل لا لانتقاضه ولكنه يقول ما لا قاطع في قبوله فهو محكوم ببطلانه قطعا وعندنا أن هذا القياس باطل في جوهره وإن كنا لا نرى جعل عدم القاطع على القبول قاطعا في البطلان ولكن هذه العلة إنما ينصبها المعلل ظانا أنها سيما الشارع مقتصرا على غلبة الظن فيها وإذا رأينا الشرع ينفي الحكم مع وجودها كيف يغلب على ظننا كونها علة وكيف يظن برسول الله أن يأتي بالمتناقض المتدابر في نفسه وإذا بطل غلبة الظن فلا مستند فإن زعم المجتهد أن ظني وراءه باقي في هذه المسألة فيقال له إن تدبرت استثنيت انتفاء الظن ثم الانتقاض والفاصلون بين علتنا وعلة الشارع يفرقون بأن له أن يحتكم وليس لنا ذلك فلا بد في تطرق التخصيص إلى علته والمختار أن التخصيص لا يتطرق إلى جوهر علته فإنه من أعم الصيغ أعني صيغة التعليل ولا يظن برسول الله  أن ينصب الشيء علما ثم ينفي الحكم مع وجوده سبب نعم يتطرق إلى محله كلام فيخصص ببعض المحال بدليل قوله تعالى والسارق والسارقة وقوله تعالى الزانية والزاني فيذكر المحل دون العلة وفائدة الخلاف أن من منع التخصيص لا يجوز أصلا تطرقه إلى ما نص الشارع على التعليل به وإن أومأ إليه يتبين أن ذلك لم يكن إيماء على تعليل بورود التخصيص والمجوز للتخصيص يقول نبقي ذلك في محله فصل

في إذا قال المعلل باع الطعام بالطعام متفاضلا فلا يجوز قياسا للسفرجل على البر فقيل ينتقض يبيع البر بالشعير قال الجدليون يكفيه أن يقول صيغة الطعم تشمل الجنس والجنسين وأنا إنما عنيت الجنس الواحد واللفظ صالح له وهذا ليس بدافع فإنه أخل بأحد وصفي العلة أو بمحل العلة فلا بد من ذكره ولا يغنيه التفسير ما لم يصرح به نعم لو قال متولد من مال الزكاة وغيره فلا زكاة فيه فقيل يبطل بالمتولد من المعلوفة والسائمة فهذا ليس بنقض فإنه فهم من قرينة حاله قطعا قصده التعريض للجنس لا للنوع 

فصل

قال الجدليون إن الكسر سؤال لازم فإنه يرد على إخالة العلة لا على عبارتها والنقض يرد على العبارة وعندنا لا معنى للكسر فإن كل عبارة لا إخالة فيها فهي طرد محذوف والوارد على الإخالة نقض والوارد على أحد الوصفين منع كونهما مخيلين فهو باطل لا يقبل نعم تردد القاضي في أن المعلل هل يسوغ له الاحتراز عن المسألة المستثناة عن القياس بطرد أم لا وقال يحتمل أن يقال لا يحتاج إليه أصلا فإنه ليس بنقض ولو فعله استبان به تنبهه له وكان أحسن وقد بينا أن العلة منتقضة به فلا يغني الاحتراز بالطرد     
النوع الرابع: إبانة عدم التأثير في وصف العلة إما في الفرع أو في الأصل وحاصله بيان ثبوت الحكم مع انتفاء العلة على نقيض ما ذكرناه ومثار هذا السؤال اشتراط العكس في التعليل وقد اختلفوا فيه فقال قائلون لا يعتبر كما في الأدلة العقلية إذ الأحكام تدل على المحكم ووجوده وعدمه لا يدل على جهله وعدمه ولأن العكس فيما قاله القاضي لا معنى له إلا انتفاء حكم في مسألة أخرى ثم عدم العلة ولم يلزم من جعل الشيء أمارة أن يجعل عدمه أمارة لنقيضه فإن نفي العلة مسألة يطلب لها علة كما لهذه المسألة فلا تكون العلة مشروطة بها وقال آخرون إن العكس معتبر كما في العلة العقلية أعني العلم والعالمية ولأن العلة التي هي مناط الحكم ينبغي أن يزيد وجوده على عدمه فإذا عم الحكم وجوده وعدمه فلا أثر له والمختار عندنا أن العلة إن تعددت فلا يطالب بالعكس فإنا نجوز ازدحام العلل على حكم واحد فلا مطمع في العكس معه وكذا إذا استند الحكم إلى حديث عام وقياس فقد لا يطرد القياس ويطرد الحديث فلا يطلب العكس وإذا اتحدت العلة فلا بد من عكسها فإنه مناط الحكم ولا مطمع في اعتقاد ثبوت الحكم دون مستنده بخلاف وجود المحكم فإن اعتقاده مع عدم مستحيل فلذلك لم ينعكس فكأنا نقول شرط العلة الانعكاس إلا إذا منع مانع وليكن كل معلل ملتزما له لو تمكن فإن العكس من طباع العلة فإن كل علة أخالت حكما أخال عدمها عدم الحكم ولهذا قال الأستاذ يكفيه الانعكاس في مسألة واحدة وشنع القاضي عليه فقال المسألة الواحدة كسائر المسائل فلا يشترط العكس فيها ونحن نقول الردة والعدة والحيض والإحرام إذا ازدحمت في امرأة فالحكم معلل بالكل ولكن كل واحدة في حكم المنعكس وإن لم يبن أثرها فإذا زالت الردة زال تحريمها وكذا العدة بالحق التحريم متعدد بتعدد العلة
  مسألة: إذا زاد المعلل وصفا يستقل الحكم في الأصل دونه ولكن رام به فهو مطرح إذا لم يبن كونه علة في الأصل وكذلك لو ركب من وصفين كان أحدهما في الأصل مستقلا ولا يستقل في الفرع إلا مع غيره كقوله أمة كافرة فصارت كالمجوسية فهذا فاسد لأن الرق ساقط في المجوسية بالاتفاق ليس يستقل علة بالإجماع حتى يخرج على الجمع بين العلل فيكون كقوله مس فصار كما لو مس وبال فالمحرم في الأصل هو التمجس وهو معدوم في الفرع قال القاضي لعل طريق إثباته أن يقال خصوص التمجس على انفراده علة وعموم الكفر مع الرق علة أخرى فهو حكم معلل بعلتين وهذا أيضا لا يكفي وإن عموم الكفر لا يزيد على نفس التمجس وخصوصه فيستحيل أن يكون الشيء علة على استقلاله ثم ينتصب علة مع غيره وليس من عدم التأثير ما إذا قال المعلل مشتد مسكر فيحرم كالخمر فقيل له الميتة تحرم وليس بمشتد مسكر فإن هذا طلب العكس في قاعدة أخرى وليس يلزم المعلل اتفاقا أن يضبط مدارك التحريم في جملة المحرمات     
النوع الخامس: القلب وهو ينقسم إلى مصرح وإلى مبهم أما المصرح به فمثاله قولهم عضو من أعضاء الطهارة فلا يكتفي في وظيفته بما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء فيقال في معارضته قولنا عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر بالربع وقد اختلفوا في قبوله فقال المحققون هو مردود فإنه لم تقلب عليه العلة في عين الحكم المنصوب له وعدل إلى حكم آخر ولا يتصور القلب إلا كذلك وليس يعارضه فإن شرط المعارضة التعارض في نفس الحكم وليس من ضرورة عدم الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم ثبوت التقدير بالربع
     والمختار أن هذا باطل لأنهما طردان فلا يجري هذا إلا في طردين أو في مخيل وطرد إذ الشيء الواحد لا يخيل الإثبات والنفي وكذا الشبه الواحد مع أصل واحد لا يخيلهما جميعا على الضرورة وأما المبهم فمثاله قلبنا عليهم قولهم في مسألة المكره على الطلاق مكلف فيقع طلاقه بأنه مكلف فيستوي إقراره وإنشاؤه كالمختار وقيل هذا القلب أيضا فاسد فإنه يتلقى من الأصل الاستواء في النفي والاستواء في الأصل في الإثبات سديد لأن الاستواء قضية معقولة تتبادر إلى فهم الفقيه قبل البحث عن طرفي النفي والإثبات ولكنه باطل من حيث إن الاستواء ليس من نتيجة كونه مكلفا فلا يناسب التكليف الاستواء وإن كان يناسب وقوع أصل الطلاق نعم لو أورد فصل الإقرار ابتداء لكان سؤالا متجها ولم يكن من القلب في شيء     

النوع السادس: فساد الوضع وهو أن تخالف العلة أصلا تتقدم عليه من نص كتاب أو سنة أو إجماع أو قاعدة كلية أو كان لا يخيل بأن تلقى تغليظا من تخفيف وهذا باطل لكونه طردا ولست أرى لفساد الوضع طريقا مضبوطا سوى إبانة الإخلال بشرط من شرائط العلة أي شرط كان فيما يعود إلى الإخالة وتقدم المرتبة وقياس المهر على الحد في السقوط ليس فاسد الوضع إن استقام معنى جامع مخيل وإن كان الحد مبناه على الدرء بخلاف المهر فإن للحد مع ذلك سقوطا في بعض الأحوال وللمهر أيضا سقوط فيلتقيان في الإثبات والنفي جميعا

النوع السابع: في المعارضة وهي اعتراض مقبول لا يجري إلا في الأدلة المظنونة إذ عواقبها لا تتعارض ثم شرط المعلل أن يبطل المعارضة كما يبطل العلل أو يرجح دليله على دليله وإنما تورد المعارضة على علة لو سلمت عنها لأفادت الحكم وأما الفاسد فلا يعارض وقال قائلون لا تقبل المعارضة من السائل فإنه سيطالب بإثبات علة الأصل وترغيبهم له وهو تعدي لنصب السائلين وهذا فاسد فان السائل يمنع الدليل إذا افتتحه ابتداء فأما ما يستفيد به إبطال كلام المسئول فيمكن منه ويستحيل أن ينقطع السائل مع انقداح المعارضة وأما احتياجه إلى الإثبات لا يضر كما إذا تمسك المستدل بظاهر فيؤولة ويعضده بقياس بالإجماع ولا منع منه   

النوع الثامن: الفرق وقد قيل أنه لا يقبل من حيث تضمن الجمع بين أسئلة متفرقة إذ فيه منع معنى الأصل وإبداء معنى آخر ومعارضته في الفرع بعكس ما أبداه في الأصل فليأت الفارق بواحد منهما

والمختار أنه مقبول وعليه الجمهور ثم اختلفوا في أنه سؤال واحد أم أسئلة فقال القائلون هو أسئلة سوغ الجمع بينها لتجمع شتات الكلام وتوضح فقه المسألة والمختار أنه سؤال واحد والنظر إلى مقصود الفرق والغرض منه قطع الجمع إذ المسئول يزعم أن الفرع في معنى الأصل بدليل اجتماعهما في وصف العلة فيبين السائل افتراقهما في أمر خاص ليقطع كم ولذلك قلنا الفرق ينبغي أن يكون أخص من الجمع أو مثله فلو أبان الفرق في معنى عام لم يكفه مثاله إذا قلنا من لا يثبت بشهادته النكاح لا ينعقد بحضوره كالصبي فقالوا تقبل شهادته المعادة بخلاف الفاسق وكذلك إذا قلنا أخطأ في اجتهاده في شرط من شرائط الصلاة فيجب القضاء قياسا للقبلة على الوقت فقالوا أمر الوقت أضيق من أمر القبلة فهذا وأمثاله لا يقدح ما لم يبين فرقا قادحا في الجمع ثم ينبغي أن يتمكن من عكس المعنى في الفرع زيادة فلو افتقر إليها كان معارضا ولم يكن فارقا واختلفوا في أن طرفي الفرق هل يحتاج إلى أصل والمختار أنه لا يحتاج لأن الاستدلال والجواب عندنا مقبول 
القسم الثاني: في الاعتراضات الفاسدة ولا مطمع في استيعابها ولا ضبط لها ولكن مجموع ما يقصد ذكره مما تداولته الألسنة سبعة أنواع    
 أحدها: ادعاء قصور العلة على محل النص والغرض ذكر أن العلة القاصرة صحيحة وعليه دليلان أحدهما ما ذكره القاضي من أن من أبعد تصور مصلحة في محل نص الشارع وإن كان مستوعبا استحث الشارع على إثبات الحكم فقد عاند ومن لصاحب ثم أنكر جواز ورود التكليف بالبحث عنه فقد هذي فإنا مصرفون يكلفنا ربنا بكل ممكن كما يشاء وهذا ممكن وإذا ساغ ذلك فالباحث لا يدري قصور العلة إلا بعد استنباطها وإذا عثر عليها فلا معاب عليه إن اعتقده سيما الشارع في محل النص فهذا أمر لا يعرض فيه خلاف نعم إن قيل لا فائدة له فلا جرم لم نربط به فائدة حتى يتناقض      

الثاني: ما ذكره الأستاذ أبو إسحاق وعبر عنه بثلاث صيغ أحدها أن قال القاصرة مستجمعة لكل الشرائط كالمتعدية ولم تفارقه إلا في اعتضاده بالنص ولذلك نريده تأكيدا لا ضعفا

ثانيها: أن من استنبط علة متعدية وحكم بصحته ثم ورد من الشارع نص عمم جميع مجاري العلة يبعد الحكم ببطلانه بسبب شهادة رسول الله  على وفق علته     
ثالثها: أن كل خائض في الاستنباط من نص إذا استنبط فحقه أن يعتقد عموم حكم النص وإن خص لفظه لأنه يظن أن العلة سيما الشارع في جميع الصور وإذا لم يكن من ظن العموم بد فاستيقان العموم كيف يبطل العلة وقد تمسك النفاة بأمرين أحدهما أن الصحابة كانوا لا يستنبطون إلا العلل المتعدية والثاني أنها علة لا فائدة لها فان الحكم مستقل بالنص وفائدة العلة إثبات حكم بها وهذا لا يثبت قط قلنا فيما ذكرنها جواب عن هذا فإنا لم نربط به فائدة والمعلل لا يتبين القصور إلا بعد العثور ثم قيل ما فائدته سد مسلك التخصيص والتعليل نص في التعميم واللفظ معرض للخصوص وهذه فائدة ظاهرة وإذا استنبطنا التعدية في الربا استفدنا به منع التخصيص بالكثير الموزون واللفظ معرض له والفائدة الثانية نفي الحكم شرعا ثم انتفائها تلقيا من العكس وقد ذكرنا أن العكس واجب عندنا في العلة إذا اتحدت وإن عدمها ينفي كما ثبت وجودها فإن قيل يكفي في عدم الحكم عدم الراوي النص له قلنا ولكن ذلك ليس بحكم شرعي فهو كالتحريم المنفي لأجل أن الشرع لم يرد به قبل ورود الشرع وإذا علل فهو منفي بعلة شرعية وهي عكس العلة القاصرة وفي هذا جواب عن تحكمهم على الصحابة بأنهم لم يستنبطوا القاصرة وليس الأمر كما قالوه وقد ظهرت فائدته وقال قائلون لا فائدة له ولكنها صحيحة وبنى عليها أنه لا يجب استنباطها وإذا عثر الفقيه عليها تبين أنه لم يجب عليه استنباط ذلك وقال آخرون يجب استنباطها لما فيه من الفائدة والخلاف يعود إلى عبارة في الوجوب ونفيه     
ثانيها: منع المعلل من الاستدلال بفساد الفرع على فساد الأصل كقولهم إذا قلنا نكاح لا يفيد الحل أو عدم إحاطة تمنع إلزام العقد صريحا إذ الإلزام والحل ثاني الانعقاد فلا نتكلم فيه إلا عن الأصل وغلا غالون فقالوا انقطع المسئول لأنه اعترف بأصل العقد وهذا هوس فإن إذنه يمتحن مساقها فإذا تخبطت فروعها انعكس الفساد على أصولها وغاية المعلل تغليب ظن وما لا يفيد مقصوده يغلب على الظن فساده نعم اختلفوا في أنه من فن الشبه أو من فن المخيل واختار الإمام كونه مخيلا لأن العقد لا يراد إلا لمقصوده فإذا تخلف مقصوده لم يبق للعقد معنى وقال القاضي هو شبه قوي ولعل ما ذكره القاضي أقرب فإن منتهى المعلل تمسك بحكم من الأحكام وليس متمسكا بمصلحة مناسبة للحكم مناسبة هجوم وآيته أنه لو طولب بعلة امتناع الإلزام والحل لافتقر إلى إبداء علة فيه أو يقول اجتماعهما فيه يوهم الاجتماع في مخيل لم يبق إلا أنه يورث غلبة الظن وحق الشبه أن يكون كذلك وكذلك قولنا من صح طلاقه صح ظهاره مخيل ظاهر في إفادة غلبة الظن ولكنه من الشبه القوي والخلاف فيه قريب المأخذ

ثالثها مطالبة المعلل بطرد علته في قاعدة تباعد ما فيه بطرد الكلام كما إذا علقنا وجوب العشر بالاقتيات فطولبنا بتعليق الربا به موافقة لمالك وهذا فاسد وليس ثم المعلل إبداء فرق وقد تباين المأخذان ولم يرد ذلك نقضا ولا استقام للسائل جمع نعم على المفتي أن يتنبه لتباين المأخذين وأن وجوب العشر يتلقى من مسيس الحاجات وهو مختص بالأقوات وتعليل الربا فيه متلقى من قوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام

رابعها: كل فرق مستنده الاتفاق في الأصل والاختلال في الفرع كقولهم يكفر جاحد الحكم في الأصل وينقض قضاء القاضي فيه بخلاف الفرع فإنا لا نلتزم إخراج المسألة عن حيز المجتهدات وهذا من نتيجته     
خامسها: قلب العلة معلولا كقولهم ليس الطلاق بأن يجعل علة للظهار بأولى من نقيضه وهذا فاسد فإنه لا بعد في تلازم شبهين يدل كل واحد منهما على صاحبه فليكن كذلك ولا يطرد هذا في الأشباه فأما المخيل فلا ينقلب معلولا للحكم أصلا
 سادسها: ادعاء تراخي الدليل عن المدلول في مسألة النية إذ قسنا على التيمم وهو فاسد فيما قيل من ثلاثة أوجه أحدها أن الأدلة الشرعية لا تزيد على الأدلة العقلية والأحكام دليل على القديم وهو متراخي عنه وهذا الجواب فاسد فإن الحكم الشرعي لا يثبت دون مستنده والعلم لا يستحيل تقدير ثبوته دون الفعل
 الجواب الثاني أنا نتكلم في إثبات شرط النية الآن في بكذا وهو مسبوق بنية التيمم    
الجواب الثالث وهو المختار أن النية تثبت في هذه المسألة بأدلة سوى التيمم وهذا أحد أدلته فقد كانت النية ثابتة قبل التيمم بدليل آخر ثم ورد التيمم عاضدا له حتى لو قدر عدم ثبوت النية في الوضوء في الشرع لما كان التيمم دليلا على ثبوته ابتداء فإنه نسخ والنسخ لا يثبت بالقياس

سابعها: أن تقول اقتصرت على صورة المسألة فأين المسألة إن كانت هي العلة وأين العلة إن كانت هي المسألة وهذا فاسد فإن صورة المسألة إن أخالت حكمها فذاك وإلا فهو طرد كيف ولو اقتصر على صورة المسألة لا يجد أصلا يقيس عليه فلا بد من زيادة أو تقصان مثاله إذا سئل عن استدعاء العتق بغير عوض فيقول استدعاء عتق كما إذا كان بعوض العبارة فإنه لو استدعى عتقا بغير عوض كما في صورة المسألة لما وجد أصلا يقيس عليه وختم هذا الباب بذكر ضابط في الاعتراض الصحيح وهو أن كل اعتراض يبين الإخلال بشرط من شرائط العلة وشرط العلة أن تكون مخيلا ملتفتا على قواعد الشرع مطردا سليما عن معارضة ما يقاومه أو يتقدم عليه في المرتبة مفيدا لمقصود المعلل لئلا يقول السائل بموجبه هذا تمام الكتاب في القياس والله أعلم. كتاب الترجيح

  والكلام فيه بعد بيان حقيقته وإثبات أصله وبيان ما يجري فيه الترجيح يحصره بابان وحقيقته ترجيح أمارة على أمارة في مظان الظنون ونهايته إبداء مزيد وضوح في مأخذ الدليل وهذا في اللسان مشتق من رجحان الميزان وعزى القاضي إلى أبي الحسين البصري بالرمز إلى أنه أنكر الترجيح ويدل عليه أمران أحدهما علمنا بأن الصحابة كانوا يرجحون الأدلة ويقدمون بعض المصالح على بعض ويقدمون رواية أبي بكر الصديق على رواية معقل بن يسار وغيره ولا معنى للترجيح سواه     
الثاني أن منكر الترجيح إن لم يقل بالقياس فيثبت عليه وإن قال به فكيف ينكر القياس والمسائل المظنونة يتعارض الظن فيها فلا معنى للقياس فيها سوى تغليب أحد الظنين على الآخر ولا معنى للترجيح إلا قول المرجح ظني أغلب ورأيي أثبت ولا انفكاك للقياس عنه إلا إذا دل قاطع على بطلان ظن الخصم وذلك مما يندر ولا مجال للترجيح في القطعيات لأنها واضحة والواضح لا يستوضح ونفس المذهب لا يرجح فإن الترجيح بيان مزيد وضوح في مأخذ الدليل فلا بد من دليل نعم يقدم مذهب مجتهد على مجتهد بمسالك نذكرها في كتاب الفتوى وأما العقائد قال الأستاذ لا يرجح بعضها على بعض وهذا إشارة منه إلى أنها معارف ولا ترجيح في المعارف والمختار أن العقائد يرجح البعض بالبعض فإنها ليست علوما والثقة بها تختلف وسبيله أن يقول المعتقد انطبق اعتقادي على اعتقاد الصحابة والسلف الصالحين فإنهم لم يتعرضوا لكذا ولم ينفوا كذا وهم أجدر بتسديد الاعتقاد في قواعد الدين منا 

الباب الأول

     من البابين الموعودين في ترجيح الألفاظ إذ مآخذ الشرع تنقسم إلى ألفاظ ومعاني والألفاظ تنقسم إلى ألفاظ الكتاب والسنة وهي تنقسم إلى نصوص وظواهر ورب ترجيح يطرد في ظاهر ولا يطرد في نص وكل ما يطرد في النص فيطرد في الظاهر ومجموع ما نذكره عليهما يحصره ستة عشر نوعا     
أحدها أن يظن على أحدهما مخايل التأخير فيقدم على المتقدم إذا لم يقطع بكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا وذلك يبين بالزمان تارة كما روي أن قيس بن طلق روى فيمس الذكر عن الرسول عليه السلام أنه قال هل هو إلا بضعة منك وكان مسجد رسول الله  إذ ذاك على عريش وروى أبو هريرة : " من مس ذكره فليتوضأ " وهو متأخر في الإسلام أسلم بعد الهجرة بست سنين فالغالب أن حديثه متأخر وقد يظهر بالمكان فالمنقول بمكة يغلب على الظن تأخره وإن اتفقت له عودات إلى المدينة وقد يبين بالحال كما روي أن النبي عليه السلام صلى بالناس في مرض موته قاعدا وهم قيام فهو مقدم على حديث مطلق رواه أحمد بن حنبل حيث قال وإذا قعد الإمام فصلوا قعودا أجمعين والمختار أن هذا الترجيح إنما يجري إذا عجزنا في هذه المسألة عن مستند آخر فأما إذا وجدنا مستندا آخر وتعارضت النصوص تساقطت فإنا نرد الحديث بأدنى خيال فالحديث الآخر إن لم يقاومه يعارضه ويوهي التمسك به لا محالة     
ثانيها: أن يكون راوي أحدهما أوثق وهو ترجيح من مأخذ الدليل فإن الثقة مستند الأحاديث     
ثالثها: أن يكون في رواة احمدهما كثرة وسببه ظاهر      

رابعها: أن يعارض الثقة العدد فالثقة مقدمة وقدم آخرون العدد لأنه أقرب من التواتر ونحن نعلم أن الصحابة كانوا يقدمون قول أبي بكر  على قول معقل بن يسار ومعقل بن سنان وأمثالهم خامسها: أن يعتضد أحدهما بعمل بعض الصحابة وإن كنا نرى أن عمل الصحابة لا يقدم على الحديث خلافا لمالك لأن المخالف محجوج به والعمل في مظنة التردد والمختار أنا إن قطعنا بأن الحديث بلغهم فتركوه نترك الحديث ولا نسيء الظن بهم وإن ترددنا عملنا بالحديث وإن غلب على الظن أنه بلغهم توقفنا والغالب أن حديث المتبايعين لم يخف على أهل المدينة مع عموم البلوى به وحيث لا يقدم على الحديث يرجح به أمارة سادسها: أن يعتضد أحدهما بعمل التابعي فهو كالصحابي عندنا لأن إساءة الظن به محال وخصص آخرون الترجيح بالصحابة ولا شك أن العمل الحديث كالعمل بكله حتى يرجح جملة الحديث به

سابعها: أن يعتضد أحدهما بظاهر الكتاب كقوله عليه السلام الحج والعمرة مفروضتان ولا يضرك بأيهما بدأت يعتضد بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ولا شك أن ما جمع الله يقدم على حديثهم حيث رووا أنه قال عليه السلام الحج جهاد والعمرة تطوع وأنكر القاضي هذا الترجيح وقال هو مستند لا من مأخذ الدليل فالحديثان يتعارضان ويبقى الظاهر متمسكا مستقلا وهو المختار لأن الحديث لا أقل من أن يهي بالمعارضة فيتمسك بالظاهر وهو قريب من النص من حيث أنه أمر بهما والأمر للإيجاب ولا معنى لقولهم المعني بالإتمام المضي فيه بعد الخوض وعند بطلان هذا التفسير ينتهض الأمر نصا وعلى الجملة العمل بالظاهر أو بما يطابق الظاهر     
ثامنها: أن يعتضد أحدهما بقياس الأصول كما قدم الشافعي رواية خباب ابن الأرت في صلاة الخوف لما أن قلت فيه الأفعال على رواية ابن عمر قال القاضي للشافعي إن كنت تكذب ابن عمر وأحبار عن القياس أو تتهمه فمحال وليس القياس مناسبا لمأخذ الدليل حتى يقدح فيه وإن قلت الغالب من الرسول الجري على قياس الأصول فيعارضه أن الغالب أن الناقل عن القياس يكون أثبت في الرواية من المستمر عليه ولهذا تقدم شهادة الإبراء على شهادة أصل الدين ثم قال القاضي كل دليل مستقل يرجح به حديث نظر إن كان دونه فهو باطل لا ترجيح فيه فيرد لأنه لا يوهي أحد الحديثين وإن كان فوقه فهو متمسك به لا بطريق الترجيح كنص الكتاب وإن كان مثله فهو كحديث آخر يعضد به أحد الحديثين فيؤل الأمر إلى الترجيح بالعدد فإن قيل فما قولكم في مسألة صلاة الخوف قلنا إذا صحت الروايتان حملناهما على صلاتي الظهر والمغرب لكيلا تتناقض وهو متمكن ثم تقول الأولى ما ترك فيه الفعل المستغنى عنه وإن فرض ازدحام على صلاة واحدة فمقدار التوافق مقبول والباقي مطرح لا يتمسك به 

تاسعها أن يتأكد أحدهما بالاحتياط وأنكر القاضي هذا الترجيح من حيث أن ممكن بسببه ولا يورث ذلك تهمة ولعل الناقل عن الاحتياط أثبت كالمشهور بالسخاوة إذا نقلت عنه حالة مخالفة لها لا نكذب الناقل فيه ثم قال استحباب الاحتياط لا ينكر وإيجابه تحكم لا مستند له

عاشرها: فيما قيل أن يتضمن أحدهما إثباتا والآخر نفيا فهو مقدم على النفي كقوله لا شفعة للجار يؤخر عن قوله للجار الشفعة لو نقل وهذا هذيان فإن كل واحد من الراويتين مثبت وإنما ينقدح هنا فيما إذا نقل أحدهما فعلا والآخر نفاه وأمكن حمله على ذهوله فيفعل ذلك لأنه معرض للغفلات والمثبت أبعد عنه حتى لو تكاذبا وقال النافي كنت أتحفظ وانتهى فلم يفعل ولا ترجيح أصلا هذا ما يجري في النصوص وما يجري في الظواهر أنواع أحدها أن يتعارض عمومان يتطرق إلى كل واحد تأويل يعتضد بقياس وقياس أحد التأويلين أوضح فهذا التأويل مقدم والعمل بالحديث الآخر واختلفوا في أن هذا هل يكون ترجيحا بالقياس قال القاضي لصاحب الشافعي ترجيح النص والظاهر بالقياس وأنا أجوز ترجيح الظاهر دون النص والمختار أن هذا مؤول على حديث مؤول ولكن تبين التأويل بالقياس     
ثانيها: أن يظهر في أحدهما قصد العموم بأمارة من الأمارات كما ذكرنا في كتاب التأويل
ثالثها: أن يرد أحدهما ابتداء دون الآخر على سبب فالمطلق مقدم لأن ما تخيله الصائرون إلى أن الوارد على سبب يخصص به يصلح للترجيح وفيه خلاف      

رابعها: أن يتطرق إلى أحد العمومين تخصيص بالاتفاق فما حمل الصائرين إلى أن الباقي مجمل أو مجاز يصلح للتجريح وفيه خلاف خامسها: أن يكون في أحدهما إيماء إلى التعليل فهو مقدم لأنه يبعد عن التخصيص وهو أحرى ما تثبت به العلل إذ صيغة التعليل من أعم الصيغ

سادسها: فيما قاله الشافعي أن يتمسك المتمسك بأحد الحديثين من جعل لفظه علة حكم المسألة دون الخصم الآخر كما روي أن بريرة أعتقت تحت عبد يمكن أن يجعل علة عندنا ونقل أنها أعتقت تحت حر ولا يمكن أن يجعل ذلك علة فإن الخيار لا يختص بالحر بالإجماع وهذا ترجيح فاسد فإن مثاره انفراد الخصم بمذهبه ولا يرجح الحديث بالمذاهب   
 وختم الباب بما ذكره بعض الناس من أن العمومين قد يتسلط كل واحد على تخصيص الآخر دليل وهذا كقوله تعالى اقتلوا المشركين فإنه يخصص قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد بأهل الكتاب وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية لقوله تعالى اقتلوا المشركين بأهل الحرب افتقار إلى دليل آخر وكذا قوله : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " يخصصه بغير أهل الذمة قوله عليه السلام خذ من كل حالم دينارا وبتخصص هذا الحديث بأهل الكتاب بالحديث الأول وهذا فاسد فإن التخصيص بأهل الكتاب إن ظهر فيه دليل فهو مستند التخصيص وإلا فهو تحكم وليس لأحد الخصمين أن يكتفي بعمومه الذي تمسك به دليلا على تخصيص عموم صاحبه إذا أنكر هو أصل التخصيص لأنه لا يسلم عن المعارضة بمثله الباب الثاني في ترجيح بعض الأقيسة المتعارضة على بعض ومما لا بد من تقديمه على الخوض في ترجيح المقاييس فصل ذكره القاضي في ترتيب النظر في قواعد الأقيسة فقال النظر فيها ينقسم إلى ما لا يتفاوت في نفسه والمتفاوت وعني بالمتفاوت ما يتفاوت فيه نظر النظار وتتعارض فيه الخواطر قال والنظر الذي لا يتفاوت ينقسم إلى ما يقع في مرتبة البديهي كعلمنا أن المخنق والقاتل بالمثقل عامد للقتل ومن أضمر خلافه يسفه في عقله وإلى ما يقع في مرتبة النظري كعلمنا بوجوب القصاص عليه فإن من علم مقصود الشارع من القصاص في الحقن والعصمة استبان بأدنى نظر على القطع إيجاب القصاص ولا ينبغي أن يتمارى فيه وكذلك علمنا الرادعة عن الفواحش شرعت زجرا عنها وإذا تجمعت أسبابها من ارتكاب الفاحشة مع تمحض التحريم ومسيس الحاجة إلى الزجر فلا بد منه كعلمنا بأن الشهود إذا شهدوا على الزنا فلا يسقط الحد بقول المشهود عليه صدقوا كما قاله أبو حنيفة وكعلمنا بأن الحد لا يتعلق إلا بفاحشة ولكن الشارع تولى بيانه فإنا لا ندركه بأفهامنا وقد خصصها بتغييب الحشفة واستثنى مقدماتها من معانقة وتقبيل وممازحة منها وعلمنا بأن أقل مراتب أن فالوطء بالشبهة لا يوجب الحد وإشارته إلى الذي صادف امرأة على فراشه ظنها حليلته القديمة قال فهذه جهة لا يتفاوت فيها نظر العقلاء ولا اكتراث بمخالفة أبي حنيفة فيها فإني أقطع بخطئه في تسعة أعشار مذهبه الذي خالف فيه خصومه فإنه أتى فيها من الزلل في قواعد أصولية يترقى القول فيها عن مظان الظنون كتقديم القياس على الخبر ورجوعه إلى الاستحسان الذي لا مستند له وزعم أن الزيادة على النص نسخ في مسائل ذكرناها وتمسكه بمسائل شاذة في خرم القواعد فليس الكلام معه فيها في مظنة النظر في المظنونات والعشر الباقي يستوي فيه قدمه وقدم خصومه ولعلهم يرجحون عليه فيه فأما ما يتفاوت النظر فيه كإلحاق الأيدي بالأنفس في الاستيفاء   بحكم القصاص من حيث إن قطع الأطراف يتوقع منها السراية ففيه زاجر وذلك لا يتحقق في النفس إلا أن هذا يعارضه ما ذكره الشافعي رضي الله عنه من أن الغرض من القصاص الزجر والأطراف معصومة عصمة النفوس فقضية المصلحة فيه تنزيلها منزلته نعم لم يطرد الشافعي رضي الله عنه هذه المصلحة فيما إذا قطع أحدهما من جانب والآخر من جانب من حيث لم ير استفتاح المصالح ابتداء ورأى هذه المصلحة ثابتة ثم الاشتراك في النفس فألحق الطرف به ثم تحقق الاشتراك ومما يظهر التفاوت إيجاب الشافعي القصاص على الشهود ولم يصدر منهم إلا كلمة ولو قال ذلك مما يتسبب به إلى القتل كالإكراه فيعارضه أن التزوير من العدول مما لا يغلب والقصاص مبناه على الدرء وأبعد منه قوله يجب الحد على المرأة بلعان الزوج مع أن اللعان حجة ضرورية وليست بينة يثبت بها الزنا على الإطلاق ولو قال زنا المخدرات لا يطلع عليه إلا الأزواج فلا بد من تمهيد طريق إثباته يعارضه أن الزوج قد يريبه من أمر المرأة شيء فيغتاظ عليها فيسعى في دمها والعقوبات على الدرء مبناها حقن الدماء كي يكون ذلك وازعا للفساق والغرض من الدرء حقن دم الجاني فإنه معصوم وحقن دمه ناجز والعصمة المبتغاة من الاستيفاء متوقعة فإنا لا نرد المقتول إلى الأحياء ولكن يتوقى وقوع مثله فإذا الحقن والدرء غلب السقوط والمقصود منه الحقن أيضا إلا أن المستفاد حقن ناجز فإذا اعتضد بمؤكد كان مراعاته أولى من عصمة متوقعة فهذه مقدمة لم نجد بدا من ذكرها ليستمد الناظر منها في مسالك الترجيح في القياس وليعلم أن القياس على مراتب وأقواها أن سميناها قياسا إلحاق الشيء بما في معناه ولا ترجيح فيه فإنه مقطوع به وأثر الترجيح يعود إلى النص المقطوع به ودونه المخيل ويقل فيه التعارض وإن اتفق   ويكثر التعارض في الأشباه وعندها يحتاج إلى الترجيح ومعظم المسائل مع أبي حنيفة قطعي فيما يتعلق بالأصول وما فيها يعود إلى تمسكنا بقاعدة وتمسكهم بقاعدة شاذة وذلك أيضا محكوم ببطلانه فينبغي ما يذكر من فنون الترجيح أنواع     
أحدها: أن يعارض قياس مستنبط من نص كتاب ما في معنى لحديث آحاد قال قائلون إن سميناه قياسا رجحنا عليه فإن مستند هذا مقطوع والمختار أنه لا يرجح لأن تسميته قياسا يرجع إلى لقب وهو مقطوع به كالمنصوص وأخبار الآحاد تقدم على قياس مستنبط من القرآن    
 ثانيها: أن يعارض قياس عام تشهد له القواعد قياسا هو أخص منه بالمسألة فالأخص مقدم فيما قاله القاضي لأنا دفعنا إلى البحث عن هذه المسألة فالنظر إلى القواعد إضراب عن مقصوده فلينظر إليه ومثاله توجيه قولنا لا تتحمل العاقلة قيمة عبد لأن الجاني أولى بجنايته ويعتضد بسائر الغرامات ويعارضه قياس أخص منه وهو أن الغالب على العبد الذمية بدليل الكفارة والقصاص وضرب العقل سببه مسيس حاجة القن إلى معاطاة الأسلحة واتفاق هفوات وثقل الأروش على الجناة وهذا فاسد فإن ضرب العقل مستنثى من القياس وهذه الحكمة لا تعويل عليه والأصل أنه لا يضرب عليها إلا في محل القطع أو فيما هو مقطوع به وإنما المثل القريب قول أبي حنيفة رحمه الله لا يضرب القليل على العاقلة واعتضاده بهذا الأصل ونحن نحلق القليل بالكثير هو أخص إذ ثبت أن العقل يجري في الأجزاء والأروش وثبت بطلان معنى الإجحاف إذ المتوسط يعقل الغني ويتحمل عنه فصار القليل في معنى الكثير ويعتضد بما روى أنه عليه السلام ضرب العقل على العاقلة وهو اسم جنس يتناول الكل كما يتناول اسم الحمام الفروخ وإن كانت الحمامة لا تتناوله فهذا مقدم على قياس أبي حنيفة ولكن شرط جريان الترجيح أن يسلم المستدل بالقياس الخاص لخصمه قياسا عاما فإن نسبه إلى الإضراب عن القاعدة الثابتة في الشريعة فهو باطل وكذلك إن لم يسلم المستدل بالقياس العام خصوص هذا القياس ثم قال القاضي هذا شبه قوي مقدم على المخيل فكأنا نشبه القليل بالكثير وهذا كما تقول جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته تشبيها لإحدى النسبين بالأخرى وإن كان القياس المخيل في المالية يقتضي اتباع النقصان ولهذا وجبت قيمته بالغة ما بلغت وكما تشبه الزبيب بالتمر والأرز بالبر ويتنبه للمقصود الأخص في المنصوص وهو الطعم ليشبه به غيره فيعمل عمل العلة وإن لم يكن مخيلا فيقدم على مخيل يعارضه فإن قيل القوت أخص قلنا قال القاضي الجمع بينهما ممكن فيفعل ذلك إذ لا مانع     
ثالثها: أن يكون للقياس العام التفات على خصوص الحكم وهو معتضد بالقواعد فهو مقدم     كقياسهم المرض على الإحصار في جواز التحلل ولكن منعه أولى إن كان تمسكا بعموم حكم الحج في اللزوم لأنه يجد أصلا من الضلال والنسيان وغيره فليس إعراضا عن خصوص حكمه كما ذكرناه في إلحاق القليل بسائر الغرامات فإنه إضراب عن خصوص هذه القاعدة
 رابعها: إذا انعكست إحدى العلتين فهو مقدم لأن ما حمل بعض الناس على المصير إلى كونه شرطا يصلح للترجيح وقد بينا أن العكس من طباع العلة فانعكاسه يزيد وضوحا في جوهره ومنع القاضي الترجيح به وزعم أن العكس نفي حكم في مسألة أخرى فيتوقف فيه إلى ورود الدليل ولا أثر للعكس ثم مزيد الإخالة مقدم على العكس بالإجماع     
خامسها: تقدم المتعدية على القاصرة بزعم الأستاذ أبي منصور والقاضي لأنه أغزر فائدة ولأن الصحابة كانوا يتمسكون بالمتعدية دون القاصرة إذ لا فائدة فيها وقال الأستاذ أبو إسحاق القاصرة مقدمة لأنها معتضدة بالنص فيقال له الحكم هو المعتضد دون العلة والمختار أنهما إن تواردا على حكم واحد يجمع بينهما ولا ترجيح وإن تناقضا فلا يلتقيان نعم يكفي طرد المتعدية عكس القاصرة ولا يقاوم العكس الطرد أصلا وإن فرض ازدحام على حكم مع تقدير الاتفاق على اتحاد العلة فالمتعدية أولى لما ذكره القاضي   
سادسها: أن يكون فروع أحدهما أكثر من الآخر فيرجح به كما قال الأستاذ أبو منصور وهو مزيف لأن تقديم المتعدية على القاصرة تلقيناه من مسلك الصحابة ولم يظهر ذلك ثم كثرة الفروع
سابعها: أن يتحد وصف إحدى العلتين ويتعدد وصف الآخر فالمتحد وصفه قالوا يرجح لأن فروعه أكثر والاجتهاد فيه أقصر فيبعد عن الخطأ وهذا فاسد لأن كثرة الفروع لا تتلقى من الاتحاد فإن التعدية متحدة وقد قصرت وقصر الاجتهاد وطوله خوف وترجي ولا يؤخذ الترجيح من هذا المأخذ      

ثامنها: أن ما كان فروعه أكثر يقدم عليه ما كان شواهده أكثر فيما قاله الأستاذ أبو منصور كقولنا في تعليل وجوب الكفارة بالوطء في رمضان إيلاج فرج في فرج ويشهد له اختصاص بالوطء بمن أتى في الحج وغيره به وهم يقولون هتك حرمة الصوم بمقصود الجنس وقد كثر فروعه وهذا فاسد فإن قولنا إيلاج فرج في فرج طرد لا تخييل ومعتمد الشافعي تشبيه الصوم بالحج في أن ما أشتمل على مخطورات الوطء من جملتها كان الوطء مزيد تغليظ كالحج وما ذكروه منقوض عليهم بمناقضات لهم في تلك المسألة تاسعها أن ما كثر أصوله قالوا يرجح وشرطه أن لا تتحد الرابطة فإن اتحدت كقولنا كل ما جاز بيعه جاز رهنه وقسنا على الدار والفرس والعبد فليس هذا من كثرة الأصول نعم إن شهدت أصول متباينة بمسالك متغايرة فيرجح ولا خفاء بسببه فإنه علتان في معارضة علة واحدة عاشرها: كثرة الشواهد ثم عدم الجامع الفقهي مثاله قول أحمد يمسح على يباع كالخف فنقول لا يمسح على ساترة كسائر الأعضاء وكثرة الشواهد مع اليأس عن المعنى يرجح به الحادي عشر: تقدم ما يقتضي الاحتياط فيما وضعه على الاحتياط كالابضاع والدماء فأما حل الصيود فلا فإن الأصل فيها الإباحة وإن كان الورع فيها الاحتياط الثاني عشر: تقديم العلة الناقلة على العلة المستصحبة كما يقدم الراوي الناقل على المستصحب وهذا فاسد فإنا نظن أن الناقل أثبت في الرواية من المستصحب ولا نتهمه في العلة فلتقدم المستصحبة ثم يحتمل أن يقضي بالتعارض ويتمسك بالاستصحاب استقلالا ويحتمل أن يقال هو ساقط في معارضته القياس فلا يصلح إلا للترجيح

 الثالث عشر: اعتضاد أحدهما بظاهر يترجح به أو يعمل به استقلالا وفيه احتمال كما في الاستصحاب      

الرابع عشر النافية والمثبتة وقد اختلف الناس فيهما على التناقض وعندنا أن لا ترجيح بهما وإنما ينقدح الترجيح بالإثبات في الروايات

الخامس عشر: أن تنطبق صيغة التعليل على ظاهر القرآن كقولنا لا تقبل شهادة الكافر لأنه محمود ويشهد له قوله تعالى أولئك هم الفاسقون وقوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا وهذا الترجيح فاسد لأنه يسمى فاسقا لخروجه من الدين يقال فسقت الرطبة ولكن خصص بالكافر كما يخصص الملحد بالكافر والحنيف بالمسلم وكل واحد منهما بمعنى الميل
السادس عشر: أن يعتضد أحدهما بمذهب واحد من الصحابة فيرجح لأن مذهبه إن لم يجعل حجة على الاستقلال فيرجح به والمعتضد بمذهب زيد في الفرائض يرجح على ما يعتضد بقول معاذ ابن جبل وإن قال عليه السلام أعرفكم بالحلال والحرام معاذ لأن شهادته عليه السلام لزيد في الفرائض على الخصوص حيث قال عليه السلام أفرضكم زيد ويقدم أيضا على مذهب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وإن قال فيهما اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر لأن ذلك يمكن حمله على الخلافة والسيرة المرضية وهذا في الشهادة أخص منه والله أعلم

كتاب الاجتهاد والكلام فيه في أربعة فصول الفصل الأول في أن كل مجتهد في الأصول لا يصيب

     وأجمع العقلاء عليه سوى أبي الحسين العنبري حيث صوب كل مجتهد في العقليات ولا يظن به طرد ذلك في قدم العالم ونفي النبوات ولعله أراده في خلق الأفعال وخلق القرآن وأمثالهما إذ المسلم لا يكلف الخوض فيه لعلمنا بأن العقول لا تحتمل كل غامض عقلي والصحابة كانوا لا يأمرون الناس به فإذا خاض متبرعا فلا ليث بما يعتقد لأن عقله لا يحتمل سواه وهذا مع فاسد فإن اعتقاد الإصابة المحققة على التناقض محال إذ من ضرورة أحدهما أن يكون جهلا وهو كاعتقاد اللون الواحد سوادا وبياضا وإن عنى به نفي التأثيم معللا بقصور عقل فليطرد في النصارى واليهود كيف والصحابة كانوا يشددون القول على كل مكترث بقصور عقله ثم العقول إذا نقضت عن العقليات وألفت التقليدات تقاربت وأدركت المعقولات نعم لا يجب الخوض في دركها ويكفي التقليد عندنا ولكن إذا خاض فيه فهو مأمور بالإصابة 

الفصل الثاني في المجتهدين في المظنونات

    وقد ذهب الشافعي والأستاذ أبو اسحق وجماعة من الفقهاء إلى أن المصيب واحد وله أجران وللمخطئ أجر واحد وغلا غالون وأثموا المخطئ وصار أبو الحسن في طبقة المتكلمين إلى أن كل واحد منهما مصيب والغلاة منهم اثبتوا التخيير ونفوا مطلوبا معينا وقالوا لا فائدة في اجتهاد ولا في رحمة معين لتقدمه في المرتبة ولكنه يتخير إذ ما من حكم إلى ويجوز أن يغلب على الظن والمتقصدون أوجبوا الاجتهاد والعمل بما يغلب على الظن وعزى القاضي مذهبه إلى الشافعي رضي الله عنه وقال لولاه لكنت لا أعده من أحزاب الأصوليين تمسك من صار إلى أن المصيب واحد بمسلكين:     
أحدهما: أن الحل يناقض الرحمة والسفك يضاد الحقن فيستحيل جمعهما وهو سفسطة من هذا الوجه ولكنهم يقولون ذلك لا يتناقض في حق شخصين كالميتة تحل للمضطر وتحرم على غيره وكل مجتهد مصيب في حق نفسه وإن فرض في حق مقلد فيستفتي الأفضل وإن تساووا انعكس الإشكال عليهم أيضا     
المسلك الثاني أن التحريم لا بد له من مسلك في الظن ويستحيل تعارض المسلكين على التناقض يفضي أحدهما إلى التحريم والآخر إلى التحليل على التناقض وهذا فاسد فإنهم ينفون مطلوبا معينا فضلا من إثبات مسلك يدل عليه ولو فرضت مفتية تحت مفت قالوا على المرأة الامتناع إذا رأت التحريم وعلى الزوج مد اليد وكل يأخذ باجتهاده ولا يستبعد هذا التناقض فإنه ينعكس على من يقول المصيب واحد فإنه لا يعنيه ولو وجب على كل واحد أن يعمل باجتهاده تمسك القاضي بأن قال يجب قطعا على كل مجتهد العمل باجتهاده شرعا والوجوب بأمر الله وما وجب بإيجاب الله فهو حق فهو المعني بكون كل واحد مصيبا للحق في حق نفسه وإن قيل لم ينه الاجتهاد نهايته قلنا إذا غلب على ظنه ولم يبق له مضطرب في اعتقاده فتكليفه أمرا وراءه تكليف مالا يطاق فإنه أدى ما كلف ولم يكلف الاستفادة غلبة الظن وقد استفاده والمختار عندنا أن كل مجتهد مصيب في عمله قطعا فإنه وجب بإيجاب الله ولا معنى للقضاء بإصابة كل واحد على معنى نفي مطلوب معين في علم الله من تحريم أو تحليل إذ لو قيل به لما تصور الطلب في حق كل مجتهد يقدم على اجتهاد إذ يعتقد في علم الله حكما هو مطلوبه من كتاب أو سنة أو إجماع فإن لم يجد فما هو إلا شبه بأصول الشريعة وإذا لم يتخيل ذلك لم يتصور طلبه وهو ليث يطلب زيدا في الدار ولا يتعين في خياله

احد التقديرين على البدل ويتبين هذا بمثال وهو أن المجتهد في القبلة ينبغي أن يعتقد تعين القبلة في إحدى الجهات وكونه مأمورا بطلبها بغلبة الظن ولو لم يتخيل ذلك كان كمن يطلب جهة من أربع جهات ولا تميز لبعضها على بعض فلا يكون له مطلوب معين ولا يتصور له طلب فعلى هذا نقول إذ فرضنا واقعة لو انتهى الاجتهاد فيها نهايته انتهى إلى التحريم المحقق فانتهى المجتهد إلى الكراهية مثلا وجب العمل به وله أجر واحد ولو اتفق عثور على منتهى التحريم لكان مصيبا ما هو شوف الطالبين وهو غاية التحريم فقد تبين أنهما مصيبان في العمل واحدهما مخطئ في الوصول إلى ما هو شوف الطالبين لا بعينه وقد يقول القاضي ليس لله تعالى في الوقائع المظنونة حكم معين عام على جميع الخلائق إذ الحكم توجيه الخطاب ويستحيل توجيه الخطاب على التعيين مع انشعاب مسالك الظنون ولو كان معنيا لدلت عليه أمارة ولو دلت الأمارة لعلمت وانقلب مقطوعا به سديد فإن لله تعالى في كل واقعة حكما حق المجتهد أن يتشوف إليه وعليه أمارات تورث غلبة الظن وللظنون في العقول مسالك كما للعلوم فهو كطالب القبلة بظنه إن أصاب جهة القبلة فله أجران وإن بنى على غلبة الظن ولم يصب فله أجر واحد الفصل الثالث فيما هو مطلوب المجتهد إذا عينا مطلوبا

    قالوا والمطلوب هو الاشبه وعبر معبرون عن الاشبه بأنه ما يظهر للفقيه في مجاري ظنه وهذا لا ضبط له فإن ذلك قد يتعارض وقال آخرون هو ما لو ورد به نص لطائفة وهذا حكم على الغيب وان ذكره ابن سريح من أصحابنا وقال آخرون هو الاشبه بالأصلين الذين تردد الواقعة بينهما من نفي أو إثبات وهو شوف الطالب من ظفر به فقد أصاب ومن لا فقد أخطأ وان أصاب في العمل 

الفصل الرابع فيما إذا اخطأ المجتهد نصا

     والمصوبة اضطربوا فمنهم من طرد التصويب تعويلا على وجوب العمل عليه وفيه إصابة الحق ومنهم من خطأه وغلا غالون حتى أثموه وقال القاضي لا يؤثم لأنه لم يتعمد ولكنه يحتمل أن يقال أخطأ من حيث إن المطلوب قد تعين ومنشأ التصويب نفي المطلوب والنص هو المطلوب هنا ثم قال يمكن أن يقال هو مصيب لأنه وجب عليه العمل وقد أدى ما كلف وحكم النص متعين في حق من عثر عليه والأحكام تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كما في تحريم الميتة لم يبق إلا أن يقال اخطأ النص فأقول نعم ولكن هذا لفظ لا خير فيه فإنه لم يجب عليه الوصول إليه إذ فيه تكليف وشطط بعد أن استفرغ كنه مجهوده وهو كالمتيمم يقال لم تتوضأ فيقال نعم ولكن لم يجب عليه ذلك والمختار أن المجتهد مصيب في علمه مخطئ في التشوف المطلوب وكذا نقول إذا لم يكن نص فلا فرق عندنا ولكن إذا عثر على النص فقد نقول يجب تدارك الفائت لأن الخطأ صار متيقنا أما إذا لم يكن في المسألة نص فلا يستقين الخطأ وهي مسألة فقهية إذ القضاء يجب بأمر مجدد عندنا نعم المجتهد في القبلة إذا تبين الخطأ والوقت باق هل تجب عليه الإعادة للشافعي رضي الله عنه فيه تردد ومثاره أن المقصود من المكلف استقبال عين القبلة مقصودا أم لا فان قلنا انه مقصود فيمكن أن يقال يجب لان المقصود قد فات والاجتهاد وسيلة لم يفض إلى المقصود فلا يغني ولعل الظاهر أن القبلة ليست مقصودة في عينها فان تكليف المصلي ذلك في جهالاته وعماياته محال ولهذا قضى بسقوط الإعادة في الأظهر وأما العثور على النص فمقصود الشارع قطعا وإنما فرضنا الكلام في الوقت لئلا يتورط في افتقار القضاء إلى أمر مجدد وعلى الجملة الفرق بين القبلة والنص عسير
     وختم الكتاب بالرد على أبي حنيفة رحمه الله حيث قال كل مجتهد مصيب في اجتهاده فان قيد بالاجتهاد وأراد به انه مخطئ في علمه فهذا زلل لما ذكرناه وان أراد به انه أصاب ما هو شوف الطالب فكذلك وان عني به انه أدى ما كلف فهو مساعد عليه والله اعلم بالصواب












كتاب الفتوى وفيه بابان أحدهما في الاجتهاد وأحكامه والثاني في أحكام المقلد الباب الأول في الاجتهاد وفيه أربعة فصول الفصل الأول في صفات المجتهدين

   فليعلم أولا أن الفتوى ركن عظيم في الشريعة لا ينكره منكر وعليه عول الصحابة بعد أن استأثر الله برسوله وتابعهم عليه التابعون إلى بكذا هذا ولا يستقل به كل أحد ولكن لا بد من أوصاف وشرائط ولنا في ضبطها مسالك:     
المسلك الأول: على الإجمال أن نقول المفتي هو المستقل بأحكام الشرع نصا واستنباطا واشرنا بالنص إلى الكتاب والسنة وجيب إلى الاقيسة والمعاني     
المسلك الثاني: أن نفصل الشرائط فنقول لا بد من العقل والبلوغ إذ الصبي لا يقبل قوله وروايته والرق لا يقدح وكذا الأنوثة ولا بد من الورع فلا يصدق الفاسق ولا يجوز التعويل على قوله ولا بد من علم اللغة فإن مآخذ الشرع ألفاظ عربية وينبغي أن يستقل بفهم كلام العرب ولا يكفيه الرجوع إلى الكتب فإنها لا تدل إلا على معاني الألفاظ فأما العاني المفهومة من سياقها وترتيبها لا تفهم إلا يستقل بها والتعمق في غرائب اللغة لا يشترط ولا بد من علم النحو فمنه يثور معظم إشكالات القران ولا بد من علم الأحاديث المتعلقة بالأحكام ومعرفة محمود والمنسوخ وعلم التواريخ ليتبن المتقدم عن المتأخر والعلم بالسقيم والصحيح من الأحاديث وسير الصحابة ومذاهب ألائمة لكيلا يخرق إجماعا ولا بد من أصول الفقه فلا استقلال للنظر دونه وفقه النفس لا بد منه وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب ولا بد من معرفة أحكام الشرع

المسلك الثالث: وهو المختار وهو الحاوي لجملة هذه التفاصيل أن يكون على صفة يسهل عليه درك أحكام الشريعة بعد الورع والبلوغ ليقبل قوله ولا يتمكن منه إلا بجملة ما فصلناه نعم لا نؤاخذه بحفظ الإحكام فإن أئمة الأحاديث بوبوا أحاديث الإحكام وميزوا الصحيح عن الفاسد والتعويل فيه على الكتب جائز كما ذكرناه في كتاب الأخبار فليراجع إذا مست الحاجة إليه الفصل الثاني في كيفية سرد الاجتهاد ومراعاة تربيته

   قال الشافعي رضي الله عنه إذا رفعت إليه واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فان أعوزه فعلى الأخبار المتواترة فان اعوزة فعلى الآحاد فان أعوزه لم يخص في القياس بل يلتفت إلى ظاهر القرآن فان وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس وخبر فان لم يجد مخصصا حكم به وان لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى إذنه فان وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع وان لم يجد إجماعا خاض في القياس ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل يقدم قاعدة الردع على مراعاة الاله فان عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع فان وجدها في معنى واحد الحق به وألا انحدر إلى قياس مخيل فان أعوزه تمسك بالشبه ولا يعول على طرد إن كان يؤمن بالله العزيز ويعرف مآخذ الشرع هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي رضي الله عنه ولقد أخر الإجماع عن الأخبار وذاك تأخير مرتبة لا تأخير عمل إذ العمل به مقدم ولكن الخبر يتقدم في المرتبة عليه فان مستنده قبول الإجماع

الفصل الثالث في أن رسول الله  كان يجتهد

   قال قائلون كان لا يجتهد لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى وقال آخرون كان عليه السلام يجتهد إذ لم يكن ينتظر الوحي في كل واقعة ترفع إلى مجلسه والمختار إنا لا نظن به استبدادا بالاجتهاد ولا يبعد أن يوحي إليه ويسوغ له الاجتهاد فهذا حكم العقل جوازا وأما وقوعا فالغالب على الظن انه كان لا يجتهد في القواعد وكان يجتهد في الفروع كما روي انه عليه السلام قال أرأيت لو تمضمضت فان قيل وهل اجتهد الصحابة في حال حياته قط قلنا انقسم الناس فيه على تناقض ولعل الظاهر أنهم كانوا لا يجتهدون بحضرته والقرب من منزله ومن كان يبعد منه بفرسخ علمناك كان يجتهد وحديث معاذ نص في الباب

الفصل الرابع في التخصيص على مشاهير المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم

     ولا خفاء بأمر الخلفاء الراشدين إذ لا يصلح للإمامة إلا مفتي وكذا كل من أفتى في زمانهم كالعبادلة وزيد بن ثابت ومعاوية قلده الشافعي في مسألة وأصحاب الشورى قيل أنهم كانوا مفتين لان عمر  أجمل الأمر فيما بينهم فدل على صلاح كل واحد له قال القاضي وهذا فيه نظر إذ ما من واحد إلا وشبب عمر فيه بشيء لما أن عرض عليه فقال في طلحة صاحب ختروانة واستكبار وفي الزبير صاحب المد والصاع وفي سعد إنه صاحب مقنب وفي علي إنه صاحب دعابة وفي عثمان إنه كلف بأقاربه فلا يتلقى حكم اجتهادهم من هذه المآخذ وأبو هريرة لم يكن مفتيا فيما قاله القاضي وكان من الرواة والضابط عندنا فيه أن كل من علمنا قطعا أنه تصدى للفتوى في أعصارهم ولم يمنع عنه فهو من المجتهدين ومن لم يتصد له قطعا فلا ومن ترددنا في ذلك في حقه ترددنا في صفته وقد انقسمت الصحابة إلى متنسكين لا يعتنون بالعلم وإلى معتنين به فأصحاب العمل منهم لم يكن لهم مرتبة الفتوى والذين علموا وأفتوا فهم المفتون ولا مطمع في عد أحادهم بعد ذكر الضابط وهو الضابط أيضا في التابعين وللشافعي في الحسن البصري كلام وأما مالك فكان من المجتهدين نعم له زلل في الاسترسال على المصالح وتقديم عمل علماء المدينة وله وجه كما ذكرناه من قبل وأما أبو حنيفة فلم يكن مجتهدا لأنه كان لا يعرف اللغة وعليه يدل قوله ولو رماه بأبو قبيس وكان لا يعرف الأحاديث ولهذا ضري بقبول الأحاديث الضعيفة ورد الصحيح منها ولم يكن فقيه النفس بل كان يتكايس لا في محله على مناقضة مآخذ الأصول ويتبين ذلك باستثمار مذاهبه فيما سنعقد فيه بابا في آخر الكتاب الله أعلم



الباب الثاني في أحكام التقليد وهو ثمانية فصول الفصل الأول في حقيقة التقليد

    قال قائلون إنه قبول قول بلا حجة فعلى هذا قبول قول رسول الله  ليس بتقليد فإنه حجة وكذا قول الصحابي إن رأيناه حجة وقال آخرون هو قبول قول من لا يدري من أين يقول فعلى هذا قبول قول الكل رحمة سوى قول رسول الله  على قولنا إنه لا يجتهد وقال القاضي لا معنى للتقليد ويجب على العامي قبول قول المفتي وعلينا قبول قول رسول الله  وقول الصحابي إن رأيناه حجة في حق من يجب قبوله والمختار عندنا أن جملة أصحاب الملل لم يتحصلوا من أعمالهم وعقائدهم إلا على رحمة خلاف ما قاله القاضي فمن صدق رسول الله  فهو مقلد إذ لا يدرك صدقه ضرورة وكيف يعلم صدقه ولا يعلم بقوله وجود مرسله نعم لو ترتب الناظر وافتتح أولا نظره في حدوث العالم وإثبات الصانع وانحدر إلى إثبات النبوات وتصديق النبي فهو عارف وليس بمقلد ويندر من يوفق له ومعظم الناس تلتزم الشرع من نفس الشرع فهي مقلدة الشرع ولكن يراعى وضوء الشرع في الإطلاق فيسمى قوله عليه السلام حجة ويسمى اتباع المجتهد تقليدا وإن كنا نعلم حقيقة الحال على ما ذكرناه

الفصل الثاني في أن الصحابي هل يجب تقليده

     وقد اختلفوا فيه فقال قائلون لا يجب لأنهم لا يعصمون وهذا يبطل بالراوي وتمسكوا أيضا بأنهم كانوا يختلفون ولم يوجب بعضهم على البعض الإتباع والتوافق وهذا ينقضه قول المفتي منا فإنه حجة في حق العامي وإن لم يكن حجة في حق المفتي فلا يبعد تبعيض الأمر أيضا في حقهم وتمسكوا بأنهم سوغوا الخلاف فإيجاب الإتباع رفع لما توافقوا عليه من جواز الخلاف وتمسك الموجبون للتقليد بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وبقوله عليه السلام خير القرون قرني وهو ظاهر محمول على السيرة بدليل قوله عليه السلام اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يتعين اتباعهما من بين سائر الصحابة وقد قال بتعيينهما قائلون والمختار ما خالف القياس من مذاهبهم متبع لأنا لا نظن بهم التحكم فنعلم أنهم استندوا إلى نص وإن وافق القياس فلا ويطرد ذلك في التابعي إذا لم يعرف له مستند باطل ولا يتبع مذهب مالك في خيار المتابعين لعلمنا بفساد مستنده ولا مذهب أبي حنيفة في شهود الزوايا وإن خالف القياس لعلمنا بأنه بناه على الاستحسان الفاسد ولم نتبع ابن مسعود في حطه قيمة العبد عن الحر ولا ابن عباس في تقدير أجره الآبق بأربعين لما ذكرناه في باب الاستحسان والله أعلم

الفصل الثالث في أن المجتهد هل يقلد المجتهد في القبلة وغيرها

     وهو ممنوع ثم الأستاذ والقاضي والشافعي تمسكان من القاضي بأن قول الرسول عليه السلام حجة لدلالة المعجزة على صدقه وقول العالم حجة على المقلد لدليل قاطع ولا قاطع على جواز قبول العالم قول العالم وما لا قاطع في قبوله فهو مقطوع ببطلانه وهذا أصل للقاضي ذكرناه في كتاب الأخبار والقياس ونحن لا نرى ذلك والأستاذ تمسك بأن المجتهد يجب عليه مراعاة ترتيب الأدلة فلا يقدم قياسا على نص والتقليد بالنسبة إلى الاجتهاد فرعه فيقال له هذا تحكم في ترتيب ما لا دليل عليه والمختار أن المسألة في مظنة الاجتهاد ولا قاطع على قبوله ورده وقد اتفقوا على جواز التقليد ثم ضيق الوقت وعسر الوصول إلى الحكم بالاجتهاد والنظر

الفصل الرابع فيما يجب على المقلد أن يرعاه ليستبين كون المفتي مجتهدا

    والمختار يكفيه أن يتعرف عدالته بقول عدلين ويسمع عنه قوله إني مفتي لأن اعتبار تلقفه المشكلات من كل فن وامتحانه به تكليف شطط ويعلم أن أصحاب البوادي من عصر الصحابة كانوا لا يفعلون ذلك وإن ذكره القاضي في التقدير واشتراط تواتر الخبر بكونه مجتهدا كما قاله سديد لأن التواتر يفيد في المحسوسات وهذا ليس من فنه وقال القاضي مرة يكفيه أن يخبره عدلان بأنه مفتي والله أعلم

الفصل الخامس في وجوب رحمة الأفضل

     وقد أوجبه جماعة لأنه أعلم وعلل آخرون بوجوب تقديم الأفضل في الإمامة وذلك مسلم في الإمامة لأن مبناه على المصلحة وهو الأصلح حتى لو عارضته شوكة واتفق عقده للمفضول وكان في منازعته خصام دائم يقضي بانعقاده ولا يجب تقديم الأفضل في الفتوى لعلمنا بأن العبادلة الأربعة كانوا يراجعون في زمن الخلفاء الراشدين

الفصل السادس في ذكر ما يجب على المقلد مراعاته بعد موت مقلده

     وقد قال الفقهاء يقلده وإن مات لأن مذهبه لم يرتفع بموته وأجمع علماء الأصول على أنه لا يفعل ذلك ولو اتبع الآن عامي مذهب أبي بكر معرضا عن سائر إذنه لا يجوز له ذلك فإن الصحابة كانوا لا يعتنون بنخل المسائل وتهذيبها وإنما اعتنى به المتأخرون وكان أعظم شغل الأولين تقعيد القواعد فلا يفي مذهبهم بجملة الوقائع فإن وجد مجتهد عاصره وجب عليه أن يقلده وإن لم يجد قال قائلون يتبع آخر مجتهد مات وهذا فاسد فيتبع أعظمهم نخلا لجميع المسائل وأسدهم طريقا ثم يستبين مذهبه بقول ناقل ورع فقيه النفس هبنا إلى نصوص صاحبه وليس يشترط أن يكون متعمقا في الأصول فإنه لو كان كذلك لكان مجتهدا ولكنه كالمجتهد في نصوص صاحبه كما أن صاحبه مجتهد في نصوص الشارع قال القاضي يجوز له أن يقيس على نصوص غيره فينقل من مذهبه كما يقاس على نص الشارع

الفصل السابع في أنه هل يجب تكرير مراجعة المفتي

     وقد أوجبه قوم لاحتمال تغير الاجتهاد ومنعه الآخرون لأن احتماله كاحتمال النسخ في زمان رسول الله  وكانوا لا يكررون المراجعة والمختار أن المسافة بينهما إن كانت شاسعة والواقعة كانت تكرر في كل يوم كالصلاة والكفارة فلا يراجع قطعا لعلمه بأن المقلدة في زمان رسول الله  كانوا لا يفعلون ذلك وإن كانت الواقعة لا يكثر تكررها فالظاهر أيضا أنه لا يراجع لأنا نستدل بعدم مراجعتهم في تلك الصور مثله في هذه الصورة ثم يخرج على هذا الاختلاف وجوب الإخبار على المفتي إذا تغير اجتهاده

الفصل الثامن

     في المسألة إذا ترددت بين مفتيين على التناقض ولم يمكن الجمع بين قوليهما مثل القصر في حق العاصي بسفره واجب ثم أبي حنيفة والإتمام واجب ثم الشافعي فيجب على المستفتي مراعاة الأفضل وإتباعه وإنما لم نوجب عليه اتباع الأفضل حيث لم يظهر الخلاف لما عهد من الصحابة من مراجعة الكل ونعلم أنهم كانوا يقدمون قول أبي بكر  على قول غيره ثم التناقض ثم الأفقه مقدم على الأورع وإن تساويا من كل وجه قال قائلون يتخير وقال الآخرون يأخذ بالأشد وقال آخرون يأخذ بالأثقل عليه ويراجع نفسه فيه والمختار لا يتبين إلا بتقديم مقدمتين إحداهما أن الشريعة هل يجوز فتورها وقد أجمعوا على تجويز ذلك في شريعة من قبلنا سوى الكعبي بناء على وجوب مراعاة الأصلح على الله وهو ينازع في هذه القاعدة ثم لا يسلم عن دعوى الصلاح في نقيض ما قاله والمختار أن شرعنا كشرع من قبلنا في هذا المعنى وفرق فارقون بأن هذه الشريعة خاتمة الشرائع ولو فترت لبقيت إلى يوم القيامة وهذا فاسد إذ ليس في العقل ما يحيله والذين فترت عليهم الشرائع وقد ماتوا قد قامت قيامتهم إذا لم يلحقهم تدارك نبي آخر وقال رسول الله : " سيأتي عليكم زمان يختلف رجلان في فريضة فلا يجدان من يقسمها بينهما " وقوله تعالى:  إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظونظاهر معرض للتأويل ويمكن تخصيصه بالقرآن دون سائر أحكام الشرع وهذا كلام في الجواز العقلي وأما الوقوع فالغالب على الظن أن القيامة إن قامت عن قرب فلا تفتر الشريعة وان امتدت إلى خمس مائة سنة مثلا لأن الدواعي متوفرة على نقلها في الحال فلا تضعف إلا على تدريج ولو تطاول الزمن فالغالب فتوره إذ الهمم إلى التراجع مصيرة ثم إذا فترت ارتفع التكليف وهي كالأحكام قبل ورود الشرائع وزعم الأستاذ أبو اسحق أنهم يكلفون الرجوع إلى محاسن العقول وهذا لا يليق بمذهبنا فإنا لا نقول بتحسين العقل وتقبيحه المقدمة الثانية في تقدير خلو واقعة عن حكم الله مع بقاء الشريعة على نظامها وقد جوزه القاضي حتى كان يوجبه وقال المآخذ محصورة والوقائع لا نهاية لها فلا تستوفيها مسالك محصورة وهذا قد تكلمنا عليه في الاستدلال من كتاب القياس والمختار عندنا إحالة ذلك وقوعا في الشرع لا جوازا في العقل لعلمنا بأن الصحابة على طول الأعصار ما انحجزوا عن واقعة ما اعتقدوا خلوها عن حكم الله بل كانوا يهجمون عليها هجوم من لا يرى لها حصرا رجعنا إلى المقصود فلا مبالاة بمذهب المخيرة لأن حاصله إباحة وتردد بين الحل والحرمة والإباحة لا بد لها من مستند ولا دليل في الشرع على هذه الإباحة نعم إن كان يتلقاه من تصويب المجتهدين فهذا يلزمه في بدء الأمر ولهذا ارتكبه المصوبة وإما التخيير بينهما فهو إباحة وتكليف الرجوع إلى الاغلظ أو تحكيم العقل في الأثقل تحكم أيضا لا مستند له وربما يثقل عليه مالا يأمر الشرع به ويأمر بنقيضه إذ الصلاة على الحائض أثقل من تركها وكذا الصوم والمختار عندنا أن يتخذ هذه واقعة جديدة فيراجعهما فيقول بأيهما آخذ وربما يومئآن به إلى احدها ويفرض لهم في ذلك مستندات فإن كان في نجاسة فيستندون إلى أصل الطهارة أو إلى اصل الحقن والى نكاح مستمر في الأبضاع ولسنا نضبط مستندهم ولكن فائدة ذلك لا تخفى وان أمره كل واحد بإتباع عقده استفتى ثالثا إن وجده أفضل منهما وان كان مثلهما وفيه تصوير المسألة وطابق أحدهما فهل يقدم قول اثنين على قول واحد هذا ما بناه أصحابنا على أن مذهب أكثر الصحابة هل يقدم على مذهب أقلهم إذا رأيناه حجة والمختار أنه لا يبالي بالكثرة ولكنه يراجعهم فيقول هل أقدم قول اثنين منكم على قول واحد فإن رأوه فذاك وان تعارضت أقاويلهم فيه أيضا فهذا شخص خفي عليه حكم الشريعة كمن هو في جزيرة ولم يبلغه خبر الدعوة فلا شيء عليه فيه فإن قيل هلا تلقيتموه من خلو واقعة عن حكم الله قلنا لانا لا تجوز وقوع ذلك في الشرع كما بيناه فإن قيل فما قولكم في الساقط من سطح على مصروع إن تحول عنه إلى غيره قتله وان مكث عليه قتله فماذا يفعل وقد قضيتم بأن لا حكم لله فيه قلنا حكم الله أن لا حكم فيه فهذا أيضا حكم وهو نفي الحكم هذا ما قاله الإمام رحمه الله فيه ولم أفهمه بعد وقد كررته عليه مرارا ولو جاز أن يقال نفي الحكم حكم لجاز ذلك قبل ورود الشرائع وبعد فتورها وعلى الجملة جعل نفي الحكم حكما تناقض فإنه جمع بين النفي والإثبات إن كان لا يعني به تخيير المكلف بين الفعل وتركه وان عناه فهو إباحة محققة لا مستند له في الشرع هذا تمام ما أردناه من ذكر كتاب الفتوى وختمه بباب في بيان سبب تقديم مذهب الشافعي رضي الله عنه على سائر إذنه ولنا في إثبات الغرض منه بعد التنبيه على مقدمتين ثلاث مسالك:     
المقدمة الأولى: أن العوام والفقهاء وكل من لم يبلغ منصب المجتهدين لا غنى بهم عن رحمة إمام وإتباع قدوة إذ تحكيم العقول القاصرة الذاهلة عن مآخذ الشرع محال وتخير أطيب إذنه وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهب كل ذي مذهب محال لأمرين:
أحدهما: إن ذلك قريب من التمني والتشهي وسيتسع الخرق على الراقع فينسل عن معظم مضايق الشرع بآحاد التوسعات التي اتفقت ألائمة في آحاد القواعد عليها
والآخر: أن اتباع الأفضل متحتم وإذا اعتقد تقدم واحد تعين عليه إتباعه وترك ما عداه وتخير إذنه يجر لا محالة إلى اتباع الفاضل تارة والمفضول أخرى ولا مبالاة بقول من أثبت الخيرة في الإحكام تلقيا من تصويب المجتهدين على ما ذكرنا فساده     
المقدمة الثانية: أن من وجب عليه رحمة إمام لم يتعين عليه رحمة واحد من الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما بل لا يسوغ له ذلك إذ الوقائع شتى وهي لكثرتها لا ضبط لها والمنقول عن هذه ألائمة مذهبا وقائع محصورة لا تفي بجميع الوقائع وذلك يحوج المقلد إلى اتباع إمام آخر فيقلد مجتهدا باحثا ناحلا لأصول الشريعة منبها على فروعها وأما الصحابة لم يكثر بحثهم ولم يطل في الفروع نظرهم وليس هذا منا طعنا فيهم ولا يبشروننا بالطعن فإنهم اشتغلوا بتقعيد القواعد وضبط أركان الشريعة وتأسيس كلياتها ولم يصوروا المسائل تقديرا ولم يبوبوا الأبواب تطويلا وتكثيرا ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها ثم انقلبت الأمور إذ تكررت العصور وتقاصرت الهمم وتبدلت السير والشيم فافتقر ألائمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب معاناة تعب هذه مقدمة الباب      

المسلك الأول: من المسالك الموعودة في تقديم مذهب الشافعي رضي الله عنه على مذهب سائر الناحلين من ألائمة كأبي حنيفة ومالك ومن عداهم أن الشافعي رضي الله عنه تأخر عنهم وتصرف في مذاهبهم بعد أن نظموها ورتبوا صورها وهذبوها وأبو حنيفة نزف جمام ذهنه في تصوير المسائل وتقعيد إذنه فكثر خبطه لذلك وكذلك يقع ابتداء الأمور ولذلك استكنف أبو يوسف ومحمد من إتباعه في ثلثي مذهبه لما رأوا فيه من كثرة الخبط والتخليط والتورط في المناقضات وصرف الشافعي رضي الله عنه ذهنه إلى انتخاب إذنه وتقديم الأظهر فالأظهر وأقدم عليه بقريحة وقادة وفطنة منقادة وعقل ثابت ورأي صائب بعد الاستظهار بعلم الأصول والاستمداد من جملة أركان النظر في المعقول والمنقول فيستبان على القطع انه ابعد عن الزلل والخطأ ممن اشتغل بالتمهيد وتشوش الأمر عليه في روم التأسيس التقعيد وعلى الجملة إذا قدم مذهب أبي حنيفة على مذهب أبي بكر  لتأخره وشدة اعتنائه بالنخل فاعتبار التأخير في نسبة الشافعي رضي الله عنه إلى أبي حنيفة رحمه الله ومن قبله أبين وأوضح فان قيل فلو تبين بعده ناحل فعينوا إتباعه إذ جعلتم للتأخير أثرا ظاهرا قلنا هذا ما نعتقده ولا مداجاة في علم الأصول ثم استثمار مسالك العقول إلا انه بعد لم يتفق من يساويه في منصب الاجتهاد أو يقرب منه فان قيل فما قولكم في ابن سريج ومن بعده كالقفال وغيره من ألائمة قلنا هؤلاء كثرة تصرفاتهم في مذهب الشافعي رضي الله عنه استنباطا وتخريجا رجاء اختياراتهم ثم لم يستمدوا من علم الأصول وكان الشافعي رضي الله عنه أعرف الخليقة به فلا يقدم مذهبهم على مذهبه

المسلك الثاني: أن نقول إنما يؤتى الناظر إذا فسد نظره لأحد أمرين أما اختلال اصل من الأصول أو لإساءة نظر في التفريغ ولا خلل في أصول مذهب الشافعي وقد كان أعرف الناس بعلم الأصول وهو أول من صنف في هذا العلم وقد حافظ على أصول الشريعة كلها فقبل الإجماع ولم يفعل كالنظام إذا أنكره وقبل الأخبار الآحاد ولم يفعل كالروافض إذ ردوها وقبل القياس عدا أصحاب الظواهر وهذه أصول مآخذ الشريعة ثم أحسن نظره في ترتيب الأدلة فقدم النصوص على المقاييس وأخبار الآحاد عليها وقدم معظم الظواهر التي ظهر فيها مقصد العموم وسلك فيها نهجا مستقيما ومسلكا قويما اعترف له كل أصولي بالسبق والفضل ثم أحسن نظره في الفرع وتنبه لأمرين عظيمين أحدهما تقديم القواعد الكلية على الاقيسة الجزئية ولذلك أوجب القتل بالمثقل خيفة انتهاضه ذريعة إلى إهدار الدماء في نفيه إبطال قاعدة القصاص والثاني أن انحجز عن القياس في مظان التعبدات وأثبت فنا من القياس وهو إلحاق ما في معناه له كإلحاق الأمة بالعبد في حكم السراية وعليه بني تعيين لفظة التكبير والمنع من العدول إلى ترجمة الفاتحة ثم العجز لبطلان خاصية الإعجاز ولم يفعل ذلك في التكبير ثم العجز إذ لا إعجاز فيه وعين لفظ التزويج والانكاح في النكاح لكثرة التعبدات والحق بهما ترجمتهما لكل لسان لأنها كانت في معناهما وانضم إلى حسن نظره ذكاء فهمه ونقاء قريحته وما خص به من فطنته التي لا تجحد ولا يتمارى فيها حتى كان يحفظ القرآن في أسبوع والموطأ في ثلاث ليال وسرد جامع محمد بن الحسن بين يدي هارون الرشيد ولسنا للإطناب في نظريته ولا للتنبيه على حسن مذهبه في آحاد المسائل ولكنا أومأنا إلى الكليات بفعلي به بعده عن الزلل فإن قيل ادعيتم انه أجرى القياس في مظانه فما باله حسم القياس في إزالة النجاسة وإخراج القيم في الزكوات وهي من مظان المعقولات قلنا التفت في إزالة النجاسة على سير الصحابة علما منه بأنهم قط على تفنن أحوالهم ما استعملوا مائعا في الإزالة سوى الماء واستنادا منه إلى أن الماء القليل إذا لاقى النجاسة نجس فهو خارج عن القياس من هذا الوجه ومسلكه في مسألة الإبدال ذكرناه في كتاب التأويل وهو ما يرتضيه كل محصل ولسنا للخوص في آحاد المسائل فذاك من الفقه ولسنا ندعي عصمة الشافعي ولكنا نرجح مذهبه لأنه أبعد عن الزلل من غيره      

المسلك الثالث: أن نستثمر مذاهب ألائمة لنتبين تقدم الشافعي على القطع فأما مالك رحمه الله فقد استرسل على المصالح استرسالا جره إلى قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها والى القتل في التعزير والضرب بمجرد التهم إلى غيره مما أومأنا إليه في أثناء الكتاب ورأى أيضا تقديم عمل أهل المدينة على أحاديث الرسول عليه السلام وقد نبهنا عليه وأما أبو حنيفة رحمه الله فقد قلب الشريعة ظهرا لبطن وشوش مسلكها وغير نظامها فإنا نعلم أن جملة ما ينطوي عليه الشرع ينقسم إلى استحثاث على مكارم الأخلاق وزجر عن الفواحش والكبائر وإباحة تغني عن الجرائر وتعين على امتثال الأوامر وهي بمجموعها تنقسم إلى تعبدات ومعاملات وعقوبات فلينظر العاقل المنصف في مسلكه فيها فأما العبادات فأركانها الصلاة والزكاة والصوم والحج ولا يخفى فساد مذهبه في تفاصيل الصلاة والقول في تفاصيله المطلوب وثمرة خبطه بين فيما عاد إليه اقل الصلاة عنده وإذا عرض اقل صلاته على كل عامي جلف كاع وامتنع عن إتباعه فإن من انغمس في مستنقع نبيذ فخرج في جلد كلب مدبوغ ولم ينو ويحرم بالصلاة مبدلا صيغة التكبير بترجمته تركيا أو هنديا ويقتصر من قراءة القرآن على ترجمة قوله تعالى مدهامتان ثم يترك الركوع وينقر نقرتين ولا قعود بينهما ولا يقرأ التشهد ثم يحدث عمدا في آخر صلاته بدل التسليم ولو انفلتت منه بأنه سبقه الحدث يعيد الوضوء في أثناء صلاته ويحدث بعده عمدا فإنه لم يكن قاصدا في حدثه الأول تحلل عن صلاته على الصحة والذي ينبغي أن يقطع به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة لا يبعث الله لها نبيا وما بعث محمد بن عبد الله  لدعاء الناس إليها وهي قطب الإسلام وعماد الدين وقد زعم أن هذا القدر أقل الواجب فهي الصلاة التي بعث لها النبي وما عداها آداب وسنن وأما الصوم فقد استأصل ركنه حيث رده إلى نصفه ولم يشترط تقدم النية عليه وإما الزكاة فقد قضي فيها بأنها على التراخي فيجوز التأخير وان كانت الحاجة ماسة وأعين المساكين ممتدة ثم قال لو مات قبل أدائها تسقط بموته وكان قد جاز له التأخير وهل هذا إلا إبطال غرض الشرع من مراعاة غرض المساكين ثم عكس هذا في الحج الذي لا ترتبط به حاجة مسلم وزعم انه على الفور فهذا صنيعه في العبادات فأما العقوبات فقد أبطل مقاصدها وخرم أصولها وقواعدها فإن ما رام الشرع عصمته الدماء والفروج والأموال وقد هدم قاعدة القصاص بالقتل بالمثقل فمهد التخنيق والتغريق والقتل بأنواع المثقلات ذريعة إلى درء القصاص ثم زاد عليه حتى ناكر الحس والبديهة وقال لم يقصد قتله وهو شبه عمد وليت شعري كيف يجد العاقل من نفسه أن يعتقد مثل ذلك تقليدا لولا فرط الغباوة وشدة الخذلان وإما الفروج فإنه مهد ذرائع إسقاط الحد بها مثل الإجارة ونكاح الأمهات وزعم أنها دارئة للحد ومن يبغي البغاء بمومسة كيف يعجز عن استئجارها ومن عذيرنا ممن يفعل ذلك ثم يدقق نظره فيوجب الحد في مسألة شهود الزوايا زاعما أني تفطنت لدقيقة وهي انزحافهم في زينة واحدة على الزوايا ثم قال لو شهد أربعة عدول عليه بالزنا وأقر مرة واحدة سقط الحد عنه وأوجب الحد في الوطء بالشبهة إذا صادف أجنبية على فراشه ظنها حليلته القديمة وأقل مراتب موجبات العقوبات ما تمحض تحريمها والذاهل المخطئ لا يوصف فعله بالتحريم وأما الأموال فإنه زعم أن الغصب فيها مع أدنى تغيير مملك فليغصب الحنطة وليطحنها فيملكها وأخذ يتكابس فرقا بين غاصب المنديل يشقه طولا أو عرضا ودرأ حد السرقة في الأموال الرطبة وفيما ينضم إليها وان لم تكن رطبة حتى قال لو سرق إناء من ذهب وفيه رطوبة نقطة من الماء فلا حد عليه ومن لم يشهد عليه جسه على الضرورة أن الصحابة رضي الله عنهم لو رفعت أليهم هذه الواقعة لكانوا لا يدرأون الحد بسبب قطرة من الماء تفرض في الإناء فليأيس من حسه وعقله هذا صنيعه في العقوبات ثم دقق نظره منعكسا على الاحتياط زاعما أنه لو شهد على السارق بأنه سرق بقرة بيضاء وشهد آخر بأنه سرق بقرة سوداء قال اقطع به لاحتمال أن البقرة كانت مبرقشة اللون من سواء وبياض في نصفيها فالناظر في محل البياض ظنها بيضاء بجملتها ثم أردف جميع قواعد الشريعة بأصل هدم به شرع محمد  قطعا حيث قال شهود الزور إذا شهدوا كاذبين على نكاح زوجة الغير وقضى به القاضي مخطئا حلت الزوجة للمشهود له وان كان عالما بالتزوير وحرمت على الأول بينه وبين الله هذا ترتيب مذهبه وإنما ذكرنا هذا المسلك لان ما قبله من المسالك يعسر على العوام دركها وهذا مما يفهم كل غر غبي وصبي فلولا شدة الغباوة وقلة الدراية وتدرب القلوب على اتباع التقليد والمألوف لما اتبع مثل هذا المتصرف في الشرع من سلم حسه فضلا من أن يسند نظره وعقله ومن هذا اشتد المطعن والمغمز من سلف الأئمة فيه إذ اتهموه برومه خرم الشرع وهو الذي ألحق به القاضي قوله في مسألة المثقل وقال من زعم أن القاتل لم يتعمد القتل به وان لم يعلم نقيضه فليس من العقلاء وان علمه فقد رام خرم الدين وأما الشافعي رضي الله عنه فقد رد عليه في هذه القواعد وأحسن ترتيب النظر في الأصول على وجه لا ينكره إلا معاند ولعل الناظر في هذا الفصل يظننا نتعصب للشافعي متغيظين على أبي حنيفة لتطويلنا النفس في تقرير هذا الفصل وهيهات فلسنا فيه إلا منصفين ومقتصدين مقتصرين على اليسير من الكثير وحق كل متمار فيه أن ينصف ويراجع عقله وينقض شوائب الألف والتقليد عن قلبه ويستوفق الله تعالى في نظره ويتأمل هذه القواعد تأمل من يجوز الخطأ على أبي حنيفة نازلا عن غلوائه في التعصب له ليتضح له على قرب ما ادعيناه إن استد نظره ووقر الدين في صدره وعرف مذاق الشرع وصدره وما اعتنى الشارع به في تفاصيل أحواله هذا تمام القول في الكتاب وهو تمام المنخول من تعليق الأصول بعد حذف الفضول وتحقيق كل مسألة بماهية العقول مع الإقلاع عن التطويل والتزام ما فيه شفاء الغليل والاقتصار على ما ذكره إمام الحرمين رحمه الله في تعاليقه تبديل وتزييد في المعنى وتعليل سوى تكلف في تهذيب كل كتاب بتقسيم فصول وتبويب أبواب روما لتسهيل المطالعة ثم مسيس الحاجة إلى المراجعة والله أعلم بالصواب